وقيل سالوه ان يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المحضوفة ليفروا معه قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ حال من الكاف فى أتوك بإضمار قد تَوَلَّوْا جواب إذا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ اى تسيل مِنَ الدَّمْعِ اى دمعها ومن للبيان وهى مع مجرورها فى محل النصب على التميز وهو ابلغ من تفيض دمعها لانه يدل على ان العين صارت دمعا فياضا حَزَناً نصب على العلة او الحال او المصدر لفعل دل عليه ما قبله أَلَّا يَجِدُوا اى لئلا يجدوا متعلق بحزنا او يتقيض ما يُنْفِقُونَ (٩٢) فى غزوتهم روى ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وابن إسحاق وابن المنذر وابو الشيخ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن بكر وعاصم بن محمد بن عمر وقتادة وغيرهم ﵏ ان عصابة من اصحاب رسول الله ﷺ جاؤه يستحملونه وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ان لا يجدوا ما ينفقون قال محمد بن يوسف الصالحي اختلفوا فى اسمائهم فالذى اتفقوا عليه سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف الأوسي وعلية بن زيد وابو ليلى بن عبد الرحمن بن كعب وهرمى بن عبد الله والذي اتفق عليه القرضى وابن إسحاق والواقدي وتبعهم ابن سعد وابن حزم وابو عمرو السهيلي ولم يذكر الأخير عرباض بن سارية جزم بذلك ابن حزم وابو عمرو ورواه ابو نعيم عن ابن عباس والدي اتفق عليه القرظي وابن إسحاق عمرو بن حمام بن الجموح والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة وابن إسحاق عبد الله بن مغفل روى ابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن ابى حاتم عن ابن مغفل قال انى لاجد الرهط الذين ذكر الله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وفى حديث ابن عباس أخرجه ابن ابى حاتم من طريق العوفى قال امر رسول الله ﷺ الناس ان ينبعثوا غازين معه فجاءت عصابة من اصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن مغفل المزني قالوا يا رسول الله احملنا فقال والله ما أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم بكاء وعزّ عليهم ان يحبسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا فانزل الله تعالى عذرهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الآية والذي اتفق عليه القرظي وابن عمر سلمة بن صخر ولفظ القرظي سلمان والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة عمرو بن عنمة بن عدى وعبد الله بن عمرو المزني حكاه ابن إسحاق قولا بدلا
стр. 1682
عن ابن مغفل وانفرد القرظي يذكر عبد الرحمن بن زيد ابو علية من بنى حارثة وبذكر حرمى بن عمرو من بنى مازن وقال محمد بن عمرو يقال ان عمرو بن عوف منهم قال ابن سعد وفى بعض الروايات من يقول فيهم معقل بن يسار وذكر فيهم الحاكم حرمى بن مبارك بن النجار وذكر ابن عابد فيهم مهدى بن عبد الرحمن وذكر فيهم محمد بن كعب سالم بن عمرو الواقفي قال ابن سعد وبعضهم يقول البكاءون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة انتهى وهم النعمان وسويد ومغفل وعقبل وسنان ذكر ابن إسحاق فى رواية يونس وابن عمران علية بن زيد لما فقد ما يحمله ولم يجد عند رسول الله ﷺ ما يحمله خرج من الليل فصلى من ليلة ما شاء الله تعالى ثم بكى وقال اللهم انك أمرت بالجهاد ورغبت فيه وانى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال او جسدا وعرض ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله ﷺ اين المتصدق هذه الليلة فلم يقم اليه أحد فقام اليه ناخبره فقال رسول الله ﷺ ابشر فو الذي نفسى بيده لقد كتبت فى الزكوة المتقبلة قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر لما خرج البكاءون من عند رسول الله
ﷺ وقد أعلمهم انه لا يجد ما يحملهم عليه بقي يامين بن عمرو النضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نقوى به على الخروج ونحن نكره ان يفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ فاعطاهما ناضحا له وزود كلواحد منهما صاعين من تمر زاد محمد بن عمرو حمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين وحمل عثمان بن عفان منهم ثلثة نفر بعد الذي كان جهز من الجيش قلت لعله لما سقط السبعة من الستة العشر المذكورين وسقط اثنان منهم لاجل شك الراوي فبقى من لم يخرج الى الغزو لفقد ما يحمله سبعة وهم الذين قال الله تعالى فيهم انه لا سبيل عليهم بالمعاتبة والله اعلم روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال أتيت رسول الله ﷺ فى نفر من الأشعريين ليحملنا وفى رواية أرسلني أصحابي الى رسول الله ﷺ اساله لهم الحملان فقلت يا رسول الله ان أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال والله لا أحملكم على شىء وما عندى ما أحملكم عليه ووافقته وهو غضبان
стр. 1683
ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله ﷺ ومن محافة ان يكرن رسول الله ﷺ وجد فى نفسه علىّ فرجعت الى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله ﷺ ثم جئ رسول الله ﷺ بنهب ابل فلم البث الا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى اين عبد الله بن قيس فاجبته فقال أجب رسول الله ﷺ يدعوك فلما أتيته قال هذين القرينين «١» وهذين القرينين لستة ابعرة اتباعهن حينئذ من سعد فانطلق بهن الى أصحابك فقل ان الله او قال ان رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهن قال ابو موسى فانطلقت الى أصحابي فقلت ان رسول الله ﷺ يحملكم على هولاء ولكن والله لا أودعكم حتى ينطلق معى بعضكم الى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سالته لكم ومنعه فى أول مرة ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا انى حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا لى والله انك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت قال فانطلق ابو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله ﷺ منعه إياهم ثم إعطائه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم ابو موسى ثم قلنا والله لا يبارك لنا فرجعنا فقلنا لرسول الله ﷺ فقال انا ما حملتكم ولكن الله حملكم ثم قال والله انى إنشاء الله لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منهما الا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمينى.
إِنَّمَا السَّبِيلُ بالعقاب والمعاتبة عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ واجدون الاهبة رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ استيناف ببيان ما هو السبب لاستيذانهم من غير عذرهم وهو رضاهم بالدناة والانتظام فى جملة الخوالف وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حتى غفلوا عن وخامة العاقبة فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) سوى ما اختاروه من القعود على الجهاد وموافقة الرسول.
يَعْتَذِرُونَ يعنى المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وقد ذكرنا انهم كانوا بضعة وثمانين نفرا إِلَيْكُمْ ايها الرسول والمؤمنون إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من غزوة تبوك الى المدينة وفى الاية معجزة فانهم جاؤا بعد ذلك يعتذرون بالباطل قال الله تعالى قُلْ لا تَعْتَذِرُوا بالمعاذير الكاذبة لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ لن نصدقكم
стр. 1684
علة للنهى لان غرض المعتذر ان يصدق فيما يعتذر به ثم بين علة عدم التصديق وقال قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ أعلمنا بالوحى الى نبيه ﷺ بعض اخباركم وهو ما فى ضمايركم من الشر والفساد وما زورتم من الاعتذارات الكاذبة وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فى المستقبل من الزمان هل تتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه فيه استتابة وامهال للتوبة ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بعد الموت وضع الوصف موضع الضمير للدلالة على انه مطلع على سرهم وعلتهم لا يفوت شىء من ضمائرهم وأعمالهم من علمه فَيُنَبِّئُكُمْ بالتعذيب بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ولا تعاتبوهم.
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ولا تعاتبوهم ولا تصاحبوهم إِنَّهُمْ رِجْسٌ اى لانهم أرجاس لخبث باطنهم فلا يجوز معهم المؤانسة والمصاحبة ولا ينفعهم المعاتبة لعدم صلاحيتهم للتطهر والمقصود عن المعاتبة انما هو التطهير بالحمل على الانابة وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ من تمام التعليل كانه قال انهم أرجاس من اهل النار فلا تصاحبوهم ولا تعاتبوهم جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يجوز ان يكون مصدر الفعل محذوف اى يجزون جزاء او يكون علة لكون ماواهم جهنم قال البغوي قال ابن عباس نزلت فى جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي ﷺ حين قدم المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم وقال مقاتل نزلت فى عبد الله بن ابى حلف للنبى ﷺ بالله الذي لا اله الا هو ان لا يتحلف عنه بعدها وطلب من النبي ﷺ ان يرضى عنه فانزل الله هذه الاية.
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ يحلفهم فتستديموا على ما كنتم تفعلون بهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) اى عنهم وضع المظهر موضع المضمر ليدل على موجب عدم الرضا يعنى ان لبسوا عليكم ورضيتم بهم لا يمكنهم ان يلبسوا على الله ويرضوه مع كفرهم ولا ينفعهم رضائكم مع سخط الله تعالى فانه ينزل بهم الهوان فى الدنيا والعذاب فى الآخرة والمقصود من الآية النهى عن الرضاء عنهم والاغترار بمعاذيرهم.
