شىء فى الديوان ولا أخذ من الفيء وهو أعم من ذلك وذلك يضعّف الدلالة بالنسبة الى ما لا يدخله التأويل وحديث زياد بن الحارث الصدائ قال أتيت النبي ﷺ فبايعته فذكر حديثا طويلا وفيه فاتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ ان الله تعالى لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات حتى حكم فيها فجزاها ثمانية اجزاء فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك رواه ابو داود قلت الحديث ضعيف لانه من رواية عبد الله بن عمر بن غانم الافريقى قال الذهبي مجهول الحال واتهمه ابن حبان وشيخه عبد الرحمن بن زياد ضعفه ابن معين والنسائي وقال الدار قطنى ليس بالقوى دوهاه احمد بن حنبل وإذا كان المصرف الفقراء والأصناف الباقية انواع منه فعلى هذا لا شبهة فى جواز دفع جميع مال الزكوة الى صنف واحد منها او الى شخص واحد وكذا لو فرضناها أصنافا مغايرة للفقراء وقال الشافعي لا يجوز صرفها الى بعضهم مع وجود ساير الأصناف فعنده يجب استيعاب الأصناف ان
قسم الامام وهناك عامل والا فالقسمة على سبعة سوى العامل وذكر البغوي انه يقسم على ستة اصناف لاجل سقوط سهم المؤلفة فان فقد بعضهم فعلى الموجودين ويجب التسوية بين الأصناف فى حصة كل صنف فاذا قسم الامام استوعب من الزكوة الحاصلة عنده احاد كل صنف وكذا يستوعب المالك ان انحصر المستحقون فى البلد ووفى بهم المال والا فيجب إعطاء ثلثة ان وجد منهم ثلثا او اكثر فان لم يجد من بعض الأصناف الا واحد اصرف حصة ذلك الصنف اليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق فاذا انتهت حاجته وفضل شىء رده الى الباقين ويجب التسوية بين الأصناف لا بين احاد الصنف الا ان يقسم الامام فيحرم عليه التفصيل مع تساوى الحاجات قال الشافعي فى الام اللام فى قوله تعالى للفقراء للاستحقاق فقد ذكر الله سبحانه الاستحقاق لثمانية اصناف فوجب إعطاء كل صنف وذكر كل صنف بلفظ الجمع المحلى بلام الاستغراق فيجب استيعاب افراد كل صنف ان أمكن ذلك بان كان افراد كل صنف منحصرة فى البلد وكان المال يفى بهم وان لم يمكن الاستيعاب يصرف الى ثلثة لبقاء الجمعية على حالها قلنا لام التعريف فى الآية ليست للاستغراق للاجماع على انه لا يجب صرف كل صدقة على فقراء العالم وتخصيص الاستغراق بفقراء بلده امر اختراعى وايضا إذا
стр. 1647
لم يمكن حصر فقراء البلد ولا يجب صرف الزكوة الى جماعة اكثر من الثلاثة اجماعا ولو كان اللام للاستغراق لوجب استيعاب الكل او استيعاب ما أمكن منهم مثلا لو كان مائة درهم حصة كل صنف ولا يمكن حصر فقراء البلد فلا بد ان يجب الصرف الى مائة فقير مثلا لا الاقتصار على ثلثة فظهر ان اللام للجنش ولام الجنس ينافى الجمعية فالمعنى يستحقها جنس الفقير اى فرد كان ولو سلمنا ان الجمعية باق فمقابلة الجمع بالجمع يقتضى انقسام الآحاد على الآحاد وايضا كون لام الجر للاستحقاق ممنوع بل حقيقة اللام للاختصاص والاختصاص أعم من الملك والاستحقاق وكونهم مصر فادون غيرهم ويدل على ما ذهبنا اليه الأحاديث والآثار منها ما رواه البيهقي والطبراني عن ابن عباس وابن ابى شيبة عن عمر فى اى صنف وضعته أجزأك وروى الطبراني عن عمر انه كان يأخذ الفرض من الصدقة فيجعله فى صنف واحد قال ابو عبيدة فى كتاب الأموال ومما يدل على صحة ذلك ان النبي ﷺ أتاه بعد ذلك مال فجعله فى صنف واحد وهم المؤلفة قلوبهم اقرع بن حابس وعيينة بن حصين وعلقمة بن علاثه وزيد بن الجبل قسم فيهم الذهيبة التي بعثها معاذ من اليمن وانما يوخذ من اهل اليمن الصدقة ثم أتاه مال آخر فجعله فى صنف آخروهم الغارمون فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة يا قبيصة أقم حتى يأتينا الصدقة فنامر لك بها قال ابن همام ولم يرو عن غيرهم ما يخالفهم قولا ولا فعلا قال البيضاوي وعن عمرو حذيفة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم جواز صرفها الى صنف واحد وبه قال الائمة الثلاثة واختاره بعض أصحابنا يعنى الشافعية وبه كان يفتى شيخى ووالدي ﵀ على ان الآية بيان ان الصدقة لا يخرج منهم لا إيجاب قسمتها عليهم- (مسئلة) لا يجوز دفع الزكوة الى غنى ليس من الأصناف المذكورة اجماعا واما الغنى من الأصناف المذكورة فقد مر الخلاف فيه واختلفوا فى حد الغنى الذي لا يجوز له أخذ الزكوة فقال ابو حنيفة هو الذي يملك نصابا من اى مال كان وقال بعض العلماء من وجد ما يغد به ويغشيه لا يحل له الزكوة لقوله ﷺ من سال وعنده ما يغنيه فانما يستكثر من النار وفى رواية من نار جهنم فقالوا يا رسول الله وما يغنيه وفى رواية وما الغناء الذي
стр. 1648
لا ينبغى معه المسألة قال قدر ما يغديه ويعشيه رواه ابو داود من حديث سهيل بن حنظله وصححه ابن حبان وقال بعضهم من ملك أربعين درهما لا يحل له الزكوة لحديث ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ من سال وله قيمة اوقية فقد الحف فقلت ناقتى الياقوتة هى خير من اوقية فرجعت فلم اساله زاد هشام وكانت الاوقية على عهد رسول الله ﷺ أربعين درهما رواه ابو
داود والنسائي وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ من سال وله أربعون درهما فهو الملحف وقال بعضهم من ملك خمسين درهما لم يحل له الصدقة وهى رواية عن احمد وبه قال إسحاق وابو ثور لحديث ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من سال وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وخموش «١» او خدوش او كدوح فى وجهه فقيل يا رسول الله ما الغنى قال خمسون درهما او قيمتها من الذهب رواه ابو داود والنسائي وغيرهما والحديث ضعيف والجواب ان ما ذكرتم من الأحاديث يدل على حرمة السؤال لمن يجد ما يغديه ويعشيه او أربعين درهما او خمسين لا عدم جواز أخذ الزكوة بغير سوال ونحن نقول بان من يجد ما يكفيه فى وقته لا يحل له السؤال لكن لو أعطاه أحد صدقة بلا سوال جاز له أخذها لما فى الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال كان رسول الله ﷺ يعطينى العطاء فاقول أعطه من هو أفقر منى فقال خذه إذا جاءك من هذا المال شىء وأنت غير مشرف «٢» ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك فان هذا الحديث يدل على ان عمر كان يجد ما يغديه وما يعشيه والا لكان هو أفقر الناس وقد امره رسول الله ﷺ بأخذ الصدقة من غير سوال وقال مالك والشافعي واحمد الاعتبار فى حرمة الزكوة بالكفاية فله ان يأخذ مع عدمها وإن كان له قنطار وليس له ان يأخذها مع وجودها وان قل ماله فيكون الرجل غنيا بدرهم مع الكسب وقد لا يغنيه الف مع ضعفه وكثرة عياله وذكر البغوي مذهب مالك والشافعي ان يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة لحديث فبيصة بن مخارق عن رسول
стр. 1649
الله ﷺ انه قال المسألة لا يحل الا لثلثة رجل تحمل حمالة قوم فسأل فيها حتى يوديها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة «١» اجتاحت ماله فسأل فيها حتى يصيب قواما من عيش ثم يمسك ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلثة من ذى الحجى من قومه لقد أصابت فلان فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم وحديث حسين بن على بن ابى طالب ﵉ قال قال رسول الله ﷺ للسائل حق وان جاء على الفرس رواه احمد وابو داود وغيرهما وجه الاحتجاج ان الحديث الاول يدل على ان اباحة السؤال ينتهى بان يصيب قواما من عيش وهو الكفاية فمن كان له نكاية ولو لم يكن له أربعون درهما لا يحل له الصدقة والحديث الثاني يدل على ان السائل وان كان على فرس فله حق ولا شك ان ذلك مع الحاجة فظهر ان من كان له حاجة وكان له ما كان الف درهم مثلا جاز الا عطاء له والجواب ان هذين الحديثين لا مساس لهما بالمدعى لان الحديث الاول فى اباحة السؤال وحرمته وحاصلة ان السؤال بلا حاجة حرام ومع الحاجة جايز فمن أصابته فاقة يسأل حتى يصيب قواما من عيش قلت وذا بكفاية يوم وليلة كما فى حديث سهيل بن حنظلة فاذا أصاب قواما من عيش لا يحل له المسألة ويحل له الصدقة ان اعطى بلا سوال لعموم قوله تعالى الصدقات للفقراء واما الحديث الثاني ففى بيان حق السائل وقوله ولو جاء على الفرس محمول على المبالغة وايضا الفرس قد يكون من حوائجه الاصلية إذا كان الرجل غازيا وقد يكون صاحب الفرس مديونا وقد لا يبلغه فرسه نصابا وبمثل هذه الدلالة مع ما ذكرنا من الاحتمالات لا يمكن ان يقال لجواز الإعطاء من الزكوة الغنى مع النصوص القاطعة على منعه وقال ابو حنيفة الغنى من لا يكون له نصابا فاضلا عن حوائجه الاصلية لحديث معاذ تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم فانه يدل على ان من يردّ عليه غير من يوخذ منه فثبت انه من يجب عليه الزكوة لا يجوز الدفع اليه غير انه لا فرق فى المال النامي وغير النامي فى المنع عن دفع الزكوة اليه لما ثبت فى حديث ابى سعيد وغيره ان الاوقية وما يكون على قيمته حكمهما سواء وانما الفرق بينهما فى وجوب الزكوة لقوله ﵇
стр. 1650
