فهرس تفسير سورة يوسف ﵇ من التّفسير المظهرى
مضمون صفحه حديث الكريم بن الكريم ٤ بحث تحقيق الرؤيا وأقسامها وما ورد فيه من الأحاديث- ٥ تأويل همّت به وهمّ بها- ٢١ الهمّ قسمان- ٢١ مسئلة جاز للعالم ان يصف نفسه حتّى يعرف الناس قدره إذ جهلت منزلته من العلم فاراد ان ينشر علمه وليس هذا من تزكية النفس فويل الذين يطعنون على اولياء الله فى اظهار فضائلهم ٣١ حديث رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث فى السجن طول ما لبث ٣٣ مسئلة ينبغى للرجل ان يجتهد فى نفى التهمة عن نفسه لا سيما من كان ممن يقتدى به ٣٧ ما ورد فى مدح يوسف ﵇ على صبره- ٣٧ وما دل على كمال نزول نبينا ﷺ ٣٧ مسئلة جاز طلب الولاية والقضاء واظهاراته اهل لها ان كان أمنا على نفسه فان كان أحد لا يقوم مقامه فقد يستحب وقد يجب ان تعين لامضاء احكام الله تعالى- ٤٢ وجاز ان يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر او كافر إذا علم انه لا سبيل الى اقامة الحق الا به- ٤٢ حديث العين حق ٤٧ حديث لا يغنى حذر عن قدر- ٤٧ ما أشكل من تعلق قلب يعقوب بيوسف ﵉ وحله- ٥٧ حديث الدنيا ملعونة- ٥٧ حديث سيد بنى دارا ووضع مأدبة ٥٧ وأرسل داعيا- حديث الجنة طيبة التربة عذبة الماء وانها تيعان وان غراسها سبحان الله إلخ- ٥٨ بيان حسن خاتم الأنبياء ﷺ وحسن يوسف ﵇ ٦٠ حديث لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب اليه من والده وولده- ٦٠ حديث ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان ٦٠ مسئلة جواز التأسف والبكاء عند المصيبة- ٦١ حديث بكائه ﷺ على ابنه ابراهيم وابن بنته- ٦١ حديث ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى السماء الدنيا- ٦٨ قوله ﷺ عند الوفاة مع الذين أنعم الله عليهم الاية- ٧١ حديث لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا فلا يتبايعانه ولا يطويانه- ٧٤ تمت.
стр. 1857
سورة يوسف ﵇
مكيّة مائة واحدى عشرة اية ربّ يسّر وتمّم بالخير «١» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) اشارة الى آيات القران والاضافة بمعنى من وهو المراد بالكتاب- اى تلك آيات من القران الظاهر فى الاعجاز- او الواضح معانيه بين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه- قال قتادة مبين والله بركته وهداه ورشده وقال الزجاج مبين الحق من الباطل والحرام من الحلال وقيل اشارة الى آيات السورة- وهى المراد بالكتاب- اى تلك الآيات آيات السورة الظاهر أمرها لمن تدبّر انها من عند الله- او مبين لليهود- قال البيضاوي روى ان علماءهم قالوا للمشركين سلوا محمّدا لم انتقل ال يعقوب من الشام الى مصر- وعن قصة يوسف- فنزلت السورة- ولم يذكر هذا صاحب لباب النقول فى اسباب النزول.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ اى الكتاب قُرْآناً القران اسم جنس يقع على الكل والبعض وصار علما للكل بالغلبة- فيمكن حمله على الكتاب وان أريد به السورة- ونصبه على الحال وهو فى نفسه اما توطية للحال الّتي هى عَرَبِيًّا او هو حال لكونه مصدرا بمعنى المفعول وعربيا صفة له- او حال من الضمير فيه او حال بعد حال والغرض من إيراد قوله
стр. 1858
عربيا انا أنزلناه بلغتكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «١» (٢) لكى تعلموا معانيه وتستعملوا فيه عقولكم فتدركوا لطائفه واعجازه لفظا ومعنى روى الحاكم وغيره عن سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه قال انزل على النبي ﷺ القران فتلا عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فنزل اللَّهُ نَزَّلَ «٢» أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الاية- زاد ابن ابى حاتم فقالوا يا رسول الله لو ذكرتنا فانزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الاية- واخرج ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما وابن مردوية عن ابن مسعود رضى الله عنه مثله قال قالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل.
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ وذكر البغوي عن سعد بن ابى وقاص الفصول الثلاثة لكنه قدم الفصل الثالث على الثاني أَحْسَنَ الْقَصَصِ منصوب على المصدر يعنى احسن الاقتصاص لانه اقتص على أبدع الاساليب ومعناه نبين لك اخبار الأمم السالفة والقرون الماضية احسن البيان او على المفعولية يعنى احسن ما نقص والمراد قصة يوسف ﵇ سماها احسن القصص لاشتماله على العجائب والعبر والحكم والنكت والفوائد الّتي تصلح امر الدين والدنيا من سير الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء وحسن التجاوز عنهم بعد التمكن من الانتقام وغير ذلك من الفوائد- والقصص على هذا فعل بمعنى مقعول كالنقض والسلب مشتق من قص اثره إذا اتبعه والقاص يتبع الآثار ويأتى بالأخبار على وجهها- قال خالد بن معدان سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما اهل الجنة فى الجنة وقال ابن عطاء لا يسمع سوره يوسف محزون الاستراح «٣» إليها بِما أَوْحَيْنا اى بايحائنا
стр. 1859
إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ يعنى السورة ويجوز ان يجعل هذا مفعول نقصّ على ان يكون احسن منصوبا على المصدر وَإِنْ كُنْتَ مخففة اى انه كنت مِنْ قَبْلِهِ اى قبل ايحاءنا إليك لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) عن هذه القصة او عن كلّما اوحى إليك من القصص والشرائع والاحكام-.
إِذْ قالَ يُوسُفُ بدل اشتمال من احسن القصص ان جعل مفعولا به وأريد قصة يوسف ﵇ لان الوقت مشتمل عليها- او منصوب بتقدير اذكر ويوسف اسم عبرى ولذا لم ينصرف وهو ابن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام روى احمد والبخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم لِأَبِيهِ يعقوب ﵇ يا أَبَتِ قرا ابن عامر وابو جعفر بفتح التاء فى جميع القران والباقون بكسر التاء- وابن كثير وابن عامر يقفان يابه بالهاء والباقون بالتاء إِنِّي رَأَيْتُ فى المنام من الرؤيا لا من الرؤية بدليل قوله تعالى. لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ وهذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ ... أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ روى سعيد بن منصور فى سننه والبزار وابو يعلى فى مسنديهما وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردوية فى تفاسيرهم- والعقيلي وابن حبان فى الضعفاء- والحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم- وابو نعيم والبيهقي كلامهما فى دلائل النبوة عن جابر رضى الله عنه واسم «١» اليهودي عند البيهقي بستان وقال يا محمّد أخبرني عن النجوم الّتي راهن يوسف- فسكت فنزل جبرئيل ﵇ فاخبره بذلك- فقال ﵇ ان أخبرك هل تسلم- قال نعم قال جرثان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين- راها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له- فقال اليهودي اى والله انها لاسماؤها رَأَيْتُهُمْ تأكيد لِي ساجِدِينَ (٤) او استيناف ببيان حالها الّتي راها عليها- وأورد صيغة جمع العقلاء وضميرهم لوصفها بصفاتهم- وكان النجوم فى التأويل اخوته وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما استضاء بالنجوم- والشمس أبوه والقمر امه- وقال السدىّ القمر خالته لان امه راحيل كانت قد ماتت- وقال ابن جريج القمر أبوه والشمس امه لكونها مؤنثة والقمر مذكر-
стр. 1860
قلت تأنيث الشمس لفظى مختص بلغة العرب فلا وجه لجعلها كناية عن امه مع كونها أضوء من القمر- قيل راها ليلة الجمعة ليلة القدر- فلما قصّها على أبيه.
قالَ يا بُنَيَّ تصغير ابن صغّره للشفقة او لصغر السن قال البغوي كان يوسف ابن اثنى عشر سنة- قرا حفص هاهنا وفى الصافات بفتح الياء والباقون بكسرها لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ الرؤيا مختص بما يكون فى النوم او نحو ذلك من الاستغراق فرق بينها وبين الرؤية بحر فى التأنيث كالقرية والقرى- قال البيضاوي الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة الى الحس المشترك- والصادقة منها انما يكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب- عند فراغها من تدبير البدن ادنى فراغ فيتصور بما فيها مما لا يليق من المعاني الحاصلة هناك- ثم ان المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها الى الحس المشترك فتصير مشاهدة- ثم ان كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت الا بالكلية والجزئية- استغنت الرؤيا عن التعبير والا احتاجت اليه- قلت الرؤيا هى مطالعة النفس فى الصور المنطبعة فى الحس المشترك من أفق المتخيلة عند غفلتها وفراغها عن مطالعة المحسوسات فى النوم او الإغماء او نحو ذلك- وهى على ثلاثة اقسام قسمان منها باطلان والقسم الثالث منها صحيحة صالحة من حيث الأصل- لكنها قد تفسد بالعوارض ويقع فيها الخطاء بها وقد يقع الخطاء فى تأويلها- اما القسمان الباطلان فالاول منهما ما تراه النفس من صور الأشياء الّتي راتها فى اليقظة- او تفكر واخترعها المتخيلة من غير اصل لها فى الواقع- وتسمى تلك الرؤيا حديث النفس والثاني منهما ما ألقاه الشيطان فى خياله وتمثل له تخويفا او ملاعبة- فان الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم- وتسمى تلك الرؤيا الرؤيا السوء وتخويف الشيطان والحلم- واما الّتي هى صحيحة فهى الهام واعلام من الله تعالى لعبده على شيء مما فى خزائن الغيب- او على شيء من مكنونات صفاته وأحواله ودرجات القرب له من الله تعالى حتّى تكون له بشارة- عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن كلام يكلم العبد ربه فى المنام رواه الطبراني بسند صحيح والضياء- وحقيقة تلك الرؤيا
стр. 1861
الصالحة عند الصوفية ان العالم الكبير شخص له نفس وروح وقوى على هيئة الإنسان ولذلك يسمى إنسانا كبيرا- ولمشابهته يسمى الإنسان عالما صغيرا- فكما ان فى العالم الصغير اعنى الإنسان قوة متخيلة فكذلك فى العالم الكبير متخيلة- يتخيل بها المحسوسات والمعقولات والاعراض والجواهر والمجردات والمعاني- فصور الأشياء كلها حتّى الواجب تعالى وصفاته- والممكنات بأسرها المجردات منها والماديات- وما لا صورة لها فى الخارج كالموت والحياة والأيام والسنين والأمراض موجودة فى تلك المتخيلة- بايجاد الله تعالى- ومن أجل ذلك راى رسول الله ﷺ الحمى على صورة امراة سوداء- وعبر يوسف ﵇ البقرات والسنابل بالسنين- ومن هاهنا يظهر انه لا يشترط فى الصورة كونها من حبس المحكي عنه او مشتملا على جميع خصائصه- بل يكفى فى ذلك نوع من المناسبة- فلاجل تلك المناسبة الظاهرة او الخفية يتمثل فى متخيلة العالم الكبير ذلك الشيء بتلك الصورة ولاجل لك المناسبة الخفية راى يوسف ﵇ أبويه واخوته فى صورة الشمس والقمر والكواكب- وقال رسول الله ﷺ الرؤيا ستة المرأة خير والبعير حرب واللبن فطرة والخضرة جنة والسفينة نجاة والتمر رزق- رواه ابو يعلى فى معجمه عن رجل من الصحابة بسند ضعيف- وتلك المتخيلة من العالم الكبير تسمى فى اصطلاح الصوفية بعالم المثال ثم تلك الصورة تنطبع لاجل المناسبة والمحاذات من متخيلة العالم الكبير فى متخيلة العالم الصغير اى الإنسان- وتراه النفس حين فراغها «١» عن مطالعة المحسوسات- فالانبياء عليهم الصلوات والتسليمات (لاجل عصمتهم عن الشيطان وعن معارضة الأوهام- ولاجل كون مناماتهم مقتصرة على العيون تنام عيونهم وقلوبهم يقظان- فيميزون مخترعات الخيال عن حقائق الإلهام) انحصرت رؤياهم فى القسم الثالث- ثم عدم العوارض المفسدة للمنامات الموجبة لوقوع الخطاء فيها متيقن فيهم ﵈ فرؤيا الأنبياء يكون وحيا قطعيا حتّى تصدى خليل الله ﵇ لذبح ابنه وقال إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى - قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ- ورؤيا الصلحاء اعنى الأولياء الذين زكوا أنفسهم بالرياضات- وأزالوا عنها الكدورات الجبلية-
