← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21761

جامع خطب عرفة لعبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (196 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كلمة سماحة المفتي الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن ليوم عرفة شرفا عظيما وفضلا كبيرا، ذلكم اليوم العظيم الذي نالت فيه الأمة المحمدية وسام الرفعة والشرف على سائر الأمم؛ إذ في ذلك اليوم أنزل على نبيه محمد ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) ، أنزلها على نبيه وهو واقف يوم عرفة في يوم الجمعة. ولقد انتبه لهذا الفضل العظيم بعض أتباع الملل الأخرى كاليهود، «قال يهودي لعمر ﵁: آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال:. قال عمر: إني أعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة يوم الجمعة (٣) » ،

стр. 2

وكلاهما لنا عيد. أخي المسلم، خطبة يوم عرفة خطبة تميزت بأنها خطبة تلقى على مسامع الحجيج على اختلاف بلادهم ولغاتهم، وزادت أهمية في هذا العصر الذي أصبحت تبث فيه بواسطة الأقمار الصناعية إلى أرجاء المعمورة، يسمعها العالم كله في آن واحد. إذا فلهذه الخطبة شانها وفضلها، وينبغي العناية بها قدر الإمكان. ومن منة الله علينا وتوفيقه لنا أن هيأ لنا إلقاء الخطبة بمسجد نمرة يوم عرفة منذ عام (١٤٠٢ هـ) ، فلقد تلقيت في خامس ذي القعدة عام (١٤٠٢ هـ) خطابا موجها لي من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته- تضمن هذا الكتاب العهد إلي بإلقاء خطبة يوم عرفة بنمرة، نيابة عن فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ -الذي طالما صعد هذا المنبر لعقود عديدة-، وباشرت الخطبة في ذلك العام، وفي العام التالي كذلك، ثم جاء التوجيه من خادم الحرمين الشريفين ﵀ في عام (١٤٠٤ هـ) بالخطابة في هذا المكان بصفة مستمرة، أرجو من الله أن نوفق فيها لكل خير. أخي المسلم، إن هذه الخطبة بحق تهم من يلقيها ويتحدث

стр. 3

فيها، حيث إن الواقع يقتضي ذلك، فأنت تخاطب العالم لتوضح فيها شريعة الإسلام: محاسن هذه الشريعة، ومزاياها، وخصائصها، لتدعو العالم إلى التدبر والتعقل والتأمل، لتقول لهم: هذه شريعة الله، هذا دين الله، هذه أخلاق الإسلام، هذه مبادئ الإسلام تمسكوا بها أيها المسلمون، واقبلوا الإسلام يا من لم يعتنقه؛ فهو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. إن محمدا ﷺ سيد خطباء يوم عرفة على الإطلاق، إنه خطب الناس في ذلك المجمع الكريم خطبة كانت وجيزة في لفظها، كثيرة في معانيها، ولا غرو فهو سيد أهل البيان ﷺ ، وهو أفصح الخلق بيانا، وأحسنهم أداء، وأقدرهم على جمع المعاني في الكلمة الواحدة؛ حيث أعطاه الله جوامع الكلم، واختصر له اختصارا، ألقى تلك الخطبة العظيمة التي بين فيها حرمة أموالهم، وأن تحريم الدماء والأموال حرام كتحريم هذا اليوم العظيم في بيت الله الحرام، وفي الشهر الحرام، بين فيها ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات، بين للأمة أن الله ألغى به مآثر الجاهلية التي قبل الإسلام، سواء في الأموال أو الدماء أو الأعراض. قال لهم: «إن كل أمر من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع (١) » . وحقا إنه قضى على ظلم الجاهلية

стр. 4

وضلالتها، وأقام المجتمع المسلم الوسطي القائم على العدل والخير والهدى، ألغى فيها ما كان بينهم من معاملات ربوية، وخص عمه العباس لأنه كان ممن يتعامل بالربا، وليكون أمر العباس أمرا شاملا للجميع. ألغى فيها دعوات الجاهلية وآثارها السيئة في الدماء. كل ذلك يبين أن الإسلام جاء لينقل العالم من حياة إلى حياة، من صورة قاتمة مظلمة إلى صورة مشرقة، ليستقبلوا عملا جديدا، ولينسوا الماضي اللئيم، وليستقبلوا عمرا جديدا وأياما سعيدة، حقا إنها أيام الخير والبركة، لقد ذكر الله الأمة بهذه النعمة فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) إن الرعيل الأول من هذه الأمة يتذكرون تلك الضلالات التي كانوا يعيشونها، وتلك المصائب التي مرت بهم، ويتذكرون نعمة الله عليهم بهذا الدين الذي جمع بين قلوبهم، ووحد به صفوفهم، وأخرجهم به من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) .

стр. 5

موقف يوم عرفة موقف إسلامي غيرته الجاهلية وحرفته عن سبيله، فكان سكان الحرم لا يقفون بعرفة ويقولون: نحن أهل الحرم نقف بالحرم. ويجعلون موقف عرفة للآفاقيين، فجاء محمد ﷺ وأعاد الحج على قواعد إبراهيم، فوقف بعرفة وقال: «الحج عرفة (١) » . وقال: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف (٢) » . أخي المسلم، دونك خطبا جمعتها لمدة عشر سنوات، وهي من عام (١٤٠٢ هـ) إلى عام (١٤١١ هـ) ألقيتها بمسجد نمرة. هذه الخطب المتواضعة التي حرصت فيها بتوفيق من الله أن تكون خطبا شاملة جامعة لأصول الدين، فتحدثت عن العبادة، وعن الأخلاق، وعن مناسك الحج، وماذا يجب على المسلمين نحو دينهم ونحو أنفسهم، هي خطب تعالج تلك القضايا، أسال الله أن أكون موفقا فيها للصواب. وما وجدته يا أخي فيها من أسلوب قد لا يعجبك أحيانا، أو بعض الأخطاء التي ليست مقصودة، فإني أرجو أن تصحح هذا الخطأ، وأن تدعو لمن ألقاها بالمغفرة والرضوان، وأرجو من الله أن يعم نفعها وأن يكون في إخراجها خير للإسلام والمسلمين.