ليس فى العوامل ولا فى الحوامل ولا فى العلوفة صدقة فظهر ان الله سبحانه جعل القدرة الميسرة شرط الوجوب الزكوة وانما شرطنا فى المنع من إعطاء الزكوة اليه كون النصاب فارغا عن حوائجه الاصلية لان النصاب المشغول بالحاجة كالمعدوم نظيره جواز التيمم مع وجود الماء المعد للعطش فجاز للمديون المالك للنصاب أخذ الزكوة إذا لم يكن نصابه فاضلا عن دينه وكذا الغازي وابن السبيل وفرس يركبه يبلغ نصابا او عالم له كتب يحتاج إليها فى المطالعة والتدريس او رجل له بيت يبلغ نصابا يسكنه وهذا محمل قوله ﷺ لا يحل الصدقة لغنى الا لخمسة الغازي فى سبيل الله والغارم وابن السبيل والله اعلم- (مسئلة) الفقير إذا كان قادرا على الكفاية بالكسب يجوز دفع الزكوة اليه لعموم قوله تعالى انما الصدقات للفقراء وقال الشافعي واحمد لا يجوز لحديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى رواه احمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ورواه ابو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص بسند حسن ورواه الدار قطنى فى العلل وابو يعلى عن طلحة وحديث جابر قال جاءت رسول الله ﷺ صدقة فركبه الناس فقال ايها الناس لا يصلح لغنى ولا لصحيح سوى ولا نعامل قوى رواه احمد والدار قطنى وحديث عبيد الله بن عدى ان رجلين أخبراه انهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر ورأهما جلدين فقال ان شئتما اعطيتكما ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب رواه احمد وابو داود ونسائى وقال صاحب التنقيح حديث صحيح وقال احمد ما أجوده من حديث هو أحسنها اسنادا وفى الباب عن ابن عمر فى كامل ابن عدى وعن حبشى بن جنادة فى سنن الترمذي ورواه احمد من طريق ابى زميل عن رجل من بنى هلال به وعن عبد الرحمن فى الطبراني قلنا قوله ﷺ ان شئتما اعطيتكما ولا حظ فيها لغنى صريح فى انه يجوز دفع الزكوة الى فقير قوى والا لم يقل ان شيئتما اعطيتكما ولنا ايضا حديث عمر بن الخطاب قال كان رسول الله ﷺ يعطينى العطاء فاقول أعطه من هو أفقر اليه منى قال خذه إذا جاءك من هذا المال شىء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه
стр. 1651
نفسك متفق عليه من حديث سالم عن ابن عمر عنه وفى رواية لمسلم خذه فتموله وتصدق به قال سالم فمن ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه فان قيل ان عطية النبي ﷺ لعمر كان بسبب العمالة لا لاجل الفقر ولذا قال النبي ﷺ خذه فتموله وتصدق به لما روى مسلم عن ابى حميد الساعدي انه قال استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها اليه أمرني بعمالة فقلت انما عملت لله اجرى على الله فقال خذ ما أعطيت فانى عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملنى فقلت مثل قولك فقال لى رسول الله ﷺ إذا أعطيت شيئا من غير ان تسأل فكل وتصدق قلت العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص الحادثة واللفظ عام إذا جاءك من هذا المال شىء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومن تتبع الأحاديث ظهر له صراحة او دلالة ان النبي ﷺ اعطى من سأل الصدقة وهو صحيح سوى روى مسلم من حديث انس قال كنت امشى مع رسول الله ﷺ وعليه رداء نجرانى غليظ الحاشية فادركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت الى صفحة عنق رسول الله ﷺ قد اثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لى من مال الله الذي عندك فالتفت رسول الله ﷺ فضحك ثم امر له بعطاء قال الحافظ ابن حجر واكثر أحاديث الباب شاهدة لذلك وقلت وما ذكرنا من الأحاديث جملتها تدل على ان دفع الصدقة الى فقير قوى يجوز سواء سأل الفقير او لا
يجوز له ان لم يكن بسوال لكن يكره له السؤال والاخذ بالسؤال فنفى حل الصدقة فى قوله ﷺ لا يحل الصدقة لذى مرة سوى يرجع الى نفى حل السؤال ونفى حل الصدقة التي تعطى بالسؤال والظاهر ان الأحاديث التي ينفى الحل وردت فى حادثة السؤال والله اعلم- (مسئلة) لم يكن الصدقة حلالا للنبى ﷺ لا واجبة ولا نافلة عند اكثر الأئمة وحكى عن الشافعي فى التطوع قولان وكذا فى رواية احمد والحجة للجمهور حديث انس قال مر النبي ﷺ بتمرة فى الطريق فقال لولا انى أخاف ان يكون من الصدقة لاكلتها متفق عليه وحديث ابى هريرة ان رسول الله ﷺ إذا اتى به بطعام
стр. 1652
سأل عنه أهدية أم صدقة فان قيل صدقة قال لاصحابه كلوا ولم يأكل وان قيل هدية ضرب بيده فاكله معهم متفق عليه وروى الطحاوي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده نحوه وكذا لآل محمد ﷺ لم يكن الصدقة حلال لحديث ابى هريرة قال أخذ الحسن بن على تمرة من تمر الصدقة فجعلها فى فيه فقال النبي ﷺ كخ كخ ليطرحها ثم قال اما شعرت انا لا ناكل الصدقة متفق عليه- (مسئلة) اختلفوا فى تحريم الصدقة على أقارب النبي ﷺ بعد وفاته ﷺ على اربعة اقوال الاول الجواز مطلقا فريضة كانت او نافلة وهى رواية عن ابى حنيفة ورواية عن مالك وهذا قول لا يصاعده دليل شرعى غير انهم يقولون ان رسول الله ﷺ جعل خمس الخمس من الغنيمة لاقاربه عوضا عن الصدقة فلما سقط خمس الخمس بعد وفات رسول الله ﷺ سقط حرمة الصدقة الثاني المنع مطلقا فريضة كانت او نافلة وبه قال ابو يوسف ومحمد واختاره الطحاوي وابن همام لعموم قوله ﷺ انا آل محمد لا ناكل الصدقة وفى رواية لا يحل لنا الصدقة رواه مسلم والطبراني والطحاوي من حديث عبد الرحمن بن ابى ليلى ومن حديث رشد بن مالك وكذا عند احمد والطحاوي فى قصة الحسن بن على من حديث الحسن نفسه الثالث جواز الفريضة دون النافلة ولم يذهب اليه غير مالك يقول ان الواجب حق لازم لا يلحق بأخذه ذلة بخلاف التطوع وهذا القول مردود بما ذكرنا من الأحاديث الرابع جواز النافلة دون الفريضة وهو المشهور من مذهب ابى حنيفة والمصحح عند الشافعي والحنابلة ورواية عن مالك فعن مالك اربعة اقوال كلها مشهور وجه هذا لقول ان الأحاديث المذكورة محمولة على الصدقة المفروضة وكذا حديث المطلب بن ربيعة بن الحارث قال اجتمع ربيعة والعباس بن عبد المطلب فقالا لو بعثنا هذين الغلامين لى وللفضل بن عباس الى رسول الله ﷺ يأمرهما على هذه الصدقة فاصابا مما يصيب الناس فقال على لا ترسلوهما فانطلقنا حتى دخلنا على رسول الله ﷺ وهو يومئذ عند زينب بنت حجش فقلنا يا رسول الله قد بلغنا النكاح وأنت ابر الناس وأوصل الناس جئناك لتامرنا
стр. 1653
على هذه الصدقة فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون قال فسكت طويلا ثم قال ان الصدقة لا ينبغي لال محمد انما هى أوساخ الناس ادعو الى محمية بن جزء رجلا من بنى اسد كان رسول الله ﷺ يستعمله على الأخماس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فقال لمحمية انكح هذا الغلام ابنتك للفضل «١» ابن العباس فانكحه وقال لنوفل بن الحارث انكح هذا الغلام ابنتك فانكحنى فقال لمحمية اصدق عنهما من الخمس كذا وكذا رواه مسلم وهذا الحديث يدل على انه لا يحل الصدقة للهاشمى وإن كان عاملا على الصدقات على طريق العمالة ايضا فكيف إذا لم يكن عاملا لكن الحديث فى الصدقة المفروضة لانها هى التي كان رسول الله ﷺ يبعث الناس لاخذها والدليل على جواز الصدقة ما رواه الطحاوي من حديث ابن عباس قال قدمت عير المدينة فاشترى منه النبي ﷺ متاعا فباعه بربح أواق فضة فتصدق بها على أرامل بنى عبد المطلب ثم قال لا أعود ان اشترى بعدها شيئا وليس ثمنه عندى وما رواه
الشافعي عن ابراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵈ انه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقال أتشرب من الصدقة قال انما حرم علينا الصدقة المفروضة والقول بان حكم صدقات الأوقاف خلاف حكم سائر الصدقات امر لا دليل عليه وايضا لو كان كذلك لقال الامام حكم صدقات الأوقاف خلاف حكم سائر الصدقات ولم يقل كذلك بل قال انما حرم علينا الصدقة المفروضة وما روى البخاري وغيره قوله ﷺ لا تورث ما تركناه صدقة وقد كان رسول الله ﷺ يعطى اهل بيته فى حياته نفقة سنتهم وما بقي يجعله مجعل مال الله وكذلك كان ابو بكر وعمرو على وعباس بعد وفات رسول الله ﷺ يعملون بما عمل رسول الله ﷺ وظهر انه ليس كل صدقة على بنى هاشم حراما- (مسئلة) لا يجوز للهاشمى ان يأخذ الزكوة من الهاشمي عند اكثر الائمة وقال ابو يوسف جاز ذلك لان الصدقة انما حرم عليهم لانها من أوساخ الناس والمراد بالناس غيرهم فلا بأس لو أكلوا صدقات أنفسهم قلنا شرفهم يقتضى حرمة أوساخ الناس عليهم كلهم هاشميا كان او غيرهم مسئلة الذين يحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم خمسة بطون ال على وعباس
стр. 1654
وجعفر وعقيل والحارث بن عبد المطلب عند ابى حنيفة ومالك وقال الشافعي بنو المطلب ايضا معهم حيث اشركهم النبي ﷺ فى سهم ذوى القربى من الخمس كما ذكرنا من حديث جبير بن مطعم فى مسائل الخمس- (مسئلة) ويحرم الزكوة على مواليهم عند ابى حنيفة ومحمد وهو الأصح من مذهب الشافعي ومالك وقال بعضهم لا يحرم على مواليهم وقال ابو يوسف لا يصرف غير بنى هاشم الى مواليهم لنا حديث ابى رافع ان النبي ﷺ بعث رجلا من بنى مخزوم على الصدقة فقال لابى رافع الا تصحبنى فتصيب منها قال فقلت حتى اذكر ذلك لرسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال انا آل محمد لا يحل لنا الصدقة وان مولى القوم منهم رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم ورواه الطبراني من حديث ابن عباس واسم الى رافع أرقم بن ابى الأرقم والله اعلم- (مسئلة) يكره نقل الصدقة من بلد الى بلد آخر لقوله ﷺ لمعاذ توخذ من أغنيائهم وترد على فقرأهم وحكى عن عمر بن عبد العزيز انه رد صدقة حملت من خراسان الى الشام الى مكانها من خراسان قوله تعالى فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد لما دل عليه الآية اى فرض لهم الصدقات فريضة او حال من الضمير المستكن فى الفقراء وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمصلحة حَكِيمٌ (٦٠) فى القسمة يضع الأشياء فى مواضعها والله اعلم- اخرج ابن ابى شيبة وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن مجاهد واخرج ابن ابى حاتم عن السدى قال اجتمع ناس من المنافقين فيهم خلاس بن سويد بن الصامت ومخشى بن حمير ووديعة بن ثابت فارادوا ان يقعوا فى النبي ﷺ فنهى بعضهم بعضا وقالوا انا نخاف ان يبلغ محمدا فيقع لكم فقال بعضهم انما محمد اذن نحلف فيصدقنا قال الخلاس بل نقول ما شئنا ثم ناتيه وننكو ما قلنا وتحلف فيصدقنا بما نقول فانما محمد اذن فانزل الله تعالى.
