← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21761

جامع خطب عرفة لعبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (196 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسلمون من لسانه ويده» أمة الإسلام، تذكروا بموقفكم هذا ثم انصرافكم ووقوفكم بين يدي الله يوم القيامة، تقفون بين يدي الله، حافية أقدامكم، عارية أجسادكم، شاخصة أبصاركم، تذكروا بمنصرفكم منصرفكم من ذلك الموقف في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (٢) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣) . [الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة] أكثروا من قول لا إله إلا الله في هذا اليوم المبارك، فإنها عامة دعاء نبيكم ﷺ يقول: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (٤) » احفظوا جوارحكم عن محارم الله، يقول ﷺ : «هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له (٥) » غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وصححوا إيمانكم، يقول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن (٦) » وأكثروا من قول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ فإن الله تعالى أثنى على أولئك فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٧) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٨) ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٩) .

стр. 37

أدوا الفرائض في يوم النحر وأيام التشريق قصرا بدون جمع، أدوا الظهر في وقتها قصرا ركعتين، والعصر في وقتها ركعتين، والمغرب في وقتها، والعشاء في وقتها ركعتين، وهكذا بقية أيام التشريق، إنما الجمع في الحج في موضعين: هذا اليوم في عرفة، والليلة في مزدلفة. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم أعمالنا وأعمالكم. اللهم وفق المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلهم أمة متحدة متمسكة بدين الله، عاملة بشرعه، اللهم وفق قادة المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده لما تحبه وترضاه، وأمده بعفوك وتوفيقك، واجزهم عما سعوا وقدموا للحجيج كل خير. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه.

стр. 38

صفحة فارغة

стр. 39

صفحة فارغة

стр. 40

صفحة فارغة

стр. 41

صفحة فارغة

стр. 42

خطبة عام ١٤٠٣ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: [الوصية بتقوى الله ] أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو تعالى أهل أن يتقى، اتقوه لتنالوا بتقواه سعادة الدنيا والآخرة. [بيان خلق الله لآدم، وامتناع إبليس من السجود له، وما لاقاه من الجزاء] معشر المسلمين، إن الله تعالى خلق آدم أبا البشر، وفضله وذريته على كثير ممن خلق تفضيلا، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فامتثلوا أمر ربهم، وخروا لآدم سجدا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، فأبى عن السجود لآدم ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢) ، فعند ذلك أهبط الله إبليس إلى الأرض، وأخرجه من ملكوت السماء، وجعله مخلدا في النار إلى يوم القيامة. فلما أيس عدو الله من رحمة الله، وأيقن أن النار مقره وذريته، فعند ذلك سعى في إضلال بني آدم وإغوائهم وصدهم عن طريق الله المستقيم، سأل ربه أن

стр. 43

ينظره إلى يوم يبعثون، فقال الله له: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١) ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٢) ، أقسم بعزة الله ليغوين بني آدم، وليضلنهم عن الطريق المستقيم ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٤) ولكن الله حمى منه عباده المخلصين الذين أخلصوا لله قولهم وعملهم ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٥) . [الاستعاذة بالله من شره، وذكره تعالى والالتجاء إليه بالتوبة النصوح يحفظ العبد من كيد الشيطان وإضلاله] ولما علم تعالى ضعف ابن آدم أمام هذا العدو المتسلط عليه الذي يجري منه مجرى الدم والذي يتربص به الدوائر، ويغتنم كل غفلة ليوسوس عليه ويصده عن دين الله – جعل الله للعباد أسبابا تقيهم مكائده ووساوسه، فأخبرهم الله بعداوته لهم، وأن عداوته قديمة من القدم، هو عدو لهم وعدو لأبيهم ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٦) ، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من شره، وأن يدفعوا وساوسه بذكر الله والالتجاء إليه، ففي ذكر الله تخليص للعبد من وساوس عدو الله وإبعاد للشيطان من الضلالة والوساوس، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧) ، وأرشد تعالى عباده أيضا أن يتوبوا إليه وينيبوا إليه، كلما تسلط عليهم عدو الله وزين لهم الشر والباطل أن يلجئوا إلى التوبة والإنابة إلى ربهم، فهو تعالى فتح لعباده باب التوبة والإنابة، وأمرهم أن يتوبوا إليه من كل ذنوب اقترفوها، ومن كل سيئات عملوها،

стр. 44

مهما عظمت الذنوب وتضاعفت الخطايا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (١) . [بيان معنى التوبة النصوح] التوبة النصوح يا عباد الله هي التوبة الخالصة التي مقتضاها الإقلاع عن الذنب والندم على ما مضى، والعزيمة الصادقة على أن لا تعود إلى ما عملت من خطايا وسيئات، فربك تعالى لكمال كرمه وكمال جوده وكمال إحسانه وفضله -فتح باب التوبة لعباده، ليتوبوا إليه من ذنوبهم وخطاياهم، يقول النبي ﷺ : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل (٢) » ذلكم لكمال كرم ربكم وكمال إحسانه، فهو يحب من عباده أن يتوبوا إليه، وسبقت رحمته غضبه فيا عبد الله، تب إلى الله في هذه الدنيا من سيئاتك وخطاياك، ولا سيما في هذا اليوم المبارك، والموقف العظيم، فحاسب نفسك، وتب إلى الله من كل ما عملت من سوء. [تذكير العبد بانتقاله من الدنيا، وما يلقاه من جزاء أعماله في القبر] [أعمال العبد محصاة عليه قليلها وكثيرها، وسيحاسب عليها يوم القيامة] واعلم أن أعمالك محصاة عليك قليلها وكثيرها، وسوف تعطى كتابا يوم القيامة مسجلا به كل ما عملت من خير أو شر ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٣) ، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) ، لن تستطيع أن تجحد سيئات أعمالك، سينطق الله جوارحك فتشهد عليك بما عملت ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥)

стр. 45

فتب إلى الله في هذه الدنيا قبل أن يحال بينك وبين التوبة، حاسب نفسك، وانظر لسيئات أقوالك وأعمالك. فإن كنت يا عبد الله ممن استحوذ عليك الشيطان وزين لك عبادة غير الله، ورجاء غير الله، والتقرب والتزلف لغير الله من الأموات والغائبين، فتب إلى الله من هذا الذنب العظيم، واحذر أن تلقى الله مشركا به، فإن الله لا يغفر لمن لقيه عابدا غيره، ملتجئا إلى غيره، معظما غيره، فذلك الشرك الأكبر الذي حكم الله على فاعله بالخلود في النار ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) . أيها المسلم، انظر لنفسك فإن كنت ممن فرطت في أركان دينك، فرطت في الصلوات الخمس، أو في صيام رمضان، أو في بقية واجبات دينك، فتب إلى الله منها، واندم على ما مضى، واعزم على ألا تعود إلى أي مخالفة. تذكر أيها العبد أن انتقالك من هذه الدنيا ومفارقتك إياها، وبقاءك في لحدك، مرتهن بأعمالك، إن خيرا ازددت به أنسا وسرورا، وإن شرا ازددت به حزنا وبؤسا؛ فتب إلى الله في هذه الدنيا قبل لقاء ربك، وجدد توبة نصوحا، وتب إلى الله وتضرع إليه، عسى أن يقبل توبتك ويمحو خطيئتك، فهو تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢) ، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . أمة الإسلام، إن الله تعالى فضل هذه الأمة المحمدية وجعلها خير أمة

