← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

لاضافة المثقال الى الحبة وضمير انها للقصة على هذه القراءة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يعنى فى أخفى مكان واحرزه كجوف صخرة او أعلاه كمحدب السموات او أسفله كمقعر الأرض وقال قتادة فى صخرة فى جبل وقال ابن عباس هى صخرة تحت الأرضين السبع وهى التي يكتب فيها اعمال الفجار وخضرة السماء منها وقال السدىّ خلق الله الأرض على حوت وهو النون الذي ذكره الله فى القران ن والقلم والحوت فى الماء على ظهر صفاة «الصخرة والحجر الا ملس ١٢ نهاية منه رح» والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة (وهى الصخرة التي ذكرها لقمان ليست فى السماء ولا فى الأرض) والصخرة على الريح يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يحضرها فيحاسب عليها إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه الى كل خفى ودقيق خَبِيرٌ (١٦) عليم بكنه كل شىء قال الحسن معنى الاية هو الإحاطة بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها قال البغوي وفى بعض الكتب ان هذه الكلمة اخر ما تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها. يا بُنَيَّ قرأ حفص والبزي «وقتل باسكاء ابو محمد» بفتح الياء والباقون بكسرها أَقِمِ الصَّلاةَ تكميلا لنفسك وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ تكميلا لغيرك وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ من الشدائد والأذى بسبب الأمر والنهى او غير ذلك إِنَّ ذلِكَ اى الصبر او كل ما امره مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) اى من الأمور التي عزمه الله اى قطعه قطع إيجاب قال رسول الله ﷺ خير الأمور عوازمها اى فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها والعزم فى الأصل عقد القلب على إمضاء امر فالعزم على هذا مصدر بمعنى المفعول او المعنى من الأمور التي يعزم عليها بجد لوجوبها. وَلا تُصَعِّرْ قرأ نافع وابو عمرو «وخلف- ابو محمد» وحمزة والكسائي ولا تصاعر من المفاعلة وابن كثير وابن عامر وعاصم وابو جعفر ويعقوب بتشديد العين من غير الف خَدَّكَ لِلنَّاسِ اى لا تمل عنهم ولا تولهم صفحة وجهك تكبرا قال ابن عباس تقول لا تتكبر فتحقر وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً اى فرحا وبطرا مصدر وقع موقع الحال اى يمرح مرحا او العلة اى لاجل المرح إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ متبختر فى مشيه فَخُورٍ (١٨) على الناس علة للنهى نشر على غير ترتيب اللف لرعاية القافية. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ اى توسط فيه فوق الدبيب

стр. 3047

لانه دليل الخيلاء ومشى المتكبرين ودون الاسراع لانه مشى السفهاء ويذهب البهاء قال رسول الله ﷺ سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن- أخرجه ابن عدى وابو نعيم فى الحلية من حديث ابى هريرة وأخرجه ابن عدى ايضا من حديث ابى سعيد وابن عمرو المراد بالاسراع المنهي ما يكون بجد فوق مشيه الطبعي واما الاسراع على عادته دون الخبب فمحمود روى ابن سعد عن يزيد بن مرثد انه ﷺ كان إذا مشى اسرع حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه- وروى الطبراني والبيهقي عن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ عليكم بالسكينة عليكم ... بالقصد فى المشي بجنائزكم واخرج الستة قوله ﷺ اسرعوا بالجنازة فان يك صالحة يتقدمونها وان يكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم- فهذه الأحاديث تدل على ان المراد بالاسراع ما ذكرت والمراد بالقصد هو الاسراع دون الخبب. وَاغْضُضْ قال مقاتل اى اخفض مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعنى أوحشها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ تعليل لغضّ الصوت يعنى ان صوت الحمير منكر جدّا لكونه جهيرا جدّا فلا يكن صوتك مثل صوتها أول صوتها زفير وآخرها شهيق وهما صوت اهل النار قال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول فى قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ هى العطسة القبيحة المنكرة قال وهب تكلم لقمان باثنى عشر الف باب من الحكمة وأدخلها الناس فى كلامهم وقضاياهم.. أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ لاجل نفعكم ما فِي السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم والبحار والجبال من الأرض وَما فِي الْأَرْضِ من المعادن والنباتات والحيوانات بان مكّنكم من الانتفاع بها بوسط او بغير وسط وَأَسْبَغَ اى أتم وأكمل عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ قرأ اهل المدينة وابو عمرو وحفص بفتح العين وضم الهاء على الجمع والاضافة والباقون بسكون العين وبالتاء منونة على صيغة الواحد بارادة الجنس ظاهِرَةً مع ما عطف عليه حال من نعمه والنعمة الظاهرة هى المحسوسة من حسن الصورة وتسوية الأعضاء والرزق والعافية وغيرها من نعماء الدنيا والإسلام والرسول والقران وتخفيف الشرائع وتوفيق اتباع الرسول وظهور الإسلام والنصر على الأعداء وَباطِنَةً من القلب والعقل والحواس الباطنة وحسن الأخلاق والامداد

стр. 3048

بالملائكة والإلهام بالاعتقاد الحق وستر الذنوب وعدم التعجيل فى العقوبة ونور معرفة الله ونار عشقه ورسوله وشفاعة رسوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ النبي ﷺ عطف على وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وما بينهما معترضات فِي اللَّهِ فى توحيده وصفاته بِغَيْرِ عِلْمٍ مستفاد من الدليل قال البغوي نزلت فى النضر بن الحارث وابى بن خلف وأشباههما وَلا هُدىً راجع الى الرسول وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) منزل من الله بل بالتقليد كما قال الله تعالى. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا لانتبع ما انزل الله بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فيه منع من التقليد فى اصول الدين قال الله تعالى أَيتبعون بتقدير يعنى قل ايتبعون آباءهم وَلَوْ كانَ الواو للحال او للعطف على مقدر يعنى لو لم يكن ولو كان الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ الضمير اما لهم او لابائهم إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) بإلقاء حسن التقليد او حسن الإشراك فى قلوبهم والاستفهام للانكار والتعجب. وَمَنْ يُسْلِمْ «١» وَجْهَهُ اى توجهه إِلَى اللَّهِ واقبل بشراشره عليه يعنى لا يفعل فعلا ولا يترك شيئا الا ابتغاء مرضاته ويفوض امره اليه وَهُوَ مُحْسِنٌ فى اعماله قال رسول الله ﷺ الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه يعنى بالحضور التام فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يعنى تمسك باوثق ما يتمسك به واعتصم باقوى ذريعة لا يحتمل انقطاعه تمثيل لطيف للمتوكل على المتشبث بالعروة الوثقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) إذا لكل صائر اليه. وَمَنْ كَفَرَ ولم يسلم وجهه الى الله فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ تقديره فقد أضرّ نفسه وأوبقه ولا يضرك شيئا لا فى الدنيا ولا فى الاخرة ولمّا كان عدم الضّرر موجبا لعدم الحزن أورده فى مورده قرأ نافع لا يحزنك بضم الياء وكسر الزاء من الأحزان إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فى الدارين فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا بالتعذيب إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) من الاعتقادات والخطرات فضلا عما فى الظاهر فيجازى كلّا على حسب اعتقاده وعمله. نُمَتِّعُهُمْ اى نملهم ليتمتعوا قَلِيلًا اى تمتيعا قليلا او زمانا قليلا فى الدنيا الى انقضاء اجالهم ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ اى نلجئهم ونردهم فى الاخرة إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ اى عذابا يثقلهم ثقل الاجرام الغلاظ وهو عذاب النار. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ

стр. 3049

وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح الدليل المانع من اسناد الخلق الى غيره بحيث اضطروا الى الإقرار به قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما الزمهم وألجأهم الى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) ان ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم يتنبهوا. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا فلا يستحق العبادة غيره إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن حمد الحامدين الْحَمِيدُ (٢٦) المستحق للحمد وان لم يحمد اخرج ابن إسحاق عن عطاء بن يسار وكذا ذكر البغوي انه قال نزلت بمكة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا- فلمّا هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا الم يبلغنا عنك انك تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا- إيانا تريد أم قومك فقال كلّا عنيت قالوا الست تتلو فيما جاءك انا أوتينا التورية وفيها تبيان كل شىء فقال رسول الله ﷺ هى فى علم الله قليل فانزل الله تعالى. وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ يعنى لو ثبت كون الأشجار كلها أقلاما وتوحيد شجرة لان المراد تفصيل الآحاد وَالْبَحْرُ المحيط يَمُدُّهُ اى يزيده وينصب فيه مِنْ بَعْدِهِ اى من خلفه سَبْعَةُ أَبْحُرٍ فاعل يمدّه قرأ ابو عمرو يعقوب البحر بالنصب عطفا على اسم انّ او بإضمار فعل يفسره يمدّه والباقون بالرفع عطفا على انّ ومعمولها وعلى هذا يمدّه حال- وجاز ان يكون البحر مبتدأ وما بعده خبره والجملة مستانفة او فى محل النصب على انه حال فان قيل ليس فيه ضمير راجع الى ذى الحال قلت هو كقولك جئت الجيش قادم ونحو ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظرف وكان مقتضى الكلام ان يقال ولو ان الأشجار أقلام والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر لكن اغنى عن ذكر المداد قوله يمدّه لانه من مد الدوات وأمدها- وقال البغوي فى الاية إضمار تقديره وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ يكتب بها كلمات الله ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ المعبر بها عن معلومات الله بتلك الأقلام وبذلك المداد ولا بأكثر من ذلك بالغا ما بلغ لان معلوماته تعالى غير متناهية لا يمكن نفادها ولذلك اختار صيغة جمع القلة للاشعار بان ذلك لا يفئ بالقليل فكيف بالكثير إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شىء حَكِيمٌ (٢٧) لا يخرج عن علمه وحكمته امر واخرج ابن جرير عن عكرمة قال سال اهل الكتب رسول الله ﷺ عن الروح فانزل الله

стр. 3050

تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فقالوا تزعم انا لم نؤت من العلم الا قليلا وقد أوتينا التورية وهى الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فنزلت هذه الاية فعلى ما ذكرنا من الروايات فى سبب النزول الاية مدنية وقيل الاية مكية وانما امر اليهود وفد قريش ان يسئلوا رسول الله ﷺ ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة- واخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة وابن جرير عن قتادة قال قال المشركون انما هذا الكلام يوشك ان ينفد فنزل وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ الاية. ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ أجمعين إِلَّا كَنَفْسٍ اى الا كخلق نفس واحِدَةٍ وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن ويكفى لوجود الكل تعلق إرادته مع قدرته الذاتية فلا يتعذر عليه خلق الكل كما لا يتعذر عليه خلق نفس واحدة إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع كل مسموع بَصِيرٌ (٢٨) يبصر كل شىء لا يشغله ادراك بعضها عن ادراك بعض اخر فكذلك الخلق او المعنى انّ الله سميع لاقوال المشركين ان لا بعث بصير بأعمالهم. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ عطف على يولج او حال بتقدير قد الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ واحد من النيرين يَجْرِي فى السماء إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى وقت معين وهو يوم القيامة الفرق بينه وبين قوله لِأَجَلٍ مُسَمًّى ان الاجل منتهى الجري وثمه غرضه حقيقة او مجازا وكلا المعنيين حاصل فى الغايات وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) عطف على قوله أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ وجملة أَلَمْ تَرَ متصل بقوله أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ مقرر له. ذلِكَ الذي ذكر من سعة عمله وشمول قدرته وعجائب صنعه بِأَنَّ اى بسبب ان اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الثابت اى الواجب وجوده وجميع كمالاته او الثابت ألوهيته وَأَنَّ ما يَدْعُونَ قرأ ابو عمرو وحفص وحمزة «ويعقوب وخلف- ابو محمد» والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب مِنْ دُونِهِ من الالهة الْباطِلُ المعدوم فى حد ذاته او الباطل دعوى الالوهية فيه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ المترفع على كل شىء والمتسلط عليه الْكَبِيرُ (٣٠) الظاهر الباهر كبرياؤه ومن كان هذا شأنه يجب ان يكون علمه وقدرته شاملا لجميع الأشياء.. أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ متصل بقوله أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ ... بِنِعْمَتِ اللَّهِ اى بإحسانه فى تهية أسبابه وهو استشهاد اخر على باهر قدرته و

стр. 3051

شمول انعامه والباء للصلة او للحال لِيُرِيَكُمْ الله مِنْ آياتِهِ اى بعض دلائل قدرته من عجائب البحر الذي أدركتموه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) يعنى صبار على المشاق فيتعب نفسه بالتفكر فى الآفاق والأنفس ويعرف النعم ويشكر عليها مانحها- او المراد لايات للمؤمنين قال رسول الله ﷺ الايمان نصفان فنصف فى الصبر ونصف فى الشكر- رواه البيهقي فى شعب الايمان عن انس يعنى يشكر فى السراء ويصبر فى الضراء. وَإِذا غَشِيَهُمْ اى علاهم وغطاهم الظرف متعلق يدعوا الله فيه معنى الشرط والجزاء والجملة معطوفة على تجرى فى البحر خبر لانّ وضمير غشيهم راجع الى اهل الفلك رابط بين الاسم والخبر مَوْجٌ فى البحر كَالظُّلَلِ جمع الظلة شبّه بها الموج يأتى منه شىء بعد شىء قال مقاتل كالجبال وقال الكلبي كالسحاب دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بان ينجيهم ولا يدعون غيره لما تقرر فى الأذهان انه لا كاشف لضر الا الله سبحانه ويزول بما غلبهم من الخوف الشديد ما ينازع الفطرة السليمة من الهوى والتقليد فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ متعلق بنجاهم بتضمين معنى أوصلهم وجملة فلمّا نجّاهم معطوفة على إذا غشيهم فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ قيل هو جواب لمّا والظاهر ان جواب لمّا محذوف وهذا دليل عليه تقديره فلمّا نجاهم الى البرّ اختلفوا فمنهم شاكر لنعمة الله ومنهم كافر ومنهم مقتصد يعنى متوسط فى الكفر لانزجاره بعض الانزجار وكان بعض الكفار أشدّ افتراء وأشد قولا من بعض فذكر المقتصد لدلالته على جانبه كذا قال الكلبي معنى المقتصد وقال أكثرهم معنى المقتصد المقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد لما قيل ان الاية نزلت فى عكرمة بن ابى جهل هرب عام الفتح الى البحر فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمة لان أنجانا الله من هذه لارجعن الى محمد ولاضعن يدى فى يده فسكنت الرياح فرجع الى مكة والنبي ﷺ ثمه واسلم وحسن إسلامه والتقدير على هذا فمنهم مقتصد ومنهم كافر يدل عليه قوله وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا المنزلة اى بحقيقتها او بدلائل قدرتنا ومنها الانجاء من الموج إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ اى غدار فانه نقض العهد الفطري او العهد الذي عاهد فى الشدة والختر أسوأ الغدر كَفُورٍ (٣٢) للنعم. يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ اى احذروا عذابه وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي اى لا يغنى والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ الراجع الى