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ اى يغتابونه ويتقولون حديثه ويقولون فيه ما لا ينبغى وَيَقُولُونَ إذا نهوا عن ذلك لئلا يبلغه ﷺ هُوَ يعنى النبي ﷺ أُذُنٌ اى يسمع كل ما يقال له ويصدقه سمى بالجارحة
стр. 1655
للمبالغة كانه من فرط استماعه صار جملته فمعز الدولة للسماع كما يسمى الجاسوس عينا او تقديره ذو اذن سامعة او يقال اذن مشتق فعل من اذن اذنا إذا استمع واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه قال كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله ﷺ فيجلس اليه يسمع وينقل حديثه الى المنافقين فانزل الله هذه الآية وقال محمد بن إسحاق كان نبتل رجلا ادلم ثائر «١» الراس احمر العينين اسفع الخدين مشوه الخلق وقد قال النبي ﷺ من أحب ان ينظر الى الشيطان فينظر الى هذا وكان يتم حديث رسول الله ﷺ الى المنافقين فقيل له لا تفعل فقال انما محمد اذن فمن حدثه شيئا صدقه فنقول ما شئنا ثم ناتية ونحلف له فيصدقنا فانزل الله تعالى هذه الاية وقال الله تعالى فى جوابهم قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ قرأ العامة بالاضافة وهو كقولك رجل صدق يريد الجودة والصلاح كانه قيل نعم هو اذن ولكن نعم الاذن هو او المعنى انه مستمع خير لكم وصلاح لا مستمع شر وفساد فيسمع عذر من اعتذر ولا يسمع الغيبة والنميمة ونحو ذلك قال رسول الله ﷺ المؤمن عز كريم والفاجر خبث ليئم رواه ابو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابى هريرة ويجوز ان يريد هو اذن فى الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن فى غير ذلك وقرأ الأعمش والبرجمي عن ابى بكر اذن خير مرفوعين مئوفين على ان خير صفة اذن او خبر ثان يعنى ان يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من ان يكذب قولكم ثم مدحه بقوله يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ اى يصدق لِلْمُؤْمِنِينَ اى لن يظهر الايمان بناء على حسن الظن او المعنى يصدق المؤمنين المخلصين دون المنافقين لكن يقبل اعذارهم إعراضا عنهم عدى فعل الايمان بالباء الى الله لانه قصد ضد الكفر وباللام الى المؤمنين لانه قصد به التصديق لهم ضد تكذيبهم وَرَحْمَةٌ قرأ حمزة بالجر عطفا على خير يعنى اذن خير ورحمة والباقون بالرفع عطفا على اذن لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يعنى لمن اظهر الايمان حيث يقبله ولا يكشف سره وفيه تنبيه على انه ليس يقبل قولكم
стр. 1656
جهلا يحالكم بل ترفقا وترحما عليكم او المعنى رحمة للذين أمنوا منكم مخلصين حيث استنقذهم من الكفر الى الايمان ويشفع لهم فى الآخرة ويستنقذ من النار الى الجنة.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) لا يفيد لهم تسليم رسول الله ﷺ قولهم واعتذارهم قال مقاتل والكلبي نزلت فى رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله ﷺ أتوه يعتذرون ويحلفون فانزل الله تعالى.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ على معاذيرهم فيما قالوا وتخلفوا لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ عنهم والخطاب للمومنين وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ بالطاعة والإخلاص والضمير راجع الى الله تعالى لان إرضاء الله تعالى لا يتحقق بالايمان الكاذبة بل بالطاعة والإخلاص فالتقدير والله أحق ان يرضوه والرسول كذلك وقيل الضمير راجع الى كل منهما وانما وحد الضمير لانه لا تفاوت بين رضاء الله ورضاء رسوله فكانهما فى حكم شىء واحد وقيل الضمير راجع الى الرسول ﷺ لان الكلام فى إيذاء الرسول وارضائه إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٢٢) صدقا شرط حذف جزائه لما يدل عليه السياق يعنى إن كانوا مومنين صدقا فليرضوا الله ورسوله بالطاعة والإخلاص لكنهم لم يرضوا الله ورسوله ولم يخلصوا ايمانهم.
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ الضمير للشان مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى يخالف الله ورسوله بالمعصية والتخلف عن الغز وبعد الاستنفار مفاعلة من الحد بمعنى الجانب فان المخالف لاحد يكون فى جانب مغاير لجانبه فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها «١» على حذف الخبر اى الحق ان له نار جهنم او على تكرير ان للتاكيد ويحتمل ان يكون معطوفا على انه ويكون الجواب محذوفا تقديره من يحادد الله ورسوله يهلك ذلِكَ اى دخول النار والهلاك الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) هذه الآية فى مقام التعليل لقوله الله ورسوله
стр. 1657
أحق ان يرضوه فان عدم إرضاء الله ومخالفته يفضى الى النار دون عدم إرضاء غيره وما احسن قول الشاعر-
ليتك تحلوا والحيوة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
ليت الذي بينى وبينك عامر ... وبينى وبين العالمين خراب
وذكر البغوي قول قتادة والسدى ان قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم نزلت فى جماعة من المنافقين فيهم خلاس بن سويد وقعوا فى النبي ﷺ وقالوا ان كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير وذكر عامر بن قيس رضى الله عنه هذه المقالة عند رسول الله ﷺ وسنذكر القصة فيما بعد إنشاء الله.
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ يعنى المؤمنين بِما فِي قُلُوبِهِمْ اى قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين ويهتك عليهم استارهم ويجوز ان يكون الضمائر للمنافقين فان النازل فيهم كالنازل عليهم من حيث انه مقرو ومحتج به عليهم قال البغوي كانوا يقولون فيما بينهم ويستترون ويخافون الفضيحة بنزول القران فى شانهم وذلك يدل على انهم كانوا مترددين فى امر الرسول ﷺ ويحذرون الفضيحة على تقدير صدقه ﵇ وقيل انه خبر بمعنى الأمر والمعنى ليحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة وقيل كانوا يقولون ذلك فيما بينهم استهزاء لقوله تعالى قُلِ اسْتَهْزِؤُا امر تهديد إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ اى مظهر ما تَحْذَرُونَ (٦٤) اى ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم او تحذرون إظهاره من مساويكم قال ابن عباس رضى الله عنهما انزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم واسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضا لان أولادهم كانوا مومنين قال البغوي نزلت هذه الآية فى اثنى عشر رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله ﷺ على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها فاخبر جبرئيل رسول الله ﷺ (قصّة) ذلك ما روى احمد عن ابى الطفيل والبيهقي عن حذيفه وابن سعد
стр. 1658
عن جبير بن مطعم رضى الله عنهم وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن الضحاك والبيهقي عن عروة وعن ابن إسحاق ومحمد بن عمر عن شيوخه ان رسول الله ﷺ ببعض الطريق مكر به ناس من المنافقين وائتمروا بينهم ان يطرحوه من عقبة فى الطريق وفى رواية اجمعوا ان يقتلوه فجعلوا يلتمسون غرته فلما أراد رسول الله ﷺ ان يسلك العقبة أرادوا ان يسلكوها معه قالوا إذا أخذ فى العقبة رفعناه عن راحلته فى الوادي فاخبر الله تعالى رسوله بمكرهم فلما بلغ رسول الله ﷺ تلك العقبة نادى مناديه للناس ان رسول الله ﷺ أخذ للعقبة فلا يأخذها واحد واسلكوا بطن الوادي فانه أسهل لكم وأوسع فسلك الناس بطن الوادي الا النفر الذين مكروا برسول الله ﷺ لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا «١» وسلك رسول الله ﷺ العقبة وامر عمار بن ياسر ان يأخذ بزمام الناقة ويقودها وامر حذيفة بن اليمان ان يسوق من خلفه فبينا رسول الله ﷺ يسير فى العقبة إذ سمع حس القوم فدعسوه «٢» فنفروا ناقة رسول الله ﷺ حتى سقط بعض متاعه وكان حمزة بن عمرو الأسلمي لحق برسول الله ﷺ بالعقبة وكانت ليلة مظلمة قال حمزة فتور لى فى أصابعي الخمس وأضاءت حتى كنا نجمع ما سقط السوط والحبل واشباههما وامر حذيفة ان يردهم فرجع حذيفة إليهم وقد رأى غضب رسول الله ﷺ ومعه محجن فجعل يضرب وجوه رواحلهم وقال إليكم إليكم يا اعداء الله فعلم القوم ان رسول الله ﷺ قد اطلع على مكرهم فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس واقبل حذيفة حتى اتى رسول الله ﷺ فقال اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار فاسرعوا حتى استويا بأعلاها وخرج رسول الله ﷺ من العقبة ينتظر الناس وقال لحذيفة هل عرفت أحدا من أولئك الذين رددتهم قال يا رسول الله قد عرفت رواحلهم كان القوم متلثمين فلم ابصرهم من أجل ظلمة الليل قال هل علمتم ما كان من شانهم وما أرادوا قالوا لا والله يا رسول الله قال فانهم مكروا ليسيروا معى فاذا طلعت العقبة
стр. 1659
رهونى فطرحونى منها ان الله تعالى قد أخبرني بأسمائهم واسماء آبائهم ومما خبركم بهم إنشاء الله تعالى قال أفلا تأمرهم يا رسول الله إذا جاءك الناس ان تضرب أعناقهم قال اكره ان يتحدث الناس ويقولوا ان محمدا قد وضع يده فى أصحابه وذكر البغوي بلفظ اكره ان يقول العرب لما ظفر بأصحابه اقبل يقتلهم بل يكفينا الله بالدبيلة «١» فسماهم لهما ثم قال اكتماهم فلما أصبح رسول الله ﷺ قال له أسيد بن الحضير يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادي فقد كان أسهل من العقبة فقال يا أبا يحى أتدري ما أراد بي المنافقون وما هموا به قالوا لتبعه فى العقبة فاذا اظلم الليل عليه قطعوا الشاع راحلتى وتحسوها حتى كادوا يطرحونى عن راحلتى قال أسيد يا رسول الله ﷺ قد اجتمع الناس ونزلوا فمر كل بطن ان يقتل الرجل الذي هم بهذا فيكون الرجل فى عشيرته هو الذي يقتله وان أحببت والذي بعثك بالحق فنبئنى فلا أبرح حتى آتيك برؤسهم قال يا أسيد انى اكره ان يقول الناس ان محمدا لما انقطعت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده فى قتل أصحابه فقال يا رسول الله ليسوا باصحاب فقال رسول الله ﷺ أليس يظهرون شهادة ان لا اله الا الله قال بلى ولا شهادة لهم قال فعديت عن قتل أولئك قال ابن إسحاق فلما أصبح رسول الله ﷺ قال لحذيفة ادع عبد الله بن سعد بن ابى السرج وأبا حاضر الاعرابى وعامر أبا عامر والحلاس بن سويد بن الصامت وهو الذي قال لا ننتهى حتى نرمى محمدا من العقبة الليلة ولئن كان محمد وأصحابه خيرا منا انّا إذا الغنم وهو الراعي ولا عقل لنا وهو العاقل وامره ان يدعوا مجمع بن حارثة ومليح التيمي وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام فانطلق هاربا فى الأرض فلا يدرى اين ذهب وامره ان يدعوا حيصر بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه فقال له رسول الله ﷺ ويحك ما حملك على هذا قال حملنى عليه انى أظن ان الله لا يطلعك عليه فاما إذا اطلعك الله عليه فانى اشهد اليوم انك لرسول الله صلى الله وانى لم او من بك قبل الساعة فعفا عنه رسول الله ﷺ بقوله الذي قال وامر
стр. 1660
