← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ اى فى ذلك الرؤيا فان الملك راى هذه الرؤيا وأرسلني إليك لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ اى أعود الى الملك ومن عنده بتأويل رؤيا الملك- وانما أورد كلمة لعل ولم يبتّ الكلام فيها لان الناس لما عجزوا عن تأويل الرؤيا (وكان الملك هائلا من تلك الرؤيا) استعظم شأن تأويله عنده ولم يقطع بحصول مقصوده لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) فضلك ومنزلتك فى العلم- أورد كلمة لعلّ لان الناس قد لا يتنبّهون بفضل اهل الفضل لكمال غفلتهم- كما لم يتنبه العزيز بفضل يوسف بعد ما راى من الآيات-. قالَ له يوسف اما البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخاصيب والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات فالسنون المجدبة تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً والداب العادة ونصبه على الحال بمعنى دائبين اى على عادتكم- او على المصدرية بإضمار فعله اى تدأبون دأبا- وتكون الجملة حالا وقيل معناه بجد واجتهاد قرا حفص دابا بفتح الهمزة والباقون بإسكانها وهما لغتان- وقيل تزرعون امر أخرجه فى صورة الخبر مبالغة فى النصح لقوله تعالى فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ لئلا تأكله السوس وهذه الجملة على الاول نصيحة خارجة عن العبارة إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) فى تلك السنين. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على الناس يَأْكُلْنَ اى يأكل أهلهن أسند الاكل إليهن على المجاز تطبيقا للتعبير بالرؤيا ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ اى ما ادخرتم لاجلهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) اى تحرزون لبذور الزراعة. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ اى يمطرون من الغيث وهو المطر- او يغاثون من القحط من الغوث وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) قرا حمزة والكسائي بالتاء الفوقانية على الخطاب لان الكلام كله على الخطاب والباقون بالياء التحتانية على ان الضمير راجع الى الناس ومعناه يعصرون العنب والزيتون والسمسم ونحو ذلك أراد به خصب السنة وكثرة نعيمها- قال ابو عبيدة تعصرون اى تنجون من الكرب والجدب- والعصر المنجأ والملجا-

стр. 1892

وهذه بشارة بشّرهم بها بعد ان اوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة- وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع فى السنين المخصبة وانما علم ذلك بعدد السبع العجاف- فانه لولا يأتى بعد ذلك سنة مخصبة لزاد عدد السنين المجدبة على السبع- وقال البيضاوي لعله علم ذلك بالوحى- او بان السّنّة الالهية على ان يوسع على عباده بعد ما يضيق عليهم والله اعلم-. وَقالَ الْمَلِكُ لما رجع اليه الساقي بتأويل رؤياه وأخبره بما أفتاه يوسف- وعلم الملك فضل يوسف وان الّذي قاله كائن ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ يعنى يوسف الرَّسُولُ للملك وقال له أجب الملك ابى يوسف ان يخرج معه حتّى يظهر براءته من تهمة الفسق وقالَ للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعنى الى الملك فَسْئَلْهُ ان يسئل ما بالُ يعنى اىّ حال النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فيه دليل على انه ينبغى ان يجتهد الرجل فى نفى التهمة عن نفسه- لا سيما من كان ممن يقتدى به- ولم يصرح بذكر امراة العزيز أدبا واحتراما لها- اخرج إسحاق بن راهويه فى مسنده والطبراني فى معجمه وابن مردوية من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه والله يغفر له حيث أرسل اليه ليستفتى فى الرؤيا- ولو كنت انا لم افعل حتّى اخرج وعجبت لصبره وكرمه والله يغفر له اتى ليخرج فلم يخرج حتّى أخبرهم بعذره- ولو كنت انا لبادرت الباب- ولولا الكلمة لما لبث فى السجن حيث يبتغى الفرج من عند غير الله ورواه عبد الرزاق وابن جرير فى تفسيرهما من حديث عكرمة مرسلا ان رسول الله ﷺ قال لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره الله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان- ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتّى اشترطت ان يخرجونّى- ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ- ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لا سرعت الاجابة وبادرتهم الباب- ولما ابتغيت العذر إن كان لحليما ذا اناءة- واصل الحديث فى الصحيحين مختصرا فائدة تعجبه ﷺ من حال يوسف وقوله ﷺ لا سرعت الاجابة- مبنى على كمال نزوله ﷺ الّذي هو مدار

стр. 1893

شيوع دينه وقوة تأثيره فى الناس وتكميله- وقد حقق ذلك المجدد للالف الثاني رضى الله عنه فى مكاتيبه- وهذا امر لا يدركه فهم اكثر اهل الكمال فضلا عن غيرهم إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) حين قلن لى أطع مولاتك او أردن مراودتى عن نفسى لانفسهن- فيه تعظيم لكيدهن واستشهاد بعلم الله تعالى عليه- وعلى انه برئ مما اتهمنه ووعيد لهن فى كيدهن- فرجع الرسول الى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة وامراة العزيز. قالَ لهن ما خَطْبُكُنَّ ما شأنكن والخطب امر يحق ان يخاطب به صاحبه- اما خاطبهن جميعا لانهن راودنه جميعا عن نفسه لهن- او لانهن قلن أطع مولاتك- واما خاطبهن والمراد امراة العزيز فحسب إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ هل وجدتن منه ميلا الى إحداكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مر اختلاف القراء فيه فيما سبق- اى تنزيه له تعالى وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ اى على يوسف مِنْ سُوءٍ من ذنب وخيانة- قيل ان النسوة اقبلن على امراة العزيز فعزرنها- وقيل خافت امراة العزيز ان يشهدن عليها فاقرت على نفسها وقالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ اى ظهر وتبين من حصحص شعره إذا استأصله بحيث يظهر بشرة رأسه- او ثبت واستقر من حصحص البعير إذا القى مباركه ليناخ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) فى قوله هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي- فلما سمع يوسف ذلك قال. ذلِكَ الّذي فعلت من رد الرسول الى الملك كان لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فى زوجته بِالْغَيْبِ اى بظهر الغيب وهو حال من الفاعل او المفعول- اى لم اخنه وانا غائب عنه او هو غائب عنى- او ظرف اى بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) اى لا ينفذه ولا يسدده بل يظهر الحق ولو بعد حين- او لا يهدى الخائنين بكيدهم- فاوقع الفعل على الكيد مبالغة- وفى هذا القول تعريض بزليخا فى خيانتها زوجها وتأكيد لامانته- ولذلك عقبه بقوله-. وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي فتح الياء نافع وابو عمرو وابو جعفر- ابو محمّد وأسكنها الباقون- تنبيها على انه لم يرد

стр. 1894

بذلك تزكية النفس والعجب بحاله- بل اظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق وترغيب الناس الى الاقتداء به والاقتفاء بآثاره- احرج ابن مردوية من حديث انس مرفوعا انه لما قال يوسف لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبرئيل ولا حين هممت- فقال ذلك وذكره البيضاوي عن ابن عباس موقوفا إِنَّ النَّفْسَ يعنى ان النفس الحيواني المنبعث من العناصر الاربعة- الّتي هى مركب للقلب والروح وغيرهما من لطائف عالم الأمر- الّتي مقرها فوق العرش لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ من حيث انها بالطبع مائلة الى الشهوات والرذائل الّتي هى من خصائص العناصر الاربعة- كالغضب والكبر الذين هما مقتضى عنصر النار- والدناءة والخسة مقتضى الأرض- والتلون وقلة الصبر مقتضى الماء- والهزل واللهو مقتضى الهواء إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي فتح الياء نافع وابو عمرو وأسكنها الباقون يعنى الّا من رحم ربّى فما بمعنى من كما فى قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فعصمه فلا يطيع نفسه ويجاهدها ولاجل ذلك المجاهدة يدرك افضلية على الملائكة- او المعنى الا وقت رحمة ربى- وما مصدرية يعنى إذا أدرك الإنسان رحمة الرّحمن بالاجتباء او بالانابة الى الأنبياء- فحينئذ يتزكى نفسه بتزكية من الله تعالى قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ... بَلِ «١» اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ- وتطمئن بمرضات الله ويخاطب بقوله تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي الصالحين- وحينئذ يبدل الله سيئاتها حسنات ويجعلها اماما لسائر اللطائف فى الخيرات وتستعد لتجليات الصفات ما لا يستعد لها لطائف عالم الأمر- وقيل الاستثناء منقطع اى لكن رحمة ربى هى الّتي تصرف الاساءة ويبدلها بالاصابة- وقيل الآيتان «٢» حكاية عن قول زليخا والمستثنى نفس يوسف وأمثاله والمعنى ان ذلك الّذي قلت من براءة يوسف ليعلم يوسف أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ اى لم أكذب عليه فى حال الغيبة- وجئت بالصدق فيما سئلت عنه- وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الخيانة فانى قد خنسته حين قذفته وقلت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ وأودعته السجن- تريد الاعتذار مما كان منها بان كل نفس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ الّا من رحم ربّى

стр. 1895

كنفس يوسف وأمثاله- ﵀ بالعصمة- قرا قالون والبزي بالسّوّ على قلب الهمزة واوا ثم الإدغام فى حال الوصل وتحقيق همزة الّا- وورش وقنبل على أصلهما فى الهمزتين المكسورتين وابو عمرو ايضا على أصله- والباقون على أصولهم إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) يغفر همّ النفس وخطراتها ويرحم من يشاء بالعصمة- او يغفر المستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه-. وَقالَ الْمَلِكُ لما تبين له عذر يوسف وعرف منزلته من الامانة والعلم ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي اى اجعله خالصا لنفسى- فجاء الرسول يوسف فقال له أجب الملك الان- اخرج عبد الحكم فى فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس فاتاه الرسول فقال له الق عنك ثياب السجن والبس ثيابا جددا وقم الى الملك- واخرج ابن ابى شيبة وابن المنذر عن فريد العمى قال لما راى يوسف عزيز مصر قال اللهم انى أسئلك بخيرك من خيره وأعود بعزتك من شره- قال البغوي روى انه قام ودعا لاهل السجن وقال اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الاخبار- فهم اعلم الناس بالأخبار فى كل بلد- فلما خرج من السجن كتب على باب السجن هذا قبور الاحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء- وتنظّف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك- قال وهب فلما وقف بباب الملك قال حسبى ربى من دنياى وحسبى ربى من خلقه عز جاره وجل ثناؤه ولا اله غيره- ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال اللهم أسئلك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره- فلما نظر اليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال الملك ما هذا اللسان قال لسان عمى إسماعيل ﵇ ثم دعا له بالعبرانية فقال ما هذا اللسان قال لسان ابائى ولم يعرف الملك هذين اللسانين قال وهب وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا- فكلّما كلم بلسان اجابه يوسف بذلك اللسان وزاد لسان العبرانية والعربية- فاعجب الملك ما راى منه مع حداثة سنه وكان يوسف حينئذ ابن ثلاثين سنة فاجلسه فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ اى ذو مكانة فى ألحاه والمنزلة أَمِينٌ (٥٤) مؤتمن على كل شيء- قال البغوي روى ان الملك قال له انى أحب ان اسمع رؤياى منك شفاها- فقال يوسف نعم ايها الملك- رايت سبع بقرات شهب غر حسان

