← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21761

جامع خطب عرفة لعبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (196 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أمة الإسلام، إن هذا القرآن الحكيم عملت به أمة الإسلام قرونا عديدة، راضية به محكمة له، فنالت العزة والتمكين، وكانت مهيبة الجناب، محوطة بحفظ الله ورعايته وحمايته. وفي هذه الأزمان -للأسف الشديد- هناك فئة من الناس تدعو إلى محاربة القرآن، إلى معاداة القرآن، إلى فصل القرآن عن نظم الحياة، إلى الاعتياض عن هذا القرآن بنظم وقوانين ضالة مضلة جائرة لا خير فيها، إن كل حكم سوى حكم القرآن والسنة، فهو الحكم الجاهلي الباطل، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) . [الرد على أعداء الإسلام الذين يتنقصون من شأن القرآن الكريم] إن الله أمرنا أن نتدبر القرآن ونعمل بمقتضاه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) ، إن المنادين بعزل القرآن عن نظم الحياة ونبذ أحكامه والإعراض عن تنفيذها، إنما هم قوم أصيبوا بمرض في قلوبهم، وتلك وراثة ورثوها من إخوانهم أهل الكفر والضلال والنفاق، فلقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا سمعوا القرآن استهزءوا به وسخروا بآياته، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (٣) ، وهكذا أعداء الإسلام إذا دعوتهم إلى القرآن وإلى تحكيمه وإلى العمل بمقتضاه قالوا: تلك أمور انتهت، وقرون مضت، وأجيال سلفت، وإن العالم بحاجة إلى نظم عصرية وقوانين حديثة تنظم شئون حياتهم، لعمر الله إنه الكذب والافتراء، وإنها مقالة الكفر، تشابهت في الكفر مقالتهم، فاعملوا بكتاب الله وحكموه وتحاكموا إليه، واعملوا به واجعلوه نظام حياتكم، لتعيشوا سعداء أمناء، إن القرآن الكريم يدعو

стр. 142

أتباعه إلى كل خير، ويهديهم إلى السعادة، ويدلهم على أسباب القوة والعزة والتمكين. “ قصة نزول آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) في يوم عرفة، وبيان عظمتها “ أمة الإسلام، أمة القرآن، في هذا اليوم المبارك وأمة الإسلام يتذكرون عظيم نعم الله عليهم، وعظيم فضل الله عليهم، وعظيم كرم الله عليهم، حيث أنزل على نبينا ﷺ آية في كتاب الله ازداد بها المؤمنون عزا وفخرا، وازداد بها الحاقدون على الإسلام غيظا وحنقا؛ أنزل الله في هذا اليوم المبارك قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) ، هذه الآية نالت بها الأمة المحمدية المجد والسؤدد والفخر، نالت بها العزة والظهور على العالمين، إنها آية عظيمة لم يستطع أعداء الإسلام أن يخفوا حقدهم وغيظهم على المسلمين بإنزالها؛ عن عمر بن الخطاب ﵁ أن «رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال:، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة (٤) » أجل إنها نعمة لم تنلها أمة قبلكم، ولن يحوزها أحد غيركم من الأمم، كل شريعة لنبي من أنبياء الله خاصة ببيئته وخاصة بقومه، أما شريعة محمد ﷺ فإلى الثقلين الإنس والجن إلى قيام الساعة، فقد أكمل الله الدين، وأتم

стр. 143

النعمة، ورضي الإسلام دينا، فلنرض بما رضي الله لنا، ولنحمد الله على هذه النعمة والفضل، ونسأله الثبات على الإسلام إلى أن نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين. أمة الإسلام، يا أمة محمد ﷺ ، يا خير الأمم وأكرمها وأفضلها على الله، يا من فضلكم الله بأفضل نبي، وأكرم كتاب، وأكمل شريعة، اعلموا أن هذا الفضل العظيم لن تنالوه إلا إذا حكمتم شرع الله، وعملتم بهذا الدين، وتآلفت عليه قلوبكم واجتمعت عليه كلمتكم. “ سعي أعداء الأمة لتشتيت شملها وتفريق صفوفها، وحقدهم على الإسلام وأهله “ إن أعداءكم يا أمة الإسلام يحاولون تفريق شملكم وتشتيت صفوفكم، وإيقاع العداوة والبغضاء بينكم، يحاولون أن يضربوا بعضكم ببعض، يحاولون أن يسلطوا بعضكم على بعض، فاحذروا مكايدهم، واحذروا ضلالاتهم، إنهم يعلمون أن اجتماعكم واعتصامكم بدين الله وتآلف قلوبكم قوة لا تغلبها قوة، لا يستطيع أي عدو أن يحطمها، فتمسكوا بهذا الدين واعملوا به واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون. أمة الإسلام، إن أعداءكم يتمنون من قلوبهم أن تتركوا دينكم، أن تفارقوا إسلامكم، يقول الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) ، لأن تمسككم بإسلامكم حصن حصين يقيكم مكايد الأعداء وشرورهم، وإن كل فرقة واختلاف فإنما ذلك قوة لعدوكم عليكم، أنتم خير الأمم وأكرمها على الله، أنتم مؤهلون لقيادة البشرية كما قال الله -جل وعلا-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) ، وقال -سبحانه-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣) . فحذار حذار أمة الإسلام من مكايد أعداء الإسلام، إنهم ينسبون كل

стр. 144

ضعف وتخلف للأمة، ينسبونه إلى تمسكنا بديننا واعتصامنا به، وهذا من الكذب والافتراء، فالدين يدعونا للقوة والعزة والعمل بالأسباب النافعة، والأخذ بكل نافع مفيد في مصالح دنيانا مما لا يتنافى مع ديننا، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (١) ، وقال –سبحانه-: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) . أمة الإسلام، إن أعداءكم يحاولون أن يوجدوا بينكم البغضاء والعداوة، ويشتتوا شملكم ويحدثوا بينكم فرقة واختلافا، فحذار من مكايد أعدائكم، حذار من ضلالاتهم، حذار من إيحاءاتهم الباطلة، إنهم ينسبون الأمة الإسلامية إلى التخلف والرجعية، ليفتوا من عضدها، ويقللوا من شأنها، والأمة متى عادت إلى رشدها وتمسكت بدينها واعتصمت بوحي الله، فإنها بتوفيق الله ستقف أمام مكائد الأعداء ولا يضرها شيء بتوفيق الله وعزته وقوته. النبي ﷺ قال: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا (٣) » فإذا فعلوا ذلك فإن العدو سيسلط عليهم ويفكك شملهم، ويجعلهم أمة تابعة له، فاحذروا يا عباد الله ذلك، وتمسكوا بدين الله واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون.