стр. 6

وفي ختام كلمتي هذه أحب أن أنوه بأمر عظيم مهم، ألا وهو ما من الله به على العالم الإسلامي في هذه المائة عام المتأخرة، حيث هيأ الله لهم زيارة البيت الحرام لأداء العمرة والحج للوقوف بتلك المشاعر العظيمة، وزيارة مسجد محمد ﷺ ، لقد كان الحج لبيت الله الحرام أمنية تختلج في نفس كل مؤمن يتمنى أن يزور البيت الحرام، ولو في عمره مرة، ولقد مضى على العالم الإسلامي بعد القرون الثلاثة المفضلة سنون عديدة تمر بهم، ما يأتي البيت الحرام من أرجاء العالم الإسلامي أحد إلا النزر من الناس، فيتعذر من المشرق الإسلامي أو من مغربها الوصول إلى الحج، لماذا؟ يتعذر أولا لصعوبة الوصول إلى البيت الحرام، ولاختلال الأمن في العالم الإسلامي، بعد ضعف الدولة الإسلامية ضعف الأمن وكثر الخوف وقطاع الطرق الذين ينهبون الناس ويسلبون أموالهم، وربما قتلوهم، وربما استرقوهم. إن الحج أصبح مشكلة من أكبر المشاكل، ولقد مضى على بعض علماء الأمة ذوي المكانة والفضل عمرهم، ما تمكن واحد منهم من زيارة البيت الحرام، فسبحان الحكيم العليم! ولكن في هذه العصور المتأخرة منذ أيام الملك عبد العزيز –غفر الله له– فإن الله جعل على يديه تسهيل أمر الحجيج، فأمن الوصول إلى البيت

стр. 7

الحرام. ثم البيت الحرام – ولله الحمد – آمن في هذه الأزمنة شرعا وقدرا، آمن شرعا بما ألزم الله المسلم من احترام أمنه والتأدب فيه، وآمن قدرا بما هيأ الله له من أولئك القيادة الذين بذلوا كل غال ونفيس في سبيل تأمين راحة الحجيج. إن تأمين راحة الحجيج أمر مهم، اعتنت به هذه الحكومة – وفقها الله -، اعتنت بالطرق الموصلة إلى البيت الحرام، ثم اعتنت بأمنه، واعتنت بعمارته، واعتنت برخائه، فأصبح البلد الأمين رخاء سخاء، يأتي الحاج من أقصى الدنيا لا سلاح يحمله، لا زاد يصحبه، ولهذا ترى العدد الكثير يأتون البيت الحرام من طريق الجو، وهؤلاء الذين يأتون من طريق الجو لا يحملون زادا ولا سلاحا؛ لأنهم يجدون أمنا ورخاء واستقرارا وطمأنينة. إن من يشاهد الحرمين الشريفين، وهذه التوسعة العظيمة والمتوالية والخدمات المستمرة، ليسأل الله لأولئك القادة أن يوفقهم ويسدد خطاهم، ويجزيهم عما فعلوا خيرا. لقد بذل الملك عبد العزيز – ﵀ – جهده العظيم في تأمين الحجيج، فيسر الله عليه هذه النعمة، ثم تعاقب أبناؤه الكرام: سعود،

стр. 8

وفيصل، والملك فهد بن عبد العزيز – رحم الله الجميع -، ثم دور خادم الحرمين الملك عبد الله – وفقه الله وأيده ونصره –، وما من أولئك إلا وله لمسات في تيسير أمر الحجيج وتذليل الصعاب: كالتوسعة في بيت الله الحرام، وفي مسجد رسول الله ﷺ ، وما حصل أيضا في المشاعر من تسهيل وتيسير: أنفاق أقيمت، طرق هيئت، مياه كثيرة يسر الوصول إليها، وهذه الخيام المتعددة، كل ذلك من توفيق الله، فوفق الله خادم الحرمين، وشد أزره بصاحب السمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي عهده الأمين، الذي ساعد وساهم في هذا الأمر العظيم، فجزى الله الجميع خيرا، ووفقهم لما يحبه ويرضاه. وإنما قلت ذلك حقيقة، يشهدها كل من أتى إلى هذه البلاد المقدسة فرأى الأمن والاستقرار والطمأنينة والخدمة والرعاية، وبذل كل الوسائل في سبيل راحة الحجيج. فالدولة تستنفر كل قواها وتبذل كل جهودها، وما من إدارة حكومية إلا ولها تعلق في هذا المسجد الحرام، تؤدي الواجب الذي عليها، وذلك بتوفيق الله، ثم بتوجيه قادة هذا البلد، وفقهم الله وسدد خطاهم، ورزقهم الاستقامة والسير على الخير والهدى، ووفق المسلمين جميعا لشكر نعمة الله وحسن عبادته.

стр. 9

وإني أشكر الله قبل كل شيء، ثم أشكر أخانا الشيخ بدر بن محمد الوهيبي، الذي انبرى لجمع هذه الخطب والإشراف عليها، فجزاه الله خيرا، ووفقنا وإياه لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك عبده ورسوله محمد. المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 10

مقدمة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والحمد لله مستحق الحمد وموليه، الحمد لله الذي أعلى معالم العلم وأعلامه، وأظهر شعائر الشرع وأحكامه، وبعث رسله – صلوات الله عليهم – إلى سبيل الحق والهدى داعين، وأخلفهم علماء على سننهم ماضين، وجعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، وجعلهم أهل خشية الله، واستشهدهم على توحيده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أعلم الخلق بالله، وأخشاهم لله، وأتقاهم له، بعث بالدين الحنيف الخاتم، ورفع شأن العلم، وقدم على العابد العالم، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وخلفائه وسائر أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فإن نعم الله علي لا تحصى – ولا أحصي ثناء عليه سبحانه –، ومن النعم العظيمة، والهبات الجليلة، والمنح الكريمة، أن هيأ لي الاتصال بسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، والقرب منه، أعب من معين علمه وكريم خلقه وأنهل، وهو على كثرة الوارد مبارك لا ينضب، فسبحان الملك الوهاب.

стр. 11

وكان من ثمرات هذا الاتصال والملازمة أن كلفني شيخي، بل وشرفني بجمع المواد العلمية لسماحته، من خطب ودروس وفتاوى ومحاضرات ولقاءات، تمهيدا لنشرها، فاستعنت بالله ، وسألته –سبحانه- المدد والعون، فوجدت من لطيف صنعه وعظيم إنعامه ما لا أحصي له شكرا، فاللهم غفرا غفرا، وكان اختيار سماحة شيخنا – غفر الله له ولوالديه – أن يكون البدء بإخراج خطب عرفة، بدءا بعشر خطب منها تطبع في الجزء الأول، ثم يتبعها ما يتممها بإذن الله . بدأنا العمل على إخراج هذه الخطب، بعد أن تم جمعها وتفريغها مع جملة كبيرة من المواد العلمية لسماحة والدنا – حفظه الله – بلغت ما يربو على ثمانية آلاف صفحة، استللت منها (الجامع لخطب عرفة) الذي بين يديك، بإشارة من سماحته – وفقه الله -، واستعنت بالله في إعدادها للطباعة، وذلك بمراجعتها وتدقيقها، وتخريج أحاديثها وآثارها، وقرأتها على سماحة شيخنا – حفظه الله -، وإعادة الصياغة لبعض عباراتها، وإقرارها من قبل سماحته – حفظه الله –، إلى أن خرجت بهذه الحلة القشيبة – بحمد الله بعد جهد استمر عاما كاملا. وكان طريقنا في التخريج هي عزو الأحاديث إلى مصادرها، فإن وجد الحديث في (الصحيحين) أو أحدهما اكتفينا به، وإلا خرجناه من كتب السنن الأربعة و (مسند الإمام أحمد) ، وإن لم نجده خرجناه من مصدره في باقي كتب السنن أو المعاجم وغيرها، وربما خرجنا بعض الآثار من كتب التفسير المسندة، كـ (تفسير ابن جرير) ؛ لأنه مظنتها القريبة، وكان عزونا لأحاديث البخاري بالإشارة إلى (فتح الباري) ؛ لانضباطه بترقيم الأحاديث، فيكون أيسر للقارئ، وإذا تكرر الحديث اكتفينا بالإشارة إلى مصادره، والإحالة إلى تخريجه كاملا عند أول ورود له