الْأَعْرابُ يعنى اهل البادية
стр. 1685
أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من اهل البلد لتوحشهم وقساوتهم وعدم اختلاطهم باهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا اى أحق بان لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ من الشرائع فرائضها وسنتها ومباحاتها ومحرماتها ومكروهاتها لا يميزون بعضها من بعض لجهلهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم حال جميع خلقه حَكِيمٌ (٩٧) فيما يفعل بهم فى الدنيا والآخرة.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ اى يزعم ما يُنْفِقُ فى سبيل الله مَغْرَماً اى غرامة وخسرانا قال عطاء لا يرجون لاعطائه ثوابا ولا على إمساكه عقابا انما ينفقون خوفا ورياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ اى ينتظرون بكم تقلب الزمان بان يموت الرسول ويظهر المشركون حتى يتخلصوا عن الانفاق الذي ينفقونها رياء وخوفا عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون بالمؤمنين او اخبار بما يقع بهم نحو ما يتربصون بالمؤمنين والدائرة فى الأصل مصدر او اسم فاعل من داريد ورسمى عقبة الزمان التي يأتي بالخير مرة وبالشر اخرى قرأ ابن كثير وابو عمرو السوء هنا وفى سورة الفتح بالضم السين ومعناه الضر والمكروه والباقون بفتح السين وهو مصدر أضيف اليه للمبالغة كقولك رجل صدق وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند النفاق فيما بين شياطينهم عَلِيمٌ (٩٨) بما يضمرون قال البغوي نزلت الآية المذكورة فى اعراب اسد وغطفان وبنى تميم وكذا اخرج ابو الشيخ عن الكلبي الا انه لم يذكر فيه بنى تميم ثم استثنى الله سبحانه من الاعراب المذكورين حال بعضهم فقال.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وقال البغوي اخرج ابن جرير عن مجاهد انها نزلت فى بنى مقرن من مزينته الذين نزلت فيهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم واخرج عن عبد الرحمن بن معقل قال كنا عشرة ولد مقرن وقال الكلبي اسلم وغفار وجهينة من تميم واسد بن خزيمة وهوازن وغطفان وفى الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ غفار غفر الله لها واسلم سالمها الله وعصية عصمت الله ورسوله وفيهما عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قريش والأنصار وجهينة ومزينته واسلم وغفار أشجع موالى ليس لهم مولى دون
стр. 1686
الله ورسوله وفيهما عن ابى بكرة قال قال رسول الله ﷺ اسلم وغفار ومزينة وجهينة خير من تميم ومن بنى عامر والحليفين اسد وغطفان وروى البغوي عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اسلم وغفار وشىء من جهينه ومزينة خير عند الله يوم القيامة من تميم واسد بن خزيمة وهوازن وغطفان وَيَتَّخِذُ اى يزعم ما يُنْفِقُ فى سبيل الله سبب قُرُباتٍ وهى ثانى مفعولى يتخذ عِنْدَ اللَّهِ صفة لقربات او ظرف ليتخذ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ اى سبب دعائه ﷺ واستغفاره اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عباس قال صلوات الرسول استغفاره ﷺ وقد قال رسول الله ﷺ اللهم صل على ال ابى اوفى حين جاء عبد الله بن ابى اوفى بصدقته كذا اخرج الجماعة الا الترمذي من حديث عبد الله بن ابى اوفى أَلا إِنَّها اى النفقة قُرْبَةٌ لَهُمْ ط عند الله تعالى قرأ نافع برواية ورش قربة بضم الراء والباقون بسكونها وهذه شهادة من الله تعالى بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستيناف مع حر فى التنبيه والتأكيد سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ السين لتحقيق الوعد فِي رَحْمَتِهِ اى جنته. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين هجروا قومهم وعشائرهم وفارقوا أوطانهم وأموالهم يعنى من قريش مكة وَالْأَنْصارِ الذين نصروا رسول الله ﷺ وأووه وأصحابه حين أخرجه قومه يعنى من اهل المدينة واختلفوا فى السابقين من الفريقين قال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة هم الذين صلوا الى القبلتين وقال عطاء بن ابى رباح هم اهل بدر وقال الشعبي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان بالحديبية وقيل هم من المهاجرين ثمانية ففر الذين سبقوا الى الإسلام ثم تتابع الناس فى الدخول فى الإسلام بعدهم وهم أبو بكر وعلى وزبير بن الحارثة وعثمان بن عفان وزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وطلحة بن عبيد الله قال البغوي واختلفوا فى أول من أمن برسول الله ﷺ بعد امرأته خديجة مع اتفاقهم على انها أول من أمن برسول الله ﷺ فقال بعضهم على ابن ابى طالب وهو قول جابر بن عبد الله ويؤيده قول على
стр. 1687
رضى الله عنه (شعر)
سبقتكم الى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت او ان حلم
قال مجاهد وابن إسحاق اسلم على وهو ابن عشر سنين وقال بعضهم أول من أمن به بعد خديجة ابو بكر الصديق وهو قول ابن عباس وابراهيم النخعي والشعبي ويشهده قول حسان بن ثابت فى اشعاره فى مدح ابى بكر وتسليم النبي ﷺ إياه وقال بعضهم أول من أمن به زيد بن حارثة وهو قول الزهري وعروة ابن الزبير وكان إسحاق بن ابراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول أول من اسلم من الرجال ابو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان على ومن العبيد زيد بن الحارثة رضى الله عنهم أجمعين قال ابن إسحاق فلما اسلم ابو بكر اظهر إسلامه ودعا الى الله والى رسوله وكان رجلا محببا سهلا وكان انسب قريش وأعلمها بما كان فيها وكان تاجر إذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير
واحد من الأمر لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعوا الى الإسلام من وثق به من قومه فاسلم على يديه فيما بلغني عثمان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم الى رسول الله ﷺ حين اسلموا وصلوا ثم اسلم غيرهم حتى بلغ المسلمون من الرجال والنساء الى تسع وثلثين فى سبع سنين ثم اسلم عمر بن الخطاب فهو منهم أربعين فاذا اسلم عمر قال المشركون اليوم انتصف منا ثم شاع الإسلام وتقوى بإسلام عمر بعد سبع سنين ومن هاهنا قال على رضى الله عنه صليت قبل الناس بسبع سنين والسابقون من الأنصار هم الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة وكانوا ستة فى العقبة الاولى وقيل سبعة واثنى عشر فى العقبة الثانية والسبعون فى العقبة الثالثة كما سنذكر والذين أمنوا حين قدم عليهم ابو زرارة ومصعب بن عمير يعلمهم القرآن فاسلم خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان قرأ يعقوب والأنصار بالرفع عطفا على قوله والسابقون وهى قرأة ابى أخرجها ابن جرير وابو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي والحاكم وابو الشيخ عن اسامة ومحمد بن ابراهيم التيمي
стр. 1688
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ قيل هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين وقيل هم الذين سلكوا سبيلهم فى الايمان والهجرة والنصرة الى يوم القيامة قلت ويمكن ان يكون المراد من السابقين المقربين الذين قال الله تعالى فيهم والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم ثلة من الأولين يعنى من الصحابة والتابعين واتباعهم فانهم الأولون من هذه الامة وقليل من الآخرين اى آخري هذه الامة يعنى بعد الالف وهم ارباب كمالات النبوة فانهم كثيرون فى الصدر الاول قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه الصحابة كلهم كانوا من ارباب كمالات النبوة واكثر التابعين وبعض من اتباع التابعين وقيل بعد الالف من الهجرة قلت فعلى هذا قوله تعالى من المهاجرين والأنصار بيان للسابقين الأولين وليست كلمة من للتبعيض والذين اتبعوهم بإحسان يشتمل السابقين الآخرين واصحاب اليمين الذين هم ثلة من الأولين من الصدر الاول ومن بعدهم وثلة من الآخرين الى ما بعد الالف الى يوم القيامة وقال عطاء الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين يذكرون الصحابة بالترحم والدعاء قال ابو صخر حميد بن زياد أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له ما قولك فى اصحاب رسول الله ﷺ فقال جميع اصحاب رسول الله ﷺ فى الجنة محسنهم وسيئهم فقلت له من اين تقول هذا قال أقرأ قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار «١» الى ان قال رضى الله عنهم ورضوا عنه قال والذين اتبعوهم بإحسان شرط فى التابعين شريطة وهو ان يتبعوهم فى أفعالهم الحسنة دون السيئة قال ابو صخر فكانى لم يقرأ هذه الاية قط وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علىّ محمد بن كعب قلت واولى بالاحتجاج على كون جميع الصحابة فى الجنة قوله تعالى لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد
стр. 1689
وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فانه صريح فى ان جميع الصحابة أولهم وآخرهم وعدهم الله تعالى الحسنى يعنى الجنة وقال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسى بيده لو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري وقال رسول الله ﷺ لا تمس النار مسلما رأنى او راى من رأنى رواه الترمذي عن جابر وقال رسول الله ﷺ ما من أحد من أصحابي يموت بأرض الا بعث قائدا ونور الهم يوم القيامة رواه الترمذي من حديث بريدة وقال رسول الله ﷺ أصحابي كالنجوم فبايهم اقتديتم اهتديتم رواه رزين من حديث عمر بن الخطاب ﵃ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم وَرَضُوا عَنْهُ ربا وعن الإسلام دينا ومحمد رسولا ونبيا بما القى الله حبه فى قلوبهم وبما نالوا من نعم الدنيوية والدينية وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ قرأ ابن كثير من تحتها كما هو فى ساير المواضع وكذلك فى مصاحف اهل مكة والباقون بحذف من خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وهم من مزينة وجهينة وأشجع واسلم وغفار أخرجه ابن المنذر عن عكرمة كان منازلهم حول المدينة وكون بعضهم منافقين كما يدل عليه من التبعيضية لا ينافى ما مر من الأحاديث فى مناقب غفار واسلم وأشجع وغيرها.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يعنى من الأوس والخزرج عطف على ممن حولكم وقوله تعالى مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ صفة للمنافقين فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر او كلام مبتدأ بيان لتمرنهم فى النفاق وجاز ان يكون الظرف خبر المحذوف وجملة مردوا صفة لمبتدأ محذوف تقديره ومن اهل المدينة قوم مردوا على النفاق اى مرنوا وثبتوا عليه يقال تمرد فلان على ربه اى عتى ومرد على معصية اى مرن وثبت عليها واعتادها ومنه المريد والمارد قال ابن إسحاق اى لجوا فيه وأبوا غيره وقال ابن زيدا قاموا عليه ولم يتوبوا فى القاموس مرد كنصر وكرم مرودا ومرادة فهو مريد ومارد ومتمرد اقدم وعتا او هو يبلغ الغاية التي يخرج إليها من جملة ما عليها ذلك الصنف
стр. 1690
أجنحتها رضى لطالب العلم وان العالم يستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض والحيتان فى جوف الماء وان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بخظ وافر رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة.
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ هم المصلون ذكرهم باللفظين كانه كرر ذكره للدلالة على فضل الصلاة على سائر العبادات عن ابن مسعود قال سالت النبي ﷺ ايّ الأعمال أحب الى الله قال الصلاة لوقتها قلت ثم اى قال بر الوالدين قلت ثم اى قال الجهاد فى سبيل الله متفق عليه وقال رسول الله ﷺ الصلاة عماد الدين رواه ابو نعيم عن الفضل بن دكين وقال الصلاة نور المؤمن رواه ابن عساكر عن انس وقال الصلاة قربان كل تقى رواه القضاعي عن على وقال ﵇ اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا الدعاء رواه مسلم وابو داود والنسائي عن ابى هريرة الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالايمان والطاعة وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عن الشرك والمعصية وقيل المعروف السنة والمنكر البدعة ذكر العاطف بينهما للدلالة على ان مجموعهما خصلة واحدة وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ اى فيما بينه وبين الله تعالى من الحقائق والشرائع قيل أورد العاطف هاهنا للتنبيه على ان ما قبله تفصيل الفضائل وهذا اجمالها قلت لعل الله سبحانه أورد العاطف هاهنا لان الله سبحانه ذكر اولا إتيان الحسنات المذكورات ثم ذكر محافظة حد كل منها بلا زيادة من قبل نفسه رهبانيته ابتدعوها وبلا نقصان صورة ولا معنى فكان الأشياء المذكورة قبلها مجموعها شىء واحد يعبر عنها بإتيان الشرائع وهذا شىء اخر كناية عن الإخلاص والحضور التام المستفاد من صحبة ارباب القلوب فان محافظة الحدود لا يتصور الا بحضور تام دائم والله اعلم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) يعنى الموصوفين بتلك الفضائل وضع المؤمنين موضع ضميرهم للدلالة على ان ايمانهم دعاهم الى ذلك وان المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كانه قيل بشرهم بما لا يدركه الافهام ولا يحيط الكلام ولم يسمعه الاذان والله اعلم روى الشيخان فى الصحيحين عن سعيد
стр. 1691
بن المسيب عن أبيه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن ابى امية بن المغيرة فقال اى عم قل لا اله الا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله فقال ابو جهل وعبد الله بن ابى امية أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيد انه بتلك المقالة حتى قال ابو طالب اخر ما كلمهم على ملة عبد المطلب وزاد فى رواية وابى ان يقول لا اله الا الله فقال رسول الله ﷺ والله لاستغفرن لك ما لم انه عنك فنزلت.
