ان تستغفر لهم سبعين مرة وحتى نزل ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره كل ذلك لعدم اطلاعهم على عدم وقوع الاستجابة مع كفر المدعو لهم واستدل نفاة الروية بقوله تعالى لن ترانى قالوا لن للتأبيد قلنا ليس كذلك بل هى لتاكيد نفى الروية المسئولة فى الدنيا الا ترى ان قوله تعالى ولن يتمنوه ابدا اخبار عن اليهود وقد اخبر عن الكفرة بتمنيهم الموت فى الاخرة حيث قال ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقال يا ليتها كانت القاضية ويقول الكفر يليتنى كنت ترابا والقول بان سوال موسى ﵇ الروية كان لتبكيت قومه حين قالوا أرنا الله جهرة خطأ فاحش فان ذلك وقعة اخرى وقد عذبهم الله تعالى على ذلك القول فاخذتهم الصاعقة بظلمهم حيث لم يكونوا مستحقين لها ولم يكن أحدا من قوم موسى معه حين كلمه الله تعالى وأعطاه التورية وسأل ربه الروية ولم يعاتب على موسى على ذلك السؤال لاستحقاقه وانما نفى الروية لعدم احتمالها للنية الدنيوية وقال ولكن انظر الى الجبل الاية وايضا لو كانت الروية ممتنعة وكان هذا السؤال لتبكيت قومه لوجب على موسى ان تجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا اجعل لنا الها وكيف يتبع موسى سبيلهم لو كان ممتنعا وقد قال لاخيه ولا تتبع سبيل المفسدين وقوله تعالى ولكن انظر الى الجبل فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي استدراك يريد ان يبين به انه لا يطيقه كما لا يطيق الجبل وفى تعليق الروية بالاستقرار ايضا دليل على الجواز ضرورة ان المعلق على الممكن ممكن قال وهب وابن اسحق لما سأل موسى ربه الروية أرسل الله الضباب «١» والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى الى اربعة فراسخ من كل جانب وامر الله تعالى ملئكة السموات ان يعترضوا على
موسى فمرت به ملئكة السماء الدنيا كثيران «٢» البقر تتبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم امر الله ملئكة السماء الثانية ان اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب «٣» بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما راى وسمع واقشعرت كل شعرة فى راسه وجسده ثم قال لقد ندمت على مسألتى فهل يجنبنى من مكانى الذي انا فيه شىء فقال خير الملئكة وراسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الثالثة ان اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا أمثال الأسود لهم قصف «٤»
стр. 1367
ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح والتقديس كجلب «١» الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وايس من الحيوة فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الرابعة ان اهبطوا واعترضوا على موسى ابن عمران وكان لا يشبههم شىء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شىء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت «٢» ركبتاه وارعد «٣» قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملئكة وراسهم يا ابن عمران اصبر لما سالت فقليل من كثير ما رايت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الخامسة ان اهبطوا واعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى ان يتبعهم بصره لما لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملئكة السماء السادسة ان اهبطوا على عبدى الذي طلب ليرانى فاعترضوا عليه وفى يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نار أشد ضوء من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاءوا بهم من كان قبلهم من ملئكة السموات كلهم يقولون لشدة أصواتهم سبوح قدوس رب الملئكة والروح رب العزة ابدا لا يموت فى راس كل ملك منهم اربعة أوجه فلما راهم موسى رفع صوته ليسبح حين سبحوا وهو يبكى ويقول رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدرى انفلت مما انا فيه أم لا ان خرجت احترقت وان مكثت مت فقال له كبير الملئكة وراسهم قد اوشكت يا ابن عمران ان يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذى سألت ثم امر الله ان يحمل عرشه فى ملئكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ﷻ فرفعت ملئكة السماء أصواتهم جميعا يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة ابدا لا يموت فارتج الجبل بشدة أصواتهم واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فارسل الله برحمته الروح فتغشاه وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعل كهيئة القبة لئلا يحترق موسى فاقامه الروح مثل الام فقام موسى يسبح الله ويقول امنت بك ربى وصدقت انه لا يراك أحد فيحيى من نظر الى ملئكتك انخلع قلبه فما أعظم ملئكتك أنت رب الأرباب واله الالهة وملك الملوك ولا يعدلك شىء ولا يقوم لك شىء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك
و
стр. 1368
ما أجلك رب العالمين فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ اى ظهر وانكشف بعض أنواره قال السيوطي اظهر من نوره قدر نصف انملة الخنصر كذا فى حديث صححه الحاكم لِلْجَبَلِ قالت الصوفية التجلي ظهور الشيء فى المرتبة الثانية كظهور زيد فى المرآة وليس هو روية الذات فان الله سبحانه لما نفى الروية لموسى بالتاكيد مع كونه أقوى استعدادا من الجبل لا يتصور حصوله للجبل قال الله تعالى انا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال فابين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان قال ابن عباس ظهر نوره للجبل وقال الضحاك اظهر الله من نوره الحجب مثل منخر ثور وقال عبد الله ابن سلام وكعب الأحبار ما تجلى من عظمة الله للجبل الأمثل سم الخياط حتى صار دكا وقال السدى ما تجلى الا قدر الخنصر يدل عليه ما روى احمد والترمذي والحاكم وصححاه عن ثابت عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قرأ هذه الاية وقال هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ «١» الجبل وخر موسى صعقا واخرج ابو الشيخ بلفظ وأشار بالخنصر فمن نورها جعله دكا وحكى عن سهل بن سعد الساعدي ان الله اظهر من سبعين الف حجاب من نور قدر الدرهم فجعل الدرهم للجبل دكا جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي دكاء بالمد والهمز بغير تنوين اى أرضا مستوية ومنه ناقة دكاء التي لاسنام لها وقرأ الباقون دكا بالتنوين بغير همز اى مدكوكا مفتتا والدك والدق اخوان قال فى القاموس الدك والدق والهدم ما استوى من الرمل قال ابن عباس جعله ترابا قال ساخ الجبل فى الأرض حتّى وقع فى البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفى صار رملا هائلا وقال الكلبي جعله دكا اى كسر اجبالا صغارا قال البغوي وقع فى التفاسير صارت لعظمته ستة اجبل وقعت ثلثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلثة بمكة ثور وثبير وحراء قال السعاف فى تخريج البيضاوي اخرج ابن مردوية عن على بن ابى طالب رضى الله عنه فى قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال اسمع موسى قال له اننى انا الله قال وذاك عشية عرفة وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع قطعة أسقطت بين يديه وهو الذي يقوم الامام عنده فى الموقف وبالمدينة ثلثة طيبة واحد ورضوى وطور سيناء بالشام وانما سمى الطور لانه طار فى الهواء الى الشام قلت هذه الرواية غريبة جدا فان تكلم الله تعالى بموسى ﵇ وإعطائه التورية كان بالشام على طور سينا دون مكة والله اعلم وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال ابن عباس والحسن مغشيا عليه
стр. 1369
وقال قتادة ميتا قال الكلبي خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة فاعطى التورية يوم الجمعة يوم النحر قال الواقدي لما خر موسى صعقا قال ملئكة السموات ما لابن عمران وسوال الروية فَلَمَّا أَفاقَ موسى من صعقته قالَ تعظيما لما راى سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجرأة والاقدام على السؤال بغير اذن وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ لان ايمان كل نبى مقدم على ايمان أمته.
قالَ الله تعالى يا مُوسى إِنِّي قرأ ابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان اصْطَفَيْتُكَ اى اخترتك عَلَى النَّاسِ الموجودين فى زمانك بِرِسالاتِي قرأ نافع وابن كثير برسالتى على التوحيد والباقون على الجمع وَبِكَلامِي اى بتكليمى إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أعطيتك من الرسالة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وفى القصة ان موسى بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد ان ينظر اليه لما غشى وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له امرأته انا ايم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فاخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة وقالت ادع الله ان يجعلنى زوجتك فى الجنة قال ذلك لك ان لم تتزوجى بعدي فان المرأة لاخر أزواجها وروى البغوي بسنده عن كعب الأحبار ان موسى نظر فى التورية فقال رب انى أجد امة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الاول وبالكتاب الاخر ويقاتلون اهل الضلالة حتّى يقاتلون الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال يا موسى هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم قال رب انى أجد امة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا امرا قالوا نفعل إنشاء الله فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم قال رب انى أجد امة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفع لهم فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال انى أجد امة إذا اشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من اثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال رب انى أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وان عملها ضعف عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب
стр. 1370
عليه وان عمل كتبت له سيئة مثلها فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فقال رب انى أجد امة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد منهم الا مرحوما فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فقال انى أجد امة مصاحفهم فى صدورهم يلبسون ألوان ثياب اهل الجنة يصفون فى صلوتهم صفوف الملئكة أصواتهم فى مساجدهم كدوى النحل لا يدخل النار أحد منهم ابدا الا من برى من الحسنات مثل ما برى الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فلما عجب موسى من الخير الذي اعطى الله محمدا صلى الله عليه واله وسلم وأمته قال يا ليتنى من اصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم فاوحى الله بثلث يرضيه بهن يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي الى قوله ساوريكم دار الفاسقين ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون قال فرضى موسى ﵇ كل الرضاء.
وَكَتَبْنا لَهُ اى لموسى فِي الْأَلْواحِ كانت سبعة او عشرة قال ابن عباس يعنى الواح التورية وفى الحديث كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنى عشر ذراعا أخرجه ابو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده وجاء فى الحديث خلق الله آدم ﵇ بيده وكتب التورية بيده وغرس شجرة طوبى بيده وقال الحسن كانت الألواح من خشب وقال الكلبي كانت من زبرجدة خضراء وقال سعيد بن جبير كانت من ياقوت احمر وكذا اخرج الطبراني وابو الشيخ عن كعب وقال الربيع بن انس كانت الألواح من زبرجد وقال ابن جريح كانت زمردا امر الله تعالى جبرئيل ﵇ حتى جاء بها من عدن فكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور واخرج ابو الشيخ عن ابن جريج انها كانت من زمرد او زبرجد قال وهب امر الله بقلع الألواح من صخرة صماء لينها الله تعالى له فقطعها بيده ثم شققها بيده وسمع موسى ﵇ صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك فى أول يوم من ذى القعدة وكانت الألواح عشرة اذرع على طول موسى ﵇ وقال مقاتل ووهب وكتبنا فى الألواح كنقش الخاتم وقال الربيع بن انس نزلت التورية وهى سبعون وقر بعير يقرء الجزء منه فى سنة لم يقرأه الا اربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى وقال الحسن هذه الاية فى التورية الف اية يعنى قوله تعالى وكتبنا له فى الألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مما يحتاجون اليه من امر الدين مَوْعِظَةً الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته قال فى القاموس وعظه موعظة ذكره
стр. 1371
ما يلين قلبه من الثواب والعقاب وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ اى تبيانا لكل شىء من الأمر والنهى والحلال والحرام والحدود والاحكام بدل من الجار والمجرور اى كتبنا كل شىء من المواعظ وتفصيل الاحكام فَخُذْها عطف على كتبنا بإضمار القول او بدل من قوله فخذ ما أتيتك والضمير راجع الى الألواح او الى كل شىء فانه بمعنى الأشياء او للرسالات بِقُوَّةٍ اى بجد واجتهاد وقيل بقوة القلب وصحة العزيمة لانه إذا اخذه بضعف النية رده الى الفتور وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها اى بما هو بالغ فى الحسن مطلقا وليس افعل للتفضيل بالاضافة فان كل ما هو فى كتاب الله حسن بالغ فى الحسن لا يحتمل النقيض ولا يجوز ان يكون شىء احسن منه فهو كقولهم الصيف أحر من الشتاء كذا قال قطرب وقال عطاء عن ابن عباس يحلوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا ويتعظوا بامثالها ويعملوا بحكمها ويقفوا عند متشابهها وقيل المراد بأحسنها الفرائض والنوافل يعنى ما يستحق عليه الثواب وما دونها المباح لانه لا يستحق عليها الثواب وقيل بالعزيمة دون الرخصة وبأحسن الامرين فى كل شىء كالعفو احسن من القصاص والصبر احسن من الانتصار سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ تحذيرا من ان لا تأخذوا بكتاب الله تعالى فتكونون مثلهم والمراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها كذا قال عطية العوفى وقال السدى مصارع الكفار وقال الكلبي وقتادة ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين اهلكوا وقال مجاهد والحسن وعطاء دار الفاسقين مصيرهم فى الاخرة يعنى جهنم.