стр. 1862
وتنزهوا عن ظلمات الذنوب والآثام- وتجلى بواطنهم باقتباس أنوار النبوة صالحة صادقة الا نادرا- وذلك عند عروض كدورة بأكل شيء من المشتبهات- او زائدا على الحاجة بحيث تولدت منه كدورة ما- او لاجل لمم من المعصية فانهم غير معصومين- او لانعكاس من صحبة العوام- فرؤيا الأولياء شبيهة بالوحى- ولذلك قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- متفق عليه من حديث انس وابى هريرة وعبادة بن الصامت ورواه احمد عنهم وابو داؤد والترمذي عن عبادة وروى البخاري عن ابى سعيد ومسلم عن ابن عمرو ابى هريرة واحمد وابن ماجة عن ابى رزين والطبراني عن ابن مسعود بلفظ الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وروى ابن ماجة بسند صحيح عن ابى سعيد رؤيا المسلم الصالح جزء من سبعين جزءا من النبوة- وابن ماجة واحمد بسند صحيح عن ابن عمرو احمد عن ابن عباس الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة- وفى حديث ابى رزين عند الترمذي رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة- وفى حديث العباس بن عبد المطلب عند الطبراني رؤيا المؤمن الصالح بشرى من الله وهى جزء من خمسين جزءا من النبوة- وفى حديث ابن عمر عند ابن النجار جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة- فان قيل ما معنى كونها جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وما وجه التطبيق بين الأحاديث فى عدد الاجزاء- قلنا كان مدة الوحى الى رسول الله ﷺ ثلاثا وعشرين سنة- وكان نصف سنة منها الوحى بالرؤيا الصالحة لا يرى شيئا فى المنام الا وجده مثل فلق الصبح- فلذلك قال جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- واما روايتا الأربعين والخمسين فمبنيتان على جبر الكسر او طرح الكسر وأخذ العقد تقريبا- واما رواية السبعين فالمراد منها الكثرة فانه يطلق السبعين ويراد به الكثرة قال الله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ- فالمعنى انها جزء من اجزاء كثيرة من الوحى واما رواية خمسة وعشرين فشاذ- واما رؤيا العوام- فمنا ماتهم وان كانت مستفادة من عالم المثال- لكنها تفسد وتكذب غالبا- لاجل انكدار خيالاتهم بالكدورات الجبلية النفسانية- والكدورات
стр. 1863
المكتسبة بالذنوب والآثام- ثم قد يقع الخطاء فى تعبير الرؤيا إذا كانت بين الصورة والمحكي عنها من عالم المثال مناسبة خفية- وصحة التعبير اما بالإلهام من الله تعالى وهو المراد فى الاية وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى يلهمك تعبير المنامات وذا لا يتصور غالبا الا إذا كان المعبر رجلا صالحا أهلا للالهام- واما بالعقل السليم- روى الترمذي بسند صحيح عن ابى رزين قال قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة- وهى على رجل طائر ما لم يحدث بها- فاذا حدث بها سقطت ولا تحدث بها الا لبيبا او حبيبا- وفى بعض الروايات الا من تحب- ورواه ابو داؤد وابن ماجة بسند صحيح عنه بلفظ الرؤيا على رجل طائر ما لم يعبر- فاذا عبرت وقعت ولا تقصّها الا على وادّا وذى رأى- والمراد بالطائر عندى ما قضى الله وقدر له نظيره قوله تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ اى عمله وما قدر له- فمعنى هذا الحديث عندى والله تعالى اعلم- ان رؤيا المؤمن مبنى على قضاء الله تعالى- وقدر قدّر له لا يعلم هو ما قدر له ما لم يحدث بها ويعبر عنها معبر فاذا حدث بها وعبر عنها معبر بالهام من الله تعالى او بقوة الرأى والاستنباط الموهوبة منه تعالى- وقعت اى ظهرت واتضح ما هو مقضى له- ولا تحدث بها الا لبيبا ذا رأى او حبيبا وادّ اى رجلا صالحا يحب الله والمؤمنين ويحبه الله والمؤمنون- وهو المعنى بقوله الا من تحب فان المؤمن لا يحب الا مؤمنا صالحا- فاللبيب يعبر بالرأى السليم- والحبيب لله تعالى يعبر بالإلهام- فلا يقع الخطاء فى تأويلهما- وما ذكرت من اقسام الرؤيا مستفاد من الأحاديث- روى ابن ماجة بسند صحيح عن عوف بن مالك قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا ثلاثة منها تهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم- ومنها ما يهم به
الرجل فى يقظته فيراه فى منامه- ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وروى الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا ثلاث فبشرى من الله وحديث النفس وتخويف الشيطان- فاذا راى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصّها ان شاء- وان راى شيئا يكرهه فلا يقصّها على أحد وليقم يصلى- واكره الغل واحبّ القيد القيد ثبات فى الدين-
стр. 1864
وروى مسلم عن ابى قتادة قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان- فمن راى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان فانها لا تضره ولا يخبر بها أحدا- وان راى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها الا من يحب- وعنه فى الصحيحين وعند ابى داؤد والترمذي بلفظ الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فاذا راى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله منها فانها لا تضره- فان قيل ما معنى قوله ﷺ من راى رؤيا فكره فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله منها- قلنا معناه والله اعلم ان الرؤيا ان كانت من تخويفات الشيطان وتسويلاته فيذهب وسوسته بالتعوذ- وان كان من عالم المثال فقد يكون حكاية عن قضاء معلق فالتعوذ بالله منها اى من الرؤيا يردّ القضاء المعلق ان شاء الله تعالى فلا تضرّه- ومعنى قوله ﷺ فلا يقصّها على أحد وليقم يصلى انه ان قصّها على أحد يحزنه تعبيرها- فالاولى ان يرجع الى الله تعالى بالصلوة والدعاء حتّى يدفع القضاء المعلق المحكي عنه بالرؤيا- قال رسول الله ﷺ لا يردّ القضاء الا الدعاء الحديث- رواه الشيخان فى الصحيحين عن سلمان وابن حبان والحاكم عن ثوبان- وليس النهى عن التحديث على التحريم او التنزيه الا ترى ان النبي ﷺ قال لاصحابه يوم أحد انى رايت فى المنام سيفى ذا الفقار انكسر وهى مصيبة- ورايت بقرا تذبح وهى مصيبة- وقد مر الحديث فى تفسير قوله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ فى سورة ال عمران- وانه ﷺ ارى بنى امية على منبره فساءه ذلك- وقد حدث به وذكرنا الحديث فى تفسير سورة القدر- وراى ابن عباس قتل الحسين ﵇ فى رؤياه يوم قتل فحدث به- وفى الباب أحاديث كثيرة- قلت وجاز ان يكون النهى عن تحديث الرؤيا المكروهة كيلا يظهر الأعداء الشماتة والفرح- وعن تحديث المبشرات الا عند اللبيب او الحبيب كيلا يحسدوه ولذلك امر يعقوب يوسف ﵉ بكتمان رؤياه على اخوته فقال لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً اى فيحتالوا لاهلاكك حيلة حسدا- عدى الكيد
стр. 1865
باللام وهو متعد بنفسه لتضمينه معنى فعل يعدى به تأكيدا ولذلك أكد بالمصدر وعلل بقوله إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) ظاهر العداوة فيزيّن له الكيد ويحمله عليه.
وَكَذلِكَ اى كما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على الفضل والكمال يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة والملك والأمور العظام- والاجتباء من جببت الشيء إذا حصّته وأخلصته لنفسك- وجبت الماء فى الحوض إذا جمعته وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى تعبير الرؤيا لان الرؤيا حديث الملك ان كانت صادقة- وحديث الشيطان ان كانت كاذبة- عبر التعبير بالتأويل لانه ما يؤل اليه عاقبة الأمر ويؤل امره الى ما يرى فى منامه- او من تأويل غوامض كتب الله وسنن الأنبياء- قيل هذا كلام مبتدا خارج عن التشبيه كانه قيل وهو يعلمك- والظاهر انه معطوف على ما سبق فان تعليم التأويلات وإتمام النعمة من انواع الاجتباء فهو من قبيل عطف الخاص على العام وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ قيل المراد بهم ابناؤه وكان ابناؤه كلهم أنبياء- علم ذلك استدلالا بضوء الكواكب وقيل المراد بهم أنبياء بنى إسرائيل كَما أَتَمَّها اى النعمة عَلى أَبَوَيْكَ يعنى الجد وأبا الجد مِنْ قَبْلُ إتمامها عليك إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لابويك إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بمن يستحق الاجتباء حَكِيمٌ (٦) يفعل الأشياء على ما ينبغى-.
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ اى قصة يوسف واخوته العلات- وكانوا عشرة ستة من بطن ليا بنت ليان وهى ابنة خال يعقوب ﵇ روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولادى ويهودا وريان ويشحر وكانت من بطنها بنتا اسمها دينة- واربعة من بطن سريتين له ﵇ إحداهما زلفة واخرى يلهمة دان وتفتالى وجاد واشر كذا قال البغوي- وقال لما توفيت ليّا تزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين- فكان أبناء يعقوب ﵇ اثنا عشر رجلا- قال البيضاوي قيل جمع «١» يعقوب بين الأختين- ولم يكن الجمع محرما حينئذ آياتٌ قرا ابن كثير اية على التوحيد والباقون على الجمع يعنى عبر ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته او علامات لنبوتك لِلسَّائِلِينَ (٧) عن خبرهم
стр. 1866
قال البغوي وذلك ان اليهود سالوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف- وقيل سالوا عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان الى مصر- فذكر لهم قصة يوسف فوجدوها موافقة لما فى التورية- وقيل آيات لمن سال ولمن لم يسئل كقوله تعالى سَواءً لِلسَّائِلِينَ- وقيل عبرا للمعتبرين فانها تشتمل على حسد اخوة يوسف وما ال اليه أمرهم من الذل- وعلى رؤياه وما حقق الله منها- وعلى صبر يوسف ﵇ عن قضاء الشهوة- وعلى الرق وفى السجن وما ال اليه امره من الملك ورضوان الله- وعلى حزن يعقوب وما ال اليه امره من الوصول الى المراد وغير ذلك من الآيات- اذكر.
إِذْ قالُوا يعنى قال بعضهم لبعض لَيُوسُفُ اللام فيه جواب للقسم تقديره والله ليوسف وَأَخُوهُ من أبيه وامه ولذا خصّوه بالاضافة أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وحّده لانه افعل من يستوى فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث- بخلاف أخويه فان الفرق بين المحلى باللام واجب- وفى المضاف جائز وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اى والحال انّا جماعة عشرة- قال الفراء العصبة هى العشرة فما زاد- وقيل العصبة ما بين الواحد الى العشرة- وقيل ما بين الثلاثة الى العشرة- وقال مجاهد ما بين العشرة الى خمسة عشر- وقيل ما بين العشرة الى الأربعين- كذا فى القاموس حيث قال العصبة من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة الى الأربعين كالعصابة بالكسر- وكذا قال الجزري فى النهاية ان العصابة الجماعة من الناس من العشرة الى الأربعين- والعصب جمع عصبة كالعصابة- ولا واحد لها من لفظه كالنفر والرهط- وقيل العصبة جماعة متعصبة اى متعاضدة- ومعنى نحن عصبة اى جماعة مجتمعة الكلام متعاضدة إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) ليس المراد من الضلال الضلال عن الدين ولو أرادوا ذلك لكفروا به- بل المراد منه الخطاء فى التدبير يعنون به انا انفع له فى امر الدنيا وإصلاح معاشه ورعى مواشيه- فنحن اولى بالمحبة منهما فهو مخطئ خطاء بيّنا فى إيثاره يوسف وأخاه علينا فى صرف محبته إليهما.