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) بان ماتوا على الكفر فيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فانه طلب لتوفيقهم للايمان وروى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لعمه قل لا اله الا الله اشهد لك يوم القيامة قال لولا ان يعير قريش يقولون انما حمله على ذلك الجزع لاقررت بها عينك فانزل الله تعالى انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وروى البخاري عن ابى سعيد الخدري انه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه فقال لعله ينفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح «١» من نار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه هذا الحديث المذكور يدل على ان الاية نزلت بمكة فى ابى طالب واخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن على قال سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت له اتستغفر لك لابويك وهما مشركان فقال استغفر ابراهيم لابيه وهو مشرك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية ولعل هذه القصة قارنت قصة موت ابى طالب فنزلت الاية فيهما وما يدل على ان الاية نزلت فى امنة أم النبي ﷺ وعبد الله أبيه فلا يصلح منها شيء وليس شيء منها ما يصلح ان يعارض ما ذكرنا فى القوة فيجب ردها منها ما رواه الحاكم والبيهقي فى الدلائل من طريق أيوب بن هانى عن مسروق عن ابن مسعود قال خرج رسول الله ﷺ يوما الى المقابر وخرجنا معه فامرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى الى قبر منها فناجاه طويلا
стр. 1692
ثم ارتفع باكيا فبكينا لبكائه ثم اقبل علينا فتلقاه عمر فقال يا رسول الله ما الذي أبكاك فقد ابكاناها وأفزعنا فجاء فجلس إلينا فقال افزعكم بكائي قلنا نعم قال ان القبر الذي رايتمونى اناجى فيه قبر امنة بنت وهب وانى استأذنت ربى فى زيارتها فاذن لى فاستاذنته فى الاستغفار لها فلم يأذن لى ونزل علىّ ما كان للنبى والذين أمنوا معه ان يستغفر وللمشركين الآيتين فاخذنى ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني قال الحاكم هذا حديث صحيح ونعقبه الذهبي فى شرح المستدرك وقال أيوب بن هانى ضعفه ابن معين ومنها ما اخرج الطبراني وابن مردوية من حديث ابن عباس قال لما اقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك واعتمر هبط من ثنية عسفان فنزل على قبر امه فذكر نحو حديث ابن مسعود وفيه ذكر نزول الاية قال السيوطي اسناده ضعيف لا تعويل عليه وقال البغوي قال ابو هريرة وبريدة لما قدم النبي ﷺ مكة اتى قبر امه امنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء ان يؤذن له فيستغفر لها فنزلت ما كان للنبى الاية هذه وكذا اخرج ابن سعد وابن شاهين من حديث بريدة بلفظ لما فتح رسول الله مكة اتى قبر امه فجلس فذكر نحوه وفى لفظ عند ابن جرير عن بريدة كما ذكر البغوي قال ابن سعد فى الطبقات بعد تخريجه هذا غلط وليس قبرها بمكة وقبرها بالأبواء واخرج احمد وابن مردوية واللفظ له من حديث بريدة قال كنت مع النبي ﷺ إذ وقفت على عسفان فابصر قبر امه فتوضأ وصلى وبكى ثم قال انى استأذنت ربى ان اشفعه لها فنهيت فانزل الله تعالى ما كان للنبى الاية هذه قال السيوطي طرق الحديث كلها معلولة وقال الحافظ ابن حجر فى شرح البخاري من حكم بصحة حديث ابن مسعود ليس لكونه صحيحا لذاته بل لوروده من هذه الطرق وقد تاملت فوجدتها كلها معلولة وفى الحديث علة اخرى انها مخالف لما فى الصحيحين ان هذه الاية نزلت بمكة عقب موت ابى طالب وكذا ما ذكر البغوي قول قتادة انه ﷺ قال لاستغفرن لابى كما استغفر ابراهيم لابيه فانزل الله ما كان للنبى الاية هذه مرسل ليس بصحيح بل ضعيف ومخالف لما فى الصحيحين كما ذكرنا فلا يجوز القول بكون أبوي النبي ﷺ مشركين مسندى بهذه الاية وقد صنف الشيخ الاجل جلال الدين السيوطي رضى الله عنه رسائل فى اثبات ايمان أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1693
وجميع ابائه وأمهاته الى آدم ﵇ وخلصت منها رسالة سميتها بتقديس اباء النبي ﷺ فمن شاء فليرجع اليه وهذا المقام لا يسع زيادة التطويل فى الكلام فان قيل ما ورد من حديث الصحيحين فى قصة موت ابى طالب قال ابو جهل أترغب عن ملة عبد المطلب وقول ابى طالب انا على ملة عبد المطلب يدل على كون عبد المطلب مشركا قلنا لا نسلم ذلك بل كان مؤمنا موحد او قد ذكر ابن سعد فى الطبقات بأسانيده ان عبد المطلب قال لام ايمن وكانت تحضن رسول الله ﷺ يا بركة لا تغفلى عن ابني فانى وجدته مع غلمان قريبا من السدرة وان اهل الكتاب يقولون ان ابني هذا نبى هذه الامة لكن لما كان هو فى زمن الجاهلية جاهلا بالشرائع وبما جاء به النبي ﷺ وإن كان التوحيد كافيا له فى زمن الفترة زعم ابو جهل وابو طالب ان محمدا ﷺ جاء بشيء منكر وحكما يكون ملة عبد المطلب مخالفا لما جاء به النبي ﷺ قوله تعالى.
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ يعنى آزر وكان عما لابراهيم ﵇ وكان ابراهيم ابن تارخ وقد ذكرنا الكلام فيه فى سورة الانعام وقد صح عن النبي ﷺ انه قال بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه رواه البخاري فلا يمكن ان يكون كافر فى سلسلة ابائه ﷺ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ قال بعض المفسرين الضمير المرفوع عايد الى أبيه والمنصوب الى ابراهيم يعنى ان أباه وعده ان يسلم فقال له ابراهيم ساستغفر لك يعنى إذا أسلمت والأكثر على ان المرفوع راجع الى ابراهيم والمنصوب الى أبيه وذلك ان ابراهيم وعد إياه ان يستغفر له رجاء إسلامه وهو قوله ساستغفر لك ربى يدل على ذلك قراءة من قرأ وعدها أباه بالباء الموحدة والدليل على ان الوعد كان من ابراهيم وكان الاستغفار فى حال كون أبيه مشركا قوله تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة فى ابراهيم الى ان قال الا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك فانه صريح فى ان ابراهيم ﵇ ليس بقدوة فى هذا الاستغفار فهو انما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء ان يسلم فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ اى لابراهيم بموت أبيه على الكفر او بما اوحى اليه بانه لن يؤمن أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ فقطع عن استغفاره وقيل فلما تبين له فى الاخرة انه
стр. 1694
عدو الله تبرأ منه روى البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال يلقى ابراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له ابراهيم الم اقل لك لا تعصنى فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول ابراهيم يا رب انك وعدتني ان لا تخزنى يوم يبعثون ناى خزى اخزى من ابى الا بعد فيقول الله تعالى انى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا ابراهيم انظر ما تحت رجليك فينظر فاذا هو بذيخ متلطخ فيوخذ بقوائمه فيلقى فى النار وفى رواية فتبرأ منه يومئذ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ الذي يكثر التأوه لكمال خشيته من الله تعالى كذا قال كعب الأحبار وكان ابراهيم ﵇ يكثر ان يقول آه من النار قبل ان لا ينفع آه وقيل هو الذي يتاوه من الذنوب ومالهما واحد وكذا ما قال البغوي انه جاء فى الحديث الأواه الخاشع المتضرع فان الخشوع يستلزم التأوه من الذنوب والنار وكذا ما قال عطاء الراجع عن كل ما يكره الله الخائف من النار وقال ابن مسعود الأواه الدعّاء وعن ابن عباس قال المؤمن التواب وقال الحسن وقتادة الأواه الرحيم بعباد الله وقال مجاهد الأواه الموقن وقال عكرمة هو المستيقن بلغة الحبشة وقال عقبة بن عامر الأواه كثير الذكر لله تعالى وعن سعيد بن جبير قال الأواه المسيح وروى عنه الأواه المعلم للخير وقال النخعي هو الفقيه وفى القاموس ذكر المعاني المذكورة فقال الأواه الموقن او الداعي او الرحيم او الفقيه او المؤمن بالحبشية وقال ابو عبيدة هو المتاوه شفقا المتضرع يقينا ولزوما للطاعة قال الزجاج انتظم قول ابى عبيدة جميع ما قيل فى الأواه حَلِيمٌ (١١٣) اى صفوح عمن ناله بمكروه ومن ثم قال لابيه عند وعيده بقوله لان لم تنته لارجمنك قال سلام عليك ساستغفر لك ربى وقال ابن عباس الحليم السيد وفى القاموس الحلم بالكسر الاناءة والعقل فهو حليم والجملة لبيان ما حمل ابراهيم على الاستغفار والله اعلم- قال مقاتل والكلبي ان قوما قدموا على النبي ﷺ واسلموا ولم يكن الخمر حراما ولا القبلة مصروفة الى الكعبة فرجعوا الى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت فقالوا يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ضلال فانزل الله
стр. 1695
تعالى.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً اى يحكم عليهم بالضلال ويسميهم الضالة ويواخذهم على فعل بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للاسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ اى ما يجب اتقائه من الأعمال فلم يتقوه ويستحقون الإضلال وقيل فيه بيان عذر لرسول الله ﷺ فى قوله لعمه لاستغفرن لك ما لم انه عنه او لمن استغفر لاسلافه المشركين قبل النهى قال مجاهد بيان الله للمؤمنين فى الاستغفار للمشركين خاصة وبيان لهم فى مغصية وطاعة عامة يعنى ان الاية نزلت فى الاستغفار للمشركين لكن حكمها عام لعموم الصيغة إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٤) يعنى يعلم حال من فعل جهلا ومن فعل تمرد او من يستحق الإضلال ومن لا يستحقه.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ ايها الناس مِنْ دُونِ اللَّهِ من غيره مِنْ وَلِيٍّ يحفظكم منه وَلا نَصِيرٍ (١١٥) يمنع عنكم ضررا يريد بكم فلا ينبغى لكم ان توالوا بالمشركين وتستغفروا لهم وإن كانوا اولى قربى حسبكم ولاية الله ونصرته.