стр. 1896

كشف لك عنهن النيل- فطلعن عليك من شاطئته لشخب اخلافهن لبنا- فخرج من حماته سبع بقرات عجاف شعث غير مقلّصات البطون ليس لهن ضروع ولا اخلاف- ولهن أنياب واضراس واكف كاكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع- فافترسن السمان افتراس السباع فاكلن لحومهن ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن وتمششن مخهن- فبينا أنت تنظر وتتعجب إذا سبع سنابل خضر وسبع اخر سود فى منبت واحد وعروقهن فى الثرى والماء- فبينا أنت تقول فى نفسك انّى هذا هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد وأصولهن فى الماء- إذ هبّت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات- فاشتعلت فيهن النار فاحرقتهن فصرن سودا- فهذا ما رايت فانتبهت من نومك مذعورا- فقال الملك والله ما شأن هذه الرؤيا (وان كانت عجيبا) بأعجب مما سمعت منك- فما ترى فى رؤياى ايها الصديق فقال يوسف ارى ان تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا فى هذه السنين المخصبة- وتجعل الطعام فى الخزائن بقصبه وسنبله- ليكون القصب والسنبل علفا للدواب- وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس- فيكفيك من الطعام الّذي جعلته لاهل مصر ومن حولها- ويأتيك الخلق من النواحي للميزة- ويجتمع عندك من الكنوز ما لم «١» يجتمع لاحد قبلك- فقال الملك ومن لى بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفينى الشغل فيه-. قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ اى خزائن طعام ارض مصر وأموالها إِنِّي حَفِيظٌ للخزائن بما لا يستحقها عَلِيمٌ (٥٥) بوجوه مصالحها- وصف يوسف ﵇ نفسه بالامانة والكفاية وطلب الولاية- ليتوصل بها الى إمضاء احكام الله واقامة الحق وبسط العدل مما يبعث لاجله الأنبياء الى العباد- لعلمه ان أحدا غيره لا يقوم مقامه فى ذلك- فما كان طلبه الولاية الا لابتغاء وجه الله لا لحب الجاه والدنيا- ومن هذا القبيل اشتغال «٢» الخلفاء الراشدين بامر الخلافة- ومعارضة علىّ رضى الله عنه معاوية فى هذا الأمر- لكونه أحق وأقوى واقدر على نفسه وأقوم على إنفاذ الشرائع- وقال البيضاوي لعل يوسف ﵇ لمّا راى ان يستعمله الملك فى امر لا محالة اثر ما يعم فوائده ويجل عوائده- وفيه دليل على جواز طلب الولاية والقضاء- واظهار انه مستعد لها

стр. 1897

ان كان أمنا على نفسه- وعلى جواز ان يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر او كافر- إذا علم انه لا سبيل الى اقامة الحق وسياسية الخلق الا بتمكين ذلك الكافر او الجائر- وقد كان السلف من هذه الامة يتولون القضاء من جهة الظلمة- وقيل كان الملك يصدر عن رايه ولا يعترض فى كل ما راى فكان فى حكم التابع له- روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لاستعمله من ساعته- ولكنه اخر ذلك السنة فاقام فى بيته سنة مع الملك- وبإسناده عن ابن عباس قال لما انصرمت السنة من يوم سال الامارة- دعاه الملك فتوجّه وردّاه بسيفه- ووضع له السرير من ذهب مكلّلا بالدر والياقوت- وضرب عليه كلة من إستبرق- وطول السرير ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة اذرع- عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة- ثم امره ان يخرج فخرج متوّجا لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه فى صفاء لون وجهه- فانطلق حتّى جلس على السير ودانت له الملوك- ودخل الملك بيته وفوض اليه امر مصر- وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه قاله ابن إسحاق- وقال ابن زيد وكان لملك مصر ريان خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله اليه- وجعل امره وقضاءه نافذا- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن إسحاق قال ذكروا ان قطفير هلك فى تلك الليالى- فزوج الملك يوسف زليخا امراة قطفير- فلما دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين- فقالت ايها الصديق لا تلمنى فانى كنت امراة كما ترى حسنا وجمالا- ناعمة كما ترى فى ملك ودنيا- وكان صاحبى لا يأتى النساء- وكنت كما جعلك الله فى حسنك وهيئتك- فغلبتنى نفسى على ما رايت- فزعموا انه وجدها يوسف عذراء- فاصابها فولدت له رجلين افرائيم- وميثا- واستوثق ليوسف ملك مصر واقام فيهم وأحبه الرجال والنساء فذلك قوله . وَكَذلِكَ اى مثل ذلك التمكين فى مجلس الملك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ارض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها اى ينزل من بلادها حَيْثُ يَشاءُ قرا ابن كثير بالنون على التكلم والباقون بالياء على الغيبة ردّا الى يوسف نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا اى بنعمتنا مَنْ نَشاءُ فى الدنيا

стр. 1898

والاخرة وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) بل نوفى أجورهم عاجلا وأجلا- قال ابن عباس رضى الله عنهما ووهب يعنى الصابرين- قال مجاهد وغيره فلم يزل يدعو الملك الى الإسلام ويتلطف له حتّى اسلم الملك وكثير من الناس فهذا فى الدنيا. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ اى ثوابها خَيْرٌ من نعماء الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) ولما اطمان يوسف فى ملكه دبّر فى جمع الطعام واحسن التدبير- وبنى الحصون والبيوت الكثيرة وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة- وأنفق بالمعروف حتّى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد مثله- وروى انه كان قد دبر فى طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار- فلما دخلت سنة القحط كان أول من اخذه الجوع هو الملك فى نصف الليل- فنادى يا يوسف الجوع الجوع- قال يوسف هذا أوان القحط- ففى السنة الاولى من سنى الجدب هلك كل شيء أعدوه فى السنين المخصبة- فجعل اهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام- فباعهم أول سنة بالنقود حتّى لم يبق بمصر دينار ولا درهم الا قبضه- وباعهم فى السنة الثانية بالحلى والجواهر حتّى لم يبق فى أيد الناس منها شيء- وباعهم فى السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتّى احتوى عليها اجمع- وباعهم فى السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتّى لم يبق بيد أحد عبد ولا امة- وباعهم فى السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتّى احتوى عليها- وباعهم فى السنة السادسة باولادهم حتّى استرقهم- وباعهم فى السنة السابعة برقابهم حتّى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له- (قلت ان صح هذه الرواية لدلت على ان بيع الرجل نفسه وأولاده كان جائزا فى شريعة يوسف ﵇ كما كان استرقاق السارق جائزا- وقد افتى بعض العلماء فى القحط ببيع الحر نفسه وولده- ولا اصل لهذا القول فى شريعتنا والله اعلم) فقال الناس ما راينا كاليوم ملكا أجل وأعظم من هذا- ثم قال يوسف للملك كيف رايت صنع ربى فيما خولنى فما ترى- قال الملك الرأى رأيك ونحن لك تبع- قال فانى اشهد الله وأشهدك انى قد اعتقت اهل مصر عن آخرهم- ورددت عليهم املاكهم- وروى ان يوسف ﵇ كان لا يشبع من الطعام فى تلك الأيام- فقيل له تجوع وبيدك خزائن الأرض- قال أخاف ان

стр. 1899

شبعت ان انسى الجائع- وامر يوسف طباخى الملك ان يجعلوا غداه نصف النهار- وأراد بذلك ان يذوق الملك طعم الجوع ولا ينسى الجائعين- فمن ثم جعل الملوك غداهم نصف النهار- قال وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون- فجعل يوسف لا يمكّن أحدا منهم وان كان عظيما اكثر من حمل بعير- تقسيطا بين الناس وتزاحم الناس عليه- وأصاب ارض كنعان وبلاد الشام ما أصاب سائر البلاد من القحط والشدة- ونزل بيعقوب ﵇ ما نزل بالناس- وكان منزله بالغرمات من ارض فلسطين ثغور الشام وكانوا اهل بادية وابل وشياه فارسل بنيه الى مصر للميرة وقال بلغني ان بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا واذهبوا لتشتروا منه الطعام وامسك عنده بنيامين أخا يوسف شقيقه. وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ العشرة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ اى على يوسف ﵇ فَعَرَفَهُمْ يوسف قال ابن عباس ومجاهد عرفهم باول ما نظر إليهم- وقال الحسن لم يعرفهم حتّى تعرفوا اليه وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) اى لم يعرفوه قال ابن عباس وكان بين ان قذفوه فى البئر وبين ان دخلوا عليه أربعون سنة فلذلك أنكروه- وقال عطاء انما لم يعرفوه لانه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملك- وقيل لانه كان بزىّ الملوك عليه ثياب حرير وفى عنقه طوق ذهب- قلت وهذا انما يتصور لو كان لبس الحرير والذهب جائزا فى دين يوسف ﵇ فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية قال أخبروني من أنتم وما أمركم فانى أنكرت شأنكم- قالوا قوم من ارض الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار الطعام- فقال لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي- قالوا لا والله ما نحن بجواسيس- انما نحن اخوة بنوا اب واحد وهو شيخ صديق يقال له نبى من أنبياء الله قال وكم أنتم قالوا كنا اثنى عشر فذهب أخ لنا- هو أصغرنا الى البرية فهلك فيها- وكان أحبنا الى أبينا- قال فكم أنتم هاهنا قالوا عشرة- قال فاين الاخر- قالوا عند أبينا لانه أخ الّذي هلك من امه فابونا يتسلّى به- قال فمن يعلم ان الّذي تقولون حق وصدق- قالوا ايها الملك اننا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد- فحمد يوسف لكل رجل منهم بعيرا بعدتهم وجهز بجهازهم- اى أصلحهم بعدتهم والجهاز ما يعد من الامتعة للنقلة. وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ان كنتم صادقين فانا ارضى

стр. 1900

بذلك وأزيدكم حمل بعير لاجل أخيكم وأكرّم منزلتكم أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ اى اتمّه ولا ابخس الناس شيئا وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) قال مجاهد اى خير المضيفين وكان قد احسن ضيافتهم. فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي اى ليس لكم عندى طعام أكيله لكم وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) اى لا تقربونى ولا تدخلوا ديارى- وهو اما نهى واما نفى معطوف على الجزاء. قالُوا ان أبانا يحزن على فراقه سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ اى سنجهد فى طلبه من أبيه ونخادعه عنه وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) ما امرتنا به قال فدعوا بعضكم عندى رهينة حتّى تأتونى بأخيكم فاقترعوا بينهم فاصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا فى يوسف فخلوه عنده. وَقالَ يوسف لِفِتْيانِهِ كذا قرا حفص وحمزة والكسائي بالألف والنون على جمع الكثرة والباقون فتيته بالتاء من غير الف على وزن جمع القلة وهما لغتان مثل الصبيان والصبية- اى قال لغلمانه الكيّالين اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ يعنى ثمن طعامهم وكانت دراهم- وقال الضحاك عن ابن عباس كانت النعال والادم وقيل كانت ثمانية جرب من سويق المقل- قال البغوي والاول أصح فِي رِحالِهِمْ اى فى أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها اى يعرفون حق ردها وحق التكرم برد البدلين إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) الى مصر قيل رد بضاعتهم كرامة وتقدما فى البر والإحسان ليكون ادعى لهم الى العود اى لعلهم يعرفونها اى كرامتهم علينا- وقيل لما راى من اللوم فى أخذ الثمن من أبيه واخوته مع حاجتهم اليه رد عليهم من حيث لا يعلمون تكرما- وقال الكلبي بخوف ان لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة اخرى- وقيل جعل ذلك لانه علم ان ديانتهم تحملهم على رد البضاعة نفيا للغلط ولا يستحلون إمساكها-. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا قدمنا خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامه لو كان رجلا من ال يعقوب ما أكرمنا كرامته- فقال لهم يعقوب ﵇ إذا أتيتم ملك مصر فاقرءوا منى السلام- وقولوا ان أبانا يصلى عليك ويدعو لك بما أوليتنا- ثم قال اين شمعون قالوا ارتهنه ملك مصر واخبروه بالقصة- فقال لهم ولم اخبرتموه- قالوا انه أخذنا وقال أنتم جواسيس حيث كلمنا بلسان العبرانية- وقصوا عليه القصة وقالوا يا أَبانا مُنِعَ