стр. 46

أخرجت للناس، وأثنى عليها في كتابه العزيز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) . [فضل وخيرية هذه الأمة على غيرها من الأمم] أجل أيها المسلمون، بهذه الصفات الحميدة: بالإيمان بالله، بالأمر بالمعروف، بالدعوة إلى كل خير وهدى، بالتحذير من كل شر وفساد، صارت هذه الأمة المحمدية خير الأمم وأكرمها على الله، اختار الله لها سيد ولد آدم أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق، واختار لها أكمل الدين وأفضل الشرائع وأزكى الأخلاق وأتمها. هذه الأمة المحمدية ظهر أثر فضلها وكرامتها حينما قام أوائلها بهذا الدين الحنيف، فدعوا الخلق إلى الله، فهدى الله بهم من الضلال، وبصر بهم من العمى، أقاموا دولة الإسلام على منهج الله الحق، على دين الله ورسوله، فدخل الناس في دين الله أفواجا، فانقادوا لهذا الدين لما رأوا أهله القائمين به وأعمالهم الصادقة وأخلاقهم الكريمة وعدلهم وإنصافهم، فإنهم آمنوا بهذا الدين وطبقوه على أنفسهم، ثم دعوا الخلق إلى ذلك، فاستجاب الخلق لله ورسوله، وعم الإسلام أرجاء المعمورة، وعاش الناس في ظل عدالة الإسلام، وحقق الله على أيديهم ما وعد به نبيه ﷺ حيث يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) . ظهر دين الله وعلت كلمة الله، وعم الأرض الخير والصلاح والهدى بهذا الدين وحده، بهذه الشريعة الخالدة، بهذه الأحكام العادلة، حتى كانت الأمم خاضعة لهم، تلتمس ودهم ورضاهم، ولقد كانت لغة قرآنهم اللغة المهيمنة؛ لأن أهل

стр. 47

هذا الدين قاموا به حق القيام، فوجد الناس أنفسهم بحاجة إليهم، وإلى مصافاتهم، وإلى جلب مودتهم ومحبتهم. أمة الإسلام، بهذا الدين تبوأت الأمة المحمدية المكان الأسمى والشرف الرفيع. [تمسك المسلمين بإسلامهم كان سببا لسيادتهم وحكمهم في البلاد] أمة الإسلام، لقد عرف أعداؤكم قوتكم وشرفكم، وعرفوا مكانتكم، وتذكروا مجدكم الماضي وتاريخكم العظيم. وأن أوائلكم لما تمسكوا بهذا الدين واجتمعوا عليه، وتآلفوا عليه، وتوحدت صفوفهم على هذا المنهج القويم، سادوا الناس وحكموا البلاد، وصارت لهم المكانة، وصار الناس تابعين لهم منقادين لأحكامهم. [أعداء الإسلام يسعون في إبعاد المسلمين عن منهج الله وشريعته] عرف أعداؤنا تلك الفضائل، وتلك المكانة، وعرفوا ذلك السبب، فجد أعداء الإسلام واجتهدوا حتى يبعدوا الأمة الإسلامية عن منهج الله، ويقصوها عن دين الله، ويفصلوا بينها وبين دينها ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢) ، يريدون أن يفصلوكم عن دينكم ويبعدوكم عن إسلامكم؛ لتكونوا أمة تابعة لغيركم، وأمة محكومة بعدما كنتم أمة حاكمة، وأمة ينفذ عليكم أعداؤكم ما يريدون وما يهوون وما يختارون، ولكن الله سيحفظ دينه ويعلي كلمته، فواجب الأمة أن تعود إلى إسلامها، وأن تعود إلى دينها، وأن تتبصر في واقعها. أمة الإسلام، إن كل بلاء أصاب الأمة، وكل مصاب حل بالأمة الإسلامية، فإنما سببه البعد عن تعاليم الإسلام ومبادئه السامية. فيا معشر المسلمين، عودا إلى الإسلام الصحيح؛ ليعود لكم عزكم ومجدكم

стр. 48

وكرامتكم. [كل ما أصاب الأمة من بلاء ومصيبة فإنما سببها الذنوب والإعراض عن دين الله] أيها الأمة الإسلامية، إن كل نقص في الأمة، اهتزاز في اقتصادها، أو اضطراب في أمرها، أو اختلاف في كلمتها، فإنما سببه الذنوب والإعراض عن دين الله، خرج ﷺ على جملة من المهاجرين فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن -وأعوذ بالله أن تدركوهن -: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم (١) » فيا أمة الإسلام، إن التمسك بهذا الدين والعمل به يجمع القلوب ويوحد الشمل ويعيد للأمة عزها ومكانتها. [على الأمة الإسلامية أن يحلوا مشاكلها في ضوء تعاليم دينها، وفي محيط كيانها] نسأل الله أن يجمع الأمة الإسلامية على الخير والهدى وأن يعيذها من الفرقة والاختلاف، وأن يبصرها في واقعها، لتتدارك أخطاءها، فتسعى في حل مشاكلها في محيط إسلامها، فإن الأمة الإسلامية مطلوب منها أن يكون حل كل مشكلة من مشاكلها في إطار الإسلام، في محيط الأمة الإسلامية، حتى لا يكون للعدو نفوذ على الأمة، فالعدو لا يكن لنا حبا ولا ودا، وإنما أمة الإسلام إذا حلت مشاكلها في إطارها، وصارت مشاكلها تحل بتعاليم دينها، عند ذلك ترى دينها كفيلا لحل أي مشكلة، وإنهاء أي فتنة مهما عظمت ومهما كبرت.