اقْتُلُوا يُوسُفَ قال وهب قاله شمعون وقال كعب دان وقال مقاتل روبيل- هذه الجملة المحكي بعد قوله إذ قالوا- وانما أسند هذا القول الى جميعهم مع ان القائل به كان واحدا منهم- لان الباقون رضوا به الا من قال لا تقتلوا فاسند الفعل الى الكل مجاز الصحة اسناده الى أكثرهم لاجل
стр. 1867
رضائهم به أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً اى بأرض منكورة بعيدة من العمران- بحيث يبعد عن أبيه- وهو معنى تنكيرها وابهامها- ولذلك نصب كالظروف المبهمة يَخْلُ لَكُمْ جواب الأمر والمعنى يصف لكم وَجْهُ أَبِيكُمْ اى توجهه إليكم عن شغله بيوسف حتّى لا يلتفت عنكم الى غيركم- ولا ينازعكم فى محبته أحد وَتَكُونُوا جزم بالعطف على يخل مِنْ بَعْدِهِ اى بعد يوسف او بعد الفراغ من امره بالقتل او الطرح- او قتله او طرحه قَوْماً صالِحِينَ (٩) تائبين الى الله عمّا جنيتم فيعف الله عنكم- او صالحين مع أبيكم يصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه كذا قال مقاتل- او صالحين امر دنياكم فانه ينتظم لكم بعده لخلو وجه أبيكم-.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ وهو يهودا وقال قتادة روبيل- قال البغوي والاول أصح لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فان القتل كبيرة عظيمة وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ اى فى قعره والغيابة كل موضع ستر عنك الشيء وغيّبه- سمى القعر بها لستره ما فيه عن عين الناظر- كذا قرا الجمهور- وقرا ابو جعفر ونافع فى غيبت الجبّ على الجمع كانه كان لذلك الجب غيابات- قال البغوي والجب البئر الغير المطوية لانه جب اى قطع ولم يطو- وفى القاموس الجب بالضم البئر او الكثيرة الماء البعيدة القعر او الجيّدة الموضع من الكلاء او الّتي لم تطوا ومما وجد لا مما حفره الناس يَلْتَقِطْهُ اى يأخذه والالتقاط أخذ الشيء من حيث لا يحس به بَعْضُ السَّيَّارَةِ الذين يسيرون فى الأرض إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) بمشورتى فافعلوا هذا- او ان كنتم على ان تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه فاكتفوا به- قال محمّد بن إسحاق اشتمل فعلهم على جرائم من قطيعة الرحم وعقوق الوالد وقلة الرأفة بالصغير الّذي لا ذنب له والغدر بالامانة وترك العهد والكذب مع أبيهم- وعفا الله عنهم ذلك كله حتّى لا ييئس من رحمة الله أحد- قلت لعل وجه مغفرة الله إياهم تلك الجرائم كلها لشدة حبهم بأبيهم يعقوب ﵇ فانه انما أوقعهم فى تلك الجرائم ذلك الحب- حيث أرادوا ان يخلوا لهم وجه أبيهم ويندفع ما يخلّ بهم فى محبتهم- وقال بعض اهل العلم انهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة لهم ولو فعلوا لهلكوا أجمعون-
стр. 1868
وكان ذلك قبل ان صاروا أنبياء كذا قال ابو عمرو بن العلاء- فمن قال بكونهم أنبياء جوز صدور المعصية من النبي قبل النبوة- وقال أكثرهم انهم ما كانوا أنبياء والمراد بالأسباط الوارد فى القران فى عد الأنبياء أنبياء بنى إسرائيل من نسلهم والله اعلم- فلما اجمعوا على التفريق بينه وبين والده ﵉ بضرب من الحيل.
قالُوا ليعقوب ﵇ يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا قرأ ابو جعفر بترك الإشمام والروم والباقون اما بالاشمام اعنى بالاشارة بالشفتين الى الضمة نحو قبلة المحبوب- او بالروم اى بحركة النون الاول بعض الحركة- اى لا تسكن رأسا بل تضعف الصوت بها فيفصل فيه بين المدغم والمدغم فيه- يعنون لم تخافنا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أرادوا به استنزاله عن رأيه فى حفظه منهم لما أحس منهم الحسد- قال مقاتل فى الكلام تقديم وتأخير وذلك انهم قالوا.
أَرْسِلْهُ مَعَنا الاية- فقال أبوهم إِنِّي لَيَحْزُنُنِي الاية فحينئذ قالوا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا- والنصح القيام بالمصلحة وارادة الخير- وقيل البرّ والعطف يعنى نحن قائمون بمصلحته نريد له الخير نحفظه حتّى نرده إليك.
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً الى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قرا ابو عمرو وابن عامر بالنون فيهما على التكلم وجزم العين فى نرتع من رتع يرتع رتعا- وهو الخصب يعنون نتسع فى أكل الفواكه ونلعب بالسباق والصيد والرمي مما يباح إتيانه- وقرا ابن كثير بالنون فيهما وكسر العين أصله نرتعى وهو نفتعل من الرعي- فروى ابو ربيعة وابن الصباح عن قنبل بإثبات الباء وصلا ووقفا- وروى غيرهما عنه حذفها فى الحالين- والبزي بحذفها فى الحالين- والمعنى نتحارس ونحفظ أنفسنا يعنى يحفظ بعضنا بعضا- وقرا نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابو جعفر بالياء فيهما على الغيبة على اسناد الفعلين الى يوسف- «١» غير ان نافعا وأبا جعفر يكسران العين من يرتع ويحذفان الياء لام الكلمة من ارتعى يرتعى يعنون يرعى يوسف الماشية كما نرعى نحن- والباقون يجزمون العين من يرتع ومعناه يأكل ويلهو وقرا يعقوب «٢» نرتع بالنون وجزم العين مثل ابى عمرو ويلعب بالياء مثل الكوفيين وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) ان يناله مكروه.
قالَ لهم يعقوب إِنِّي لَيَحْزُنُنِي فتح الياء نافع وابن كثير وأسكنها الباقون أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ
стр. 1869
اى ذهابكم به- والحزن هاهنا الم القلب بفراق المحبوب وعدم الصبر عنه- واللام لام الابتداء وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ لان الأرض كانت مذابة- وقال البغوي وذلك ان يعقوب راى فى المنام ان ذئبا شد على يوسف فكان يخاف من ذلك- وهذا عندى ليس بشيء فان رؤيا الأنبياء وحي قطعى الوجود- ولو كان قد راى ذاك لتحقق البتة ولا ينفعه الحذر لكنه لم يتحقق- قرا ورش والكسائي وابو عمرو الذيب بغير همز بالياء إذا وقف «١» والباقون بالهمزة فى الحالين وحمزة على أصله إذا وقف فان الهمزة المتوسطة عنده تبدل حرفا خالصا فى الوقف وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) يعنى لا أخاف كيدكم ولكن أخاف ان يناله مكروه عند غفلتكم لاشتغالكم بالرتع واللعب او لقلة اهتمامكم بحفظه.
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ المراد به الجنس وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اى عشرة متعاضدة لا يتصور الغفلة من جميعنا واللام موطئة للقسم وجوابه إِنَّا إِذاً اى إذا أكله الذئب ونحن عصبة لَخاسِرُونَ (١٤) هو مجزى عن جزاء الشرط- يعنون ان لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وكنا ضعفاء مغبونون- او مستحقون ان تدعى علينا بالخسارة- والواو فى ونحن للحال- اعتذر يعقوب فى عدم الإرسال بامرين الحزن بفراقه والخوف عليه بأكل الذئب- وأجابوا عن عذره الثاني دون الاول- لعدم قدرتهم على دفع الحزن ولان ذلك كان يغيظهم-.
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا اى عزموا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وجواب لما محذوف يعنى فعلوا به ما أرادوا- وقال البغوي جوابه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ الاية على ان الواو زائدة كما فى قوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ- اى لمّا أسلما ناديناه قال البغوي قال وهب وغيره أخذوا يوسف بغاية الإكرام- وجعلوا يحملونه فلما برزوا الى البرية القوه- وجعلوا يضربونه فاذا ضربه أحد استغاث باخر فضربه الاخر- فجعل لا يرى منهم أحدا رحيما- فضربوه حتّى كادوا يقتلونه- وهو يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنوا الإماء- فلما كادوا ان يقتلوه قال لهم يهودا أليس قد أعطيتموني موثقا ان لا تقتلوه فانطلقوا به الى الجب ليطرحوه فيه وكان ابن اثنى عشر سنة وقيل ثمان عشر سنة- فجاءوا به على غير طريق الى بئر واسع الأسفل ضيّق الرأس- قال مقاتل على ثلاث فراسخ من منزل
стр. 1870
يعقوب- وقال كعب بين مدين ومصر- وقال وهب بأرض الأردن- وقال قتادة هى بئر بيت المقدس- فجعلوا يدلونه فى البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه- فقال يا إخوتاه ردوا علىّ القميص اتوارى به فى الجب- فقالوا ادع الشمس والقمر والكواكب تؤنسك فقال انى لم أر شيئا فالقوه فيها- وقيل جعلوه فى دلو وأرسلوه فيها حتّى إذا بلغ نصفها القوه ارادة ان يموت فكان فى البئر ماء فسقط فيه- ثم أوى الى صخرة فيها فقام عليها- وقيل انهم لما القوه فيها جعل يبكى فنادوه فظن انها رحمة أدركتهم فاجابهم- فارادوا ان يرضحوا بصخرة فيقتلوه فمنعهم يهودا- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن السدى مطولا ان ال يعقوب كانوا نازلين بالشام- وكان ليس له هم الا يوسف واخوه بنيامين- فحسده اخوته الى ان قال فلما برزوا الى البرية فذكر نحوه- قيل جعلوه فى دلو وأرسلوه فيها حتّى إذا بلغ نصفها القوه ارادة ان يموت- فكان فى البئر ماء فسقط فيه ثم أوى الى صخرة فيها فقام عليها يبكى- فجاءه جبرئيل بالوحى كما قال وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لاطمينان قلبه والظاهر ان هذا الوحى ليس للاستنباء والإرسال والتبليغ بل هو كما اوحى إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ الاية وما هو للتبليغ فهو بعد ذلك حيث قال الله تعالى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً- واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن مجاهد فى قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ قال اوحى الى يوسف يعنى وحي الاستنباء وهو فى الجب لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا يعنى لتخبرن إخوتك بما صنعوا بك وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) بذلك الوحى والإيناس واعلام الله إياه ذلك- وقيل معناه وهم لا يشعرون يوم تخبرهم انك يوسف لعلو شأنك وبعده عن اوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات- وذلك حين دخلوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ- قال البغوي كان يهودا يأتيه بالطعام وبقي فيها ثلاث ليال واوحى اليه هذه الاية- وبعث اليه جبرئيل ليؤنسه ويبشره بالخروج- ويخبره انه ينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون- اخرج ابن ابى شيبة واحمد فى الزهد وابن عبد الحكم فى فتوح مصر وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ والحاكم وابن مردوية عن الحسن ان يوسف ﵇ كان حينئذ ابن سبع عشره سنة- وقيل كان مراهقا اوحى اليه فى صغره كما اوحى الى يحيى وعيسى ﵉ وفى القصص ان ابراهيم
стр. 1871
حين القى فى النار جرد عن ثيابه- فاتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنة فالبسه إياه فدفعه ابراهيم الى إسحاق وإسحاق الى يعقوب فجعله فى تميمة علقها بيوسف فاخرجه جبرئيل والبسه إياه- قال البغوي قال ابن عباس رضى الله عنهما ثم انهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف.
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قال اهل المعاني جاءوا فى ظلمة العشاء لتكون اجرا على الاعتذار بالكذب- فروى ان يعقوب ﵇ سمع صياحهم- فخرج فقال ما لكم يا بنى هل أصابكم فى غنمكم شيء- قالوا لا قال فما أصابكم واين يوسف.