стр. 145

“ فضل البلد الحرام وذكر بعض مما خصه الله تعالى به “ أمة الإسلام، أمة القرآن، إن الله ﷻ لما خلق الأرض اختار منها البلد الحرام، فجعله خير بقاع الأرض وأشرفها وأفضلها، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) ، اختار البلد الأمين فخصه بخصائص لم تكن لغيره من بقاع الأرض. ومن ذلك أن الله ﷻ جعله مثابة للناس، أودع في قلوب المؤمنين حب بيت الله الحرام والشوق إلى بيت الله الحرام، فما زاره مسلم إلا وفي قلبه حب وتطلع بأن يعود إلى البيت الحرام ثانية. جعله الله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا ينفر فيه صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمن كان معرفا لها. أوجب الله على المسلمين استقباله في مشارق الأرض ومغاربها، يقول الله : ﴿الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) . وألزم المسلم أن يزوره في عمره مرة، ليطوف به لله ويصلي إليه لله، عهد الله ببناء هذا البيت إلى نبيين من أنبيائه: إبراهيم، وإسماعيل ﵉، قام على إخلاص الدين لله، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) ، فليس في الدنيا بيت يشرع الطواف به إلا بيت الله الحرام، ليس في الدنيا موضع يشرع تقبيله واستلامه إلا الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني. “ لا يشرع للمسلم الطواف بقبر النبي ﷺ وقد نهى ﷺ عن ذلك أشد النهي “ أمة الإسلام، هذا شيء من فضل الله وما خص به هذا البيت العتيق، إن كل مسلم يعلم أن أشرف قبر يحوي أشرف جسد هو قبر محمد ﷺ ، ويا ترى هل شرع للمسلمين أن يطوفوا بقبره ويتخذوه كالبلد الأمين

стр. 146

يطوفون بقبره؟ لا والله لم يشرع ذلك، لا انتقاصا من حق المصطفى، فإن محبته في قلب المؤمنين فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، لكنه نهانا فانتهينا وقال لنا: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني (١) » وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢) » وقال وهو في كرب السياق: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (٤) » فسمع المسلمون وأطاعوه وزاروا مسجده، ولم يتخذوا قبره مزارا ولا مطافا؛ لعلمهم بكراهيته لذلك، فإن الله بعثه ليدعو العباد إلى عبادة الله، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٥) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) ، فطوافنا بالبيت عبادة لله ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (٧) . “ من دعا إلى عبادة القبور والتوجه لها فقد بدل دين الله تعالى “ أما من أراد أن يحول وجوه الناس ويجعل لهم عوضا فيما يزعم عن هذا البيت الحرام، ويصرف حجهم كما يظن إلى أي بقعة من الأرض كائنة من كانت، فقد ضل وأضل، وضل عن سواء السبيل، وبدل دين الله، فإن الله أوجب الحج إلى بيته الحرام، وأوجب الطواف ببيته الحرام، فليس في الدنيا مكان شبيه لهذا البلد الأمين ولا مماثلا له، ومن ادعى غير ذلك فقد ضل سواء السبيل، وأتى بزور من القول وبهتان.

стр. 147

“ كل ما تقوم به الجهات المختصة من جهود عظيمة إنما هي لتيسير مناسك الحج “ حجاج بيت الله الحرام، وطأت أقدامكم بلد الله الأمين فوجدتموه -ولله الفضل- حرما آمنا مطمئنا، رخاء سخاء آمنا من كل بلاء، موسعا رزقه دائما خيره، فاحمدوا الله على هذه النعمة أن بلغكم الوصول إليه فوجدتموه في غاية مما يسر كل مسلم، حرما آمنا رخاء قد وفر الله فيه رغد العيش، وهيأ له قيادة حكيمة، نذروا أنفسهم لله ثم لمصالح إخوانهم المسلمين، ضحوا بكل غال ونفيس في سبيل المحافظة على أمن هذا البلد الأمين، وفي سبيل راحة الحجيج حتى يخرجوا منه وهم في نعمة وسرور، وهذا – ولله الفضل والمنة – يحس به كل زائر لهذا البلد الأمين، ويرى من التيسيرات والتسهيلات ما لا يخفى وما لا يجحده إلا حاقد. “ التحذير من تهديد أمن البلد الأمين وتخويف الحجيج فيه “ أمة الإسلام، إن كل من يريد تهديد أمن هذا البلد الأمين وتخويف الحجيج فيها، فشره ليس موجها لفئة من الناس، ولكن هذا الشر موجه ضد الإسلام، وهو محاربة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، وهو النفاق المستكن في قلوبهم، غاظهم ما رأوا من نعم الله على هذا البلد الأمين وما يتمتع به من استقرار ورغد، فأرادوا به كيدا فرد الله كيدهم في نحورهم، وجعل الله تدبيرهم تدميرا عليهم، وله الفضل والمنة، وهذه سنته في كل من أراد هذا البلد الأمين بسوء، يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (١) ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (٢) ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ (٣) ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٤) ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٥) ، ولكل مريد سوءا بهذا البلد الأمين نصيب من الشر والبلاء بتوفيق الله ورحمته، فإن الله جعلها حرما آمنا، وواجب على كل مسلم أن يعظم هذا البيت ويحفظ له حرمته

стр. 148

وكرامته، فله الفضل والمنة، والبلد الأمين يعيش أمنا واستقرارا ومواصلة للجهود ومضاعفة لكل جهد في سبيل راحة الحجيج، فاشكروا الله على هذه النعمة، واسألوا الله لولاة المسلمين التوفيق والسداد والهداية. “ وجوب الحج مرة في العمر وذكر منافعه “ حجاج بيت الله الحرام، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعلها خامس أركان الإسلام، أوجبها على المسلم القادر ببدنه وماله في عمره مرة، متى أداه فقد برئت ذمته. خطب نبيكم ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم "، ثم قال: " ذروني ما تركتكم (١) » فصلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين. بين الله الحكمة من الحج فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢) ، إن هذه المنافع عظيمة، فمن أجل وأعظم تلك المنافع ما حدا بالمؤمن إلى أن يفارق أهله وبلده وماله استجابة لله وتلبية لنداء الخليل ﵇، إنه الإيمان الراسخ في القلب. ومن تلكم المنافع ما يراه المسلم من التحام صفوف المسلمين في هذه المشاعر المقدسة رغم اختلاف اللون واللغة والجنس، ولكن وحدتهم رابطة الإيمان وجمعتهم أخوة الإسلام، إن المسلم يرى هذا الدين قويا عزيزا، ولا يزال ولله الحمد قويا عزيزا – رغم ما بذل الأعداء من محاربة لهذا الدين – فلا يزال ولله

стр. 149

الحمد قويا عزيزا، «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (١) » وما دام هذا البيت يطاف به، فإن العالم في أمان من الكوارث ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (٢) . “ ذكر صفة حجة النبي ﷺ “ أمة الإسلام، حج نبيكم ﷺ حجة واحدة بعد الهجرة، سماها "حجة الوداع"، ودع فيها الناس، وأخبرهم أنه لا يلقاهم بعد عامه هذا، وقال لهم: «خذوا عني مناسككم (٣) » قالها بعد كل قول قاله أو عمل عمله، خرج ﷺ حتى أتى بطن هذا الوادي، فخطب فيه خطبة قليلة الألفاظ كبيرة المعاني؛ لأن الله أعطاه جوامع الكلم، جاء فيها: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى (٤)