стр. 49

حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله الذي بلغكم الوصول إلى بيت الله الحرام، ومكنكم من الوقوف بتلكم المشاعر المقدسة المشرفة. [ذكر جهود حماة البلد الأمين في تيسير الوصول إلى الحرمين، وتهيئة الوسائل المناسبة لذلك] إن هذا البلد الأمين كان طريق الوصول إليه شاقا ومتعبا، ولكن الله بفضله وكرمه هيأ الوصول إليه، وجعله سهلا ميسرا على يد من اختارهم لحماية هذا البلد الأمين والقيام بحقه؛ امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته وتقربا إليه، فكل أعمالهم التي عملوها إنما هي أعمال يريدون بها وجه الله، نرجو الله أن يثيبهم وأن يجزيهم عما فعلوا خيرا. [الوصول إلى بيت الله أصبح سهلا ميسرا بعد ما كان شاقا ومتعسرا في كثير من الأحيان] روى البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال له: «هل رأيت الحيرة؟ " قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (٢) » ، لقد تحقق ذلك في العهود الأولى، ثم طرأ على الأمة الإسلامية ما طرأ عليها من اختلاف واضطراب حتى صار الوصول إلى البيت متعسرا في كثير من الأحيان، وشاقا على النفوس، ولكنه -ولله الفضل والمنة- في هذه الأيام أصبح ميسرا سهلا، يؤم المسلمون بيت الله من أقطار الدنيا، فلا طعام يحملونه، ولا سلاح يصحبونه، يرون البلد الأمين آمنا مطمئنا، قد وفر الله فيه أسباب الرغد، وهيأ للحجاج من يقوم بخدمتهم، ويهيئ لهم الراحة والأمان، فالحمد لله على نعمة الإسلام. ولا شك أن هذه أعمال مباركة لا ينبغي للمسلمين أن ينسوها، بل الواجب شكر قادة هذه البلاد، وأن ندعو الله لهم أن يوفقهم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلهم

стр. 50

أئمة هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يزيدهم من التوفيق والسداد، إنه على كل شيء قدير. [أهمية هذا الاجتماع العظيم في الحج، وأن ذلك يدعوهم إلى التآلف والتآخي والمحبة والاجتماع في ذات الله] حجاج بيت الله الحرام، إن مجتمعكم هذا مجتمع عظيم، مجتمع يدعو إلى التآلف والتآخي والمحبة والاجتماع في ذات الله، فاستفيدوا من هذه اللقاءات المباركة الخير الكثير، ليكن ذلك اللقاء سببا تقوى به أواصر المودة والمحبة والإخاء بينكم، تذكروا أنكم من بلاد متباعدة، تقفون في موقف واحد رغم اختلاف اللغات والألوان والأجناس، ولكن عقيدة الإيمان وأخوة الإسلام جمعتكم على الخير والتقوى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) . وإن على المسلم واجب نحو إخوته المسلمين أن يعاملهم بالصفح والحلم والإعراض، وتحمل كل الأذى، ويتذكر قوله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٢) » وقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (٣) » المسلم يكن لأخيه الحب والوئام، يحب له كل خير، ويعامله بالإحسان، هكذا أخلاق المسلمين، ولا سيما الحجاج منهم، فواجبكم أن تتخلقوا بالحلم والصفح والأناة وتحمل الأذى، وأن يعامل كل منكم أخاه بما يليق به من المحبة والإكرام، وأن تجتنبوا كل أذى، فمن ضار ضار الله به، ولا سيما في هذه المشاعر المقدسة والأماكن الفاضلة. [على الحجاج شكر الله وتذكر الموقف العظيم بين يديه يوم القيامة] حجاج بيت الله الحرام، أيها الحجاج الكرام، اشكروا الله وتذكروا في هذا الموقف العظيم موقفكم بين يدي الله، يوم القيامة تقفون بين يدي الله حافية أقدامكم، عارية أجسامكم، شاخصة أبصاركم، تذكروا هذا الموقف العظيم،

стр. 51

تزدادوا خوفا من الله ورجاء فيما عند الله. أيها المفتون في الحج، اتقوا الله فيما تفتون، ولا تفتوا الناس إلا بعلم وبصيرة، واحذروا أن تفتوهم بخلاف الشرع فتكونوا من الآثمين. [افترض الله الحج على المسلمين مرة في العمر] معشر المسلمين، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعله فريضة العمر، من أداه في عمره مرة فقد برئت ذمته وأدى الواجب ولا حرج عليه، فيا ليت المسلمين يفقهون ذلك ويعلمون أن من أدى فريضته فقد أدى الواجب الذي عليه، ولم يكلف العبد نفسه فيما سوى ذلك، فيسعى في إفساح الطريق، وتهيئة الجو لغيره من إخوانه المسلمين، ذلك من باب التعاون على البر والتقوى. [بيان صفة حجة النبي ﷺ ] أمة الإسلام، حج نبيكم ﷺ حجة واحدة هي حجة الوداع، أعلمهم فيها مناسك حجهم بأقواله وأفعاله، فما قال قولا إلا قال لهم: «خذوا عني مناسككم (١) » «وقف بعرفة وقال: " الحج عرفة (٢) » وأخبر الناس بفضل ذلك اليوم، وأنه يوم عظيم يباهي الله فيه ملائكته بأهل الأرض يقول: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٣) » وقال ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة (٤) » وقال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر (٥) »

стр. 52

[فضل يوم عرفة] هذا يوم عظيم من أيام الله، وهو يوم عرفة، ويوم الجمعة، وكلاهما يومان فاضلان وعيدان من أعياد أهل الإسلام، وفي هذا اليوم ساعة محققة الإجابة ولا سيما في آخر هذا اليوم، فالجئوا إلى الله وتوبوا إليه، واسألوه التوفيق والهداية وقبول حجكم، وأن ترجعوا سالمين آمنين مطمئنين، إنه على كل شيء قدير. [أعمال الحج في عرفة ومزدلفة ومنى] قفوا بعرفة إلى غروب الشمس، وانصرفوا منها بعد الغروب، وبيتوا بمزدلفة، وصلوا بمزدلفة المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ثم بيتوا بها وانصرفوا إلى منى، وارموا جمرة العقبة يوم النحر، وانحروا هديكم، واحلقوا رؤوسكم، ثم قد حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام إلا النساء، ثم طوفوا بالبيت طواف الإفاضة، واسعوا بين الصفا والمروة، وفي أيام التشريق ارموا الجمار في اليوم الحادي عشر بعد الزوال: الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، وهكذا في اليوم الثاني عشر، ثم ودعوا بيت الله. أسأل الله لي ولكم حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أعاده الله علينا وعليكم وعلى جماعة المسلمين باليمن والبركة، ونسأله تعالى أن يوفق إمام المسلمين وولي عهده والنائب الثاني لما يحبه ويرضاه، وأن يجزي مساعيهم خيرا، وأن يكلل مساعيهم بالتوفيق، وأن يمدهم بالعون والتوفيق على ما بذلوا في خدمة الحجيج والقيام بواجبهم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 53

خطبة عام ١٤٠٤ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: [الوصية بتقوى الله وبيان آثارها وفوائدها] أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى. اتقوا معشر المسلمين ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، اتقوه تعالى فهو أهل أن يتقى وأهل أن يغفر، بتقوى الله تنالون عز الدنيا والآخرة، بالتقوى يا عباد الله يجعل لكم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣) بالتقوى يا عباد الله تكفر السيئات وتضاعف الأجور، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٤) . بالتقوى يا عباد الله ييسر الله لكم كل أمر عسير، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) .