حذيفة ان يأتيه بطعمة ابن أبيرق وعبد الله بن عيينة وهو الذي قال لاصحابه اسهروا هذه اللية تسلموا الدهر كله فو الله مالكم امر دون ان يقتلوا هذا الرجل فدعاه رسول الله ﷺ فقال ويحك ما كان ينفعك من قتلى لوانى قتلت فقال عدو الله يا نبى الله والله ما نزال بخير ما اعطاك الله النصر على عدوك انما نحن بالله وبك فتركه رسول الله ﷺ وقال لحذيفة ادع مرة بن الربيع وهو الذي ضرب بيده على عاتق عبد الله بن ابى ثم قال تمطى او قال تميطى والنعيم لنا من بعده كائن تقتل الواحد المفرد فيكون الناس عامة عامة بقتله مطمئنين فدعاه رسول الله ﷺ فقال ويحك ما حملك ان تقول الذي قلت فقال يا رسول الله ان كنت قلت شيئا من ذلك انك العالم به وو ما قلت شيئا من ذلك فجمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنى عشر رجلا الذين حاربو الله ورسوله ﷺ وأرادوا قتله فاخبرهم رسول الله ﷺ بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم واطلع الله نبيه ﷺ على ذلك بعلمه وذلك قوله تعالى وهموا بما لم ينالوا ومات الاثنا عشر منافقين محاربين الله ورسوله ﷺ قال حذيفة فيما رواه البيهقي ودعا عليهم رسول الله ﷺ فقال اللهم ارمهم بالدبيلة قال شهاب من نار يقع على نياط «١» قلب أحدهم فيهلك وروى مسلم عنه ان رسول الله ﷺ قال فى أصحابي اثنا عشر رجلا منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سلم الخياط ثمانية تكفيهم الدبيلة سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم قال البيهقي وروينا عن حذيفة انهم كانوا اربعة عشر او خمسة عشر وهذه القصة وقعت فى مرجعه ﷺ من تبوك الى المدينة قال الله تعالى.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لام قسم اى والله لئن سالتهم عن استهزائهم بك وبالقرآن وهم سائرون معك فى غزوة تبوك لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) يعنى قل ذلك توبيخا على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به وإلزاما للحجة عليهم ولا تعبا باعتذارهم
стр. 1661
الكاذب فجعلوا كانهم معترفون باستهزائهم حتى وبخوا بأخطائهم موضع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلى حرف التقرير وذلك يكون بعد ثبوت الاستهزاء كذا قالوا قلت قولهم انما كنا نخوض ونلعب اعتراف منهم بالاستهزاء ومعناه كنا نقول ما يفهم منه الاستهزاء لقطع مسافة الطريق على سبيل اللعب لا على قصد الاستهزاء اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمر قال قال رجل فى غزوة تبوك فى مجلس ما راينا مثل قراينا هؤلاء لا ارغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا اجبن عند اللقاء فقال له رجل كذبت ولكنك منافق لا خبرك رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن قال ابن عمرو انا رأيته متعلقا بحقب نافة رسول الله ﷺ والحجارة تنكيه وهو يقول انما «١» كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﷺ يقول ابالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ثم أخرجه من وجه آخر عن ابن عمر نحوه وسمى الرجل عبد الله بن ابى كذا ذكر البغوي عن عمر رضى الله عنه واخرج ابن جرير عن قتادة ان ناسا من المنافقين قالوا فى غزوة تبوك يرجوا هذا الرجل ان يفتح قصور الشام وحصونها هيهات فاطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فاتاهم فقال قلتم كذا وكذا قالوا انما كنا نخوض ونلعب فنزلت قال البغوي سبب نزول هذه الاية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة ان النبي ﷺ كان يسير فى غزوة تبوك وبين يديه ثلثة نفر من المنافقين اثنان يستهزءان بالقرآن والرسول ﷺ والثالث يضحك قيل كانوا يقولون ان محمدا يزعم انه يغلب الروم ويفتح مداينهم وما أبعده من ذلك وقيل كانوا يقولون ان محمدا يزعم انه نزل فى أصحابنا المقيمين فى المدينة قرآن وانما هو قوله وكلامه فاطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فقال احبسوا علىّ الركب فدعاهم فقال لهم قلتم كذا وكذا فقالوا انما كنا نخوض ونلعب اى كنا نتحدث ونخوض فى الكلام كما يفعل الركب يقطع
стр. 1662
الطريق بالحديث واللعب وهذه القصة وقعت فى رواحه ﷺ من المدينة الى تبوك وقال محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر كان رهط من المنافقين يسيرون مع رسول الله ﷺ الى تبوك لم يخرجوا الا رجاء الغنيمة منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف والجلاس بن الصامت ومخشى بن حمير من أشجع حليف لبنى سلمة زاد محمد بن عمرو ثعلبة بن حاطب فقال بعضهم بعضا مكانى بكم غدا مقرنين فى الجبال ارجافا برسول الله ﷺ وترصيبا للمومنين وقال الجلاس بن عمرو كان زوج أم عمير وكان ابنها عمير فى حجره والله لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير فقال عمير وأنت شر من الحمير ورسول الله الصادق وأنت الكاذب فقال مخشى بن حمير والله لوددت انى اقاضى على ان يضرب كل رجل منا «١» مائة جلدة واننا ننقلب من ان ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر أدرك القوم فانهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا فان أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا فانطلق عمار إليهم فقال لهم ذلك فاتوا رسول الله ﷺ يعتذرون اليه فقال وديعة بن ثابت وقد أخذ حقب ناقة رسول الله ﷺ ورجلاه تنسفان الحجارة ورسول الله ﷺ على ناقته وهو يقول يا رسول الله انما كنا نخوض ونلعب فانزل الله فيهم ولئن سالتهم ليقولون انما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون.
لا تَعْتَذِرُوا اى لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فانها معلومة الكذب قَدْ كَفَرْتُمْ اى أظهرتم الكفر بايذاء الرسول والطعن فيه بَعْدَ إِيمانِكُمْ اى اظهاركم الايمان إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ لتوبتهم وإخلاصهم قال محمد بن إسحاق الذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشى بن حمير الأشجعي فقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض وكان يمشى مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع فلما نزلت هذه الآيات تاب من نفاقه قال اللهم لا أزال اسمع آية تقربها عينى وتقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلا فى سبيلك لا يقول أحد انا غسلت انا دفنت فاصيب يوم اليمامة فما أحد من
стр. 1663
المسلمين الا عرف مصرعه غيره وقال مخشى يا رسول الله فعدلى اسمى واسم ابى فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن او عبد الله نُعَذِّبْ طائِفَةً قرأ عاصم نعف بفتح النون وضم الفاء وتعذب بضم النون وكسر الذال على صيغة المتكلم المبنى للفاعل وطائفة بالنصب والباقون بالياء المضمومة وفتح الفاء فى الاول وبالتاء الفوقانية وفتح الذال فى الثاني على صيغة الغائب المبنى للمفعول وطائفة بالرفع بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) بالإصرار على النفاق وإيذاء الرسول والاستهزاء.
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ جنس بَعْضٍ فى الشرك والنفاق والبعد عن الايمان وفيه تكذيب لحلفهم بالله انهم لمنكم وتقرير لقوله وما هم منكم وما بعده كالدليل عليه فانه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين وتشابه حال بعضهم لبعض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ اى بالشرك والمعصية وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ اى عن الايمان والطاعة يقولون لا تنفروا فى الحر وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن الانفاق فى سبيل الله وقبض اليد كناية عن الشح نَسُوا اللَّهَ كانهم لا يعلمون لهم خالقا يسألهم عما يفعلون وغفلوا عن ذكره وتركوا طاعته فَنَسِيَهُمْ فتركهم الله من توفيقه وهداية فى الدنيا ورحمته فى الآخرة وتركهم فى عذابه إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) الخارجون عن دائرة الايمان والطاعة بالكلية.
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها اى مقدرة الخلود هِيَ اى النار حَسْبُهُمْ عقابا وجزاء على كفرهم ونفاقهم ان يعذبوا فى الدنيا فيه دليل على عظم عذابها وانه بحيث لا يزاد عليه وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وابعدهم من رحمة وأهانهم وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) دائم لا يقطع والمراد به ما وعدهم فى الآخرة او ما معهم فى الدنيا وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والظاهر المخالف للباطن خوفا من المسلمين وما يحذرونه ابدا من الفضيحة ونزول العذاب ان اطلع على أسرارهم.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الكاف محلها رفع خير لمبتدأ محذوف اى أنتم ايها المنافقون مثل الذين كانوا من قبلكم من كفار الأمم الماضية او نصب على المصدرية تقديره
стр. 1664
نعلتم ايها المنافقون فعلا مثل فعل الذين كانوا من قبلكم من العدول عن امر الله فلعنتم كما لعنوا كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً بطشا ومنعة وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً بيان لتشبههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم فَاسْتَمْتَعُوا يعنى فتمتعوا وانتفعوا بِخَلاقِهِمْ اى بنصيبهم من الدنيا ولذاتها واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير فان الخلاق ما قدر لصاحبه فَاسْتَمْتَعْتُمْ ايها المنافقون بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ذم الأولين باستمتاعهم بالحظوظ الدنية الفانية الغير المرضية لله تعالى معرضين عن تحصيل لذائر الباقية القوية المرضية تمهيدا الذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم وَخُضْتُمْ اى دخلتم فى الباطل واللهو كَالَّذِي خاضُوا يعنى كالخوض الذي خاضوا او كالفوج الذي خاضوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لم يستحقوا عليها ثوابا فى الدارين وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) الذين خسروا الدنيا والآخرة يعنى كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن وفى رواية ابى هريرة فهل الناس الا هم رواه البخاري وروى الحاكم عن ابن عباس عنه ﷺ لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر ذراعا بذراع حتى لو ان أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم ولو ان أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه قال البغوي قال ابن مسعود أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القدة بالقدة غير انى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا قوله تعالى.
أَلَمْ يَأْتِهِمْ يعنى المنافقين التفات من الخطاب الى الغيبة نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ انهم عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا فعذبناهم وأهلكناهم ثم ذكرهم فقال قَوْمِ نُوحٍ مع ما عطف عليه بدل من الموصول يعنى اهلكوا بالطوفان لكفرهم وَعادٍ اهلكوا بالريح وَثَمُودَ اهلكوا بالرجفة وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ بسلب النعمة وإهلاك نمرود بنملة وإهلاك أصحابه وَأَصْحابِ مَدْيَنَ
стр. 1665
قوم شعيب اهلكوا بالنار يوم الظلة وَالْمُؤْتَفِكاتِ قريات قوم لوط ايتفكت بهم اى انقلبت فصار عاليها سافلها وامطروا حجارة من سجيل أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرة فكذبوهم فاهلكوا فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ اى لم يكن عادة الله ان يعذبهم بلا جرم منهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) حيث كذبوا الرسل وعصوهم كما فعلتم فاخذناهم بالعذاب فاحذروا ان ينزل بكم مثل ما نزل بهم.