стр. 150

الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات» “ ذكر أوامر الرسول ﷺ ونواهيه في خطبة حجة الوداع “ ففي هذه الخطبة العظيمة بين ﷺ حرمة دماء المسلمين وأموالهم، وأن الأصل في دمائهم الحرمة إلا بسبب شرعي، كذلك أموالهم، وبين أن مآثر الجاهلية وفخرها وعصبيتها قد ألغاها بالإسلام، والإسلام جب ما كان قبله وهدم ما كان قبله، وألغى الربا وبين أنه موضوع، فإن الربا محاربة لله ولرسوله، وهو من أعظم الظلم، فإن الربا ظلم للعباد وأكل للمال بغير الحق، وكانت الجاهلية يتعاملون بالربا، ويعدونه وسيلة لثروتهم ونمو أموالهم، فجاء الله بالإسلام وحرم الربا؛ لما يشتمل عليه من المفاسد والأضرار، فمن لم يعتقد تحريمه بعدما بلغه نصوص القرآن، فإنه ضال مضل والعياذ بالله، وأخبرهم أن للنساء حقوقا وعليهن واجبات، ليبين أن الإسلام راعى المرأة وأنزلها المنزلة اللائقة بها، وذلك ضد ما يتصوره أعداء الإسلام الزاعمين أن الإسلام أهدر حقوق المرأة وأهانها، ولعمر الله إن الإسلام أنزلها المنزلة اللائقة بها، ثم أخبرهم، أنه ترك فيهم كتاب الله، فما داموا معتصمون به فلن يضلوا، بل سيكونون سعداء ما داموا متمسكين بكتاب الله وعاملين به، واستشهدهم على أنه بلغهم رسالة الله، فقالوا بأجمعهم: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، وكل مسلم يشهد لك بذلك، نشهد له بالله أنه بلغ وأدى ونصح وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يضل عنها بعده إلا هالك. وبعد هذه الخطبة أمر المؤذن فأذن فصلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين جمعا وقصرا جمع تقديم – وهذا ما سنفعله إن شاء الله بعد قليل -، فإن جمع

стр. 151

الحجاج هاتين الصلاتين بعرفة سنة محمد ﷺ . وبعد ذلك «وقف بعرفة وقال لهم: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف (١) » وقال: «وارفعوا عن بطن عرنة (٢) » عليك أيها الحاج أن تبحث عن حدود عرفة، وقد وضعت ولله الحمد أعلاما تدل على عرفة وتميزها عما سواها، وأخبرهم أن «الحج عرفة (٣) » وأن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر. “ فضل يوم عرفة “ وفي هذا الموقف العظيم وقف المصطفى راكبا على راحلته متضرعا بين يدي ربه، راجيا راغبا، مستقبل القبلة حتى غربت الشمس، وبين فضل ذلك اليوم وأنه «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٤) » وإنه يباهي بهم عشية هذا اليوم، يباهي بهم ملائكته، يقول: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا ضاحين، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٥) » فتعرضوا لنفحات ربكم وارجوه من فضله، وتوبوا إليه مما سلف وكان من الإساءة والتقصير، فإن الله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٦) . وقف مستقبلا القبلة يدعو الله حتى غربت الشمس وتأكد من غروبها، وقال: «هدينا مخالف لهديهم (٧) » فإن المشركين يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، أما المسلمون فيبقون فيها إلى أن تغرب الشمس، فمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فقد أخطأ وعليه دم، فعلى المسلم أن يبقى بها إلى أن تغرب

стр. 152

الشمس ويتأكد من غروبها. ثم انصرف إلى مزدلفة، وكانت عليه السكينة في سيره، ويدعو أمته لذلك إن رأى فرجة أسرع، وإن رأى ضيقا تمهل، ليعلم أمته أن لا يضر بعضهم بعضا، ولا يحطم بعضهم بعضا. أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، المغرب ثلاثة، والعشاء ركعتان عند وصوله إلى مزدلفة، والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج بنص القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) ، وقال ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد أتم حجه وقضى تفثه (٢) » ويجوز الانصراف منها بعد غيبوبة القمر؛ لأن النبي ﷺ رخص للنساء والضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة بعد مضي نصف الليل بعد غيوب القمر، والمستحب أن يصلي بها الفجر اقتداء بالنبي ﷺ ، فاحذروا أيها الحجاج أن تخلوا بالمبيت بمزدلفة، فإن من أخل بها فقد ترك واجبا من واجبات الحج. “ التحذير من الغلو في دين الله والزيادة فيما لم يشرع “ ثم إنه ﷺ صلى الفجر بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام، ثم انصرف إلى منى قبل أن تطلع الشمس، والتقط حصى الجمار سبعا في طريقه من مزدلفة إلى منى، وهن مثل حصى الخذف، وقال: «أمثال هؤلاء ترمون "، ثم قال: " يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين (٣) » يحذر أمته من

стр. 153

الغلو في دين الله والزيادة فيما لم يشرعه الله، فإن الغالي في دين الله على خطر عظيم؛ لأن الغالي يرى نفسه على حق وهو على غير هدى، فليس بواجب أن تلتقط الجمار كلها من مزدلفة، بل تلتقطها من مزدلفة أو منى. أتى النبي ﷺ منى فبدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، وهذه سنن يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، فالسنة ترتيبها هكذا: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، والحلق أفضل؛ لأنه ﷺ دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة، ثم الطواف بالبيت، ومن قدم شيئا على شيء فلا حرج عليه، فقد «سئل ﷺ فقال له رجل: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: " ارم ولا حرج ". فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: " افعل ولا حرج (١) » وبعد أن طاف بالبيت طواف الإفاضة -صلوات الله وسلامه عليه- رجع إلى منى فبات بها ليالي التشريق، والمبيت بمنى من واجبات الحج؛ لأن النبي ﷺ رخص للعباس لأجل سقايته، فدل على أن الرخصة مستثناة من أمر واجب. وكان يرمي الجمار في أيام التشريق بعد الزوال، يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، فرماها أيام التشريق الثلاث، والمبيت بمنى واجب ليلتين لمن أراد التعجل، وثلاثا لمن أراد التأخر، ثم ينفر النفر الأول، ومن أراد التأخير فليرم يوم

стр. 154

العاشر ويوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) . أيها المسلم، إن كنت قادرا بنفسك على رمي الجمار فذاك أفضل مع احترام إخوانك وعدم إلحاق الضرر والأذى بهم، وإن كنت عاجزا عن الرمي لمرض أو كبر، أو كانت امرأة ربما يشق الرمي عليها، فجائز أن توكل غيرها ليرمي عنها، والنائب في الرمي يرمي الأولى عن نفسه ثم عن موكله، ثم يرمي الوسطى عن نفسه ثم عن موكله، ثم يرمي العقبة عن نفسه ثم عن موكله، ومن شق عليه الرمي في اليوم الحادي عشر وأخره إلى الثاني عشر أو الثالث عشر فالكل جائز؛ لأن الله يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) ، وقبل انصرافك من مكة أخي الحاج طف طواف الوداع مودعا بيت الله، سائلا الله القبول والتوفيق والهداية. “ أداء فريضة الحج لا يسقط بقية واجبات الإسلام “ حجاج بيت الله الحرام، إن حج بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام، قد يتصور البعض من الناس أن حج بيت الله يسقط عنه واجبات الإسلام وتكاليف الشريعة، فيظن أنه إذا حج وترك فرائض الإسلام فلا شيء عليه، وذاك من وساوس الشيطان. “ ينبغي للحاج أن يجعل حجه نقلة من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح “ فيا أيها الحاج المسلم، اتق الله في حجك، واجعل حجك نقلة لك من شر إلى خير، ومن فساد إلى صلاح، ومن انحراف إلى استقامة، واسأل الله المزيد من فضله، قال النبي ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه (٣) » وقال: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٤) »