стр. 54

بالتقوى يا عباد الله ينال العبد ولاية الله؛ فإن ولاية الله لا تنال إلا بطاعته، لا ينالها إلا المتقون الذين اتقوه في السر والعلانية، يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١) ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) . بالتقوى يا عباد الله تحصل المحبة الدائمة الصادقة التي لا انفصام لعراها، يقول الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . [تنوع مفهوم السعادة لدى الناس] أمة الإسلام، ما من فرد من الناس إلا وهو يتمنى أن يكون سعيدا في حياته، فغاية أمنيته أن يحقق لنفسه السعادة في هذه الدنيا، هذه غاية كل فرد من الناس، ولكن كيف ينال الإنسان هذه السعادة؟ إن ذلك مما تنوعت مفاهيم الناس فيه، فمن عباد الله من يعد سعادته في الدنيا أن يكون ذا مال كثير، وأن ينال من حطام هذه الدنيا ما يريد، فإذا توفر له ذلك عد نفسه سعيدا، فهو متعب قلبه وبدنه في البحث عن هذه الدنيا، وهو وراءها في كل آن وحين، بأي طريق كان من حلال أو من حرام، المهم الحصول على هذه المادة؛ لأنه يراها غاية سعادته. ومن عباد الله من يرى سعادته في الدنيا أن يعطي نفسه مناها، وأن يحقق لها مرادها ويوفر لها متع الحياة، ولو كان في ذلك فساد دينه، فإذا حقق ذلك عد نفسه سعيدا.

стр. 55

ومن عباد الله من يتصور السعادة في الحياة أن يكون ذا قول مسموع وأمر مطاع، وأن يكون ذا شأن في الدنيا، فيرى بذلك نفسه سعيدا. ومن عباد الله من يراها في طول العمر وكثرة الولد، ولعمر الله وإن كان لأولئك قسط من السعادة فإنها سعادة وقتية، وسعادة منقضية تعقبها الندامة والحسرة إن لم يقارنها الإيمان. [السعادة الحقيقية إنما هي في الإيمان والعمل الصالح] والله -تعالى وتقدس- بين السبب الذي ينال به العبد سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) . أجل أيها المسلمون، هذا هو السبب الذي ينال به العبد السعادة الحقيقية، السعادة في الدنيا مرتبطة بسعادة الآخرة، ليست سعادة في الدنيا وحدها ولكنها سعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) . أيها المسلمون، إن الحياة الطيبة التي تنال بالإيمان والعمل الصالح هي الحياة التي يطمئن فيها القلب وينشرح فيها الصدر وتقر بها العين، وليس ذلك إلا للمؤمن، لماذا؟ لأن المؤمن سعيد بإيمانه، فهو سعيد في الدنيا بإيمانه وعمله الصالح مهما كانت الظروف والأحوال، إن المؤمن سعيد بإيمان وعمله الصالح سواء كان في غناه أو في فقره، في شدته أو في رخائه، في سرائه أو في ضرائه، فهو

стр. 56

على حالة واحدة، إن نزلت به الضراء تلقاها بالصبر والاحتساب، يرجو بذلك ثواب الله، وإذا أقبلت عليه الدنيا تلقاها بالشكر وصرفها فيما يرضي الله، فلم تكن الضراء لتسخطه ولم يكن الرخاء ليطغيه. إن نال في الدنيا ما نال تذكر قول النبي الصالح سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (١) ، ولم يكن ممن قال الله ذاما له: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٢) . فهو صابر في ضرائه، شاكر في رخائه، ثابت على إيمانه، يقول النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له (٣) » إن غير المؤمن لا يرجو ثواب الله ولا يخاف عقاب الله، إن أصابته ضراء سخط واعترض على الله في قضائه وقدره، وإن حصل له رخاء ازداد طغيانا وشرا، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٤) . إن المؤمن سعيد بإيمانه فهو طيب القلب لأنه يؤدي للناس ما يحب أن يؤدوه إليه، فليس في قلبه غل ولا غش ولا حقد على أحد، بل مؤمن مثالي بأخلاقه الكريمة وسيرته النبيلة وأعماله الفاضلة، فمكارم أخلاقه وفضائل أعماله اطمأن بها قلبه وانشرح بها صدره، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٥)

стр. 57

وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) . المسلم ذو خير ومنفعة وإصلاح وهداية، فهو بتوفيق الله له دائم الخير والبركة على نفسه وعلى بيته وعلى مجتمعه. [سعادة المجتمع في تطبيق شرع الله وتنفيذ أحكامه] أمة الإسلام، وكما يسعد الفرد بهذا الدين فإن المجتمع أيضا الذي طبق شرع الله، وحكم فيه شرع الله يسعد بذلك، المجتمع المسلم الذي حكم فيه شرع الله وأمر فيه بالمعروف ونهي فيه عن المنكر، وربي جيله التربية الصالحة النافعة، هو المجتمع السعيد المترابط المتماسك الذي هو كالبنيان يشد بعضه بعضا مجتمع يرحم غنيه فقيره، ويحسن قويه إلى ضعيفه، فهو مجتمع متماسك تسوده المحبة والوئام، مجتمع مسلم فيه التراحم والمحبة والمودة، مجتمع تحترم فيه الدماء، وتصان الأعراض، وتحفظ الأموال، مجتمع بين أهله التعاون على الخير والتقوى، فهذا المجتمع السعيد الذي يدعو الإسلام أبناء المسلمين ليكونوا كذلك، فيسعدوا بهذا الدين وتطمئن به نفوسهم قال ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٢) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٣) . أيها المسلمون، إن أعداء الإسلام على اختلاف ضلالاتهم وتباين كفرهم وإلحادهم حاولوا عبثا أن يوجدوا مجتمعا سعيدا بمبادئهم الهدامة وأفكارهم المنحرفة، فعجزوا عن ذلك، ولم يستطيعوا أن يحققوا لمجتمعاتهم السعادة