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ اى نتسابق فى العدو كذا قال السدى او نترامى وننتصل ويشترك الافتعال والتفاعل كالانتصال والتناصل وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ثيابنا فمضينا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ اى بمصدق لَنا لسوء ظنك بنا وفرط محبتك بيوسف وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) عندك لاتّهمتنا فى هذه القصة لمحبة يوسف فكيف وأنت سىء الظن بنا- وقيل معناه لست بمصدق لسوء ظنك بنا- او لانه لا دليل لنا على صدقنا وان كنا صادقين عند الله.
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ اى ذى كذب او مكذوب فيه- ويجوز ان يكون وصفا بالمصدر للمبالغة- وعلى قميصه فى موضع النصب على الظرف اى فوق قميصه- او على الحال من الدم ان جوز تقديمها على المجرور- اخرج ابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ عن الحسن انه لما سمع يعقوب بخبر يوسف صاح وسال قميصه- فلما جيء بقميص يوسف جعل يقلّبه فراى اثر الدم ولا يرى فيه شقا ولا خرقا- فقال يا بنى والله ما اعهد الذئب حليما إذا كل ابني وأبقى قميصه فلمّا علم كذبهم بذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً اى سهّلت لكم وهوّنت فى أعينكم أنفسكم امرا عظيما- ماخوذ من السول وهو الاسترخاء- فى القاموس الاسول من فى أسفله استرخاء والسولة استرخاء البطن وغيره- وقيل معناه زيّنت كذا فى القاموس وسوّل له الشيطان اغواه وقيل السول الحاجة الّتي تحرص عليها النفس- والتسويل تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن فَصَبْرٌ جَمِيلٌ اى فامرى صبر جميل- وقيل فصبر جميل
стр. 1872
اختاره- قال البغوي الصبر الجميل الّذي لا شكوى فيه اى الى الخلق ولا جزع- اخرج ابن جرير عن حبان ابن حمية مرسلا الصبر الجميل الّذي لا شكوى فيه وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) اى على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف والصبر على تلك المصيبة- قال البغوي وفى القصة انهم جاءوا بذئب وقالوا هذا الّذي أكله- فقال له يعقوب يا ذئب ءانت أكلت ولدي وثمرة فوادى- فانطقه الله فقال تالله ما رايت وجه ابنك قط- قال كيف وقعت بأرض كنعان- قال جئت لصلة قرابة فصادنى هؤلاء- فمكث يوسف فى البئر ثلاثة ايام-.
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ رفقة يسيرون من مدين الى مصر أخطئوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب- وكان الجب فى قفر بعيد من العمران للرعاة والمارة- وكان ماؤه ملحا فعذب حين القى يوسف فيه فَأَرْسَلُوا حين نزلوا هناك وارِدَهُمْ رجلا من اهل مدين يقال له مالك بن وعر لطلب الماء- والوارد الّذي يتقدم الرفقة الى الماء ليستقى لهم فَأَدْلى دَلْوَهُ يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها فيه- ودلوتها أخرجتها- فتعلق يوسف ﵇ بالحبل- فلما خرج إذا هو بغلام احسن ما يكون- قال النبي ﷺ اعطى يوسف شطر الحسن رواه ابن ابى شيبة واحمد وابو يعلى والحاكم عن انس- قال البغوي يقال انه ورث ذلك الجمال من جدته سارة- وكانت قد أعطيت سدس الحسن- قال ابن إسحاق ذهب يوسف وامه بثلثي الحسن- فلما راه مالك بن وعر قالَ يا بُشْرى قرا الكوفيون بالألف المقصورة على وزن فعلى وامال حمزة والكسائي- نادى البشرى بشارة لنفسه او لقومه كانه قال يا بشرى تعالى فهذا او انك- وقيل هو اسم لصاحبه ناداه باسمه ليعينه على إخراجه- وقرا الباقون يبشرى بالألف بعد الراء وبعدها ياء المتكلم مفتوحة بالاضافة- قرا ورش الراء بين بين والباقون بإخلاص فتحها هذا غُلامٌ روى مجاهد عن أبيه ان البئر كانت تبكى على يوسف حين اخرج منها وَأَسَرُّوهُ يعنى أخفاه الوارد وأصحابه من سائر الرفقة مخافة ان يطلبوا منهم فيه المشاركة- وقيل اخفوا امره وقالوا دفعه إلينا اهل الماء لنبيعه لهم بمصر- وقيل الضمير لاخوة يوسف- وذلك ان يهودا كان يأتيه كل يوم بالطعام وأتاه يومئذ فلم يجده فيها- فاخبر اخوته فطلبوه فاذاهم
стр. 1873
بمالك وأصحابه نزول- فاتوهم فاذاهم بيوسف- فاسروا شأن يوسف وقالوا هو عبد لنا ابق ويقال انهم هددوا يوسف حتّى لم يعرّف حاله فسكت يوسف مخافة ان يقتلوه بِضاعَةً نصب على الحال اى اخفوه متاعا للتجارة- اشتقاقه من البضع فانه «١» هو ما يضع من المال للتجارة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) لم يخف عليه أسرارهم- او صنيع اخوة يوسف بأبيهم وأخيهم.
وَشَرَوْهُ يعنى باع «٢» اخوة يوسف إياه بعد ما قالوا انه عبد لنا ابق- وقيل شروه بمعنى اشتروه يعنى اشترى الوارد وأصحابه يوسف من اخوته بِثَمَنٍ بَخْسٍ قال الضحاك ومقاتل والسدى اى حرام- لان ثمن الحر حرام- وسمى الحرام بخسا لانه مبخوس من البركة اى منقوص- وعن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما اى زيوف وقال عكرمة والشعبي قليل دَراهِمَ بدل من الثمن مَعْدُودَةٍ قليلة فانهم كانوا يزنون ما بلغ الاوقية ويعدون ما دونها- قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة رضى الله عنهم كان عشرين درهما فاقتسموا درهمين درهمين- وقال مجاهد اثنين وعشرين درهما وقال عكرمة كان أربعين درهما وَكانُوا اى اخوة يوسف او الذين اشتروه فِيهِ اى فى يوسف مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) الراغبين عنه لانهم لم يعلموا منزلته عند الله وقيل كانوا فى الثمن من الزاهدين لانه لم يكن قصدهم تحصيل الثمن انما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه- قال البيضاوي ان كان ضمير كانوا للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم لانهم التقطوه- والملتقط للشيء متهاون به خائف عن انتزاعه مستعجل فى بيعه- وان كانوا مبتاعين فلانهم اعتقدوا انه ابق- وفيه متعلق بالزاهدين إذا جعل اللام للتعريف- وان جعل بمعنى الّذي فهو متعلق بمحذوف يبينه الزاهدين- لان متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول- ثم انطلق مالك بن وعر وأصحابه بيوسف وتبعهم اخوته يقولون استوثقوا منه لا يأبق- فذهبوا به حتّى قدموا مصر- وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس- وقيل اطفير صاحب امر الملك- وكان على خزائن مصر يسمى العزيز- وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها ديان بن الوليد بن ثروان من العمالقة- وقيل ان هذا الملك لم يمت حتّى أمن واتبع يوسف على دينه ثم مات ويوسف حى- قال ابن عباس رضى الله
стр. 1874
عنهما لما دخل مصر تلقى قطفير مالك بن وعر- فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين- وقال وهب بن منبه قدمت «١» السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع- فترافع الناس فى ثمنه حتّى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا- وكان وزنه اربعمائة رطل وهو ابن ثلاث عشر سنة فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن-.
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ يعنى قطفير لِامْرَأَتِهِ اسمها راعيل وقيل زليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ المثوى موضع الاقامة- والمراد به منزلته كذا قال قتادة وابن جريج- وقيل معناه أكرميه فى المطعم والملبس والمقام عَسى أَنْ يَنْفَعَنا اى نبيعه بالربح ان أردنا البيع او يكفينا فى ضياعنا وأموالنا ونستظهر به فى مصالحنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ان تبنّيناه لما تفرس به من الرشد وكان عقيما وَكَذلِكَ اى كما انجيناه من القتل وأخرجناه من الجب وعطفنا عليه العزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ اى فى ارض مصر فجعلناه على خزائنها وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ عطف على مضمر تقديره ليحكم بالعدل ولنعلمه- اى كان القصد من انجائه وتمكينه الى ان يقيم العدل ويدبر امور الناس- ويعلّم معانى كتب الله وأحكامه فينفذها- او تعبير المنامات المنبهة عن الحوادث الكائنة ليستعد لها- ويشتغل بتدبيرها قبل ان يحل- وقيل الواو زائدة وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ الضمير راجع الى الله تعالى اى يفعل ما يشاء لا يرد امره شيء- ولا ينازعه فيما يشاء أحد- وقيل الضمير راجع الى يوسف اى أراد به اخوة يوسف شيئا- وأراد الله غيره فلم يكن الا ما أراد الله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) لطائف صنعه وخفايا لطفه- او لا يعلمون ما الله يريد ويصنع.
وَلَمَّا بَلَغَ يوسف أَشُدَّهُ اى منتهى شبابه وقوته قال مجاهد ثلاثا وثلاثين سنة- وقال السدى ثلاثين سنة وهو سن الوقوف- وقال الضحاك عشرين سنة- وقال الكلبي الأشد ما بين ثمانية عشر الى ثلاثين سنة- وسئل مالك عن الأشد قال هو الحلم آتَيْناهُ حُكْماً اى نبوة وقيل إصابة القول وَعِلْماً اى فقها فى الدين او علما بتأويل الرؤيا قيل الفرق بين الحكيم والعالم ان العالم هو الّذي يعلم الأشياء والحكيم هو الّذي يعمل
стр. 1875
بما يوجب العلم وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) قال ابن عباس رضى الله عنهما اى المؤمنين وعنه ايضا المهتدين- وقال الضحاك الصابرين على النوائب- قال البيضاوي فيه تنبيه على انه تعالى انما أتاه ذلك جزاء على إحسانه فى عمله واتقائه فى عنفوان امره-.
وَراوَدَتْهُ المراودة من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد- وقيل طلب الشيء برفق ومنه رويد بمعنى أمهل لمعنى الرفق والمهلة فيه- والمراد هاهنا طلبته منه بالحيل الَّتِي هُوَ يعنى يوسف فِي بَيْتِها يعنى زليخا امراة العزيز عَنْ نَفْسِهِ اى احتالت ليواقعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ اى اطقتها وكانت سبعة والتشديد للتكثير او للمبالغة فى الاستيناف وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قرا نافع وابن «١» ذكوان بكسر الهاء من غير همز وفتح التاء- وهشام كذلك الا انه يهمز- وقد روى عنه ضم التاء- وابن كثير بفتح الهاء وضم التاء والباقون بفتحهما- وقرا قتادة والسلمى بكسر الهاء وضم التاء كما روى عن هشام- ومعناه تهيّئت لك نفسى واللام حينئذ للصلة- وأنكره ابو عمرو والكسائي قالا لم يحك هذا عن العرب والاول هو المعروف عند العرب- قال ابن مسعود رضى الله عنه أقرأني النبي ﷺ هيت لك بفتح الهاء والتاء- قال ابو عبيدة كان الكسائي يقول هى لغة لاهل حوران وقعت الى الحجاز ومعناه تعال- وقال عكرمة ايضا هى بالحورانية هلم- قال مجاهد وغيره هى لغة عربية وهى كلمة حث واقبال على الشيء- فهو اسم فعل مبنى على الفتح كاين- واللام للتبئين كالتى فى سقيا لك- ومن قراءه بضم التاء قراءه تشبيها له بحيث- وهى لا تثنّى ولا تجمع ولا تؤنث كذا قال ابو عبيدة- قال فى القاموس هيت مثلثة الاخر وقد يكسر اوله بمعنى هلم قالَ لها يوسف عند ذلك مَعاذَ اللَّهِ اى أعوذ بالله معاذا واعتصم به ممّا دعوتنى اليه إِنَّهُ رَبِّي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بسكونها أَحْسَنَ مَثْوايَ الضمير للشأن يعنى ان الشان ان سيدى قطفير احسن منزلى وتعهّدى- حيث قال لك أكرمي مثواه فما جزاؤه ان اخونه فى اهله- وجاز ان يكون الضمير راجعا الى قطفير يعنى ان زوجك قطفير سيدى احسن مثواى- وقيل الضمير لله تعالى يعنى انه تعالى خالقى واحسن منزلتى حيث عطف علىّ قلب فطفير فلا أعصيه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) المحازون الحسن بالسيئ- وقيل يعنى الزناة فان الزنى ظلم على نفسه وعلى المزني باهله-
стр. 1876
قال السدى وابن إسحاق لما أرادت امراة العزيز مراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وشوّقته «١» الى نفسها- فقالت يا يوسف ما احسن شعرك قال هى أول ما ينتثر من جسدى- قالت ما احسن عينك قال هما أول ما يسيل على وجهى- قالت ما احسن وجهك قال هو للتراب تأكله- وقيل انها قالت ان فراش الحرير مبسوط فقم فاقض حاجتى- قال إذا يذهب نصيبى من الجنة- فلم تزل تطمعه وتدعوه الى اللذة وهو شابّ يجد شبق الشباب ما يجد الرجل عند مراودة امراة حسناء جميلة فذلك قوله تعالى.