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يؤيد بعضهم بعضا فى طاعة الله وإعلاء دينه يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالايمان والطاعة وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ عن الشرك والنفاق ومعصية الرسول واتباع الشهوات وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى كل ما أمروا به أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ لا محالة فان السين موكدة للوقوع إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على كل شىء لا يمتنع عنه امر حَكِيمٌ (٧١) يضع الأشياء مواضعها.
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يطيب فيها العيش او يستطيبها النفس فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قيل معناه اقامة وخلود يقال عدن بالمكان إذا قام به قال صاحب المدارك عدن علم بدليل قوله تعالى جنات عدن التي وعد الرحمن وقد عرفت ان كلمة الذي والتي وضعتا لوصفت المعارف بالجمل فهى مدينة فى الجنة قلت يؤيد كونه علما ما اخرج ابن المبارك والطبراني وابو الشيخ عن عمران بن حصين وابى هريرة رضى الله عنهما قال سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ومساكن طيبة فى جنات عدن قال قصر من لؤلؤ فى ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء فى كل دار سبعون بيتا من زمرد خضراء فى كل بيت سرير على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين فى كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام فى كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة ويعطى المؤمن كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك كله اجمع واخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابن عمر قال خلق الله ﵎ أربعا بيده العرش وعدن والقلم وآدم ثم قال لكل شىء كن
стр. 1666
فكان واخرج البراز وابن جرير والدار قطنى فى الموتلف والمختلف وابن مردوية من حديث ابى الدرداء قوله ﷺ عدن دار الله التي لم ترها عين ولم يخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلثة النبيين والصديقين والشهداء يقول الله طوبى لمن دخلك وفى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن واخرج احمد والطيالسي والبيهقي هذا الحديث بلفظ جنات الفردوس اربع جنتان من ذهب الحديث قال البيهقي فى قوله رداء الكبرياء استتاره بصفة الكبرياء والعظمة لانه لكبريائه وعظمته لا يراه أحد من خلقه الا باذنه قال البغوي قال ابن مسعود هى يعنى جنات عدن بطنان الجنة اى وسطها وقال عبد الله بن عمرو بن عمرو بن العاص ان فى الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج «١» له خمسة آلاف باب لا يدخله الا نبى او صديق او شهيد وقال الحسن قصر من ذهب لا يدخله الا نبى او صديق او شهيد او حكم عدل وقال عطاء ابن السائب عدن نهر فى الجنة جنانه على حافيته وقال مقاتل والكلبي عدن أعلى درجة فى الجنة وفيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة بها وهى مغطاه من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله تعالى وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فيدخل عليهم كثائب «٢» المسك الأبيض قال القرطبي قيل الجنان سبع دار الخلد ودار الجلال ودار السلام وجنة عدن وجنة المأوى وجنة نعيم والفردوس وقيل اربع فقط لحديث ابى موسى فانه لم يذكر فيه سوى اربع كلها يوصف بالمأوى وخلد وعدن والسلام وهذا ما اختاره الحكيم فقال ان الجنتين للمقربين والجنتين الأخريين لاصحاب اليمين وفى كل جنة درجات ومنازل وأبواب ومرجع العطف فى الاية يحتمل ان يكون الى تعدد الموعود لكل واحد او للجميع على سبيل التوزيع او الى تغائر وصفه كانه وصفه اولا بانه من جنس ما هو ابهى الأماكن يعرفونها ليميل
стр. 1667
اليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم ثم وصفه بانه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا يخلوا عن شىء منها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهى الا نفس وتلذ الأعين ثم وصفه بانه دار اقامة وثبات فى جوار العليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير ثم وعدهم بما هو اكبر من ذلك فقال وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ اى شىء من رضوان الله أَكْبَرُ نعمة من سائر النعم فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ ان الله تعالى يقول لاهل الجنة يا اهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا ترضى وقد أعطيتنا ما لم ... تعط أحدا من خلقك «١» فقال انا أعطيتكم أفضل من ذلك قالوا وما أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم ابدا واخرج الطبراني فى الأوسط ... وصححه عن جابر يرفعه إذا دخل اهل الجنة الجنة قال الله تعالى هل تسألون شيئا فازيدكم قالوا يا ربنا فما خير مما أعطيتنا قال رضوان من الله اكبر ذلِكَ الرضوان او جميع ما تقدم هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) الذي يستحقر دونه ما سواه.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ قال ابن عباس والضحاك يعنى باللسان وترك الرفق وتغليظ الكلام وقال الحسن وقتادة بإقامته الحدود وقال ابن مسعود يجاهدهم بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وقال لا يلقى المنافق الا بوجه مكفهر وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ فى الآخرة جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) هى قال عطاء نسخت هذه الآية كل شىء من العفو والصفح والله تعالى اعلم- اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ جالسا فى ظل شجرة فقال انه سياتيكم انسان ينظر بعينين شيطان فطلع رجل ازرق فدعاه رسول الله ﷺ فقال علام تشتمنى أنت وأصحابك فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم فانزل الله تعالى.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا واخرج ابن ابى حاتم عن ابن
стр. 1668
عباس قال كان الجلاس بن سويد بن الصامت ممن تخلف عن رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك وقال لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير فرفع عمير بن سعد ذلك الى رسول الله ﷺ فحلف بالله ما قلت فانزل هذه الاية فزعموا انه تاب وحسنت توبته ثم اخرج عن كعب بن مالك نحوه وكذا اخرج ابن إسحاق عنه واخرج ابن سعد فى الطبقات نحوه عن عروة وكذا ذكر البغوي قول الكلبي قال نزلت فى جلاس بن سويد وذلك ان رسول الله ﷺ خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال جلاس لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال أجل ان محمدا ﷺ لصادق وأنتم شر من الحمير فلما انصرف رسول الله ﷺ الى المدينة أتاه عامر بن قيس فاخبره بما قال الجلاس فقال الجلاس كذب يا رسول الله علىّ فامرهما رسول الله ﷺ ان يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا اله الا هو ما قاله ولقد كذب علىّ عامر ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا اله الا هو لقد قاله وما كذبت عليه ثم رفع عامر يديه الى السماء وقال اللهم انزل على نبيك الصادق منا الصدق فقال رسول الله ﷺ والمؤمنون أمين فنزل جبرئيل ﵇ قبل ان يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ فان يتوبوا يك خيرا لهم فقام الجلاس فقال يا رسول الله اسمع الله قد عرض علىّ التوبة صدق عامر بن قيس فيما قاله لقد قلته وانا استغفر الله وأتوب اليه فقبل رسول الله ﷺ ذلك منه ثم تاب وحسنت توبته واخرج ابن ابى حاتم عن انس بن مالك قال سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول والنبي ﷺ يخطب ان كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير فرفع ذلك الى النبي ﷺ فجحد القائل فانزل الله هذه الاية واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا ان رجلين أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار وظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن ابى الأوس انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد الا كما قال القائل سمن كلبك يا ذلك لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى رجل من المسلمين الى رسول الله ﷺ فارسل اليه فسأله فجعل
стр. 1669
يحلف بالله ما قال فانزل الله تعالى يحلفون بالله ما قالوا الآية وهذه قصة غزوة بنى المصطلق وقد ذكرنا القصة فى سورة المنافقين وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ قيل هى سب النبي ﷺ وقيل هى قول الجلاس لان كان محمد صادقا لنحن شر الحمير وقيل قولهم لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ اى أظهروا الكفر بعد ما أظهروا الإسلام وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا قيل هم اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة فى طريق تبوك ليفتكوا «١» برسول الله ﷺ فجاء جبرئيل وامره ان يرسل إليهم من يضرب رواحلهم فارسل حذيفة لذلك وقد مر القصة واخرج الطبراني عن ابن عباس قال همّ رجل يقال له الأسود بقتل النبي ﷺ فنزلت هذه الاية وقال مجاهد همّ المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم لنحن شر من الحمير كيلا يفشيه وقيل هموا بإخراج الرسول ﷺ والمؤمنين من المدينة فى قصة غزوة بنى المصطلق وقال السدى قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على راس عبد الله بن ابى تاجا فلم يصلوا اليه وَما نَقَمُوا اى ما كرهوا وما وجدوا ما يورث نقمتهم ويقتضى انتقامهم شيئا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى الا الإحسان بهم وذلك شىء محبوب عند القلوب يوجب المحبة والانقياد دون العداوة والانتقام والجملة حال من فاعل هموا بيان لكمال شرهم وخبثهم حيث أساءوا فى مقابلة الإحسان اخرج ابن جرير وابو الشيخ عن عكرمة ان مولى بن عدى بن كعب قتل رجلا من الأنصار فقضى النبي ﷺ بالدية اثنى عشر
الفا قال البغوي مولى الجلاس قتل فامر له رسول الله ﷺ بدية اثنى عشر الفا فاستغنى وفيه نزلت هذه الآية وقال الكلبي كان اهل المدينة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة فى ضنك من العيش فلما قدم عليهم النبي ﷺ استغنوا بالغنائم فَإِنْ يَتُوبُوا من نفاقهم وكفرهم يَكُ ذلك التوب خَيْراً لَهُمْ قد مر ان هذه الاية حمل الجلاس على التوبة وَإِنْ يَتَوَلَّوْا اى يعرضوا عن التوبة والإخلاص يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً
стр. 1670
أَلِيماً فِي الدُّنْيا بالخزي والفضيحة او القتل وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) حتى ينجيهم من القتل والخزي روى البغوي بسنده وكذا ابن جرير وابن ابى حاتم وابن مردوية والطبراني والبيهقي فى شعب الايمان عن ابى امامة الباهلي قال جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ادع الله ان يرزقنى مالا فقال رسول الله ﷺ اما لك فى رسول الله أسوة حسنة والذي نفسى بيده لو أردت ان تسير الجبال معى ذهبا لساوت ثم أتاه بعد ذلك فقال يا رسول الله ادع الله ان يرزقنى مالا والذي بعثك بالحق نبيا لان رزقنى الله مالا لاعطين كل ذى حق حقه فقال رسول الله ﷺ اللهم ارزق ثعلبة مالا قال فاتخذ غنما فنمت كما ينموا الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزلت واديا من أوديتها وهى تنموا كما ينموا الدود وكان يصلى مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر ويصلى فى غنمه سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد الا الجمعة ثم كثرت ونمت فتباعد ايضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة يخرج يتلقى الناس يسألهم عن الاخبار فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال ما فعل ثعلبة قالوا يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما يسعها واد فقال رسول الله ﷺ يا ويح «١» ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة فانزل الله تعالى آية الصدقات فبعث رسول الله ﷺ رجلا من بنى سليم رجلا من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما مرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بنى سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسالاه الصدقة وأقرأه كتاب رسول الله ﷺ فقال ما هذه الا جزية ما هذه الا اخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا الى فانطلقا وسمع بهما السلمى فنظر الى خيار أسنان ابله فعزها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما راؤها قالوا ما هذا عليك قال خذاه فان نفسى بذاك طيبة فمرا على الناس وأخذا الصدقات ثم رجعا الى ثعلبة فقال أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه الا جزية ما هذه الا اخت الجزية اذهبا حتى ارى رأيى قال فاقبلا فلما راهما رسول الله
стр. 1671
صلى الله عليه وسلم قبل ان يكلماه قال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ثم دعا للسلمى بخير فاخبراه بالذي صنع ثعلبة فانزل الله فيه.