стр. 58

التي حققها الإسلام لأبنائه. [عجز غير المسلمين من تحقيق السعادة في مجتمعاتهم، وذلك لفساد مبادئهم وأفكارهم] الرأسماليون غلوا في حرية المال وأعطوا الإنسان الحرية المطلقة في المال يتصرف فيه كيف يشاء، أرادوا أن يحققوا بذلك سعادة لمجتمعهم فعجزوا؛ لأن هذا المجتمع الرأسمالي مجتمع تسود فيه الفوضى، مجتمع متفكك، مجتمع لا تلاحم بين أبنائه، لا يعرف الرجل أباه، ولا يعرف الأب ابنه، يرى الفقير المال الذي بيد الغني فيزداد حقدا على الغني؛ لأنه لا زكاة بينهم، ولا إحسان بينهم، ولا يعطف بعضهم على بعض، إن هي إلا المادة، يركضون وراءها، فنشأت فيهم البطالة، ونشأت بينهم عصابات الإجرام والنهب والسلب؛ لأن هذا المجتمع مجتمع شقي مهما بلغ أهله من رقي الدنيا ما بلغوا. وبضد ذلك المجتمعات الشيوعية التي أرهقت الإنسان وجعلته كالآلة تسخره كيف تشاء، لا رأي ولا حرية عنده، مجتمعهم شقي وإن زعموا أنهم يحققون السعادة، فذلك المجتمع مجتمع متفكك ومجتمع يتمنى في كل آن وحين أن يتخلص من تلك الأغلال والقيود التي أثقلته، فلم يبق سوى الإسلام، دين العدل، ودين الرحمة، ودين المحبة، ودين المواساة، والدين الذي يرعى للإنسانية حقها. [على المسلمين شعوبا وحكاما التمسك بالإسلام وتطبيق أحكامه] أيها المسلمون، تمسكوا بدينكم واعملوا به وطبقوه على مجتمعكم، لتعمكم السعادة ويحصل لكم الخير والهناء. قادة المسلمين، هذا دين الإسلام وتعاليمه السامية فطبقوها بين شعوبكم؛ لتعيشوا أنتم وإياهم في غاية من الأمن والرخاء والاطمئنان.

стр. 59

[ما من الله على أهل هذه البلاد من رغد العيش وأمن السبل إنما كان بسبب تمسكهم بالإسلام وتطبيق حدوده] حجاج بيت الله الحرام، اليوم التقى جمعكم في هذا المكان المبارك، وحللتم في هذه البلاد العزيزة، وشاهدتم ما من الله على أهلها من الخير والبركة، من رغد العيش وأمن السبيل، وما يعيشه أهلها في نعمة الله العظيمة التي منحهم الله إياها فضلا منه ورحمة وكرما وجودا، تنظرون إلى هذه النعم العظيمة التي يعيش فيها أبناء هذه البلاد، إنما نالوها بتوفيق الله لهم، ثم بتحكيم شرع الله وتطبيق حدوده، وكون هذا المجتمع المسلم مجتمعا مترابطا، بين قادته ومواطنيه من المحبة والمودة ما الله به أعلم، ارتباطا قائما على تحكيم هذه الشريعة والعمل بها وتطبيقها، فالعدالة سائدة، فهذه البلاد في نعمة عظيمة وبحبوحة من العيش، نعمة الإسلام قبل كل شيء، ثم هذا الأمن والاستقرار الذي عم أرجاءها، ذلك بفضل الله وكرمه. [حرص بلاد الحرمين على تطبيق الشريعة، ووحدة الصف بين أبنائها، والبعد عن الحزبية والطائفية] ذلكم يا عباد الله، أن هذه البلاد عقيدتها عقيدة التوحيد الخالص، ومنهجها تحكيم شرع الله، فليس بينهم حزبية ولا طائفية، ولكن أمة متحدة، تعمل بشرع الله. إن هذه البلاد لم يقتصر خيرها على أبنائها ومن هم داخل بلادها، بل تعدى خيرها لأبناء المسلمين عامة، فهي دائما ترعى مصالح المسلمين، وتسد خلتهم وتعينهم على ما أصابهم من النوائب؛ لأنها ترى ذلك واجبا عليها يفرضه عليها دينها الذي تؤمن به، وتحكمه وتدين الله به، وهذه البلاد الكريمة تحمي مقدسات الإسلام فترى واجبا عليها إسعاف المسلمين ومساعدتهم ومد يد

стр. 60

العون لهم في كل أرجاء المعمورة، فهذه البلاد -ولله الحمد- تسعى دائما في رأب الصدع بين المجتمعات المسلمة، والتوفيق بينهم وحل كل مشاكلهم على ما تقتضيه الحكمة، فالحمد لله على فضله وكرمه. [على الحجاج أن يشكروا الله على نعمة الهداية للإسلام، وتوفيقهم للوصول إلى هذه البلاد المقدسة] حجاج بيت الله الحرام، اشكروا الله على نعمته عليكم أن هداكم للإسلام، ومكنكم للوصول إلى هذه البلاد المقدسة، لتؤدوا حجكم في أمن واستقرار وطمأنينة، اشكروا الله على هذه النعمة، وادعوا لولاة المسلمين بالتوفيق أن يوفقهم الله ويعينهم ويجزيهم على ما قدموا للإسلام والمسلمين من هذه الخدمات العظيمة، حيث سهلوا للحجاج الوصول إلى بيت الله، وذللوا أمامهم الصعاب، وهونوا عليهم المشاق ليؤدوا مناسك حجهم آمنين مطمئنين. [خطأ كثير من المسلمين في فهمهم الإسلام، وزعمهم أنه يكفي فيه مجرد الانتساب إليه] أيها المسلمون الكرام، إن الكثير من المسلمين -وللأسف الشديد- قد ساء فهمهم لإسلامهم، وتصوروا الإسلام تصورا خاطئا، فمن المسلمين من يظن أن الإسلام يكفي فيه مجرد الانتساب إليه، وأنه متى انتسب إلى الإسلام كان مسلما، حتى وإن أتى بما يناقض أصل الإسلام ويتنافى معه، وهذا من الجهل والخطأ العظيم، أي إسلام لمن عبد غير الله وأشرك مع الله في عبادته؟ أي إسلام لمن طاف بضرائح الأموات يرجوهم تفريج الكربات، يرجوهم جلب النفع ودفع الضر، أي إسلام لذلك؟! والإسلام جاء بمحاربة الشرك والتحذير منه؛ لأن الله إنما بعث نبيه ليدعو الناس إلى عبادة الله ويحذرهم عن الإشراك به سبحانه، ويأمرهم بأن يتوجهوا بقلوبهم إلى الله حبا وخوفا ورجاء، فعبادة غير الله تنافي أصل الإسلام، فلا يقبل الله ممن عبد غيره صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا حجا، بل أعماله كلها مردودة عليه ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) .

стр. 61

أيها المسلمون، احذروا أن تأتوا بما يتنافى مع إسلامكم، البعض من الناس يتصور أن مجرد حجه يسقط عنه الواجبات ويبيح له المحرمات، فتراه إذا حج بيت الله لا يحافظ على هذه الصلوات ولا يؤديها مطلقا، مع أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، فأي حج لمن لا يصلي؟ وأي عمل لمن لا يصلي؟! فحافظوا على صلاتكم يا عباد الله، حافظوا على إسلامكم، حافظوا على دينكم، الزموا دين الإسلام، حافظوا على أركانه وواجباته ليكون إسلامكم إسلاما صحيحا. حجاج بيت الله الحرام، ليكن حجكم لبيت الله مفتاح خير لكم وسببا لسعادتكم فيما بقي من أعماركم، ليكن حجكم لبيت الله سببا لصلاح قلوبكم، واستقامة حالكم ومحافظتكم على دين الله، حتى يكون حجكم حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا. [بيان صفة حجة النبي ﷺ ] أمة الإسلام، حجاج بيت الله الحرام، فرض الله الحج على محمد ﷺ في آخر حياته، فحج المصطفى ﷺ حجة واحدة هي حجة الوداع التي ودع فيها الناس، وأخبرهم أنه لا يلقاهم بعد عامه هذا حج بالناس في العام العاشر من الهجرة، وحج المسلمون معه، وكانوا جميعا يتتبعون أقواله ﷺ وأعماله، يقتدون بكل ما يقول ويعمل، وهو ﷺ يقول لهم عقب كل عمل يعمله: «خذوا عني مناسككم (١) » ؛ ليعلمهم الاقتداء به والتأسي به، فإنه ﷺ قدوة لكل مسلم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) .