стр. 155

تضرعوا بين يدي ربكم واسألوه من فضله وكرمه، اسألوه الثبات على دينه والاستقامة على الهدى، اسألوه الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، يقول الله في حق العباد: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) ، فأتبعوا العمل الصالح بأعمال صالحة؛ ليبقى الثواب والأجر إن شاء الله. اللهم وفق المسلمين، اللهم اغفر للمسلمين، اللهم اجمع كلمتهم ووحد صفوفهم، اللهم اغفر لجميع أموات المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم من أرادنا وسائر المسلمين بشر فاجعل شره في نحره، اللهم تقبل منا حجنا، اللهم اجعل حجنا مبرورا، وسعينا مشكورا، وذنبنا مغفورا، اللهم انصر دينك وكتابك ونبيك وعبادك الصالحين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده وحكومته لما تحبه وترضاه، اللهم أيده بنصرك وكن له عونا ونصيرا، اللهم وفقه لكل عمل صالح، وجازه عن الإسلام والمسلمين خيرا، إنك على كل شيء قدير، ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تعجل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا

стр. 156

وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أعاده الله على عموم المسلمين وعلينا جميعا باليمن والبركة والخير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

стр. 157

خطبة عام ١٤١٠ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: “ الوصية بتقوى الله ، وبيان الحكمة من إرسال الرسل، وذكر أولي العزم منهم “ أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوه تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه، لتكونوا من السعداء في الدنيا والآخرة. أمة الإسلام، إن من كمال حكمة الرب وكمال عدله أن بعث رسله مبشرين ومنذرين، ليقيم بهم حجته على العباد ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢) ، جعل الله الرسل متفاوتين في الفضل ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) . “ فضل الرسول ﷺ على سائر الأنبياء “ اختار أولي العزم الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيد ولد آدم محمد ﷺ ، واختار الخليلين: إبراهيم، ومحمد، ثم اصطفى محمدا ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين، وجعله سيدهم، بل وأفضل الخلق، فهو أفضل خلق الله على الإطلاق.

стр. 158

بعثه ﷺ برسالة عامة إلى جميع الثقلين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ، بعثه على حين فترة من الرسل واندراس من العلم والهدى. وقد طبق الأرض جهل عظيم وضلال مبين، واندرست الملة الحنيفية، فلم يبق عليها إلا نذر من الناس، « (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقية من أهل الكتاب) (٢) » افترض الله على الجميع طاعته ومحبته والانضواء تحت لوائه كما قال -جل وعلا-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣) . “ حقوق الرسول ﷺ على أمته، ومنها: الإيمان به وتصديق رسالته “ أمة الإسلام، إن لهذا النبي الكريم ﷺ حقوقا يجب علينا رعايتها والقيام بها: فأعظم حق له ﷺ علينا أن نؤمن به ونصدق برسالته، ونعتقد أنه عبد الله ورسوله، الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ شرعه ودينه، فإن الإيمان به إحدى ركني التوحيد، إذ التوحيد قائم على ركنين: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ . وإن اسم الإسلام بعد مبعثه ﷺ خاص بما جاء به، وكان اسم الإسلام عاما لجميع ديانات الرسل، وبعد مبعث محمد ﷺ صار مسمى الإسلام خاصا بشريعته التي بعث بها ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) ، ويقول النبي ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لا (٥)

стр. 159

يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» “ ومن حقه ﷺ علينا: طاعته فيما أمر ونهى “ ومن حقه ﷺ علينا: طاعته فيما أمرنا به، فإن طاعته طاعة لله، وإن معصيته معصية لله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) ، ويقول ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: " من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (٣) » “ ومن حقه ﷺ علينا: تحكيم سنته والتحاكم إليها “ ومن حقه ﷺ علينا: أن نحكم سنته، وأن نتحاكم إليها، وأن نستجيب لمن دعانا إلى التحاكم إليها، وأن نرضى بحكمه ونسلم، وأن لا يكون في صدورنا حرج من أي حكم حكم به ﷺ ، يقول الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) ، وقال –سبحانه-: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) ، والذين لا يرضون بحكمه في قلوبهم مرض النفاق، وارتياب من رسالته ﷺ قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٦) .

стр. 160

[ومن حقه – ﷺ علينا: ألا تكون لنا خيرة من أمرنا إذا قضى أمرا، وأن يكون هوانا تبعا لما جاء به] ومن حقه ﷺ علينا: أن لا تكون لنا خيرة في أي أمر أمرنا به أو نهي نهانا عنه، أو حكم حكم به، لأننا نعتقد اعتقادا جازما أنه أولى بنا من أنفسنا ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) . ومن حقه ﷺ علينا: أن يكون هوانا ومرادنا تبعا لما جاء به ﷺ ، فإذا تعارض في نظر العبد أمران: أمر هوى النفس، وأمر جاء به المصطفى ﷺ ، فلنقدم ما جاء به المصطفى ﷺ على هوى النفوس ومشتهياتها، فهو ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٣) » [ومن حقه ﷺ علينا: أن نحبه محبة صادقة] ومن حقه ﷺ علينا: أن نحبه المحبة الصادقة، فأصل محبته من أصول الإيمان، وكمالها من كمال الإيمان، وهي أن نحبه محبة فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، يقول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (٤) » وكلما قويت محبة العبد لمحمد ﷺ قوي الاتباع والاقتداء. [ومن حقه ﷺ علينا: اتباع منهجه] ومن حقه ﷺ علينا: أن نتبع منهجه ونقتفي أثره، ونسير على ما سار عليه قدر الاستطاعة والإمكان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) ،

стр. 161

وقال : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١) ، وقال : ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) ، وإن المؤمن ليجد نفسه منشرحا بالاقتداء بالمصطفى ﷺ ، فهو على يقين جازم أن المصطفى ﷺ أكمل الخلق أخلاقا وأحسنهم سيرة، وأعلاهم فضيلة، قال الله تعالى في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤) . “ حرص الصحابة ﵃ على نقل كل شأن من شئون حياته ﷺ “ أمة الإسلام، إن أصحابه الكرام نقلوا لنا حياته ﷺ ، كأن المسلم يشاهد ذلك عيانا، نقلوا ذلك لنا كله لنقتفي أثره ونسير على نهجه، فهاهم ﵃ وأرضاهم- ينقلون لنا حياته ﷺ ، هذا يصف لنا وضوءه، وهذا يصف صلاته، وهذا يصف حجه، وهذا يصف كل أحواله العبادات والعادات، ما افترض علينا العمل به، وما استحب لنا ذلك، فنقلوا لنا كيف كان يأكل، وكيف كان يشرب، وكيف كان ينام، وأحواله في سفره وإقامته، وأحواله في جميع تعامله، حتى سيرته مع أهله، كل ذلك سجلوه ليحثوا الأمة على اقتفاء أثره والسير على نهجه؛ لأن ذلك عنوان الإيمان الصادق. “ ومن حقه ﷺ علينا: أن ننصر سنته وندافع عنها “ ومن حقه ﷺ علينا: أن ننصر سنته، وأن ندافع عنها، وأن نزيل كل شبهة لفقت بسنته ﷺ ، فإن الواجب على المؤمن أن