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ من اذن المنافقين فى التخلف او المعنى برأهم عن تعلق الذنوب لقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقيل المراد بعث على التوبة والمعنى ما من أحد الا وهو محتاج الى التوبة حتى النبي ﷺ وخاصة أصحابه لقوله تعالى توبوا الى الله جميعا إذ ما من أحد الا له مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي اليه توبة من تلك النقيصة وفيه اظهار تفضل التوبة بانها مقام الأنبياء والصالحين من عباده وقيل افتتح الكلام بالنبي لانه كان سبب توبتهم فذكره معهم كما ذكر كلمة لله فى قوله تعالى لله خمسه وللرسول ولذى القربى الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ حين استغفرهم لغزوة تبوك فِي ساعَةِ اى وقت الْعُسْرَةِ قال البغوي كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش جيش العسرة اى الشدة لما كانت عليهم عسرة من الظهر والزاد والماء قال الحسن كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد منهم يعنقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر منهم يخرجون ما معهم الا التمرات بينهم فاذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب
стр. 1696
عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة الا النواة فمضوا مع رسول الله ﷺ على صدقهم ويقينهم روى احمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عمر بن الخطاب قال خرجنا الى تبوك فى يوم قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا ان رقابنا سينقطع حتى إذا كان الرجل ليذهب فيلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن ان رقبته سينقطع وحتى ان كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه «١» فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال ابو بكر يا رسول الله ان الله قد عود لك فى الدعاء خيرا فادع الله لنا قال أتحب ذلك قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعها حتى جالت «٢» السماء فاظلت ثم سكبت فملاؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر وروى ابن ابى حاتم عن ابى حرزة الأنصاري قال نزلوا الحجر فامرهم رسول الله ﷺ ان لا يحملوا من مائها شيئا ثم ارتحل ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فصلى ركعتين ثم دعا فارسل الله سحابة فامطرت عليهم حتى استقوا منها فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه متهم بالنفاق ويحك قد ترى ما دعا رسول الله ﷺ فامطر الله علينا السماء قال انما مطرنا بنوء كذا وكذا فانزل الله تعالى وتجعلون رزقكم انكم تكذبون مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قرأ حفص وحمزة بالياء التحتية والباقون بالتاء الفوقية لان الفاعل مونث غير حقيقى قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ اى قلوب بعضهم ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل الى التخلف والانصراف لاجل الشدة التي كانت عليهم قال الكلبي همّ ناس بالتخلف ثم لحقوه وقال ابن إسحاق ومحمد عمر كان نقر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله ﷺ حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك وهلال بن امية ومرارة ابن الربيع وابو حيثمة وابو ذر الغفاري وكانوا نفر صدق لا يتهمون فى إسلامهم روى ابن إسحاق عن ابن مسعود قال لما سار رسول الله ﷺ الى تبوك جعل يتخلف عنه الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يك غير ذلك فقد ارى حكم الله فيه حتى قيل يا رسول الله تخلف ابو ذر
و
стр. 1697
ابطأ بعيره فقال رسول الله ﷺ نحو ذلك وتلوّم ابو ذر بعيره فلما ابطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع اثر رسول الله ﷺ ماشيا قال محمد بن عمر كان ابو ذر يقول ابطأت على رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك من أجل بعيري وكان نضوا «١» أعجف فقلت اعلفه أياما ثم الحق برسول الله ﷺ فعلفته أياما ثم خرجت فلما كنت بذي المودة إذ مر بي فتلومت عليه يوما فلم ار به حركة فاخذت متاعى فحملته وتطلعت على رسول الله ﷺ نصف النهار فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله ان هذا الرجل يمشى على الطريق وحده فقال رسول الله ﷺ كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله ابو ذر فقال رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده قال محمد بن يوسف الصالحي فكان كذلك فلما قدم ابو ذر على رسول الله ﷺ أخبره خبره فقال لقد غفر الله تعالى لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا الى ان بلغتني وروى الطبراني عن ابى خيثمة وابن إسحاق ومحمد بن عمر عن شيوخهما قال لما سار رسول الله ﷺ أياما دخل ابو خيثمة على اهله فى يوم حار فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائط وقد رشت كلواحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء وهيات له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى امرأتيه وما صنعتا له فقال سبحان الله رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حرفى انصح والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه وابو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيا وامرأة حسناء فى ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا ادخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله ﷺ تهيا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حتى نزل تبوك وقد أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي فى الطريق لطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال ابو خيثمة لعمير بن وهب ان لى ذنبا فلا عليك ان تخلف عنى اتى رسول الله ﷺ ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ قال الناس هذا راكب مقبل فقال رسول الله
стр. 1698
صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فقالوا والله هو ابو خيثمة فقال له رسول الله ﷺ اولى «١» لك يا أبا خيثمة ثم اخبر رسول الله ﷺ الخبر فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تكرير للتاكيد او أراد بالتوبة فى صدر الاية التوبة من اذن المنافقين فى التخلف وهاهنا من كيدودتهم زيغ القلوب او المراد فى صدر الاية التوفيق للتوبة والانابة وهاهنا قبول التوبة او للتبيه على انه تاب عليهم لاجل ما كابدوا من العسرة إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٦) قال البغوي قال ابن عباس من تاب الله عليه لم يعذبه ابدا يعنى على ذلك الذنب.
وَعَلَى الثَّلاثَةِ عطف على عليهم الَّذِينَ خُلِّفُوا اى تخلفوا عن غزوة تبوك وقيل خلفوا اى أرجى أمرهم عن توبة ابى لبابة وأصحابه وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر ومرارة ابن الربيع وهلال ابن امية كلهم من الأنصار روى الشيخان فى الصحيحين واحمد وابن ابى شيبة وابن إسحاق وعبد الرزاق عن كعب بن مالك قال لم أتخلف عن رسول الله ﷺ فى غزوة غزاها الا فى غزوة تبوك غير انى كنت تخلفت فى غزوة بدر ولم يعاقب الله أحدا تخلف عنها انما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة قلت يعنى ليلة العقبة الثالثة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب ان لى بها مشهد بدر وانكانت البدر اكثر ذكرا فى الناس منها كان من خبرى انى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة والله ما اجتمعت عندى قبله راحلتان قط حتى جمعتها فى تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها وكان يقول الحرب خدعة حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ فى حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وصفاوز وعدوّا كثيرا فجلّا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا اهبة غزوهم فاخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير وعند مسلم يزيدون على عشرة آلاف وروى الحاكم فى اكليل عن معاذ قال
стр. 1699
خرجنا مع رسول الله ﷺ الى غزوة تبوك زيادة عن ثلثين الفا وقال ابو ذرعة لا يجمعهم كتاب حافظ قال الزهري يريد الديوان فما رجل يريد ان يتغيب الا ظن انه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الظلال والثمار وتجهز رسول الله ﷺ وتجهز المسلمون معه فخرج يوم الخميس وكان يحب إذا كان سفر جهاد او غيره ان يخرج يوم الخميس فطفقت اعدوا لكى أتجهز معهم فارجع ولم اقض شيئا فاقول فى نفسى انا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي الحال حتى اشتد بالناس الحر فاصبح رسول الله ﷺ غازيا والمسلمون معه ولم اقض من جهازى شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم او يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد ان فصلوا لاتجهز فرجعت ولم اقض شيئا ثم غدوت ولم اقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أمعن القوم واسرعوا وتفارط الغزو وهممت ان ارتحل فادركهم وليتنى فعلت ولم يقدر لى ذلك فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني ان لا ارى الا رجلا مغموصا «١» عليه بالنفاق او رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكر لى رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بنى سلمة وفى رواية من قومى قال محمد بن عمر هو عبد الله بن أنيس السلمى يا رسول الله حبسه برداه «٢» ونظره فى عطفيه فقال معاذ بن جبل ويقال ابو قتادة بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه الا خيرا فسكت رسول الله ﷺ قال كعب فلما بلغني ان رسول الله ﷺ توجه قافلا حضرنى همى وطفقت أعد عذرا لرسول الله صلى الله عليه واهيّئ الكلام وأقول بماذا اخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلي فلما قيل ان رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت ان لن اخرج منه ابدا بشيء فيه كذب فاجمعت صدقه وعرفت انه لن ينجينى الا الصدق وأصبح رسول الله عليه وسلم قادما قال ابن سعد فى رمضان قال كعب وكان إذا قدم من سفر
стр. 1700
لا يقدم الا فى الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين فيقعد فيه ثم يدخل على فاطمة ثم على أزواجه فبدأ بالمسجد فركعهما ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جأه المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب فقال تعال فجئت امشى حتى جلست بين يديه وعند ابن عابد فاعرض عنه رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله لم تعرض عنى فو الله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت فقال لى ما خلفك الم تكن قد اتبعت ظهرا فقلت بلى انى والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من اهل الدنيا لرأيت انى ساخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكنى والله لقد علمت لان حدثتك حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله تعالى ان يسخطك ولان حدثتك حديث صدق تجد على فيه انى لارجوا فيه عفو الله لا والله ما كان لى من عذر والله ما كنت أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ اما هذا فقد صدق فقم حتى يفضى الله فيك بما يشاء فمضيت وثار رجال من بنى سلمة فاتبعونى فقالوا لى ما علمناك كنت إذ نبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت ان لا تكون اعتذرت الى رسول الله ﷺ بما اعتذر اليه المخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ فو الله ما زالوا يؤنّبوننى حتى أردت ان ارجع فاكذب نفسى فقلت ما كنت اجمع أمرين أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وكذبه ثم قلت لهم هل بقي هذا معى أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن امية الواقفي وعند ابن ابى حاتم من مرسل الحسن ان سبب تخلف الاول انه كان حائط حين زهى فقال فى نفسه قد غزوت قبلها فلو أقمت عامى هذا فلما تذكر ذنبه قال اللهم انى أشهدك انى قد تصدقت به فى سبيلك وان الثاني كان له اهل تفرقوا ثم رجعوا فقالوا قمت هذا العام عندهم فلما تذكر قال اللهم لك على ان لا ارجع الى أهلي ولا مالى قال كعب فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين
стр. 1701