стр. 3052

الموصوف محذوف اى لا يجزى فيه والد مؤمن عن ولده الكافر وَلا مَوْلُودٌ مؤمن عطف على والد هُوَ جازٍ صفة لمولود يعنى ولا يجزى مولود مؤمن من شأنه ان يكون هو جاز عَنْ والِدِهِ الكافر متعلق بلا يجزى وانما قيدنا بالكافر لان المؤمن يشفع للمؤمن قال الله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وقال الله جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ شَيْئاً منصوب على المصدرية اى لا يجزى شيئا من الاجزاء وجاز ان يكون مولود مبتدأ خبره هو جاز عن والده وتغير النظم للتاكيد فان هذه الجملة واردة على نهج من التأكيد لم يرد عليه المعطوف عليه لان الجملة الاسمية أكد من الفعلية وقد انضم الى ذلك لفظ المولود وفيه تأكيد اخر لان المولود انما يطلق على من ولد بلا واسطة والولد يطلق عليه وعلى ولد الولد كما فى قوله تعالى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فاذا كان المولود لا ينفع أباه فلا ينفع أجداده بالطريق الاولى- ووجه إيراده على التأكيد ان الخطاب كان للمؤمنين فى ذلك الزمان وغالبا مات اباؤهم على الكفر فاريد حسم اطماعهم من ان ينفعوا آباءهم بالشفاعة فى الاخرة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث والثواب والعقاب حَقٌّ لا يمكن تخلفه فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الفاء للسببية الْحَياةُ الدُّنْيا بزينتها فانها فانية ولذّاتها ضعيفة مشوبة بالمكاره وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ فى حلمه وامهاله الْغَرُورُ (٣٣) الشيطان بان يرجيكم المغفرة فيجسركم على الذنوب. اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن مجاهد مرسلا قال جاء رجل من اهل البادية وسماه البغوي الحارث بن عمرو بن الحارث بن محارب بن حفصة فسال النبي ﷺ عن الساعة اى وقتها وقال امراتى حبلى فاخبر ما تلد وبلادنا مجدبة فاخبرنى متى ينزل الغيث وقد علمت باىّ ارض ولدتّ فاخبرنى اين أموت فانزل الله تعالى. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ اى علم وقت قيامها جملة مستأنفة فى جواب متى يكون ذلك اليوم وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ متى شاء لا يعلم نزولها الا هو وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ اذكر أم أنثى لا يعلمها غيره وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ عن ابن عمران رسول الله ﷺ قال مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله لا يعلم أحد

стр. 3053

ما يكون فى غد الا الله ولا يعلم ما فى الأرحام الا الله ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة الا الله ولا تدرى نفس باى ارض تموت الا الله ولا يدرى أحد متى يجئى المطر الا الله رواه احمد والبخاري وروى البغوي فى تفسير هذه الاية عن ابن عمر بهذا اللفظ ان رسول الله ﷺ قال مفاتح الغيب خمس إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وفى الصحيحين فى قصة سوال جبرئيل فى حديث ابى هريرة فى خمس يعنى انّ السّاعة لا يعلمهن الا الله ثم قرأ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الاية- واخرج ابن ابى شيبة فى المصنف عن خيثمة ان ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر الى رجل من جلسائه فقال الرجل من هذا قال ملك الموت فقال كانّه يريدنى فمر الريح ان يحملنى ويلقينى بالهند ففعل فقال الملك كان دوام نظرى اليه تعجبا منه إذ أمرت ان اقبض روحه بالهند وهو عندك والله اعلم. وانما جعل العلم لله والدراية للعبد لان فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين فى القاموس دريته علمته او لضرب من حيلة فعنه اشارة الى ان العبد ان عمل حيلة وبذل فيها وسعه لم يعرف ما هو لاحق به من كسبه وعاقبته فكيف بغيره ما لم يحصل له علم بتعليم من الله تعالى بتوسط الرسل او بنصب دليل عليه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ يعلم الأشياء كلها خَبِيرٌ (٣٤) يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها حكى ان منصورا راى فى منامه ملك الموت وسأله عن مدة عمره فاشار اليه بأصابعه الخمس فعبرها المعبرون بخمس سنين او بخمسة أشهر او بخمسة ايام فقال ابو حنيفة هو اشارة الى هذه الاية فان هذه العلوم الخمسة مختصة بالله تعالى والله اعلم. تم تفسير سورة لقمان من التفسير المظهرى ليلة الثانية والعشرين من رجب سنة الف ومائتين وست سنه ١٢٠٦ هـ ويتلوه تفسير سورة السجدة ان شاء الله تعالى.

стр. 3054

سورة السّجدة مكّيّة وهى ثلاثون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (١) ان جعل اسما للسورة او القران فهو مبتدا خبره. تَنْزِيلُ الْكِتابِ على انه بمعنى المنزل والاضافة من قبيل اخلاق ثياب والا فهو خبر مبتدا محذوف اى هذا تنزيل او مبتدا خبره لا رَيْبَ فِيهِ فيكون مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) حالا من الضمير فى فيه لان المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر ويجوز ان يكون خبرا ثانيا او خبرا اولا ولا ريب فيه اعتراضا لا محل له والضمير فى فيه راجع الى مضمون الجملة كانّه قيل لا ريب فى كونه منزلا مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ او الخبر. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ولا ريب فيه حال من الكتاب او اعتراض ومن ربّ العلمين متعلق بتنزيل والضمير فى فيه لمضمون الجملة ويؤيده قوله تعالى بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فانه تقرير له ونظم الكلام على هذا انه أشار اولا الى اعجازه بقوله الم ثم رتب عليه ان تنزيله من رب العالمين وقور ذلك بنفي الريب عنه ثم اضرب عن ذلك الى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكارا له وتعجبا منه فان أم منقطعة بمعنى بل والهمزة للانكار ثم اضرب عنه الى اثبات انه الحق المنزل من الله وبيّن المقصود من تنزيله فقال لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يا محمد إذ كانوا اهل الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وجملة ما اتهم صفة لقوم لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) بانذارك إياهم. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما الله مبتدا والموصول مع صلته خبره فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها يوم الأحد وآخرها الجمعة

стр. 3055

ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ عطف على خلق وقد بسطنا الكلام فى الاستواء على العرش فى سورة يونس وذكرنا فى سورة الأعراف ايضا ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ يعنى إذا جاوزتم مرضاته لا ينصركم فى مواطن النصر والشفيع متجوز به للناصر فاذا أخذ لكم لم يبق لكم ولى ولا ناصر استيناف او حال من فاعل استوى أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) بمواعظ الله الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره الا تتفكرون فلا تتذكرون. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ استئناف او حال من فاعل استوى او خبر بعد خبر لله او خبر أول والموصول مع صلته صفة لله وما لكم حال يعنى يدبر امر الدنيا مِنَ السَّماءِ اى بأسباب سماوية نازلة اثارها إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ اى يصعد إِلَيْهِ ويثبت فى علمه موجودا او المعنى يدبر الأمر اى يحكم بالأمر وينزل الوحى مع جبرئيل او ينزل القضاء والقدر مع الملك المؤكل به من السماء الى الأرض ثم يعرج اى يصعد جبرئيل او غيره من الملائكة اليه اى الى الله يعنى الى حيث يرضاه فِي يَوْمٍ من ايام الدنيا والمراد باليوم هاهنا مطلق الوقت لا بياض النهار لان نزول الملائكة وصعودها غير مختص بالنهار كانَ مِقْدارُهُ حال بتقدير قد اى وقد كان مقدار عروجه ونزوله أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) يعنى لو سار أحد من بنى آدم لم يقطعه الا فى الف سنة لكن الله بكمال قدرته جعل نزوله وعروجه فى طرفة عين- قال البغوي هذا وصف عروج الملائكة ونزولها من السماء الى الأرض واما قوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مدة المسافة من الأرض الى سدرة المنتهى التي هى مقام جبرئيل يقول يسير جبرئيل والملائكة الذين معه من اهل مقامه مسيرة خمسين الف سنة فى يوم من ايام الدنيا اى برهة من الزمان هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك- قلت وجاز ان يكون المراد فى الآيتين المسافة التي بين الأرض والسدرة المنتهى على اختلاف سير السائرين فانه ورد فى حديث العباس بن عبد المطلب عند الترمذي بعد ما بين السماء والأرض اما واحدة واما اثنتان او ثلاث وسبعون سنة وفى حديث ابى هريرة عند احمد والترمذي مسافة ما بينهما وبين كل سمائين خمس مائة سنة ولا وجه لتطبيقهما الا باعتبار اختلاف سير السائرين والله اعلم. وقيل معنى الاية يُدَبِّرُ الْأَمْرَ اى امر الدنيا مِنَ السَّماءِ اى بأسباب سماوية