стр. 62

[ذكر بعض فوائد خطبة حجة الوداع] وقف ﷺ بعرفة، وصلى بعرفة الظهر والعصر جمعا وقصرا في وقت الظهر، وقبل الصلاة خطب خطبة عظيمة أعلمهم فيها واجبات الإسلام، وقرر فيها قواعد الدين، فقال في خطبته: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا (١) » وأخبرهم أن الله قد ألغى به أمور الجاهلية فقال: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه دماؤنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (٢) » وألغى دماء الجاهلية، وأوصاهم بالنساء خيرا، وبين ما للنساء من الحقوق، وما عليهن من الواجبات، واستشهد الله عليهم أنه بلغهم رسالة الله، فقالوا له جميعا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء ثم نكتها إلى الناس وقال: «اللهم اشهد (٣) » أيها المسلمون، إن رسول الله ﷺ ألغى أمور الجاهلية، ألغى مآثر الجاهلية: من فخرها بالأحساب، وطعنها في الأنساب، وتعصبها التعصب المخالف للشرع، أهل الجاهلية قبل الإسلام كانوا يتخذون الحج منبرا للتفاخر

стр. 63

بأحسابهم، والتفاخر بأنسابهم، فألغى الإسلام ذلك فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) ، ليس في الحج فخر، وليس فيه تنقص لشخص ما من الأشخاص، وإنما الحج إخلاص لله، وعبادة لله، والحجاج إنما قدموا ليتوجهوا إلى الله ويسألوه من فضله وكرمه، لم يقدموا ليفاخروا، ولا ليهتفوا دعاية لغيرهم، وإنما قدموا إخلاصا لله وطاعة لله ، هكذا ينبغي أن يكون الحاج المسلم ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) . [نصائح وتوجيهات للحجاج] حجاج بيت الله الحرام.. قدمتم من بلادكم طاعة لربكم سبحانه وإخلاصا له وابتغاء فضله وكرمه، فتخلقوا بكل خلق كريم، تخلقوا بالحلم والأناة والصبر، كونوا قدوة صالحة؛ فإن الإسلام يدعوكم بأن تكونوا قدوة صالحة يقتدي بكم غيركم، واحذروا من الدعاية المضللة والأفكار المغرضة، الذين لا يبالون بالمسلمين، ولا يحترمون حرمات المسلمين، ولا يحترمون مقدسات المسلمين، يعدون الوصول إلى هذا البيت فخرا وخيلاء، ورفعا لشعارات، وتمجيدا لأشخاص، كل ذلك رفضه الإسلام، فنحن هنا جئنا لندعو الله ونتقرب إليه، ونخلص الدين له سبحانه، لم نأت لغرض ما من الأغراض المشبوهة، فمن حول الحج عن وجهته وصرفه عن مراد الله له، فذلك من الضالين الذين يقول الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٤) .

стр. 64

[وجوب احترام قدسية هذه البلاد، وتعظيم مكانتها] إن هذه البلاد المقدسة أشرف بقعة على وجه الأرض، يجب على كل مسلم أن يحترم قدسيتها ومكانتها وفضلها، لما قدم النبي ﷺ فاتحا مكة ﵊ خاف أن يظن بعض العرب أن هذه البلاد قد فقدت كرامتها وقدسيتها، فخطبهم في ذلك اليوم قائلا لهم: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمه الناس، وإنه حرام بتحريم الله إلى يوم القيامة، لا يسفك به دم، ولا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف لها (١) » كل ذلك يقرر في نفوس المسلمين حرمة هذا البيت العظيم وشأنه ومكانته، فمن لم يكن في قلبه احتراما لهذا البيت وتقديرا له، فلينظر في إيمانه، فإن في إيمانه شكا. أيها المسلمون، احذروا من دعاة السوء ودعاة الضلال الذين تسموا بالإسلام، والله يعلم أنهم برآء منه، وأنهم بعيدون عن الإسلام كل البعد، فإسلامنا -ولله الحمد- دين واضح، مبني على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لا نرضى به بديلا، ولا نقيم غيره مقامه، إلى أن نلقى الله عليه بتوفيق الله ورحمته، لقد أكمل الله لنا الدين وأتم لنا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) . أيها المسلمون، إن رسول الله ﷺ ألغى ربا الجاهلية، وحرمها، إن الربا من كبائر الذنوب، أنزل الله في تحريمه آيات محكمات هن من

стр. 65

آخر القرآن نزولا، لم يأت ما ينسخها ولا ما يخصصها، فمن استحل هذا الربا بعد قيام الدليل عليه ومعرفته بحكم الله فيه، فإنه مرتد خارج عن الإسلام، فواجب المسلمين جميعا أن يتقوا الله في معاملاتهم، وأن يحرروا اقتصادهم من الربا، فإن فيما أباح الله غنية عما حرم الله. [فضل يوم عرفة] أيها المسلمون، إنكم اليوم في يوم عظيم من أيام الله، يوم مبارك، خير أيام الله وأفضلها على الإطلاق، يوم عرفة ذلكم اليوم العظيم الذي عظم الله شأنه وأقسم به في كتابه العزيز، ذلكم اليوم الذي نالت به الأمة المحمدية غاية عزها ومجدها عندما أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة ورضي لها الإسلام دينا. أيها الحجاج الكرام، توجهوا بقلوبكم إلى ربكم، اسألوه من فضله وكرمه، فإنه قريب مجيب، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) ، في هذا اليوم المبارك يتجلى الله لعباده، ينزل إلى سمائه الدنيا نزولا يليق بجلاله، يباهي بكم ملائكته، يقول: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا ضاحين، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم (٢) » أفيضوا مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه، لقوله ﷺ «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٣) » فأروا الله من أنفسكم خيرا. [على الحجاج أن يكثروا من ذكر الله ودعائه والالتجاء إليه في هذا اليوم] أكثروا في هذا اليوم من ذكر الله وتعظيمه والثناء عليه، أكثروا من لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير احفظوا جوارحكم مما حرم الله، يقول – ﷺ : «هذا يوم من ملك (٤)