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قرأ ابن عامر وحمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها والمعنى ساصرف عن التفكر فى آياتي التي فى الآفاق والأنفس وعن الاعتبار بها وقيل معناه ساصرفهم عن ابطال آياتي المنزلة والمعجزات وان يطفئوا نور الله بأفواههم كما فعل فرعون فعاد عليه باعلائها او باهلاكهم والله متم نوره ولو كره الكافرون او المعنى ساصرف عن قبول آياتي المنزلة فى الكتاب والتصديق بها بالحرمان عن الهداية لعنادهم الحق نظيره قوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم كذا قال ابن عباس وقال سفيان سامنع عن فهم القران ودرك عجائبه الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ويتجبرون على عبادى ويحاربون أوليائي بِغَيْرِ الْحَقِّ صلة يتكبرون اى يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل او حال من فاعله فحكم الاية عام بجميع الكفار وقيل حكم الاية خاص وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى
стр. 1372
موسى ﵇ وَإِنْ يَرَوْا هؤلاء المتكبرون كُلَّ آيَةٍ منزلة او معجزة او منصوبة لدرك الحق لا يُؤْمِنُوا بِها لعنادهم او اختلال عقلهم بسبب انهماكهم فى الهوى والتقليد وبما طبع الله على قلوبهم وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ اى الهدى والسداد بإراءة الأنبياء والعلماء لا يَتَّخِذُوهُ لانفسهم سَبِيلًا لاستيلاء الشيطنة عليهم قرأ حمزة والكسائي الرشد بفتح الراء والشين والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان وثالثهما الرشاد كالسقم والسّقم والسّقام وكان ابو عمر يفرق بينهما فيقول الرشد بالضم الصلاح فى الأمر وبالفتح الاستقامة فى الدين وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ اى طريق الضلالة بإراءة النفس والشيطان يَتَّخِذُوهُ لانفسهم سَبِيلًا ذلِكَ الصرف محله الرفع بالابتداء والظرف المستقر بعده خبره أو محله النصب على المفعولية مفعولا مطلقا من قوله تعالى ساصرف والظرف متعلق به بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة والمعجزات وعدم تدبرهم فى خلق الأرض والسموات وَكانُوا عَنْها اى عن الآيات غافِلِينَ لاهين ساهين او غافلين غفلة عناد.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ اى لقائهم الدار الاخرة او ما وعد الله فى الاخرة من الثواب والعقاب حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الحسنة من انفاق المال وصلة الرحم وغير ذلك فهم لا ينتفعون بها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء هَلْ يُجْزَوْنَ الاستفهام للانكار اى ما يجزون فى الاخرة إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ فى الدنيا عملا معتدا به عند الله تعالى وهو ما كان لله تعالى مخلصا له الدين وهم لم يعملوا كذلك او المعنى ما يجزون الاجزاء ما كانوا يعملون من السيئات فان أعمالهم كلها سيات ليس شىء منها حسنة فان العبادة إذا كان لغير الله تعالى فهو أسوأ السيئات والانفاق وصلة الرحم إذا لم يكن لله تعالى كان اعانة للكفار على الكفر ومعاداة الله تعالى او خطأ لنفسه.
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى بنو إسرائيل مِنْ بَعْدِهِ اى بعد ذهابه لميقات ربه بعد ثلثين ليلة إذا زيدت فى الميقات عشرا مِنْ حُلِيِّهِمْ التي استعاروها من قوم فرعون بعلة عرس حين هموا بالخروج من مصر فبقى عندهم واضافتها إليهم لانها كانت فى أيديهم وملكوها بعد هلاكهم قرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء بالاتباع كدلى والباقون غير يعقوب بالضم وهو جمع حلى كثدى وثدى بالفتح والضم وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام وكسر الياء مخففا على الافراد بارادة الجنس عِجْلًا مفعول أول لاتخذ والمفعول الثاني محذوف
стр. 1373
يعنى الها يعبدونه جَسَداً اى بدنا بدل من عجلا قال ابن عباس والحسن وقتادة وجماعة من المفسرين صوغه السامري فالقى فى فمه من تراب اثر فرس جبرئيل ﵇ فصار ذا لحم ودم كما قال الله تعالى حكاية عن السامري بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من اثر الرسول فنبذتها الاية وسنذكر قصة السامري وسبب معرفته جبرئيل فى سورة طه إنشاء الله تعالى لَهُ خُوارٌ اى صوت البقر قيل ما خار إلا مرة واحدة وقيل كان يخور كثيرا فكلما خار سجدوا له وإذ سكت رفعوا رؤسهم وقال وهب كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك وقال السدى كان يخور ويمشى وقيل كان جسدا من الذهب لا روح فيه صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح فى جوفه فيسمع منه صوت كخوار البقر وهذا القول يرده ما تلونا أَلَمْ يَرَوْا هؤلاء الحمقاء حين اتخذوه الها وعبدوه أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعنى لا يقدر على ما يقدر عليه احاد البشر فكيف حسبوه خالق السموات والأرض وما فيهما من الأجسام والقوى اتَّخَذُوهُ تكرير للذم اى اتخذوه الها وَكانُوا ظالِمِينَ اى واضعين الأشياء فى غير مواضعها ومن ثم وضعوا العبادة للعجل فى موضع الاستخدام.
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ سقط مسند الى الظرف وهو كناية من ان اشتد ندمهم فان النادم المتحسر يعض يده غما فيصير يده مسقوطا فيه يقول العرب لكل نادم قد سقط فى يده وقال الزجاج معناه سقط الندم فى أيديهم اى فى قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل فى يده مكروه وان استحال ان يكون فى اليد تشبيها لما يحصل فى القلب والنفس بما يحصل فى اليد ويرى بالعين والحاصل انهم ندموا على عبادة العجل حين جائهم وعاتبهم موسى ﵇ وَرَأَوْا علموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا باتخاذ العجل تابوا وقالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بقبول التوبة وَيَغْفِرْ لَنا بالتجاوز عن الخطيئة قرأ حمزة والكسائي ترحمنا وتغفر لنا بالتاء الفوقانية على الخطاب ونصب ربنا على النداء والباقون بالتحتانية على الغيبة والرفع على الفاعلية لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ بعد انقضاء أربعين ليلة الميقات غَضْبانَ من جهتهم أَسِفاً قال ابو الدرداء يعنى شديد الغضب وقال ابن عباس والسدى شديد الحزن وفى القاموس الأسف أشد الحزن وأسف عليه غضب قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي اى فعلتم فعلا مذموما حيث عبدتم العجل والخطاب لعبدة العجل او قمتم مقامى قياما مذموما حيث لم تكفوا العبدة من بنى إسرائيل والخطاب لهرون
стр. 1374
عليه السلام والمؤمنين معه وما نكرة موصوفة تفسير للمستكن فى بئس والمخصوص بالذم محذوف اى بئس خلافة خلفتمونى خلافتكم مِنْ بَعْدِي اى بعد ذهابى لميقات ربى او بعد ما رأيتم منى من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعنى تركتموه غير تام ولما تضمن عجل معنى سبق عدى تعديته او المعنى أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتى وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد الأنبياء واصل العجلة طلب الشيء قبل حينه وَأَلْقَى الْأَلْواحَ التي جاء بها فيها التورية القاها على الأرض من شدة الغضب لربه اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال اعطى موسى التوراة فى سبعة الواح من زبرجد فيها تبيان كل شىء وموعظة فلما جاء بها ورأى بنى إسرائيل عكوفا على عبادة العجل رمى بالتورية من يده فتخطت يعنى تكسرت فرفع الله تعالى منها ستة اسباع وبقي سبع قال البغوي فرفع ما كان من اخبار الغيب وبقي ما فيه الموعظة والاحكام والحلال والحرام عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليس الخبر كالمعاينة ان الله تعالى اخبر موسى بما صنع قومه فى العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا القى الألواح فانكسرت رواه احمد والطبراني فى الأوسط والحاكم بسند صحيح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون اى بشعر راسه قال البغوي بذوائبه ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ توهما بانه قصر فى كفهم وهارون كان اكبر من موسى ﵉ بثلث سنين وأحب الى بنى إسرائيل من موسى لانه كان لين الغضب قالَ هارون ابْنَ أُمَّ ذكر الام لرفقه وكان من اب وأم قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم بكسر الميم وأصله يا ابن أمي حذف حرف النداء ثم حذف الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا كالمنادى المضاف الى ياء المتكلم والباقون بفتحها زيادة فى التخفيف لطوله وتشبيها بخمسة عشر إِنَّ الْقَوْمَ يعنى عبدة العجل اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا وهموا وقاربوا ان يَقْتُلُونَنِي يعنى بذلت سعى فى كفهم حتى قهرونى واستضعفوني وقاربوا ان يقتلوننى فلا تتوهم التقصير فى كفهم منى فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ اى لا تفعل بي ما يفرحوا به والشماتة الفرح ببلية العدو كذا فى القاموس وَلا تَجْعَلْنِي فى موجدتك علىّ والانتقام مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعنى عبدة العجل.
قالَ موسى رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعت بأخي وَلِأَخِي ان فرط فى كفهم والظاهر ان المقصود الاستغفار لاخيه ضم اليه نفسه ترضية له ودفعا للشماتة
стр. 1375
عنه ولان سنة الاستغفار لغيره ان يبدأ بالاستغفار لنفسه دفعا لتزكية النفس ولان الدعاء بعد الاستغفار قرب الى الاجابة فان الذنوب مانعة من الاجابة ومن ثم ورد فى دعاء الجنازة اللهم اغفر لحينا وميتنا قدم الاستغفار للاحياء لكونه منهم وفى الدعاء لاهل القبور يغفر الله لنا ولكم وقال الله تعالى لنبيه مع كونه معصوما واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات حتى يبقى منه سنة فى أمته وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ اى عصمتك فى الدنيا ورحمتك فى الاخرة وبمزيد الانعام علينا فى الدارين وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فانت ارحم إلينا من أنفسنا علينا.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ اى عذاب وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهى خروجهم من ديارهم فعلى هذا السين فى قوله سينالهم للاستقبال بالنسبة الى زمان غضب موسى ﵇ عليهم على سبيل الحكاية وقال عطية العوفى ان الذين اتخذوا العجل أراد به اليهود الذين كانوا فى زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم عيرهم بصنيع ابائهم وقال بالنسبة إليهم سينالهم فى الاخرة غضب من ربهم وينالهم ذلة فى الدنيا يعنى ما أصاب بنى قريظة والنضير وغيرهم من القتل والاجلاء قال ابن عباس هو الجزية وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ قال ابو قلابة هو والله جزاء كل مفتر الى يوم القيامة ان يذله الله تعالى قال سفيان بن عيينة هذا فى كل مبتدع الى يوم القيامة.
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا يعنى الذين عبدوا العجل من قوم موسى ثم تابوا وأمنوا وقتلوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها اى بعد التوبة لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وان كان الذنوب عظيمة متكثرة ان مع اسمها وخبرها خبر للموصول.
وَلَمَّا سَكَتَ اى سكن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ باعتذار هارون وندامة قومه وتوبتهم وفى هذا الكلام مبالغة من حيث انه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالامر به والمغرى عليه حق عبر عن سكونه بالسكوت أَخَذَ الْأَلْواحَ التي القاها وقد ذهب ستة اسباعها وَفِي نُسْخَتِها قيل أراد بها اللوح لانها نسخت من اللوح المحفوظ وقيل ان موسى لما القى الألواح تكسرت فنسخ منها نسخة اخرى وقيل معناه فيما نسخ فيها اى كتب فهو فعلة بمعنى المفعول كالخطبة وقال عطاء فيما بقي منها قال ابن عباس وعمرو بن دينار ولما القى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت اليه
стр. 1376
فى لوحين هُدىً من الضلالة وبيان للحق وَرَحْمَةٌ من العذاب لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ اى يخافون ربهم اللام فى لربهم زيدت للتاكيد كقوله تعالى ردف لكم وقال الكسائي دخلت اللام لضعف الفعل بالتأخير كقوله للرويا تعبرون وقال قطرب اللام بمعنى من يعنى من ربهم يرهبون وقيل أراد راهبون لربهم وقيل اللام للتعليل والتقدير يرهبون من معاصى لربهم.
