← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21761

جامع خطب عرفة لعبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (196 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأغراضهم وأهوائهم، ودعواتهم مشبوهة، إنما هي دعوات لأغراض دنيوية لأحزاب، أو معارضات، أو مزاحمات في سلطة، وغير ذلك، فتكون تلك الدعوات فاشلة؛ لأنها تفقد الإخلاص لله والصدق مع الله، إنما هي عصبية حزبية أو دعوات سياسية، ليس مقصودها الدعوة إلى الله ونصرة دين الله. “ من صفات الداعي إلى الله العلم بحقيقة ما يدعو إليه “ أمة الإسلام، ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على علم بحقيقة ما يدعو إليه، فإن من دعا إلى الله على غير هدى، على جهل وضلال، فما يفسد أكثر مما يصلح، لا بد من علم بحقيقة الدعوة، حتى تكون الدعوة منطلقة على بصيرة من الله، فإن كان الداعي جاهلا بحقيقة ما يدعو إليه، ففساده أكثر من صلاحه. “ من صفات الداعي إلى الله موافقة القول والعمل “ ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون عمله موافقا لقوله، فتكون أعماله مصدقة لأقواله، فإن لم تطابق الأعمال الأقوال لم يثق الناس بدعوته، ولم يطمئنوا إليه، بل رأوه متناقضا فيما يعمل ويقول، ولذا قال الله مخبرا عن نبيه شعيب ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (١) وذم الله اليهود لما خالفت أعمالهم أقوالهم ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢) . وعاتب الله أهل الإيمان بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) “ من صفات الداعي إلى الله العلم بأحوال الناس “ ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على بصيرة في دعوته، وأن يعرف

стр. 107

اختلاف الناس واختلاف عقولهم وأفكارهم وتصوراتهم، فيخاطب كل فئة بما يتناسب مع وضعها وحالها؛ حتى تكون لدعوته آثار حسنة، ولذا النبي ﷺ «قال لمعاذ لما وجهه داعيا: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب (١) » يبين له حال من يدعوهم ليستعد لمناظرتهم ومجادلتهم. “ يجب الاقتداء بالنبي ﷺ واتخاذ سيرته منهجا في الدعوة إلى الله “ دعاة الإسلام، إن سيد الدعاة وإمامهم وأفضلهم محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، خير أنبياء الله وخاتم رسله، صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين، فخذوا من سيرته منهجا لدعوتكم، اسلكوا طريقه وسيروا على منهجه في دعوتكم، لتفوزوا بالسعادة في الدنيا والآخرة، فإن خير المنهج منهجه، وأفضل السبل سبيله الذي سار عليه. بعثه الله على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم والهدى، بعثه برسالة شاملة عامة لجميع الخلائق، واختار لمبعثه أم القرى شرفها الله، فابتدأ بدعوته قومه الأميين من العرب. “ دعا النبي ﷺ الناس إلى إخلاص الدين لله وترك عبادة غير الله “ دعاهم إلى إخلاص الدين لله، وترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله، ومن الإشراك بالله، وترك ما كانوا عليه من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين يزعمون بجهلهم أنها تقربهم إلى الله زلفى. عرض دعوته وأعلنها صريحة واضحة من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ دعوة صريحة واضحة في منهجها، ليست دعوات مضللة لها وجه ظاهر ووجه باطن خفي وخفاء، بل هي واضحة في منهجها وأسلوبها، يعرفها كل

стр. 108

من سمعها، دعا إلى الله فناله الأذى من قومه، وآذوه وآذوا أتباعه، وهو صابر محتسب متحمل الأذى في ذات الله، وحين اشتد به الألم وضاقت به الدنيا يوم أحد قال: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (١) » يستأذنه ملك الجبال أن يطبق عليهم أخشبي مكة ويقول: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا (٢) » يأمره الله بالصبر والثبات ويقص عليه أنباء المرسلين ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ (٣) بدأ قومه بالدعوة إلى التوحيد بتصحيح العقيدة، وتثبيتها في النفوس وتطهيرها من أدران الشرك والوثنية. “ على الدعاة أن ينهجوا منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى عقيدة التوحيد، وتصحيح العقيدة أولا “ فيا دعاة الإسلام، خذوا من منهجه منهجا لكم في دعوتكم، اجعلوا الدعوة إلى عقيدة التوحيد أهم أموركم وغاية مرادكم، صححوا العقيدة وخلصوها من جميع الشوائب، حذروا الأمة مما وقع فيها من بدع وضلالات وجهالات، انشروا العقيدة الصحيحة فهي الأصل في مبدأ كل دعوة نافعة، اجعلوا الاهتمام بهذا المبدأ السليم، فبثوا العقيدة واغرسوها في النفوس وحببوهم إليها، تحملوا كل الأذى في ذات الله، وليكن غايتكم نصح عباد الله وإرشادهم واستنقاذهم من الجهالات والضلالات. “ على الدعاة أن يحذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة “ دعاة الإسلام , احذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة، التي تستر بها أعداء الإسلام خداعا وتضليلا، والله يعلم أن الإسلام منهم بريء، تظاهروا بالإسلام في دعواتهم، وإذا تأمل المسلم البسيط تلك الدعوات رآها جهالات

стр. 109

وضلالات وخداعا للأمة وتضليلا لها، ذلك أن أرباب هذه الدعوات لهم علاقة قوية بأعداء الإسلام، أعداء الإسلام يرسمون لهم الطريق ويخططون لهم المخططات، ليضربوا أهل الإسلام بعضهم ببعض، اتخذوا دعاة الضلالة جسرا يعبرون عليه لنيل أغراضهم وأهوائهم ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (١) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) . “ مسجد الضرار كان مثالا لأرباب الدعوات المضللة الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون العداء له “ احذروا أرباب هذه الدعوات المضللة، فهم خطر على الإسلام وأهله، وهم بلاء في جسم الأمة الإسلامية، إن تظاهروا بالإسلام فإنما هو الخداع والتضليل، ولكم في قصة أهل مسجد الضرار عبرة وعظة، قوم من المنافقين تظاهروا بالإسلام، وبنوا معقلا للكفر والضلال، وسألوا النبي ﷺ أن يصلي فيه ليكتسب الفضل والكرامة، ورسول الله لا يعلم ما في الغيب، فقال ﷺ : «إن رجعنا من تبوك صلينا فيه إن شاء الله (٤) » . فلما قرب من المدينة راجعا أخبره الله تعالى أن هذا مسجد ضرار، وأنه معقل الكفر والضلال وإن تظاهر أهله بالإسلام ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٥) إلى إن قال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦) اتخذوه في صورة مسجد وهو معقل للكفر والضلال، وهكذا أرباب الدعوات

стр. 110

المضللة، وإن تظاهروا بالإسلام خداعا فهم أعداؤه وخصومه الألداء، فكونوا على حذر من هؤلاء وهؤلاء؛ لتسلم عقيدتكم ويسلم اتجاهكم. “ على الحجاج أن يشكروا الله على أن بلغهم إلى بيته الحرام آمنين مطمئنين “ حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته؛ إذ بلغكم الوصول إلى بيته الحرام، ومكنكم من الوقوف في تلك المشاعر المقدسة، وهيأ لكم الوصول إليها، فوصلتم آمنين مطمئنين، فاعلموا أن تلك نعم من نعم الله عليكم، وفضل من الله عليكم، فاشكروه على نعمته، واتخذوا من الحج نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم، ليكن حجكم إلى بيت الله نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم، لتصححوا أوضاعكم وتقيموا ما اعوج من أخلاقكم، يقول النبي ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » “ على الحجاج أن يعظموا هذه المشاعر والأماكن المقدسة “ فيا أيها المسلمون، أنتم في بلد الله الأمين، أنتم في هذه الأماكن المقدسة، عظموها كما عظمها الله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) ، عظموا هذه المشاعر؛ فإنها أماكن لعبادة الله وإخلاص الدين لله، يلتقي فيها المسلمون على طاعة الله، يلتقون فيها على بساط المحبة والمودة، أمة جمعتهم رابطة الإيمان ووحدتهم أخوة الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) . “ فضل الله سبحانه البلد الأمين على سائر بقاع الأرض “ حجاج بيت الله الحرام، أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، إن الله اختار البلد الأمين وفضله على سائر بقاع الأرض، عهد ببنائه لنبيه إبراهيم وإسماعيل ﵉، أقام قواعده على توحيد الله وإخلاص الدين لله، دعا الخليل ربه بعد بنائه قائلا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٤)