стр. 1901

مِنَّا الْكَيْلُ اى حكم بمنعه بعد هذا ان لم نذهب ببنيامين كذا قال الحسن- وقيل معناه اعطى باسم كل واحد حملا ومنع منا الكيل لبنيامين- والمراد بالكيل الطعام فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ قرا حمزة والكسائي بالياء على الغيبة اى يكتل بنيامين معنا- وقرا الآخرون بالنون على التكلم اى نكتل نحن وهو الطعام ويذهب المانع- وقيل معناه نكتل له وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) على ان يناله مكروه. قالَ أبوهم هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ هذا اى كيف امنكم عليه وقد قلتم فى يوسف إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفعلتم به ما فعلتم فَاللَّهُ خَيْرٌ منكم ومن كل أحد حافِظاً فاتوكل عليه وأفوض امرى اليه وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) فارجو ان يرحمنى بحفظه ولا يجمع علىّ مصيبتين- وانتصاب حفظا على التميز كذا قرا الأكثرون بلفظ المصدر وقرا حفص وحمزة والكسائي حافظا على وزن الفاعل وهو يحتمل الحال والتميز كقولهم لله دره فارسا. وَلَمَّا فَتَحُوا اى اخوة يوسف مَتاعَهُمْ الّذي حملوه من مصر وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ اى ثمن طعامهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي اى هل من مزيد على ذلك أكرمنا واحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا- او لا نطلب وراء ذلك إحسانا- او اى شيء نطلب بالكلام فى إحسانه او لا نبغى فى القول ولا نزيد فيما حكينا لك فان من الدليل على صدقنا ما ترى فى العيان او ما نطلب منك بضاعة هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا استيناف موضح لقوله ما نبغى وَنَمِيرُ أَهْلَنا معطوف على محذوف ان كانت ما استفهامية- اى ردت إلينا فنستظهر بها ونرجع الى الملك ونمير أهلنا- اى نشترى لهم الطعام فنحمله إليهم- يقال ما راهله يمير ميرا إذا حمل إليهم الطعام من بلد اخر ومثله امتار يمتار امتيارا- ويحتمل ان يكون هذه الجملة مع ما عطف عليه معطوفة على ما نبغى- ان كانت ما نافية اى لا نطلب فيما نقول وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا عن المخاوف فى الذهاب والمجيء وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ اى نزيد حمل بعير على احمالنا يكال لنا من اجله فانه كان يعطى بعدة كل رجل حمل بعير ذلِكَ اى ما حملناه كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قليل لا يكفينا وأهلنا او سهل على الملك لسخائه-. قالَ لهم يعقوب لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ إذ رايت منكم ما رايت حَتَّى تُؤْتُونِ قرا ابن كثير تؤتونى بإثبات الياء وصلا ووقفا- وابو عمرو أثبتها وصلا فقط

стр. 1902

والباقون يحذفونها فى الحالين- اى تعطونى مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ اى عهدا مؤكدا باليمين بالله او باشهاد الله على نفسه اتوثق به لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جواب القسم إذ المعنى حتّى تحلفوا بالله لتأتنّنى به إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال مجاهد يعنى الا ان تهلكوا جميعا- وقال قتادة الا ان تغلبوا حتّى لا تطيقوا ذلك- وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال اى لتأتنّنى به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم- او من أعم العلل على قوله لتأتنّنى به فى تأويل النفي اى لا تمنعون من الإتيان به لشيء الا للاحاطة بكم- كقوله أقسمت بالله الا فعلت اى ما اطلب الا فعلك فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ اى عهدهم قيل حلفوا بالله رب محمّد وجهدوا أشد الجهد حتّى لم يجد يعقوب بدا من إرسال بنيامين معهم قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب المواثيق وإتيانه وَكِيلٌ (٦٦) شاهد وقيل حافظ- قال كعب لما قال يعقوب فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً قال الله وعزتى لاردن عليك كليهما «١» بعد ما توكلت علىّ. وَقالَ يعقوب لما أراد بنوه الخروج من عنده يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لانهم كانوا ذوى جمال وابهة وقوة وامتداد قامة مشتهرين فى المصر بالقربة والكرامة عند الملك- فخاف عليهم العين وقد ورد فى الحديث العين حق وقد ذكرنا ما ورد فى ذلك فى سورة نون فى تفسير قوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ الاية- ولعله لم يوصهم بذلك فى الكرة الاولى لانهم كانوا مجهولين حينئذ وكان الداعي اليه خوفه على بنيامين- وعن ابراهيم النخعي انه قال ذلك لانه كان يرجو ان يروا يوسف فى التفرق والاول أصح وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضى عليكم فان المقدر كائن عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ لا يغنى حذر عن قدر- رواه الحاكم ورواه احمد من حديث معاذ بن جبل ورواه البزار من حديث ابى هريرة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يصيبكم لا محالة ان قضى عليكم سوءا ولا ينفعكم شيء فوض يعقوب امره الى الله تعالى وقال عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ اعتمدت وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) جمع بين حرفى العطف فى عطف الجملة على الجملة- لتقدم الصلة للاختصاص- كانّ الواو للعطف والفاء لافادة السببية فان فعل الأنبياء سبب

стр. 1903

لان يقتدى بهم غيرهم-. وَلَمَّا دَخَلُوا مصر مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ اى من أبواب متفرقة قيل كانت أبواب المدينة اربعة فدخلوا من ابوابها ما كانَ يُغْنِي اى يدفع عَنْهُمْ رأى يعقوب واتّباعهم له مِنَ اللَّهِ اى من قضائه مِنْ شَيْءٍ اى شيئا مما قضى الله عليهم او شيئا من الإغناء حتّى أخذ بنيامين وتضاعفت المصيبة على يعقوب صدّق الله يعقوب فيما قال إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ استثناء منقطع اى ولكن حاجة فى نفسه يعنى شفقته عليهم من ان يعاينوا قَضاها اى أظهرها فوصى بها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ بالوحى او نصب الحجج ولذلك قال وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ- او لتعليمنا إياه- وقيل معناه انه لعامل بما علم- قال سفيان من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما- قيل انه لذو حفظ لما علمناه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) ما يعلم يعقوب اولا يعلمون القدر وانه لا يغنى عن الحذر او لا يعلمون الهام الله لاوليائه-. وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ قالوا أخونا الّذي امرتنا ان نأتيك به قد جئناك به فقال أحسنتم وأصبتم وستجدون جزاء ذلك عندى- ثم أنزلهم فاكرم منزلهم- ثم أضافهم فاجلس كل اثنين منهم على مائدة- فبقى بنيامين وحيدا- فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيّا لاجلسنى معه- فقال يوسف لقد بقي أخوكم هذا وحيدا فاجلسه مع نفسه على مائدته فجعل يواكله- فلما كان الليل امر لهم بمثل وقال ليم كل أخوين منكم على مثال فبقى بنيامين وحده فقال يوسف ﵇ هذا ينام معى على فراشى- فبات معه فجعل يوسف يضمه اليه ويشم ريحه حتّى أصبح- وجعل روبيل يقول ما راينا مثل هذا- فلما أصبح قال لهم انى ارى هذا الرجل ليس معه ثان فما ضمّه الىّ فيكون منزله معى- ثم أنزلهم منزلا واجرى عليهم الطعام وآوى إِلَيْهِ اى ضم الى نفسه أَخاهُ لامه بنيامين وأنزله معه- فلما خلا به قال ما اسمك قال بنيامين قال ما بنيامين قال ابن المثكل (وذلك انه لما ولد هلكت امه) قال وما اسم أمك قال راحيل بنت لاوى- قال فهل لك من ولد قال نعم عشرة- قال أتحب ان أكون أخاك بدل أخيك الهالك- قال بنيامين ومن يجد أخا

стр. 1904

مثلك ايها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل- قال فبكى يوسف وقام اليه وعانقه وقالَ له إِنِّي فتح الياء نافع وابن كثير وابو عمرو وأسكنها الباقون أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ اى لا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) اى بشيء فعلوه بنا فيما مضى فان الله قد احسن إلينا- ولا تعلّمهم شيئا مما أعلمتك- ثم اوفى يوسف لاخوته الكيل وحمل لهم بعيرا بعيرا- ولبنيامين بعيرا باسمه. فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ اى المشربة الّتي كان الملك يشرب منها- يعنى امر غلمانه بجعلها- قال ابن عباس كانت من زبرجد- وقال ابن إسحاق كانت من فضة- وقيل من ذهب- وقال عكرمة من فضة مرصعة بالجواهر- جعلها يوسف مكيا لا لعزة الطعام لئلا يكال بغيرها- وكان يشرب فيها والسقاية والصواع واحد- جعلت فى وعاء طعام بنيامين قال السدى جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ والأخ لا يشعر- وقال كعب لما قال له يوسف إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال انا لا أفارقك- فقال يوسف قد علمت اغتمام والدي بي- وإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكننى هذا الا بعد ان أشهرك بامر فظيع وانسبك الى ما لا يحمد- قال لا أبالي فافعل ما بدا لك فانى لا أفارقك- قال فانى أدس صاعى فى رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيا لى ردك بعد تسريحك- قال فافعل ففعل ما ذكر ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ اى نادى مناد- وكلمة ثم تدل على التراخي وذلك انهم ارتحلوا وامهلهم يوسف حتّى انطلقوا وذهبوا منزلا- وقيل حتّى خرجوا من العمارة- ثم بعث خلفهم فادركهم ثم مال أَيَّتُهَا الْعِيرُ وهى الإبل الّتي عليها الأحمال لانها تعير اى تردد تذهب وتجيء- فقيل لاصحاب العير مجازا كما قال رسول الله ﷺ يا خيل الله اركبي- كذا روى ابو داود من حديث سمرة بن جندب- وقيل هى جمع عيرو أصلها فعل بضم الفاء كسقف ثم فعل به ما فعل ببيض- ثم تجوز به لقافلة الحمير- ثم استعير لكل قافلة قال مجاهد كانت العير حميرا- وقال الفراء كانوا اصحاب ابل إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قيل قالوه من غير امر يوسف- وقيل قالوه بامره هفوة منه- وقيل قالوه على تأويل انهم سرقوا يوسف من أبيه- والصحيح عندى انه قال ذلك بامر الله تعالى والله تعالى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ

стр. 1905

يُسْئَلُونَ - والحكمة فى ذلك ابتلاء يعقوب ﵇ كما سنذكر فيما بعد-. قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) اى اىّ شيء ضاع عنكم والفقد غيبة الشيء عن الحسّ بحيث لا يعرف مكانه. قالُوا اى قال رسول الملك ومن معه نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ولم نتهم عليها غيركم وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام جعلا له وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) كفيل أوميه الى من رده- وفيه دليل على جواز الجعالة وجواز الكفالة- وكفالة الجعل قبل تمام العمل. قالُوا تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ اى لنسرق فى ارض مصر وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا فى كرتى مجيئهم ما يدل على فرط أمانتهم- كردّ البضاعة الّتي جعلت فى رحالهم- وكعم أفواه دوابهم لئلا يتناول حروث الناس. قالُوا اى المنادى ومن معه فَما جَزاؤُهُ اى السارق او السرق او الصواع على حذف المضاف إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) فى ادعاء البراءة. قالُوا اى اخوة يوسف جَزاؤُهُ اى جزاء سرقته مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ اى اخذه واسترقاقه هكذا كان فى شريعة يعقوب فَهُوَ جَزاؤُهُ تقرير للحكم السابق او خبر من والفاء لتضمنها معنى الشرط- او جواب لها على انها شرطية- والجملة خبر جزاؤه على اقامة الظاهر مقام الضمير كانه قيل جزاؤه من وجد فى رحله فهو هو كذلك نجزى الظالمين بالسرقة فى تلك الشريعة- كان فى شرع يعقوب ان يسلّم السارق لسرقته المسروق منه فيسارقه فقال الرسول عند ذلك لا بد من تفتيش أمتعتكم فاخذ فى تفتيضها- وروى انه ردهم الى يوسف قامر بتفتيش أوعيتهم بين يديه-. فَبَدَأَ المنادى او يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ لازالة التهمة واحدا واحدا قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين- قال قتادة وذكر لنا انه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر فى وعاء الا استغفر الله تأثّما فيما قذفهم به- حتّى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين قال ما أظن ان هذا اخذه فقالت اخوته والله لا نترك حتّى تنظر فى رحله فانه أطيب لنفسك ولا نفسنا