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ اى من قومه حذف الجار وأوصل الفعل اليه فانتصيب بنزع الخافض سَبْعِينَ رَجُلًا ممن لم يعبدوا العجل لِمِيقاتِنا اى للوقت الذي وعدنا بإتيانهم روى انه تعالى امر موسى ان يأتيه فى سبعين من بنى إسرائيل يعتذرون اليه من عبادة العجل فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال ان لمن قعد اجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين فلما دنوا من الجبل غشيهم غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه ثم انكشف الغمام فاقبلوا عليه فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتهم الرجفة الصاعقة او رجفة الجبل فصعقوا منها اى ماتوا كذا قال السدى وقال ابن عباس ان السبعين الذين قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتهم الصاعقة كانوا قبل السبعين الذين اخذتهم الرجفة وانما امر الله سبحانه موسى ﵇ ان يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرزهم ليدعوا ربهم وكان فيما دعوا ان قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فانكر الله ذلك من دعائهم فاخذتهم الرجفة وقال وهب لم تكن تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة اخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا حتى كادت ان تبين منهم مفاصلهم فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال السيوطي قال ابن عباس اخذتهم الرجفة اى الزلزلة الشديدة لانهم لم يزالوا قومهم حين عبدوا العجل فلما رأى موسى ﵇ ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت واشتد عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه ﵎ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ان يرى ما راى بسبب اخر او عنى به انك قد قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم او باغراقهم فى البحر وغيرها فترحمت عليهم بالانقاذ منها فان ترحمت عليهم مرة فارحم عليهم مرة اخرى فانه
стр. 1377
لا مبعد من عميم إحسانك قيل معناه لو شئت أهلكتهم قبل خروجهم ليعاين بنوا إسرائيل ذلك ولا يتهمونى أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا من التجاسر على طلب الروية الذي فعله بعضهم او عبادة العجل قال المبرد قوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا استفهام استعطاف اى لا تهلكنا وقد علم موسى ان الله اعدل من ان يأخذ بجريمة أحد غيره إِنْ هِيَ يعنى طلبا لروية او عبادة العجل إِلَّا فِتْنَتُكَ اى ابتلاءك واختيارك حين اسمعتهم كلامك فطمعوا رويتك او إذا أوجدت فى العجل خوارا فزاغوا وخذلت أنفسهم وفيه اشارة الى قوله تعالى انا فتنّا قومك من بعدك فقال موسى تلك الفتنة التي أخبرتني بها أضللت بها قوما فافتتنوا وهديت قوما عصمتهم حتى ثبتوا على دينك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ إضلاله بخذلانه حتى يتجاوز عن حده وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هدايته فتقوى بها إيمانه أَنْتَ وَلِيُّنا ناصرنا وحافظنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة.
وَاكْتُبْ لَنا اى أوجب لنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً اى توفيق الطاعة والنعمة والعافية وَفِي الْآخِرَةِ المغفرة والرحمة والجنة إِنَّا هُدْنا من هاد يهود إذا رجع يعنى تبنا إِلَيْكَ قال قتادة وابن جريح ومحمد بن كعب انما اخذتهم الرجفة لانهم لم يزابلوا قومهم حين عبدوا العجل ولم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر والله اعلم قالَ الله تعالى فى جواب دعاء موسى عَذابِي قرأ نافع بفتح الياء والباقون بإسكانها أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ من خلقى تعذيبه وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ عمت كُلَّ شَيْءٍ فى الدنيا المؤمن والكافر بل المكلف وغيره وانما انتفت فى الاخرة عن الكفار لانهم أبوا ان يرحمهم الله تعالى وجعلوا له شركاء قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كل أمتي يدخلون الجنة الا من ابى قيل له ومن ابى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى رواه البخاري قال عطية العوفى وسعت كل شىء ولكن لا يجب الا للذين يتقون وذلك لان الكافرين يرزقون ويدفع عنهم بالمؤمنين لسعة رحمة الله بالمؤمنين فيعيشون فيها فاذا صاروا الى الاخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمستضئ بنا وغيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه فَسَأَكْتُبُها اى ساجعلها واجبا فى الاخرة منكم يا بنى إسرائيل لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ خصها بالذكر لكونها أشق على النفوس وَالَّذِينَ
стр. 1378
هُمْ بِآياتِنا
اى بجميع كتبنا يُؤْمِنُونَ لا يكفرون بشئ منها ولما كان شريعة موسى ﵇ فى علم الله تعالى منسوخة نبه الله تعالى على ذلك وحثهم على اتباع خاتم النبيين وقال.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ مبتدأ خبره يأمرهم او خبر مبتدأ تقديره هم الذين او بدل من الذين يتقون بدل البعض او الكل سماه رسولا بالاضافة الى الله تعالى ونبيا بالاضافة الى العباد الْأُمِّيَّ يعنى محمدا صلى الله عليه واله وسلم منسوب الى الام يعنى هو على ما ولدته امه لم يكتب ولم يقرأ قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الحديث متفق عليه عن ابن عمر وصفه الله به تنبيها على ان كمال علمه مع حاله أحد معجزاته وقيل منسوب الى الامة لكثرة أمته عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انا اكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة وانا أول من يقرع باب الجنة رواه مسلم أصله أمتي فسقطت التاء فى النسبة كما فى المكي والمدني وقيل هو منسوب الى أم القرى يعنى مكة وبهذا الكلام خرج من هذا الحكم من بنى إسرائيل الذين أدركوا النبي صلى الله عليه واله وسلم ولم يؤمنوا وبقي فى الحكم من لم يدرك زمن...... النبي صلى الله عليه واله وسلم لانه ما تفرق الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءتهم البينة اخرج ابن حبان عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لكل نبى يوم القيمة منبرا من نور وانى على أطولها وانورها فيجئى مناد ينادى اين النبي الأمي فيقول الأنبياء كلنا نبى أمي فالى أينا أرسل فيرجع الثانية فيقول اين النبي الأمي العربي فينزل محمد صلى الله عليه واله وسلم حتى يأتي باب الجنة فيقرعه فيقال من فيقول محمد واحمد فيقول أوقد أرسل اليه فيقول نعم فيفتح له فيتجلى له الرب ولا يتجلى بشئ قبله فيخر لله ساجد او يحمده بمحامده لم يحمده بها أحد بعد فيقال ارفع راسك وتكلم واشفع تشفع هذا الحديث يدل على ان الأمي مشتق من الامة حتّى يصح قولهم كلنا نبى أمي اى ذى امة وخص النبي صلى الله عليه واله وسلم بهذا الاسم لكثرة أمته الَّذِي يَجِدُونَهُ اى بنو إسرائيل مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ اسما وصفة عن انس ان غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه واله وسلم فمرض فاتاه النبي صلى الله عليه واله وسلم فوجد أباه عند راسه يقرأ التورية فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يا يهودى أنشدك بالله الذي انزل التورية على موسى
стр. 1379
هل تجد فى التورية نعتى وصفتى ومخرجى قال لا قال الفتى بلى والله يا رسول الله انا نجد لك فى التورية نعتك وصفتك ومخرجك وانى اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اقيموا هذا من عند راسه وولوا أخاكم وعن على رضى الله عنه ان يهوديا كان له على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دنانير فتقاضى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال له يا يهودى ما عندى ما أعطيك فقال انى لا أفارقك يا محمد حتى تعطينى فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا اجلس معك فجلس معه فصلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة والغداة وكان اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يتهددونه ويتواعدونه ففطن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالذي يصنعون به فقالوا يا رسول الله يهودى يحبسك فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم منعنى ربى ان اظلم معاهدا وغيره فلما ترجل «١» النهار قال اليهودي اشهد ان لا اله الا الله واشهد انك رسول الله وشطر مالى فى سبيل الله اما والله ما فعلت بك الذي فعلت بك الا لا نظر الى نعتك فى التورية محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ليس بفظ «٢» ولا غليظ ولا سخاب «٣» فى الأسواق ولا متزى بالفحش ولاقوال للخنا اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله وهذا مالى فاحكم فيه بما أراك وكان اليهودي كثير المال روى الحديثين البيهقي فى دلائل النبوة وعن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن
العاص قال قلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى التورية قال أجل والله انه لموصوف فى التورية ببعض صفته فى القران يا ايها النبي انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا الأميين أنت عبدى ورسولى سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء بان يقولوا لا اله الا الله ونفتح بها أعينا عمياء واذانا صماء وقلوبا غلفاء رواه البخاري وعن عطاء بن يسار عن ابن سلام نحوه رواه الدارمي وعن كعب الأحبار يحكى عن التورية قال نجد مكتوبا محمد رسول الله عبدى المختار لافظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله
стр. 1380
فى السراء والضراء يحمدون الله فى كل منزله ويكبرونه على كل شرف رعاة للشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها يتبارزون على اتصافهم ويتوضؤن على أطرافهم مناديهم ينادى فى جو السماء صفهم فى القتال وصفهم فى الصلاة سواء لهم بالليل دوى كدوى النحل رواه البغوي بسنده فى معالم التنزيل وذكره فى المصابيح ورواه الدارمي مع تغيير يسير وعن عبد الله ابن سلام رضى الله عنه قال مكتوب فى التورية صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه رواه الترمذي قال ابو مودود وقد بقي فى البيت موضع قبر يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى ما يعرف حسنه شرعا وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى ما ينكره الشرع والعقل السليم والطبع المستقيم من الشرك وكفر المنعم وعصيانه وقطع الأرحام وَيُحِلُّ لَهُمُ اى لبنى إسرائيل الطَّيِّباتِ التي حرم الله عليهم فى التورية جزاء لبغيهم كالشحوم ولحوم الإبل والتي حرم اهل الجاهلية على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ كالدم والخمر والخنزير والميتة والربوا والرشوة وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ قرأ ابن عامر اصارهم على الجمع والباقون على الافراد واصل الإصر الثقل الذي يأصر اى يحبس صاحبه عن الحركة لثقله قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدى ومجاهد يعنى العهد الثقيل الذي أخذ على بنى إسرائيل للعمل بما فى التورية قال قتادة يعنى التشديد الذي كان عليهم فى الدين وَالْأَغْلالَ يعنى الأثقال الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فى شريعة موسى ﵇ مثل قتل النفس فى التوبة وقطع الأعضاء الخاطية وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض وتعيين القصاص فى القتل العمد والخطأ وتحريم أخذ الدية وترك العمل فى السبت وعدم جواز الصلاة فى غير الكنائس وغير ذلك من الشدائد التي تشبه بالاغلال التي تجمع الأيدي الى الأعناق فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ اى بالنبي الأمي محمد صلى الله عليه واله وسلم وَعَزَّرُوهُ اى عظموه بالتقوية وَنَصَرُوهُ لى على الأعداء وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ اى مع نبوته يعنى القران سماه نورا لانه باعجازه ظاهر امره مظهر غيره او لانه كاشف الحقائق مظهر لها ويجوز ان يكون معه متعلقا باتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي فيكون اشارة الى اتباع الكتاب والسنة أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالرحمة الابدية الى هاهنا جواب لدعاء موسى ﵇ قال البغوي قال نوف البكائى الحميرى اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى اجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث ادركتكم الصلاة
стр. 1381
الا عند مرحاض «١» او حمام او قبر واجعل السكينة فى قلوبكم وأجعلكم تقرءون التورية عن ظهور قلوبكم يقرأها الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير فقال ذلك موسى لقومه فقالوا لا نريد ان نصلى الا فى الكنائس ولا نستطيع ان تقرأ التورية عن ظهور قلوبنا ولا نريد ان نقرأها الا نظرا فقال الله تعالى فساكتبها للذين يتقون الى قوله أولئك هم المفلحون فجعلها الله لهذه الامة فقال موسى ﵇ يا رب اجعلنى نبيهم فقال نبيهم منهم قال رب اجعلنى منهم فقال انك لن تدركهم فقال موسى يا رب أتيتك بوفد بنى إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فانزل الله تعالى ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون فرضى موسى وقول نوف هذا يابى عنه سياق الاية ومنطوقه فان قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التورية والإنجيل صريح فى ان الاية فى حق مومنى اهل الكتاب لا غير وكذا ما ذكر البغوي انه قال ابن عباس وقتادة وابن جريح انه لما نزلت ورحمتى وسعت كل شىء قال إبليس انا من ذلك الشيء فقال الله تعالى فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم باياتنا يؤمنون فتمناها اليهود والنصارى وقالوا نحن نتقى ونوتى الزكوة ونومن فجعلها الله لهذه الامة حيث قال الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الاية فان مقتضى هذا القول ان الاية خطاب للنبى صلى الله عليه واله وسلم وسياق الاية يقتضى انها خطاب لموسى ﵇ فى جواب دعائه وانما نزل على النبي صلى الله عليه واله وسلم حكاية والله اعلم.