стр. 111

فاستجاب الله لدعوته وجعل هذا البلد بلدا آمنا، قال الله ﷻ : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) . “ احترام بيت الله الحرام أمر مستقر في نفوس أهل الإيمان، بل أهل الجاهلية على ضلالهم كانوا يعظمون هذا البيت “ إن احترام البيت الحرام مستقر في نفوس أهل الإيمان، بل أهل الجاهلية في جاهليتهم وعلى كفرهم وضلالهم يعظمون بيت الله ويحترمون أمنه وطمأنينته، ويرون من أخل فيه بأمنه فإنه عاص ومرتكب خطأ كبيرا، فجاء الإسلام فزاد ذلك تعظيما وتأكيدا، قال الله ﷻ ممتنا على سكان بيته الحرام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢) ، فكان العرب يحترمون سكان بيت الله، يحترمونهم ويعظمونهم، ويرون لهذا البيت حرمته وأمنه ومكانته. “ حرص النبي ﷺ على حفظ حرمة هذا البيت عام الفتح، ووصى أمته على ذلك “ جاء محمد ﷺ عام ست من الهجرة معتمرا، فصده كفار قريش عن مراده، وبايعه المسلمون على الموت ومنازلة الكفار، ولكن حكمة الله أبت إلا أن يعود محمد ﷺ حتى يرجع من العام القادم، كل ذلك تعظيما للبيت، حتى لا تسفك فيه الدماء، وحتى تبقى حرمته كما كانت. جاء النبي ﷺ عام ثمان من الهجرة فاتحا بيت الله الحرام، ثم قبل الفتح أعلن إعلانه الواضح: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن (٣) » ثم بعد ذلك في صبيحة اليوم الثاني من الفتح قام في المسلمين خطيبا منوها بفضل هذا البيت وأمنه وحرمته، فقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله -صلى الله عليه (٤)

стр. 112

وسلم- فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» هذا البيان النبوي أمام قبائل العرب المختلفة ليبين لهم أن فتحه لبيت الله الحرام لن يحط من قدر هذا البيت، ولن ينقص من شرف هذا البيت، بل شرفه قديم منذ خلق الله السماوات والأرض، حرمته قديمة، وستظل باقية إلى قيام الساعة، وأهل البيت محترمون له. “ الإسلام بريء ممن يبث الفوضى في صفوف الحجيج، ويسعى لسفك دماء المسلمين “ أمة الإسلام، أين الإسلام ممن يحاول بث الفوضى بين صفوف الحجيج، أين الإسلام ممن يسعى في سفك دماء المسلمين، أين الإسلام ممن لا يرعى لأهل الإسلام حرمة ولا كرامة، يقول النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم (١) » إن من يريد في هذا البلد الأمين الشر والفساد فسيحيق مكره بنفسه، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٢) . إن الله ﷻ يعاقب من هم بالمعصية في بيته الحرام وإن لم يفعلها، كل المعاصي لا يعاقب عليها إلا بالفعل، إلا الإلحاد في الحرم، فمن هم فيه بسوء عاقبه الله، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ، إن الله جعله حرما آمنا، ليفد الناس إليه حجاجا ومعتمرين فيجدوه حرما آمنا، واحة سلام، ودار أمان كما أراده الله. “ قيادة هذا البلد حريصة كل الحرص على حفظ حرمة هذا البيت وأمنه، وتهيئة السبل لراحة الحجيج وتيسير أمرهم “ والله ﷻ بفضله وكرمه وجوده وإحسانه من في هذه العصور

стр. 113

الأخيرة على هذا البلد الأمين بنعمة سابغة، بنعمة عظيمة، ما عرف التاريخ لها بعد القرون المفضلة مثيلا، ولا عرف لها نظيرا، منحه الله قيادة حكيمة، ورجالا مخلصين، استرخصوا كل غال ونفيس في سبيل المحافظة على حرمة هذا البيت وأمنه، وفي سبيل راحة الحجاج وتهيئة السبل لهم، وتذليل الصعاب لهم، بذلوا كل ما يستطيعون عليه، وهم سائرون على هذا الطريق إن شاء الله في كل عام، وبلد الله الأمين يشهد تقدما وعمرانا ونهضة وخدمات متواصلة، ما يمضي عام إلا والذي بعده خير منه، كل ذلك من فضل الله وكرمه؛ لأن هذه القيادة تؤمن بأن هذا واجب إسلامي عليها، وأن الله شرفها بخدمة هذا البلد الأمين ومن عليها بذلك، فهي ترعى حرمة المسلمين وأمنهم واطمئنانهم، وتسعى جاهدة في تأمين سبيل الحجاج، والواقع شاهد على ذلك. إن كل مسلم زار بيت الله وأدى شعائر الحج يرى هذا البلد الأمين آمنا مطمئنا، موفرا به كل خير، مهيأة فيه السبل، مفتوحة أبوابه للحجاج والمعتمرين على مدار العام، هذه نعمة من الله لا يجحدها أو يخفيها إلا حاقد مريض، لكن الحقائق لا بد أن تنطق، كل من زار البلد الأمين وجده آمنا مطمئنا، ووجد كل ما يحتاج الحجاج إليه موفرا لهم أحسن ما يكون، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، ووفقهم لصالح الأعمال، وجعلهم قادة مخلصين، أنصارا لدين الله، وأعوانا للحق والهدى. حجاج بيت الله الحرام، أقبلوا على طاعة الله، وأخلصوا لله حجكم وأعمالكم، واحذروا السماع والإصغاء للمضللين.

стр. 114

“ نهى الله عن اتخاذ الحج منبرا للفخر بالأنساب والأحساب “ إن الله ﷻ عاتب العرب ونهاهم أن يتخذوا الحج منبرا للفخر بأحسابهم وأنسابهم، وحذرهم من ذلك وأمرهم بلزوم ذكره: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) . “ بيان صفة حجة النبي ﷺ “ حجاج بيت الله الحرام، محمد بن عبد الله ﷺ حج حجة واحدة هي حجة الوداع، وهي الحجة الوحيدة له بعد مهاجره ﷺ ، أذن ﷺ في الناس قائلا: إني حاج، فأم المدينة بشر كثير كلهم يريد الاقتداء به والتأسي به، فسار في طريقه من المدينة إلى مكة شرفها الله، والناس عن يمينه وشماله وخلفه وأمامه مد البصر، كل يلتمس الاقتداء به والتأسي به، والوحي ينزل عليه، وما عمل به النبي ﷺ عمل الناس بمثل ما عمل. سلك الطريق الذي سلكه الأنبياء قبله، فمر بفج الروحاء فقال: «والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما (٢) » «مر بعسفان فقال: كأني بهود وصالح على بكرين أحمرين متزري العباء، مرتدي النمار، يحجان هذا البيت العتيق (٣) » وصل ﷺ مكة المكرمة منشأه ومبدأ دعوته فوجد الحرم البلد الأمين طاهرا من الشرك، طاهرا من أخلاق الجاهلية، فطاف به ﷺ ، وخرجت العواتق وذوات الخدور كل يرتقب لينظر إليه وينظر