ذكرهما ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا «١» ايها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجبنا الناس وتغيروا لنا وعند ابن ابى شيبة فطفقنا تغدوا فى الناس لا يكلمنا أحد ولا يسلم علينا أحد ولا يرد علينا أحد سلاما وعند عبد الرزاق وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذي نعرف وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هى بالتي نعرف انتهى ومن شى أهم الى من ان أموت فلا يصلى علىّ رسول الله ﷺ او يموت فاكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمنى أحد ولا يصلى علىّ حتى تنكرت فى نفسى الأرض حتى ما هى بالتي اعرف فلبثنا ذلك خمسين ليلة فاما صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان واما انا فكنت أشب القوم واجلدهم فكنت اخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف الأسواق فلا يكلمنى أحد ولا يرد على سلاما وآتى رسول الله ﷺ فاسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فاقول فى نفسى هل حرك شفتيه برد السلام علىّ أم لا ثم أصلي قريبا منه فاسارقه النظر فاذا أقبلت على صلوتى اقبل على ذلك فاذا التفت نحوه اعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط ابى قتادة وهو ابن عمى يعنى انه من بنى سلمة وليس هو ابن أخو أبيه الأقرب قال كعب وهو أحب الناس الىّ فسلمت عليه فوالله ما رد علىّ السلام فقلت يا أبا قتادة هل تعلمنى أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فسكت فلم يكلمنى حتى إذا كان فى الثالثة او الرابعة قال الله ورسوله اعلم ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت من الجدار قال فبينا انا امشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس
يشيرون له حتى جاءنى ودفع الى كتابا من ملك غسان وعند ابن ابى شيبة من بعض قومى بالشام كتب الى كتابا فى سرقة «٢» من حرير فاذا فيه اما بعد فانه قد بلغني ان صاحبك قد جفاك وأقصاك ولم يجعلك الله بدار الهوان ولا مضيعة «٣» فان كنت متجولا فالحق بنا نواسيك «٤» فقلت لما قراتها وهذا ايضا من البلاء قد طمع فى اهل الكفر فتيممت
стр. 1702
بها التنور فسجرته بها وعند ابن عابد انه شكى حاله الى رسول الله ﷺ وقال ما زال اعراضك عنى حتى رغب فىّ اهل الشرك قال كعب حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله ﷺ يأتينى قال محمد بن عمر هو خزيمة بن ثابت وهو الرسول الى مرارة وهلال بذلك فقال كعب فقال ان رسول الله ﷺ يأمرك ان تعزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا افعل قال لابل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبى بمثل ذلك فقلت لامراتى الحقي باهلك فتكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر قال كعب بن مالك فجاءت امراة هلال بن امية اى خولة بنت عاصم رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ان هلال بن امية شيخ ضايع ليس له خادم وعند ابن ابى شيبة انه شيخ قد ضعف بصره انتهى فهل تكره ان اخدمه قال لا ولكن لا يقر بك قالت انه والله ما به حركة الى شىء والله ما زال يبكى منذ كان من امره ما كان الى يومه هذا قال كعب فقال لى بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ فى امرأتك كما اذن لامراة هلال بن امية ان يخدمه فقلت والله لا استاذن فيها رسول الله ﷺ وما يدرينى ما يقول رسول الله ﷺ إذا استاذنه فيها وانا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا وعند عبد الرزاق وكانت توبتنا نزلت على النبي ﷺ ثلث الليل فقالت أم سلمة يا نبى الله الا نبشر كعب بن مالك قال إذا يحطمنكم الناس ويمنعونكم النوم سائر الليل فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وافا على ظهر بيت من بيننا فبينا انا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت على نفسى وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ او فى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك البشر وعند محمد بن عمر وكان الذي اوفى على جبل سلع أبا بكر الصديق فصاح قد تاب الله على كعب يا كعب البشر وعند عقبة ان رجلين سعيا كعبا يبشرانه فسبق أحدهما فارتقى المسبوق على سلع فصاح يا كعب البشر بتوبة الله وقد انزل الله فيكم القرآن وزعموا ان الذين سبقا ابو بكر وعمر قال كعب نخررت ساجدا ابكى فرحا بالتوبة وعرفت انه قد جاء فرج وآذن «١» رسول الله ﷺ
стр. 1703
بتوبة الله علينا حين صلى صلوة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبى مبشرون وركض الىّ رجل على فرس وعند محمد بن عمر هو زبير بن العوام وسعى ساع من اسلم قال وكان الصوت اسرع من الفرس فلما جاءنى الذي سمعت صوته وهو حمزة الأسلمي يبشرنى نزعت له ثوبىّ فكسوته إياه يبشراه وو الله ما املك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين من ابى قتادة كما عند محمد بن عمر فلبسته مما قال وكان الذي بشر هلال بن امية بتوبة سعيد بن زيد فما ظننت انه يرفع راسه حتى تخرج نفسه اى الجهد فقد كان امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صياما لا يفتر من البكاء وكان الذي بشر مرارة ابن الربيع بتوبة سلكان بن سلامة ابو سلامة بن وقش قال كعب وانطلقت الى رسول الله ﷺ فيتلقانى الناس فوجا فوجا يهنؤنى بالتوبة يقولون لتهنئك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فاذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام الىّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام الىّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت يا رسول الله ﷺ امن عندك أم من عند الله قال لا بل من عند الله انكم صدقتم الله فصدقكم الله وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كانه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله ان من توبتى ان انخلع من مالى كله صدقة الى الله تعالى والى رسوله ﷺ قال رسول الله ﷺ امسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت نصفه قال لا قلت فثلثه قال نعم قال فانى امسك سهمى الذي بخيبر وقلت يا رسول الله انما نجانى الله بالصدق وان من توبتى ان لا أحدث الا صدقا ما بقيت فو الله ما اعلم أحدا من المسلمين أبلاه «١» الله فى صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ احسن مما ابتلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ الى يومى هذا كذبا وانى لارجو ان يحفظنى الله تعالى فيما بقيت وانزل الله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الى قوله
стр. 1704
وكونوا مع الصادقين فو الله ما أنعم الله تعالى علىّ من نعمة بعد ان هدانى للاسلام أعظم من نفسى من صدقى رسول الله ﷺ ان لا أكون كذبة فأهلك كما هلك الذين كذبوا حين انزل الوحى شر «١» ما قال لاحد فقال ﵎ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم الى قوله فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال كعب وكنا تخلفنا ايها الثلاثة عن امر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وارجا رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله سبحانه فيه بذلك قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر الله تعالى ممن خلفنا عن الغزو وانما هو تخليفه إيانا وارجاؤه أمرنا عمن خلف واعتذر اليه فقبل منه قال فى النور لعل الحكمة فى هجران كعب وصاحبيه خمسين ليلة انها كانت هذه مدة غيبته ﷺ فى سفر تلك الغزوة قال الله تعالى حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ لاعراض الناس عنهم بِما رَحُبَتْ اى مع رحبها وسعتها وهذا مثل لشدة الحيرة فى أمرهم كانهم لا يجدون فيها مكانا ليقرون فيه قلقا واضطرابا وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ اى قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعتها انس ولا سرور وَظَنُّوا اى علموا أَنْ لا مَلْجَأَ اى لا مفزع مِنَ اللَّهِ من سخطه إِلَّا إِلَيْهِ اى الا الى استغفاره ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ اى قبل توبتهم لِيَتُوبُوا اى ليستقيموا على التوبة فان توبتهم قد سبقت او المعنى ليعدوا من جملة التوابين عن ابى بكر الوراق انه قال التوبة النصوح ان يضيق على التائب إذا أذنب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ عن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم وعن انس قال قال رسول الله ﷺ الله أشد فرحا يتوب عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فايس منها فاتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد ايس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده
стр. 1705
فاخذ بخطامها ثم قال لشدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك اخطأ من شدة الفرح رواه مسلم وفى الباب أحاديث كثيرة الرَّحِيمُ (١١٧) المتفضل عليهم بالنعم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٨) فى ايمانهم وعهودهم او فى دين الله نية وقولا وعملا يعنى الزموا الصدق فى كل شىء قال ابن عباس وكذا روى عن ابن عمر اى كونوا مع محمد ﷺ وأصحابه الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله ﷺ الى تبوك بإخلاص نية دون المنافقين المتخلفين عنه وقال سعيد بن جبير مع ابى بكر وعمر وقال الضحاك أمروا ان يكونوا مع ابى بكر وعمر وأصحابهما وروى انه قال ابن عباس مع على ابن ابى طالب عن سفيان قال تفسير اختلاف انما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا وقال ابن جريج مع المهاجرين لقوله تعالى للفقراء المهاجرين الى قوله أولئك هم الصادقون وقيل من الذين صدقوا فى الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالاعذار الكاذبة قال ابن مسعود ان الكذب لا يصلح فى جد ولا هزل ولا ان يعد أحدكم صبية شيئا ثم لا ينجز له اقرأ ان شنم وقرأ هذه الاية.
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ظاهره خبر ومعناه نهى كقوله تعالى وما لكم ان توذوا رسول الله وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع واسلم وغفار أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا غزا بنفسه الشريفة وَلا يَرْغَبُوا ولا ان يرغبوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ اى لا يضنوا أنفسهم عمالا يضن نفسه عنه ذلِكَ اشارة الى ما دل عليه قوله ما كان من النهى عن التخلف يعنى ذلك النهى بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ اى شىء من العطش وَلا نَصَبٌ تعب وَلا مَخْمَصَةٌ مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى معاونة رسوله والجهاد لاعلاء دينه وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً مصدر او ظرف اى يدوسون دوسا او يذهبون أرضا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وطئهم إياها وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا قتلا او اسرا او نهبا او غنيمة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ اى استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة والانتهاء عن التخلف إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٩)
стр. 1706
على إحسانهم وهو تعليل لكتب وتنبيه على ان الجهاد احسان اما فى حق الكفار فلانه سعى فى تكميلهم وإنقاذهم من النار بأقصى ما يمكن كالضرب للمجنون وتأديب الصبى واما فى حق المؤمنين فلانه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم عن ابى عبس قال سمعت النبي ﷺ يقول من اغبرت قدماه فى سبيل الله حرمه الله تعالى على النار رواه البخاري فى الصحيح واحمد والترمذي والنسائي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلوة حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله متفق عليه قال البغوي اختلفوا فى حكم هذه الاية قال قتادة هذه خاصة لرسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يكن لاحد ان يتخلف عنه الا بعذر فاما غيره من الائمة والولاة فيجوز لمن شاء من المؤمنين يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين اليه ضرورة وقال الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعد بن عبد العزيز يقولون هذه الاية لاول هذه الامة وآخرها وقال ابن زيد هذا حين كان اهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن شاء وقال وما كان المؤمنون لينفروا كافة قلت اتفق الائمة على ان الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة من المسلمين وحصل بهم الكفاية سقط عن الباقين وعن سعيد بن المسيب انه فرض عين للعمومات الواردة فى الجهاد وما ورد التغليظ فى المتخلفين عن غزوة تبوك قلنا عند النفير العام يكون فرضا على الأعيان بالإجماع كما فى غزوة تبوك والا فهو فرض كفاية لقوله تعالى لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله الى قوله وكلا وعد الله الحسنى وقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة قوله تعالى.