وَمِنْهُمْ اى من المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ فيه ادغام التاء فى الصاد وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) واخرج ابن جرير وابن مردوية من طريق العوفى عن ابن عباس نحوه يعنى يعمل عمل اهل الصلاح من صلة الرحم وأداء الزكوة والنفقات الواجبة والمستحبة فى سبيل الله.
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ اى بالمال ومنعوا حق الله وَتَوَلَّوْا عن طاعة الله ورسوله وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) اى هم قوم عادتهم الاعراض عنها.
فَأَعْقَبَهُمْ الله او البخل اى جعل عاقبة أمرهم نِفاقاً اى سوء اعتقاد فِي قُلُوبِهِمْ حيث لم يروا امتثال امر الله تعالى فى أداء الزكوة واجبا وأنكروا وجوب الزكوة وزعموها اخت الجزية إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ اى يلقون الله بالموت او يلقون عملهم اى جزائه وهو يوم القيامة او فى القبر يعنى حرمهم الله التوبة الى ان ماتوا على النفاق بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ اى بسبب اخلافهم ما وَعَدُوهُ من التصدق والصلاح وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) اى بكونهم كاذبين فان خلف الوعد متضمن لكذب مستقبح من الوجهين قال رسول الله ﷺ آية المنافق ثلث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان متفق عليه من حديث ابى هريرة زاد مسلم بعد قوله ثلث وان صام وصلى وزعم انه مسلم ثم اتفقا وروى البغوي وابن جرير وغيره فى حديث ابى امامة المذكور فيما قبل انه نزلت الآية وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة لقد انزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى اتى النبي ﷺ فسأله ان يقبل صدقته فقال ان الله منعنى ان اقبل منك صدقتك فجعل يحثوا على راسه التراب فقال رسول الله ﷺ هذا عملك قد امرتك لم تطعنى فلما ابى رسول الله ﷺ ان يقبض صدقته رجع الى منزله وقبض رسول الله ﷺ ثم اتى أبا بكر رضى الله عنه فقال اقبل صدقتى فقال ابو بكر لم يقبلها رسول الله ﷺ انا اقبلها فقبض ابو بكر
стр. 1672
ولم يقبلها فلما ولى عمر أتاه فقال اقبل صدقتى فقال لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ولا ابو بكر انا اقبلها منك فلم يقبلها ثم ولى عثمان فاتاه فلم يقبلها وهلك ثعلبة فى خلافة عثمان وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ... اتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فاشهدهم لان أتاني الله من فضله أتيت منه كل ذى حق حقه وتصدقت منه وصلت منه القرابة فمات ابن عمر له فورثه مالا فلم يف بما قال فانزل الله تعالى هذه الآية وقال الحسن ومجاهد نزلت فى ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما من بنى عمرو بن عوف خرجا على ملاء قعود وقالا والله لان رزقنا الله من فضله لنصدقن فلما رزقهما الله بخلا به.
أَلَمْ يَعْلَمُوا اى المنافقون او من عاهد الله حين أظهروا خلاف ما اضمروا والاستفهام للتوبيخ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ يعنى ما يسرون من النفاق او العزم على الأخلاف وَنَجْواهُمْ اى يتناجون فيما بينهم من المطاعن او تسمية الزكوة جزية وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) فلا يخفى عليه شىء روى الشيخان فى الصحيحين عن ابن مسعود قال لما نزلت اية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشئ كثير فقالوا يعنى المنافقين مراء وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا ان الله لغنى عن صدقة هذا فنزل.
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ اى يعيبون الموصول مرفوع على الذم او منصوب او بدل من الضمير فى سرهم او مبتدأ خبره سخر الله منهم الْمُطَّوِّعِينَ أصله المتطوعين اى الراغبين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إكثار الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يتصدقون به إِلَّا جُهْدَهُمْ اى طاقتهم اى ما يطيقون ويقدرون عليه من المال القليل وقال البغوي قال اهل التفسير حث رسول الله ﷺ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم وقال يا رسول الله مالى ثمانية آلاف جئتك باربعة آلاف فاجعلها فى سبيل الله وأمسكت اربعة آلاف لعيالى فقال رسول الله ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله ما فى ماله حتى انه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين الف درهما وفى رواية صولحت احدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين الف درهم وكان حقها اكثر مما صولحت عليه وتصدق يومئذ
стр. 1673
عاصم بن عدى العجلاني بمائة وسق من تمر وجاء ابو عقيل الأنصاري واسمه الحجاب بصاع من تمر فقال يا رسول الله بت ليلتى اجر بجرير «١» الماء حتى نلت صاعين من تمر فامسكت أحدهما لاهلى وأتيتك بالاخر فامره رسول الله ﷺ ان ينثره فى الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا ما اعطى عبد الرحمن وعاصم الا رياء وان كان الله ورسوله لغنيين عن صاع ابى عقيل ولكنه أحب ان يذكر بنفسه ليعطى من الصدقة فانزل الله هذه الآية وعنى بالمطوعين عبد الرحمن وعاصم وبالذين لا يجدون الا جهدهم أبا عقيل قلت روى القصة احمد وابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس وقصة مصالحة احدى امرأتيه الطبراني واسمه تماضر من حديث ابى عقيل وورد نحو هذه القصة من حديث ابى هريرة وابى سعيد الخدري وابى عقيل نفسه وعميرة بنت سهل بن رافع أخرجها كلها ابن مردويه قال الله تعالى عز شانه فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ يستهزؤن بهم سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ اى جازا هم على السخرية واخرج البيهقي عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ ان المستهزئين بالناس يفتح لاحدهم باب من الجنة فيقال لاحدهم فيجئى بكر به وغمه فاذا جاء غلق دونه فما زال كذلك حتى ان أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال لهم هلم فما يأتيه من الإياس وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) بكفرهم واستهزائهم قال البيضاوي روى عن عبد الله بن عبد الله بن ابى المنافق كان من المخلصين سأل رسول الله ﷺ فى مرض موت أبيه المنافق ان يستغفر له ففعل فنزلت.
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ امر بمعنى الاخبار بالتسوية بين استغفار الرسول ﷺ للمنافقين وعدمه فى عدم الافادة كما نص عليه بقوله إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فقال رسول الله ﷺ لازيدن على السبعين فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم كذا اخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر معناه واخرج ابن المنذر عن عروة ومجاهد وقتادة واخرج ابن المنذر من طريق العوفى عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الاية قال النبي ﷺ
стр. 1674
اسمع ربى وقد رخص لى فيهم فو الله لاستغفرن اكثر من سبعين مرة لعل الله ان يغفر لهم فنزلت استغفرت لهم أم تستغفر لهم قال البيضاوي فهم النبي ﷺ من السبعين العدد المخصوص لانه الأصل فجوز ان يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما ورائه فبين له ان المراد به التكثير دون التحديد وقد شاع استعمال السبعة والسبعين وسبعمأة ونحوها فى التكثير لاشتمال السبعة على جملة اقسام العدد فان العدد قليل وكثير فالقليل ما دون الثلث والكثير الثلث فما فوقه وادنى الكثير ثلثه ولا غاية لا قصاه وايضا العدد نوعان شفع ووتر وأول الاشفاع اثنان وأول الأوتار ثلثة وواحد ليس بعدد والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لان فيها أوتارا ثلثة واشفاعا ثلثة والعشرة كمال الحساب لان ما جاوز العشرة فهو اضافة الآحاد الى العشرة كقولك اثنا عشر ثلثة عشر الى عشرين والعشرون تكرير العشرة مرتين والثلاثون تكريرها ثلث مراة وهكذا الى ماءة فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه وكمال الحساب والكثرة منه فصار السبعون ادنى الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لاقصاه فجاز تخصيص السبعين بهذا المعنى فكانه العدد باسره ذلِكَ الياس عن المغفرة بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعنى ليس ذلك لبخل منا ولا لقصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) المتمردين فى كفرهم وهو كالدليل على الحكم السابق فان مغفرة الكافر انما هو بالإقلاع عن الكفر والإرشاد الى الحق والمنهمك فى كفره المطبوع عليه لا ينقطع ولا يهتدى.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ عن غزوة تبوك والمخلف المتروك بِمَقْعَدِهِمْ اى بعقودهم عن الغزو خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ قال ابو عبيدة اى بعد رسول الله ﷺ وقيل خلاف بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة او الحال يعنى فرحوا لاجل مخالفة الرسول وحال كونهم مخالفين له وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيه تعريض بالمؤمنين الذين حصلوا رضائه تعالى ببذل الأموال والأنفس واثروا رضاه على الأموال والأنفس وَقالُوا اى قال بعضهم لبعض وللمؤمنين تثبيطا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال امر رسول الله ﷺ ان
стр. 1675
ينبعثوا معه وذلك فى الصيف فقال رجل يا رسول الله الحر الشديد ولا تستطيع الخروج فلا تنفر فى الحر فانزل الله تعالى قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا وقد اثرتموها بهذه المخالفة فيه استجهال لهم لانه من يصون نفسه من مشقة ساعة ووقع بسبب ذلك فى مشقة أشد واغلظ الموبد كان أجهل من كل جاهل لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) اى يعلمون قال البغوي كذلك هو فى مصحف ابن مسعود يعنى لو كانوا يعلمون ان ما بهم إليها او انها كيف هى ما اختاروها بايثار الدعة على الطاعة قال محمد بن يوسف الصالحي جعل جد بن قيس وغيره من المنافقين يثبطون المسلمين عن الخروج وقال الجد لجبار بن منحر ومن معه من بنى سلمة لا تنفروا فى الحر رهادة فى الجهاد وشكافى الحق وارجافا برسول الله ﷺ فانزل الله تعالى قل نار جهنم أشد حرا واخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال خرج رسول الله ﷺ فى حر شديد الى تبوك فقال رجل من بنى سلمة لا تنفروا فى الحر فانزل الله قل نار جهنم أشد حرا الآية واخرج البيهقي فى الدلايل من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر ابو قتادة وعبد الله بن ابى بكر بن حزم قال رجل من المنافقين لا تنفروا فى الحر فنزلت هذه الآية والله اعلم- قال الله تعالى.