стр. 3056

كالملائكة وغيرها نازلة اثارها الى الأرض ثم يرجع الأمر والتدبير اليه وحده بعد فناء الدنيا وانقطاع امر الأمراء وحكم الحكام فى يوم كان مقداره الف سنة وهو يوم القيامة لما روى الترمذي عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام ونصف يوم واما قوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أراد به ايضا يوم القيامة- روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من صاحب كنز لا يؤدى زكوة كنزه الا احمى عليه فى نار جهنّم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة ثم يرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار الحديث- ووجه التطبيق بين الحديثين ان يوم القيامة يختلف طوله بالنسبة الى الاشخاص يكون ذلك اليوم على بعض الناس مقدار خمسين الف سنة وعلى بعضهم مقدار الف سنة وعلى بعضهم أخف من ايام الدنيا اخرج الحاكم والبيهقي عن ابى هريرة مرفوعا وموقوفا طول ذلك اليوم على المؤمنين كمقدار بين الظهر والعصر- وكذا ذكر البغوي قول ابراهيم التيمي واخرج ابو يعلى وابن حبان والبيهقي بسند حسن عن ابى سعيد قال سئل رسول الله ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين الف سنة ما أطول هذا اليوم فقال والذي نفسى بيده انه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا- وقال البغوي قال ابن ابى مليكة دخلت انا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله عن هذه الاية وعن قوله تعالى خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فقال له ابن عباس ايام سماه الله تعالى لا أدرى ما هى واكره ان أقول فى كتاب الله ما لا اعلم- واخرج البيهقي من طريق ابن ابى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال هذا فى الدنيا وقوله تعالى فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فهذا يوم القيمة جعله الله على الكافر مقدار خمسين الف سنة- واختار جلال الدين المحلى هذه الرواية فى تفسيره وقيل يقضى قضاء الف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الالف لالف اخر- وقيل يدبر الأمور به من الطاعات منزلا من السماء الى الأرض بالوحى ثم لا يعرج اليه

стр. 3057

خالصا كما يرتضيه الا فى مدة متطاولة لقلة المخلصين فى الأعمال. ذلِكَ المدبر الخالق للسموات والأرض وما بينهما مبتدا خبره عالِمُ الْغَيْبِ اى ما غاب عن الخلق وَالشَّهادَةِ اى ما حضر عندهم فيدبر الأمور على وفق الحكمة الْعَزِيزُ الغالب على امره الرَّحِيمُ (٦) على العباد فى تدبيره وفيه ايماء بانه يراعى المصالح تفضلا وإحسانا صفتان لعالم الغيب والشهادة او خبر ثان وثالث لذلك. الَّذِي أَحْسَنَ الموصول مع الصلة صفة بعد الصفتين المذكورتين او خبر رابع لذلك كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ «وابو جعفر ويعقوب- ابو محمد» قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بسكون اللام فهو بدل اشتمال من كلّ شىء يعنى احسن خلق كل شىء موافرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة كذا قال قتادة وقال ابن عباس أتقنه وأحكمه اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس عن النبي ﷺ فى قوله أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال اما ان است القردة ليست بحسنة ولكنه احكم خلقها وقال مقاتل اى علم كيف يخلق كل شىء من قولك فلان يحسن كذا إذا كان يعلم- وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على صيغة الماضي على انه صفة لشئ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ يعنى آدم ﵇ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ سميت به لانها تنسل منه اى تنفصل مِنْ سُلالَةٍ اى نطفة سميت سلالة لانها تسل من الإنسان مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ضعيف بدل من سلالة او بيان له. ثُمَّ سَوَّاهُ اى الإنسان قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغى وَنَفَخَ فِيهِ اى فى الإنسان مِنْ رُوحِهِ الضمير اما راجع الى الإنسان او الى الذي احسن خلق كلّ شىء تشريفا وإظهارا بانه خلق عجيب له شأن عظيم ممكن له نسبة بما لا مثل له ولا كيف وَجَعَلَ لَكُمُ التفات من الغيبة الى الخطاب السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا بعد ما كنتم نطفا بغير سمع وبصر وتعقّل قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩) ما زائدة مؤكدة للقلة اى شكرا قليلا او فى زمان قليل تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه وتعبدونه. وَقالُوا اى منكرى البعث عطف على جعل لكم السّمع وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ اى غبنا فيها يعنى صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض بحيث لا يتميز بينهما وأصله من قولهم ضل الماء فى اللبن إذا اختلط به وغاب فيه قرأ ابن عامر «وابو جعفر- ابو محمد ٣» إذا بهمزة واحدة على الخبر والعامل فيه ما دل عليه أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ

стр. 3058

جَدِيدٍ وهو نبعث ونجدّد خلقا قرأ نافع والكسائي ويعقوب انّا بهمزة واحدة على الخبر- والقائل ابى بن خلف والاسناد الى جميعهم لرضائهم به والاستفهام لانكار البعث استبعادا بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ اى بما بعد البعث من الجزاء كافِرُونَ (١٠) لمّا ذكر كفرهم بالبعث اضرب عنه الى ما هو ابلغ منه وهو انهم كافرون بجميع ما يكون فى الاخرة. قُلْ يا محمّد يَتَوَفَّاكُمْ اى يستوفى نفوسكم لا يترك منها شيئا او لا يبقى منكم أحدا والتفعل والاستفعال يستعمل أحدهما مقام الاخر يقال تقصّيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته مَلَكُ الْمَوْتِ وهو عزرائيل ﵇ روى البغوي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الأمراض والإرجاع كلها بريد الموت ورسول الموت فاذا حان الاجل اتى ملك الموت فقال ايها العبد كم خبر بعد خبروكم رسول بعد رسول وكم بريد بعد بريد انا الخبر ليس بعدي خبر وانا الرسول ليس بعدي رسول أجب ربك طائعا او مكرها ولمّا قبض روحه وتصارخوا عليه قال على من تصرخون وعلى من تبكون والله ما ظلمت له أجلا ولا أكلت له رزقا بل دعاه ربه فليبك الباكي على نفسه فو الله ان لى عودات وعودات حتى لا أبقى فيكم أحدا الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ اى وكل بقبض أرواحكم وله أعوان من الملائكة وقد ذكرنا الأحاديث الواردة فى ملك الموت وأعوانه فى تفسير سورة الانعام فى تفسير قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. (مسئلة) ملك الموت لا يعلم بوقت أحد ما لم يؤمر به اخرج احمد وابن ابى الدنيا عن معمر قال بلغنا ان ملك الموت لا يعلم متى يحضر أجل الإنسان حتى يؤمر بقبضه واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن جريج قال بلغنا انه يقال لملك الموت اقبض فلانا فى وقت كذا فى يوم كذا. (مسئلة) ملك الموت يظهر للمؤمن بأحسن صورة وللكافر باقبحها اخرج ابن ابى الدنيا عن ابن مسعود وابن عباس قالا لمّا اتخذ الله ابراهيم خليلا سال ملك الموت ان يأذن له ان يبشر له بذلك فاذن له فجاء ابراهيم فبشره فقال الحمد لله ثم قال يا ملك الموت أرني كيف تقبض أنفاس الكفار قال يا ابراهيم لا تطيق ذلك قال بلى قال فاعرض فاعرض ثم نظر فاذا برجل اسود ينال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار وليس من شعرة فى جسده الا فى صورة رجل يخرج من فيه ومسامه لهب النار فغشى على ابراهيم ثم