وَلا يُنْفِقُونَ فى سبيل الله نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً كما فعل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما فى جيش العسرة (وَلا يَقْطَعُونَ) فى مسيرهم مقبلين ومدبرين وادِياً وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال فشاع بمعنى الأرض (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) ذلك لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بذلك الكتابة
стр. 1707
أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٠) يعنى جزاء احسن أعمالهم يعنى الجهاد فى سبيل الله او احسن جزاء أعمالهم عن ابى مسعود الأنصاري قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال هذه فى سبيل الله فقال رسول الله ﷺ لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة رواه مسلم وعن زيد بن خالد ان رسول الله ﷺ قال من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا فى اهله فقد غزا متفق عليه والله اعلم قال الكلبي ان احياء بنى اسد بن خزيمة أصابتهم سنة شديدة فاقبلوا بالذراري حتى نزلوا بالمدينة فافسدوا طرقها بالعذرات واغلوا أسعارها فانزل الله تعالى.
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً نفى بمعنى النهى واللام لتأكيد النفي والمعنى لا ينفروا كافة عن أوطانهم لطلب العلم فانه مخل بالمعاش ومفضى الى المفسدة فَلَوْلا فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اى من كل جماعة كثيرة كقبيلة واهل بلدة او قرية طائِفَةٌ جماعة قليلة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ اى ليتكلفوا الطلب الفقاهة فى الدين ويتجشموا المشاق فى تحصيلها قال صاحب النهاية الفقه فى الأصل الفهم واشتقاقه من الشق والفتح وفى القاموس الفقه بالكسر المعلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم الدين لشرفه وقال بعض المحققين الفقه هو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم يعنى العلم الاستدلالي قال الله تعالى فما لهولاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ولا يستنبطون مضمونه قال ابو حنيفة ﵀ هو معرفة النفس مالها وما عليها والتخصيص بالعلم بفروع الدين اصطلاح جديد والظاهر انه يشتمل علم المقلد ايضا فالمقلد إذا أخذ العلم من المجتهد ومن كتابه فقد ادى ما وجب عليه بهذه الاية والله اعلم وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الذين لم ينفروا إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فى أوطانهم بعد تحصيل العلم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢١) بانذارهم ما يجب عليهم اجتنابها وقال مجاهد نزلت فى ناس خرجوا فى البوادي فأصابوا منهم معروفا ودعوا من وجدوا من الناس الى الهدى فقال الناس لهم ما نريك الا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا فى أنفسهم من ذلك حرجا فاقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلّى الله عليه وسلم
стр. 1708
فانزل الله تعالى هذه الاية قال رسول الله ﷺ تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا رواه الشافعي وكذا روى الشيخان فى الصحيحين واحمد عن ابى هريرة وقال رسول الله ﷺ الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما رواه الطبراني عن ابن مسعود والله اعلم وهذه الاية دليل على ان اخبار الآحاد حجة لان عموم كل فرقة يقتضى ان ينفر من كل ثلثة تفردوا بقرية طائفة الى التفقه لينذر فرقتها كى يتذكروا فيحذروا فلو لم يعتبر الاخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك اعلم ان الفقه فى الدين ينقسم الى فرض عين وفرض كفاية فالفرض العين هو العلم بالعقائد الصحيحة ومن الفروع ما يحتاج اليه كل أحد كالطهارة والصلاة والصوم وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على الآدمي يجب عليه معرفة أحكامها مثل علم الزكوة إن كان له مال وعلم الحج ان وجب عليه وكذلك من المعاملات يجب معرفة احكام ما يتعاطى بها ويمارسها فيجب معرفة احكام البيع من الصحيح والفاسد والربوا للتجار والإجارات لمن يتاتى بها ونحو ذلك قال رسول الله ﷺ طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن عدى والبيهقي بسند صحيح عن انس والطبراني فى الصغير والخطيب عن الحسن بن على والطبراني فى الأوسط عن ابن عباس وفى الكبير عن ابن مسعود وعند الخطيب عن على وفى الطبراني فى الأوسط والبيهقي عن ابى سعيد وزاد ابن عبد البر عن انس وان طالب العلم يستغفر له كل شىء حتى الحيتان فى البحر وفى رواية والله يحب إغاثة اللهفان والفرض الكفاية وهو ان يتعلم الرجل كل باب من العلم حتى يبلغ درجة الفتوى فاذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث وهو أفضل من كل عبادة نافلة قال رسول الله ﷺ طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد فى سبيل الله رواه صاحب سند الفردوس عن ابن عباس وروى ايضا عنه طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة وطلب العلم يوما خير من صيام ثلثة ايام وقال رسول الله ﷺ فضل العالم على العابد كفضلى على
стр. 1709
أدناكم ان الله وملئكة واهل السموات والأرضين حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت فى الماء ليصلون على معلم الناس الخير رواه الترمذي بسند صحيح عن ابى امامة وقال رسول الله ﷺ فقيه واحد أشد على الشيطان من الف عابد رواه الترمذي وابن ماجة
عن ابن عباس وقال رسول الله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلثة الا من صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعوا له واما لعلم اللدني فى الذي يسمون أهلها بالصوفية الكرام فهو فرض عين لان ثمراتها تصفيه القلب عن الاشتغال بغير الله تعالى واتصافه بدوام الحضور وتزكية النفس عن رذائل الأخلاق من العجب والكبر والحسد وحب الدنيا والكسل فى الطاعات وإيثار الشهوات والرياء والسمعة وغير ذلك وتجليتها بكرام الأخلاق من التوبة والرضا بالقضاء والشكر على النعماء والصبر على البلاء وغير ذلك ولا شك ان هذه الأمور محرمات وفرايض على كل بشر أشد تحريما من معاصى الجوارح وأهم افتراضا من فرائضها فالصلوة والصوم وشىء من العبادات لا يعبأ بشئ منها ما لم تقترن بالإخلاص والنية قال رسول الله ﷺ ان الله لا يقبل من العمل الا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه رواه النسائي عن ابى امامة وقال ﵇ ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم- رواه مسلم عن ابى هريرة وكل ما يترتب عليه من الفروض الأعيان فهو فرض عين والله اعلم وفى سبب نزول الاية وجه آخر وذلك ما قال البغوي انه قال ابن عباس فى رواية الكلبي وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة ونحوه عن عبد الله بن عمير انه لما انزل الله تعالى عيوب المنافقين فى غزوة تبوك ونزلت ان لا تنفروا يعذبكم عذابا أليما كان النبي ﷺ يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا الى الغزو ويتركون النبي ﷺ وخده وفى رواية عكرمة تخلف عن الغزو أناس من اهل البوادي فقالت المنافقون هلك أصحاب البوادي فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى ما كان المؤمنون لينفروا الى الغزو كافة فهلا نفر من كل فرقة عظيمة
стр. 1710
طايفة الى الغزو وبقي طائفة مع النبي ﷺ ليتفقه القاعدون فى الدين ويتعلمون القرآن والسنن والفرائض والاحكام فاذا رجعت السرايا اخبروهم بما نزل بعدهم فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم وينفر سرايا اخر حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لان الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة ولذا قال رسول الله ﷺ العلماء ورثة الأنبياء فيكون الضمير فى ليتفقهوا ولينذروا لبواقى الفرق بعد الطائفة النافرة للغزوة وفى رجعوا للطائفة النافرة قال السيوطي قال ابن عباس فهذه مخصوصة بالسرايا والتي من قبلها بالنهى عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبي ﷺ وقال الحسن هذه التفقه والانذار راجع الى الفرقة النافرة معناه هلا نفر فرقة ليتفقهوا اى ليبصروا بما يريهم من الظهور على المشركين ونصرة الدين ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا من الجهاد فيخبروهم بنصر الله رسوله والمؤمنين لعلهم يحذرون قتال رسول الله ﷺ فنزل بهم ما نزل باصحابهم من الكفار وهذا يدل على ان الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة سقطه عن الباقين الا عند النفير العام حتى يصير فرضا على الأعيان قوله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ امر بقتال الأقرب منهم فالاقرب إليهم فى الدور والنسب فان الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح ولذلك امر رسول الله ﷺ اولا بانذار عشيرته الأقربين ولما هاجر الى المدينة امر بقتال قريظة والنضير وخيبر ونحوها وإذا فرغ من قتال العرب امر بقتال الروم وهم المراد بهذه الآية لانهم كانوا سكان الشام وكان الشام اقرب الى المدينة من العراق فاذا نزلت هذه الآية عزم رسول الله ﷺ على قتال الروم عام تبوك كما ذكرنا فيما سبق فى رواية ابن مردوية عن ابن عباس وابن ابى شيبة وابن المنذر عن مجاهد وابن جرير عن سعيد بن جبير وعلى مقتضى هذه الاية قالت الفقهاء يجب على من يكون فى الثغر الجهاد بمن يليهم من الكفار فان لم يكن بهم كفاية او تكاسلوا وعصوا يجب على من يقرب منهم وكذا من يقرب ممن
стр. 1711
يقرب ان لم يكن بهم كفاية او تكاسلوا وهكذا الى ان يجب على جميع اهل الإسلام شرقا وغربا كذا جهاز الميت والصلاة عليه وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً شدة وحمية قال الحسن صبرا على الجهاد وظاهر الاية امر للكفار والمراد منه الأمر للمؤمنين بالتغليظ يعنى اغلطوا عليهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٢) دون الكفار بالعون والنصر فلا تبالوا بقتالهم قوله تعالى.
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ما صلة مؤكدة فَمِنْهُمْ يعنى من المنافقين مَنْ يَقُولُ لاخوانه استهزاء أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً يقينا وتعديقا قال الله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً بزيادة العلم الحاصل من تدبير السورة بما فيها من الاعجاز وبانضمام الايمان بها وبما فيها الى ايمانهم وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٣) بنزولها لانه سبب لزيادة علمهم وكما لهم وارتفاع ورجاتهم.
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق فَزادَتْهُمْ السورة رِجْساً كفرا بها مضموما إِلَى رِجْسِهِمْ كفرهم بغيرها وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٤) فان الايمان امر وهبى لا يفيد النذر والآيات مالم يشاء الله قال مجاهد فى هذه الاية دلالة على ان الايمان يزيد وينقص وكان عمر رضى الله عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول تعالوا حتى نزداد ايمانا وقال على رضى الله عنه ان الايمان يبدوا لمظة «١» بيضاء فى القلب كلما ازاد الايمان عظما ازداد ذلك البياض من حتى يبيض القلب كله وان النفاق يبدو لمظة سوداء فى القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسود القلب وايم الله لو شققتم عن قلب مومن لوجدتموه ابيض لو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسودا.