стр. 66

فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» إن عدو الله إبليس لم ير في يوم هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام (١) فعدو الله إبليس يغيظه اجتماعكم، يغيظه دعاؤكم، أروا الله من أنفسكم خيرا وأغيظوا عدو الله، وأخلصوا لله نياتكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل الدعاء من قلب ساه لاه. مدوا أكف الضراعة إلى ذي الجلال والإكرام اسألوه لأنفسكم الهداية والثبات على دين الإسلام، ولوالديكم المغفرة والتجاوز، ولذرياتكم الصلاح والهداية، وللمسلمين جميعا التوفيق والاستقامة على الطريق المستقيم، اغتنموا بقاءكم في هذا المكان واسألوا الله من فضله وكرمه؛ فإن الله قريب مجيب لمن دعاه بيقين وإخلاص، يقول النبي ﷺ : «إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين (٢) » [بيان أعمال يوم عرفة وبقية أعمال الحج] أيها المسلمون، قفوا بعرفة حتى تغرب الشمس، اقتدوا بنبيكم، فإن نبيكم لم يزل واقفا حتى غربت الشمس وغابت الصفرة قليلا وغاب القرص، قفوا بعرفة وتأكدوا من حدودها، واسألوا إن أشكل عليكم، ولا تنصرفوا إلا بعد أن تغرب الشمس، وصلوا الظهر والعصر جمعا وقصرا كما سنفعله إن شاء الله بعد قليل. أيها الحجاج الكرام، لا تنصرفوا إلا بعد غروب الشمس، ثم انصرفوا إلى

стр. 67

مزدلفة، والزموا السكينة والوقار في كل حركاتكم وليكن بينكم التعاون والتسامح في كل أحوالكم. وصلوا المغرب والعشاء جمعا وقصرا بمزدلفة، وبيتوا بها إلى بعد نصف الليل، أو إلى أن تصلوا بها الفجر، وذلك أكمل، ثم انصرفوا إلى منى وارموا جمرة العقبة، ثم احلقوا أو قصروا رؤوسكم، وإن كنتم متمتعين أو قارنين، فارموا ثم انحروا ثم احلقوا أو قصروا، وقد حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام إلا النساء، ثم طوفوا طواف الإفاضة، واسعوا بين الصفا والمروة إن كنتم متمتعين، وإن كنتم قارنين أو مفردين ولم تسعوا مع طواف القدوم، فاسعوا بعد طواف الإفاضة، ثم حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام، وارموا الجمار في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، تبتدئون بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ترمون سبع حصيات لكل واحدة، وهكذا في اليوم الثاني عشر إن تعجلتم، وإلا في اليوم الثالث عشر إن تأخرتم. ويوم النحر يبدأ من منتصف ليلته إلى غروب شمس يومه، كل هذا وقت للرمي، وأيام التشريق بعد الزوال، ومن عجز عن الرمي في يوم النحر أو في يوم الحادي عشر وأخره إلى الثاني عشر فلا مانع من ذلك، على أن يرتب رمي الجمار كل يوم مستقل وحده. [نصائح للقائمين على أمور الحجاج] أيها المطوفون، أيها القائمون على الحجاج، اتقوا الله في أمانتكم فإنكم مسئولون عما خولتم من أمور الحجاج، لا تخلوا بمناسكهم، قفوا بهم المواقف المشروعة، والتزموا الشرع في كل أحوالكم لعلكم تفلحون.

стр. 68

أسأل الله أن يجعل حجنا مبرورا، وسعينا مشكورا، وذنبنا مغفورا، اللهم وفق المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم ألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده والنائب الثاني لما تحبه وترضاه، اللهم أمدهم بعونك وتوفيقك، واجزهم عما قدموا الحجاج والمسلمين جمعيا خير الجزاء والثواب، ومتع المسلمين بحياتهم، فإن على المسلمين لهم حقا أن يدعوا لهم بما قدموا لهم من التسهيلات العظيمة. أعاده الله علي وعليكم وعلى جميع المسلمين باليمن والبركة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 69

خطبة عام ١٤٠٥ الهجري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (١) أما بعد: [الوصية بتقوى الله ، وأن أعظم نعمة من الله بها على المؤمنين أن هداهم للإسلام] أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى. عباد الله، إن أعظم نعمة من الله بها على المؤمنين أن هداهم للإسلام، ومن عليكم بمعرفة الإسلام وقبوله والعمل به، فتلكم يا عباد الله نعمة عظمى لا تساويها أي نعمة، سائر النعم بعدها مزيد فضل وإحسان من رب العالمين، ولقد ذكر الله عبادة المؤمنين هذه النعمة وعرفهم قدرها وبين لهم فضلها: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) كان الناس قبل الإسلام في ضلال مبين، لا يعرفون حقا من باطل، ولا يميزون هدى من ضلال، يعيشون في جهالة عمياء، لا يفرقون بين معروف ومنكر، حتى جاء الله بالإسلام فهداهم به بعد العماية، واستنقذهم به من

стр. 70

الضلالة ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (١) . أيها المسلم، اعرف قدر الإسلام، اعرف قدر هذه النعمة واحمد الله عليها، وأد واجب شكر هذه النعمة بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، اشكر الله على أن هداك لهذا الدين وقد أضل عنه الأكثرين ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) ، وقال منوها بشأن هذه النعمة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٤) فاعرف قدر هذه النعمة وازدد لله شكرا وثناء، لقد ذكر الله عن المؤمنين الراسخين في العلم الذين عرفوا قدر هذه النعمة أنهم في كل آن وحين يسألون الله الثبات على الإسلام، قال ﷻ مخبرا عنهم في دعائهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٥) ، فاسألوا الله إذ هداكم للإسلام أن يثبتكم عليه وأن لا يزيغ قلوبكم عنه. [أصل هذا الدين وقاعدته التي بني عليها هو تحقيق الشهادتين] أيها المسلمون، إن أصل هذا الدين وأساسه وقاعدته التي بني عليها تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فهذان ركنا التوحيد الذي لا يستقيم إسلام عبد إلا بتحقيق هاتين الكلمتين، فشهادة أن لا إله إلا الله تحقيقها إخلاص الدين لله، أن تكون عبادتك كلها خالصة لله، لا شريك لله في ذلك، هذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن تصرف جميع أنواع العبادة لمستحقها وهو الله ﷻ : فدعاؤك لله وحده لا تدعو معه غيره، لا تذبح إلا لله، لا تنذر إلا لله، لا تستغيث إلا بالله، لا ترجو إلا الله،