стр. 162

ينصر هذا النبي الكريم بقلبه ولسانه وجوارحه، وإن نصرته من واجبات الإيمان، يقول الله : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) . فلقد نصره أصحابه الكرام، ودافعوا عنه ﷺ ، بكل غال ونفيس، وإن المسلم في كل زمان ينصر هذا النبي الكريم بنصرة سنته، بدعوة الخلق إلى العمل بها، بالدفاع عنها، بإزالة كل شبهة لفقها المضلون والجاهلون. أمة الإسلام، أمة القرآن، إن سنة محمد ﷺ هي الوحي الثاني، قال ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (٢) » وهو معصوم فيما يبلغ عن الله، يقول : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) . “ كشف خطر من يحاول زعزعة ثقة المسلم بسنة الرسول ﷺ وتحذير المسلمين منه “ أمة الإسلام، إن هناك فئة من الناس تحاول زعزعة ثقة الأمة بسنة نبيها ﷺ ، وإن هم إلا أعوان الشياطين، تصديقا لقوله –سبحانه-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥) ، وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٦) . فتراهم يرون العقل مقدما عليه، وأنه يجب أن يحكم العقل على ما قاله المصطفى ﷺ ، فما وافق عقولهم وأهواءهم قبلوه، وما لم تقبله

стр. 163

عقولهم رفضوه، وهذا عين الجهل والضلال، فأي عقل من عقول البشر يكون حكمه على سنة المصطفى ﷺ ليقبل بعضه ويرد بعضه؟! وتارة يطعنون في حملتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. “ قد تكفل الله بحفظ سنة نبيه ﷺ “ والله -جل وعلا- قد تكفل بحفظ سنة نبيه ﷺ ، يقول : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ، هيأ الله له رجالا حملوها ومحصوها وصانوها عن كل ما لفق بها، يقول ﷺ : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " حفظوها ودونوها في دواوين لا تزال خالدة باقية بين المسلمين، يتلونها ويعملون بها ويدعون لحملتها بالرحمة والرضوان. أمة الإسلام، انصروا سنة نبيكم ﷺ ودافعوا عنها ولا تصغوا إلى شبه المشبهين وضلالة المضلين. يا علماء الإسلام، إن الواجب علينا أن نقبل سنة المصطفى وأن نرضى بها وأن نعمل بها وأن ننقاد إليها وألا نحكم عقولنا فيها فعقولنا قاصرة من أن تكون حكما على ما قاله المصطفى ﷺ . أمة الإسلام، إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ برسالة شاملة عامة إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم واختار لمبعثه أم القرى مكة – شرفها الله وزادها تعظيما وتشريفا – استجابة لدعوة الخليل ﵇ حيث قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢) .

стр. 164

فبعث الله محمدا ﷺ في الأميين من العرب، وانطلقت دعوته من مكة المكرمة شرفها الله حتى عمت جميع الجزيرة، فلما انقادت الجزيرة لها ودخلوا في دين الله وقبضها الله إليه، قام أصحابه بهذا الدين، ففتحوا البلاد وأناروا قلوب العباد، حتى أعلى الله دينه تصديقا لقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) . “ بيان حال العرب قبل الإسلام وبعده “ إن المتدبر لحال العرب قبل الإسلام يعلم أنهم في غاية من الضلال، في غاية من الجهل والإعراض، في جهالة جهلاء وضلالة عمياء، لا يعرفون منكرا من معروف، ولا حقا من باطل، متفرقين تسودهم الحروب الطاحنة، يقضي القوي على الضعيف، فهم في غاية من الجهل والضلال كما قال الله لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٢) . “ عزة المسلم في التمسك بإسلامه ولا عزة له بسواه “ فلما انقادوا للإسلام واستجابوا لله ورسوله، جمع الله بالإسلام شتاتهم ووحد بهم صفوفهم، وأعزهم به بعد الذلة، وأغناهم بها بعد العيلة، وجعلهم بالإسلام ملوكا على رقاب العباد. قال قتادة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٣) ، قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه جهلا، قوم يؤكلون ولا

стр. 165

يأكلون، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات تردى إلى النار، حتى جاء الله بالإسلام فأعز به من الذلة، وأغنى به من العيلة، ووسع به في البلاد، وجعلكم حكاما على رقاب العباد، فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله فإن الله شكور، وأهل الشكر منه في مزيد فيا معشر العرب، اتقوا الله في إسلامكم، اتقوا الله في دينكم، اعلموا أنه لا عز لكم ولا قدر لكم إلا إذا تمسكتم بهذا الدين وطبقتموه قولا وعملا، فهو الذي سيجمع قلوبكم، وهو الذي سيخلصكم من الكوارث، وهو الذي سيعزكم من الذل، ولا قدر لكم إلا بالإسلام، وأي ميثاق غير الإسلام فلن يحقق لكم ما تريدونه، تمسكوا بهذا الدين واجتمعوا عليه، وكونوا يدا واحدة على من ناوأكم فأي خلاف بينكم مهما كان نوعه فهو باب يلج عليكم من خلاله أعداؤكم، فاجتمعوا على دين الله وتمسكوا بهذا الدين واعملوا به لعلكم تفلحون. [خيرية أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، وأنها بفضل تمسكهم بإسلامهم] يا أمة الإسلام، يا خير أمة أخرجت للناس، أنتم أفضل الأمم وخير الأمم وأكرمها على الله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) ، هذه الخيرية لن تنالونها إلا إذا عملتم بمقتضاها، فاستمسكتم بدين الله، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وحكمتم دين الله في كل قليل وكثير. إن أعداءكم يا معشر المسلمين علموا فضلكم وعرفوا مكانتكم، ودرسوا تاريخكم الماضي الحافل بالأمجاد والمكارم، وعلموا أن تلك القوة إنما نلتموها بالإسلام، فسعوا جهدهم في القضاء على دينكم، جردوا لكم الحملات العسكرية ليقضوا عليكم فعجزوا ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢) .

стр. 166

وبعد ذلك سعوا في إضلالكم عن دينكم، نشروا عقائد الإلحاد والضلال، حاربوكم بما يسمى بالحرب الفكرية، حتى إن أعداء الإسلام لما استعمروا ديار الإسلام غيروا مناهج تعليمها، وجعلوها مناهج تخدم مبادئ أعداء الإسلام، ليتربى الأجيال على غير الإسلام، وتنقطع صلاتهم بدينهم وتاريخهم المجيد، فهل وعى المسلمون ذلك؟ وهل أحسوا بهذا الخطر؟ وهل فكروا أن يعيدوا مناهج تعليم أبنائهم على ضوء الإسلام، لكي يرتبط الحاضر بالماضي، ويكون بين هذه الأجيال الحاضرة وبين أسلافهم الأخيار صلة قوية بهذا الدين وآدابه وفضائله. “ تنوع أساليب أعداء الله في محاربتهم لدين الإسلام “ حاربوا الأمة اقتصاديا، فضيقوا الخناق عليها، وتدخلوا في شئونها الداخلية، حتى أضروا بها وأوحوا إليها أنه لا استطاعة لها أن تقف بنفسها، بل لا بد من عون أعدائها لها، وهم بذلك مخطئون ضالون، فهل فكر المسلمون في تحرير اقتصادهم من مبادئ أعدائهم؛ ليكون اقتصادا متفقا مع دينهم، ألم يأن للمسلمين أن يعلموا أن هذا يكفل لهم العيش في رخاء ورغد. أمة الإسلام، حاربنا أعداؤنا داخلا وخارجا، أحدثوا في الأمة الإسلامية أحزابا وطوائف وشيعا، سلطوا بعضها على بعض، دعموها بأسلحة الدمار والخراب، ليقضي المسلمون بعضهم على بعض، وليقتل بعضهم بعضا، وليهلك بعضهم بعضا، حتى يكون الميدان فسيحا لهم، خاليا من مقاومة المسلمين، فهل وعى المسلمون وعرفوا أن أعداءهم لا يريدون لهم نصحا، وإنما هم الأعداء الألداء. أمة الإسلام، إن إعلام الأمة الإسلامية واجبه في هذا العصر عظيم،