قُلْ يا محمد يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ الاضافة للعهد الخارجي يعنى الرسول النبي الأمي الذي مر ذكره وأخذ العهد على اتباعه إِلَيْكُمْ خطاب للناس كافة ولذلك اردفه بقوله جَمِيعاً حال من إليكم فان النبي صلى الله عليه واله وسلم كان مبعوثا الى الناس كافة بل الى الجن والانس عامة وسائر الأنبياء الى أقوامهم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض مسجد او طهورا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبوة رواه مسلم والترمذي عن ابى هريرة وروى الطبراني فى الكبير بسند صحيح عن السائب بن يزيد بلفظ فضلت على الأنبياء بخمس بعثت الى الناس كافة وذخرت شفاعتى لامتى ونصرت بالرعب شهرا امامى وشهرا خلفى وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى وروى البيهقي بسند صحيح عن ابى امامة
стр. 1382
فضلت بأربع ولم يذكر ذخرت شفاعتى قلت الخطاب وإن كان للناس عموما لكن سياق القصة تقتضى ان المقصود بهذا الخطاب العام يهود المدينة وبعض النصارى فانهم داخلون فى عموم الخطاب ومحجوجون عليهم بقوله تعالى مكتوبا عندهم فى التورية والإنجيل وانكارهم ذلك عنادا لا يفيدهم عند الله تعالى الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صفة الله جعل بينهما ما هو متعلق بالمضاف لانه كالمتقدم عليه او مدح منصوب او مرفوع او مبتدأ خبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وهو على الوجوه الاول بدل من الصلة بيان لما قبله فان من ملك العالم كان هو الا له لا غيره وفى يُحيِي وَيُمِيتُ مزيد تقرير لاختصاصه بالالوهية وإعرابه كاعراب ما سبق على تقدير كون الموصول مبتدأ وما بعده خبر الجملة الاسمية بيان لما أرسل به فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الذي أخذ منكم العهد فى الكتب السابقة على اتباعه الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ التي أنزلت عليه وعلى سائر المرسلين من كتب الله ووحيه وقرئ وكلمته على ارادة الجنس وقال مجاهد والسدى يعنى عيسى بن مريم ﵇ كلمته القاها الى مريم وانما عدل عن التكلم الى الغيبة لاجراء هذه الصفات الداعية الى الايمان به والاتباع له وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ جعل رجاء الاهتداء اثر الامرين تنبيها على ان من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو بعد فى حيز الضلالة.
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعنى بنى إسرائيل أُمَّةٌ جماعة يَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ اى محقين او بكلمة الحق اى يرشدون ويدعون الى الحق او بسبب الحق الذي هم عليه وَبِهِ اى بالحق يَعْدِلُونَ بينهم فى الحكم قال الضحاك والكلبي والربيع هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يجرى الرمل يسمى نهر أوراق ليس لاحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويضحون بالنهار ويزرعون لا يصل إليهم منا أحد وهم على دين الحق وذكر ان جبرئيل ﵇ ذهب بالنبي صلى الله عليه واله وسلم ليلة اسرى به إليهم فكلمهم جبرئيل هل تعرفون من تتكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي صلى الله عليه واله وسلم فامنوا به فقالوا يا رسول الله ان موسى اوصانا ان من أدرك منكم احمد صلى الله عليه واله وسلم فليقرأ عليه منى السلام فرد النبي صلى الله عليه واله وسلم على موسى ﵇ ثم اقرأ عشر سور من القران نزلت بمكة وأمرهم بالصلوة والزكوة وأمرهم ان يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فامرهم ان يجمعوا ويتركوا السبت وقيل هم الذين اسلموا من
стр. 1383
اليهود فى زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال البغوي والاول أصح قال والظاهر ان الاول قول غريب ولم يكن بمكة ليلة الاسراء الجمعة وليس فى عشر سور مما نزلت بمكة احكام الإسلام كلها والله اعلم والأظهر عندى ان المراد المؤمنين الذين أمنوا بموسى من اهل زمانه والذين أدركوا النبي صلى الله عليه واله وسلم من اليهود فامنوا به كعبد الله بن سلام ونظرائه.
وَقَطَّعْناهُمُ اى فرقنا بنى إسرائيل اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تميزه محذوف يدل عليه قطعنا يعنى اثنتي عشرة قطعة وهو مفعول ثان لقطع فانه متضمن لمعنى صير او حال أَسْباطاً بدل لا تمييز فان تمييز ما فوق العشرة لا يكون جمعا والسبط ولد الولد وكانوا اثنتي عشرة قبيلة اولا واثنى عشر ابن لاسرائيل يعنى يعقوب ﵇ أُمَماً صفة لاسباط او بدل بعد بدل قال الزجاج المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة امما وانما قال أسباطا امما بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع فلا يقال اثنا عشر رجالا لان الأسباط فى الحقيقة نعت للمفسر المحذوف وهو الفرقة اى قطعناهم اثنتا عشرة فرقة أسباطا امما يعنى كل فرقة أسباط وقيل فيه تقديم وتأخير تقديرها وقطعناهم أسباطا امما اثنتي عشرة وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ فى التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ اى فضرب فانبجست حذفه للايماء على انّ موسى لم يتوقف فى الامتثال وعلى ان ضربه لم يكن مؤثرا يتوقف عليه الانبجاس فى ذاته ومعناه انفجرت وقال ابو عمرو ابن العلا عرقت وهو الانبجاس ثم ثم انفجرت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً لكل سبط عين قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ اى كل سبط أبناء ابن ليعقوب ﵇ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ فى التيه ليقيهم حر الشمس وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا اى وقلنا لهم كلوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بضم التاء المثناة الفوقانية وفتح الفاء على التأنيث والبناء للمفعول مسندا الى ما بعده وهو مرفوع والباقون بفتح النون وكسر الفاء على التكلم والبناء للفاعل وما بعده منصوب على المفعولية.
خَطِيئاتِكُمْ قرأ ابن عامر على وزن الفعيلة بالهمزة على التوحيد وابو عمر وخطاياكم على وزن قضاياكم على الجمع والباقون خطيئاتكم على الجمع على وزن فعيلاتكم بالهمز سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
стр. 1384
وعد بالمغفرة والزيادة عليه بالاثابة وانما اخرج الثاني مخرج الاستيناف للدلالة على انها تفضل محض ليس فى مقابلة ما أمروا به.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مضى تفسير هذه الآيات فى سورة البقرة غير ان قوله تعالى فكلوا فى البقرة بالفاء أفاد تسبيب سكناهم للاكل منها ولم يتعرض له هاهنا اكتفاء بذكره ثمه او بدلالة الحال عليه كذا قال البيضاوي قلت ذكر فى البقرة ادخلوا هذه القرية فكلوا ولا شك ان الاكل بعد الدخول ولذلك أورد هنا فاء التعقيب وذكر هاهنا اسكنوا هذه القرية والسكنى يجامع الاكل ولا يستعقبه فلذلك أورد الواو للجمع ولا اثر لتقديم قولوا على وادخلوا فى المعنى.
وَسْئَلْهُمْ اى سل يا محمد اليهود للتقرير والتوبيخ على تقديم كفرهم وعصيانهم والاعلام بما هو من علومهم التي لم يكن اهل مكة يعلمها حتّى يكون لك معجزة وحجة عليهم عَنِ الْقَرْيَةِ اى عن خبر أهلها وما وقع بهم الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ اى قريبة الْبَحْرِ قال ابن عباس هى قرية يقال لها ايلة بين مدين والطور على شاطى البحر وقال الأزهري طبرية الشام إِذْ يَعْدُونَ الضمير راجع الى المضاف المحذوف يعنى اهل القرية كانوا يتجاوزون حد الإباحة بصيد السمك فِي السَّبْتِ وقد نهوا عنه إذ ظرف متعلق بكانت او حاضرة او للمضاف المحذوف اى خبر اهل القرية وقت عدوانهم او بدل اشتمال من اهل القرية إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ظرف ليعدون او بدل بعد بدل يَوْمَ سَبْتِهِمْ اى يوم تعظيمهم امر السبت مصدر من سبت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة وقيل اسم لليوم والاضافة لاختصاصهم باحكام فيها ويؤيد الاول قوله تعالى ويوم لا يسبتون شُرَّعاً حال من الحيتان اى ظاهرة على الماء متكثرة جمع شارع علينا إذا اشرف ودنا وقال الضحاك متتابعا وفى القصة انها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ اى لا يعظمون السبت متعلق بقوله لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ اى مثل إتيانهم يوم السبت نَبْلُوهُمْ حال من الضمير المنصوب فى لا تأتيهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ متعلق بيعدوا والمعنى مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم قيل وسوس إليهم الشيطان ان الله لم ينهيكم عن الاصطياد وانما نهاكم عن الاكل فاصطادوا وقيل وسوس إليهم انكم انما نهيتم عن الاخذ فاتخذوا حياضا على شط البحر يسوقون الحيتان إليها يوم السبت ثم ياخذونها
стр. 1385
يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ثم جرؤا على السبت وقالوا ما نرى السبت الا قد أحل لنا فاخذوا وأكلوا وباعوا فصار اهل القرية أثلاثا وكانوا نحوا من سبعين الفا ثلث كانوا يعدون فى السبت وثلث كانوا ينهونهم عن الاعتداء وثلث لم يفعلوا ولم ينهوا وهم الذين حكى عنهم الله سبحانه بقوله.
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ اى الفرقة الساكتة للفرقة الواعظة الناهية عن المنكر لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فى الدنيا أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فى الاخرة قالُوا الناهون فى جوابهم مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ الجمهور معذرة بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف اى موعظتنا معذرة اى إبداء لعذرنا الى الله تعالى حتى لا نكون مفرطين فى النهى عن المنكر وقرأ حفص بالنصب على المصدرية او العلية اى اعتذرنا معذرة اوعظناهم معذرة وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فان الياس لا يحصل الا بعد الهلاك.
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ اى ترك الفرقة العاصية ما ذكّرهم الصلحاء الواعظون أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ يعنى الفرقة الواعظة الصالحة وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعنى الفرقة العاصية بِعَذابٍ بَئِيسٍ اى شديد قرأ الجمهور بفتح الباء وكسر الهمزة بعدها ياء ساكنة على وزن فعيل من بؤس يبئس بأسا إذا اشتد وقرأ ابو جعفر ونافع وابن عامر بئس على وزن فعل وكان فى الأصل بئس مفتوح الفاء مكسور العين وزن حذر فخفف عينه بنقل حركتها الى ما قبلها فصار بئس بسكون الهمزة او هو فعل ذم وصف به فجعل اسما الا ان ابن عامر يهمز ونافع وابو جعفر لا يهمزان بل يقلبان الهمزة ياء ويقران بيس وقرأ ابو بكر عن عاصم بخلاف عنه بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل بِما كانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس رضى الله عنه اسمع الله يقول أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس فلا أدرى ما فعل الفرقة الساكتة قال عكرمة قلت له جعلنى الله فداك الا تريهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم وان لم يقل الله انجيتهم لم يقل أهلكتهم فاعجبه قولى فرضى وامر لى ببردين فكسانيها وقال نجت الفرقة الساكتة كذا روى الحاكم وقال يمان بن رباب نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم والذين قالوا معذرة الى ربكم وأهلك الله الذين أخذوا لحيتان وهذا قول الحسن ومجاهد وقال ابن زيد نجت الناهية وهلكت الفرقتان وهذه أشد اية فى ترك النهى عن المنكر.
فَلَمَّا عَتَوْا اى تكبر الفرقة الخاطئة عَنْ ما نُهُوا
стр. 1386
اى عن ترك ما نهوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ اى مبعدين امر تكوين وتسخير والظاهر يقتضى ان الله تعالى عذبهم او لا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم ويجوز ان يكون الاية الثانية تقريرا وتفصيلا للاولى وقيل المراد بقوله تعالى وإذ قالت امة منهم لم تعظون ان الفرقة الصالحة الواعظة قالت بعضهم لبعضهم لم تعظون مبالغة فى ان الوعظ لا ينفع فيهم تحسرا فاجابوا فيما بينهم وقالوا معذرة الى ربكم او قال من ارعوى عن الوعظ منهم لمن لم يرعوا منهم وقيل معنى الاية قالت امة منهم يعنى الهالكة للفرقة الصالحة الواعظة لم تعظون قوما الله مهلكهم على زعمكم قالوا ذلك تهكما واستهزاء بهم فقالوا اى الصالحون معذرة الى ربكم لكن هذا المعنى يابى عنه ضمير الغائب فى قولهم لعلهم يتقون بل كان المناسب على هذا ان يقولوا لعلكم تتقون روى ان الناهين لما ايسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود ﵇ وأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا ان لهم لشانا فدخلوا عليهم فاذاهم قردة فلم يعرفوا انسبائهم ولكن القرود تعرفهم فجعلت القرود تأتي انسبائهم وتشمهم فتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم فيقولون الم ننهيكم فتقول القردة برأسها نعم فمكثوا ثلثة ايام ينظر بعضهم الى بعض وينظر إليهم الناس ثم ماتوا.