стр. 3059

أفاق وقد تحول ملك الموت فى الصورة الاولى- فقال يا ملك الموت لو لم يبق الكافر من البلاء والحزن الا صورتك لكفاه فارنى كيف تقبض أرواح المؤمنين قال فاعرض فاعرض ثم التفت فاذا هو برجل شاب احسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فى ثياب بيض فقال يا ملك الموت لو لم ير المؤمن عند الموت من قرة عين والكرامة الا صورتك هذه يكفيه واخرج عن كعب ان ابراهيم أراه ملك الموت الصورة التي يقبض بها المؤمن قال فراه من النور والبهاء شيئا لا يعلمه الا الله والتي يقبض بها الكفار الفجار فرعب ابراهيم رعبا حتى أرعدت فرائصه والصق بطنه بالأرض وكادت نفسه تخرج. (مسئلة) كيف يكون الموت سوى الآدميين اخرج ابو الشيخ والعقيلي فى الصغاء والديلمي عن انس قال قال رسول الله ﷺ آجال البهائم وحشاش الأرض كلها فى التسبيح فاذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس الى ملك الموت من ذلك شىء وله طريق اخر أخرجه الخطيب من حديث ابن عمر مثله قال ابن عطية والقرضى معنى ذلك ان الله تعالى يعدم حياتها بلا مباشرة ملك الموت- قلت جعل ملك الموت وأعوانه للانسان إكراما للمؤمنين واهانة وتعذيبا للكافرين واخرج الخطيب فى تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس قال وكّل ملك الموت يقبض أرواح الآدميين فهو الذي يقبض أرواحهم وملك فى الجن وملك فى الشياطين وملك فى الوحش والطير والسباع والحيتان والنمل فهو اربعة املك والملائكة يموتون فى الصعقة الاولى وان ملك الموت يلى قبض أرواحهم ثم يموت فامّا الشهداء فى البحر فان الله يلى قبض أرواحهم لا يكل ذلك الى ملك الموت لكرامتهم عليه حيث ركبوا سيح البحر فى سبيله- وفيه جويبر ضعيف جدّا والضحاك عن ابن عباس منقطع ولاخره شاهد مرفوع أخرجه ابن ماجة عن ابى امامة سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح الا شهداء البحر فان الله يتولى قبض أرواحهم- قلت فشهداء بحر العشق والمعرفة اولى بذلك الكرامة والله اعلم. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) يعنى بعد الموت يصعد بروح المؤمن ملائكة الرحمة الى السموات حتى ينتهى بها الى السماء السابعة وبروح الكافر ملائكة العذاب حتى ينتهى بها الى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له فيطرح روحه طرحا وقد مر الحديث فى سورة

стр. 3060

الانعام او المعنى ترجعون بعد الحشر احياء الى موقف الحساب فيجزى كل نفس بما عملت وقد مرّ ثم ذكر الله سبحانه حالهم بعد الحشر فقال. وَلَوْ تَرى يا محمّد إِذِ الْمُجْرِمُونَ اى المشركين الذين قالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ ... ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ حال من الضمير فى المجرمون عِنْدَ رَبِّهِمْ ندامة وحزنا يقولون حال من فاعل ناكسوا او حال مرادف له او استيناف فى جواب ما يقولون حينئذ رَبَّنا أَبْصَرْنا ما وعدتنا وكنا مكذّبيه وَسَمِعْنا منك تصديق رسلك فيما كذّبناهم وقيل معناه أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا فَارْجِعْنا الى الدنيا نَعْمَلْ عملا صالِحاً مجذوم فى جواب الدعاء إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) الان بما كنا شاكّين فيه قبل وجواب لو محذوف تقديره لرايت امرا فظيعا ويجوز ان يكون لو للتمنى والمضي فى لو وإذ لكون الثابت فى علم الله بمنزلة الواقع ولا يقدر لترى مفعول لان المعنى لو يكون منك رؤية فى هذا الوقت او يقدر ما دل عليه صلة إذ يعنى لو ترى نكوس رءوسهم. وَلَوْ شِئْنا ان نؤتى كل نفس هداها اى ما يهتدى به الى الايمان والعمل الصالح وخلق الانقياد للرسول باختياره قلبا وقالبا او المعنى لو شئنا هداية كل نفس لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ عاقلة من الجن والانس هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي اى ثبت قضائى بعدم هدايتهم وعدم اهتدائهم وكون مصيرهم الى النار او سبق وعيدى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ اللام فيهما للعهد والمراد المجرمون من الفريقين الذين مرّ ذكرهم بدليل قوله أَجْمَعِينَ (١٣) عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ان الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم رواه مسلم وعن علىّ رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحد الا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما من كان من اهل السعادة فسييسر لعمل اهل السعادة واما من كان من اهل الشقاوة فسييسر لعمل اهل الشقاوة ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى الاية متفق عليه وعن عبد الله ابن عمرو قال خرج رسول الله ﷺ وفى يده كتابان فقال أتدرون

стр. 3061

ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله الا تخبرنا فقال للذى فى يمينه هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء اهل الجنة واسماء ابائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا ثم قال للذى فى شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء لاهل النار واسماء ابائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله ان كان امر قد فرغ منه فقال سددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اىّ عمل وان صاحب النار يختم له بعمل اهل النار وان عمل اىّ عمل ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربّكم من العباد فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ- رواه الترمذي- وجملة لاملانّ جواب قسم محذوف وبيان للقول المذكور بتقدير هو او بدل عنه وجاز ان يكون حق القول فى حكم القسم يقال حقّا لافعلن كذا فعلى هذا يكون لاملانّ جوابا له وقال مقاتل المراد بالقول هو قوله تعالى لابليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ وفى هذه تصريح بان عدم ايمانهم مسبب بعدم المشيّة- وحق القول اما تقرير لعدم المشية والمعنى ولكن شئت كفرهم ومصيرهم الى النار او تعليل لعدم المشية بسبق القضاء ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله. فَذُوقُوا الفاء للسببية يعنى لما حقّ القول منّى كذلك فيقول لهم خزنة جهنم إذا دخلوها ذوقوا عذاب جهنم بِما نَسِيتُمْ اى بسبب نسيانكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ يعنى البعث والرجوع الى الله اى الى موقف حسابه هذا صفة ليومكم حتى عملتم موجبات العذاب إِنَّا نَسِيناكُمْ اى تركناكم من الرحمة او فى العذاب ترك المنسى وفى استينافه وبناء الفعل على ان واسمها تشديد فى الانتقام منهم وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) كرر الأمر للتوكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأعمالهم السيئة من الكفر والمعاصي كما علله بتركهم تدبر امر العاقبة والتفكر فيها دلالة على ان كل منهما يقتضى ذلك وهذه الاية حجة لنا على الجبرية والقدرية- اما على الجبرية فلقوله بما نسيتم حيث جعل سبب ذوق العذاب نسيانهم وتركهم الايمان والأعمال الصالحة باختيارهم واما على القدرية فانهم يقولون ان الله يشاء من عباده كلهم الايمان والأعمال الصالحة وهم تركوا الايمان بمشيتهم واختيارهم فالاية تدل على انه لا جبر ولا تفويض بل امر بين أمرين. إِنَّما يُؤْمِنُ