стр. 71

لا تخاف الخوف الحقيقي إلا من الله، فالله معبودك تألهه قلبك حبا وخوفا ورجاء. إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله تحتم على العبد إخلاص الدين لله، والبراءة من كل معبود سوى الله، بأن يعتقد اعتقادا جازما أن العبادة حق لله لا حق لمخلوق كائنا من كان في شيء منها ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١) ، شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وإثبات العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له. [خلق الله الجن والإنس لتحقيق شهادة: أن لا إله إلا الله] أمة الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله هي الكلمة التي لأجل تحقيقها والقيام بها خلق الله الثقلين الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، فما خلق الثقلان إلا ليعمروا الأرض بطاعة الله، ويقيموا عليها دين الله. [كلمة التوحيد هي مرتكز دعوة جميع الرسل ﵈] أمة الإسلام، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله مفتاح دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما بعث الله رسولا من رسله إلا ابتدأ قومه بدعوتهم إلى تحقيق لا إله إلا الله، إلى العمل بمقتضى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، هكذا ابتدأ الرسل دعوتهم إلى قومهم من نوح ﵇ إلى آخرهم وسيدهم وأكملهم محمد ﷺ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣) ، وهكذا قال هود لقومه، وصالح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسائر أنبياء الله، ابتدءوا دعوتهم بالدعوة إلى التوحيد الخالص، إلى إخلاص الدين لله

стр. 72

وترك عبادة غير الله كائنا من كان، بين الله ذلك في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) ، وأخبر تعالى أن الحكمة من إرسال الرسل دعوة الخلق إلى عبادة الله وتحذيرهم من عبادة ما سواه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) . أمة الإسلام، إن هذه الكلمة العظيمة لا يكفي أن ننطق بها باللسان، بل لا بد أن نعمل بمقتضاها وما دلت عليه علما وعملا، صدقا وإخلاصا ويقينا، فإنها كلمة عظيمة، من لقي الله بها مخلصا من قلبه دخل الجنة، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، ولكن لا بد من اعتقاد ما دلت عليه من نفي كل معبود سوى الله، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له. [بعض الأعمال المناقضة لمقتضى (لا إله إلا الله) ] أمة الإسلام، كم من أناس يقولون: لا إله إلا الله. ولكن يأتون بما يضادها ويهدم أساسها، ويقضي على ما دلت عليه، يقولون: لا إله إلا الله. وترى منهم تعظيما لغير الله، عبادة لغير الله، صلاة لضرائح الأموات، تقريب القربان لهم، وفي الشدائد يهتفون بأسمائهم ويدعونهم من دون الله، يستغيثون بهم من دون الله، يسألون الأموات والغائبين تفريج الكربات وإزالة الهموم ورفع البلاء، وكل ذلك مناقض لمقتضى لا إله إلا الله، فإن هذه الكلمة قائلها إخلاص الدين الله. [أول ما بدأ به النبي ﷺ بالدعوة إلى الله (لا إله إلا الله) ] ولما بعث الله عبده ورسوله محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين، ابتدأ بالدعوة إلى لا إله إلا الله، فطالب قومه العرب أن ينطقوا بها ويعملوا بمقتضاها وما دلت عليه، فلما علم القوم أن هذه الكلمة تفرض عليهم خلع كل معبود سوى الله،

стр. 73

وتلزمهم إخلاص الدين لله والبراءة من كل معبود سوى الله، أبوا أن يتكلموا بها، أبوا أن ينطقوا بها وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) ، وقال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) ، فما زال ﷺ يدعو قومه للا إله إلا الله، ويقيم الحجج والبراهين على صحة التوحيد ووجوب إفراد الله بالعبادة، ويدحض شبه المشركين القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) . مكث بمكة بضع عشرة سنة مهمته الأساسية الدعوة إلى توحيد العبادة، إلى إخلاص الدين لله، إلى إزالة الشرك، إلى تثبيت العقيدة في قلوب العباد؛ لأن التوحيد هو الأساس، والأعمال كلها تابعة ومتممة له، إنما الأساس تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، إيمانا بالله، وإفرادا لله بكل أنواع العبادة، وبراءة تامة من كل معبود سوى الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٥) ، لا بد من التوحيد، من البراءة من كل معبود سوى الله، واعتقاد أن من عبد غير الله فإنه ضال ضلالا مبينا، مهما كان قصده، ومهما كانت نيته. [معنى شهادة أن محمدا رسول الله] أمة الإسلام، وثاني الشهادتين اللتين هما أصل الدين وقاعدته: شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، ومعناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. ومن تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله الإيمان برسالته صلى الله عليه

стр. 74

وسلم، والإيمان بأنه عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، أرسله إلى الناس جميعا برسالة شاملة تامة، افترض على العباد طاعته، نسخ بشريعته كل الشرائع، وألزم الخلق كلهم طاعته ومحبته والإيمان به، فإن أصل محبته أصل الإيمان وكمالها كمال الإيمان. [الخصال التي تتحقق بها شهادة أن محمدا رسول الله] تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: أن تؤمن بأن هذا الرسول الكريم هو واسطة بين الله وبين عباده في تبليغ شرعه ودينه، وأنه لا طريق لنا إلى معرفة دين الله والوصول إلى رضا الله إلا من طريق هذا النبي الكريم ﷺ تسليما كثيرا، يحبه المؤمن محبة فوق محبة المال والأهل والولد والنفس والناس أجمعين، يقول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (١) » «قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ مرة وهو آخذ بيده: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر (٢) » طاعته ﷺ من طاعة الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ، فتطيع أمره وتجتنب نهيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) ، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٦)

стр. 75

وعليك مع ذلك تصديق خبره ﷺ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) . [من مقتضيات الإيمان تعظيم رسول الله ﷺ وموالاته والسير على نهجه] أمة الإسلام، إن المؤمن حقا هو من كان في قلبه تعظيم لرسول الله ﷺ ، وفي قلبه حب لرسول الله ﷺ ، وفي قلبه موالاة لرسول الله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ، يجد نفسه حريصا على اتباع هذا النبي الكريم واقتفاء أثره والسير على نهجه، يصلي كما صلى رسول الله ﷺ ، يحج كما حج رسول الله ﷺ ، يسير في منهج حياته على وفق الهدي النبوي الكريم، هكذا حال المحبين له الذين سيردون حوضه إن شاء الله، وسيحشرون في زمرته، وسيدخلون الجنة معه بفضل الله وكرمه، فعظموا سنة رسول الله وأحبوا رسول الله محبة من أعماق القلوب، قدموا سنته على قول كل أحد كائنا من كان، يقول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٣) » [جعل بعض الجهال محبة الرسول ﷺ وسيلة للغلو فيه] أمة الإسلام، إن البعض من الجهال حرفوا وغيروا هذه المحبة الشرعية وعدلوا بها عن حقيقتها، واتخذوا من محبة رسول الله ﷺ وسيلة للغلو فيه وإطرائه وتعظيمه فوق تعظيم الله ، فأولئك قد حرفوا الكلم عن
следующие страницы →