стр. 115

كيف يعمل، فكمل حجه راكبا ليراه الناس، صلوات الله وسلامه عليه سعى بين الصفا والمروة، أتى إلى منى، ثم أتى إلى عرفة، فخطب في بطن هذا المكان العظيم خطبة عظيمة، أعلم الناس فيها قواعد الإسلام، وأعلمهم كيف يتعاملون، وأعلمهم حقوق الإنسان الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وأعلمهم نظام الأسرة الصحيحة الذي جاء به الإسلام، وأبطل مآثر الجاهلية، وحرم الظلم في الأموال والدماء والأعراض (١) ثم «وقف بعرفة ﷺ وهو يقول: " وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف (٢) » وقف موقف الذليل الفقير إلى ربه، الراجي عفوه، الخائف من عقابه، «انصرف بعد غروب الشمس إلى مزدلفة مع الناس وهو يقول لهم: " السكينة السكينة (٣) » «أتى منى فلقط الجمار وقال لهم: " إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٤) » خطبهم يوم النحر وأعلمهم مناسك حجهم، وأمرهم باحترام الدماء والأموال والأعراض، ثم إنه ﷺ كمل مناسك حجه، ثم عاد إلى المدينة ليوفي إلى أهل المدينة حقهم فقال: «المحيا محياكم والممات مماتكم (٥) » فصلوات الله وسلامه عليه. “ على الحاج أن يتأسى بالنبي ﷺ في حجه “ إن المسلم وهو يؤدي مناسك الحج يتذكر سنة النبي محمد ﷺ ويتأسى به ويترسم خطاه ﷺ قدوة المسلمين وأسوتهم في جميع أقوالهم وأفعالهم.

стр. 116

“ فضل يوم عرفة “ حجاج بيت الله الحرام، هذا يوم عرفة من أفضل أيام الله، قال النبي ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (١) » وقال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام (٢) » إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء فيباهي بكم الملائكة فأروا الله من أنفسكم خيرا. أخلصوا إلى الله أعمالك، احفظوا جوارحكم من كل سوء، تضرعوا بين يدي ربكم واسألوه مغفرة ذنوبكم وحط خطاياكم وأوزاركم. “ بيان أعمال يوم عرفة وبقية أعمال الحج “ قفوا بعرفة إلى غروب الشمس، ولا تنصرفوا منها إلا بعد غروب الشمس، وتأكدوا من حدود عرفة، تأكدوا منها فلها أعلام واضحة، انصرفوا إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، وللعاجز أن يدفع منها بعد نصف الليل، ومن كان قادرا يبقى فيها إلى بعد صلاة الفجر، ثم أفيضوا إلى منى وارموا جمرة العقبة، وانحروا هديكم إن كنتم متمتعين أو قارنين، واحلقوا رؤوسكم أو قصروها، والحلق أفضل، ثم أفيضوا إلى البيت، وطوفوا طواف الحج، واسعوا بين الصفا والمروة إن كنتم متمتعين، فإن كنتم قارنين أو مفردين ولم تسعوا مع طواف القدوم، فاسعوا مع طواف الإفاضة، ارموا الجمار في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر، ثم ودعوا بيت الله الحرام، وقد أكمل الله لكم نسككم، وأتم عليكم نعمته.

стр. 117

حجاج بيت الله الحرام، إن هذه البلاد المقدسة تعيش في أمن وطمأنينة وسلامة ونعمة، في ارتباط وثيق بين قادتها ومواطنيها، جمعهم الله على الإسلام، فهم متعاونون على الحق والهدى، بلد أمنها الله من كل مكروه بفضله وكرمه، ووفر لها النعم، وهيأ لها أسباب الخير نتيجة لإقامة حدود الله وتنفيذ شرع الله، وآثار الإسلام لا شك حميدة على النفوس والبلدان. إن ما حصل على المسلمين من نقص وضرر وبلاء فإنما سببه التخلف عن الإسلام والبعد عن أحكامه. “ على قادة المسلمين أن يسعوا في تطبيق شرع الله في مجتمعاتهم “ فيا قادة المسلمين، اتقوا الله في أنفسكم وشعوبكم، اعملوا بشرع الله، واجعلوا نظمكم وقوانينكم على طبق ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لتعيشوا أنتم وشعوبكم في أمن وطمأنينة، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) . “ الموت نهاية كل حي، فعلى المسلم أن يستعد للقاء الله بالتزود من العمل الصالح “ أمة الإسلام، إن الله جعل الموت نهاية كل حي، وأخبر أن كل حي فمآله ولا بد إلى الموت، قال الله لآدم ﵇: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (٢) ، وأخبر أن الموت مصير كل حي، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ، فإذا علمت أيها المسلم ذلك، فكن مستعدا للقاء الله، متذكرا هذا المصرع العظيم في كل آن وحين، عسى أن يكون معينا لك على التزود من صالح الأعمال.

стр. 118

تذكر أيها المسلم ساعة مفارقتك لهذه الدنيا، ساعة نزول ملك الموت بك واقتراب أجلك، حولك أهلك وذووك لا يستطيعون أن يدفعوا عنك سوءا ولا يؤخروك يوما، تعاني ما لا يعلمون ولا يدور في أفكارهم، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) . “ يمثل للمسلم عند احتضاره مقعده في الجنة، وللكافر مقعده من النار “ تذكر أيها المسلم مفارقتك لهذه الدنيا، وتذكر أن المؤمنين في تلك اللحظة يعيشون سعادة وراحة تبشرهم ملائكة الرحمن، ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣) ، يمثل له مقعده في الجنة فيراه قبل أن يفارق فراشه، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، وأما الكافر فإنه يمثل له مقعده من النار فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه ولا بد له من الموت، فتذكروا هذه الأمور عسى أن تكون سببا لصلاح قلوبكم واستقامة أحوالكم، تذكروا ما بعد الموت، تذكروا العظيمتين الجنة والنار، مآل المتقين ومآل الفجار، وليكن تذكركم لها دائما؛ عسى أن تكون هادية لكم إلى الخير، وسببا في استقامة القلوب والأعمال. اللهم وفق المسلمين لما يرضيك، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) ، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، ووفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم

стр. 119

أصلح ولاة المسلمين عامة ودلهم على كل خير وهدى، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) . عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 120

خطبة عام ١٤٠٨ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) “ فضل كلمة التوحيد “ كلمة قامت عليها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، عليها أسست الملة ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي أعظم واجب، افترضها الله على جميع العباد، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي أساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة. “ معنى شهادة أن محمدا عبده ورسوله، وبيان فضائل النبي ﷺ “ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وحجته على عباده، وأمينه على وحيه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعالمين، وحجة على المعاندين، وحسرة على الكافرين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورا، أمده بملائكته المقربين وأيده بنصره وبعباده المؤمنين، أنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الحق والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، شرح له صدره، ووضع عنه