стр. 3062

بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها اى وعظوا خَرُّوا وقعوا على وجوههم خوفا من عذاب الله سُجَّداً اى ساجدين وَسَبَّحُوا اى نزهوا عما لا يليق به كالعجز عن البعث بِحَمْدِ رَبِّهِمْ متلبسين بحمده يعنى حامدين له شكرا على ما وفقهم للاسلام وأتاهم الهدى قائلين سبحان الله وبحمده وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) عن الايمان والطاعة. تَتَجافى حال من فاعل سبحوا اى ترتفع وتتنحى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ اى الفرش التي ينامون عليها يَدْعُونَ حال من الضمير المجرور فى جنوبهم وهو فاعل تتجافى على طريقة دابر هؤلاء مقطوع مصبحين رَبَّهُمْ خَوْفاً من سخطه وعذابه وَطَمَعاً فى رحمته وثوابه اخرج هناد عن اسماء بنت يزيد رضى الله عنها قال قال رسول الله ﷺ يجمع الله يوم القيامة الناس فى صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيقوم مناد فينادى اين الذين كانوا يحمدون الله تعالى فى السراء والضراء فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادى اين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يقوم سائر الخلق فيحاسبون- واخرج ابن راهويه وابو يعلى فى مسنديهما من حديثها نحوه وفيه ينادى اولا بصوت يسمع الخلائق سيعلم اهل الجمع من اهل الكرم قال الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وجماعة العلماء هم المتهجدون الذين يقومون لصلوة الليل روى احمد والترمذي وابن ماجة وابن ابى شيبة وابن راهويه فى مسنديهما والحاكم عن معاذ قال قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلنى الجنة ويباعدنى من النار قال لقد سالت من عظيم وانه يسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال الا ادلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلوة الرجل فى جوف الليل ثم تلا تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتى بلغ يعملون ثم قال الا ادلّك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال الا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا نبى الله فاخذ بلسانه وقال كف عليك هذا فقلت يا نبى الله وانا لمواخذون بما نتكلم به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على وجوههم او على

стр. 3063

مناخرهم الا حصائد ألسنتهم. وعن ابى مالك الأشعري قال قال رسول الله ﷺ ان فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن الان الكلام واطعم الطعام وتابع الصيام وصلّى بالليل والناس نيام- رواه البيهقي فى شعب الايمان- وروى الترمذي عن على نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلوة الليل- رواه مسلم وروى احمد الفصل الا خير بلفظ أفضل الصلاة بعد الفريضة صلوة فى جوف الليل وروى البغوي عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ عجب ربنا عن رجلين رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه واهله الى صلوته فيقول الله لملائكته انظروا الى عبدى ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه واهله رغبة فيما عندى وشفقة ممّا عندى ورجل غزا فى سبيل الله فانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه فى انهزامه وماله فى الرجوع فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله لملائكته انظروا الى عبدى رجع رغبة فيما عندى وشفقة عما عندى حتى أهريق دمه وروى البغوي عن ابى هريرة ما قال ابن «١» رواحة وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات انّ ما قال واقع يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع وقد ذكرنا ما ورد من الأحاديث فى فضائل صلوة الليل فى تفسير سورة المزّمّل واخرج الترمذي وصححه عن انس ان هذه الاية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ نزلت فى انتظار الصلاة التي تدعى العتمة- وقال البغوي قال انس نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصار كنا نصلى المغرب فلا نرجع الى رحالنا حتى نصلى العشاء مع رسول الله ﷺ وقال عن انس ايضا قال نزلت فى أناس من اصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون من صلوة المغرب الى صلوة العشاء- أخرجه ابن مردوية عن انس وأصله فى سنن ابى داؤد وهو قول ابى حاتم ومحمد بن المنكدر وقالا هى صلوة الأوابين روى ابن نصر عن محمد بن المنكدر مرسلا من صلى ما بين المغرب والعشاء فانها صلوة الأوابين واخرج البزار بسند ضعيف

стр. 3064

عن بلال قال كنا نجلس فى المجلس وناس من اصحاب النبي ﷺ يصلون بعد المغرب الى العشاء فنزلت هذه الاية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ- وقال البغوي عن ابى الدرداء وابى ذر- وعبادة بن صامت هم الذين يصلون العشاء الاخرة والفجر فى جماعة وروى مسلم واحمد عن عثمان رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من صلى العشاء فى جماعة فكانما قام نصف الليل ومن صلى الصبح فى جماعة فكانما صلى الليل كله- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لو يعلمون ما فى النداء والصف الاول ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لاستهموا عليه ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا اليه ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا- رواه الشيخان فى الصحيحين واحمد والنسائي. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) قيل أريد به الصدقة المفروضة وقيل عام فى وجوه الخير. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ لا ملك مقرّب ولا نبى مرسل ما أُخْفِيَ لَهُمْ قرأ حمزة ويعقوب بياء ساكنة على انه مضارع أخفيت ويؤيده قراءة ابن مسعود نخفى بالنون والباقون بفتحها على انه ماض مبنى للمفعول مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ من زائدة وقرّة أعين فى محل النصب على قراءة حمزة وفى محل الرفع على قراءة الجمهور اى ممّا تقربه أعينهم عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرءوا ان شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ متفق عليه قال هذا ما لا تفسير له جَزاءً منصوب على المصدرية او على العلية يعنى يجزون جزاء وأخفى للجزاء بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ذكر البغوي واخرج الواحدي وابن عساكر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه انه كان بين على بن ابى طالب رضى الله عنه والوليد بن عقبة بن ابى معيط تنازع وكلام فى شىء فقال الوليد لعلى ﵇ اسكت فانّك صبى وانا والله ابسط منك لسانا وأشجع منك حبانا واملا منك حشوا فى الكتيبة فقال على اسكت فانك فاسق فانزل الله تعالى. أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً واخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار مثله واخرج الخطيب فى تاريخه وابن عدى من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس مثله واخرج الخطيب وابن عساكر من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس انها نزلت فى على بن ابى طالب وعقبة بن ابى معيط وذلك بسباب كان بينهما والاستفهام للانكار