стр. 1906

ثُمَّ لما فتح رحل بنيامين اسْتَخْرَجَها اى السقاية او الصواع لانه يذكر ويؤنث مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين- فلما استخرج الصواع من رحله نكس اخوته رءوسهم من الحياء واقبلوا على بنيامين- وقالوا ايش الّذي صنعت فضحتنا وسوّدتّ وجوهنا- يا بنى راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصواع- قال بنيامين بل بنوا راحيل لا يزال لهم منكم بلاء- ذهبتم بأخي فاهلكتموه فى البرية- ووضع هذا الصواع فى رحلى الّذي وضع البضاعة فى رحالكم- قال وأخذ بنيامين رقيقا وقيل ان ذلك الرجل اخذه برقبته ورده الى يوسف كما يردّ السراق كَذلِكَ محله النصب اى مثل ذلك الكيد كِدْنا لِيُوسُفَ بان علّمناه إياه وأوحينا به اليه- ومن هاهنا يعلم ان قول المنادى إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ وما تبعه كان بامر يوسف- وكان بايحاء الله اليه- فلا معصية فى ذلك- قال البغوي الكيد هاهنا جزاء الكيد- يعنى كما فعلوا فى الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم- وقد قال يعقوب ليوسف ﵉ فيكيدوا لك كيدا- فكدنا ليوسف فى أمرهم- وقال الكيد من الخلق الحيلة ومن الله التدبير بالحق- يعنى صنعنا ذلك ليوسف حتّى أخذ أخاه وضم الى نفسه وحال بينه وبين اخوته ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ ويضمه الى نفسه فِي دِينِ الْمَلِكِ قال ابن عباس فى سلطانه وقال قتادة فى حكمه حيث كان حكم الملك ودينه ان يضرب السارق ويغرم ضعفى قيمة المسروق إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ان يجعل ذلك الحكم حكم الملك فالاستثناء من أعم الأحوال- ويجوز ان تكون منقطعا اى لكن أخذ بمشية الله واذنه ولطفه حيث وجد السبيل الى ذلك بان رد يوسف الحكم الى اخوته واجرى الله على ألسنتهم ان جزاء السارق الاسترقاق فحصل مراد يوسف بمشية الله تعالى نَرْفَعُ دَرَجاتٍ قرا الكوفيون بالتنوين على التميز من النسبة والباقون بالاضافة مَنْ نَشاءُ بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على اخوته- قرا يعقوب يرفع ويشاء بالياء فيهما على الغيبة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ من الخلق عَلِيمٌ (٧٦) وهو الله تعالى إذ معنى العليم لغة الّذي له العلم البالغ- او المعنى فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ من الخلق عليم منهم وان كان التفوّق من وجه دون وجه- كما قال خضر لموسى ﵉ يا موسى

стр. 1907

انى على علم من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه- وأنت على علم من علم الله لا اعلمه- رواه البخاري وغيره فى حديث طويل فى قصة موسى وخضر عن النبي ﷺ وقال رسول الله ﷺ أنتم اعلم بامور دنياكم- ولا يجوز كون معنى الاية وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ من الخلق عليم منهم تفوقا من كل وجه والا يلزم التسلسل- وقال ابن عباس فوق كل عالم عالم الى ان ينتهى العلم الى الله تعالى فالله فوق كل عالم-. قالُوا اى اخوة يوسف إِنْ يَسْرِقْ بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ من امه يعنون يوسف ﵇ مِنْ قَبْلُ هذا- قال سعيد بن جبير وقتادة كان لجده ابى امه صنم يعبده- فاخذه سرّا وكسره وألقاه فى الطريق لئلا يعبده- كذا اخرج ابن مردوية عن ابن عباس عن النبي ﷺ واخرج ايضا ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن سعيد بن جبير نحوه- وقال البغوي قال مجاهد ان يوسف جاءه سائل يوما فاخذ بيضة من البيت فناولها السائل- وقال سفيان بن عيينة أخذ دجاجة من الطير الّتي كانت فى بيت يعقوب فاعطاها السائل- وقال وهب كان يخبا الطعام من المائدة للفقراء- قلت ولما كان يوسف من اهل بيت الكرم وكان يعقوب ﵇ راضيا بإعطاء السائلين فلا بأس فى هذا الاخذ والإعطاء وانما سماه الاخوة سرقة حسدا عليه واخرج محمّد بن إسحاق عن مجاهد ان يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت امه راحيل- فحضنته عمته وأحبته حبّا شديدا- فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب ﵇ عليه- فاتاها وقال يا أختاه سلّمى الىّ يوسف فو الله ما اقدر على ان يغيب عنى ساعة واحدة- قالت لا قال فو الله ما انا بتاركه- فقالت دعه عندى أياما انظر اليه لعل يسلّينى عنه- ففعل ذلك فعمدت الى منطقة إسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر فكانت عندها لانها كانت اكبر ولد إسحاق- فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه وهو صغير ثم قالت لقد فقدتّ منطقة إسحاق اكشفوا اهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف- فقالت والله انه لسلم لى فقال يعقوب ان كان فعل ذلك فهو سلم لك- فامسكته حتّى ماتت فذلك الّذي قال اخوة يوسف إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها اى مقالتهم انه سرق كانه لم يسمعها او نسبتهم

стр. 1908

السرقة اليه يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ اى لم يظهرها انه سمع ذلك وقيل انها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً فانه بدل من فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ- والمعنى قال فى نفسه أنتم شر مكانا اى منزلة من يوسف لسرقتكم أخاكم- او فى سوء الصنيع مما نسبتم اليه وتأنيثها باعتبار الكلمة او الجملة قال البيضاوي وفيه نظر إذ المفسر بالجملة لا يكون الا ضمير الشأن وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) يعنى هو اعلم ان الأمر ليس كما تصفونه- فلما أخذ يوسف أخاه غضبوا غضبا شديدا- وكان بنوا يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا- وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وإذا صاح القت كل امراة حامل سمعت صوته ولدا- وكان مع هذا إذا مسّه أحد من ولد يعقوب سكن غضبه- وقيل كان هذه صفة شمعون من ولد يعقوب- وروى انه قال لاخوته كم عدد الأسواق بمصر- قالوا عشرة فقال اكفوني أنتم الأسواق وانا أكفيكم الملك او اكفوني أنتم الملك وانا أكفيكم الأسواق- فدخلوا على يوسف فقال روبيل لتردّنّ علينا أخانا اولا صيحنّ صيحة لا تبقى بمصر امراة حامل الا القت ولدها- وقامت كل شعرة فى جسد روبيل فخرجت من ثيابه- فقال يوسف لابن له صغير قم الى جنب روبيل فمسه- ويروى خذ بيده فأتنى به- فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال روبيل ان هاهنا لبذرا من بذر يعقوب فقال يوسف من يعقوب- وروى انه غضب ثانيا فقام اليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض- وقال أنتم معشر العبرانيين تظنون ان لا أشد منكم ولما صار أمرهم الى هذا وراوا ان لا سبيل لهم الى تخليصه خضعوا وذلّوا و. قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فى السن او القدر يحبّه كثيرا- وهو ثكلان على أخيه الهالك يستأنس به- ذكروا له حال أبيهم استعطافا له عليه فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ بدله إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) فى افعالك فلا تغير فى عادتك- او من المحسنين إلينا فى توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة فاتمم إحسانك. قالَ يوسف مَعاذَ اللَّهِ اى أعوذ بالله معاذا أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ فانّ أخذ غيره ظلم على فتواكم-

стр. 1909

ولم يقل الا من سرق تحرزا من الكذب إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) يعنى لو اخذتكم مكانه إذا كنا من الظالمين فى مذهبكم- ومراده ان الله اذن فى أخذ من وجد الصواع فى رحله لمصلحة ولرضائه عليه فلو أخذت غيره لكنت ظالما-. فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ قرا البزي فلمّا استيأسوا- ولا تيأسوا من روح الله- انّه لا يايس- وحتّى إذا استيأس الرّسل وفى الرعد أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا بالألف موضع الفاء وفتح الياء موضع العين من غيرهم فى الخمسة- والباقون بالهمزة واسكان الياء من غير الف فى اللفظ- وإذا وقف حمزة القى حركة الهمزة على الياء على أصله- يعنى لما يئسوا من يوسف ان يجيبهم الى ما سالوا- وزيادة السين والتاء للمبالغة- وقال ابو عبيدة استيئسوا استيقنوا ان الأخ لا يرد إليهم خَلَصُوا اى انفردوا واعتزلوا نَجِيًّا اى متناجين وانما وحده لانه مصدر او برتبته كما يقال هم صديق وجمعه انجية كندى واندية قالَ كَبِيرُهُمْ فى الفضل والعلم لا فى السن وهو يهودا كذا قال ابن عباس والكلبي- وقيل كبيرهم فى السن وهو روبيل وهو الّذي نهى الاخوة عن قتل يوسف- كذا قال قتادة والسّدىّ والضحاك- وقال مجاهد وهو شمعون وكانت له رياسة على الاخوة أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً عهدا وثيقا مِنَ اللَّهِ جعلوا حلفهم بالله موثقا منه لانه بإذن منه وتأكيد من جهته وَمِنْ قَبْلُ هذا ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ اى قصرتم فى شأنه- وما مزيدة ويجوز ان تكون مصدرية فى محل النصب بالعطف على مفعول تعلموا- ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف- او على اسم انّ وخبره فِي يُوسُفَ او مِنْ قَبْلُ- او الرفع بالابتداء والخبر من قبل- قال البيضاوي فيه نظر لان قبل إذا كان خبرا او صلة لا تقطع عن الاضافة حتّى لا ينقض وان تكون موصولة اى ما فرطتموه بمعنى ما قدمتموه فى حقه من الخيانة- ومحله الرفع او النصب كما تقدم فى المصدرية فَلَنْ أَبْرَحَ اى لن أفارق الْأَرْضَ اى ارض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي فتح الياء نافع وابو عمرو وأسكنها الباقون أَبِي فتح الياء نافع وابن كثير وابو عمرو وأسكنها الباقون- يعنى يأذن لى أبيّ فى الرجوع

стр. 1910

أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي على لسان يعقوب ﵇ بالخروج منها وترك أخي او بالموت او بخلاص أخي منهم او بالمقاتلة معهم لتخليصه وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) لا يكون حكمه الا بالحق ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ على ما شاهدنا من ظاهر الأمر- وقرا ابن عباس والضحاك سرّق على البناء للمفعول من التفعيل يعنى نسب الى السرقة كما يقال خوّنته اى نسبته الى الخيانة. وَما شَهِدْنا عليه بالسرقة إِلَّا بِما عَلِمْنا اى بسبب ما تيقنّا وراينا ان الصواع استخرج من وعائه- وقيل معناه ما شهدنا قطّ على شيء الا بما علمنا وليست هذه شهادة منا انما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم- وقيل قال لهم يعقوب ما يدرى هذا الرجل ان السارق يسترقّ بسرقته الا بقولكم فقالوا ما شهدنا عند يوسف ان السارق يسترقّ الا بما علمنا وكان الحكم ذلك عند الأنبياء يعقوب وبنيه وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ اى لباطن الحال حافِظِينَ (٨١) عن ابن عباس يعنى ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين فلعلّها دسّت بالليل فى رحله- وقال مجاهد وقتادة ما كنا نعلم حين أعطيناك الموثق ان ابنك سيسترق- ويصير أمرنا الى هذا وانك تصاب كما أصبت بيوسف وانما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا الى حفظه منه سبيل. وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعنون مصر وقال ابن عباس هى قرية من قرى مصر لحقهم المنادى فيها وارتحلوا منها الى مصر وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها اى القافلة الّتي كنا فيها- وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب ﵇ قال ابن إسحاق عرف الأخ المحتبس بمصران اخوته كانوا متهمين عند أبيهم لما صنعوا فى امر يوسف فامرهم ان يقولوا هذا لابيهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) فان قيل قال البغوي كيف استجاز يوسف ان يعمل مثل هذا بابيه- ولم يخبره بمكانه- وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه- ففيه معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة قلنا اكثر الناس فيه والصحيح انه عمل ذلك بامر الله تعالى امره ليزيد فى بلاء يعقوب فيضاعف له الاجر- ويلحقه فى درجة ابائه الكرام- وقيل انه لم يظهر نفسه له ولاخوته لانه لم يأمن من ان يتدبروا فى امره تدبيرا فيكتموه عن أبيه والاول أصح قلت بل هو الصحيح لا غير-