стр. 121

وزره، ورفع له ذكره، وألزم الذل والصغار كل من خالف أمره، وسد كل الطرق الموصولة إليه وإلى جنته، فلم يفتح لها طريقا إلا من طريقه، افترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأخلاقه وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، فهو الفرقان الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، أشرقت به الأرض بعد ظلمتها، واجتمعت به القلوب بعد شتاتها، فامتلأت به الأرض نورا وابتهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا، حتى إذا أكمل الله به الدين، وأتم به نعمته على عباده المؤمنين، استأثر به فنقله إلى الرفيق الأعلى، بعد ما ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريقة الواضحة الغراء، فصلى الله وملائكته وأنبياؤه وعباده الصالحون على هذا النبي الكريم، كما عبد الله وعرف بالله ودعا إلى الله، اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: “ الوصية بتقوى الله ، وأنها سبب لنيل السعادة في الدنيا والآخرة “ أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا ربكم عباد الله بامتثال أمره واجتناب نهيه كما أمركم بذلك؛ لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة، فقد أمركم الله بتقواه وأن تلزموا التقوى إلى أن توافوا ربكم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ، اتقوه حق تقاته، والزموا جانب التقوى حتى يوفيكم الأجل وأنتم على هذه الحال. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) أمركم الله بأن

стр. 122

تعتصموا بحبله بالتمسك بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، فهما حبل الله المتين ونوره المبين، وأمركم الله أن تجتمعوا وتتآلفوا عليه، فإن القلوب لا يمكن أن تتآلف بغير هذا الدين ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ، فالاجتماع إنما يكون على هذا الدين الذي يخاطب العقول والفطرة السليمة. “ أمر الله المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين وحذر من التفرق والاختلاف “ وحذركم الله من التفرق والاختلاف فقال: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) ، إن التفرق نتيجة البعد عن الكتاب والسنة، فكلما قوي تمسك الأمة بدين الله قوي اجتماعها وعظم تآلفها، والتحمت كلمتها وعزت وعظمت، وكلما تفرقت الأمة ضعف تمسك الأمة بهذا الدين، ودب إليها من الفرقة والاختلاف على قدر بعدها عن هذا الدين، وذكر الله الأمة نعمته عليهم وحالهم قبل الإسلام فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) ، بهذا الدين ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (٤) ، أجل إنهم قبل الإسلام أعداء، أنهم قبل الإسلام متفرقون، إنهم قبل الإسلام متنازعون تسودهم الفوضى، الحكم للقوة لا للدين والعقل، يأكل القوي الضعيف، ويطغى الظلم والعدوان والفوضى. “ جمع الله بالإسلام القلوب وألف به الكلمة “ فجاء الله بالإسلام فجمع به القلوب وألف به الكلمة ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٥) ، بالإسلام أصبحتم إخوانا متحابين متآلفين، تجمعكم أخوة الإيمان، وتوحدكم رابطة الإسلام، وقد ذكر المصطفى ﷺ

стр. 123

وسلم الأوس والخزرج هذه النعمة فقال «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي (١) » إن الرعيل الأول من هذه الأمة الذين عاشوا الجاهلية يعلمون حقيقة ما فيها من ظلم وفساد، وما فيها من فرقة واختلاف، وما من الله عليهم به من هذا الذين الذي جمع قلوبهم ووحد صفهم، وجعلهم كالبيان المرصوص يشد بعضه بعضا. “ انقسم الناس في عهد الرسول ﷺ وحتى في زماننا هذا إلى مؤمن وكافر ومنافق “ أمة الإسلام، لما هاجر المصطفي ﷺ إلى المدينة بأمر الله –بعدما فشا الإسلام بين الأوس والخزرج – وصارت المدينة دار الإسلام، واستقرار المصطفي ﷺ بها، وجرت وقعة بدر الكبرى التي أيد الله فيها نبيه وأصحابه وأرغم أنوف أهل الشرك والضلال، دخل في الإسلام فئة من الناس لا رغبة لهم في الإسلام، ولا حب في الإسلام، ولكن دخلوا فيه، ليحقنوا دماءهم ويحموا أموالهم، ويعشوا بين المسلمين، فمن هنا برزت معضلة النفاق الكبرى، فصار الناس أمام هذا الدين ما بين مؤمن ظاهرا وباطنا، وهم أصحاب محمد ﷺ الكرام، الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا بألسنتهم، وظهر أثر ذلك الإيمان على جوارحهم، في تصرفاتهم، في أقوالهم وأعمالهم، وبين كافر قد استبان كفره وضلاله، فهو كافر ظاهرا وباطنا، وفئة أخرى كانوا مع المؤمنين في ظاهرهم ومع الكافرين في باطنهم وهم المنافقون، فتلك البلية العظمى والمصيبة الكبرى، إن الإسلام إنما أصيب على أيدي المنافقين المتربصين بالإسلام وأهله

стр. 124

الدوائر المتظاهرين بالإسلام خداعا ونفاقا، المفارقين له حقيقة وباطنا، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١) . “ ذكر الله صفات المنافقين وكشف أحوالهم في القرآن ليكون المسلم على حذر منهم “ ولأجل ذا جاءت نصوص القرآن الكريم توضح أخلاق المنافقين وتبين صفاتهم وتكشف حالهم، ليكون المسلم على حذر منهم، فلا يغتر ولا ينخدع بهم، فيأخذ حذره فلا يغتر بهم وبأباطيلهم، جاءت نصوص القرآن لتبين حالهم، وأخبر الله نبيه ﷺ أنه قادر أن يوقفه على أعيانهم كلهم، ولكن حكمته اقتضت أن تجري الأحكام على الظاهر، إلا أنه -جل وعلا- بين أمورا يستدل بها ذوي البصائر على نفاق المنافقين ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) ، إن كل من أسر بلاء وفسادا فلا بد أن يتلفظ بلسانه عما أكنه قلبه، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ولقد كان سلفكم الصالح يخافون هذا البلاء على أنفسهم، ويخشون أن يشوب إيمانهم شيء من النفاق لعلمهم بمصير المنافقين المحتوم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٣) . هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ناشد حذيفة بن اليمان قائلا: أسألك بالله هل عدني لك رسول الله من المنافقين؟ فيقول: لا، ولا أزكي أحدا بعدك (٤) فإذا كان هذا خوف عمر على نفسه مع الإيمان واليقين الصادق، فليحذر كل مسلم أن يكون في إيمانه شيء من النفاق وليحاسب نفسه.

стр. 125

“ من صفات المنافقين: الإيمان ظاهرا لا باطنا “ وقد أوضح الله صفاتهم، فبين –تعالى- أن من صفاتهم: أن إيمانهم ظاهر لا باطن، يقول –سبحانه-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ، فهم آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن، فقلوبهم على خلاف ما أظهروه. “ من صفاتهم: الاستهزاء بأهل الإسلام “ ومن صفاتهم، أنهم يصفون أهل الإسلام بأنهم سفهاء العقول، ضعفاء الرأي، قليلو التفكير، وهم في نفس الوقت يرون أنفسهم أهل الرأي الصائب والعقب الراجح ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ (٣) ، مقالة قالها قبلهم قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ (٤) . “ من صفاتهم: جعل الصلاح فسادا “ ومن صفات القوم: أنهم يعدون الصلاح والخير فسادا، والإفساد والشر صلاحا، فإذا دعوا إلى التمسك بالحق ولزومه جعلوا ذلك فسادا، والكفر والضلال والباطل صلاحا، انتكاس في الفطر، وانعكاس في العقول، وانقلاب في الحقائق، يقول الله : ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) ، ويقول -سبحانه-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (٦) ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٧) “ تشابه قلوب المنافقين قديما وحديثا “ وهذه مقالة قالها فرعون في حق موسى وأتباعه، يقول –سبحانه- قاصا خبره: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (٨)