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ تفعل من الاذن ومعناه العزم المصمم الذي لا يتخلف لان العازم على الشيء يوذن نفسه بفعله ولذلك اجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بجوابه وقال ابن عباس معنى تأذن ربك قال ربك وقال مجاهد امر ربك وقال عطاء حكم ربك وعلى الأقوال غير الاول لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ جواب قسم محذوف اى والله ليسلطن الله تعالى على اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ بالقتل والضرب والسبي وأخذ الجزية فبعث الله عليهم سليمان وبعده بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نسائهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم فكانوا يؤدونها الى المجوس حتّى بعث الله محمدا صلى الله عليه واله وسلم فقتل بنى قريظة وسبى نسائهم وذراريهم وأجلا بنى نضير وبنى قينقاع وأجلا عمر عن خيبر وفدك وامر الله سبحانه بقتالهم الى يوم القيامة حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه ولذا عاقبهم فى الدنيا وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وأمن.
وَ
стр. 1387
قَطَّعْناهُمْ
فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً فرقا فشتت أمرهم حتى لا يكون لهم شوكة قط ولا يجتمع كلمتهم مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ الذين أمنوا بمحمد صلى الله عليه واله وسلم كذا قال ابن عباس ومجاهد قلت والظاهر ان المراد الذين على دين موسى صالحين قبل نسخه بقرينة قوله فخلف من بعدهم خلف وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ تقديره ومنهم ناس دون ذلك اى منحطون عن الصلاح وهم الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه واله وسلم او كانوا فساقا قبل نسخ دين موسى او كفارا لعيسى وداود وسليمان وَبَلَوْناهُمْ اى اختبرناهم بِالْحَسَناتِ اى النعم وَالسَّيِّئاتِ اى النقم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ اى لكى ينتبهوا فيرجعوا عما كانوا عليه من الكفر والفسق بشكر المنعم عند النعمة وبالتوبة عند حلول النقمة.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى جاء بعد المذكورين الذين وصفناهم خَلْفٌ القرن الذي يجئ بعد قرن كذا فى القاموس وقال ابو حاتم الخلف بسكون اللام الأولاد الواحد والجمع سواء والخلف بفتح اللام البدل سواء كان ولدا وغريبا وقال ابن الاعرابى الخلف بالفتح الصالح وبالسكون الطالح وقال النضر بن شميل الخلف بتحريك اللام وإسكانها فى القرن السوء واما فى القرن الصالح فتحريك اللام لا غير وقال محمد بن جرير اكثر ما جاء فى المدح بفتح اللام وفى الذم بتسكينها وقد يحرك فى الذم ويسكن فى المدح قال البيضاوي هو مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع وقيل جمع والمراد به الذين كانوا فى عصر النبي صلى الله عليه واله وسلم وَرِثُوا الْكِتابَ اى انتقل إليهم الكتاب يعنى التورية من ابائهم يقرؤنها ويطلعون على ما فيها يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يعنى حطام هذا العالم الأدنى يعنى الدنيا وهو من الدنو او الدناءة والعرض المتاع وكل شىء سوى النقدين او ما كان من مال قل او كثر وهو المراد هاهنا وقيل العرض ما لا يكون له ثبات ومنه استعار المتكلمون العرض لما لم يكن له ثبات الا بالجوهر كاللون والطعم ولذا قيل الدنيا عرض حاضر يعنى لاثبات لها والمراد به ما كان علماء اليهود يأخذون من جهالهم فياكلون ولذلك كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحرّفوا كلام الله تعالى خوفا من زوال ماكلتهم وما كانوا يأخذون من الرشى فى الحكم والجملة حال من الضمير المرفوع فى ورثوا وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا يحتمل العطف والحال والفعل مسند الى الجار والمجرور او الى الضمير العائد الى مصدر يأخذون يعنى بتمنون على الله المغفرة بلا توبة مع الإصرار على الذنب وهذا امر شنيع
стр. 1388
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله رواه احمد والترمذي وابن ماجة والحاكم والبغوي بسند صحيح عن شداد بن أوس وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ حال من الضمير فى يقولون يعنى يرجون المغفرة مصرين على الذنب عامدين الى مثله غير تائبين قال السدى كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا الا ارتشى فى الحكم فيقال له مالك ترتشى فيقول سيغفر لى فيطعن فيه الآخرون فاذا مات او نزع وجعل مكانه رجل ممن يطعن عليه يرتشى ايضا فيقول الله تعالى وان يأتهم يعنى الآخرين منهم عرض مثله يأخذوه أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ اى أخذ عليهم العهد فى التورية أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وهذا غير الحق لانه ليس فى التورية ميعاد المغفرة مع الإصرار وَدَرَسُوا ما فِيهِ عطف على الم يوخذ من حيث المعنى فانه تقريرا وعلى ورثوا ودرس الكتاب قراءته وتدبره مرة بعد اخرى يعنى يعلمون ما يعملون وهم ذاكرون انه معصية وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الله تعالى ويؤمنون بالنبي صلى الله عليه واله وسلم مما يأخذون من حطام الدنيا أَفَلا تَعْقِلُونَ عطف على محذوف تقديره أيختارون الشر ويتركون الخير فلا يعقلون يعنى فليس لهم عقل فان مقتضى العقل اختيار الخير على الشر بل اختيار أخير الخيرين وهم يستبدلون الأدنى المؤدى الى العذاب بالنعيم المخلد قرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة.
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ قرأ ابو بكر مخففا من الافعال والباقون بالتشديد من التفعيل وقرأ ابى بن كعب والذين تمسكوا بِالْكِتابِ على صيغة الماضي لما عطف عليه وَأَقامُوا الصَّلاةَ قال مجاهدهم المؤمنون من اهل الكتب عبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى ﵇ فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه ماكلة بل عملوا بما فيه حتّى أمنوا بمحمد صلى الله عليه واله وسلم وقال عطاءهم امة محمد صلى الله عليه واله وسلم والذين يمسكون عطف على الذين يتقون وقوله أفلا يعقلون اعتراض او مبتدأ خبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ على تقدير منهم او وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على ان الإصلاح كالمانع من التضييع.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ متعلق باذكر واصل النتق الجذب والمعنى قلعناه ورفعناه فَوْقَهُمْ اى فوق بنى إسرائيل حين أبوا ان يقبلوا احكام التورية لثقلها فرفع الله عليهم الجبل كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ سقيفة وهى كل ما اظلك وَظَنُّوا اى أيقنوا
стр. 1389
أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ وانما اطلق الظن لانه لم يقع متعلقه وقيل لهم ان قبلتم ما فيها والا ليقعن عليكم خُذُوا بإضمار القول اى وقلنا خذوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد وعزم على تحمل مشاقه حال من فاعل خذوا وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل ولا تتركوه كالمنسى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قبايح الأعمال ورذايل الأخلاق.
وَاذكر إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ فيه اختصار تقديره من آدم وبنى آدم مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بنى آدم بدل البعض والمعنى إذا خرج ربك من ظهور آدم بنيه ذُرِّيَّتَهُمْ قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر ويعقوب ذرياتهم على صيغة الجمع والباقون على الافراد وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ اى اشهد بعضهم على بعض وقال لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته الى يوم القيامة وجعل بين عينى كل انسان منهم وبيصا «١» من نور ثم عرضهم على آدم فقال اى رب من هؤلاء قال ذريتك فراى منهم رجلا فاعجبه وبيص عينيه فقال اى رب من هذا قال داود قال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال رب زده من عمرى أربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلما انقضى عمر آدم الا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم الم يبق من عمرى أربعين سنة قال او لم تعطها ابنك داود فجحد آدم فجحدت ذريته ونسى آدم فاكل من الشجرة ونسيت ذريته وخطأ آدم فخطأت ذريته ورواه الترمذي عن ابى الدرداء عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فاخرج ذريته بيضاء كانهم الذر وضرب كتفه اليسرى فاخرج ذريته سوداء كانهم الحمم قال للذى فى يمينه الى الجنة ولا أبالي وقال للذى فى كتفه اليسرى الى النار ولا أبالي رواه احمد كذا ذكر مقاتل وغيره من اهل التفسير فذكروا نحوه وفى آخره ثم أعادهم جميعا فى صلبه فاهل القبور محبوسون حتى يخرج اهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء قال الله تعالى فيمن نقض العهد الاول وما وجدنا لاكثرهم من عهد وعن مسلم بن يسار قال سئل عمر بن الخطاب عن هذه الاية وإذ أخذ ربك من بنى آدم الاية قال عمر رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يسأل منها فقال ان الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره
стр. 1390
فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل اهل النار يعملون فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتّى يموت على عمل من اعمال اهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من اعمال اهل النار فيدخله به النار رواه مالك وابو داود والترمذي واحمد فى مسنده والبخاري فى التاريخ وابن حبان والحاكم والبيهقي وقال الترمذي حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر قال البغوي قد ذكر بعضهم فى هذا الاسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعنى عرفة فاخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين او تقولوا انما أشرك ابائنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون رواه احمد والنسائي والحاكم وصححه واخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى هذه الاية أخذ من ظهره كما يوخذ بالمشط من الرأس فقال لهم الست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا قال البغوي روى عن ابن عباس ايضا ان الله أخرجهم وأخذ الميثاق بدهناء من ارض الهند وهو الموضع الذي هبط آدم ﵇ وقال الكلبي بين مكة والطائف وقال السدى خلق الله آدم ولم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فاخرج ذريته وعن ابى بن كعب جمعهم فجعلهم أزواجا يعنى أصنافا ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذهم العهد والميثاق واشهدهم على أنفسهم الست بربكم قال الله تعالى فانى اشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع واشهد عليكم أباكم آدم ان تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا انه لا اله غيرى ولا رب غيرى ولا تشركوا بي شيئا انى سارسل إليكم رسلى يذكرونكم عهدى وميثاقى وانزل عليكم كتبى قالوا شهدنا بانك ربنا والهنا لا رب لنا غيرك ولا اله لنا غيرك فاقروا بذلك ورفع عليهم آدم ﵇ ينظر إليهم فرأى الغنى والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب لولا سويت بين عبادك قال انى أحببت ان اشكر ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور خصوا بميثاق اخر فى الرسالة والنبوة وهو قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم الى قوله وعيسى بن مريم وعيسى بن مريم كان فى تلك الأرواح فارسله الى مريم فحدث عن ابى انه دخل من فيها رواه احمد زاد
стр. 1391
فى بعض الروايات بعد قوله لا تشركوا بي شيئا قوله فانى سانتقم عمن أشرك بي ولم يؤمن بي وزاد بعد قوله فاقروا بذلك قوله ثم كتب اجالهم وأرزاقهم ومصائبهم وبعد قوله انى أحببت ان اشكر انه فلما قررهم بتوحيده واشهد بعضهم على بعض أعاد الى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه قال البغوي ما معنى قوله وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم وانما أخرجهم من ظهر آدم قلت وبه نطق الأحاديث قيل فى جوابه ان الله اخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالدون فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم انهم كلهم بنوه فاخرجوا من ظهره ولذلك لم يذكر ظهر آدم فى الاية قلت وإخراج كلهم الى ظهر آدم انما أسند فى الحديث بناء على انه لما كان بعضهم فى ظهر بعض والأصول فى ظهر آدم فكان كلهم فى ظهره فصح اسناد إخراج كلهم الى ظهره او لان المراد بآدم فى الحديث آدم وبنيه اقتصر على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع قلت ومعنى قوله صلى الله عليه واله وسلم ضرب كتفه اليمنى فاخرج ذرية بيضاء انه ضرب كتفه او كتف أحد من ابنائه فاخرج منها ذرية بيضاء وكتفه او كتف أحد منهم اليسرى فاخرج منها ذرية سوداء ثم قال خلقت هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار قال البغوي قال اهل التفسير ان اهل السعادة أقروا طوعا واهل الشقاوة قالوا تقية وكرها
وذلك معنى قوله تعالى وله اسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها شَهِدْنا قال السدى هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملئكته انهم شهدوا على اقرار بنى آدم وقال بعضهم هو خبر من قول بنى آدم حين اشهد الله بعضهم على بعض فقالوا بلى شهدنا وقال الكلبي ذلك من قول الملئكة وفيه حذف تقديره لما قالت الذرية بلى قال الله تعالى للملئكة اشهدوا قالوا شهدنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ منصوب على العلية قرأ ابو عمرو ويقولوا فى الموضعين بالياء التحتانية على الغيبة تقديره اشهدهم كراهية ان يقولوا او لئلا يقولوا والباقون بالفوقانية على الخطاب تقديره اخاطبكم بالست بربكم كراهة ان تقولوا او لئلا تقولوا قلت والاولى «١» ان يقال تقديره على قراءة ابى عمرو ذكرهم يا محمد بالميثاق كراهة ان يقولوا انا كنا عن هذا غافلين وعلى قراءة الجمهور أخبرتكم ايها الناس بالميثاق كراهة ان تقولوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا الميثاق او الإقرار غافِلِينَ فان قيل كيف يلزم الحجة واحد لا يذكر الميثاق قيل لما اخبر بذلك المخبر الصادق المؤيد بالمعجزة لزمهم الحجة ولا يسقط الاحتجاج بعدم حفظهم
стр. 1392
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ اتباعا لهم فاقتدينا بهم أَفَتُهْلِكُنا اى تعذبنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ اى الاسلاف المشركون يعنى كراهة ان تعتذروا بالغفلة او بالتقليد للاباء وليس شىء من ذلك مسقطا للاحتجاج.