стр. 12

في الكتاب. ومما استحسناه في هذا الكتاب أن تكون خطبة كل عام مفردة عن خطبة العام الذي يليه، وتكون الخطبة الواحدة مسرودة بفقراتها المتنوعة، مع ترقيم ما يحتاج إلى عزو، أو تعليق، بأرقام مسلسلة، وتكون الهوامش في آخر كل خطبة، ولا يخفى على فطنة القارئ الكريم أن هذه الطريقة أدعى لاستيعاب الخطبة بكامل فقراتها وتسلسل أفكارها ومحتوياتها، إضافة إلى أن الفاصل بين الخطبة والهوامش يسير، يسهل الرجوع إليه لمن أراده. هذا، وإن مما يذكر فيشكر ما قام به الأخوان الفاضلان الشيخ عبد النافع زلال بن عبد الحي بن عبد الوهاب، وهو من طلاب سماحة شيخنا - حفظه الله - المميزين بالخلق الجم، والعقلية الناضجة، الذي كان خير معين لي في مراحل كثيرة من هذا العمل، فجزاه الله خير الجزاء، وفضيلة الشيخ محمد بن ناصر القحطاني، الباحث الشرعي بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الذي لم يأل جهدا ولا نصحا، وقد عمل معنا في مراجعة هذا الكتاب، فجزاه الله عنا خير الجزاء، ولما كان الحديث عن عرفة، فإني أرى لزاما علي أن أشيد بالجهود العظمية والجبارة من قبل حكومة هذه البلاد المباركة، المملكة العربية السعودية، التي بذلت الغالي والنفيس، جهدا، ومالا، ووقتا، وخبرة، وكل ما يمكن للتسهيل على ضيوف الرحمن، من تهيئة للمشاعر على اختلافها، وعناية بالشعائر على تنوعها، وما أن ينقضي الموسم إلا وتجد العمل على قدم وساق لاستقبال الموسم المقبل بتدارك ما سبق وإنجازات جديدة لا تكاد تخطئها عين المنصف، مما كان له أثر كبير بفضل الله على تيسير أداء هذه الفريضة العظيمة، التي كانت وعلى مر التاريخ من أعظم

стр. 13

فرائض الإسلام مشقة وعناء، بل وكان كثير من المسلمين من علماء كبار وغيرهم لا يستطيع أداءها للمشقة، وبعد الشقة، وخوف الطريق، وما يحدث أيضا في الحج بمنى أو غيرها من قتال ونحوه، مما تجده مسطورا في كتب التواريخ، بل وتجد فيها أعواما لم يحج فيها أحد من إقليم، وربما أقاليم من بلاد المسلمين والآن بحمد الله ومزيد فضله وإنعامه، قد تيسرت السبل، وأمن الحاج على نفسه وأهله وماله، وهيأت له جميع الوسائل المعينة على أداء هذه الفريضة في راحة وأمن وطمأنينة، فلله الحمد ظاهرا وباطنا، ثم الشكر واجب علينا لهذه الدولة المباركة، أدام الله عزها بعز الإسلام، وأيد الله حكامها، وجعلهم مباركين أينما كانوا، ممتعين بالصحة والسلامة، مسددين بالتوفيق والإعانة. ولما كان من المروءة والوفاء نسبة الفضل لأهله، فإني أشكر شيخي سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ - حفظه الله ورعاه ووفقه وأعانه - على ما وجدت منه، من كريم الأخلاق، وسعة الصدر، وندى في كفه وعلمه، لم يألني نصحا وتعليما وتوجيها، وما كان من جهد لي فإن كان صوابا فمن الله التوفيق له، وسماحته - حفظه الله - هو السبب الموصل إليه، فكان هذا الكتاب كله من صنعه - حفظه الله - والفضل بعد الله تعالى له، فشكر الله

стр. 14

له، وبارك في عمره، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولا أخلاه من حمد يجدده على نعم يستجدها، وتابع عليه أفضاله، ورادف إليه آلاءه، ووصل له الطارف منها بالتليد، وأصلح له العقب والعاقبة، وختم لنا وله ولوالدينا وسائر قراباتنا بخاتمة السعادة، ورزقنا الحسنى وزيادة، إنه سبحانه سميع مجيب. ولا يفوتني - وأنا في مقام الشكر - أن أشكر الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ثم الشكر سلفا لكل من واصلنا بتنبه أو استدراك أو ملاحظة. أسال الله العظيم أن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين، اللهم احشرنا معهم وانظمنا في سلكهم يا كريم. وكتبه راجيا عفو مولاه بدر بن محمد بن إبراهيم الوهيبي الباحث الشرعي بمكتب سماحة المفتي العام غفر الله له ولوالديه

стр. 15

خطبة عام ١٤٠٢ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد: يا أيها الناس، أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا ربكم فهو أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر، اتقوه تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، اتقوه يا عباد الله تقوى عبد يعلم أن الله مطلع على سره وعلانيته، عالم بكل أحواله، اتقوه سبحانه، فبتقواه تنالون عز الدنيا وسعادة الآخرة، اتقوا ربكم يا عباد الله في كل أحوالكم تقوى من يعلم أنه موقوف بين يدي الله وأن الله محص عليه جميع أعماله، اتقوه تعالى وراقبوا أمره واجتنبوا نهيه. إن التقوى يا عباد الله وصية أوصى بها الأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) ، التقوى يا عباد الله بها تنال ولاية الله، فإن ولاية الله لا ينالها إلا المتقون ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٣) ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤)

стр. 16

وبالتقوى يا عباد الله تتحقق المودة الثابتة التي لا تنفصم عراها ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (١) [الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده لا شريك له] عباد الله، خلق الله الخلق لحكمة عظيمة ليعبدوه وحده لا شريك له ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين ليردوا العباد إلى فطرة الله التي فطرهم عليها، بعد ما انحرف العباد عن فطرة الله، فالله قد فطر الخلق على عبادته ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣) ، فلما انحرف العباد عن هذه الفطرة أرسل الله الرسل ليردوا العباد إلى فطرة الله السليمة. ذلكم يا عباد الله أن الخلق كانوا من لدن آدم ﵇ إلى نوح يعبدون الله لا يشركون به شيئا، باقون على الفطرة التي فطرهم الله عليها، فلما انحرفوا عن فطرة الله وعبدوا غير الله وأشركوا مع الله غيره، بعث الله نوحا ﵇ يدعو قومه إلى أن يعبدوا الله ولا يعبدوا معه غيره، قائلا لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤) ، فكذبه قومه ولم يستجب له إلا القليل، فأغرق الله من كذبه ونجى نوحا وأتباعه. ثم تتابعت الرسل رسولا بعد رسول، ليقيموا الحجة على العباد، ولتنقطع معذرة العباد ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥) .

стр. 17

[جميع الرسل دعوا إلى إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه] وإن دعوة جميع الرسل دعوة واحدة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، هذه طريقة أنبياء الله ورسله من لدن نوح إلى سيدهم وأعظمهم وأكملهم وأفضلهم محمد ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وهكذا دعوة الرسل جميعا إلى هذا الأصل العظيم، إلى إفراد الله بالعبادة، وأن لا يكون مع الله في عبادته غيره. وانتهت الرسالة إلى سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالهدي ودين الحق، بعثه بما بعث به إخوانه الأنبياء والمرسلين، بعثه ليدعو الخلق إلى عبادة الله ويحذرهم من الإشراك بالله، بعثه الله وجعل رسالته شاملة عامة لكل الخلق عربهم وعجمهم، إنسهم وجنهم، افترض على العباد جميعا طاعته واتباع شريعته والانقياد لها، بعثه الله على حين فترة من الرسل واندراس من العلم والهدى، بعثه وقد طبق الأرض جهل عظيم، وفساد كبير، اختفت أعلام الملة الحنيفية، وانحرف الناس عن فطرة الله، يقول النبي ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (٢) » ... بعثه رب العالمين رحمة للعالمين، ليستنقذهم به مما أصابهم من الضلال والفساد، فكان الناس أحوج ما يكونون إليه صلوات الله وسلامه عليه. بعثه الله برسالة شاملة إلى كل الخلق، واختار لمبعثه أم القرى مكة،

стр. 18

شرفها الله وزادها تشريفا وتعظيما؛ استجابة لدعاء الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) فمكة – شرفها الله – خير أرض الله، ومختار الله من أرضه، كما أنه ﷺ خير خلق الله على الإطلاق، صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين. [أرسل الله محمدا ﷺ بالتوحيد الخالص بعدما أطبق الأرض الجهل والضلال وعبادة الأوثان] بدأ ﷺ قومه العرب بدعوته، وكان العرب آنذاك قد انحرفوا عن فطرة الله، كانوا متباهين في ضلالاتهم، متفرقين في عباداتهم، يعبدون آلهة متعددة، لكل فئة منهم إله يعبدونه من دون الله، ويعظمونه من دون الله، منهم من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد عزيرا، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، فدعا القوم جميعا إلى توحيد الله، دعاهم إلى إخلاص الدين لله، دعاهم إلى أن يتوجهوا بقلوبهم إلى ربهم وفاطرهم ليعبدوه وحده لا يشركون به شيئا. وكان العرب كغيرهم من مشركي الأمم يزعمون أن تلك المعبودات التي يعبدونها من دون الله تقربهم إلى الله زلفى، وأنها تشفع لهم عند الله، وأنها ترفع إلى الله حاجاتهم وطلباتهم، ما كانوا يعتقدون فيها أنها تخلق وترزق وتدبر أمر الكون، فذاك متفق عليه بين أهل الأرض كلهم أنه من خصائص الله، لكن شركهم أنهم اتخذوا بينهم وبين الله وسائط يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها تشفع لهم عند الله، فصرفوا لها العبادة من دون الله، عظموها بقلوبهم، تألهتها قلوبهم خوفا وحبا ورجاء، صرفوا لها أنواع العبادة التي هي حق لله ولا حق لأحد

стр. 19

فيها سوى الله، فجرد ﷺ نفسه، وقام بكل مستطاعه ليخلص العرب من الجهالات، ويرتقي بهم إلى الحرية، حرية العبودية لله، ويستأصل منهم تلك الخرافات والضلالات، فدعاهم إلى كلمة واحدة، إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، إلى أن يقولوا هذه الكلمة، تنطق بها ألسنتهم، وتعمل بمقتضاها جوارحهم، وتعتقد معناها قلوبهم، وهو أن الله وحده هو المعبود لا أحدا سواه، وأن العبادة حق لله لا حق لأحد فيها أبدا، لا نبيا ولا غيره، فلما عرف القوم مدلول هذه الكلمة وأن مدلولها إفراد الله بالعبادة، وأن لا يكون مع الله شريك في أي نوع من أنواع العبادة – أبوا أن ينطقوا بها قائلين ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) عرف القوم مدلول هذه الكلمة ومقتضاها وما دلت عليه، وأنها تدعو إلى إفراد الله بالعبادة، وأن يكون الله وحده هو المعبود الذي يخاف ويرجى ويتقرب إليه، ولا يكون لغيره شركة في ذلك، فاستكبروا عن قولها كما حكى الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) . [دعا محمد ﷺ إلى تحقيق التوحيد قبل كل شيء] إن محمدا ﷺ لم يدع ابتداء إلى الصلاة ولا إلى الزكاة ولا إلى الحج ولا إلى غيره، وإنما جعل أول أمره اهتمامه بتحقيق التوحيد، بتحقيق لا إله إلا الله، بإرسالها في النفوس، باستئصال الشرك وعبادة غير الله، فاهتم بهذا الأمر العظيم غاية الاهتمام؛ لأن هذا الأصل بتحقيقه وتصفيته وتنقيحه تستنير القلوب، وتستضيء بوحي الله، وتنقاد الجوارح لأوامر الله، أما إذا كان القلب

стр. 20

منصرفا لغير الله، آلها غير الله، راجيا غير الله، فإنه لن ينقاد للخير أبدا. أقام الله الأدلة الواضحة والبراهين الصادقة على فساد الشرك وضلال المشركين وفساد معبوداتهم من دون الله، فبين لهم تعالى وتقدس أن كل عابد لغير الله فإنه في ضلال مبين ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) ، وأن هؤلاء المدعوين غافلون عن دعاء من دعاهم، وأنهم يوم القيامة سيتبرءون من كل من عبدهم من دون الله ويكفرون بعبادتهم، وأخبر تعالى أن هذه المعبودات لا تملك شيئا في الكون، وليسوا أعوانا لله ولا شركاء لله، وأن الشفاعة التي يظنها المشركون أنها في يد من عبدوه وعظموه من دون الله أن ذلك ضلال مبين، فإن الشفاعة ملك لله، الله الذي يأذن للشافع بعدما يرضى -تعالى وتقدس- عن المشفوع له وهو لا يرضى إلا عمن وحده وعبده ولم يجعل مع الله شريكا في عبادته. إن محمدا ﷺ مكث عشر سنين بعد البعثة مكرسا وباذلا قصارى جهده في تحقيق التوحيد وحماية هذا الأصل العظيم، وتثبيته في النفوس وإزالة الشرك والوثنية، ولم تفرض عليه الصلوات الخمس إلا قبل هجرته بسنتين، وهاجر إلى المدينة بعد ذلك ففرضت بقية الفرائض، وشرعت الحدود، وما زال ﷺ يحمي هذا التوحيد ويهتم بشأنه، ويدحض الشرك، ويزيل كل شبه المشبهين، ويحقق التوحيد حتى طهر الله به جزيرة العرب من كل الأوثان، وعاد إلى مكة فاتحا منتصرا، وأزال كل ما بها من شرك ووثنية، وأعادها