وَلَقَدْ هَمَّتْ زليخا بِهِ اى بيوسف يعنى قصدت ان يواقعها وَهَمَّ يوسف بِها اى مال طبعه إليها واشتهاها مع كفه نفسه عنها كما يدل عليه قوله مَعاذَ اللَّهِ إلخ وليس المراد القصد الاختياري وذلك الميلان الطبعي وشهوة النفس مما لا يدخل تحت التكليف- بل الحقيق بالمدح والاجر الجزيل فان السبب لا فضلية البشر على الملائكة كف النفس عن الفعل عند قيام هذا الهمّ- قال الشيخ ابو منصور الماتريدى همّ يوسف بها همّ خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه- ولو كان همّه كهمنا لما مدحه الله تعالى بانّه مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ- وقال بعض اهل الحقائق الهمّ همان همّ ثابت وهو ما إذا كان معه عزم وعقد ورضى مثل همّ امراة العزيز فالعبد مأخوذ به- وهمّ عارض مثل الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل همّ يوسف ﵇ والعبد غير ماخوذ به ما لم يتكلم او يعمل قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى إذا تحدث عبدى بان يعمل حسنة فانا اكتبها له حسنة ما لم يعملها- فاذا عملها فانا اكتبها له بعشرة أمثالها- وإذا تحدث بان يعمل سيئة فانا اغفرها ما لم يعملها فاذا عملها فانا اكتبها له بمثلها- رواه البغوي من حديث ابى هريرة وفى الصحيحين وجامع الترمذي عنه بلفظ إذا همّ عبدى بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة- فان عملها كتبتها عشر حسنات الى سبعمائة ضعف- وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم اكتبها عليه فان عملها كتبتها سيئة واحدة- وجاز ان يكون معنى هم بها شارف على الهم- وما قيل فى تفسير قوله تعالى همّ بها انه حل الهميان وجلس منها مقعد الرجل من المرأة وما قيل انه حل سراويله وجعل يعالج ثيابه- وأسند هذا القول الى سعيد بن جبير وغيره
стр. 1877
من المتقدمين يأبى عنه سياق كلام الله تعالى فانه تعالى قال لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ- لان السوء هو الصغيرة وما ذكر فهو من الصغائر البتة- ولو كان كذلك لذكرت توبته واستغفاره (كما ذكر لام ونوح وذى النون وداود ﵈ مع كون كل ما صدر منهم ﵈ من غير قصد منهم بالمعصية- كما ذكر كل ذلك فى موضعه) ولم يذكر بل ذكر تبرية نفسه حيث قال هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي- وقال ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وقال إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- وقال الله تعالى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ- لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ جواب لولا محذوف تقديره لجامعها- وقيل جواب لولا مقدم عليه تقديره لولا ان رّاى برهان ربّه لهمّ بها- لكنه راى البرهان فلم يهم وأنكره النحاة لان لولا فى حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها جوابها- وجاز ان يكون همّ بها المذكور قبلها دليلا على جوابها يعنى لهمّ بها- ومعنى الهم المذكور على هذا شارف الهم- فهو كقوله قتلته لو لم أخف الله- تقديره شارفت على قتله لو لم أخف الله لقتلته- واختلفوا فى ذلك البرهان فقال جعفر بن محمّد الصادق رضى الله عنهما البرهان النبوة الّتي أودع الله فى صدره حالت بينه «١» وبين ما يسخط الله وهذا أصوب الأقوال عندى- وقال قتادة واكثر المفسرين انه راى صورة يعقوب وهو يقول له يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب فى الأنبياء- وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك انفرج له سقف البيت فراى يعقوب ﵇ عاضّا على إصبعه- وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل يعقوب فضرب بيده فى صدره فخرجت شهوته من أنامله- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن محمّد بن سيرين قال مثل له يعقوب عاضّا على إصبعه يقول يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم خليل الرّحمن اسمك فى الأنبياء وتعمل عمل السفهاء- وقال السدى نودى يا يوسف تواقعها انما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير فى جو السماء لا يطاق- ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ووقع فى الأرض لا يستطيع ان يدفع عن نفسه شيئا- ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الّذي لا يطاق- ومثلك ان واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل فى اصل قرنية لا يستطيع ان يدفع عن نفسه- واخرج ابن جرير عن القاسم بن ابى نزة قال نودى
стр. 1878
يا ابن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فاذا زنى فغدا ليس له ريش فلم يعرض للنداء- فرفع رأسه فراى وجه يعقوب عاضّا على إصبعه- فقام مرعوبا استحياء من أبيه- وفى رواية عن مجاهد عن ابن عباس انه انحط جبرئيل عاضّا على إصبعه يقول يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله فى الأنبياء- وروى انه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله- وقال محمّد بن كعب القرظي رفع يوسف ﵇ راسه الى سقف البيت حين همّ فراى كتابا فى حائط البيت لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا- وروى عطية عن ابن عباس رضى الله عنهما فى البرهان انه راى مثال الملك- وعن على بن الحسين رضى الله عنهما قال كان فى البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب- فقال لها يوسف لم فعلت هذا قالت استحييت منه ان يرانى على المعصية فقال أتستحيين ممّن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه فانا أحق ان استحيى من ربى وهرب كَذلِكَ اى الأمر مثل ذلك او فعلنا كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ اى عن يوسف السُّوءَ اى المعصية الصغيرة وَالْفَحْشاءَ اى الكبيرة يعنى الزنى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) قرا نافع والكوفيون بفتح اللام حيث وقع معرفا باللام يعنى مختارين للنبوة أخلصهم الله تعالى لنفسه والباقون بكسر اللام اى مخلصين لله الطاعة والعبادة-.
وَاسْتَبَقَا الْبابَ اى الى الباب على حذف الجار وإيصال الفعل- او على تضمين استبقا معنى ابتدرا يعنى تسابق يوسف وزليخا الى الباب- لما فرّ يوسف منها ليخرج من عندها أسرعت وراءه لتمنعه عن الخروج- فتعلقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها حتّى لا يخرج- ووحّد الباب وان كان جمعه فى قوله وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ لانه أراد الباب الّذي هو المخرج من الدار- ولما هرب يوسف جعل فراش القفل تتناثر وتسقط وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ اى شقّته من ورائه- والقد الشق طولا والقط الشنق عرضا وَلمّا خرجا أَلْفَيا صادفا سَيِّدَها اى زوجها قطفير لَدَى الْبابِ قال البغوي وجداه جالسا مع ابن عم لزليخا- وقيل صادفاه مقبلا يريد الدخول فلما راته هابته قالَتْ سابقة بالقول لزوجها تبرية لنفسها عند زوجها- وتعييرا على يوسف وإغراء به انتقاما
стр. 1879
منه ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً تعنى الزنى وما نافية او استفهامية بمعنى اىّ شيء جزاؤه ليس جزاؤه إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ اى يحبس أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) اى ضرب بالسياط- فلما سمع يوسف مقالتها.
قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي اى طلبت منى الفاحشة انما قال ذلك دفعا لما عرض له من السجن والعذاب ولو لم تكذب عليه لما قاله وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها قيل ابن عم وقيل ابن خال لها- فقال سعيد بن جبير والضحاك كان صبيّا فى المهد أنطقه الله- قال البغوي وهو رواية العوفى عن ابن عباس عن النبي ﷺ انه قال تكلم اربعة وهم صغار- ابن ماشطة ابنة فرعون- وشاهد يوسف- وصاحب جريح- وعيسى بن مريم- قال محمّد بن محمّد السعاف فى تخريج البيضاوي اخرج ذلك الحديث احمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى المستدرك وصححه- ورواه الحاكم ايضا من حديث ابى هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين- ولم يطلع عليه الطيبي فقال يردّه ما فى حديث الصحيحين عن ابى هريرة حيث قال لم يتكلم فى المهد الا ثلاثة عيسى بن مريم وصاحب جريح- وصبى كان ترضعه امه فمر راكب حسن الهيئة فقالت امه اللهم اجعل ابني مثل فلان فقال الصبى اللهم لا تجعلنى مثله- فصاروا باضافة الصبى المذكور إليهم خمسة- قال السيوطي وهم اكثر من ذلك ففى صحيح مسلم تكلم الطفل فى قصة اصحاب الأخدود- قال وقد جمعت من تكلم فى المهد فبلغوا أحد عشر تضمينا فقلت قطعة تكلم فى المهد النبي محمّد ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبرى جريح ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مبرّيا لامه الّتي يقال لها تزنى ولا تتكلم وماشطة فى عهد فرعون طفلها وفى زمن الهادي المبارك يختم فقال الشاهد إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ من قدام فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) لانه يدل على انها قدت من قدامه لما أرادها بالدفع عن نفسها- او انه اسرع عن خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه.
وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) لانه يدل على انها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته من خلفه- والشرطية
стр. 1880
محكية على ارادة القول او على ان فعل الشهادة من القول وتسميتها شهادة لانها أدت موداها- وانما جمع بين ان الّذي هو للاستقبال وبين كان لان المعنى ان تعلم انه كان قميصه كذا- نظيره قولك ان أحسنت الىّ فقد أحسنت إليك من قبل فان معناه ان تمنّ علىّ بإحسانك امنّ عليك بإحساني السابق.
فَلَمَّا رَأى قطفير قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف ﵇ قالَ لها إِنَّهُ اى ان السوء او ان هذا الأمر او ان قولك ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ... مِنْ كَيْدِكُنَّ من حيلتكن والخطاب لها ولامثالها او لسائر النساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ اى النساء عَظِيمٌ (٢٨) فان ظاهرهن ضعيف يشهد لهن بالصدق وباطنهن خبيث اعوج- فانها خلقت من ضلع آدم وعقولهن قاصرة وديانتهن ناقصة لا تمنعهن عما يمنع العقول السليمة والدين القويم- ومعهن شيطان يواجهن الرجال بالكيد والشيطان يوسوس به مسارقة قال رسول الله ﷺ النساء حبالة الشيطان وقال رسول الله ﷺ ما رايت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من أحد أكن رواه «١» عن بعض العلماء انه قال انا أخاف من النساء اكثر مما أخاف من الشيطان لان الله تعالى قال إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً وقال لهن إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ اى يا يوسف أَعْرِضْ عَنْ هذا الحديث فلا تذكره لاحد حتّى لا يشيع وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩) اى من القوم المذنبين من خطئ إذا أذنب متعمدا- لم يقل من الخاطئات لانه لم يقصد به الخبر عن النساء- بل قصد الخبر عن من فعل ذلك رجلا كان او امراة- فذكر بصيغة المذكرين تغليبا ونظيره قوله تعالى وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وانّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ- وكان العزيز رجلا حليما قليل الغيرة فاقتصر على هذا القول-.