стр. 1911

فرجع اخوة يوسف غير كبيرهم الى أبيهم وذكروا لابيهم ما قال كبيرهم. قالَ يعقوب ليس الأمر كما قلتم بَلْ سَوَّلَتْ اى زيّنت وسهلت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أردتموه فقدرتموه فما أدرى الملك ان السارق يؤخذ بسرقته انما أردتم فى حمل أخيكم الى مصر طلب نفع عاجل فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فامرى صبر جميل او فصبرى صبر جميل لا شكوى فيه الى الناس عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعنى يوسف وبنيامين وأخاهم المقيم بمصر إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم الْحَكِيمُ (٨٣) فى تدبير خلقه الّذي لم يبتلينى الا لحكمته- ولما بلغه خبر بنيامين تتام حزنه وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف اعرض. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ كراهة لما صادف منهم ذلك وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ اى يا أسفي تعال فهذا او انك- والأسف أشد الحزن والحسرة- والالف بدل من ياء المتكلم- روى عبد الرزاق وابن جرير موقوفا عن سعيد بن جبير انه قال لم يعط امة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة الا امة محمّد ﷺ الا ترى الى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع وقال يا أسفى- وكذا روى البيهقي فى شعب الايمان وقال وقد رفع الضعفاء هذا الحديث الى ابن عباس عن النبي ﷺ وأخرجه الثعلبي من طريق سعيد بن جبير مرفوعا الا قوله الا ترى الى يعقوب وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ لكثرة بكائه مِنَ الْحُزْنِ محق سوادهما بكثرة البكاء فعمى بصره- قال مقاتل لم يبصر بهما ست سنين وقيل ضعف بصره فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) الكظم مخرج النفس يقال أخذ بكظمه والكظوم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت فالكظيم محتبس النفس يعنى الساكت فهو بمعنى الفاعل والمعنى كاظم غيظه وحزنه فمسك عليه لا يبث حزنه فى الناس ومنه كظم البعير إذا ترك الاجترار وحبس ما أكل فى بطنه وكظم السقاء شده بعد ملئه وقد يطلق الكظيم على المملو نظرا الى ان المملو يشد فمه ويحبس ما فيه- فهو على هذا جاز ان يكون بمعنى المفعول اى المكظوم المملو من الغيظ- قال قتادة معناه تردد حزنه فى جوفه ولم يقل الا خيرا- قال الحسن كان بين خروج يوسف من حجر أبيه الى يوم التلقي معه ثمانون عاما لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه- وهاهنا إشكال قوى على قاعدة التصوف- حيث قالوا ان الصوفي بعد فناء قلبه لا يشتغل

стр. 1912

قلبه بغير الله سبحانه ولا يسع فيه محبة أحد من الخلائق- فما بال يعقوب ﵇ وهو من الأنبياء الكبار والمصطفين الأخيار اولى الأيدي والابصار- قد شغفه حب يوسف ﵇ الكريم حتّى ابيضت عيناه من البكاء عليه وهو كظيم- وما قيل ان العالم بأسرها مجال ومرايا لله سبحانه- فاشتغال قلبه بيوسف اشتغال به تعالى على الحقيقة- فذلك قول فى غلبة التوحيد لاهل الابتداء او التوسط ويستنكف عنه اهل الانتهاء فكيف الأنبياء ﵈ ولو كان كذلك فلا وجه حينئذ لتخصيص تعلق الحب بيوسف ﵇ دون غيره- والجواب عن الاشكال ان هذا مختص بالنشأة الدنيوية يعنى لا يمكن اشتغال قلب الصوفي بعد الفناء بشيء من الأشياء الدنيوية واما الأشياء الاخروية فليس هذا شأنها- فان النبي ﷺ قال الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما- رواه ابن ماجة عن ابى هريرة والطبراني عن ابن مسعود بسند صحيح والبزار عن ابن مسعود نحوه والطبراني بسند صحيح عن ابى الدرداء- بخلاف الاخرة فانها مرضية لله تعالى وتعلق القلب بها مرضى لله تعالى قال الله تعالى وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ- يعنى اولى القوة فى طاعة الله والبصارة فى معرفة الله تعالى وأحكامه- إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ- اى جعلناهم خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها هى ذكر الدار الاخرة- قال مالك بن دينار نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الاخرة وذكرها- وجعلنا الاخرة مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون- واطلاق الدار على الاخرة للاشعار بانها الدار على الحقيقة والدنيا معبر- هذه الاية صريح فى ان الاخرة مرضية لله تعالى وحبها وما فيها موجب للمدح- وقال رسول الله ﷺ قيل لى يعنى فى المنام سيد بنى دارا وصنع مأدبة وأرسل داعيا- فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضى عنه السيد- ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد- قال فالله السيد ومحمّد داعى والدار الإسلام والمأدبة الجنة- رواه الدارمي عن ربيعة الجرشى- وهذا غاية معرفة الأكملين لم يطلع عليها المتوسطون «١» فضلا عن اهل الابتداء والعوام- ولو كانت رابعة البصرية مطلعة على ذلك لما قالت أريد ان احرق الجنة كيلا يعبد الناس الله تعالى لاجلها- الم تسمع قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ

стр. 1913

يعنى وقت لقائه الاخرة ومحل لقائه الجنة- وقوله ﷺ الجنة طيبة التربة عذبة الماء وانها قيعان وان غراسها هذه يعنى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر- رواه الترمذي عن ابن مسعود وروى الشيخان فى الصحيحين والحاكم والطبراني بلفظ يغرس لك بكل واحد شجرة فى الجنة- قال سيدى وامامى المجدد للالف الثاني رضى الله عنه المعنى التنزيهي لبس «١» فى دار الدنيا كسوة الحروف والكلمات- وسيلبس فى الجنة كسوة الأشجار والثمرات- فتعلق الحب بها كانه تعلق بالتنزيهات وقس على هذا- وقال رضى الله عنه عندى ان جنة كل واحد عبارة عن ظهور اسم من اسماء الله تعالى الّذي هو مبدأ لتعيّنه- وان ذلك الاسم سيظهر لذلك الشخص بصورة الأشجار والأنهار والحور والقصور والولدان- فتفاوت الجنات للاشخاص على حسب تفاوت الأسماء والصفات من حيث الجامعية وعدمها- وباعتبار قربه من الذات وغير ذلك- وتلك الأشجار ونحوها قد تكون على هيئة الاجرام الزجاجية- فتصير وسيلة لرؤية الذات الغير المتكيفة- ثم تعود كما كانت وهكذا الى ابد الآبدين- فان قيل ان الممكن فى نفسه ليس وعدم ومقتض للشر والنقص- وما فيه من الحسن والجمال والخير والكمال مستعار من الواجب- والمحبة واشتغال القلب انما يتعلق بالحسن والجمال وذلك مستعار فى كل ممكن من الواجب تعالى- فما وجه الفرق بين الأشياء الدنيوية والاخروية وجواز تعلق الحب بإحداهما دون الاخرى- قلنا العالم بأسرها مجال ومظاهر لاسمائه وصفاته وصفاته تعالى ممكنة فى حد ذواتها واجبة بغيرها اى بذات الله تعالى لاحتياجها الى الذات- لكن لا يطلق لفظ الإمكان والوجوب بالغير لئلا يوهم حدوثها وانفكاكها عن الذات- ولما كانت الصفات ممكنة فى حد ذاتها وان كان انعدامها مستحيلا بغيرها- ففيها رائحة الإمكان والعدم- ولاجل ذلك تنكشف الصفات عند الصوفي ذو وجهتين وجهة جانب الوجود المستفاد من مرتبة الذات ووجهة جانب احتمال العدم نظرا الى إمكانها فى ذاتها- فوجهة وجودها حسن وجميل لا محالة- ووجهة عدمها ايضا لا يخلو عن حسن وجمال بمجاورة وجهة الوجود وان كان ذلك الحسن فى مرتبة الوهم فليعلم انه يظهر فى نظر الكشفى ان صفاته تعالى تجلت فى الأشياء الدنيوية بوجهتها الّتي الى الاعدام- فهى من هذه الحيثية مربيات للاشياء الدنيوية- وتجلت فى الأشياء الاخروية

стр. 1914

بوجهتها الّتي الى الوجود- وبهذه الحيثية مربيات للاشياء الاخروية- ولذلك صارت الاخرى مرضية لله تعالى مقبولة- وصار تعلق القلب بتلك الأشياء كتعلقه بصاحبها- فالكاملون فى محبة الله تعالى هم الكاملون فى محبة الدار الاخرة- وهذا وجه الفرق بين الأشياء الدنيوية والاخروية وجواز تعلق الحب بإحداهما دون الاخرى- إذا تمهد هذا فنقول ظهر بالنظر الصريح والكشف الصحيح للمجدد للالف الثاني رضى الله عنه ان وجود يوسف ﵇ وجماله وان كان مخلوقا فى الدار الدنيا لكنه كان على خلاف سائر الأشياء الموجودة فيها- من جنس الموجودات الاخروية وربّتها صفات الله تعالى بوجهتها الّتي الى الوجود كما ربّت الجنة وما فيها من الحور والغلمان- فلا جرم جاز تعلق قلب اهل الكمال وحبهم به ﵇ كما جاز تعلقها بالجنة وما فيها- كذا ذكر المجدد رضى الله عنه فى المكتوب المائة من المجلد الثالث- بقي هاهنا إشكالان أحدهما ان المجدد رضى الله عنه قال فى مقام اخر ان الممكنات سوى الأنبياء والملائكة مجال ومظاهر لظلال الأسماء والصفات الّتي هى مباد لتعيناتها- دون الأسماء والصفات أنفسها- واما الملائكة والأنبياء فاصول الأسماء والصفات مباد لتعيناتهم- وهم مجال ومظاهر لها- فكيف قال هاهنا ان الممكنات بأسرها مجال لاسمائه وصفاته تعالى- وكيف يتصور حينئذ ان تتجلى الصفات بانفسها فى الأشياء الدنيوية بوجهتها الّتي الى الاعدام- وفى الأشياء الاخروية بوجهتها الّتي الى الوجود- وحله ان كونها مجال لظلال الأسماء لا ينافى كونها ظلالا لاصولها فان ظل ظل الشيء ظل له- فالاسماء والصفات تتجلى فى الأنبياء بلا توسط الظلال وفى غيرهم بتوسطها- ثم هى تتجلى فى الأشياء الدنيوية بتوسط الظلال بوجهتها الى العدم وفى الأشياء الاخروية بوجهتها الّتي الى الذات والوجود الصرف فلا منافاة ثانيهما «١» انه يلزم حينئذ فضل يوسف ﵇ على سائر الأنبياء بل على أفضلهم عليه وعليهم الصلوات والتسليمات- فان الكلام السابق يشعر ان غير يوسف ﵇ من الأنبياء فى الدنيا مجال للصفات بوجهتها الّتي الى العدم- وحله ان هذا الاشعار انما هو بمفهوم اللقب ولا عبرة لمفهوم اللقب بل الحق ان الأنبياء كلهم عليهم الصلوات والتسليمات مجال للصفات باعتبار وجهتها الى الوجود الصرف وليس عدم ظهور حسن الاخرة منهم عليهم الصلوات والتسليمات

стр. 1915

فى الدنيا لكونهم مجال الصفات بوجهتها الّتي الى العدم بل لامر خفى لا يعلمه الا الله تعالى- وقد ذكر المجدد رضى الله عنه فى حسن «١» خاتم الرسل ﵊ انه قال ربّ محمّد ﷺ ومبدا تعيّنه صفة العلم الإجمالي وهو اقرب الصفات الى الذات الا ترى ان العلم الحضوري يتحد مع العالم ومع المعلوم- واما غيره من الصفات من القدرة والارادة والكلام والسمع والبصر ليست بهذه المثابة- والإجمال أعلى درجة واقرب من الذات من تفاصيلها- فللعلم حسن ذاتى ما ليس لغيرها من الصفات- فالعلم أحب الى الله تعالى من غيره- وللعلم حسن وجمال لا كيفية له فلاجل كمال لطافته وعلو درجته تجلى فى محمّد ﷺ من الحسن والجمال ما لا تدركه الابصار فى هذه النشئة لضعف قوة المبصرة الدنيوية كما لا تدرك الابصار للذات فى هذه النشئة- وسيظهر حسنه وجماله فى الاخرة فيوسف ﵇ وان سلم له فى الدنيا ثلثى الحسن- لكن فى الاخرة الحسن حسن محمّد ﷺ والجمال جماله- قال رسول الله ﷺ أخي يوسف أصبح وانا أملح والفرق بين الصباحة والملاحة عند المحققين كالفرق بين الشمس والقمر وبين الذهب والفضة شتان ما بينهما- كان حسن يوسف ﵇ بحيث أحبه يعقوب والخلائق- وكان حسن محمّد ﷺ بحيث أحبه «٢» رب يعقوب والخلائق ﷻ ما للتراب ورب الأرباب وإذا ثبت هذا علم ان الصوفي بعد فناء قلبه لا يشتغل قلبه بغير الله سبحانه- ولا يسع فى قلبه محبة أحد من الخلائق- لكن لا ينافى ذلك اشتغال قلبه بمحبة الأنبياء فان محبتهم عين محبة الله- عن انس قال قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب اليه من والده وولده والناس أجمعين- متفق عليه وعنه قال قال رسول الله ﷺ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما- متفق عليه فما قالت رابعة البصرية ان قلبى ممتلية من حب الله لا يسع فيه محبة محمّد ﷺ خطأ ناش من غلبة السكر- واما ما قال المجدد رضى الله عنه فى بدو حاله أحب الله سبحانه لانه خلق محمّدا ﷺ