стр. 21

إلى حظيرة الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه. [على الدعاة الاهتمام بأمر التوحيد وجعله هو الغاية من دعوتهم، وأن يكرسوا جهودهم في سبيل تحقيقه] دعاة الإسلام، إن الواجب عليكم أن تجعلوا أمر التوحيد غاية همكم وأعظم مرادكم، كرسوا جهودكم لذلك، اهتموا بهذا الأصل العظيم، ادعوا عباد الله إلى عبادة الله، خلصوا المسلمين من آثار الوثنية، خلصوهم من الجهالات والضلالات، عرفوهم بأعظم حق أوجبه الله عليهم، ألا وهو عبادة الله وحده لا شريك له، اجعلوا ذلك غاية أمركم، فإن أمة الإسلام دخل عليهم من الضلال والفساد ما هو معروف، فبعض من الناس – ردنا الله وإياهم إلى صراطه المستقيم – التبس عليهم الحق بالباطل، والهدى بالضلال، فعبدوا غير الله، بنوا القباب والمساجد على القبور، طافوا بها من دون الله، طلبوا منها كشف الكربات، استغاثوا بأربابها من دون الله، جعلوها إلها مع الله، صرفوا لها حقوق الله، عظموها في قلوبهم أعظم من تعظيم الله، تألهت قلوبهم غير الله، وعظموا غير الله، ولا شك أن هذا مناف لما بعث الله تعالى به سيد الأولين والآخرين محمدا ﷺ . [وجوب الاقتداء بالنبي ﷺ بجعل توحيد العبادة هو الغاية من الدعوة] اقتدوا يا دعاة الإسلام بنبي الهدى محمد ﷺ ، فاجعلوا أمر توحيد العبادة غاية أمركم، خلصوه وصفوه من كل شوائب الشرك، وطهروه من البدع والخرافات، لتستقيم لكم العقيدة الصحيحة الصافية. إن محمدا ﷺ اهتم بأمر التوحيد في أول دعوته وفي آخرها، فنراه ﷺ في آخر حياته، بل وهو يلفظ آخر نفس من حياته يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » . لولا ذلك أبرز

стр. 22

قبره غير أنه خشي أو خشي أن يتخذ مسجدا علم ﷺ أن من أعظم أسباب الشرك الغلو في الصالحين، الغلو في الأولياء، الغلو في الأنبياء، حتى ينزلوهم منزلة الله، ويصرفوا لهم حقوق الله، ويعظموهم من دون الله، فخاف على أمته أن يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم، فحذرهم من وسائل الشرك وذرائعه وحمى حمى التوحيد، فقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله (١) » [حذر ﷺ أمته من الغلو فيه وتعظيمه من دون الله] حذر ﷺ أمته من أن يغلوا فيه ويعظموه من دون الله، إنما بعث ليدعو الخلق إلى عبادة الله، ما بعث ليعبد من دون الله، ولا ليعظم من دون الله، ولا يؤله من دون الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) ، فنبينا ﷺ بعث ليعرف العباد كيف يعبدون الله، لم يبعث ليعظم ويعبد من دون الله، ولهذا يقول ﷺ في دعائه: «اللهم لا تجعل قبري وثنا، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) » أمة الإسلام، إن محمدا ﷺ جاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله ليلا ونهارا سرا وجهرا بمكة والمدينة، حتى إذا أكمل الله به

стр. 23

الدين، وأتم به النعمة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانقادت كل الجزيرة إلى شرع الله ودينه، وطهرت من كل الوثنية، اختاره الله إلى جواره بعدما أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين. [قام أصحاب النبي ﷺ بعده بحمل أمانة الدعوة إلى التوحيد، وإنقاذ الناس من ظلمات الجهل والضلال] قام أصحابه ﷺ بعده فحملوا تلكم الأمانة العظمى، خرجوا من جزيرة العرب بهذا الدين القيم ليهدوا البشرية، ويخلصوها من ظلمات الجهل والضلال، وينيروا القلوب، ويفتحوا البصائر، خرجوا بهذا الدين، لم يخرجوا ليستعبدوا الخلق، ولا لينهبوا خيراتهم، وإنما خرجوا لينيروا القلوب والبلاد، ليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ليخلصوهم من الظلم والجور، إلى العدل والهدى والإحسان، خرجوا بدين الله كما تلقوه عن الله بواسطة محمد ﷺ ، خرجوا بهذا الدين الناصع بغير غلو ولا جفاء، من غير إفراط ولا تفريط، عرضوا محاسن هذا الدين وعرضوا فضائله، وكانوا أسبق الناس للعمل بمقتضاه وما دل عليه، خرجوا بهذا الدين وقالوا لكل من واجههم: نحن كنا أمة نعبد الأصنام، وكنا في غاية الذل والضعف، وفي غاية الهوان حتى أنقذنا الله بهذا الإسلام، فنريد أن نحرركم، ونريد أن نهديكم كما هدانا الله، ونريد أن نرفع شأنكم كما رفعنا الله بهذا الدين، خرجوا بهذا الدين بتعاليمه السامية، ومبادئه القيمة، فعند ذلك قبلته البشرية، ومن عارض هذا الدين طلبوا منهم تسليم الجزية، ومن قاومهم قاوموه، حتى أوصلوا هذا الدين لعباد الله، وحتى أناروا قلوب العباد، وحتى هدوا البشرية، فلما رأت الخليقة هذا الدين ومبادئه وفضائله

стр. 24

وتعاليمه السامية، انقادوا طوعا واختيارا، لم يفرض عليهم هذا الدين بقوة الحديد والنار، ولا بمغريات الأموال، ولكن تعاليم هذا الدين ومبادئه السامية وأخلاقه القيمة تدعو إليه وتنادي إليه. [بيان أهمية عرض هذا الدين للناس عرضا سليما خالصا بعيدا عن التشويه] إن دعاة الإسلام إذا عرضوا هذا الدين عرضا سليما خالصا، فلا بد من أن تستجيب له البشرية، وإنما وقع النقص والبلاء من قبل أن هذا الدين لم يعرض عرضا صحيحا، بل عرض مشوها، وعرض وقد لفقت به الشبه والضلالات، إن دين الله دين صالح يخاطب الفطر السليمة والعقول المستقيمة، لقد قبلته البشرية حين عرض بصورته الصحيحة، واستضاءوا بنوره، وأشرقت به الأرض بعد ظلماتها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحقق وعد الله حيث يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١) . عاشت البشرية في ظل عدالة الإسلام ومبادئه القيمة، وقادوا شعوبهم، ونظموا دولتهم على تعاليم الإسلام، فرأى الخلق فيه كل خير وصلاح، وكل هدى وفلاح، ذلك دين الله وتشريعه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) . [إن الدخول في الإسلام وقبوله سبب للعز والكرامة] أمة الإسلام، إن هذا الدين لما دخل الناس فيه، حقق الله لهم كل عز وكرامة، وكل أمن واستقرار ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٣) ،