أَوَلا يَرَوْنَ قراءة حمزة ويعقوب بالتاء الفوقانية على خطاب المؤمنين والباقون بالياء التحتانية حكاية عن المنافقين المذكورين أَنَّهُمْ اى المنافقون يُفْتَنُونَ اى يبتلون بأصناف البليات من الأمراض والشدائد وقال مجاهد بالقحط والشدة وقال قتادة بالغزو والجهاد مع رسول الله ﷺ فيعاينون ما يظهر من الآيات وقال مقاتل بن حبان يفضحون بإظهار نفاقهم وقال عكرمة
стр. 1712
ينافقون ثم يومنون ثم ينافقون وقال يمان ينقضون عهودهم فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ من نقض العهد ومن المعاصي والنفاق الجالب إليهم تلك البليات والفضائح وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٥) أصله يتذكرون اى لا يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين.
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فيها ذكرهم وقرأها النبي ﷺ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ اى تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية او غيظا لما فيها من عيوبهم وتفضيحهم ويريدون الهرب قائلا بعضهم لبعض اشارة هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من زائدة يعنى هل يراكم أحد من المؤمنين ان قمتم من عند رسول الله ﷺ فان لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وان علموا ان أحدهم يريهم أقاموا وثبتوا ثُمَّ انْصَرَفُوا عن الايمان بها وقيل انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها يعنى حضرة الرسول ﷺ مخافة الفضيحة صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الايمان قال ابو إسحاق أضلهم الله مجازاة على فعلهم ذلك ويحتمل الدعا بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٦) اى لا يفقهون الحق سوء فهمهم وعدم تدبرهم.
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ اى من جنسكم عربى مثلكم من بنى اسمعيل ﵇ تعرفون نسبه وحسبه قال ابن عباس ليس من العرب قبيلة الا وقد ولدت النبي ﷺ وله فيهم نسب قال جعفر بن محمد الصادق لم يصبه شىء من ولاد الجاهلية من زمان آدم ﵇ روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ما ولدني من سفاح الجاهلية شىء ما ولدني الانكاح كنكاح الإسلام وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن من أنفسكم بفتح الفاء اى اى من أشرفكم وأفضلكم عَزِيزٌ شديد شاق عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قيل ما زايدة معناه عنتكم اى دخول المشقة والمضرة عليكم وقال القتيبي ما اعنتكم وضركم وقال ابن عباس ما ضللتم وقال الضحاك والكلبي أثمتم فما موصولة حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ اى على ايمانكم وصلاح شانكم بِالْمُؤْمِنِينَ منكم و
стр. 1713
من غيركم رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٧) الرأفة شدة الرحمة قدم الأبلغ منها لرعاية الفواصل قبل رؤف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الايمان بك وناصبوك للحرب فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ فانه يكفيك مؤنتهم ويعينك عليهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كالدليل عليه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فلا ارجوا ولا أخاف الا منه وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٨) خصه بالذكر لانه أعظم المخلوقات اخرج عبد الله بن احمد عن ابى بن كعب قال اخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم الى اخر السورة وقال «١» هما أحدث الآيات بالله عهدا والله اعلم.
(فصل) ولما كان نزول اكثر هذه السورة فى غزوة تبوك وقد ذكرنا بعض قصصها فى ضمن تفسير السورة فلنذكر بقية قصص تلك الغزوة والمعجزات التي ظهرت فيها تتميما للمقال روى الطبراني عن عبد الله بن سلام ان رسول الله ﷺ لما مر بالخليجة فى سفره الى تبوك قال له أصحابه المبرك يا رسول الله الظل والماء وإن كان فيها دوم «٢» وماء فقال انها ارض زرع دعوها فانها مامورة يعنى ناقته فاقبلت حتى بركت عند الدومة التي كانت فى مسجد ذى المروة قال محمد بن عمر ولما نزل رسول الله ﷺ وادي القرى اهدى له بنى عريض اليهودي هريسا فاكلها وأطعمهم أربعين وسقا فهى جارية عليهم الى يوم القيامة وفى رواية فهى جارية عليهم الى الساعة روى مالك واحمد والشيخان فى
стр. 1714
الصحيحين عن ابن عمرو احمد عن جابر وابى كبشة الأنماري وابى حميد الساعدي ان رسول الله ﷺ لما مر بالحجر تقنع بردائه وهو على الرحل فاوضع راحلته حتى خلف أبيات ثمود ولما نزل هناك تسارع الناس الى اهل الحجر يدخلون عليهم واستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا ونصبوا القدور باللحم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنودى فى الناس الصلاة جامعة فلما اجتمعوا قال رسول الله ﷺ لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا ان تكونوا باكين ان يصيبكم ما أصابهم ولا تشربوا من مائها ولا تتوضاوا منه للصلاة واهريقوا القدور واعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل على البير التي كانت تشرب منها الناقة وقال لا تسألوا الآيات فقد سالها قوم صالح سألوا نبيهم ان يبعث لهم آية فبعث الله ﵎ لهم الناقة فكانت ترد هذا الفج وتصدر «١» من هذا الفج «٢» فعتوا عن امر ربهم فعقروها وكانت تشرب مياههم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة اخمد الله تعالى من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان فى حرم الله قيل من هو يا رسول الله قال ابو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل منهم تعجب منهم فقال رسول الله ﷺ الا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فان الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتى الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشئ تهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد ومن كان له بعير فليوثق عقاله ولا يخرجن أحد منكم الا ومعه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم رسول الله ﷺ إلا رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعير له فاما الذي خرج لحاجته فانه خنق على مذهبه واما الذي ذهب فى طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته على جبل طى فاخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال الم أنهكم ان يخرج أحد الا ومعه صاحب له ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى واما لاخر فان طيا أهدته الى رسول الله ﷺ
стр. 1715
حين رجع الى المدينة وقد مر قصة استسقائه ﷺ وروى محمد بن عمر ومحمد بن إسحاق انه ضلت ناقة رسول الله ﷺ وخرج الناس فى طلبها فقال زيد بن اللّصيب أحد بنى قينقاع كان يهوديا فاسلم ونافق وكان فى رجل عمارة بن حزم محمد يزعم انه نبى وهو يخيركم خبر السماء وهو لا يدرى اين ناقته فقال رسول الله ﷺ وكان عمارة بن حزم عنده ان منافقا قال كذا والله انى لا اعلم الا ما علمنى الله وقد اطلعنى الله عليها وهى فى الوادي فى شعب كذا فذهبوا فجاؤا بها فاقبل عمارة على زيد يجافى عنقه ويقول اخرج يا عدو الله من رحلى فلا تصاحبنى قال ابن إسحاق فزعم بعض الناس ان زيدا تاب وقال بعض الناس لم يزل منافقا حتى هلك وفى تلك الغزوة ما روى مسلم عن المغيرة بن شعبة ذهاب رسول الله ﷺ قبل الفجر لحاجته فاسفر الناس حتى خافوا الشمس فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم وتوضأ رسول الله ﷺ وضاق كم جبته فاخرج يديه من تحت الجبة ومسح على خفيه وأدرك ركعة فصلى ركعة اخرى وسلم وقال أحسنتم صلوا الصلاة لوقتها وانه لم يتوف نبى حتى يؤمه رجل صالح من أمته وروى احمد والطبراني انه ﷺ اردف سهيل بن بيضاء على رحله ورفع صوته يا سهيل ثلث مرات كل ذلك يقول سهيل لبيك حتى عرف الناس انه يريدهم فلما اجتمع الناس قال من شهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له حرمه الله على النار روى محمد بن عمرو ابو نعيم فى الدلائل انه عارض الناس حية عظيمة ذكر من عظمها وخلقها فاقبلت حتى واقفت رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون اليه فقامت قائمة فقال رسول الله ﷺ هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفد والىّ يسمعون القرآن وهاهو ذا يقرأكم السلام فقال الناس جميعا وعليه السلام ورحمة الله وبركاته روى احمد برجال الصحيح عن حذيفة عن معاذ قال ﵇ لكم ستاتون غدا إنشاء الله عين تبوك وانكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاء فلا يمس من ماءها شيئا حتى اتى فجئناها وسبق اليه رجلان والعين مثل الشراك بتض «١» بشئ من ماء فسالهما رسول الله ﷺ هل مسستما من مائها شيئا
стр. 1716
قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله ان يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع فى شن ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه ويديه وتمضمض ثم إعادة فجرت العين بماء كثير ولفظ ابن إسحاق فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه ان له حساكحس الصواعق وذلك الماء فوارة بتبوك ثم قال يا معاذ يوشك ان طالت بك حيوة ان ترى ما هاهنا يلى جنانا وفيما روى البيهقي وابو نعيم عن عروة ففارت عينها حتى امتلأت فهى كذلك حتى الساعة روى احمد والنسائي عن ابى سعيد الخدري خطب رسول الله ﷺ عام تبوك وهو مسند ظهره الى نخلة فنادى الا أخبركم بخير الناس وشر الناس ان من خير الناس رجل محمل فى سبيل الله على ظهر فرسه او على ظهر بعيره او على قدميه حتى يأتيه الموت وان من شر الناس رجلا يقرأ كتاب الله لا يرعوى «١» الى شىء منه وروى ابو داود عن ابن عمر قال اتى رسول الله ﷺ بجنبة فى تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع روى احمد وابو داود انه مر غلام بينه ﷺ وبين القبلة على حمار وهو يصلى فقال اللهم اقطع اثره فصار مقعدا ورمى محمد بن عمر عن رجل من بنى سعد قال جئت رسول الله ﷺ وهو جالس بتبوك فى نفر فقال يا بلال أطعمنا فاخرج بلال خرجات بيده من تمر معجون بسمن وإقط فقال رسول الله ﷺ كلوا فاكلنا حتى شبعنا فقلت يا رسول الله ان كنت لا كل هذه وحدي فقال رسول الله ﷺ الكافر يأكل فى سبعة أمعاء والمؤمن يأكل فى معاء واحد ثم جئته من الغد فاذا عشرة نفر حوله فقال هات أطعمنا يا بلال فجعل يخرج من جراب تمرا بكفه قبضة قبضة فقال اخرج ولا تخش من ذى العرش إقتارا فجاء بجراب فنشره فخرزته مدين فوضع رسول الله ﷺ يده على التمر وقال كلوا بسم الله فاكلوا وأكلت معهم حتى ما أجد له مسلكا قال وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال كانّا لم ناكل منه تمرة واحدة ثم قال غدوت من الغد وعاد نفر فكانوا عشرة او يزيد رجلا او رجلين فقال رسول الله ﷺ يا بلال أطعمنا فجاء بلال بذلك الجراب بعينه أعرفه فنشره ووضع رسول الله ﷺ يده عليه وقال كلوا بسم الله فاكلنا حتى نهلنا