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ اى نبينها ليتدبر فيها العباد ويتذكروا ما نسوا وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ معطوف على مقدر تقديره لعلهم يتدبرون ويتذكرون ما نسوا ولعلهم يرجعون من الكفر الى التوحيد كذا قال السلف الصالح وجمهور المفسرين على ما يشهد به الأحاديث وقال البيضاوي ومن تبعه معنى الاية وإذ أخذ ربك اى اخرج من صلب آدم وأصلاب بنيه نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن واشهدهم على أنفسهم اى نصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فى عقولهم ما يدعوهم الى الإقرار بالتوحيد حتى صاروا كانهم قيل لهم الست بربكم قالوا بلى فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم فيه منزلة الاشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل قال البيضاوي ويدل عليه قوله قالوا بلى شهدنا ان تقولوا اى كراهة ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين اى لم تنبه بالدليل او تقولوا انما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فاقتدينا بهم لان التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم لا يصلح عذرا وقال والمقصود من إيراد هذا الكلام الزام اليهود مقتضى الميثاق العام بعد ما الزمهم الميثاق المخصوص بهم فى التورية والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال الله تعالى وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون عن التقليد واتباع الباطل والقائل بهذا التفسير يأول الأحاديث المذكورة ايضا والله اعلم.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ اى اليهود نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها اى من الآيات بان كفر بها واعرض عنها قال ابن عباس هو بلعم بن باعور وقال مجاهد بلعام بن باعور قال عطية عن ابن عباس كان من بنى إسرائيل وروى ابو طلحة عنه انه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين وقال مقاتل من مدينة بلقاء وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس وابن اسحق والسدى وغيرهم ان موسى ﵇ لما قصد حرب الجبارين ونزل ارض بنى كنعان من ارض الشام اتى قوم الى بلعم وكان عنده اسم الأعظم فقالوا ان موسى ﵇ رجل حديد ومعه جنود كثيرة وانه قد جاءنا يخرجنا من ديارنا ويقتلنا ويحلها بنى إسرائيل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله ان يردهم عنا قال ويلكم
стр. 1393
نبى ومعه الملئكة والمؤمنون كيف ادعو عليهم وانا اعلم من الله ما اعلم وان فعلت هذا ذهبت دنياى وآخرتي فراجعوه وألحوا عليه فقال حتّى او امر ربى ﵎ وكان لا يدعو حتّى ينظر ما يومر فى المنام فامّر فى الدعاء عليهم فقيل له فى المنام لا تدع عليهم فقال لقومه وأمرت ربى وانى قد نهيت فاهدوا له هدية فقبلها ثم راجعوه فقال حتّى أوامر فامر فلم يجئى له شىء فقال قد وأمرت فلم يجئ الىّ شىء فقالوا لو كره ربك ان تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرة الاولى فلم يزالوا يتضرعون اليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا متوجها الى جبل يطلعه على عسكر بنى إسرائيل يقال له حسان فلما سار عليها غير كثير ربصت «١» به فنزل عنها فضربها حتّى قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربصت فضربها حتّى اذن الله لها الكلام وكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعم اين تذهب الا ترى الملئكة امامى تردنى عن وجهى هذا تذهب الى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع فخلى الله سبيلها فانطلقت حتّى إذا شرفت على جبل حسان جعل لا يدعو عليهم بشئ الا صرف لسانه الى قومه ولا يدعو لقومه بخير الا صرف لسانه الى بنى إسرائيل فقال قومه يا بلعم أتدري ما تصنع انما تدعوهم وعلينا قال هذا ما لا املك هذا شىء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم قد ذهبت الان منى الدنيا والاخرة فلم يبق الا المكر والحيلة فسامكر لكم واحتال جملوا النساء وزينوهن فاعطوهن السلع ثم ارسلوهن الى العسكر يبعنها فيه ومروهن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فانهم ان زنى منهم رجل واحد كفيتموهم ففعلوا فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بنى إسرائيل يقال له زهرى بن شلوم راس سبط شمعون بن يعقوب ﵇ فقام إليها فاخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم اقبل بها حتّى وقف بها على موسى ﵇ فقال انى أظنك ستقول هذه حرام عليك قال أجل هى حرام عليك لا تقربها قال فو الله لا أطيعك فى هذه ثم دخل بها قبته فوقع عليها فارسل الله الطاعون على بنى إسرائيل فى الوقت وكان الفنحاص بن العيزار بن هارون صاحب امر موسى وكان رجلا قد اعطى بسطة فى الخلق وقوة فى البطش وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون فى بنى إسرائيل فاخبر الخبر فاخذ بحربته وكانت من حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعا إياهما الى السماء والحربة قد أخذها بذراعه
و
стр. 1394
اعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة الى لحيته وكان بكر العيزار وجعل يقول اللهم هكذا يفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون فهلك من بنى إسرائيل فى الطاعون فيما بين ان أصاب زمرى المرأة الى ان قتله فنحاص سبعون الفا فى ساعة من النهار فمن هناك يعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصره واخذه إياهما بذراعه واسناده إياهما الى لحيته والبكر من كل أموالهم لانه كان بكر العيزار وفى بلعم انزل الله واتل عليهم نبا الذي اتيناه آياتنا الاية وقال مقاتل ان ملك البلقاء قال لبلعام ادع الله على موسى فقال انه من اهل دينى لا ادعو عليه فتخشب خشبة ليصلبه فلما راى ذلك خرج على أتان له وليدعو عليه فلما عاين العسكر قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت لم تضربنى انى مامورة وهذه نار امامى قد منعتنى ان امشى فرجع فاخبر الملك فقال لتدعون عليه اولا صلبنك فدعى على موسى بالاسم الأعظم ان لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع بنو إسرائيل فى التيه بدعائه فقال موسى ﵇ يا رب باى ذنب وقعنا فى التيه فقال بدعاء بلعام قال فكما سمعت دعائه على فاسمع دعائى عليه فدعا موسى ﵇ ان ينزع منه الاسم الأعظم والايمان فنزع منه المعرفة وسلخه منها فخرجت منصورة كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى فانسلخ منها وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن اسلم وليث بن سعد نزلت هذه الاية فى امية بن ابى الصلت الثقفي وكانت قصته انه كان قد قرأ الكتب وعلم ان الله مرسل رسولا فرجى ان يكون ذلك الرسول فلما أرسل محمد صلى الله عليه واله وسلم حسده وكفر به وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال لو كان نبيا ما قتل أقربائه فلما مات امية أتت أخته فارعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسألها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن وفات أخيها فقالت بينما هورا قد أتاه إتيان وكشفا سقف البيت فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والاخر عند راسه فقال الذي عند رجليه للذى عند راسه اوعى قال وعى قال ازكى قال ابى قالت فسالته عن ذلك فقال خير أريد بي فصرف عنى فغشى عليه فلما أفاق قال
كل عيش وان تطاول دهرا ... صائر مرة الى ان يزولا
ليتنى كنت قبل ما بدا لى ... فى قلال الجبال أرعى الوعولا
ان يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوما ثقيلا
ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انشدينى من شعر أخيك فانشدته بعض قصايده فقال
стр. 1395
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمن شعره وكفر قلبه فانزل الله تعالى وتقدس فيه اتل عليهم نبأ الذي اتيناه آياتنا فانسلخ منها الاية وفى رواية عن ابن عباس انها نزلت فى البسولس رجل من بنى إسرائيل وكان اعطى له ثلث دعوات مستجابات وكانت له امرأة له منها ولد فقالت اجعلنى منها دعوة واحدة فقال لك منها واحدة فما تريدين قالت ادع الله ان يجعلنى أجمل امرأة فى بنى إسرائيل فدعالها فجعلت أجمل النساء فى بنى إسرائيل فلما علمت انه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان فجاء بنوها وقالوا ليس لنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة نباحة والناس يعيروننا بها ادع الله ان يردها الى الحال التي كانت عليها فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات كلها قال البغوي والقولان الأولان اظهر قلت بل القول الثاني يرده قوله تعالى قالوا يا موسى انا لن ندخلها ابدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون قال رب انى لا املك الا نفسى وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض الاية فان ذلك الاية تدل على ان وقوعهم فى التيه لذلك القول لا لدعوة بلعام والله اعلم وقال الحسن وابن كيسان نزلت فى منافقى اهل الكتاب الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وقال قتادة هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فابى ان يقبله فذلك قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي اتيناه آياتنا قال ابن عباس والسدى يعنى الاسم الأعظم قال ابن زيد كان لا يسأل شيئا الا أعطاه وقال ابن عباس فى رواية اخرى اوتى كتابا من كتب الله فانسلخ اى خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يعنى لحقه وقيل استتبعه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ فصار من الضالين.
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ الى منازل الأبرار من العلماء بِها اى بسبب تلك الآيات وقال مجاهد لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ اى مال الى الدنيا والى السفالة كنى من الدنيا بالأرض لمناسبة الاسفلية او لان ما فيها من البلاد والعقار كلها ارض وسائر متاعها مستخرج من الأرض قال الزجاج خلد واخلد واحد وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال اخلد فلان بالمكان إذا اقام به وَاتَّبَعَ هَواهُ فى إيثار الدنيا واسترضاء قومه واعرض عن مقتضيات الآيات أسند الله سبحانه الرفع الى مشيئته والخلود الى الأرض بمعنى الاقامة على الميل الى الدنيا الى العبد اشارة الى ان هذا امر طبعى يقتضيه ذاته لاجل إمكانه وعدمه الذاتي والرفع الى الدرجات العلى امر وهبى انما يستفاد من سبحانه بفضله وقال البيضاوي علق رفعه بمشية الله ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيها على ان المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وان عدمه دليل على عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه وان السبب
стр. 1396
الحقيقي هو المشية وان ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة فى حصول المسبب من حيث ان المشية تعلقت به كذلك وكان من حقه ان يقول ولكنه اعرض عنها فاوقع موقعه اخلد الى الأرض واتبع هواه مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه وعلى ان حب الدنيا راس كل خطيئة وهذا حديث مرفوع رواه البيهقي عن الحسن مرسلا فَمَثَلُهُ اى صفته التي هى مثل فى الخسة كَمَثَلِ كصفة الْكَلْبِ فى اخس أحواله وهو إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ اى يخرج لسانه من العطش او من التعب والاعياء يعنى يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد او ترك ولم يتعرض له لضعف فواده بخلاف سائر الحيوانات فانه لا يلهث شىء منها الا إذا حرك واعيا او عطش والشرطية فى موضع الحال والمعنى لاهثا فى الحالين ذليلا دائم الذلة قال مجاهد هو مثل الذي يقرأ القران ولا يعمل به والمعنى ان هذا الكافران زجرته ووعظته لم ينزجر وان تركته لم يهتد فهو ضال ابدا ذليل مثل ذلة الكلب لاهتا ابدا نظير هذه الاية فى المعنى قوله تعالى وان تدعوهم الى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامعون ثم عم لهذا التمثيل جميع من كذب بايات الله تعالى فقال ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من اليهود حيث قرأوا نعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى التورية وبشروا الناس باقتراب مبعثه فلما جاءتهم واظهر المعجزات وقرأ القران المعجز وعرفوه كما يعرفون أبنائهم انسلخوا من آيات التورية وكفروا بمحمد صلى الله عليه واله وسلم وصاروا أذلاء كالكلب لاهثا لم ينفعهم الزواجر والمواعظ التي فى التورية فَاقْصُصِ الْقَصَصَ المذكورة على اليهود فانها نحو قصصهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ تفكرا يؤدى بهم الى الاتعاظ فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته وقيل هذا مثال الكفار مكة وذلك انهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم الى طاعة الله فلما جاء بهم نبى لا يشكون فى صدقه كذبوه فلم يهتدوا وادعوا او تركوا.