стр. 25

فلما انحرف المسلمون عن دين الله، وزهدوا في هذا الدين، وابتغوا العزة والكرامة في غيره- عند ذلك تسلط عليهم الأعداء، وأصابهم من النقص ما أصابهم على حسب بعدهم عن دين الله، وما زال المسلمون ينأون عن دين الله، ويتخلون عن تعاليمه، وتفقد أحكامه بينهم، حتى سلط الله عليهم عدوهم جزاء وفاقا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١) ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) . [الحث على الرجوع إلى تعاليم هذا الدين ومبادئه السامية، ليعود للأمة مجدها وكرامتها] أمة الإسلام، هل من رجوع إلى دين الله؟ هل من عودة إلى هذا الدين؟ هل من رجوع صحيح إلى تعاليمه القيمة ومبادئه السامية؛ ليعود للأمة مجدها وعزها وكرامتها؟! هل فكر المسلمون أن يغيروا مناهج تعليمهم فيجعلوها مناهج صالحة، حتى يتربى هذا الجيل تربية إسلامية صالحة، مؤمنا بالله ورسوله ودينه، محكما لشرع الله، مقتنعا أن هذا الدين هو الدين الصالح للبشرية لا سواه؟! هل حاول المسلمون يوما أن يخلصوا اقتصادهم من أن يكون مرتبطا بأعداء الله، فيجعلوه اقتصادا إسلاميا مبنيا على قواعد الشرع، حتى تكون نظمهم

стр. 26

الاقتصادية نظما إسلامية صحيحة؟! هل فكر المسلمون يوما أن يسخروا أجهزة إعلامهم لتكون في خدمة قضايا الإسلام، حتى يزيلوا كل شبهة وكل ضلالة لفقت بهذا الدين، ويعرضوا قضايا الأمة الإسلامية عرضا صحيحا، ليكون عند المسلمين إلمام بمشاكل الشعوب الإسلامية وغيرة لله وتكاتف في دين الله؟! أمة الإسلام، هل فكر المسلمون أن يكون لهم صوت يهز الأسماع، حتى يحسب لهذه الأمة حسابها، وحتى تكون أمة تنافس قوى الكفر والضلال؟! فإن الله تعالى جعل في هذه الأمة مقومات الوحدة والاتفاق، لأن هذا الدين هو الذي يجمع القلوب ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) ، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) . [بيان أن أعداء الإسلام يسعون دائما في تفكيك الأمة، والقضاء على وحدتها] أمة الإسلام، إن أعداء الإسلام يسعون دائما في أن يجعلوا هذه الأمة أمة متفككة، أمة مختلفة، أمة متناحرة، أمة متعادية؛ لأنهم يرون أن اتحاد الأمة واجتماع كلمتها واتفاقها قوة لا تغلب وقوة لا تهزم، فإن خلافات الأمة أمر مقصود لأعداء الإسلام، فالاجتماع يوحي بالقوة والعزة والكرامة. فيا أمة الإسلام، اجتمعوا على دين الله، ويا قادة المسلمين، شعوبكم أمانة في أعناقكم، احفظوهم بالإسلام، احفظوا لهم هذا الدين، وحكموا فيهم شرع الله؛ حتى ترتاحوا، وحتى تعيشوا أمنا وطمأنينة واستقرارا، وحتى تكون حياتكم حياة

стр. 27

سعيدة؛ فإن الحياة السعيدة إنما هي في الإيمان بالله ورسوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١) . [ما أنعم الله به على هذه البلاد المباركة من نعمة الأمن والاستقرار، إنما ذلك بفضل تحكيم الشريعة] أمة الإسلام، حجاج بيت الله الحرام، أنتم في هذه البلاد المقدسة تشاهدون ما أنعم الله به على هذه البلاد العزيزة من نعمة الأمن والاستقرار، وإن هذه البلاد – ولله الفضل والمنة – تعيش في أمن واستقرار عديم النظير، فأهلها آمنون مستقرون يعيشون نعمة الأمن العظيم التي منحهم الله إياه، وذلك بفضل تحييكم شرع الله، وتنفيذ حدوده، وإقامة شريعة الله، وتحكيم هذا الشرع في أرجاء البلاد، فصارت هذه البلاد مضرب المثل في الأمن والاستقرار، فإن نعمة الأمن نعمة عظيمة، ليس بعد نعمة الإسلام نعمة أفضل منها. [بلاد الحرمين تفتخر بخدمة الحجاج وتسعى في توفير كل ما فيه راحتهم] لقد حبا الله هذه البلاد بهذه النعمة العظيمة نعمة الأمن والاستقرار، وغدا الحجاج إلى هذه البلاد من أقطار الدنيا وهم يعيشون أياما سعيدة في أمن وراحة واستقرار ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) ، وإنما حصل هذا الأمن بتحكيم شرع الله وتنفيذ حدوده والتزام الشرع المستقيم، فهذا الأمن تحقق لنا بهذه النعمة العظيمة، فليقتد المسلمون بهذه البلاد؛ فإن هذه البلاد جربوا هذا الشرع وحكموه مقتنعين به، فصارت آثاره عليهم واضحة جليلة، فالحمد لله رب العالمين. أمة الإسلام، إن هذه البلاد العزيزة وهي تستقبل كل عام وفود الحجيج من أقطار الدنيا لتفتخر بذلك أن جعلها الله خادمة لهذا البلد الأمين وحامية لهذا البلد الأمين، فحكومة هذه البلاد تفضل الله عليهم، فجعلهم خداما لهذا

стр. 28

البلد الأمين يبذلون كل غال ونفيس في سبيل راحة الحجاج وأمنهم واستقرارهم، يضحون بكل أوقاتهم، يبتغون بذلك وجه الله، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، وإنه لفعل عظيم وخلق كريم، فينبغي لأمة الإسلام أن يعرفوا لهذه البلاد قدرها ومكانتها، ويسأل الجميع رب العالمين أن يديم على قادتها نعمة الإسلام والاستقرار، وأن يجعلهم دعاة مصلحين، وهداة مهتدين، وأن يوفقهم للتمسك بشرع الله ويرزقهم الاستقامة والثبات. إن هذه البلاد وهي تهتم دائما بقضايا المسلمين وتحرص كل الحرص على جمع كلمة المسلمين، وتأليف قلوبهم، ورأب الصدع فيما بينهم، وتتطلع دائما إلى أن يكون المسلمون أمة واحدة متمسكين بهذا الدين، يسعون جهدهم ليجمعوا كلمة الأمة، ويوحدوا شملها، ويزيلوا كل شقاق وخلاف حصل بينها، ذلك أنهم مقتنعون بأن هذا واجب عليهم، وهم يرونها نعمة عظيمة أن يسعوا دائما في لم شمل الأمة وتوحيد كلمتها، انطلاقا من قول الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) . [حفظ الله هذا الدين، وهيأ لذلك رجالا مخلصين على مر التاريخ] أمة الإسلام، إن أعداء الإسلام كادوا لهذا الدين المكائد، وسعوا في إفساد هذا الدين، وسعوا في إطفاء نور الله، وسعوا في القضاء على هذا الدين بكل مستطاع، ولكن الله تعالى تكفل بحفظ هذا الدين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) . انظروا عباد الله بعد موت محمد ﷺ كاد الإسلام أن يذهب، وكادت العرب أن تنحرف عن الإسلام، وارتد كثير منهم عن دين الله،