стр. 167

فعليه أن ينهض بمسئوليته ويقوم بواجبه، فالإعلام اليوم أصبح وسيلة بث ودعاية لكل ما يراد منه، فإن وجه التوجيه الطيب، أصلح بإذن الله، وإن وجه غير ذلك، صار وسيلة هدم وتخريب. “ دور الإعلام في نصرة الإسلام “ إعلامنا الإسلامي يجب عليه أن يقوم بمسئوليته، ويعلم أن أعداءنا عن قريب سوف يبثون البث المباشر إلى سائر بلاد الإسلام، ليصل هذا البث إلى منازل المسلمين ويخاطب أفرادهم على تنوع طبقاتهم ومعلوماتهم وتدينهم. الأعداء سوف ينشرون من البرامج ما هو سيئ وخبيث، فواجب إعلام الأمة أن يهتم بهذا، وأن يجند وسائله ليكون إعلاما صالحا يقاوم الشر بالخير، ويحصن الأمة عقيدة وديانة، ويزيدها وعيا وتفكيرا سليما، ويحذرها من الأضرار والأخطار، وهذا واجب جميع وسائل الإعلام أولا، ثم رجال التربية والتعليم، ثم المسئولين عن رعاية شباب الأمة الإسلامية ليحصنوها عقديا وفكريا وأخلاقيا ضد هذا الداء الخطير، حتى يكون إعلامنا إعلاما صالحا يخدم الخير ويدعو إليه، ويحذر من الشر ووسائله، وإن لنا بتوفيق الله لأمل كبير في إعلام بلادنا أن يخطوا الخطوة الأولى نحو الخير والصلاح، لتتبعه بقية وسائل إعلام الأمة الإسلامية، فتتضافر الجهود في سبيل تحصين العقيدة والأخلاق من أن يطرأ عليها ما يؤثر عليها، لا سمح الله. “ حقيقة الإسلام “ أمة الإسلام، إن هذا الدين الإسلامي قول وعمل واعتقاد، فلا بد من اعتقاد القلب، ولا بد من نطق اللسان وعمل الجوارح، هذا هو الإسلام النافع، هذا هو الإسلام المؤثر، وكما نسمع من منتسبين إلى الإسلام وهم بعيدون عن

стр. 168

تعاليمه وعن قيمه وأخلاقه، يدعون الإسلام وليس لهم بالإسلام صلة، فاحذروا ذلك يا عباد الله، وليكن إسلامكم إسلاما صحيحا قولا وعملا، واعتقادا وتمسكا بهذا الدين وتحكيما له. “ نداء إلى حكام المسلمين وقادتهم للعودة إلى الإسلام والتمسك به “ يا قادة الإسلام، يا حكام المسلمين، اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في شعوبكم، أصلحوا أوضاعهما، عودوا إلى الإسلام عودة صحيحة، تمسكوا بهذا الدين، حولوا النظم والقوانين إلى نظم الإسلام وتعاليمه؛ لتعيشوا أنتم وشعوبكم في رغد وأمان واستقرار ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) ، فلا عز لنا ولا استقرار لنا ولا أمان لنا إلا إذا كان هذا الدين دستور حياتنا ونظام حياتنا في كل قليل وكثير، وفق الله قادة المسلمين جميعا للتمسك بهذا الدين والعمل به وتحكيمه والدعوة إليه. “ نصيحة لدعاة الإسلام والمصلحين “ يا دعاة الإسلام، اتقوا الله في أنفسكم، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به واحذروا مكائد أعدائكم، فإن لأعدائكم مكائد عظيمة، احذروا مكائدهم، تمسكوا بهذا الدين علما وعملا، واعرضوه كما جاء عرضا صافيا خاليا من الأغراض والأهواء، خاليا من البدع والشبهات، إن هذا الدين إذا عرض على الملأ بصورته الصادقة، فالنفوس تقبله وتطمئن إليه، فاحذروا مكائد أعدائكم الذين ربما صوروا الإسلام أنه المخرب والمدمر والمفرق بين الشعوب، والمحدث البلبلة والاضطراب، احذروا مكائد أعدائكم فلا تصغوا إليهم، وتمسكوا بدينكم كما جاء عن ربكم ونبيكم ﷺ .

стр. 169

“ نداء إلى حجاج بيت الله الحرام ونصيحة لهم “ حجاج بيت الله الحرام، اليوم وقد انتظم عقدكم بهذا المكان المبارك، وحللتم تلك الديار المباركة، فاشكروا الله أولا وقبل كل شيء على نعمته عليكم بالإسلام، ثم على نعمته بتبليغكم الوصول إلى هذه الديار المقدسة، فتلك نعمة عظيمة من الله، حللتم بهذه الديار فوجدتموها – ولله الحمد – آمنة مطمئنة موفر فيها كل خير، فالحمد لله على فضله وكرمه، وهذا بتوفيق الله ثم بتحكيم شرع الله وإقامة حدود الله وردع كل من تسول له نفسه الإجرام والفساد، فهذه البلاد – ولله الحمد – تحكم شرع الله، وتقيم حدود الله، فمحاكم الشرع واضحة، والأحكام كلها خاضعة لشرع الله، مطبقة لأحكام الله على وفق كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ؛ ولهذا عاشت هذه البلاد – ولله الحمد – في أمان واستقرار وتعاون بين الأفراد والقادة، وارتباط وثيق قائم على مبدأ الإسلام، فالحمد لله على فضله وكرمه. حجاج بيت الله الحرام، إن الله افترض الحج على المسلمين، على كل مسلم في عمره مرة، فجعله فريضة العمر من أداه مرة فقد أدى الواجب، وما زاد فهو تطوع إن تيسر، قال النبي ﷺ : «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ ، فقال: رسول الله ﷺ : " لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم"، ثم قال: " ذروني ما تركتكم (١) » وهذا من فضل الله، فمن أدى الحج في عمره، فقد أدى الواجب وبرئت ذمته. “ وجوب الحج والحكمة من مشروعيته وتحقيق مبدأ المساواة فيه “ هذا المؤتمر العظيم الذي تلتقي فيه الأمة الإسلامية رغم اختلاف اللون واللغة والبلاد على هدف واحد: أخوة الإسلام، ووحدة الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) .