стр. 126

ومنافقو العصر إذا دعوا إلى الخير والهدى، وحذروا من إضرار المسلمين ونشر الفتن بين صفوفهم وإعانتهم العدو على الإسلام وأهله -قالوا: نحن مصلحون، ونحن ونحن ... تشابهت القلوب في الكفر والباطل. “ من صفاتهم: الإعراض عن حكم الله وشرعه “ ومن صفات القوم: أنهم إذا دعوا إلى تحكيم شرع الله وتنفيذ أحكام الله العادلة، صدوا وانصرفوا وأعرضوا، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٢) ، فنفوسهم تميل إلى أحكام الكفرة، إلى القوانين الجائرة الظالمة التي تبيح لهم المحرمات والفجور، وتسمح لهم بالسوء والفساد، أما أحكام الله العادلة المنصفة التي تأخذ حق المظلوم من ظالمه، فتلك أحكام لا يقبلونها، لما في قلوبهم من عداوة للإسلام وأهله، فإن يك في أحكامه موافقة لأهوائهم قبلوها، ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤) ما قبلوها إلا لموافقتها لأهوائهم لا غير. “ من صفاتهم: السخرية بأهل الصلاح “ ومن صفات القوم: أنهم يستهزئون بالإسلام وأهله، ويعيبون أهل الإسلام ويسخرون بالمسلمين وأعمالهم، يسخرون بأهل الخير والصلاح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٥) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٦) .

стр. 127

“ من صفاتهم: السعي في إبعاد المجتمع المسلم عن دينه “ ومن صفات القوم: أنهم يحاولون صبغ المجتمعات الإسلامية بصبغة غير إسلامية، شرقية كانت أو غربية، يحاولون أن يحولوا المجتمع المسلم حتى يكون مجتمعا إباحيا إلحاديا، هكذا يسعى المنافقون وأتباعهم، قال الله ﷻ : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) . “ من صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف “ ومن أخلاق القوم: أنهم أمرة بالمنكر نهاة عن المعروف، أمرة بكل شر وفساد، نهاة عن كل خير وصلاح، يقول الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢) ، فهم عكس أهل الإيمان الذين هم أمرة بالمعروف، ونهاة عن المنكر، يقول الله –سبحانه-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) . “ من صفاتهم: عدم الثقة بموعد الله “ ومن أخلاق القوم: أنهم يرون أن وعد الله بنصر دينه ومن اتبعه ووعده المتقين بالثواب، وتوعده الكافرين بالعقاب – إن ذلك غرور وخداع؛ لأنهم لا يصدقون بلقاء الله ولا يؤمنون بوعيده ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٤) . أيها المسلمون، احذروا النفاق وأعمال المنافقين، وكونوا على حذر منهم ومن شرهم وفسادهم. “ وصايا لرجال الصحافة والإعلام “ رجال الصحافة والإعلام: اتقوا الله في أنفسكم، وسخروا أقلامكم لخدمة هذا الدين، وعرض مشاكل الأمة، وطرح الحلول المناسبة لها في حدود كتاب ربنا وسنة رسوله ﷺ ، وجهوا وسائل إعلامكم لخدمة قضايا

стр. 128

الأمة، واحذروا أن يندس فيها منافق ضال يغير اتجاهها إلى اتجاه غير سليم. “ وصايا للقائمين على المراكز الإسلامية “ القائمون على المراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية في أنحاء العالم، عليهم تقوى الله في أنفسهم، وأن يجعلوا تلك المراكز والجمعيات منابر خير وهدى، ينطلق منها صوت الإسلام وينشر فيها محاسن الدين، ويوضح فيها الحق من الباطل، احذروا أن يندس من بين صفوفكم الضالون والمفسدون، الذين يأتون بأفكار غربية ومبادئ ضالة بعيدة عن الإسلام وأهله، وإن تظاهروا بالإسلام فهم أعداؤه الألداء وهم خصومه، فاحذروا هذا الأمر واجعلوا هذه المراكز والجمعيات مراكز خير ومنابر هدى، وجنبوها المندسين من المنافقين والضالين والمفسدين، لا تسمحوا لهم بشيء؛ فإنهم يسعون في الأرض فسادا، فاجعلوا هذه المراكز والجمعيات تخدم قضايا الأمة وتخدم الإسلام وأهله، وجنبوها أن يندس من بين صفوفها من لا خير فيه من الذين يحاولون أن يبثوا فيها أفكارهم ومبادءهم وآراءهم البعيدة التي تشوه الإسلام وأهله. “ واجب علماء المسلمين في تحذير المجتمع المسلم من النفاق “ علماء المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، عليكم واجب عظيم: تقوى الله في أنفسكم، وتحذير المجتمع المسلم من هذه الأفكار والمبادئ السامة الضالة، حذروا المجتمعات الإسلامية أن ينخدعوا ويغتروا بهذه الأفكار والآراء الزائفة. يا أمة الإسلام، يا أمة القرآن، يا أمة محمد ﷺ ، يا من جعلكم الله خير أمة أخرجت للناس، إن هذا الفضل لن تناله الأمة المحمدية بالدعاوى والأماني، ولكن بالعمل بمقتضى هذا الفضل، فالله فضلكم وشرفكم على غيركم، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) ، أنتم

стр. 129

خير الناس للناس، أنتم شهداء الله على الأمم، جعلكم الله شهداء على الأمم، اختصكم بهذا النبي الكريم، وهذا القرآن العظيم، وهذه الشريعة الكاملة التامة في نظمها ومبادئها، فاتقوا الله وقابلوا هذه النعمة بشكر الله بالإيمان الصحيح الصادق، وإقامة شرع الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) ، تأمرون بكل خير وصلاح، وتنهون عن كل شر وفساد، وترسون دعائم الأمن والاستقرار، وتصلحون فساد الأمة وتجمعون شملها. “ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الأمة من التخريب والدمار “ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الأمة، وسياج منيع يقيها من التخريب والدمار، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس لفئة معينة، ليس لجيل معين، ولكنه خير تتربى عليه الأجيال جيلا بعد جيل، فيكون المجتمع المسلم متوارثا لتلك القيم والأخلاق، ذلكم أن المجتمع المسلم ينبغي أن يكون مغايرا لغيره من المجتمعات بمحافظته على قيمه وفضائله وأخلاق دينه وتمسكه بهذا الدين. “ لا منافاة بين التمسك بالدين وبين الأخذ بأسباب الرقي والمدنية الصحيحة “ إن الأمة الإسلامية يجب أن تكون مدنيتها ورقيها وتقدمها مواكبا لدينها نابعا من دينها؛ إذ ليس دينها حجر عثرة أمام أي تقدم وأي رقي صحيح، بل الأمة يكون رقيها ومدنيتها على بنيان قوي من قيمها وأخلاقها، إن الدين الإسلامي دين ودنيا، حياة وآخرة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٢) ، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣) ، فليس بين التمسك بالدين ولا بين الرقي والمدنية الصحيحة أي تناف، فديننا دين خير وعز وكرامة ورقي. “ رفعة الأمة المحمدية في تمسكها بدينها، وضعفها وهوانها في بعدها عن دينها “ أمة الإسلام، إن هذه الأمة المحمدية إذا تمسكت بدينها عزت ونالت

стр. 130

الكرامة والرفعة في الدنيا والآخرة، إن ما أصاب الأمة من ضعف ووهن وتفرق واختلاف وتسلط العدو إنما هو ببعدها عن دينها، ببعدها عن إسلامها، هذا الدين الذي قام به أوائلكم، فنالوا به من الله العزة والتمكين، مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على معظم العباد، وكانت لهم الكلمة النافذة والمقالة الماضية، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) ، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢) “ على ولاة الأمر والقادة تحكيم شرع الله في شعوبهم “ فيا قادة المسلمين، اتقوا الله في شعوبكم، وحكموا فيهم شرع الله؛ لتعيشوا وإياهم في أمان واستقرار، إن ما أصاب الأمة الإسلامية من تقلب في اقتصادها، ونقص في مواردها، وجدب وبلاء، إنما أسبابه بعدها عن هذا الدين، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) . فاتقوا الله أمة الإسلام في أنفسكم، وعودوا إلى إسلامكم عودا صحيحا، اجمعوا قلوبكم على هذا الخير، تكاتفوا على هذا الدين، حلوا مشاكلكم وقضاياكم في إطار الأمة الإسلامية، فعدوكم يحب أن يراكم متفرقين، يحب أن يراكم متنازعين، يحب أن يرى بعضكم ضد بعض، يحب أن يرى بعضكم يقتل بعضا، ويهدد بعضكم بعضا، لتكونوا فريسة سهلة له، فلنتق الله في أنفسنا، ولنصحح أوضاعنا، ولنعد إلى ديننا، فثم العزة والكرامة.