стр. 1916

فهو ايضا ناش من السكر لكنه لا يخلو عن نوع من الاصالة والله اعلم- (مسئلة) فى هذه الاية دليل على جواز التأسف والبكاء عند المصيبة ما لم يكن معه نوحة وأمثال ذلك من ضرب الخدود وشق الجيوب وغيرها- فان التأسف والحزن لا يدخلان تحت التكليف فانه قل من يملك نفسه عند الشدائد- فى الصحيحين من حديث انس ان رسول الله ﷺ دخل على ابنه ابراهيم- وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذر فان- فقال له عبد الرّحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف انها رحمة ثم اتبعها اخرى- فقال ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضى ربّنا- وانا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون- وفيهما من حديث اسامة بن زيد اتى رسول الله ﷺ على ابن بنت له ونفسه يتقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا- فقال هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده فانما يرحم الله من عباده الرحماء- وفيهما من حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار الى لسانه او يرحم- وان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه- وفيهما من حديث ابن مسعود ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية- وفيهما عن ابى بردة قال قال رسول الله ﷺ انا بريء ممن حلق وصلق وخرق. قالُوا يعنى اخوة يوسف تَاللَّهِ تَفْتَؤُا اى لا تفتأ ولا تزال حذف لا لعدم الالتباس إذ لو كان اثباتا لم يكن بد من اللام والنون تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً اى مشرفا على الهلاك بسبب المرض او الهرم- والحرض فى الأصل محركة الفساد فى البدن وفى المذهب وفى العقل من الحزن او العشق او الهرم- والرجل الفاسد المريض والمشرف على الهلاك كذا فى القاموس- فهو مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يجمع- وضع هاهنا موضع الصفة أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) اى الميّتين. لَ يعقوب نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي البث أشد الحزن سمى بذلك لان صاحبه لا يصبر عليه غالبا حتّى يبثه اى ينشره وقال الحسن بثي يعنى حالى لَى اللَّهِ لا الى أحد منكم ومن غيركم فخلونى وشكايتى- قال البغوي روى انه دخل على يعقوب جار له فقال يا يعقوب مالى أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن

стр. 1917

ما بلغ أبوك- فقال هشمنى وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف- فاوحى الله اليه يا يعقوب أتشكوني الى خلقى- فقال يا رب خطيئة اخطأتها فاغفرها لى فقال قد غفرتها لك- وكان بعد ذلك إذا سئل الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ - وروى انه قيل له يا يعقوب ما الّذي اذهب بصرك وقوّس ظهرك- قال اذهب بصرى بكائي على يوسف وقوّس ظهرى حزنى على أخيه- فاوحى الله اليه أتشكوني وعزتى لا اكشف ما بك حتّى تدعونى- فعند ذلك الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ - فاوحى الله تعالى اليه وعزتى لو كانا ميّتين لاخرجتهما لك- وانما وجدت عليك انكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيئا- وان أحب خلقى الىّ الأنبياء ثم المساكين- فاصنع طعاما فادع عليه المساكين- فصنع طعاما ثم قال من كان صائما فليفطر الليلة عند ال يعقوب- وروى انه كان بعد ذلك إذا تغدى امر من ينادى من أراد الغداء فليأت يعقوب- وإذا أفطر امر من ينادى من أراد ان يفطر فليأت يعقوب- فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين- وعن وهب بن منبه قال اوحى الله تعالى الى يعقوب تدرى لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة- قال لا يا الهى قال لانك شوّيت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه- وروى ان سبب ابتلاء يعقوب انه ذبح عجلا بين يدى امه وهى تخور- وقال وهب والسدى وغيرهما اتى جبرئيل يوسف ﵉ فى السجن فقال هل تعرفنى ايها الصديق- قال ارى صورة طاهرة ورائحة طيبة- قال انى رسول رب العالمين وانا الروح الامين قال ما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين- قال الم تعلم يا يوسف ان الله يطهر البيوت بطهر النبيين وان الأرض الّتي يدخلونها اطهر الأرضين- وان الله قد طهر بك السجن وما حوله يا اطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين- قال كيف لى باسم الصديقين وتعدنى من المخلصين الطاهرين وقد ادخلت مدخل المذنبين وسميت باسم الفاسقين قال جبرئيل لانه لم تفتتن قلبك ولم تطع سيدتك فى معصية ربك- لذلك سماك الله فى الصديقين وعدّك من المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين- فقال هل لك علم بيعقوب ايها الروح الامين قال نعم وهب الله له من الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم- قال فما قدر حزنه- قال حزن سبعين ثكلى- قال فماذا له من الاجر يا جبرئيل- قال اجر مائة شهيد- قال أفتراني ملاقيه قال

стр. 1918

نعم- فطابت نفسه وقال ما أبالي ما لقيت ان رايته أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ من صنعه ومن رحمته فانه لا يخيّب داعيه ولا يدع الملتجئ اليه او من الله بنوع من الهام الا تَعْلَمُونَ (٨٦) من حيوة يوسف- روى ان ملك الموت زار يعقوب فقال له ايها الملك الطيب ريحه الحسن صورته هل قبضت روح ولدي فى الأرواح- قال لافسكن يعقوب وطمع فى رؤيته- قيل يعنى اعلم انّ رؤيا يوسف صادقة وانى وأنتم سنسجد له- وقال السدىّ لما أخبره ولده بسير الملك احست نفس يعقوب وطمع وقال لعله يوسف- واخرج ابن ابى حاتم عن النصر بن عربى قال بلغني ان يعقوب ﵇ مكث اربعة وعشرين عاما لا يدرى أحيّ يوسف أم ميّت- حتّى تمثل له ملك الموت فقال له من أنت قال انا ملك الموت- قال فانشدك باله يعقوب هل قبضت روح يوسف قال لا وعند ذلك قال. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ التحسس تطلّب الاحساس يعنى تفحصوا فتعرفوا- وقال ابن عباس معناه التمسوا وَلا تَيْأَسُوا اى لا تقنطوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ اى من رحمة الله وقيل من فرح الله وتنفيسه إِنَّهُ اى الشأن لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) بالله وصفاته فان العارف لا يقنط من رحمته فى شيء من الأحوال- فخرجوا راجعين الى مصر حتّى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ شدة الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قال ابن عباس كانت دراهم زيوفا ردية لا ينفق- روى عنه ابو عبيد وابن ابى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ- وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة- واخرج عن عكرمة سعيد بن منصور وابن المنذر وابو الشيخ اى دراهم قليلة- واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال كان متاع الاعراب الصوف والسمن- وقيل من الصوف والأقط- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابو الشيخ عن ابى صالح قال كان حبة الخضراء والصنوبر- واخرج ابن النجار عن ابن عباس قال كان «١» سويق المقل- وقيل كانت الادم والنعال- واصل الإزجاء الدفع والسّوق منه قوله تعالى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً اى يسوق- فيقال للدراهم الردية مزجاة لانها تدفع ولا تؤخذ-

стр. 1919

وكذا للدراهم القليلة لانها تدفع ولا تؤخذ فى مقابلة المتاع العزيز- وكذا الغير الدراهم من الأشياء الردية لدفعها وعدم قبولها فى الثمن الا بتجوز من البائع فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ اى أعطنا كيلا كاملا كما كنت تعطينا قبل هذا بالثمن الجياد الوافي وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا بما بين الثمنين الجيد والردى ولا تنقصنا- كذا قال اكثر المفسرين- وقال ابن جريج والضحاك تصدّق علينا برد أخينا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) احسن الجزاء فى الدنيا والاخرة- والاجزاء والتصدق التفضل مطلقا- ومنه قوله ﷺ فى قصر الصلاة فى السفر هذه صدقة تصدق الله عليكم فاقبلوا صدقته- رواه البخاري لكنه اختص عرفا بما يبتغى به وجه الله والثواب- ومبنىّ على هذا العرف ما روى ان الحسن سمع رجلا يقول اللهم تصدّق علىّ- فقال ان الله لا يتصدّق انما يتصدق من يبتغى الثواب قل اللهم أعطني وتفضّل علىّ- قال الضحاك لم يقولوا ان الله يجزيك لانهم لم يعلموا انه مؤمن- قلت بل لانهم لم يعلموا انه يتصدق أم لا (فائدة) سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبى من الأنبياء سوى نبينا محمّد ﷺ قال سفيان الم تسمع قوله تعالى وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ- كذا اخرج ابن جرير قلت استدل سفيان بهذه الاية على حل الصدقة على الأنبياء- ولا يتم الاستدلال الا إذا ثبت نبوة اخوة يوسف ﵇ فلما كلم اخوة يوسف بهذا الكلام أدركته الرّقة فارفض دمعه واظهر ما الّذي كان كتم و. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ من الظلم وَأَخِيهِ من افراده من يوسف واذلاله حتّى كان لا يستطيع ان يتكلم بعجز وذلة- اى هل علمتم قبح ما فعلتم فتتوبوا عنه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) بقبحه فلذلك اقدمتم عليه- او هل علمتم عاقبة ما فعلتم- وانما قال ذلك تحريضا لهم على التوبة وشفقة عليهم لا معاتبة وتثريبا- يدل عليه قوله لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ كذا قال ابن إسحاق فى السبب الّذي حمل يوسف على هذا القول- وقال الكلبي انما قال ذلك حين حكى لاخوته ان مالك بن وعر قال انى وجدت غلاما فى بئر من حاله كيت وكيت فابتعته بكذا درهما- فقالوا ايها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه- فغاظ يوسف ذلك وامر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم- فولى يهودا وهو يقول كان يعقوب يحزن ويبكى

стр. 1920

لفقد واحد منا حتّى كف بصره فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم- ثم قالوا له ان فعلت ذلك فابعث بامتعتنا الى أبينا فانه بمكان كذا وكذا- فذلك حين رحمهم وبكى وقال ذلك القول- وروى عن عبد الله بن يزيد ابن ابى فروة ان يعقوب لما سمع حبس بنيامين كتب كتابا الى يوسف على يد اخوته حين أرسلهم ثالثا- من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ابراهيم خليل الله الى ملك مصر- اما بعد فانا اهل بيت وكّل بنا البلاء- اما جدى ابراهيم فشدّت يداه ورجلاه والقى فى النار- فجعلها الله عليه بردا وسلاما- واما ابى فشدّت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله- واما انا فكان لى ابن وكان أحب أولادي الىّ فذهب به اخوته الى البرية- ثم أتوني بقميصه ملطّخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناى من البكاء عليه- ثم كان لى ابن وكان أخاه من امه وكنت اتسلّى به- وانك حبسته وزعمت انه سرق- وانّا اهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا- فان رددتّه علىّ والا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك- فلمّا قرا يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء- فاظهر نفسه وقال هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ بما يؤل اليه امر يوسف- وقيل مذنبون عاصون وقال الحسن إذ أنتم شبان ومعكم جهل الشباب. قالُوا اى اخوة يوسف أَإِنَّكَ كذا قرا الجمهور على الاستفهام استفهام تقرير ولذلك حقق بانّ واللام وهم على أصولهم فى الهمزتين المفتوحة والمكسورة وقرا ابن كثير على الخبر انّك لَأَنْتَ يُوسُفُ قال ابن إسحاق كان يوسف يتكلم من وراء الحجاب- فلمّا قال هل علمتم ما فعلتم كشف عنه الغطاء ثم رفع الحجاب فعرفوه- قلت وهذا مستبعد يأتى عنه القصة المذكورة- وقال الضحاك عن ابن عباس لما قال هذا القول تبسم فراوا ثناياه كالدر المنظوم فشبهوه بيوسف- وقال عطاء عن ابن عباس ان اخوة يوسف لم يعرفوه حتّى وضع التاج عن رأسه وكان له فى قرنه علامة- وكان ليعقوب ﵇ مثلها- ولاسحاق ﵇ مثلها- ولسارة مثلها شبه الشامة- فعرفوه وقالوا انك لانت يوسف- وقيل قالوه على التوهم حتّى قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي من ابى وأمي بنيامين- انما ذكر أخاه وهم قد سالوه عن نفسه تعريفا لنفسه به وتفخيما لشأنه وادخالا له فى قوله قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بان جمعنا بالسلامة والكرامة إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ قرأ قنبل يتّقى بإثبات الياء وصلا ووقفا- والباقون بحذفها فى الحالين- يعنى من يتقى الله بأداء