стр. 1717
ثم رجع مثل الذي صب ففعل ذلك ثلثة ايام وفى قصة اخرى روى محمد بن عمر وابو نعيم وابن عساكر عن عرباض بن سارية فذكر قصة انه قال كنا ثلثة انا وجعال بن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني كلنا جياع انما نعيش بباب رسول الله ﷺ فدخل رسول الله ﷺ قبة ومعه زوجته أم سلمة فطلب شيئا فلم يجد فخرج فنادى بلا لاهل من عشاء لهولاء النفر فاخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا فتقع التمرة والثمرتان حتى رايت فى يده سبع تمرات ثم دعا بصفحة فوضع التمر فيها ثم وضع يده على التمرات وسمى الله تعالى فقال كلوا بسم الله فاكلنا فأحصيت أربعا وخمسين تمرة اكلتها أعدها عدا ونواها فى يدى الاخرى وصاحباى يصنعان مثل ما اصنع وشبعنا وأكل كل واحد منا خمسين تمرة ورفعنا أيدينا فاذا التمرات السبع كما هى فقال يا بلال ارفعها فانه لا يأكل منها أحد الا نسهل شبعا فلما أصبح رسول الله ﷺ وصلّى صلوة الصبح انصرف الى فناء قبته فجلس وجلسنا حوله وفقراء من المسلمين عشرة فقال رسول الله ﷺ هل لكم من الغداء فدعا بلالا بالتمرات فوضع يده عليهن فى الصفحة ثم قال كلوا بسم الله فاكلنا فوالذى بعثه بالحق حتى أشبعنا وانا لعشرة ثم رفعوا منها أيديهم شبعا وإذا التمرات كما هى فقال لولا انى استحيى من ربى لاكلنا من هذه التمر حتى نرد المدينة من آخرنا وطلع غليم من اهل البلد فاخذ رسول الله ﷺ التمرات بيده فدفعها اليه فولّى الغلام يلوكهن روى محمد بن عمر انه هاجت ريح شديد بتبوك فقال رسول الله ﷺ لموت منافق عظيم النفاق فقدموا المدينة فوجدوا منافقا عظيم النفاق قد مات روى محمد بن عمر انه قدم رسول الله ﷺ نفر من سعد هزيم فقالوا يا رسول الله انا قدمنا إليك وتركنا أهلنا على بير قليل مائها وهذا القيظ ونحن نخاف ان تفرقنا ان نقتطع لان الإسلام لم يغش حولنا بعد فادع الله لنا فى مائنا فانا ان روينا به فلا قوم اغرمنا لا يقربنا أحد مخالف لديننا فقال رسول الله ﷺ ابغوني حصيات فتناول بعضهم ثلث حصيات فدفعهن الى رسول الله ﷺ فعركهن بيده ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات الى بيركم فاطرحوا واحدة واحدة وسموا الله تعالى فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ ففعلوا ذلك فجاشت بيرهم بالرواء ونفوا من حاربهم من اهل الشرك ووطئوهم فما انصرف
стр. 1718
رسول الله ﷺ الى المدينة حتى اوطئوا «١» من حولهم عليه ودانوا عليه بالإسلام روى الطبراني عن ابن عمرو معاوية بن ابى سفيان والبيهقي وابن سعد عن انس قال طلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أدرها طلعت فيما مضى فاتى جبرئيل فسأل عنها رسول الله ﷺ فقال ذاك معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة اليوم فبعث الله سبعين الف ملك يصلون عليه فهل لك فى الصلاة عليه قال نعم فصلى رسول الله ﷺ وصف الملئكة خلفه صفين فلما فرغ رسول الله ﷺ قال لجبرئيل بم بلغ هذه المنزلة قال يحبه قل هو الله أحد يقرأها قائما وقاعدا وراكبا وماشيا وعلى كل حال قال الحافظ هذا لحديث له طرق يقوى بعضها بعضا روى الطبراني وابو نعيم عن محمد بن حمزة عن عمرو الأسلمي عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله ﷺ الى غزوة تبوك وكنت على خدمته ذلك السفر فنظرت الى نحى السمن قد قل ما فيه وهيات للنبى ﷺ طعاما فوضعت النحى فى الشمس ونمت فانتبهت بخذير «٢» النحى فقمت فاخذت راسه بيدي فقال رسول الله ﷺ ورآني لو تركته لسال الوادي سمنا روى الحارث بن اسامة عن بكر بن عبد الله المزني قال قال رسول الله ﷺ من يذهب بهذا الكتاب الى قيصر وله الجنة فقال رجل وان لم يقبل فانطلق الرجل فاتاه بالكتاب فقرأ فقال اذهب الى نبيكم فاخبره انى متبعه ولكن لا أريد ان ادع ملكى وبعث
معه بدنانير الى رسول الله ﷺ فرجع فاخبره فقال رسول الله ﷺ كذب وقسم الدنانير روى احمد وابو يعلى بسند حسن عن سعيد بن ابى راشد عن التنوخي رسول هرقل قال قدم رسول الله ﷺ تبوك فبعث دحية الكلبي الى هرقل فلما ان جاء كتاب رسول الله ﷺ دعا قسيسى اى علماء النصارى الروم وبطارقتهما ثم اغلق عليه وعليهم الدار فقال قد نزل هذا الرجل حيث رايتم وقد أرسل يدعونى الى ثلث خصال ان اتبعه على دينه او ان أعطيه مالنا على ارضنا والأرض ارضنا او نلقى اليه الحرب والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتاب فهلم فلنتبعه على دينه او نعطيه مالنا على ارضنا فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا وقالوا تدعونا الى ان نذر النصرانية او تكون عبيد الاعرابى من الحجاز فلما ظن انهم ان يخرجوا من عنده فسدوا عليه
стр. 1719
الروم رناهم «١» ولم يكد وقال انما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على دينكم وأمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيّب كان على نصارى العرب قال ادع لى رجلا حافظا للحديث عربى اللسان ابعثه الى هذا الرجل بجواب كتابه فجاءنى فدفع الىّ هرقل كتابا فقال اذهب بكتابي هذا الى هذا الرجل فما سمعته من حديثه فاحفظ لى منه ثلث خصال هل يذكر صحيفته التي كتب بشئ وانظر إذا قرأ كتابى فهل يذكر الليل وانظر الى ظهره هل فيه شيء يريبك قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فاذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا على الماء فقلت اين صاحبكم قيل هوذا فاقبلت امشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابى فوضعه فى حجره ثم قال ممن أنت قلت انا من تنوخ قال هل لك فى الإسلام الحنيفة ملة أبيك ابراهيم قلت انى رسول قوم وعلى دين قوم حتى ارجع إليهم فضحك رسول الله ﷺ وقال انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو اعلم بالمهتدين يا أخا تنوخ انى كتبت كتابا الى كسرى فمزقه وممزق ملكه وكتبت الى النجاشي بصحيفة فمزقها والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت الى صاحبك بصحيفة فامسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام فى العيش خير قلت هذه احدى الثلث التي أوصاني صاحبى بها فاخذت سهما من جعبتى فكتبتها فى جفن سيفى ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم قالوا معاوية فاذا فى كتاب صاحبى تدعونى الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فاين النار فقال رسول الله ﷺ سبحان الله اين النهار إذا جاء الليل فاخذت سهما من جعبتى فكتبته فى جنب سيفى فلما فرغ من قراءة كتابى قال ان لك حقا وانك رسول الله فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها انا سفر «٢» مرملون قال فناداه رجل من طائفة الناس انا أجوزه ففتح رحله فاذا هو بحلة صفراء فوضعها فى حجرى قلت من صاحب الجائزة قيل لى عثمان ثم قال رسول الله ﷺ أيكم ينزل هذا الرجل فقال فتى من الأنصار انا فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله ﷺ فقال تعال يا أخا تنوخ فاقبلت أهوى حتى كنت فى مجلسى الذي كنت بين يديه فحل حبوته عن ظهره وقال هنا
стр. 1720
امض لما أمرت له فجلست فى ظهره فاذا انا بخاتم النبوة فى موضع مصرف الكتف مثل المحجمة الضخمة قال محمد بن عمر فانصرف الرجل الى هرقل فذكر ذلك له فدعا قومه الى التصديق بالنبي ﷺ فابوا حتى خافهم على ملكه وهو فى موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف «١» وكان الذي خير النبي ﷺ من تعبية أصحابه ودنوه الى وادي الشام باطلا لم يرد ذلك ولا همّ به وذكر السهيلي ان هرقل اهدى هديا فقبل رسول الله ﷺ وفرقها على المسلمين وان هرقل امر مناد يا ينادى الا ان هرقل آمن بمحمد واتبعه فدخلت الأجناد فى سلاحها وطافت بقصره تريد قتله فارسل إليهم انى أردت ان اختبر صلابتكم فى دينكم فقد رضيت عنكم فرضوا عنه ثم كتب الى رسول الله ﷺ كتابا مع دحية رضى الله عنه يقول فيه انى مسلم ولكن مغلوب على امرى فلما قرأ رسول الله ﷺ كتابه قال كذب عدو الله والله ليس بمسلم بل هو على نصرانية وروى البيهقي عن ابن إسحاق قال حدثنى يزيد بن رومان وعبد الله بن بكر والبيهقي عن عروة بن الزبير قال لما توجه رسول الله ﷺ قافلا الى المدينة من تبوك بعث خالد بن الوليد بأربعمائة وعشرين فارسا فى رجب سنة تسع الى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل وكان أكيدر من كندة وكان نصرانيا فقال خالد كيف لى به وسط بلاد كلب وانما انا فى أناس يسيرون فقال رسول الله ﷺ ستجده يصيد البقر فتاخذه فيفتح الله لك دومة فان ظفرت به فلا تقتله وايت به الىّ فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين فى ليلة مقمرة صافية وهو على سطح له مع امرأته الرباب بنت انيف بن عامر الكندية فصعد أكيدر على ظهر الحصن من الحر وقينة تغينه ثم دعى بشراب فشرب فاقبلت البقرة الوحشية تحك بقرونها باب الحصن الحديث فنزل أكيدر وركب فرسه وركب معه نفر من اهل بيته معه اخوه حسان ومملوكان له فخرجوا من حصنهم بمطاردهم «٢» فلما فصلوا من الحصن أخذته خيل خالد فاستاسر أكيدر وامتنع حسان وقاتل حتى قتل وهرب المملوكان ومن كان معه فدخلوا الحصن وكان على حسان قباء ديباج مخوص «٣» بالذهب