ساءَ فاعله مضمر تميزه مَثَلًا الْقَوْمُ اى مثل القوم حذف المضاف واعراب المضاف اليه إعرابه الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ معطوف على كذبوا داخل فى الصلة يعنى الذين كذبوا وظلموا أنفسهم او منقطع عما سبق والمعنى وما يظلمون الا أنفسهم فان وباله لا يتخطاها ولذلك قدم المفعول.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي أفرد حملا على لفظة من وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أورد لفظ الجمع حملا على المعنى فيه تصريح بان الهدى والضلال من الله تعالى وان هداية الله تعالى يختص ببعض دون بعض وانها مستلزمة للاهتداء وليس معنى الهدى من الله البيان كما قالت المعتزلة وفى افراد لفظ المهتدى وجمع الخاسرين تنبيه
стр. 1397
على ان المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين والاقتصاد فى الأخيار عمن هداه الله بالمهتدي تعظيم لشان الاهتداء وتنبيه على انه فى نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وانه المستلزم للفوز بالنعم الاجلة والعنوان لها عن عمر بن الخطاب انه خطب بالجابية فحمد الله واثنى عليه ثم قال من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادى له فقال له قس بين يديه كلمة بالفارسية فقال عمر لمترجم له ما يقول قال يزعم ان الله لا يضل أحدا فقال عمر كذبت يا عدو الله بل الله خلقك وهو اضلك وهو يدخلك النار ان شاء الله تعالى ولولا ان بيننا عقد لضربت عنقك فتفرق الناس وما يختلفون فى القدر.
وَلَقَدْ ذَرَأْنا اى خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعنى المصرين على الكفر فى علمه تعالى عن عائشة عنه صلى الله عليه واله وسلم ان الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب ابائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب ابائهم رواه مسلم ونحو ذلك فيما مر من حديث إخراج الذرية من صلب آدم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفى يديه كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله الا ان تخبرنا فقال للذى فى يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء اهل الجنة واسماء ابائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا ثم قال للذى فى شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء اهل النار واسماء ابائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله ان كان امر قد فرغ منه قال سددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اىّ عمل وان صاحب النار يختم له بعمل اهل النار وان عمل اىّ عمل ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد فريق فى الجنة وفريق فى السعير رواه الترمذي فان قيل كيف التوفيق بين هذه الاية وو بين قوله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون قلنا خلق الجن والانس كلهم للعبادة من حيث نفس الخلق واصل الحكمة فى خلق العالم من غير ملاحظة علم الله فيهم اختيار الكفر وخلق كثيرا من الجن والانس لجهنم نظرا الى انه تعالى علم منهم اختيار الكفر وحق القول منه لا ملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين ولا منافاة بين الحيثيتين وما قيل ان قوله تعالى ما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وان كان عاما صيغة لكن أريد به الخصوص يعنى من علم منهم الايمان والطاعة فليس بشئ وقول المعتزلة بان هذا لام العاقبة اى ليكون عاقبتهم جهنم فلما كان عاقبتهم جهنم جعل كانهم خلقوا لها قرارا عن ارادة الله المعاصي عدول عن الظاهر لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ
стр. 1398
بِها
اى ليس فيها استعداد معرفة الحق والنظر فى دلائله وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ونظر الاعتبار فى دلائله وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والموعظ سماع تأمل وتذكر أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ فى عدم الفقه والابصار للاعتبار والاستماع للتدبر وان مشاعرهم وقواهم مقصورة على الاكل والشرب والجماع واسباب التعيش بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الانعام لان للانعام تميزا بين الضار والنافع من وجه فتجتهد فى جذب المنافع ودفع المضار غاية جهدها والكفار منهم من يقدمون على النار المؤبدة معاندة مع العلم بالهلاك قال الله تعالى يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ومنهم من كابر العقول وارتكب الفضول وضيّع ما أودع الله فيه من العقل والشعور فكيف يستوى المكلف المأمور والمخلى المعذور أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ كمال الغفلة لا غيرهم بمثل تلك الغفلة هذه الجملة تدل على ان للانعام والجمادات شعورا ما بخالقهم ليسوا بغافلين كمال الغفلة ويشهد هذا قوله تعالى وان من شىء الا يسبح بحمده وقوله تعالى الم تر ان الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب قال مقاتل ان رجلا دعا الله فى صلوة ودعا الرحمن فقال بعض المشركين من اهل مكة ان محمدا صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه يزعمون انهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين فانزل الله .
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى دالة على معان هى احسن المعاني والمراد بها الألفاظ الدالة على الذات المتصفة بالصفات دون الصفات فحسب وبينهما بون بعيد فَادْعُوهُ بِها اى قسموه بتلك الأسماء فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدة من أحصاها دخل الجنة وفى رواية وهو وتر يحب الوتر ولم يذكر الشيخان تعيين الأسماء التسعة والتسعين المذكورة فى هذا الحديث لعدم ثبوته على شرطها وذكر الترمذي والبيهقي فى الدعوات الكبير تعيينها عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا اله الا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى المتين الولي الحميد المحصى المبدى المعيد المحى المميت الحي القيوم الواحد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الاول
стр. 1399
الاخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال «١» والإكرام المقسط الجامع الغنى المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور واعلم ان اسماء الله تعالى غير منحصرة فى العدد المذكور ولعل الأسماء المذكورة فى الحديث من خواصها انه من أحصاها دخل الجنة ولذلك ضبطها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى سلك واحد واعلم ان من الأسماء التي وقعت فى رواية الترمذي لم يقع سبعة وعشرون اسما منها فى القران بصيغة الاسم الصريح وهو القابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والجليل والباعث والمحصى والمبدى والمعيد والمميت والواجد والماجد والمقدم والمؤخر والوالي وذو الجلال والإكرام والمقسط والمغني والمانع والضار والنافع والباقي والرشيد والصبور وقد وقع فى القران بصيغة الاسم ما لم يقع فى رواية الترمذي وهو خير وأبقى واله وشاكر ورب العالمين وأحد ومالك يوم الدين والأعلى والأكرم وخفى واعلم بمن ضل عن سبيله واعلم بالمهتدين والقريب والنصير والقدير والمبين والخلاق والمبتلى والموسع والمليك والكافي وفاطر السموات والأرض والقائم بالقسط وغافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب ونعم المولى والغالب على امره وسريع الحساب وفالق الحب والنوى وفالق الإصباح وجاعل الليل سكنا وعلام الغيوب وعالم الغيب والشهادة وذو الطول وذو انتقام ورفيع الدرجات وذو العرش وذو المعارج وذو الفضل العظيم وذو القوة وذو المغفرة وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومتم نعمته ومتم نوره وعدو الكافرين وولى المؤمنين والقاهر فوق عباده واسرع الحاسبين ومخرج الميت من الحي ومحيى الموتى وارحم الراحمين واحكم الحاكمين وخير الرازقين وخير الماكرين وخير الفاتحين ومخزى الكافرين وموهن كيد الكافرين وفعال لما يريد والمستعان ونور السموات والأرض واهل التقوى واهل المغفرة ونعم الماهدون ورب الناس وملك الناس واله الناس واقرب من حبل الوريد والقائم على كل نفس بما كسبت وأحق ان تخشاه الذي هو اغنى واقنى والذي هو أمات واحيى والذي هو اضحك وابكى والذي خلق الزوجين الذكر والأنثى والذي أهلك عادا الاولى والذي لم يكن له ولد ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل والذي انزل على عبده الكتاب والذي بيده ملكوت كل شىء والذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر والذي يبدأ الخلق ثم يعيده والذي بيده الملك والذي بعث فى الأميين رسولا ونحو ذلك وقوله تعالى لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين فى الحديث انه الاسم الأعظم وقد ذكرنا تحقيق الاسم الأعظم
стр. 1400
فى أوائل سورة ال عمران ومنها ما وقع فى الأحاديث سوى الحديث المذكور وليس فى القران كالحنان والمنان والجواد والأجود والفرد والوتر والصادق والجميل والقديم والبار والوافي والعادل والمعطى والمغيث والطيب والطاهر والمبارك وخالق الشمس والقمر المنير ورازق الطفل الصغير وجابر العظم الكسير وكبير كل كبير والذي نفسى بيده وغير ذلك ثم اعلم ان اسماء الله تعالى غير منحصرة فيما ورد فى القران والأحاديث فقد روى انه تعالى انزل فى التورية الفا من أسمائه وقد كان من دعائه صلى الله عليه واله وسلم اللهم انى أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك وأنزلته فى كتابك او علمته أحدا من خلقك او استأثرت به فى علم الغيب عندك فلا بد من الايمان مجملا بجميع اسماء الله تعالى التي سمى الله تعالى بها نفسه.
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ قرأ حمزة هنا وفى فصلت بفتح الياء والحاء والباقون بضم الياء وكسر الحاء ومعنى الإلحاد واللحد الميل عن القصد قال يعقوب بن السكيت الإلحاد هو العدول عن الحق وإدخال ما ليس منه فيه يقال الحد فى الدين ولحد والذين يلحدون فى أسمائه هم المشركون عدلوا بأسماء الله عما هى عليه فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا فاشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان هذا قول ابن عباس ومجاهد وقيل هو تسميتهم الأصنام الهة روى عن ابن عباس معنى يلحدون فى أسمائه يكذبون وقال اهل المعاني الإلحاد فى اسماء الله تعالى تسميته تعالى بما لم يتسم ولم ينطق به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه واله وسلم والحاصل ان اسماء الله تعالى توقيفية فانه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا ويسمى رحيما ولا يسمى رقيقا وقال الله يخادعون الله وهو خادعهم وقال ومكروا ومكر الله ولا يقال يا خادع يا مكار ويقال يا قائم بالقسط ولا يقال يا قائم ولا يقال يا خالق القردة والخنازير ويا كبير من زيد وان كان زيد اكبر من ملوك الدنيا بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم ولا يجوز لنا أخذ اسم من اسماء الله تعالى التي ورد فى التورية من اليهود لعدم الاعتماد على قولهم لكفرهم لكن من اسلم من أحبارهم وحسن إسلامه فلا بأس بالأخذ منه فان عمر رضى الله عنه وابن عباس وأبا هريرة وغيرهم من الصحابة كانوا يسألون أبناء التورية من كتب الأحبار وعبد الله بن سلام من غير نكير فمعنى الاية على هذا وذروا تسمية الزائغين فيها الذين يسمونه بما لم يرد به الشرع او المعنى ذروا الملحدين يعنى لا تبالوا بانكارهم فيما سمى به نفسه كقولهم ما نعرف إلا رحمن اليمامة او المعنى ذروهم والحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات ولا توافقوهم عليه او اعرضوا عنهم فان الله مجازيهم كما قال سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال البغوي قال عطاء عن ابن عباس يريد امة محمد صلى الله عليه واله وسلم
стр. 1401
وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان وقال قتادة بلغنا ان النبي صلى الله عليه واله وسلم كان إذا قرأ هذه الاية قال هذه لكم وقد اعطى القوم بين ايديكم مثلها ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون وقال الكلبي هم من جميع الخلق وعلى كلا التقديرين ذكر الله تعالى فى هذه الاية بعد ما بيّن انه خلق للنار طائفة ظالمين ملحدين عن الحق انه خلق للجنة امة هاذين عادلين فى الأمر والاستدلال بهذه الاية على صحة اجماع كل عصر ضعيف إذ لا دلالة فيها على ان فى كل فرقة طائفة بهذه الصفة فلا مساس لهذه الاية بقوله صلى الله عليه واله وسلم لا يزال من أمتي امة قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتّى يأتي امر الله وهم على ذلك متفق عليه من حديث معاوية بن ابى سفيان والمغيرة بن شعبة.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى كفار مكة سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعنى سنقربهم الى الهلاك قليلا قليلا واصل الاستدراج الاستصعاد او الاستنزال درجة بعد درجة مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال عطاء سنمكر بهم من حيث لا يعلمون وقال الكلبي تزين لهم أعمالهم فنهلكهم وقال الضحاك كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وقال سفيان الثوري نسبغ عليهم النعمة وننسيهم الشكر.