стр. 1921

الفرائض واجتناب المعاصي وَيَصْبِرْ على البليات والطاعات وعن المعاصي فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) فى الدنيا ولا فى الاخرة- وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على ان المحسن من جمع بين التقوى والصبر-. قالُوا معتذرين تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ اختارك الله عَلَيْنا بحسن الصورة وكمال السيرة وسائر الفضائل الدنيوية والاخروية وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) والحال ان شأننا انا كنا مذنبين بها فعلنا بك- يقال خطا خطأ إذا تعمد بالذنب وأخطأ إذا كان غير متعمد. قالَ يوسف بغاية الحلم لا تَثْرِيبَ تفعيل من الثرب وهو الشحم الّذي يغشى الكرش بمعنى ازالة الثرب فاستعير للتقريع الّذي يمزق العرض ويذهب ماء الوجه عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ متعلق بالتثريب او بالمقدر للجار الواقع خبرا للاتثريب- والمعنى لا اثرب اليوم الّذي هو مظنته فما ظنكم بسائر الأيام بعد ذلك- او المعنى غفرت لكم بعد ما اعترفتم يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ذنوبكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) يعنى إذا غفرتكم وانا الفقير القتور- فما ظنكم بالغنى الغفور- فانه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب- قال البيضاوي ومن كرم يوسف انهم لما عرفوه- أرسلوا اليه وقالوا انك تدعونا بالبكرة والعشى الى الطعام ونحن نستحيى منك لما فرّط منافيك- فقال ان اهل مصر كانوا ينظرون الىّ بالعين الاولى ويقولون سبحان من بلّغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلّغ ولقد شرّفت بكم وعظّمت فى عيونهم- حيث علموا انكم إخوتي من حفدة ابراهيم ﵇ قال البغوي فلما عرّفهم يوسف نفسه سالهم عن أبيه فقال ما فعل ابى بعدي قالوا ذهبت عيناه فاعطاهم قميصه ودعا أباه وقال. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً اى يرجع الىّ بصيرا- او المعنى يصير بصيرا- قال الحسن لم يعلم انه يعود بصيرا الا بعد ان اعلمه الله- قال الضحاك كان ذلك القميص من نسيج الجنة وعن مجاهد امره جبرئيل ان يرسل اليه قميصه- وكان ذلك القميص قميص ابراهيم ﵇ وذلك انه جرد ثيابه والقى فى النار عريانا- فاتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنة فالبسه إياه فكان ذلك عند ابراهيم ﵇ فلما مات ورثه إسحاق فلما مات

стр. 1922

ورثه يعقوب فلما شبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص فى قصبة وشد رأسها وعلقها فى عنقه- لما كان يخاف عليه من العين وكان لا يفارقه- فلما القى فى البئر عريانا جاءه جبرئيل ﵇ وعلى يوسف ﵇ ذلك التعويذ- فاخرج القميص منه والبسه إياه- ففى هذا الوقت جاء جبرئيل ﵇ وقال أرسل ذلك القميص- فان فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلىّ ولا سقيم إلا عوفي- فدفع يوسف ذلك القميص الى اخوته وقال فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً- قلت وإذا ثبت بكشف المجدد رضى الله عنه ان حسن يوسف ووجوده كان من جنس الأشياء الموجودة فى الجنة- فحينئذ لا حاجة الى ثبوت كون قميصه من نسيج الجنة ولاجل ذلك كان يعافى به المبتلى بل يكفى فى ذلك كون القميص ملبوسا ليوسف فان وجود يوسف كان من جنس أشياء الجنة والله اعلم- وَأْتُونِي أنتم وابى بِأَهْلِكُمْ بنسائكم وذراريكم ومواليكم أَجْمَعِينَ (٩٣) . وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ الّتي فيها قميص يوسف من مصر وخرجت من عمرانها الى كنعان قالَ أَبُوهُمْ يعقوب ﵇ لمن حضره إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ فيه دليل على ان ريح الجنة كان من يوسف نفسه لا من قميصه- والا لقال ريح قميص يوسف- قال البغوي روى ان ريح الصبا استأذنت ربها فى ان يأتى يعقوب بريح يوسف قبل ان يأتيه البشير- قال مجاهد أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة ايام- وحكى عن ابن عباس من مسيرة ثمان ليال- وقال الحسن كان بينهما ثمانون فرسخا- وقيل هبت ريح فاحتملت ريح القميص الى يعقوب- فوجد ريح الجنة فعلم ان ليس فى الأرض من ريح الجنة الا ما كان من ذلك القميص- فلذلك قال إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) اى لولا تنسبونى الى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم- ولذلك لا يقال عجوز مفنّدة لان نقصان عقلها ذاتى- وجواب لولا محذوف تقديره لصدقتمونى او لقلت انه قريب. قالُوا يعنى من حضره تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) اى فى ذهابك عن الصواب قديما بالإفراط فى محبة يوسف وإكثار ذكره وتوقع لقائه-. فَلَمَّا ان زائدة جاءَ الْبَشِيرُ من عند يوسف قال ابن مسعود جاء البشير

стр. 1923

بين يدى العير- وقال ابن عباس هو يهودا- قال السدىّ قال يهودا انا ذهبت بالقميص ملطّخا بالدم الى يعقوب فاخبرته ان يوسف أكله الذئب- فانا اذهب اليوم بالقميص فاخبره انه حىّ- فافرّحه كما احزنته- قال ابن عباس حمله يهودا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة ارغفة لم يستوف أكلها حتّى اتى أباه وكانت المسافة ثمانين فرسخا- وقيل البشير مالك بن وعر أَلْقاهُ القى البشير قميص يوسف عَلى وَجْهِهِ اى وجه يعقوب فَارْتَدَّ بَصِيراً فعاد بصيرا بعد ما كان أعمى وعادت قوته بعد الضعف وشبابه بعد الهرم قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي فتح الياء نافع وابن كثير وابو عمرو وأسكنها الباقون أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ «١» ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) من حيوة يوسف وان الله يجمع بيننا- وقيل إِنِّي أَعْلَمُ كلام مبتدا والقول لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ- وإِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ- قال البغوي روى انه قال للبشير كيف يوسف قال انه ملك مصر فقال يعقوب ما اصنع بالملك على اى دين تركته قال على الإسلام قال الان تمت النعمة. قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) اى سل الله مغفرة ما ارتكبنا فى حقك وحق ابنك انا تبنا واعترفنا بخطائنا. قالَ يعقوب سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي فتح الياء نافع وابو عمرو وأسكنها الباقون- قال اكثر المفسرين اخّر الدعاء الى السحر- فانه ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخر- يقول من يدعونى فاستجيب له من يسئلنى فاعطيه من يستغفرنى فاغفر له متفق عليه من حديث ابى هريرة عنه ﷺ فلما انتهى يعقوب الى الموعد قام الى الصلاة بالسحر فلما فرغ منها رفع يديه الى الله ثم قال اللهم اغفر لى جزعى على يوسف وقلة صبرى عنه واغفر لولدى ما أتوا الى أخيهم يوسف فاوحى الله اليه انى قد غفرت لك ولهم أجمعين- وعن عكرمة عن ابن عباس سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ يعنى ليلة الجمعة- وقال وهب كان يستغفر لهم فى كل ليلة جمعة فى نيف وعشرين سنة- وقال طاءوس اخر الدعاء الى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء- وقال الشعبي قال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي يعنى اسئل يوسف ان عفا عنكم استغفرت لكم ربى- فانّ عفو المظلوم شرط لمغفرة الله تعالى- وقيل اخر الدعاء الى ان يتعرف حالهم فى صدق التوبة إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)

стр. 1924

قال النووي روى ان يوسف بعث مع البشير الى يعقوب مائتى راحلة وجهازا كثيرا ليأتوا بيعقوب واهله وولده- فتهيّا للخروج الى مصر فخرجوا وهم اثنان وسبعون بين رجل وامراة- وقال مسروق كانوا ثلاثة وتسعين- فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الّذي فوقه- فخرج يوسف والملك فى اربعة آلاف من الجند وركب اهل مصر معهما يلقون «١» يعقوب وكان يعقوب يمشى وهو يتوكا على يهودا فنظر الى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر قال لا هذا ابنك. فَلَمَّا دَخَلُوا اى يعقوب واهله عَلى يُوسُفَ قلت لعل يوسف حين خرج من مصر لاستقبال يعقوب ﵇ نزل فى مضرب او قصر كان له ثمه فدخلوا عليه هناك- وقال البغوي فلما دنا كل واحد منهما صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام فقال جبرئيل لا حتّى يبدا يعقوب بالسلام- قلت لعل هذا لاجل محبوبية الله الّتي ظهرت فى يوسف- فقال يعقوب ﵇ السلام عليك يا مذهب الأحزان آوى إِلَيْهِ اى ضم اليه أَبَوَيْهِ قال اكثر المفسرين هو أبوه وخالته ليّا- نزّلها منزلة الام تنزيل العم منزلة الأب فى قوله تعالى آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ- او لان يعقوب تزوجها بعد امه والرابّة تدعى امّا- وكانت أم يوسف قد ماتت فى نفاس بنيامين- وقال الحسن هو أبوه وامه وكانت حية- وفى بعض التفاسير ان الله أحيا امه حتّى جاءت مع يعقوب الى مصر- قال البغوي روى ان يوسف ويعقوب نزلا وتعانقا وقال الثوري عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا- فقال يوسف يا أبت بكيت علىّ حتّى ذهب بصرك الم تعلم ان القيامة يجمعنا- قال بلى يا بنى ولكن خشيت ان تسلب دينك فيحال بينى وبينك وَقالَ يوسف بعد ما لقيهم خارج مصر ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) من الجواز لانهم كانوا لا يدخلون مصر قبله الا بجواز من ملوكهم- ومن القحط واصناف المكاره- والمشية متعلقة بالدخول المكيف بالأمن كما فى قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ- وقيل ان هاهنا بمعنى إذ اى إذ شاء الله كما فى قوله تعالى وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اى إذ كنتم- وقيل فى الاية تقديم وتأخير والاستثناء يرجع الى الاستغفار وهو قول يعقوب لبنيه سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ان شاء الله-. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ اى أجلسهما على السرير- والرفع هو النقل

стр. 1925

من السفل الى العلو وَخَرُّوا يعنى أبوي يوسف واخوته لَهُ سُجَّداً لم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض انما هو الانحناء والتواضع يعنى تواضعوا ليوسف- وقيل وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحيّة والتعظيم لا على طريق العبادة- وكانت تحيّة الناس يومئذ السجود- وكان ذلك جائزا فى الأمم السابقة فنسخت فى هذه الشريعة- وروى عن ابن عباس انه قال معناه خروا لله سجدا شكرا بين يدى يوسف والضمير فى له يرجع الى الله- قلت كانّ يوسف جعل قبلة بإذن الله تعالى كالكعبة لنا- وكما جعل آدم قبلة للملائكة حين أمروا بالسجود له- وقيل معناه خَرُّوا لَهُ اى لاجل يوسف ولقائه سجد الله تعالى شكرا والاول أصح والرفع مؤخر عن الخرور وان قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما وَقالَ يوسف عند ذلك يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ الّتي رايتها فى ايام الصبا إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ... قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا صدقا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي فتح الياء نافع وابو عمرو وأسكنها الباقون يعنى قد أنعم علىّ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ولم يذكر الجب مع كونه أشد من السجن استعمالا للكرم كيلا يخجل اخوته بعد ما قال لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ- ولان نعمة الله فى إخراجه من السجن أعظم لان بعد خروجه من الجب صار الى العبودية والرق وابتلى بمكر النساء- وبعد خروجه من السجن صار ملكا وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ البدو بسيط من الأرض يسكنه اهل المواشي بما شيتهم وكانوا اهل بادية والمواشي مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي فتح الياء ورش وأسكنها الباقون- اى أفسد بيننا بالحسد وجرش من نزغ الرابض الدابة إذا نحنها وحملها على الجري إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ تدبيره لِما يَشاءُ إذ ما من صعب الا وينفذ مشيته به ويتسهل دونها- وقال البغوي ذو لطف- وحقيقة اللطيف الّذي يوصل الإحسان الى غيره بالرفق إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بوجوه المصالح والتدابير الْحَكِيمُ (١٠٠) الّذي يفعل كل شيء فى وقت وعلى وجه يقتضيهما الحكمة- قال البيضاوي روى ان يوسف طاف بابيه ﵉ فى خزائنه- فلما دخل خزينة القرطاس قال يا بنى ما اغفاك عندك هذه القراطيس وما كتبت الىّ على ثمان مراحل