стр. 131

“ بيان فضل الحج وفوائده ومنافعه “ حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته إذ هيأ لكم الوصول إلى هذه الديار المقدسة، ومكنكم من أداء نسككم، التقيتم في هذا المكان المبارك على صعيد عرفات في هذا الموسم الكريم، هذا اللقاء الذي هو لقاء عبادة الله، لقاء تجمع وتعارف وتنسيق وتعاون وتفاهم بين الأمة؛ لنشهد في هذا اللقاء منافع لنا، من أعظمها طاعة الله والسعي في مرضاة الله، يجب على الأمة أن تستفيد من هذا التجمع الكريم فوائد عظيمة، تعود عليها وعلى شعوبها بالخير والصلاح. إن المسلم وهو يرى إخوانا له أتوا من أقطار الدنيا إجابة لنداء الله ، وتلبية لنداء الخليل ﵇، يرى أناسا جاءوا من كل حدب وصوب، تغيرت البلاد والألوان واللغات ولكن اتحدت القلوب على الخير، فالهدف واحد والغاية واحدة، طاعة لله واستجابة لندائه وطلب الفضل والمغفرة منه. “ النعم العظيمة التي تعيش فيها هذه البلاد، ومن أهمها نعمة الأمن “ حجاج بيت الله الحرام، وطأتم أرض هذه البلاد الطاهرة المباركة، وشاهدتم ما أنعم الله به على أهلها من أمن واستقرار ورغد العيش ونعم متوافرة، أعلاها وأعزها نعمة الإسلام واجتماع الكلمة على هذا الدين، إن هذه البلاد -ولله الحمد تعيش- في نعمة عظيمة من نعم الله، ألا وهو تحكيم شرع الله وإقامة حدود الله، فتحاكمنا إلى القرآن والسنة، ومحاكمنا تطبق أحكامه وتعمل بمقتضاه، فأمن الله هذه البلاد من كل المخاوف، وجمع قلوبهم على الخير، وهيأ لهم من رغد العيش والنعمة ما هو معروف لدى كل عاقل، وجعل الله بين قادتها وبين مواطنيها محبة ومودة واتفاقا ولقاء على الخير والهدى، إن هذا الأمن والاستقرار الذي تنعم به هذه البلاد، كله من فضل الله، ثم جهود قادة هذه البلاد، وما قاموا به من

стр. 132

جهود عظيمة في سبيل راحة المسلمين واستقبال الحجيج كل عام، وتهيئة السبل المناسبة لهم حتى يؤدوا نسكهم على الوجه المرضي، ما فعلوا ذلك إلا طاعة لله وطلبا لثواب الله، فجزاهم الله عما فعلوا خيرا. “ حماية الله تعالى لبيته الحرام، وعقابه لكل من يحاول الإخلال بأمنه “ حجاج بيت الله الحرام، إن الله من عزته وحكمته حمى بيته الحرام وجعله آمنا مطمئنا كما أخبر الله أنه حرما آمنا، وأن من أراده بشر فإن الله يعاقبه بمجرد همه، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ، وحكمة الله اقتضت أن كل من هم بسوء فإنه يعاجل له العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم. لقد حاول أبرهة أن يؤذي البيت الحرام ويهدمه، فأنزل الله عليه طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وحاول فئة أخرى ليذيقوا أهله الذل والهوان، فسلط الله عليهم عقوبة سلبت عنهم كل خير، وهذه سنة الله فيمن هم في هذا البيت الحرام بسوء وفساد، أن يعجل له العقوبة وينزل به الذل والهوان، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. “ وجوب الحج وأنه ركن من أركان الإسلام “ حجاج بيت الله الحرام، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعله خامس أركان الإسلام، افترضه على المسلم في عمره مرة، من أداه في عمره فقد أدى الواجب الذي عليه، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ، خطب المصطفى ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال: (٣)

стр. 133

رسول الله ﷺ : " لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم"، ثم قال: " ذروني ما تركتكم» فصلوات الله وسلامه عليه. “ بيان صفة حجة النبي ﷺ “ أمة الإسلام، إن محمدا ﷺ حج في عمره حجة واحدة، حج بعد الهجرة حجة واحدة سماها المسلمون "حجة الوداع"، أعلمهم مناسك الحج بقوله وعمله، ما قال قولا ولا عمل عملا إلا قال: «خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا (١) » «وقف ﷺ بعرفة وقال: " وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف (٢) » «وارفعوا عن بطن عرنة (٣) » وصلى بعرفة الظهر والعصر جمع تقديم، ثم انصرف من عرفة بعد غروب الشمس، ثم أتى المزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء، وبات بها وصلى بها الفجر، ثم أتى المشعر الحرام وذكر الله وعظمه، ثم انصرف فرمى جمرة العقبة، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، وحل من إحرامه التحلل الأول فتطيب، ثم طاف بالبيت، صلوات الله وسلامه عليه، وتحلل التحلل الثاني بعد الطواف. “ فضل يوم عرفة والتحريض على إخلاص العبادة فيه “ حجاج بيت الله الحرام، إن هذا اليوم المبارك من أعظم أيام الله، يوم عرفة يوم الحج الأكبر، أيها المؤمنون، عظموا في هذا اليوم ربكم، وأكثروا من الثناء عليه وذكره وتعظيمه بما أنعم الله عليكم به من النعم العظيمة، حيث أكمل الله لكم دينكم وأتمم عليكم نعمته، هذا يوم عظيم يباهي الله بكم ملائكته، يقول النبي ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٤) »

стр. 134

ويقول: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام (١) » فأروا الله من أنفسكم خيرا. ارفعوا أكف الضراعة إلى ذي الجلال والإكرام، اسألوه من فضله مغفرة ذنوبكم وحط أوزاركم والتجاوز عن زلاتكم، ارفعوا أيدي الضراعة إليه، أكثروا من: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فإن نبيكم يقول: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (٢) » أخلصوا لله دعاءكم وتضرعوا بين يدي ربكم واسألوه التوفيق والسداد والهداية، إنه على كل شيء قدير. “ إرشاد الحجاج إلى ما تبقى من أعمال الحج “ قفوا بعرفة ولا تنصرفوا منها إلا بعد غروب الشمس، ومن انصرف منها قبل الغروب فقد خالف هدي المصطفى ﷺ ، صلوا بها الظهر والعصر جمعا وقصرا، ثم انصرفوا إلى مزدلفة، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ولكم أن تدفعوا بعد نصف الليل، والأفضل البقاء حتى تصلوا بها الفجر، ثم ائتوا إلى منى وارموا بها جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، ثم انحروا الهدي إن كنتم متمتعين أو قارنين، ثم احلقوا رؤوسكم، والحلق أفضل من التقصير، ثم طوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة، «ومن قدم يوم النحر شيئا على شيء، فإن النبي ﷺ يقول: " لا حرج (٣) » السنة: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق

стр. 135

ثم الطواف، ومن قدم شيئا على شيء فنبيكم ﷺ «ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج (١) » بيتوا بمنى ليلتين من ليالي التشريق إن تعجلتم، فارموا في اليوم الحادي عشر الجمار الثلاث مرتبة بعد الزوال: الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة، وفي اليوم الثاني عشر كذلك، فإن أحببتم أن تنصرفوا فلا شيء عليكم، وإن أحببتم أن تقيموا في اليوم الثالث فلا شيء عليكم ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) . “ نصيحة للقائمين على الهدي والمطوفين والمتعهدين بالحجاج “ أيها المسئولون، أيها القائمون بعهد الهدي والأضاحي، اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن الحجاج ائتمنوكم على هديهم، ائتمنوكم على أضاحيهم، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تذبحوا إلا ما وافق السن الشرعي، وكلوا الذبح إلى من يحسنه ويؤدي الذكاة الشرعية كما يحب الله ويرضاه. أيها المسئولون المتعهدون بالحجاج، أيها المطوفون، اتقوا الله في الحجاج، اتقوا الله فيهم وقفوا بهم المواقف الشرعية، واحذروا أن تسعوا فيما يفسد حجهم ويضعف ثوابه، فإنها أمانة والله سائلكم عنها، فاتقوا الله يا عباد الله في أنفسكم، وائتمروا بينكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وتذكروا في هذا المجتمع وقوفكم بين يدي الله حفاة عراة، تذكروا في هذا المجتمع وقوفكم بين يدي الله، واسعوا في تخليص أنفسكم من عذاب الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا بأننا نشهد أنك أنت

стр. 136

الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تجعل حجنا مبرورا، وذنبنا مغفورا، إنك على كل شيء قدير، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم ألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واجمعهم على كلمة التقوى، إنك على كل شيء قدير، وأعذهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم انصر به دينك وأعل به كلمتك، وأخذل به أعداءك، اللهم اجزه ومن معه عما قدموا للحجيج خيرا، إنك على كل شيء قدير. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 137

خطبة عام ١٤٠٩ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: “ الوصية بتقوى الله، وبيان الحكمة من إرسال الرسل إلى العباد “ أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى. عباد الله، إن الله بعث أنبياءه ورسله دعاة إليه، دعاة إلى دينه، ليقيم بهم الحجة على العباد، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢) . أيدهم الله بمعجزات تدل على صدقهم، وصدق ما جاءوا به، وأنهم رسل الله حقا، يقول ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (٣) » “ ذكر معجزة النبي الخالدة القرآن الكريم وبيان فضلها “ أمة الإسلام، إن معجزة محمد ﷺ هي القرآن العظيم والذكر الحكيم، الذي جعله الله معجزة باقية ما بقيت الدنيا، فالقرآن الحكيم معجزة محمد ﷺ ، إن معجزات الأنبياء انقضت بانقضائهم، ولما

стр. 138

كان محمد ﷺ خاتم أنبياء الله وخاتم رسله، كانت معجزته باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. “ للقرآن خصائص عظيمة منها: حفظ الله له من الزيادة والنقصان “ أمة الإسلام، لقد خص الله هذا القرآن العظيم بخصائص عظيمة لم تكن لكتاب من كتب الله السابقة. فمن خصائصه: أن الله حفظه فلا تتطرق إليه أيدي العابثين زيادة فيه أو نقصانا منه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ، فهذا القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله، لا يستطيع أحد أن يزيد فيه أو ينقص منه مهما بذل جهده، وكم نسب إلى الله في الكتب السابقة ما لم يقله الله، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) ، أما القرآن الكريم فمحفوظ بحفظ الله، تحدى الله العرب أن يأتوا بعشر سور منه، أو بسورة، بل بآية، إلى أن قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣) . “ ومن خصائصه: أن الله جعله مهيمنا على ما سواه من الكتب “ ومن خصائص القرآن الكريم أن الله جعله مهيمنا على ما سواه من الكتب، جامعا لمعاني ما سلفه من الكتب، يحق الحق ويبطل الباطل، يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤) .

стр. 139

“ ومن خصائصه: أنه مصدر سعادة الدنيا والآخرة “ ومن خصائص هذا القرآن أن الله ضمنه سعادة الدنيا والآخرة، فكل سعادة في الدنيا والآخرة فقد انتظمها القرآن واشتملها، فلا خير إلا دعا إليه، ولا شر إلا حذر منه، يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ، فما من مشكلة حاضرة أو مستقبلة إلا وقد تكفل القرآن بحلها، يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) ، لا تناقض في أحكامه ولا اضطراب في أخباره، بل أحكامه العادلة وأخباره الصادقة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) . أمة الإسلام، إن هذا القرآن الكريم شرف لنبينا ﷺ ، وهو شرف لنا، شرف لأمته ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٥) ، شرف لك وشرف لأمتك، وسوف تسأل هذه الأمة عن هذا القرآن الكريم هل قاموا بحقه، هل حكموه وعملوا به، هل أدوا حقه الواجب عليهم؟ “ شرف هذه الأمة وفخرها في تحكيم كتاب الله والتحاكم إليه “ أمة الإسلام أمة القرآن، إن شرف الأمة وعزها وفخرها هو في تحكيم كتاب الله، والتحاكم إليه هو أن نحل حلاله ونحرم حرامه، ونعمل بمحكمه ونقف عند حدوده، وننفذ أوامره، ونتأدب بآدابه، إنه يهدينا لكل خير، ويسوقنا إلى كل هدى، يقول الله –سبحانه-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦) .

стр. 140

“ عزة المسلمين وتمكينهم من تحكيم لكتاب الله “ أمة الإسلام، إن السعادة كل السعادة في العمل بهذا القرآن، وفي التمسك بهذا القرآن، وفي تحكيمه والتحاكم إليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (٢) ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٣) . فمن اتبع القرآن وحكم القرآن وجعل القرآن نظامه ودستور حياته، فإنه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، فهو على هدى وبصيرة، سعيد في دنياه وسعيد في آخرته، ومن أعرض عن القرآن فإن حياته حياة شقاء وبلاء، كيف لا يكون كذلك وقد نبذ كتاب الله وأعرض عن كتاب الله، فنتائج الإعراض عن الكتاب حصول الفوضى والبلبلة والاضطراب، والتمسك بهذا القرآن سبب للأمن والاستقرار والقوة والعزة والتمكين. فيا أمة الإسلام، تأدبوا بكتاب الله وحكموا كتاب الله، واعملوا بكتاب الله، فهو نور يهديكم سبل السلام، يقول الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٤) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) .