стр. 29

وانحرفوا عن شرع الله، فقام الصديق ﵁ لما ثبت الله قلبه وقوى إيمانه حتى أرجع الناس إلى ما خرجوا منه، وأعادهم إلى ملة الإسلام، وهكذا كل بدعة وضلالة تنشأ فإن الله يهيئ لها من هذه الأمة من علمائها من يزيلها ويدحضها ويبين فسادها وضلالها، فما خلا قوم ولا إقليم من أقاليم الأمة الإسلامية إلا وفيها دعاة مخلصون يناضلون عن هذا الدين، ويزيلون كل الشبه التي علقت بهذا الدين، ويدحضون كل باطل. [من الدعاة من يوفق لقبول دعوته ويهيأ له من يحمي دعوته، ومنهم من لا يتهيأ له ذلك] ولكن الدعاة إلى الله منهم من يوفق ويطرح القبول بدعوته، ويهيأ له من الأنصار والأعوان من يحمون دعوته ويزودون عن كيانها، ومنهم من لا يتهيأ له ذلك، ولهم في أنبياء الله ﵈ خير أسوة؛ فإن من أنبياء الله من يلقى الله وحده لم يستجيب له من قومه أحد، وهكذا علماء هذه الأمة والدعاة إلى الله، منهم من يهيأ له أنصار يحمون دعوته ويزودون عنها، ويثبتون أقدامها، ومنهم من ليس كذلك. لكن الله تعالى ضمن لهذه الأمة ألا تجتمع على ضلالة، يقول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (١) » [من الدعاة الذين دعوا إلى الكتاب والسنة الشيخ محمد بن عبد الوهاب] ومن أولئك الدعاة الذين دعوا إلى الله دعوا إلى كتاب الله، ودعوا إلى سنة رسوله ﷺ ، دعوا إلى تحكيم الكتاب والسنة لا غير. شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -غفر الله له- فإن في منتصف القرن الثاني عشر خرج هذا الرجل بعدما بصره الله وهداه وأراه الحق من الباطل وهداه إلى طريق الله المستقيم – خرج في هذه الجزيرة؛ غيرة على أبنائها، ورحمة بهم، بعدما

стр. 30

وقع فيها من الشرك والجهل مثل ما عم كثيرا من دول الإسلام، فدعا إلى الله إلى توحيد الله وعبادته، وكادت دعوته ألا تتم، وكاد أن ييأس، ولكن الله هيأ من نصر هذه الدعوة وحمى حماها وذاد عنها بكل جهده، ذلك لما اتفق هو والإمام محمد بن سعود ﵏ على الدعوة إلى الله، وتخليص الأمة الإسلامية من أدران الشرك العظيم، والعودة بهم إلى الدين المستقيم، فكان سلطان العلم وسلطان القوة متواكبين جميعا، هذا بعلمه وبيانه، وذا بقوته وسلطانه، فحمى هذه الدعوة حتى مكن الله لها في الأرض، إن هذه الدعوة المباركة لم تكن بدعا من القول، لكنها ولله الحمد على منهج كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ . [الافتراءات الباطلة على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب] لقد شوهت هذه الدعوة ولفق بها من التهم ما الله أعلم ببراءتها منه، قيل عنها: إنها مذهب خامس، وقيل عنها: إنها مذهب الخوارج، قيل عنها: إنهم يكفرون الناس، قيل عنهم: إنهم يعادون الأولياء، قيل عنهم: إنهم يبغضون الرسول، قيل وقيل، ولكن من تأملها ونظر فيها ببصيرة، رآها حقا لا شك فيه، وهدى لا ضلال فيه، ورآها -ولله الحمد- امتدادا لدعوة محمد ﷺ ، هيأ الله لها من نصرها وحماها، فلم يستطع أي مغرض أن يتعرض لها بسوء؛ لأن الله جعل لها أنصارا اقتنعوا بها، وعلموا أنها الحق الذي لا شك فيه، فقامت هذه الدولة -ولله الحمد- على أساس ثابت وقاعدة ثابتة، على هذا الدين، ولم يزل قادتها الواحد تلو الآخر يحافظون على هذه الشريعة، ويحمون هذه الدعوة الصالحة، ويذودون عنها، ويحاولون بكل جهد أن يبصروا الأمة في دين الله، ويخلصوها من الشبه والضلالات.

стр. 31

[فرضية الحج في الإسلام وأنه الركن الخامس من أركانه] حجاج بيت الله الحرام، إن الله تعالى افترض الحج، وجعله خامس أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ، جعل الله الحج فريضة العمر، من أداه في عمره مرة، فقد خرج من التبعة؛ ولهذا النبي ﷺ لما قال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : " لو قلت: نعم، لو جبت، ولما استطعتم "، ثم قال: " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه (٢) » فلم يجعل الله الحج في العمر إلا مرة، من أداه فقد أدى الواجب، وما زاد على ذلك فهو تطوع، أما الواجب فهو مرة واحدة في العمر، رحمة من الله وفضل وإحسان. [العبر والعظات في شعيرة الحج ووجوب الإخلاص فيه] أمة الإسلام، في مناسك الحج عبر وعظات، ينبغي أن نأخذ من هذه المناسك العظات والعبر، فإن التقاء المسلمين واجتماعهم في صعيد واحد، غاية واحدة، لرب واحد يعبدون، وبكتابه يأتمون، ولرسول واحد يتبعون، شعارهم واحد، هدفهم واحد، هيئتهم واحدة، حقا إنها تمثل أخوة الإسلام في أسمى وأرفع معانيها. أمة الإسلام، إن الحج يجب أن يكون خالصا لله، يجب على الحاج أن يكون هدفه عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يجرد هذا الحج من كل أمر

стр. 32

يخالف شرع الله، لقد كان أهل الجاهلية قبل الإسلام يتخذون من مواقف الحج منابر للفخر بالأحساب والأنساب وطعن بعضهم في بعض، ويتخذونها مفخرة لأحسابهم وأنسابهم، وتقديس شخصياتهم، فأنزل الله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (١) ، أي: لا تجعلوا الحج إلا لله، لا تجعلوا فيه ذكرا للأسلاف والآباء، وإنما أخلصوا الحج لله، فهو عبادة لله، لا يليق أن يشوه هذا الحج، وأن يجعل فيه ما ليس منه. أمة الإسلام، فرض الله الحج على أمة الإسلام، فحج نبيكم ﷺ حجة واحدة في العام العاشر من هجرته، هذه الحجة هي حجة الوداع التي ودع فيها الناس، وأمرهم أن يتلقوا عنه مناسكهم قائلا لهم: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا (٢) » فاقتدى به الصحابة بأقواله وأعماله، فإنه ما قال قولا ولا عمل عملا إلا قال: «خذوا عني مناسككم (٣) » [بيان صفة حجة النبي ﷺ ] حج حجة واحدة، خرج إلى عرفة في مثل هذا اليوم، فنزل بنمرة، فلما زالت الشمس خطب بعرفة خطبة عظيمة جامعة حرم فيها الدماء والأموال، حرم دماء المسلمين وأموالهم، وأخبرهم أن كل مآثر الجاهلية ودماءها قد ألغاها، فلا يطالب بها بعد الإسلام، وأن ربا الجاهلية أبطله الإسلام وحرم الربا، وأوصاهم بالنساء خيرا، وبين ما لهن من الحقوق وما عليهن من الواجبات، ثم قال لهم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله (٤) » فأخبر أن اعتصام الأمة بكتاب الله سبب لهدايتها، وسبب لعزها، وسبب