стр. 3065

والفاء للعطف على محذوف تقديره أيستوي علىّ ولى الله المرتضى ووليد عدو الله أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كان كَمَنْ كانَ فاسِقاً يعنى خارجا عن اهل الايمان لا يكون ذلك لا يَسْتَوُونَ (١٨) فى الشوف والمثوبة أورد صيغة الجمع لان المراد جنس المؤمن والكافر والجملة تقرير لانكار الاستواء ولمّا كان الاستواء مجملا فصّله بقوله. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى فانها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة يأوى إليها المؤمنون ويأبى عن دخولها الكافرون باختيارهم الشرك بالله نُزُلًا وو هو ما يعد للضيف حال من جنات وهو فاعل للظرف بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) اى بسبب أعمالهم. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا اى كفروا فَمَأْواهُمُ النَّارُ استبدلوها بجنات المأوى كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها عبارة عن خلودهم فيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) اهانة لهم وزيادة فى غيظهم. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ عطف على ماوهم النّار مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى يعنى عذاب الدنيا قال أبيّ بن كعب والضحاك والحسن وابراهيم يعنى مصائب الدنيا وأسقامها وهو رواية الوالبي عن ابن عباس وقال عكرمة أراد بها الحدود وقال مقاتل الجوع سبع سنين بمكة حين أكلوا الجيف والعظام والكلاب وقال ابن مسعود هو القتل بالسيف يوم بدر وهو قول قتادة والسدىّ دُونَ اى قبل الْعَذابِ الْأَكْبَرِ يعنى العذاب الاخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) الى الايمان يعنى من بقي منهم بعد القحط وبعد البدر. وَمَنْ أَظْلَمُ لا أحد اظلم مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ولم يتدبر فيها وثم لاستبعاد الاعراض عن مثل هذه الآيات مع فرط وضوحها وإرشادها الى السعادة فى الدارين إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) فكيف بمن كان هو اظلم من كل ظالم. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ جواب قسم محذوف وهو مع ما عطف عليه معترضة بين قوله إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ وبين قوله إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يعنى كما اتيناك القرآن اتينا قبل ذلك موسى الكتب يعنى التورية فَلا تَكُنْ يا محمد فِي مِرْيَةٍ فى شك مِنْ لِقائِهِ اى الكتاب مصدر مضاف الى المفعول والفاعل محذوف يعنى من ان لقيت الكتاب الى القران فانه غير مبتدع ممّا لم يكن قبل حتى ترتاب فيه- او من ان لقى الموسى الكتاب بالرضاء والقبول كذا قال السدىّ واخرج

стр. 3066

الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ فى قوله فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قال لقاء موسى ربه وقيل معناه لا تكن فى شك من لقائك موسى اى ليلة المعراج قاله ابن عباس وغيره- روى الشيخان عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال رايت ليلة اسرى بي موسى رجلا أدما طوالا جعدا كانّه من رجال شنوأة ورايت عيسى رجلا مربوع الخلق الى الحمرة والبياض سبط الراس ورايت مالكا خازن النار والدجال فى آيات أراهن الله إياه فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ- وعن ابن عباس قال سرنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بواد فقال اىّ واد هذا فقالوا وادي الأزرق قال كانى انظر الى موسى فذكر من لونه وشعره واضعا إصبعيه فى اذنيه له جؤار «رفع الصوت والاستغاثة- منه رح» الى الله بالتلبية مارّا بهذا الوادي- قال ثم سرنا حتى اتينا على ثنية فقال اىّ ثنية هذه فقالوا مرشا او لغت فقال كانى انظر الى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف خطام ناقته حلبته مارّا بهذا الوادي ملبيا- رواه مسلم وقد ذكر فى سورة بنى إسرائيل فى حديث المعراج ان النبي ﷺ راى موسى فى السماء السادسة ومراجعته فى امر الصلاة- وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لمّا اسرى بي الى السماء رايت موسى يصلى فى قبره وَجَعَلْناهُ يعنى الكتاب الذي انزل على موسى وقال قتادة يعنى موسى كذا اخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال جعل موسى هدى لبنى إسرائيل هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٤) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل أَئِمَّةً قادة فى الخير يقتدى بهم يعنى الأنبياء الذين كانوا فيهم وقال قتادة اتباع الأنبياء يَهْدُونَ النّاس الى ما فيه من الاحكام بِأَمْرِنا إياهم او بتوفيقنا لهم لَمَّا صَبَرُوا قرأ «ورويس- ابو محمد» حمزة والكسائي لما بكسر اللام وتخفيف الميم اى لصبرهم والباقون بفتح اللام وتشديد الميم اى حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر- وفيه دليل على ان الصبر يورث امامة الناس وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) لامعانهم فيها بالنظر. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ يقضى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فيميز المحق من المبطل متصل بقوله إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ وفيه التفات من التكلم الى الغيبة فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) من امر الدين. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف والفاعل ضمير راجع الى ربّك او ما دل عليه قوله كَمْ أَهْلَكْنا تقديره الم يعتبروا بمن سبقهم ولم يهد لهم ربك او كثرة إهلاكه مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ

стр. 3067

الماضية بسبب كفرهم يَمْشُونَ اهل مكة فى أسفارهم فِي مَساكِنِهِمْ اى مساكن المهلكين إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك لَآياتٍ دلالات على قبح ما فعلوا من الكفر والمعاصي وعلى قدرتنا على الانتقام أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أيعرضون عن ايتنا فلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ. أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره الم يتفكروا ولم يروا اى لم يعلموا بل قد علموا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ التي جرز نباتها اى قطع وازيل فَنُخْرِجُ بِهِ اى بالماء زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ اى من الزرع أَنْعامُهُمْ كالتين والورق وَأَنْفُسُهُمْ كالحب والثمر أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره الا يلقون انظارهم فلا يبصرون ما ذكرنا فيستدلون به على كمال قدرتنا وفضلنا وعلى انا قادرون على بعثهم بعد الموت- اخرج ابن جرير وذكره البغوي عن قتادة قال قال الصحابة للمشركين ان لنا يوما او شك ان نستريح فيه ونتنعم ويحكم الله بيننا وبينكم- قلت لعلهم يعنون يوم القيامة الذي يحكم الله فيه بين العباد وقال الكلبي يعنون فتح مكة وقال السدىّ يوم بدر لان اصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون ان الله ناصرنا ومظهرنا عليكم فقال المشركون استهزاء متى هذا الفتح فنزلت. وَيَقُولُونَ يعنى كفار مكة عطف على مضمون أَفَلا يُبْصِرُونَ فان نفى أبصار آيات القدرة انكار للقدرة يعنى اينكرون القدرة ويقولون استهزاء مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) فيما تقولون فبينوا لنا وقته. قُلْ يا محمد جملة مستأنفة فى جواب ماذا أقول لهم حين قالوا ذلك يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ المتبادر منه ان المراد بيوم الفتح يوم القيمة لان ايمان ذلك اليوم لا ينفع البتة ومن حمل الفتح على فتح مكة او يوم بدر قال معناه لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقتلوا او ماتوا على الكفر ايمانهم حين راووا العذاب بعد موتهم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) اى يمهلون ووجه تطبيق هذا الجواب بسوالهم عن يوم الفتح ان سوالهم ذلك كان استعجالا منهم على وجه التكذيب والاستهزاء فاجيبوا على حسب ما عرف من عرضهم فى سوالهم- فكانّ التقدير لا تستعجلوا به ولا تستهزءوا فكانّى بكم وأنتم فى ذلك اليوم وأمنتم به فلم ينفعكم ايمانكم واستنظرتم فى درك العذاب فلم تنظروا. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الفاء للسببية يعنى إذا عرفت حالهم

стр. 3068

وما لهم فاعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم قال ابن عباس نسختها اية السيف وَانْتَظِرْ موعدى لك بالفتح إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) بك حوادث الزمان وقيل انتظر عذابنا فيهم فانهم ينتظرون ذلك. عن ابى هريرة قال كان النبي ﷺ يقرأ فى الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ- وعن جابر قال كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ الم تَنْزِيلُ وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ رواه احمد والترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح وعن خالد بن معدان قال بلغني فى الم تنزيل ومثله فى تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ان رجلا كان يقراهما ما يقرأ شيئا غيرهما وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت رب اغفر له فانه كان يكثر قراءتى فشفعها الرب تعالى فيه وقال اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة- وقال ايضا انها تجادل عن صاحبها فى القبر تقول ان كنت من كتابك فشفعنى فيه وان لم أكن من كتابك فامحنى عنه وانها تكون كالطير تجعل جناحها عليه فتشفع له فتمنعه من عذاب القبر وقال فضلتا على كل سورة فى القران بستين حسنة- رواه الدارمي وعن ابن عباس قوله ﷺ من قرأ الم تنزيل وتبارك الملك اعطى من الاجر كانما احيى ليلة القدر- رواه الثعلبي وابن مردوية وروى ابن مردوية عن ابن عمر نحوه- قال السيوطي هذا حديث موضوع والله اعلم تم تفسير سورة الم تنزيل يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب من السنة السادسة بعد الف وماتين سنه ١٢٠٦ ويتلوه ان شاء الله تعالى سورة الأحزاب.