стр. 141

أمة الإسلام، إن هذا القرآن الحكيم عملت به أمة الإسلام قرونا عديدة، راضية به محكمة له، فنالت العزة والتمكين، وكانت مهيبة الجناب، محوطة بحفظ الله ورعايته وحمايته. وفي هذه الأزمان -للأسف الشديد- هناك فئة من الناس تدعو إلى محاربة القرآن، إلى معاداة القرآن، إلى فصل القرآن عن نظم الحياة، إلى الاعتياض عن هذا القرآن بنظم وقوانين ضالة مضلة جائرة لا خير فيها، إن كل حكم سوى حكم القرآن والسنة، فهو الحكم الجاهلي الباطل، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) . [الرد على أعداء الإسلام الذين يتنقصون من شأن القرآن الكريم] إن الله أمرنا أن نتدبر القرآن ونعمل بمقتضاه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢) ، إن المنادين بعزل القرآن عن نظم الحياة ونبذ أحكامه والإعراض عن تنفيذها، إنما هم قوم أصيبوا بمرض في قلوبهم، وتلك وراثة ورثوها من إخوانهم أهل الكفر والضلال والنفاق، فلقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا سمعوا القرآن استهزءوا به وسخروا بآياته، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (٣) ، وهكذا أعداء الإسلام إذا دعوتهم إلى القرآن وإلى تحكيمه وإلى العمل بمقتضاه قالوا: تلك أمور انتهت، وقرون مضت، وأجيال سلفت، وإن العالم بحاجة إلى نظم عصرية وقوانين حديثة تنظم شئون حياتهم، لعمر الله إنه الكذب والافتراء، وإنها مقالة الكفر، تشابهت في الكفر مقالتهم، فاعملوا بكتاب الله وحكموه وتحاكموا إليه، واعملوا به واجعلوه نظام حياتكم، لتعيشوا سعداء أمناء، إن القرآن الكريم يدعو

стр. 142

أتباعه إلى كل خير، ويهديهم إلى السعادة، ويدلهم على أسباب القوة والعزة والتمكين. “ قصة نزول آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) في يوم عرفة، وبيان عظمتها “ أمة الإسلام، أمة القرآن، في هذا اليوم المبارك وأمة الإسلام يتذكرون عظيم نعم الله عليهم، وعظيم فضل الله عليهم، وعظيم كرم الله عليهم، حيث أنزل على نبينا ﷺ آية في كتاب الله ازداد بها المؤمنون عزا وفخرا، وازداد بها الحاقدون على الإسلام غيظا وحنقا؛ أنزل الله في هذا اليوم المبارك قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) ، هذه الآية نالت بها الأمة المحمدية المجد والسؤدد والفخر، نالت بها العزة والظهور على العالمين، إنها آية عظيمة لم يستطع أعداء الإسلام أن يخفوا حقدهم وغيظهم على المسلمين بإنزالها؛ عن عمر بن الخطاب ﵁ أن «رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال:، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة (٤) » أجل إنها نعمة لم تنلها أمة قبلكم، ولن يحوزها أحد غيركم من الأمم، كل شريعة لنبي من أنبياء الله خاصة ببيئته وخاصة بقومه، أما شريعة محمد ﷺ فإلى الثقلين الإنس والجن إلى قيام الساعة، فقد أكمل الله الدين، وأتم

стр. 143

النعمة، ورضي الإسلام دينا، فلنرض بما رضي الله لنا، ولنحمد الله على هذه النعمة والفضل، ونسأله الثبات على الإسلام إلى أن نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين. أمة الإسلام، يا أمة محمد ﷺ ، يا خير الأمم وأكرمها وأفضلها على الله، يا من فضلكم الله بأفضل نبي، وأكرم كتاب، وأكمل شريعة، اعلموا أن هذا الفضل العظيم لن تنالوه إلا إذا حكمتم شرع الله، وعملتم بهذا الدين، وتآلفت عليه قلوبكم واجتمعت عليه كلمتكم. “ سعي أعداء الأمة لتشتيت شملها وتفريق صفوفها، وحقدهم على الإسلام وأهله “ إن أعداءكم يا أمة الإسلام يحاولون تفريق شملكم وتشتيت صفوفكم، وإيقاع العداوة والبغضاء بينكم، يحاولون أن يضربوا بعضكم ببعض، يحاولون أن يسلطوا بعضكم على بعض، فاحذروا مكايدهم، واحذروا ضلالاتهم، إنهم يعلمون أن اجتماعكم واعتصامكم بدين الله وتآلف قلوبكم قوة لا تغلبها قوة، لا يستطيع أي عدو أن يحطمها، فتمسكوا بهذا الدين واعملوا به واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون. أمة الإسلام، إن أعداءكم يتمنون من قلوبهم أن تتركوا دينكم، أن تفارقوا إسلامكم، يقول الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) ، لأن تمسككم بإسلامكم حصن حصين يقيكم مكايد الأعداء وشرورهم، وإن كل فرقة واختلاف فإنما ذلك قوة لعدوكم عليكم، أنتم خير الأمم وأكرمها على الله، أنتم مؤهلون لقيادة البشرية كما قال الله -جل وعلا-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) ، وقال -سبحانه-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣) . فحذار حذار أمة الإسلام من مكايد أعداء الإسلام، إنهم ينسبون كل

стр. 144

ضعف وتخلف للأمة، ينسبونه إلى تمسكنا بديننا واعتصامنا به، وهذا من الكذب والافتراء، فالدين يدعونا للقوة والعزة والعمل بالأسباب النافعة، والأخذ بكل نافع مفيد في مصالح دنيانا مما لا يتنافى مع ديننا، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (١) ، وقال –سبحانه-: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) . أمة الإسلام، إن أعداءكم يحاولون أن يوجدوا بينكم البغضاء والعداوة، ويشتتوا شملكم ويحدثوا بينكم فرقة واختلافا، فحذار من مكايد أعدائكم، حذار من ضلالاتهم، حذار من إيحاءاتهم الباطلة، إنهم ينسبون الأمة الإسلامية إلى التخلف والرجعية، ليفتوا من عضدها، ويقللوا من شأنها، والأمة متى عادت إلى رشدها وتمسكت بدينها واعتصمت بوحي الله، فإنها بتوفيق الله ستقف أمام مكائد الأعداء ولا يضرها شيء بتوفيق الله وعزته وقوته. النبي ﷺ قال: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا (٣) » فإذا فعلوا ذلك فإن العدو سيسلط عليهم ويفكك شملهم، ويجعلهم أمة تابعة له، فاحذروا يا عباد الله ذلك، وتمسكوا بدين الله واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون.

стр. 145

“ فضل البلد الحرام وذكر بعض مما خصه الله تعالى به “ أمة الإسلام، أمة القرآن، إن الله ﷻ لما خلق الأرض اختار منها البلد الحرام، فجعله خير بقاع الأرض وأشرفها وأفضلها، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) ، اختار البلد الأمين فخصه بخصائص لم تكن لغيره من بقاع الأرض. ومن ذلك أن الله ﷻ جعله مثابة للناس، أودع في قلوب المؤمنين حب بيت الله الحرام والشوق إلى بيت الله الحرام، فما زاره مسلم إلا وفي قلبه حب وتطلع بأن يعود إلى البيت الحرام ثانية. جعله الله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا ينفر فيه صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمن كان معرفا لها. أوجب الله على المسلمين استقباله في مشارق الأرض ومغاربها، يقول الله : ﴿الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) . وألزم المسلم أن يزوره في عمره مرة، ليطوف به لله ويصلي إليه لله، عهد الله ببناء هذا البيت إلى نبيين من أنبيائه: إبراهيم، وإسماعيل ﵉، قام على إخلاص الدين لله، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) ، فليس في الدنيا بيت يشرع الطواف به إلا بيت الله الحرام، ليس في الدنيا موضع يشرع تقبيله واستلامه إلا الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني. “ لا يشرع للمسلم الطواف بقبر النبي ﷺ وقد نهى ﷺ عن ذلك أشد النهي “ أمة الإسلام، هذا شيء من فضل الله وما خص به هذا البيت العتيق، إن كل مسلم يعلم أن أشرف قبر يحوي أشرف جسد هو قبر محمد ﷺ ، ويا ترى هل شرع للمسلمين أن يطوفوا بقبره ويتخذوه كالبلد الأمين
следующие страницы →