стр. 170

هذا المؤتمر العظيم الذي دعا إليه رب العالمين ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١) ، هذه المنافع العظيمة أصلها وأساسها انطلاق القلب إلى الله، وانجذابه إلى طاعته، حيث يفارق المسلم وطنه وأهله وبلده استجابة لنداء الله الذي فرض عليه ذلك، والتقاء المسلمين بعضهم ببعض، وتعارفهم وتآلفهم وسيلة قوية إلى قوتهم واستقامة حالهم، وفق الله المسلمين لما يحبه ويرضاه. حجاج بيت الله الحرام، إن الله من فضله وكرمه جعل هذا البلد الأمين تحت قيادة أمينة، بذلت كل غال ونفيس في سبيل توفير الراحة لحجاج بيت الله الحرام، وجهودها لا تزال متواصلة، فكل عام أفضل من ماضيه، وعلى مدار العام والخدمات متواصلة، والجهود والأفكار تتابع في سبيل إيجاد ما فيه راحة لحجاج بيت الله الحرام؛ ليؤدوا نسكهم في يسر وسهولة، وعلى رأس الجميع خادم الحرمين وإمام المسلمين – وفقه الله وولي عهده لما يحبه ويرضاه ووفقهم لكل خير وجزاهم عما فعلوا خيرا – كل هذه الجهود المتواصلة، إنما يبعث عليها طاعة الله والحرص على منفعة المسلمين؛ ليؤدوا نسكهم على الوجه المطلوب، فالحمد لله رب العالمين. “ ذكر لمحات من حجة الوداع “ حجاج بيت الله الحرام، حج نبيكم ﷺ حجة واحدة، تعرف عند المسلمين بأنها "حجة الوداع"، هذه الحجة العظيمة أعلمهم فيها مناسك حجهم، فما عمل عملا إلا قال: «خذوا عني مناسككم (٢) » وقال: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا (٣) »

стр. 171

جاء لموقف عرفة، فخطب الناس بوادي عرنة، خطبهم خطبة هدم فيها قواعد الشرك، وأعلن فيها قواعد الإسلام، وبين حرمة الدماء والأموال، وألغى مآثر الجاهلية وأعمالها السيئة، وبين ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات، وأوصى الناس بالتمسك بكتاب الله وأخبرهم أنهم لن يضلوا إن تمسكوا به واعتصموا به، ثم استشهدهم على أنه بلغهم، فأقروا جميعا بأنه بلغهم، وأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، فاستشهد الله عليهم بذلك ثم صلى الظهر والعصر جمعا وقصرا بأذان وإقامتين، أذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين، وما صلى قبلهما ولا بعدهما شيئا. ثم «وقف بعرفة وقال لهم: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف (١) » ليبين أن ليس للوقوف في عرفة مكان معين، بل جميع حدود عرفة أي موضع وقف فيه المسلم أدى الواجب، وفي هذا الموقف العظيم وقف يدعو راكبا على راحلته مفطرا، شك الصحابة هل كان مفطرا، فبعثوا إليه بقدح لبن فشربه والناس ينظرون إليه لأن المستحب للحاج بعرفة أن يكون مفطرا؛ ليتفرغ للدعاء والذكر. وهذا اليوم العظيم – أعني: يوم عرفة – يقول فيه ﷺ : «الحج عرفة (٢) » فهو ركن أساسي من أركان الحج، يبدأ هذا الوقوف من يوم عرفة، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر، فإنه ﷺ قال: «من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج (٣) » فمن لم يقف بعرفة إلا ساعة من نهار، ووقف بها إلى الغروب، أو أتاها بعد المغرب ووقف بها ولو قليلا، فإنه قد أدى الركن العظيم من أركان الحج.

стр. 172

“ مشروعية الدعاء والإلحاح في يوم عرفة “ أيها المسلمون، وهذا اليوم العظيم كان نبيكم ﷺ مشغولا فيه بدعاء الله والتضرع بين يديه، وكان يقول: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (١) » وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة (٢) فأكثروا فيه من الدعاء، وتضرعوا بين يدي ربكم، وتوبوا إلى الله مما سلف من سيئات أقوالكم وأعمالكم، فإن الله تعالى يقبل التوبة ويعفوا عن السيئات ويغفر لمن استغفره: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) . وجاء في الحديث يقول الله تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي (٤) » فتضرعوا بين يدي ربكم فهذا يوم عظيم، يوم يعتق الله فيه عبيده من النار، يقول النبي ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٥) » وقال ﷺ : «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة (٦) » «وأنه ينزل ﷻ إلى سمائه الدنيا عشية عرفة نزولا يليق بجلاله، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٧) » قفوا بهذا الموقف إلى أن تغرب الشمس اقتداء بنبيكم ﷺ ،

стр. 173

فإنه وقف حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة وغاب القرص، ثم انصرف بعد ذلك، وقال: «هدينا مخالف لهديهم (١) » وبعد غروب الشمس انصرفوا إلى مزدلفة اقتداء بنبيكم ﷺ ، فإنه ﷺ انصرف لما غربت الشمس من عرفة إلى مزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، أذن للأولى وأقام للأولى والثانية، فصلى المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بأذان وإقامتين، ولم يصل قبلها ولا بعدها. “ التعريج على صفة الحج وذكر سننها ومستحباتها “ وبعد مضي معظم الليل لا بأس بالانصراف من مزدلفة للضعفة والنساء، ومن سواهم عليه البقاء فيها إلى أن يصلي بها الصبح، ثم يدفع الحاج بعد ذلك إلى منى، ويبدأ أعمال يوم النحر برمي جمرة العقبة اقتداء بنبيكم ﷺ ، فإنه صلى الفجر بمزدلفة في أول وقت الفجر، ثم التقط حصى الجمار في طريقه من مزدلفة إلى منى سبع حصيات، فلما وضعهن في يده قال: «أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: " يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين (٢) » فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه. وهذه أفعال يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف والسعي، فمن استطاع ترتيبها كذلك، فذلك خير، ومن قدم بعضها على بعض، فلا حرج عليه، فنبيكم ﷺ «سئل يوم النحر قال له قائل: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: " ارم ولا حرج "، وقيل له: حلقت قبل أن أنحر، قال: " لا حرج "، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا (٣)

стр. 174

أخر من هذه الأنساك الأربعة إلا قال: افعل ولا حرج» . فإذا رمى المسلم جمرة العقبة، وقصر أو حلق رأسه – والحلق أفضل – حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، فحل له الطيب ولبس المخيط؛ لأن نبيكم ﷺ تطيب لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. ورمي الجمار واجب يفعله المسلم بنفسه، فإن عجز لمرض أو كبر أو زحم دونها ونحو ذلك من الأعذار، أناب عنه غيره، ولا بأس بذلك، قال جابر بن عبد الله ﵁: «حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم (١) » وهذا أصل في جواز النيابة في رمي الجمار لمن لم يكن مستطيعا. ثم طف بالبيت طواف الحج، فإن كنت أخي الحاج قارنا أو مفردا وسعيت مع طواف القدوم فلا تسع مع طواف الحج، وإن كنت متمتعا فاسع مع طواف الحج، فإن سعيك الأول إنما هو سعي العمرة. ثم بت بمنى ليالي التشريق اقتداء بنبيك ﷺ ، فارم الجمار يوم الحادي عشر: الصغرى بسبع حصيات، ثم الوسطى بسبع حصيات، ثم جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم اليوم الثاني عشر كذلك الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم إن أحببت أن تتعجل فاخرج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر، وإن أحببت أن تتأخر فتبيت في منى، وترمي الجمار الثلاث بعد الزوال يوم