وَأُمْلِي لَهُمْ عطف على سنستدرجهم يعنى امهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم وازين أعمالهم السوء وامهلها ليتمادوا فى المعاصي المفضية الى الهلاك إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ اى أخذي شديد وانما سماه كيدا لان ظاهره احسان وباطنه خذلان قال ابن عباس ان مكرى شديد قيل نزلت فى المستهزئين فقتلهم الله فى ليلة واحدة والله اعلم اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن قتادة قال ذكر لنا ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا يا بنى فلان يا بنى فلان يحذرهم بأس الله ووقائعه فقال قائلهم ان صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت الى الصباح فانزل الله تعالى.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا سكته ما بِصاحِبِهِمْ محمد صلى الله عليه واله وسلم مِنْ جِنَّةٍ اى جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ موضح إنذاره بصوره جلى بحيث لا يخفى على أحد.
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعنى ما يقع عليه اسم الشيء من الأجناس التي لا يحصى الدلالة على كمال قدرة صانعها ووحدته ليظهر لهم صحة ما يدعوهم اليه وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ عطف على ملكوت وان مصدرية او خفيفة عن الثقيلة واسمه ضمير الشان وكذا اسم يكون والمعنى او لم ينظروا فى اقتراب اجالهم وتوقع حلولها حتّى يسارعوا الى طلب الحق والتوجه الى ما ينجيهم قبل حلول اجالهم والاستفهام فى او لم يتفكروا واو لم ينظروا للانكار والتعجب والواو للعطف على محذوف تقديره الم يؤمنوا بالقران والنبي ورموه بالجنون ولم يتفكروا ولم ينظروا
стр. 1402
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ اى بعد القران العربي المعجز المشحون من العلم والحكمة على لسان رجل منهم أمي غير متهم قط بالكذب يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا بالقران يعنى لعل اجالهم قريبة فما بالهم لا يتبادرون الايمان بالقران وما يطلبون أوضح دليل منه فاذا لم يؤمنوا به فباى حديث أحق منه يريدون ان يؤمنوا به ثم ذكر علة اعراضهم فقال.
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ قرأ ابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الله والباقون بالنون على التكلم وقرأ حمزة والكسائي يذرهم بالجزم عطفا على محل فلا هادى له كانه قال فلا يهده أحد غيره ويذرهم والباقون بالرفع على الاستيناف فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يترددون متحيرين يعمهون حال من الضمير المنصوب فى يذرهم اخرج ابن جرير عن قتادة وغيره انه قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان بيننا وبينك قرابة فاشر إلينا متى الساعة واخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال قال حمل بن ابى قشير وسمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم متى الساعة ان كنت نبيا كما تقول فانا نعلم ما هى فانزل الله تعالى.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ اى القيامة وهى من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها اما لوقوعها بغتة او لسرعة حسابها او لانها على طولها عند الله كساعة أَيَّانَ متى مُرْساها مصدر ميمى يعنى ارسائها اى إثباتها واستقرارها ورسوا لشئ ثباته واستقراره ومنه رسا الجبل وارسى السفينة قال ابن عباس معناه منتهاها وقال قتادة قيامها قُلْ يا محمد إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي استأثر بعلمها لا يعلمها الا هو لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا لا يُجَلِّيها اى لا يظهر أمرها ولا يكشف خفائها لِوَقْتِها اى فى وقتها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى ثقل علمها وخفى أمرها بأعلى اهل السموات والأرض وكل خفى ثقيل او يقال كل من اهل السموات والأرض من الملئكة وغيرهم أهمه شان الساعة ويتمنى ان يتجل له علمها وشق عليه خفائها او ثقلت فيها لانهم يخافون شدائدها وأهوالها وقال الحسن معناه إذا جاءت ثقلت على أهلها من الملئكة والثقلين وعظمت كانه اشارة الى الحكمة فى اخفائها لا تَأْتِيكُمْ الساعة إِلَّا بَغْتَةً فجاءة على غفلة فى الصحيحين عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمها ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته الى فيه فلا يطعمها واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمر قال لينفخن فى الصور والناس فى طرقهم وأسواقهم
стр. 1403
ومجالسهم حتى ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتّى ينفخ فى الصور فيصعق به قال وهى التي قال الله تعالى ما ينظرون الا صيحة واحدة قال تقوم الساعة والناس فى أسواقهم يتبايعون ويذرعون الثياب ويحلبون اللقاح وفى حوائجهم فلا يستطيعون توصية ولا الى أهلهم يرجعون واخرج عبد الله بن احمد فى رواية الزهد عن زيد بن العوام قال ان الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب والرجل يحلب الناقة ثم قرأ فلا يستطيعون توصية الاية واخرج الطبراني بسند جيد عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترتفع فى السماء تنتشر حتى تملأ السماء ثم ينادى مناديا ايها الناس اتى امر الله فلا تستعجلوه قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والذي نفسى بيده ان الرجلان ينشران الثوب فلا يطويانه وان الرجل ليمدد حوضه «١» فلا يسقى منه شيئا والرجل يحلب ناقته فلا يشربه يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فعيل من حفى الشيء إذا سال عنه وبالغ فى السؤال والمعنى كانك عالم بها فانه من بالغ فى السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه فيه ولذلك عدى بعن وقيل عنها متعلق يسئلونك تقديره يسألونك عنها كانك حفى اى عالم وقيل هو من الحفاوة بمعنى الشفقة فان قريشا قالوا ان بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة والمعنى يسألونك عنها كانك شفيق بقريش تخصهم بالاطلاع عليها لاجل قرابتك بهم قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ كرره لتكرير يسألونك لمانيط به قوله كانك حفى وللمبالغة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ان علمها مما استاثره الله ولم يوته أحدا من خلقه.
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا اى جلب منفعة ولا دفع مضرة دينية ولا دنيوية وهو اظهار للعبودية والتبري عن دعوى العلم بالغيب إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من ذلك فيعلمنى به وحيا جليا او خفيا ويعطنى قدرة على جلب النفع او دفع الضرر وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعنى لاستكثرت من جلب المنافع ودفع المضار حتّى لا يمسنى سوء ولم أكن مغلوبا فى الحروب تارة وغالبا اخرى وقيل معناه لو كنت اعلم الغيب يعنى متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح وما مسنى السوء يعنى اجتنب عما يكون من الشر والفتنة وقيل معناه لو كنت اعلم الغيب اى متى الساعة لاخبرتكم حتّى تؤمنوا وما مسّنى السوء بتكذيبكم وقيل ما مسنى السوء كلام مبتدأ رد لقولهم انك مجنون يعنى ما مسنى جنون إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ للكافرين وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدقون وجاز ان يكون لقوم يؤمنون متعلقا
стр. 1404
لبشير ونذير كليهما على سبيل تنازع الفعلين فان النذارة والبشارة انما ينفعان فيهم.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم ﵇ وَجَعَلَ مِنْها اى من جسدها من ضلع من أضلاعها زَوْجَها حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها اى ليانس بها ويطمئن إليها ذكر للضمير ذهابا الى المعنى ليناسب قوله فَلَمَّا تَغَشَّاها اى جامعها حَمَلَتْ حواء حَمْلًا خَفِيفاً خف عليها ولم تلق منه ما تلقى الحوامل غالبا من الأذى او محمولا خفيفا وهو النطفة فَمَرَّتْ بِهِ اى فمضت به الى وقت ميلاده من غير إخراج ولا ازلاق او فاستمرت به وقامت وقعدت ولم يثقلها فَلَمَّا أَثْقَلَتْ اى صارت ذات ثقل إذ اكبر الولد فى بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما اى دعا آدم وحواء لَئِنْ آتَيْتَنا يا ربنا صالِحاً سويّا قد صلح بدنه مثلنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك على هذه النعمة المجددة قال البغوي قال المفسرون لما حملت حواء أتاها إبليس فى صورة رجل وقال لها ما الذي فى بطنك قالت ما أدرى قال أخاف ان يكون بهيمة او كلبا او خنزيرا وما يدريك من اين يخرج من دبرك فيقتلك او من فيك او ينشق بطنك فخافت حواء من ذلك وذكرت ذلك لادم ﵇ فلم يزالا فى هم من ذلك ثم عاد إليها فقال انى من الله بمنزلة فان دعوت الله ان يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه أتسميه عبد الحارث وكان اسم إبليس فى الملئكة الحارث فذكرت لادم ﵇ فقال لعله صاحبنا الذي قد علمت فعاودها إبليس فلم يزل بهما إبليس حتى غرهما فلما ولدت سمياه عبد الحارث قال الكلبي قال لها ان دعوت الله فولدت إنسانا أتسميه بي قالت نعم فلما ولدت قال سميه بي قالت وما اسمك قال الحارث ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث وروى عن ابن عباس قال كانت حواء تلد وآدم يسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فسمياه عبد الحارث فعاش واخرج احمد والترمذي وحسنه وقال غريب والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فانه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وامره قال البغوي جاء فى الحديث انه خدمهما إبليس مرتين مرة فى الجنة ومرة فى الأرض وقال ابن زيد ولد لادم فسماه عبد الله فاتها إبليس فقال ما سميتهما ابنكما قالا عبد الله وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله فمات فقال إبليس أتظنان ان الله تارك عبده عندكما والله ليذهبن به كما ذهب بالاخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد الشمس قال البغوي والاول أصح.
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً بشرا سويا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
стр. 1405
فِيما آتاهُما
قرأ ابو بكر شركاء بكسر الشين والتنوين اى شركة قال ابو عبيدة يعنى حظا ونصيبا وقرأ الآخرون بضم الشين وفتح الراء والمد والهمز جمع شريك قال البغوي اخبر عن الواحد بلفظ الجمع اى جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث وقال لم يكن هذا اشراكا فى العبادة ولا فى اعتقاد ان الحارث ربهما فان آدم كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد ان الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة امه وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به انه مملوك كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به انه معبود وهذا كالرجل إذا نزل به ضيف يسمى نفسه عبد الضيف على وجه الخضوع لا على ان الضيف ربه ويقول للغير انا عبدك وقال يوسف لعزيز مصر انه ربى احسن مثواى ولم يرد به انه معبوده كذلك هذا وقال الحسن وعكرمة معنى قوله تعالى جعلا له شركاء انه جعل أولادهما يعنى كفار مكة وغيرهم له تعالى شركاء فيما اتى أولادهما على حذف المضاف فى الموضعين واقامة المضاف اليه مقامه نظيره قوله تعالى ثم اتخذتم العجل وإذ قتلتم نفسا خطابا للذين كانوا فى عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم من اليهود وكان ذلك من فعل ابائهم والمعنى ثم اتخذ آباؤكم العجل وإذ قتل اسلافكم نفسا ويؤيد هذا القول إيراد شركاء بصيغة الجمع وقوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعنى الأصنام وكذا ما بعدها من الآيات وقال البغوي قيل هذا ابتداء كلام وأراد به اشراك اهل مكة ولئن أراد ما سبق فمستقيم من حيث انه كان الاولى بهما ان لا يفعلا ما فعلا من الإشراك فى الاسم وقال السيوطي هذا معطوف على خلقكم وما بينهما اعتراض وقال البغوي وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم وقال ابن كيسان هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد المناف وعبد الشمس وقال عكرمة خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم من نفس واحدة اى من أبيه وجعل منها اى من جنسها زوجها قال البغوي وهذا قول الحسن والاول قول السلف ابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة من المفسرين انه آدم وحواء قلت ذكر الله سبحانه من آدم قصة أكل الشجرة بعد ما نهى عنه واشنع عليه فى القران فى عدة مواضع حيث قال وعصى آدم ربه فغوى وذكر انه ندم على ذلك كثيرا حيث قال ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين فتاب الله سبحانه عليه وقال ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ومع ذلك ندم آدم على تلك الزلة ابدا حتّى انه ورد فى الصحيحين فى حديث طويل عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال يحبس المؤمنون يوم القيامة حتّى يهموا بذلك فيقولون لو استشفعنا الى ربنا فيريحنا