فَلْيَضْحَكُوا اى المنافقون حين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله قَلِيلًا يعنى ضحكا قليلا او فى زمان قليل يعنى فى الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً فى الآخرة اخبار عما يؤل اليه حالهم فى الدنيا والآخرة أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على انه حتم واجب والضحك والبكاء اما محمولان على الحقيقة او هما كنايتين عن السرور والغم وجاز ان يكون المراد بيان حالهم فى الآخرة والمراد من القلة العدم جَزاءً مصدر فعل محذوف اى يجزون جزاء بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فى الدنيا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى فليضحكوا قليلا قال الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤا فاذا انقطعت الدنيا وصاروا الى الله فليستانفوا البكاء بكاء لا ينقطع ابدا واخرج ابن ماجة وابو يعلى والبيهقي وهناد عن انس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يرسل البكاء على اهل النار فيكون حتى ينقطع الدموع ثم يكون الدم ثم توتى فى وجوههم كهيئة الأخدود ولو أرسلت فيها السفن لجرت واخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن قيس ان رسول الله ﷺ قال ان اهل النار ليبكون
стр. 1676
حتى لو أجريت السفن فى دموعهم لجرت وانهم يسكبون الدم واخرج ابن ابى الدنيا والضياء كلاهما فى صفة النار عن زيد بن رفيع رفعه ان اهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانا ثم يكون القيح زمانا فيقول لهم الخزنة يا معشر الأشقياء تركتم البكاء فى الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به فيرفعون أصواتهم يا اهل يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشا وكنا طول الموقف عطاشا ونحن اليوم عطاش فافيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله فيدعون أربعين لا يجيبهم ثم يجيبهم انكم ماكثون فيئسوا من كل خير قلت وجاز ان يكون معنى الآية فليضحكوا اى الناس أجمعين فى دنياهم قليلا امر اباحة يشعر كراهة كثرة الضحك فان كثرة الضحك يميت القلب وليبكوا فى الدنيا كثيرا من خشية الله حتى يكون البكاء جزاء وعوضا بما كانوا يكسبون يتهافت به سياتهم عن انس قال قال رسول الله ﷺ لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا رواه احمد والشيخان فى الصحيحين والترمذي والنسائي وابن ماجة ورواه البخاري ايضا عن ابى هريرة ورواه الحاكم وصححه عن ابى ذر وزاد ولما ساغ لكم الطعام ولا الشراب وروى الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابى الدرداء مرفوعا بلفظ لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ولخرجتم الى الصعدات تجارون «١» الى الله تعالى لا تدرون تنجون او لا تنجون وروى الحاكم عن ابى هريرة وصححه قال قال رسول الله ﷺ لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا يظهر النفاق ويرتفع الأمانة ويقبض الرحمة ويتهم الامين ويؤتمن غير الامين أناخ بكم الشرف الجون الفتن كامثال الليل المظلم وروى البغوي بسنده عن انس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يا ايها الناس ابكوا فان لم تستطيعوا فتباكوا فان اهل النار يبكون فى النار حتى يسيل دموعهم فى وجوههم كانها جداول حتى ينقطع الدموع فيسيل الدماء ويفرج العيون فلو ان سفنا أجريت فيها لجرت وروى احمد والترمذي وابن ماجة قال قال رسول الله ﷺ لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم الى الصعدات تجارون الى الله وروى ابن ماجة عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد مومن يخرج من
стр. 1677
عينيه دموع وان كان مثل راس الذباب من خشية الله ثم يصيب من خروجه الا حرمه الله على النار.
فَإِنْ رَجَعَكَ اى ردك اللَّهُ إِلى المدينة وفيها طائِفَةٍ مِنْهُمْ اى من المخلفين يعنى منافقيهم فان كلهم لم يكونوا منافقين او من بقي منهم بعد ما تاب بعضهم وهلك بعضهم فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك الى غزوة اخرى بعد تبوك فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي بسكون الياء والباقون بفتحها أَبَداً فى سفر وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ قرأ حفص بفتح الياء والباقون بسكونها عَدُوًّا اخبار فى معى النهى للمبالغة إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعنى فى غزوه تبوك والجملة تعليل للنهي وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) مع النساء والصبيان والمرضى والزمنى لعدم لياقتهم للجهاد وقال ابن عباس مع الذين تخلفوا بغير عذر وقيل مع المخالفين قال القراء يقال صاحت خالف إذا كان مخالفا روى الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمر قال لما توفى عبد الله بن ابى جاء ابنه الى رسول الله ﷺ فسأله ان يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فاعطاه ثم سأله فقام ليصلى عليه فقام عمر فاخذ بثوبه فقال يا رسول الله اتصلي عليه وقد نهاك ربك ان تصلى على المنافقين فقال انما خيرنى الله فقال استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة وسازيده على السبعين فقال انه منافق فصلى عليه فانزل الله تعالى.
وَلا تُصَلِّ المراد بالصلوة الدعاء والاستغفار للميت فيشتمل صلوة الجنازة ايضا لانها مشتملة على الدعاء والاستغفار عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ظرف لتصل وقيل ظرف لمات يعنى مات موتا موبدا على الكفر فان احياء الكافر للتعذيب دون التمتع فكانه لم يحيى وبهذا المعنى قال الله لا يموت فيها ولا يحيى وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ للدفن او للزيارة قيل كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ولذا ورد النهى عن القيام على قبره إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
(٨٤) تعليل للنهى او لتائيد الموت وروى البخاري عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب انه قال لما مات عبد الله بن ابى ابن سلول دعى له رسول الله ﷺ ليصلى على ابن ابى وقد قال يوم كذا كذا ويوم كذا كذا اعدد عليه قال انى خيرت
стр. 1678
فاخترت لو اعلم انى لو زدت على السبعين غفر له لزدت عليها فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف فلم يمكث الا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال اتى رسول الله ﷺ عبد الله بن ابى بعد ما ادخل حفرته فامر به فاخرج فوضعه على ركبته ونفث فيه ريقه والبسه قميصه وفى الصحيحين عن ابن عمر ان عبد الله بن عبد الله بن ابى كان من المصلحين سأل رسول الله ﷺ فى مرض أبيه ان يستغفر له ففعل فنزلت وروى الحاكم وصححه والبيهقي فى الدلائل عن اسامة بن زيد ان ابن ابى دعا رسول الله ﷺ فى مرضه فسأله ان يستغفر له ويكفنه فى شعاره الذي يلى جسده ويصلى عليه فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه وذهب ليصلى فنزلت هذه هذه الآية واخرج البخاري من حديث جابر انه قال لما كان يوم بدر واتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن ابى يقدر عليه فكساه النبي ﷺ إياه فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي البسه يعنى كان ذلك مكافاة له قال البغوي روى ان النبي ﷺ كلم فيما فعل بعبد الله بن ابى فقال ﷺ وما يغنى عنه قميصى وصلاتى من الله والله انى كنت ارجوا ان يسلم به الف من قومه قال وروى انه اسلم الف من قومه لما راؤه يتبرك بقميص النبي ﷺ قال البغوي فما صلى رسول الله ﷺ بعد هذه الآية على منافق ولا قام على قبره حتى قبض.
وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) تكرير للتاكيد والأمر حقيق به فان الابصار طامحة الى الأموال والأولاد والنفوس مغطبتة عليها ويجوز ان يكون هذا فى فريق غير الاول.
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن ويجوز ان يراد بها بعضها أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ اى بان أمنوا ويجوز ان يكون ان مفسرة والظاهر ان المراد بالايمان هاهنا امتثال امره ﷺ فى الجهاد وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ فى القعود أُولُوا الطَّوْلِ اى ذووا الغنا والسعة مِنْهُمْ اى من المنافقين وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) فى رحالهم بعذر.
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ اى النساء اللاتي يخلفن فى البيوت جمع خالفة وقد يقال
стр. 1679
الخالفة الذي لا خير فيه فلان خالفة قومه إذا كان دونهم يعنى مع ارزال الناس الذين لا خير فيهم وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ طبع الله عليها فلا يدركون حسن الخيرات وسؤالسيات فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) ما فى الجهاد وموافقة الرسول من السعادة وما فى المخالفة عنه من الشقاوة.
لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مخلصين جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعنى ان تخلف الخوالف ولم يجاهدوا فلا منقصة فى الدين فقد جاهد من هو خير منهم وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ز اى منافع الدارين وقيل الخيرات الحور العين قال الله تعالى فيهن خيرات حسان جمع خيرة وحكى عن ابن عباس ان الخير لا يعلم معناه الا الله كما قال جل ذكره فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين قلت مراد ابن عباس انه يعم جميع المنافع وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) بيان لما لهم فى الاخرة من الخيرات.
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ اى المعتذرون بالجهد وكثرة العيال ادغم التاء فى الذال ونقل حركتها الى العين كذا قال الفراء او المعنى المقصرون فيه الموهمون ان لهم عذر ولا عذر لهم عذر من التفعيل اى قصر وقرأ يعقوب ومجاهد المعذرون بالتخفيف من اعذر إذا اجتهد وبالغ فى العذر مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فى القعود قال محمد بن عمر جاء ناس من المنافقين الى رسول الله ﷺ يستأذنونه فى القعود من غير علة فاذن لهم وروى ابن مردوية عن جابر بن عبد الله استاذن رسول الله ﷺ رجال من المنافقين حين اذن لجد بن قيس يستاذنونه يقولون يا رسول الله ايذن لنا فانا لا نستطيع ان ننفر فى الحر فاذن لهم واعرض عنهم ونزل هذه الآية فلم يعذرهم الله تعالى قال ابن إسحاق هم نفر من بنى غفار وقال محمد بن عمر كانوا اثنين وثمانين رجلا منهم خفاف بن أيما انزل الله فيهم وإذا أنزلت سورة ان أمنوا الى قوله وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون قال الضحاك المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاؤا الى رسول الله ﷺ دفاعا عن أنفسهم وقالوا يا نبى الله ان نحن غزونا معك تغير اعراب طى على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فقال رسول الله ﷺ قد نبأني الله من اخباركم وسيغنى
стр. 1680
الله عنكم وقال ابن عباس هم الذين تخلفوا العذر بإذن رسول الله ﷺ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى ارعاء الايمان يعنى المنافقين فعلى هذا التأويل الفريق الاول غير مسيئين والظاهر ان المراد بهؤلاء هم الأولون كذب الله المنافقين المعذرين بالباطل او يقال المعذرون أعم من هؤلاء فان منهم من اعتذر بكسله لا لكفره قال ابو عمرو بن العلاء كلا الفريقين مسيئين قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله بقوله وجاء المعذرون وقوم تخلفوا من غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله وهم المنافقون فاوعدهم الله تعالى بقوله سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ اى من الاعراب او من المعذرين فان منهم من اعتذر بكسله لا لكفره عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) اخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال كنت اكتب لرسول الله ﷺ وكنت اكتب براءة وانى لواضع القلم على اذنى إذ امر بالقتال فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال كيف بي يا رسول الله وانا أعمى فنزلت.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ قال ابن عباس يعنى الزمنى والمشايخ والعجزة وقيل الصبيان وقيل النسوان وَلا عَلَى الْمَرْضى العميان وغيرهم وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ لفقرهم حَرَجٌ اى ضيق فى القعود عن الغزو وما ثم إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بالايمان والطاعة فى السر والعلانية كما يفعل الموالي والناصح او بما يقدروا عليه فعلا وقولا يعود على الإسلام والمسلمين بالصلاح ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على انهم منخرطون فى سلك المحسنين غير معاتبين مِنْ سَبِيلٍ الى معاتبتهم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) لهم او للمسى فكيف للمحسن قال البغوي قال قتادة نزلت فى عابد بن عمر وأصحابه وقال الضحاك نزلت فى عبد الله بن أم مكتون وكان ضرير البصر روى البخاري وابن سعد عن انس وابن سعد عن جابر رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك فدنا المدينة قال ان بالمدينة أقواما ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر.