وَقالَ نِسْوَةٌ اسم لجمع امراة وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقى ولذلك جرد فعله فِي الْمَدِينَةِ ظرف لقال او صفة لنسوة- اى لما شاع حديث يوسف ومراودة زليخا عن نفسه فى المصر قلن- وقال مقاتل كن خمسا زوجة الحاجب والساقي والخباز والسبحان وصاحب الدواب امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها اى عبدها الكنعانى عَنْ نَفْسِهِ اى تطلب منه الفاحشة قَدْ شَغَفَها حُبًّا يعنى شق يوسف شغاف قلبها فدخل فيه حبّا- وهو
стр. 1881
تميز عن النسبة اى دخل حبه قلبها- قال السدى الشغاف جلدة رقيقة على القلب- وقال الكلبي حجب حبه قلبها حتّى لا تعقل سواه إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ عن الرشد وبعد من الصواب مُبِينٍ (٣٠) ظاهر الضلال حيث تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر.
فَلَمَّا سَمِعَتْ زليخا بِمَكْرِهِنَّ اى باغتيابهن وانما سمى مكرا لانهن اخفين هذا القول كما يخفى الماكر مكره- وقال ابن إسحاق انما قلن لها ذلك مكرا بها لتريهن يوسف وكانت «١» توصف لهن حسنه وجماله وقيل انها أفشت إليهن سرها واستكتمهن فافشين ذلك فلذلك سماه مكرا أَرْسَلَتْ رسولا إِلَيْهِنَّ تدعوهن قال وهب اتخذت مأدبة ودعت أربعين امراة منهن هؤلاء اللاتي عيرنها وَأَعْتَدَتْ اى أعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً قال ابن عباس رضى الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد متكأ اى طعاما- سماه متكأ لان اهل الطعام إذا جلسوا يتكؤن على الوسائد- فسمى الطعام معا على الاستعارة- يقال اتكأنا عند فلان اى طعمنا- ولما كان ذلك عادة المترفين نهى رسول الله ﷺ ان يأكل الرجل بشماله وان يأكل متكأ- رواه ابن ابى شيبة فى مصنفه عن جابر- وقيل المتكأ الطعام الّذي يجزّ جزّا كانّ القاطع يتكى عليه بالسكين- قال ابن عباس هو الأترج وقد روى عن مجاهد مثله- وقيل هو الأترج بالحبشية- وقال عكرمة وابو زيد الأنصاري كل ما يجزّ بالسكين فهو عند العرب متك- والمتك والبتك القطع بالميم والباء- قال البغوي زينت امراة العزيز بيتا بألوان الفواكه والاطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة وَآتَتْ اى اعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وهن يأكلن اللحم جزّا بالسكين وَقالَتِ قرا ابو عمرو وعاصم وحمزة بكسر التاء وصلا وغيرهم بضمها وصلا اخْرُجْ يا يوسف عَلَيْهِنَّ وكانت أجلست يوسف فى مجلس اخر فخرج عليهن يوسف- قال عكرمة وكان فضل يوسف على الناس فى الحسن كفضل ليلة البدر على سائر الكواكب- واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردوية من حديث ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ رايت ليلة اسرى بي الى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر- واخرج ابو الشيخ فى تفسيره عن إسحاق بن عبد الله ابى فروة قال كان إذا سار فى ازقة المصر يرى تلألأ وجهه على الجدران كما يرى تلألأ الماء والشمس على
стр. 1882
الجدران فَلَمَّا رَأَيْنَهُ نسوة مصر أَكْبَرْنَهُ عظّمته قال ابو العالية هالهن امره وبهتن- وقيل أكبرنه اى حضن من أكبرت المرأة إذا حاضت- لانها تدخل فى الكبر بالحيض والهاء ضمير المصدر او ليوسف على حذف المضاف اى حضن لاجله من شدة الشبق وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بالسكاكين الّتي كانت معهن وهن يحسبن انهن تقطعن الأترج ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف- قال مجاهد فما احسسن الا بالدم- قال قتادة أبنّ أيديهن حتّى القينها- والأصح انه كان قطعا بلا ابانة وقال وهب»
ماتت جماعة منهن وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها له تعالى من صفات العجز وتعجبا على كمال قدرته على الخلق- أصله حاشا لله كذا قرا ابو عمرو فى الموضعين وصلا- وإذا وقف حذف الالف اتباعا للخط- روى ذلك عن اليزيدي منصوصا والباقون يحذفون الالف فى الحالين تخفيفا وهو حرف يفيد معنى التنزيه فى باب الاستثناء فوضع موضع التنزيه واللام للبيان كما فى قولك سقيا لك ما هذا بَشَراً وهو على لغة اهل الحجاز فى اعمال ما عمل ليس لمشاركتهما فى نفى الحال- وقال البغوي منصوب بنزع حرف الصفة اى ليس هذا ببشر إِنْ هذا اى ما هذا إِلَّا مَلَكٌ من الملائكة كَرِيمٌ (٣١) على الله تعالى لان هذا الجمال لم يعهد فى لبشر وليس فوق البشر الا الملك- او لان الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة-.
قالَتْ زليخا فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تعنى هو ذلك العبد الكنعانى الّذي صورتنّ فى انفسكن ثم لمتننى فيه- تعنى انكن لم تتصورنّه حق تصوره والا لعذرتنّنى فى الافتتان به- او فهذا اهو الّذي لمتننى فيه فوضع ذلك موضع هذا رفعا لمنزلة المشار اليه وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ فامتنع طالبا للعصمة- أقرّت لهن حين عرفت انهن يعذرنها كى يعاونّها على إلانة عريكته فقلن له أطع مولاتك وَقالت زليخا لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ به أو أمري إياه تعنى موجب امرى والضمير ليوسف او المعنى ما امر به فحذف الجار والضمير للموصول لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً بنون التأكيد الخفيفة تنقلب الفا وقفا لشبهها بالتنوين نظيره لنسفعا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) اى من الأذلاء من صغر يصغر من باب سمع يسمع صغر او صغارا.
قالَ يوسف رَبِّ اى يا رب السِّجْنُ قرا يعقوب بفتح
стр. 1883
السين والباقون بكسرها أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من الزنى اختار السجن على المعصية حين توعّدته المرأة- أسند الدعاء إليهن وكان الدعاء من زليخا خاصة الى نفسها خروجا من التصريح الى التعريض- او لانهن خوفنه عن مخالفتها وزيّنّ له مطاوعتها- وقيل انهن جميعا دعونه الى انفسهن- قيل لو لم يسئل يوسف السجن ولم يقل السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ لم يبتل بالسجن- والاولى ان يسئل المرء العافية ولذلك رد رسول الله ﷺ على من كان يسئل الصبر- روى الترمذي عن معاذ قال سمع رسول الله ﷺ رجلا وهو يقول اللهم انى أسئلك الصبر- قال سالت البلاء فاسئله العافية وروى الطبراني عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله علمنى شيئا ادع الله به فقال ﵇ سل ربك العافية- فمكثت أياما ثم جئت فقلت يا رسول الله علمنى شيئا اسئله ربى فقال يا عم سل الله العافية فى الدنيا والاخرة وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ فى تحسين الفاحشة الىّ بالتثبيت على العصمة أَصْبُ إِلَيْهِنَّ امل الى اجابتهن او الى انفسهن بطبعي ومقتضى شهوتى- والصبوة الميل الى الهوى وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) من السفهاء بارتكاب الفاحشة فان الحكيم لا يفعل القبيح- او من الذين لا يعلمون بما يعلمون فانهم من الجهال حكما- قال البغوي فيه دليل على ان المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكب عن جهالة.
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فاجابه الله دعاءه الّذي تضمنه قوله وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي الاية فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ فثبته بالعصمة حتّى اثر مشقة السجن على اللذة المتضمنة للمعصية إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء الملتجئين اليه الْعَلِيمُ (٣٤) بأحوالهم وما يصلحهم.
ثُمَّ بَدا لَهُمْ اى ظهر للعزيز وأصحابه فى الرأى مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدالة على براءة يوسف من كلام الطفل وفد القميص من دبر وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن- وفاعل بدا ضمير مبهم يفسره قوله لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) اى مدة يرون فيها رأيهم وذلك باستهزال المرأة لزوجها وكان زوجها مطواعا لها ذلولا ذمامه فى يدها- وقد طمعت ان يذلل السجن يوسف ويسخره لها- او خافت عليه العيون وظنت منه الظنون فالجاها له الخجل من الناس والوجل من اليأس الى ان رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب- لتشتفى بخبره إذا منعت من نظره وقضاء حاجتها
стр. 1884
منه- وقالت لزوجها ان هذا العبد العبراني قد فضحنى فى الناس يخبرهم انى راودته عن نفسه فاما ان تأذن لى فى الخروج فاخرج فاعتذر الى الناس- واما ان تحبسه الى ان تنقطع مقالة الناس ويحسب الناس انه المجرم- قال البغوي قال ابن عباس رضى الله عنهما عثر يوسف ثلاث عثرات حين همّ بها فسجن- وحين قال اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ- وحين قال للاخوة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فقالوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ....
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ وهما غلامان كانا للوليد بن ثروان العمليقى ملك المصر الأكبر أحدهما خبازه صاحب طعامه- والاخر ساقيه صاحب شرابه- غضب الملك عليهما فحبسهما- واتفق دخولهما فى السجن وقت دخول يوسف ﵇ فيه كما يدل عليه كلمة مع- قال البغوي وكان السبب فى حبس الفتيين ان جماعة أرادوا المكر بالملك واغتياله- فضمنوا لهذين مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه- فاجاباهم ثم ان الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام- فلما حضروا الطعام قال الساقي لا تأكل ايها الملك فان الطعام مسموم- وقال الخباز لا تشرب فان الشراب مسموم- فقال الملك للساقى اشرب فشربه فلم يضره- وقال للخباز كل من طعامك فابى- فجرب ذلك الطعام على دابّة فاكلته فهلكت- فامر الملك بحبسهما- وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول انى أعبّر الأحلام- فقال أحد الفتيين لصاحبه هلم فلنجرب هذا العبد العبراني نترايا له- فسالاه من غير ان يكونا رايا شيئا- قال ابن مسعود رضى الله عنه ما رايا شيئا انما تحالما ليجربا يوسف- وقال قوم بل كانا رايا حقيقة- فراهما يوسف وهما مهمومان فسالهما عن شأنهما قذكرا انهما صاحبا الملك وقد رأيا رؤيا غمهما ذلك- فقال يوسف قصّا علىّ ما رايتما فقصّا عليه قالَ أَحَدُهُما وهو صاحب الشراب إِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَرانِي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعْصِرُ خَمْراً يعنى ارى نفسى فى المنام اعصر خمرا اى عنبا سماه خمرا باعتبار ما يؤل اليه- يقال فلان يطبخ الاجر اى يطبخ اللبن للاجر- وقيل الخمر العنب بلغة عمان- وهى حكاية حال ماضية وذلك انه قال- انى رايت كانى فى بستان فاذا انا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجئتها- وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقت الملك فشربه
стр. 1885
وَقالَ الْآخَرُ اى الخباز إِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَرانِي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ وذلك انه قال انى رايت كان فوق رأسى ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الاطعمة وسباع الطير تنهش منه نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ اى أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤل اليه امر هذا الرؤيا إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) اى من الذين يحسنون تأويل الرؤيا- او من العالمين والإحسان بمعنى العلم- وانما قالا ذلك لانهما راياه فى السجن يذكّر الناس ويعبر رؤياهم- او من المحسنين الى اهل السجن فاحسن إلينا بتأويل ما راينا ان كنت تعرفه- روى ان الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ما كان إحسانه- قال كان إذا مرض انسان فى السجن عاده وقام عليه- وإذا ضاق عليه المجلس وسّع له- وإذا احتاج جمع له شيئا- وكان مع هذا يجتهد فى العبادة ويقوم الليل كله للصلوة- وقيل انه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم- فجعل يسلّيهم ويقول ابشروا واصبروا تؤجروا- فيقولون بارك الله فيك يا فتى ما احسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى- قال انا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن ابراهيم خليل الله- فقال له عامل السجن بافتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ولكن ساحسن جوارك تمكّن فى اى بيوت السجن شئت- وروى ان الفتيين «١» لما رايا يوسف قالا له لقد احببناك حين رايناك- فقال لهما يوسف أنشدكما بالله ان لا تحبانى- فو الله ما أحبني أحد قط الا دخل علىّ من حبه بلاء- فقد احبّتنى عمتى فدخل علىّ بلاء- ثم احبّنى ابى فالقيت فى الجب- واحبّتنى امراة العزيز فحبست- فلما قصّا عليه الرؤيا كره يوسف ان يعبر لهما ما سالاه لما علم فى ذلك من المكروه على أحدهما- فاعرض عن سوالهما وأخذ فى غيره من اظهار المعجزة والدعاء الى التوحيد.