стр. 1926

قال أمرني جبرئيل ﵇ قال او ما تسئله قال أنت ابسط منى اليه فساله- فقال جبرئيل ﵇ الله أمرني بذلك «١» لقولك وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ قال الله فهلا خفتنى- قال البغوي قال اهل التاريخ اقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة فى أغبط حال واهنا عيش ثم مات بمصر- فلما حضرته الوفاة اوصى الى يوسف ان يحمل جسده حتّى يدفنه عند أبيه إسحاق- ففعل يوسف ومضى به حتّى دفنه بالشام ثم انصرف الى مصر- اخرج احمد فى الزهد عن مالك ان يعقوب لما ثقل قال لابنه يوسف ادخل يدك تحت صلبى واحلف لى برب يعقوب لتدفننى مع ابائى قد اشتركتهم فى العمل فاشركنى معهم فى قبورهم- فلمّا توفى يعقوب فعل ذلك يوسف حتّى اتى به ارض كنعان فدفنه معهم- قال سعيد بن جبير نقل يعقوب فى تابوت من ساج الى بيت المقدس فوافق ذلك يوم مات عيص فدفنا فى قبر واحد وكانا ولدا فى بطن واحد وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة- فلما جمع الله ليوسف شمله علم ان نعيم الدنيا لا يدوم سال الله حسن العاقبة فقال. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ اى بعض الملك وهو ملك مصر والملك اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى والرؤيا ومن هذا ايضا للتبعيض لانه لم يؤت كل التأويل وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ... فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى خالقهما ومبدعهما وانتصابه على انه صفة المنادى او منادى برأسه أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعنى ناصرى ومتولى أموري فيهما- او الّذي يتولانى بالنعمة فيهما ويوصل الملك الفاني بالملك الباقي تَوَفَّنِي اى اقبضنى إليك مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) اى بالنبيين فان كمال الصلاح بالعصمة وهى مختصة بالأنبياء- قال قتادة لم يسئل نبى من الأنبياء الموت الا يوسف- وفيه نظر فان النبي ﷺ قال اللهم الرفيق الأعلى- وعن عائشة قالت كنت اسمع انه لا يموت نبى حتّى يخيّر بين الدنيا والاخرة- قالت أصابت رسول الله ﷺ بحّة شديدة فى مرضه فسمعته يقول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فظننت انه خيّر- رواه الشيخان فى الصحيحين وابن سعد- وفى القصة

стр. 1927

انه لما جمع الله تعالى ليوسف شمله وأوصل اليه أبويه واهله اشتاق الى ربه فقال هذه المقالة- قال الحسن عاش بعد هذا سنين كثيرة- وقال غيره لما قال هذا لم يمض عليه أسبوع حتّى توفى قال البغوي اختلفوا فى مدة غيبة يوسف عن أبيه قال الكلبي اثنان وعشرون سنة- وقيل أربعون سنة- وقال الحسن القى يوسف فى الجب وهو ابن سبع عشرة- وغاب عن أبيه ثمانين سنة- وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة- ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة- وفى التورية مائة وعشر سنين- وولد ليوسف من امراة العزيز ثلاثة أولاد افرائيم وميشار وكان من أولاد افرائيم يوشع بن نون صاحب موسى ﵇ ورحمت بنت يوسف امراة أيوب المبتلىّ ﵈ وقيل عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة وقيل اكثر- واختلفت الأقاويل فيه وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة- فدفنوه فى النيل فى صندوق من رخام- وذلك انه لما مات تشاح الناس فيه فطلب اهل كل محلة ان يدفن فى محلتهم رجاء بركته- حتّى هموا بالقتال فراوا ان يدفنوه فى النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجرى الماء عليه ويصل بركته الى جميعهم- وقال عكرمة دفن فى الجانب الايمن من النيل فاخصب ذلك الجانب واجدب الجانب الاخر- فنقل الى الجانب الأيسر فاخصب ذلك الجانب واجدب الجانب الاخر فدفنوه فى وسطه- وقدّروا ذلك سلسلة فاخصب الجانبان الى ان أخرجه موسى فدفنوه بقرب ابائه بالشام- اخرج ابن إسحاق وابن ابى حاتم عن عروة بن الزبير قال ان الله حين امر موسى بالسير ببني إسرائيل امره ان يحتمل معه عظام يوسف- وان لا يخلفها بأرض مصر وان يسير بها معه حتّى يضعها بالأرض المقدسة- فسال موسى عمن يعرف قبره فما وجد الا عجوزا من بنى إسرائيل- فقالت يا نبى الله انى اعرف مكانه ان أنت أخرجتني معك ولم تخلفنى بأرض مصر دللتك عليه- قال افعل وقد كان موسى وعد بنى إسرائيل ان يسير بهم إذا طلع القمر- فدعا ربه ان يؤخر طلوعه حتّى يفرغ من امر يوسف- ففعل فخرجت به العجوز حتّى ارته «١» إياه فى ناحية من النيل فى الماء- فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر فاحتمله ولقد توارث الفراعنة من العماليق بعد يوسف مصر ولم يزل بنوا إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف حتّى بعث الله موسى ﵇ وأهلك على يده فرعون-

стр. 1928

ذلِكَ الّذي ذكرت من قصة يوسف مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ يا محمّد وَما كُنْتَ يا محمّد لَدَيْهِمْ عند بنى يعقوب إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ اى عزموا ان يلقوا يوسف فى غيابت الجب وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) بيوسف- هذا كالدليل على كونه يوحى اليه يعنى لا يخفى على مكذبيك انك ما كنت عند أولاد يعقوب وما لقيت أحدا يعلم ذلك حتّى سمعت القصة منه- انما حذف هذا الشق استغناء بذكره فى غير هذه القصة- كقوله تعالى ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا- قال البغوي روى ان يهود وقريشا سالوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فلما أخبرهم على موافقة التورية لم يسلموا فحزن النبي ﷺ لذلك فانزل الله تعالى. وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ يا محمّد على ايمانهم وبالغت فى اظهار الآيات عليهم بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) لما قضى الله تعالى عليهم بالكفر والنار. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ اى على الانباء او القران مِنْ أَجْرٍ جعل إِنْ هُوَ اى القران إِلَّا ذِكْرٌ عظة من الله لِلْعالَمِينَ (١٠٤) عامة حجة على من لم يؤمن وبصيرة ورحمة لمن أمن به-. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ وكثير من اية أصله كاىّ عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ اى الكفار عَلَيْها اى على تلك الآيات ويشاهدونها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) اى والحال انهم يعرضون عنها- يعنى انهم يرون اثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر ولا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ اى يقرّون بوجوده وخالقيته إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) يعنى فى حال من الأحوال الا فى حال اشراكهم فى العبادة غيره تعالى به- فانهم كانوا إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا الله- وإذا سئلوا من ينزل من السماء ماء قالوا الله- ومع ذلك كانوا يعبدون الحجارة و «١» يقولون مطرنا بنوء كذا- وعن ابن عباس انه قال انها نزلت فى تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون فى تلبيتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك تملكه وما ملك- وقال عطاء هذا فى الدعاء حيث نسوا ربهم فى الرخاء- فاذا أصابهم البلاء أخلصوا الدعاء فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ

стр. 1929

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ- وفى نحو ذلك من الأحوال- وقيل معناه إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ باتخاذ الأحبار أربابا مطاعا فى خلاف ما امر الله به- او مشركون بنسبة التبني اليه تعالى- او القول بالنور والظلمة- ومن جملة الشرك ما يقوله القدرية من اثبات قدرة الخلق للعبد- وانما التوحيد ما يقوله اهل السنة لا خالق الا الله- بل النظر الى الأسباب مع الغفلة عن المسبب ينافى التوحيد- فالموحدون هم الصوفية. أَفَأَمِنُوا يعنى انسوا ربهم فامنوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ اى عقوبة تغشاهم وتشملهم كائنة مِنْ عَذابِ اللَّهِ قال قتادة وقيعة وقال الضحاك يعنى الصواعق والقوارع أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ المشتملة على عذاب جهنم بَغْتَةً فجاءة من غير سابقة علم وعلامة على تعين وقته وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) بإتيانها غير مستعدين لها استفهام انكار يعنى لا ينبغى لهم ذلك النسيان والا من- قال ابن عباس يهيج الصيحة بالناس وهم فى أسواقهم وعن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ليقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا فلا يتبايعانه ولا يطويانه الحديث- وقد مر الحديث وما فى الباب فى سورة الأعراف فى تفسير قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها الى قوله لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً-. قُلْ يا محمّد هذِهِ الدعوة الى التوحيد والاعداد للمعاد سَبِيلِي سنتى ومنهاجى- والسبيل يذكر ويؤنث كالطريق ثم فسّر السبيل بقوله أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ اى الى الايمان بوجوده ووحدانيته وتنزيهه عما لا يليق به وابتغاء درجات قربه عَلى بَصِيرَةٍ اى على يقين ومعرفة- اى لست من الخراصين الذين يقولون بأشياء من غير علم- او المعنى على بصيرة اى بيان وحجة واضحة غير عمياء أَنَا تأكيد للمستتر فى ادعوا- او فى على بصيرة لانه حال منه- او مبتدا خبره على بصيرة وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف عليه اى من أمن بي وصدّقنى فهو ايضا يدعوا الى الله- قال الكلبي وابن زيد حق على من تبعه ان يدعو الى ما دعا اليه ويذكر القران- او المعنى انا وكل من تبعني فهو على بصيرة- قال ابن عباس يعنى به اصحاب محمّد ﷺ كانوا على احسن طريقة واقصه

стр. 1930

هداية معدن العلم وكنز الايمان وجند الرّحمن- وقال ابن مسعود من كان مستنّا فليستنّ بمن قد مات أولئك اصحاب محمّد ﷺ كانوا خير هذه الامة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم كانوا على الهدى المستقيم وَسُبْحانَ اللَّهِ عطف على ادعوا يعنى ادعوا الى الله وانزّهه تنزيها من الشركاء وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) . وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمّد إِلَّا رِجالًا لا ملائكة رد لقولهم لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ... نُوحِي إِلَيْهِمْ كما نوحى إليك وبذلك امتازوا عن غيرهم- قرأ حفص هنا وفى النحل والاول من الأنبياء بالنون وكسر الحاء على التكلم والبناء للفاعل والباقون بالياء وفتح الحاء على الغيبة والبناء للمفعول مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعنى من اهل الأمصار لكونهم اعقل واعلم واحلم دون اهل البوادي لغلظهم وجفائهم- قال الحسن نظرا الى هذه الاية لم يبعث الله نبيا من بدو ولا من الجن ولا من النساء- قلت لا دليل فى الاية على نفى النبوة من الجن- فانه تعالى قال كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ وايضا الكلام فى بعث الرسل الى الانس- وذلك لا يقتضى عدم إرسال الجن الى الجن- وقد قال الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ... أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعنى هؤلاء المشركون المكذّبون فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ امر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من المكذّبين بالرسل والآيات فيعتبروا ويحذروا تكذيبك- او من المستغرقين بالدنيا المتهالكين عليها فينقلعوا عن حبها وَلَدارُ الْآخِرَةِ اى دار الحالة الاخرة او الساعة الاخرة او الحيوة الاخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي يقول الله تعالى- هذا ما فعلنا باهل ولايتنا وطاعتنا ان ننجيهم عند نزول العذاب فى الدنيا- وما فى الدار الاخرة لهم خير- فترك ما ذكر اكتفاء بدلالة الكلام عليه أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) اى «١» تستعملون عقولكم لتعرفوا انها خير- قرا نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة-
следующие страницы →