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ عطف على الضعفاء او على المحسنين قال ابن عباس سالوه ان يحملهم على الدواب
стр. 1681
وقيل سالوه ان يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المحضوفة ليفروا معه قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ حال من الكاف فى أتوك بإضمار قد تَوَلَّوْا جواب إذا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ اى تسيل مِنَ الدَّمْعِ اى دمعها ومن للبيان وهى مع مجرورها فى محل النصب على التميز وهو ابلغ من تفيض دمعها لانه يدل على ان العين صارت دمعا فياضا حَزَناً نصب على العلة او الحال او المصدر لفعل دل عليه ما قبله أَلَّا يَجِدُوا اى لئلا يجدوا متعلق بحزنا او يتقيض ما يُنْفِقُونَ (٩٢) فى غزوتهم روى ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وابن إسحاق وابن المنذر وابو الشيخ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن بكر وعاصم بن محمد بن عمر وقتادة وغيرهم ﵏ ان عصابة من اصحاب رسول الله ﷺ جاؤه يستحملونه وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ان لا يجدوا ما ينفقون قال محمد بن يوسف الصالحي اختلفوا فى اسمائهم فالذى اتفقوا عليه سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف الأوسي وعلية بن زيد وابو ليلى بن عبد الرحمن بن كعب وهرمى بن عبد الله والذي اتفق عليه القرضى وابن إسحاق والواقدي وتبعهم ابن سعد وابن حزم وابو عمرو السهيلي ولم يذكر الأخير عرباض بن سارية جزم بذلك ابن حزم وابو عمرو ورواه ابو نعيم عن ابن عباس والدي اتفق عليه القرظي وابن إسحاق عمرو بن حمام بن الجموح والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة وابن إسحاق عبد الله بن مغفل روى ابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن ابى حاتم عن ابن مغفل قال انى لاجد الرهط الذين ذكر الله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وفى حديث ابن عباس أخرجه ابن ابى حاتم من طريق العوفى قال امر رسول الله ﷺ الناس ان ينبعثوا غازين معه فجاءت عصابة من اصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن مغفل المزني قالوا يا رسول الله احملنا فقال والله ما أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم بكاء وعزّ عليهم ان يحبسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا فانزل الله تعالى عذرهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية والذي اتفق عليه القرظي وابن عمر سلمة بن صخر ولفظ القرظي سلمان والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة عمرو بن عنمة بن عدى وعبد الله بن عمرو المزني حكاه ابن إسحاق قولا بدلا
стр. 1682
عن ابن مغفل وانفرد القرظي يذكر عبد الرحمن بن زيد ابو علية من بنى حارثة وبذكر حرمى بن عمرو من بنى مازن وقال محمد بن عمرو يقال ان عمرو بن عوف منهم قال ابن سعد وفى بعض الروايات من يقول فيهم معقل بن يسار وذكر فيهم الحاكم حرمى بن مبارك بن النجار وذكر ابن عابد فيهم مهدى بن عبد الرحمن وذكر فيهم محمد بن كعب سالم بن عمرو الواقفي قال ابن سعد وبعضهم يقول البكاءون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة انتهى وهم النعمان وسويد ومغفل وعقبل وسنان ذكر ابن إسحاق فى رواية يونس وابن عمران علية بن زيد لما فقد ما يحمله ولم يجد عند رسول الله ﷺ ما يحمله خرج من الليل فصلى من ليلة ما شاء الله تعالى ثم بكى وقال اللهم انك أمرت بالجهاد ورغبت فيه وانى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال او جسدا وعرض ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله ﷺ اين المتصدق هذه الليلة فلم يقم اليه أحد فقام اليه ناخبره فقال رسول الله ﷺ ابشر فو الذي نفسى بيده لقد كتبت فى الزكوة المتقبلة قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر لما خرج البكاءون من عند رسول الله
ﷺ وقد أعلمهم انه لا يجد ما يحملهم عليه بقي يامين بن عمرو النضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نقوى به على الخروج ونحن نكره ان يفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ فاعطاهما ناضحا له وزود كلواحد منهما صاعين من تمر زاد محمد بن عمرو حمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين وحمل عثمان بن عفان منهم ثلثة نفر بعد الذي كان جهز من الجيش قلت لعله لما سقط السبعة من الستة العشر المذكورين وسقط اثنان منهم لاجل شك الراوي فبقى من لم يخرج الى الغزو لفقد ما يحمله سبعة وهم الذين قال الله تعالى فيهم انه لا سبيل عليهم بالمعاتبة والله اعلم روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال أتيت رسول الله ﷺ فى نفر من الأشعريين ليحملنا وفى رواية أرسلني أصحابي الى رسول الله ﷺ اساله لهم الحملان فقلت يا رسول الله ان أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال والله لا أحملكم على شىء وما عندى ما أحملكم عليه ووافقته وهو غضبان
стр. 1683
ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله ﷺ ومن محافة ان يكرن رسول الله ﷺ وجد فى نفسه علىّ فرجعت الى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله ﷺ ثم جئ رسول الله ﷺ بنهب ابل فلم البث الا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى اين عبد الله بن قيس فاجبته فقال أجب رسول الله ﷺ يدعوك فلما أتيته قال هذين القرينين «١» وهذين القرينين لستة ابعرة اتباعهن حينئذ من سعد فانطلق بهن الى أصحابك فقل ان الله او قال ان رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهن قال ابو موسى فانطلقت الى أصحابي فقلت ان رسول الله ﷺ يحملكم على هولاء ولكن والله لا أودعكم حتى ينطلق معى بعضكم الى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سالته لكم ومنعه فى أول مرة ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا انى حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا لى والله انك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت قال فانطلق ابو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله ﷺ منعه إياهم ثم إعطائه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم ابو موسى ثم قلنا والله لا يبارك لنا فرجعنا فقلنا لرسول الله ﷺ فقال انا ما حملتكم ولكن الله حملكم ثم قال والله انى إنشاء الله لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منهما الا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمينى.
إِنَّمَا السَّبِيلُ بالعقاب والمعاتبة عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ واجدون الاهبة رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ استيناف ببيان ما هو السبب لاستيذانهم من غير عذرهم وهو رضاهم بالدناة والانتظام فى جملة الخوالف وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حتى غفلوا عن وخامة العاقبة فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) سوى ما اختاروه من القعود على الجهاد وموافقة الرسول.
يَعْتَذِرُونَ يعنى المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وقد ذكرنا انهم كانوا بضعة وثمانين نفرا إِلَيْكُمْ ايها الرسول والمؤمنون إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من غزوة تبوك الى المدينة وفى الاية معجزة فانهم جاؤا بعد ذلك يعتذرون بالباطل قال الله تعالى قُلْ لا تَعْتَذِرُوا بالمعاذير الكاذبة لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ لن نصدقكم
стр. 1684
علة للنهى لان غرض المعتذر ان يصدق فيما يعتذر به ثم بين علة عدم التصديق وقال قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ أعلمنا بالوحى الى نبيه ﷺ بعض اخباركم وهو ما فى ضمايركم من الشر والفساد وما زورتم من الاعتذارات الكاذبة وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فى المستقبل من الزمان هل تتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه فيه استتابة وامهال للتوبة ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بعد الموت وضع الوصف موضع الضمير للدلالة على انه مطلع على سرهم وعلتهم لا يفوت شىء من ضمائرهم وأعمالهم من علمه فَيُنَبِّئُكُمْ بالتعذيب بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ولا تعاتبوهم.
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ولا تعاتبوهم ولا تصاحبوهم إِنَّهُمْ رِجْسٌ اى لانهم أرجاس لخبث باطنهم فلا يجوز معهم المؤانسة والمصاحبة ولا ينفعهم المعاتبة لعدم صلاحيتهم للتطهر والمقصود عن المعاتبة انما هو التطهير بالحمل على الانابة وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ من تمام التعليل كانه قال انهم أرجاس من اهل النار فلا تصاحبوهم ولا تعاتبوهم جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يجوز ان يكون مصدر الفعل محذوف اى يجزون جزاء او يكون علة لكون ماواهم جهنم قال البغوي قال ابن عباس نزلت فى جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي ﷺ حين قدم المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم وقال مقاتل نزلت فى عبد الله بن ابى حلف للنبى ﷺ بالله الذي لا اله الا هو ان لا يتحلف عنه بعدها وطلب من النبي ﷺ ان يرضى عنه فانزل الله هذه الاية.
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ يحلفهم فتستديموا على ما كنتم تفعلون بهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) اى عنهم وضع المظهر موضع المضمر ليدل على موجب عدم الرضا يعنى ان لبسوا عليكم ورضيتم بهم لا يمكنهم ان يلبسوا على الله ويرضوه مع كفرهم ولا ينفعهم رضائكم مع سخط الله تعالى فانه ينزل بهم الهوان فى الدنيا والعذاب فى الآخرة والمقصود من الآية النهى عن الرضاء عنهم والاغترار بمعاذيرهم.
الْأَعْرابُ يعنى اهل البادية
стр. 1685
أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من اهل البلد لتوحشهم وقساوتهم وعدم اختلاطهم باهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا اى أحق بان لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ من الشرائع فرائضها وسنتها ومباحاتها ومحرماتها ومكروهاتها لا يميزون بعضها من بعض لجهلهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم حال جميع خلقه حَكِيمٌ (٩٧) فيما يفعل بهم فى الدنيا والآخرة.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ اى يزعم ما يُنْفِقُ فى سبيل الله مَغْرَماً اى غرامة وخسرانا قال عطاء لا يرجون لاعطائه ثوابا ولا على إمساكه عقابا انما ينفقون خوفا ورياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ اى ينتظرون بكم تقلب الزمان بان يموت الرسول ويظهر المشركون حتى يتخلصوا عن الانفاق الذي ينفقونها رياء وخوفا عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون بالمؤمنين او اخبار بما يقع بهم نحو ما يتربصون بالمؤمنين والدائرة فى الأصل مصدر او اسم فاعل من داريد ورسمى عقبة الزمان التي يأتي بالخير مرة وبالشر اخرى قرأ ابن كثير وابو عمرو السوء هنا وفى سورة الفتح بالضم السين ومعناه الضر والمكروه والباقون بفتح السين وهو مصدر أضيف اليه للمبالغة كقولك رجل صدق وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند النفاق فيما بين شياطينهم عَلِيمٌ (٩٨) بما يضمرون قال البغوي نزلت الآية المذكورة فى اعراب اسد وغطفان وبنى تميم وكذا اخرج ابو الشيخ عن الكلبي الا انه لم يذكر فيه بنى تميم ثم استثنى الله سبحانه من الاعراب المذكورين حال بعضهم فقال.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وقال البغوي اخرج ابن جرير عن مجاهد انها نزلت فى بنى مقرن من مزينته الذين نزلت فيهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم واخرج عن عبد الرحمن بن معقل قال كنا عشرة ولد مقرن وقال الكلبي اسلم وغفار وجهينة من تميم واسد بن خزيمة وهوازن وغطفان وفى الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ غفار غفر الله لها واسلم سالمها الله وعصية عصمت الله ورسوله وفيهما عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قريش والأنصار وجهينة ومزينته واسلم وغفار أشجع موالى ليس لهم مولى دون