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ «٢» قيل أراد به ترزقانه فى النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه فى نومكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ فى اليقظة قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما تأويله- وقيل أراد انه لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه فى اليقظة اى تطعمانه
стр. 1886
وتأكلانه- الا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الّذي يصل اليكما قبل ان يصل اليكما- واىّ طعام أكلتم ومتى أكلتم- وهذا معجزة مثل معجزة عيسى ﵇ حيث قال وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ- فقالا هذا فعل العرافين والكهنة فمن اين لك هذا العلم فقال ما انا بكاهن وانما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها- يعنى علّمنى ربى بالوحى القطعي المنزل من السماء- وقيل معنى الاية لا يأتيكما طعام يعنى من منازلكما الا نبأتكما بتأويل ما قصصتما علىّ من الرؤيا ذلكما اى التأويل مما علمنى ربى بالإلهام والوحى- وليس من قبيل التكهن والتنجم قال البيضاوي أراد يوسف ﵇ ان يدعوهما الى التوحيد ويرشدهما الطريق القويم قبل ان يجيب ما سالا عنه- كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء فى الهداية والإرشاد- فقدّم ما يكون معجزة له من الاخبار بالغيب ليدلهما على صدقه فى الدعوة والتعبير إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) تعليل لما قبله اى علّمنى ذلك لانى تركت ملة المبطلين وتكرار كلمة هم للدلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالاخرة.
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وجاز ان يكون قوله إِنِّي تَرَكْتُ الى آخره كلاما مبتدا- لتمهيد الدعوة واظهار انه من بيت النبوة ليقوى رغبتهما فى الاستماع اليه والوثوق عليه- ومن هاهنا يظهران العالم إذا جهلت منزلته فى العلم فاراد ان ينشر علمه جاز له ان بصف نفسه حتّى يعرف الناس قدره فيقتبسون منه- وليس هذا من باب تزكية النفس انما الأعمال بالنيات والأنبياء كانوا مأمورين بذلك- قال الله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ- فويل للذين يطعنون على اولياء الله تعالى (مثل المجدد للالف الثاني رضى الله عنه حيث ذكروا ترقياتهم ومدارج قربهم من الله تعالى وما أفضل الله تعالى عليهم) حسدا وجهلا ما كانَ لَنا معشر الأنبياء اى ما صح ولا أمكن لنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ اىّ شيء كان فان الله تعالى قد خلقنا على جبلة التوحيد وعصمنا من الشرك ذلِكَ التوحيد والعلم مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحى وَعَلَى سائر النَّاسِ ببعثتنا لارشادهم وتثبيتهم عليه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المبعوث إليهم لا يَشْكُرُونَ (٣٨) على هذه النعمة
стр. 1887
ويعرضون عنه ولا ينتبهون- او من فضل الله علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ولا يستدلون بها- فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها- ثم دعاهم الى الإسلام فقال.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ اى ساكنى السجن او صاحبىّ فيه فاضافتهما اليه مجاز مثل يا سارق الليلة أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ شتى متعددة متساوية الاقدام فى الإمكان والعجز سواء كانت أصناما من ذهب او فضة او حديد او حجر- او غيرها من الملائكة والبشر خَيْرٌ من الله أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ المتوحد فى جلال ذاته وكمال صفاته لا يماثله شيء فى الذات ولا فى الصفات ولا فى الافعال الْقَهَّارُ (٣٩) الغالب الّذي لا يعاد له ولا يقاومه غيره خير من غيره ثم بين بطلان الأصنام وغيرها فقال.
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ اى من دون الله خاطب الاثنين بلفظ الجمع لانه أراد كل من كان مثلهما فى الشرك إِلَّا أَسْماءً اى مسميات خالية عن معنى الالوهية سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الهة وأربابا- او المعنى ما تعبدون شيئا الا اسماء سميتوها لا تحقق لها فى الواقع تزعمونها حالّة فى الأصنام او مجردة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ اى لم يجعل الله سبحانه دليلا على وجودها- او حجة وبرهانا على استحقاقها للعبادة- كما نصب الله تعالى دلائل على وجود نفسه وبراهين على استحقاقه للعبادة وآيات انزل على رسله وأنبيائه إِنِ الْحُكْمُ فى العبادة إِلَّا لِلَّهِ لانه المستحق لها بالذات من حيث انه الواجب لذاته الموجد لغيره المنعم على الإطلاق المالك القاهر الضار النافع فلو جاز عبادة غيره لجاز بامره وقد أَمَرَ على لسان أنبيائه أَلَّا تَعْبُدُوا شيئا إِلَّا إِيَّاهُ حيث دلت عليه الحجج والبينات ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ اى الثابت الّذي دلت عليه البراهين وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) لا يميّزون الحق من الباطل فيخبطون فى جهالتهم- قال البيضاوي هذا من التدرج فى الدعوة والزام الحجة- بيّن لهم اولا رجحان التوحيد على اتخاذ الالهة على طريق الخطاب- ثم برهن على ان ما يسمونها الهة ويعبدونها لا تستحق العبادة فان استحقاق العبادة اما بالذات واما بالغير وكلا القسمين منتف عنها- ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الّذي لا يقتضى العقل غيره
стр. 1888
ولا يرتضى العلم دونه- ثم فسر رؤياهما بقوله.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما وهو صاحب الشراب فَيَسْقِي رَبَّهُ يعنى الملك خَمْراً والعناقيد الثلاثة ثلاثة ايام يبقى فى السجن ثم يدعوه الملك بعد ثلاثة ايام ويرده الى منزلته الّتي كان عليها وَأَمَّا الْآخَرُ يعنى الخباز فَيُصْلَبُ بعد ثلاثة ايام والسلال الثلاث ثلاثة ايام يبقى فى السجن ثم يخرجه فيصلبه فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قلت ولعل ذلك لاجل ما راى وجرب ان الخبّاز جعل الطعام مسموما دون الساقي كما مر فى القصة- قال ابن مسعود رضى الله عنه لما سمعا قول يوسف ﵇ قالا ما راينا شيئا انما كنا نلعب- فقال يوسف ﵇ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) يعنى جرى قضاء الله سبحانه فى الأمر الّذي تستفتيان فيه- يعنى فى ما يؤل اليه امر كما- كما قلت وأخبرتكما به رايتما او لم تريا- وحد الضمير لانهما وان استفتيا فى أمرين لكنهما أرادا ظهور عاقبة ما ينزل بهما-.
وَقالَ يوسف عند ذلك لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا المراد بالظن اليقين ان كان الضمير راجعا الى يوسف ﵇ لكونه على اليقين يدل عليه قوله قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ- وجاز ان يكون الضمير راجعا الى الموصول وهو الساقي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ يعنى عند الملك وقل له ان فى السجن غلاما محبوسا ظلما وصفه كذا كى يخلصنى فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ اى انسى الشيطان الساقىّ ان يذكر حال يوسف لربه اى للملك- أضاف اليه المصدر للملابسة له- او على تقدير ذكر اخبار ربه- وقال ابن عباس واكثر المفسرين معنى الاية انسى الشيطان يوسف ذكر ربه- حتّى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق- وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان- قال رسول الله ﷺ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لبث فى السجن طول ما لبث- رواه ابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية فَلَبِثَ مكث يوسف فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) قال قتادة هو ما بين الثلاث الى التسع من البضع وهو القطع- وقال مجاهد ما بين الثلاث الى السبع- واكثر المفسرين على انه لبث فى السجن سبع سنين- قال وهب أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف فى السجن سبع سنين- قال الكلبي لبث
стр. 1889
خمس سنين قبل ذلك وسبعا بعد قوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فكل ذلك اثنتا عشرة سنة- قلت قوله تعالى دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ تدل على معية دخولهما دخوله لما ذكرنا- وإذا كان لبث الفتيين فى السجن ثلاثة ايام فلا يتصور لبث يوسف خمس سنة قبل ذلك القول والله اعلم- قال مالك بن دينار لما قال يوسف للساقى اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ- قيل له يا يوسف اتخذت من دونى وكيلا لاطيلن حبسك- فبكى يوسف وقال يا رب انسى قلبى كثرة البلوى فقلت كلمة ولا أعود- وقال الحسن دخل جبرئيل على يوسف فى السجن فلما راه يوسف عرفه فقال له يا أخا المنذرين ما لى أراك بين الخاطئين- فقال له جبرئيل يا طاهر بن الطاهرين يقرا عليك السلام رب العالمين ويقول لك اما استحييت منى ان استشفعت بالآدميين فوعزتى لالبثنّك فى السجن بضع سنين- قال يوسف وهو فى ذلك عنى راض قال نعم قال إذا لا أبالي- وقال كعب قال جبرئيل ليوسف ان الله يقول من خلقك قال الله- قال فمن حببك الى أبيك قال الله- قال فمن انجاك من كرب البئر قال الله- قال فمن علمك تأويل الرؤيا قال الله- قال فمن صرف عنك السوء والفحشاء قال الله- قال فكيف استشفعت بادمى مثلك انتهى- وسيأتى فى حديث ابن عباس عند الطبراني قوله ﷺ ولولا كلمة يعنى من يوسف لما لبث فى السجن حيث يبتغى الفرج من عند غير الله فلما انقضت سبع سنين ودنا فرج يوسف راى ملك مصر الأكبر وهو ديان بن وليد عجيبة هالته وذلك انه راى سبع بقرات خرجن من البحر ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف فى غاية الهزال فابتعلت العجاف السّمان- فدخلن فى بطونهن ولم ير منهن شيئا ولم يتبين على العجاف منها شيء- ثم راى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعا اخر يابسات قد استحصدت فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبن عليها ولم يبق من خضرتها شيء- فجمع السحرة والكهنة والحازة والمعبرين وقصّ عليهم رؤياه كما قال الله تعالى.
وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ استغنى عن بيان حالها بما ذكر من حال البقرات واجرى السمان على التميز دون
стр. 1890
المميز لان التميز بها- ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التميز بها مجردا عن الموصوف- فانه لبيان الجنس وقياسه عجف لانه جمع عجفاء لكنه حمل على سمان لانه نقيضه يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) اى ان كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهى الانتقال من الصور المثالية الى المعاني النفسانية الّتي هى صورها فى عالم المثال- من العبور وهو المجاوزة- وعبرت الرؤيا عبارة اثبت من عبرتها تعبيرا- واللام للبيان او لتقوية العامل فان الفعل لما اخر عن مفعوله ضعف عمله- فقوى باللام كاسم الفاعل او لتضمين تعبرون معنى فعل تعدى باللام كانه قيل ان كنتم تبذلون لعبارة الرؤيا- او يكون للرؤيا خبر كنتم كقولك فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه وتعبرون خبر اخر او حال- ومفعول تعبرون محذوف لدلالة ما قبله عليه.
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ اى هذه أضغاث أحلام- وهى تخاليطها جمع ضغث وهو فى الأصل الخرمة من انواع حشيش فاستعير للرؤيا الكاذبة- وانما جمعوا للمبالغة فى وصف الحلم بالبطلان كقولهم فلان يركب الخيل- او لتضمنه أشياء مختلفة- والحلم الرؤيا والفعل منه بفتح العين فى الماضي وضمها فى الغابر من باب نصر وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) أراد بالأحلام المنامات الباطلة خاصة اى ليس لها تأويل عندنا وانما التأويل للمنامات الصادقة كانه مقدمة ثانية للعذر فى جهلهم بتأويله-.