стр. 175

الثالث عشر، فذلك خير، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) ، وقبل مغادرة هذا البلد الطاهر - مكة شرفها الله – طف بالبيت طواف الوداع، واسأل الله القبول والسداد. “ ذكر الموت وما بعده من النعيم والجحيم “ إخوة الإسلام، إن هناك حقيقة لا بد أن نتذكرها دائما، إنها حقيقة الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢) ، فتذكر أخي المسلم، حالتك عند الاحتضار، وكيف تعاني في تلك الساعة، وتذكر أن الناس على قسمين: فمنهم من تزف له البشارة ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣) ، وهؤلاء أهل الإيمان، وغيرهم قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) . تذكر أخي دخولك القبر وحلولك أول لحظة في أول منازل الآخرة، فإما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، تذكر ذلك القبر الذي تودع فيه وحيدا فريدا خاليا بعملك، فإما عمل صالح تزداد به أنسا وسرورا، وإما عمل سيئ تزداد به وحشة إلى وحشتك، تذكر حال من يوسع له في قبره مد بصره، ويفتح له باب من الجنة فيأتيه من نعيمها ومن روحها ما يتمنى أن تقام الساعة لينتقل إلى ما هو خير من ذلك، وتذكر حال من يضيق عليه في قبره ويتحسر بسوء عمله، فيقول: رب لا تقم الساعة تذكر حالنا يوم وقوفنا بين يدي الله حفاة عراة في يوم كان مقداره

стр. 176

خمسين ألف سنة (١) “ ذكر بعض أهوال يوم القيامة “ تذكر دنو الشمس من الخلائق وتفاوتهم في العرق، فمنهم من يبلغ به العرق إلى عقبيه، ومنهم من يبلغ به إلى حقويه، ومنهم من يبلغ به إلى ثدييه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما (٢) تذكر وقوفنا بين يدي الله يوم عرضنا على الله، يوم يكلم الله كلا منا، فما منا من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان تذكر يوم تعطى صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه فيزداد فرحا وسرورا، وآخذ كتابه بيساره فيزداد حزنا وكآبة. تذكر أخي يوم مرورنا على الصراط، فناج مسلم، ومخدوش ناج، ومكدوس في النار تذكر إذا دخل أهل الجنة الجنة، ونادى مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ودخل أهل النار النار، ونادى مناد: يا أهل النار خلود فلا موت (٣) تذكروا تلك الأهوال والمواقف العظيمة عسى أن تكون هادية لنا إلى التمسك بديننا والقيام بحق الله علينا، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق، والاستقامة على الهدى، إنه على كل شيء قدير. “ وجوب التحلي بأخلاق النبي ﷺ ، والتزام تقوى الله في الحج “ أيها الحجاج، اتقوا الله في حجكم، والزموا الأدب الإسلامي، تخلقوا بالحلم والأناة والصفح والإعراض، ولتكن المحبة والتواصي بالحق سائدة بينكم، اتقوا الله في حجكم، فهذه مشاعر الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيها، فالمشاعر يذكر الله فيها، ويتقرب إليه بما يحب من الأعمال الصالحة، فاحذروا كل ما يفسد

стр. 177

الأعمال ويضعفها، زادكم الله توفيقا وسدادا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمرنا، وولاة أمور المسلمين جميعا، إنك على كل شيء قدير، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، فأنت على كل شيء قدير ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) . سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أعاده الله علي وعليكم وعلى إمام المسلمين وسائر المسلمين باليمن والبركة والخير، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 178

خطبة عام ١٤١١ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: “ الوصية بتقوى الله “ أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى اتقوا ربكم فإن تقوى الله خير وصية أوصى الله بها الأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) ، فاتقوا الله عباد الله فبتقوى الله تنالون السعادة في الدنيا والآخرة. “ ذكر صفات أهل الإيمان ونقيضها من صفات أهل الكفر والنفاق “ أمة الإسلام، أمة القرآن، إن الله ﷻ ضمن كتابه العزيز صفات أهل الإيمان وأخلاقهم وصفات غيرهم من الكفار والمنافقين. ذكر صفات أهل الإيمان في المدح لهم والمدح لأعمالهم، والحث عليه وبيان مآلهم، وذكر صفات غيرهم في معرض الذم لها والذم لمن تخلق به، وبيان ما ينتهي إليه حالهم ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٥) ،

стр. 179

فمن تدبر كتاب الله رأى فيه الهدى والنور، وقاده إلى كل خير وسعادة، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١) . أمة الإسلام، يقول الله ﷻ وهو أصدق القائلين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) . “ ذكر قاعدة أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وآثار هذه الولاية بينهم “ أمة الإسلام، هذه أوصاف المؤمنين حقا، فالمؤمنون هم أولئك الذين آمنوا بقلوبهم ونطقوا بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم بمقتضى هذا الإيمان الصادق الذي استقر في القلب، فظهر أثره على الجوارح، فاستقام العبد في أقواله وسلوكه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) . هذا الإيمان ليس إيمان دعوى، ولكنه الإيمان الصادق، يقول النبي ﷺ : «إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل (٤) » المؤمنون والمؤمنات أولياء بعض، هذه الولاية بين المؤمنين هي التي حققها الإيمان الذي وحد القلوب وجمع الشمل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٥) ، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) . “ من آثار ولاية المؤمنين بعضهم لبعض المحبة فيما بينهم في ذات الله “ إن لهذه الولاية آثارها العظيمة، فمن آثار تلكم الولاية ما بين المؤمنين من محبة في ذات الله، فالمؤمن يحب أخاه المؤمن في ذات الله، يحبه لكونه مطيعا لله،

стр. 180

لكونه قائما بشرع الله، لكونه مستجيبا لله ولرسوله، يحبه محبة عميقة في قلبه، وهذه المحبة أثر من آثار الإيمان، يقول ﷺ في ذكر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه (١) » ويقول ﷺ : «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله (٢) » فهذه المحبة الصادقة التي دعا إليها الإيمان، محبة المؤمن لأخيه – وإن نأت الديار واختلفت اللغات والألوان لكن جمعتهم أخوة الإيمان ووحدة الإسلام – هذه محبة لم تقم على أهداف مادية، ولكنها قامت على أساس العقيدة، فهي محبة باقية لا تصدع لبناها ولا انفصام لعراها، بل محبة باقية إلى أن يلتقوا في دار كرامة الله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . “ ومن آثارها المناصرة بين المؤمنين “ ومن آثار تلكم الولاية نصر المؤمن لأخيه المؤمن، فالمؤمن ينصر أخاه ويدفع عنه ظلم الظالمين، وعدوان المعتدين، وبغي الباغين، فلا يسمح لأخيه أن تناله مظلمة من أي إنسان يقف معه حتى يدفع الظلم عنه، ويحول بين الظالم وبين أن يعتدي عليه؛ لأنه وإياه كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٤) وهو مع هذا كله ينصره إذا حصل منه ظلم على أحد، فلا يرضى أن يظلم، ولا أن يظلم، يحجزه عن الظلم ويمنعه عن الإجرام، قال النبي ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما "، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال: " تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره (٥) »
следующие страницы →