стр. 33

لكرامتها، ثم قال لهم: «وأنتم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " فقالوا: نشهد أنك بلغت ونصحت وأديت، فقال بأصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (١) » وإن كل مسلم ليشهد حقا لهذا النبي الكريم ﷺ بأنه بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، يشهد له بكمال البلاغ، وكمال البيان، لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من سبيل يقربنا إلى الله إلا دلنا عليه وأمرنا به، وما من سبيل يبعد عن الله إلا حذرنا منه. صلى الظهر والعصر في هذا اليوم جمعا وقصرا، ثم وقف بعرفة حتى غربت الشمس عليه، ثم انصرف إلى مزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير مع القصر، وبات بها، ثم صلى بها الفجر، ثم وقف عند المشعر الحرام، ثم دفع إلى منى. [تحذير المفتين في المناسك من الإفتاء بما يخالف سنة الرسول ﷺ ] معشر المفتين، أيها المفتون في المناسك، إن الكثير من المفتين يغلطون في أمر المناسك، وربما أفتى بعضهم بفتيا مخالفة لسنة رسول الله ﷺ ، فاتقوا الله أيها المفتون فيما تفتون به، وتحروا الصواب، تحروا سنة رسول الله، وأفتوا الناس بمقتضاها، ولا تضلوا الناس عن سواء السبيل. إن الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس واجب، هذا هدي نبيكم ﷺ ، لم يزل واقفا حتى غربت الشمس، فلما غربت وغاب القرص

стр. 34

وذهبت الصفرة، انصرف من عرفات إلى مزدلفة، وبقي بمزدلفة حتى صلى بها الفجر، وأذن للضعفة بالدفع بعد نصف الليل، وأما هو فبقي بها حتى صلى الفجر، وذكر الله عند المشعر الحرام [فضل يوم عرفة] أمة الإسلام، يوم عرفة من أفضل أيام الله، هذا اليوم من أفضل أيام الله، يوم عظيم مبارك، وموسم كريم، يوم يستجاب فيه الدعوات، وتقال فيه العثرات، يوم يباهي الله بأهل الأرض أهل السماء، قال ﷺ : «إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء فيباهي بهم الملائكة فيقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم (١) » يا معشر المسلمين تعرضوا لنفحات ربكم، أخلصوا لله أعمالكم، وحدوا الله وأطيعوه، تضرعوا بين يدي ربكم، واسألوه من فضله وكرمه، فهو الكريم الجواد «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام (٢) » [بيان غلط بعض المسلمين في زعمهم أن الحج يسقط جميع الواجبات عن المسلم] أيها المسلمون، يغلط البعض من المسلمين فيظن أنه إذا أدى الحج فقد سقطت عنه كل الواجبات، وأنه بأداء الحج لا يصوم ولا يصلي ولا يزكي ويرتكب ما شاء من معاصي الله، وهذا كله من سوء التصور وسوء الفهم، فإن الحج يهدم ما قبله بالتوبة النصوح، والحج ليس مسقطا للواجبات، فمن أراد أن يكون حجه مقبولا فليستقم على طاعة الله، وليحافظ على فرائض الإسلام، فإن الله جعل للدين خمسة أركان: أولها التوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، من جحد شيئا منها فقد كفر، ومن ترك الصلاة كفر، ومن ترك

стр. 35

الزكاة أو الصوم أو الحج وهو قادر، فهو على أعظم خطر. [بيان أعمال الحج في يوم النحر وما بعده] يا معشر المسلمين، في يوم النحر لكم عبادات: أولها: رمي جمرة العقبة بعد انصرافكم من مزدلفة، فابدءوا بجمرة العقبة، فهي تحية منى، ثم انحروا هديكم إن كنتم قارنين أو متمتعين، أو احلقوا أو قصروا، ثم قد حل لكم بالرمي والحلق أو التقصير كل شيء ما عدا النساء، فيحل الطيب ولبس المخيط، وإذا رميتم وحلقتم وطفتم وسعيتم بالبيت فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام. وأعمال يوم النحر كما يلي: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، ومن قدم بعضا على بعض فلا حرج عليه. ارموا الجمار في أيام التشريق في اليوم الحادي عشر: الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، وكذلك في اليوم الثاني عشر إن تعجلتم، وإن تأخرتم فارموا اليوم الثالث عشر كسابقه، ومن شق عليه الرمي اليوم الحادي عشر، وأراد أن يجمع رمي الحادي عشر والثاني عشر في يوم واحد فإنه لا حرج عليه، لكن يقدم رمي اليوم الأول ثم يرمي جمار اليوم الثاني. [نصائح وإرشادات وتوجيهات للحجاج] أيها الحجاج، التزموا بآداب الإسلام وكونوا إخوانا متحابين، وليرحم بعضكم بعضا وليشفق بعضكم على بعض، واحذروا أن تكونوا فيما بينكم متعادين أو متنافرين، لتكن الرحمة والمحبة والمودة سائدة بينكم، فأنتم إخوان في ذات الله، التقيتم على محبة الله في أرض الله المباركة لتعرفوا لآداب الإسلام حقها، ليكن بعضكم محسنا لبعض، وراحما بعضكم بعضا، فأخلاق الإسلام تحرم على المسلم أن يؤذي المسلمين بلسانه ويده، يقول النبي ﷺ : «المسلم من سلم (١)

стр. 36

المسلمون من لسانه ويده» أمة الإسلام، تذكروا بموقفكم هذا ثم انصرافكم ووقوفكم بين يدي الله يوم القيامة، تقفون بين يدي الله، حافية أقدامكم، عارية أجسادكم، شاخصة أبصاركم، تذكروا بمنصرفكم منصرفكم من ذلك الموقف في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (٢) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣) . [الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة] أكثروا من قول لا إله إلا الله في هذا اليوم المبارك، فإنها عامة دعاء نبيكم ﷺ يقول: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (٤) » احفظوا جوارحكم عن محارم الله، يقول ﷺ : «هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له (٥) » غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وصححوا إيمانكم، يقول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن (٦) » وأكثروا من قول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ فإن الله تعالى أثنى على أولئك فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٧) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٨) ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٩) .

стр. 37

أدوا الفرائض في يوم النحر وأيام التشريق قصرا بدون جمع، أدوا الظهر في وقتها قصرا ركعتين، والعصر في وقتها ركعتين، والمغرب في وقتها، والعشاء في وقتها ركعتين، وهكذا بقية أيام التشريق، إنما الجمع في الحج في موضعين: هذا اليوم في عرفة، والليلة في مزدلفة. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم أعمالنا وأعمالكم. اللهم وفق المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلهم أمة متحدة متمسكة بدين الله، عاملة بشرعه، اللهم وفق قادة المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده لما تحبه وترضاه، وأمده بعفوك وتوفيقك، واجزهم عما سعوا وقدموا للحجيج كل خير. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه.

стр. 38

صفحة فارغة

стр. 39

صفحة فارغة

стр. 40

صفحة فارغة
следующие страницы →