وَقالَ الَّذِي نَجا من السجن والقتل مِنْهُما من صاحبى السجن وهو الساقي وَادَّكَرَ أصله ادتكر أبدلت التاء دالا ثم أدغمت- يعنى تذكر الساقي يوسف وقوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ بعد امّة اى بعد جماعة من الزمان اى مدة طويلة وهى سبع سنين والجملة معترضة ومفعول القول أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ قال البغوي ان الساقي جثى بين يدى الملك وقال ان فى السجن رجلا يعبر الرؤيا فَأَرْسِلُونِ (٤٥) اليه فى السجن فارسله الملك الى يوسف- فاتى السجن قال ابن عباس ولم يكن السجن فى المدينة فلما اتى الساقي عند يوسف قال.
يُوسُفُ اى يا يوسف أَيُّهَا الصِّدِّيقُ اى المبالغ فى الصدق وصفه به لما جرّب وعرف صدقه فى تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه أَفْتِنا
стр. 1891
فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ
اى فى ذلك الرؤيا فان الملك راى هذه الرؤيا وأرسلني إليك لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ اى أعود الى الملك ومن عنده بتأويل رؤيا الملك- وانما أورد كلمة لعل ولم يبتّ الكلام فيها لان الناس لما عجزوا عن تأويل الرؤيا (وكان الملك هائلا من تلك الرؤيا) استعظم شأن تأويله عنده ولم يقطع بحصول مقصوده لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) فضلك ومنزلتك فى العلم- أورد كلمة لعلّ لان الناس قد لا يتنبّهون بفضل اهل الفضل لكمال غفلتهم- كما لم يتنبه العزيز بفضل يوسف بعد ما راى من الآيات-.
قالَ له يوسف اما البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخاصيب والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات فالسنون المجدبة تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً والداب العادة ونصبه على الحال بمعنى دائبين اى على عادتكم- او على المصدرية بإضمار فعله اى تدأبون دأبا- وتكون الجملة حالا وقيل معناه بجد واجتهاد قرا حفص دابا بفتح الهمزة والباقون بإسكانها وهما لغتان- وقيل تزرعون امر أخرجه فى صورة الخبر مبالغة فى النصح لقوله تعالى فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ لئلا تأكله السوس وهذه الجملة على الاول نصيحة خارجة عن العبارة إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) فى تلك السنين.
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على الناس يَأْكُلْنَ اى يأكل أهلهن أسند الاكل إليهن على المجاز تطبيقا للتعبير بالرؤيا ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ اى ما ادخرتم لاجلهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) اى تحرزون لبذور الزراعة.
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ اى يمطرون من الغيث وهو المطر- او يغاثون من القحط من الغوث وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) قرا حمزة والكسائي بالتاء الفوقانية على الخطاب لان الكلام كله على الخطاب والباقون بالياء التحتانية على ان الضمير راجع الى الناس ومعناه يعصرون العنب والزيتون والسمسم ونحو ذلك أراد به خصب السنة وكثرة نعيمها- قال ابو عبيدة تعصرون اى تنجون من الكرب والجدب- والعصر المنجأ والملجا-
стр. 1892
وهذه بشارة بشّرهم بها بعد ان اوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة- وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع فى السنين المخصبة وانما علم ذلك بعدد السبع العجاف- فانه لولا يأتى بعد ذلك سنة مخصبة لزاد عدد السنين المجدبة على السبع- وقال البيضاوي لعله علم ذلك بالوحى- او بان السّنّة الالهية على ان يوسع على عباده بعد ما يضيق عليهم والله اعلم-.
وَقالَ الْمَلِكُ لما رجع اليه الساقي بتأويل رؤياه وأخبره بما أفتاه يوسف- وعلم الملك فضل يوسف وان الّذي قاله كائن ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ يعنى يوسف الرَّسُولُ للملك وقال له أجب الملك ابى يوسف ان يخرج معه حتّى يظهر براءته من تهمة الفسق وقالَ للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعنى الى الملك فَسْئَلْهُ ان يسئل ما بالُ يعنى اىّ حال النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فيه دليل على انه ينبغى ان يجتهد الرجل فى نفى التهمة عن نفسه- لا سيما من كان ممن يقتدى به- ولم يصرح بذكر امراة العزيز أدبا واحتراما لها- اخرج إسحاق بن راهويه فى مسنده والطبراني فى معجمه وابن مردوية من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه والله يغفر له حيث أرسل اليه ليستفتى فى الرؤيا- ولو كنت انا لم افعل حتّى اخرج وعجبت لصبره وكرمه والله يغفر له اتى ليخرج فلم يخرج حتّى أخبرهم بعذره- ولو كنت انا لبادرت الباب- ولولا الكلمة لما لبث فى السجن حيث يبتغى الفرج من عند غير الله ورواه عبد الرزاق وابن جرير فى تفسيرهما من حديث عكرمة مرسلا ان رسول الله ﷺ قال لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره الله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان- ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتّى اشترطت ان يخرجونّى- ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ- ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لا سرعت الاجابة وبادرتهم الباب- ولما ابتغيت العذر إن كان لحليما ذا اناءة- واصل الحديث فى الصحيحين مختصرا فائدة تعجبه ﷺ من حال يوسف وقوله ﷺ لا سرعت الاجابة- مبنى على كمال نزوله ﷺ الّذي هو مدار
стр. 1893
شيوع دينه وقوة تأثيره فى الناس وتكميله- وقد حقق ذلك المجدد للالف الثاني رضى الله عنه فى مكاتيبه- وهذا امر لا يدركه فهم اكثر اهل الكمال فضلا عن غيرهم إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) حين قلن لى أطع مولاتك او أردن مراودتى عن نفسى لانفسهن- فيه تعظيم لكيدهن واستشهاد بعلم الله تعالى عليه- وعلى انه برئ مما اتهمنه ووعيد لهن فى كيدهن- فرجع الرسول الى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة وامراة العزيز.
قالَ لهن ما خَطْبُكُنَّ ما شأنكن والخطب امر يحق ان يخاطب به صاحبه- اما خاطبهن جميعا لانهن راودنه جميعا عن نفسه لهن- او لانهن قلن أطع مولاتك- واما خاطبهن والمراد امراة العزيز فحسب إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ هل وجدتن منه ميلا الى إحداكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مر اختلاف القراء فيه فيما سبق- اى تنزيه له تعالى وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ اى على يوسف مِنْ سُوءٍ من ذنب وخيانة- قيل ان النسوة اقبلن على امراة العزيز فعزرنها- وقيل خافت امراة العزيز ان يشهدن عليها فاقرت على نفسها وقالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ اى ظهر وتبين من حصحص شعره إذا استأصله بحيث يظهر بشرة رأسه- او ثبت واستقر من حصحص البعير إذا القى مباركه ليناخ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) فى قوله هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي- فلما سمع يوسف ذلك قال.
ذلِكَ الّذي فعلت من رد الرسول الى الملك كان لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فى زوجته بِالْغَيْبِ اى بظهر الغيب وهو حال من الفاعل او المفعول- اى لم اخنه وانا غائب عنه او هو غائب عنى- او ظرف اى بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) اى لا ينفذه ولا يسدده بل يظهر الحق ولو بعد حين- او لا يهدى الخائنين بكيدهم- فاوقع الفعل على الكيد مبالغة- وفى هذا القول تعريض بزليخا فى خيانتها زوجها وتأكيد لامانته- ولذلك عقبه بقوله-.
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي فتح الياء نافع وابو عمرو وابو جعفر- ابو محمّد وأسكنها الباقون- تنبيها على انه لم يرد
стр. 1894
بذلك تزكية النفس والعجب بحاله- بل اظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق وترغيب الناس الى الاقتداء به والاقتفاء بآثاره- احرج ابن مردوية من حديث انس مرفوعا انه لما قال يوسف لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبرئيل ولا حين هممت- فقال ذلك وذكره البيضاوي عن ابن عباس موقوفا إِنَّ النَّفْسَ يعنى ان النفس الحيواني المنبعث من العناصر الاربعة- الّتي هى مركب للقلب والروح وغيرهما من لطائف عالم الأمر- الّتي مقرها فوق العرش لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ من حيث انها بالطبع مائلة الى الشهوات والرذائل الّتي هى من خصائص العناصر الاربعة- كالغضب والكبر الذين هما مقتضى عنصر النار- والدناءة والخسة مقتضى الأرض- والتلون وقلة الصبر مقتضى الماء- والهزل واللهو مقتضى الهواء إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي فتح الياء نافع وابو عمرو وأسكنها الباقون يعنى الّا من رحم ربّى فما بمعنى من كما فى قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فعصمه فلا يطيع نفسه ويجاهدها ولاجل ذلك المجاهدة يدرك افضلية على الملائكة- او المعنى الا وقت رحمة ربى- وما مصدرية يعنى إذا أدرك الإنسان رحمة الرّحمن بالاجتباء او بالانابة الى الأنبياء- فحينئذ يتزكى نفسه بتزكية من الله تعالى قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ... بَلِ «١» اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ- وتطمئن بمرضات الله ويخاطب بقوله تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي الصالحين- وحينئذ يبدل الله سيئاتها حسنات ويجعلها اماما لسائر اللطائف فى الخيرات وتستعد لتجليات الصفات ما لا يستعد لها لطائف عالم الأمر- وقيل الاستثناء منقطع اى لكن رحمة ربى هى الّتي تصرف الاساءة ويبدلها بالاصابة- وقيل الآيتان «٢» حكاية عن قول زليخا والمستثنى نفس يوسف وأمثاله والمعنى ان ذلك الّذي قلت من براءة يوسف ليعلم يوسف أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ اى لم أكذب عليه فى حال الغيبة- وجئت بالصدق فيما سئلت عنه- وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الخيانة فانى قد خنسته حين قذفته وقلت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ وأودعته السجن- تريد الاعتذار مما كان منها بان كل نفس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ الّا من رحم ربّى
стр. 1895
كنفس يوسف وأمثاله- ﵀ بالعصمة- قرا قالون والبزي بالسّوّ على قلب الهمزة واوا ثم الإدغام فى حال الوصل وتحقيق همزة الّا- وورش وقنبل على أصلهما فى الهمزتين المكسورتين وابو عمرو ايضا على أصله- والباقون على أصولهم إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) يغفر همّ النفس وخطراتها ويرحم من يشاء بالعصمة- او يغفر المستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه-.
وَقالَ الْمَلِكُ لما تبين له عذر يوسف وعرف منزلته من الامانة والعلم ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي اى اجعله خالصا لنفسى- فجاء الرسول يوسف فقال له أجب الملك الان- اخرج عبد الحكم فى فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس فاتاه الرسول فقال له الق عنك ثياب السجن والبس ثيابا جددا وقم الى الملك- واخرج ابن ابى شيبة وابن المنذر عن فريد العمى قال لما راى يوسف عزيز مصر قال اللهم انى أسئلك بخيرك من خيره وأعود بعزتك من شره- قال البغوي روى انه قام ودعا لاهل السجن وقال اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الاخبار- فهم اعلم الناس بالأخبار فى كل بلد- فلما خرج من السجن كتب على باب السجن هذا قبور الاحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء- وتنظّف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك- قال وهب فلما وقف بباب الملك قال حسبى ربى من دنياى وحسبى ربى من خلقه عز جاره وجل ثناؤه ولا اله غيره- ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال اللهم أسئلك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره- فلما نظر اليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال الملك ما هذا اللسان قال لسان عمى إسماعيل ﵇ ثم دعا له بالعبرانية فقال ما هذا اللسان قال لسان ابائى ولم يعرف الملك هذين اللسانين قال وهب وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا- فكلّما كلم بلسان اجابه يوسف بذلك اللسان وزاد لسان العبرانية والعربية- فاعجب الملك ما راى منه مع حداثة سنه وكان يوسف حينئذ ابن ثلاثين سنة فاجلسه فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ اى ذو مكانة فى ألحاه والمنزلة أَمِينٌ (٥٤) مؤتمن على كل شيء- قال البغوي روى ان الملك قال له انى أحب ان اسمع رؤياى منك شفاها- فقال يوسف نعم ايها الملك- رايت سبع بقرات شهب غر حسان