стр. 3069

سورة الأحزاب مدنيّة وهى ثلاث وسبعون اية قال أبيّ بن كعب لذرّكم تعدون سورة الأحزاب قال ثلاثا وسبعين اية قال فو الذي يحلف به أبيّ ان كانت لتعدل سورة البقرة او أطول ولقد قرأنا منها اية الرجم الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم- ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال ان اهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة ابن ربيعة دعووا النبي ﷺ الى ان يرجع عن قوله على ان يعطوه شطرا من أموالهم وخوّفه المنافقون واليهود بالمدينة ان لم يرجع قتلوه فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ الاية ناداه بالنبي ولم يقل يا محمد وامره بالتقوى تعظيما وتفخيما لشأن التقوى- وقال البغوي نزلت الاية فى ابى سفيان بن الحرب وعكرمة ابن ابى جهل وابى الأعور عمرو بن سفيان السلمى وذلك انهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي ﷺ الامان على ان يكلموه- فقام معهم عبد الله بن ابى سعد وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبى ﷺ (وعنده عمر بن الخطاب) ارفض ذكر الهتنا اللات والعزى ومناة وقل ان لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك فشق على النبي ﷺ قولهم فقال عمر يا رسول الله ايذن لى فى قتلهم فقال انى قد اعطيتهم الامان فقال اخرجوا فى لعنة الله وغضبه فامر النبي ﷺ ان يخرجوهم من المدينة فانزل الله تعالى هذه الاية- قيل الخطاب مع رسول الله ﷺ والمراد به الامة وقال الضحاك معناه اتق ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم وقيل الخطاب للنبى صلى

стр. 3070

الله عليه وسلم للامر بالثبات عليه ليكون مانعا عمّا نهى عنه بقوله وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من اهل مكة يعنى أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور وَالْمُنافِقِينَ من اهل المدينة عبد الله ابن ابى وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه ومصالحهم ومفاسدهم حَكِيماً (١) لا يحكم الا على وفق الحكمة. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من التوحيد والإخلاص لله هذه الجملة بمنزلة التأكيد للتقوى وعدم إطاعة الكفار إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) قرأ ابو عمرو بالياء فى يعملون خبيرا ... يعملون بصيرا للغيبة والضمير عائد للكافرين والمنافقين يعنى ان الله خبير بمكائدهم يجازيهم عليها وقرأ الباقون بالتاء خطابا للنبى ﷺ وأصحابه فان الأمر بالتقوى وان كان بصيغة الواحد لكن المراد هو وأمته وعلى هذا الجملة تأكيد لامتثال الأمر طمعا فى حسن الجزاء وخوفا عن قبحه. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ اى ثق به وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) موكولا اليه الأمور كلها تذييل وقال الزجاج عطف على توكل لفظه خبر ومعناه امر اى اكتف بالله وكيلا تميز من النسبة اى اكتف بالله وكيلا يعنى اكتف بوكالته وفى صيغة الأمر اشعار على التعليل للامر بالتوكل والاكتفاء يعنى من كان الله مع كمال علمه وقدرته ورحمته موكولا اليه أموره لا يحتاج الى توكيل غيره فتوكيل أموره الى غيره سفه والله اعلم. ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ من زائدة وهو فى محل النصب على انه مفعول أول لجعل ولرجل مفعوله الثاني فِي جَوْفِهِ ظرف لغو او صفة لقلبين اعلم ان القلب معدن للروح الحيواني ومنبع للقوى بأسرها وذلك يمنع التعدد إذ لو كان لرجل قلبان فاما ان يفعل بكل واحد منهما شيئا واحدا من افعال القلوب فالثانى فضلة لا حاجة اليه واما ان يفعل بكل واحد غير ما يفعل به الاخر وحينئذ يفضى الى التناقض ذكر البغوي وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن السدىّ وابن نجيح عن مجاهد انها نزلت فى ابى معمر جميل بن معمر الفهري كان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع فقالت قريش ما حفظ ابو معمر هذه الا وله قلبان وكان يقول ان لى قلبين اعقل بكل واحد منهما أفضل مما عقل محمد- فلما انهزم قريش يوم بدر وانهزم فيهم ابو معمر لقيه ابو سفيان واحدي نعليه فى يده والاخرى برجله فقال له يا أبا معمر ما حال الناس قال انهزموا قال مالك احدى نعليك بيدك والاخرى

стр. 3071

برجلك قال ابو معمر ما شعرت الا انهما فى رجلى فعلموا يومئذ انه لو كان له قلبان لما نسى نعله فى يده واخرج ابن ابى حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا كان رجل يدعى ذا القلبين فنزلت فيه واخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس مثله ومن طريق قتادة عن الحسن مثله وزاد وكان يقول نفسى يأمرنى ونفسى ينهانى- واخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال قام النبي ﷺ فخطر خطرة فقال المنافقون الذين معه الا ترى ان له قلبين قلبا معكم وقلبا مع أصحابه فانزل الله تعالى هذه الاية- وقال الزهري ومقاتل هذا مثل ضربه الله للمظاهر من امرأته وللمتبنّى ولد غيره يقول فكما لا يكون لرجل قلبان لامتناع اجتماعهما لا تكون امراة المظاهر امّا له لامتناع اجتماع النسبتين ولا يكون ولد غيره ولدا له لامتناع اجتماع النسبتين- وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي قرأ قالون «ويعقوب- ابو محمد» وقنبل اللّاء هنا وفى المجادلة والطلاق بالهمزة «الحقيقة- ابو محمد» من غير ياء «وابو جعفر- ابو محمد» وورش بياء مختلسة «اى بهمزة سلمة بغير ياء- ابو محمد» الكسرة خلفا من الهمزة وإذا وقف صيرها ياء ساكنة والبزي وابو عمرو «بخلاف عنه ما وصلا والوجه الثاني لها ورش ابو محمد» بياء ساكنة بدلا من الهمزة فى الحالين والباقون بالهمزة بعدها ياء فى الحالين وحمزة إذا وقف جعل الهمزة بين بين على أصله ومن همز منهم ومن لم يهمز أشبع التمكين للالف فى الحالين الا ورشا «ومن معه- ابو محمد» فان المد والقصر جائز ان عنه تُظْهِرُونَ قرأ عاصم بضم التاء وتخفيف الظاء والف بعدها وكسر الهاء من المفاعلة وحمزة و «خلف- ابو محمد» الكسائي بفتح التاء والهاء وبالألف مخففا من التفاعل بحذف احدى التاءين وقرأ ابن عامر بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء وبالألف ايضا من التفاعل لكن بإدغام التاء بعد القلب بالظاء والإسكان فى الظاء والباقون بفتح التاء والهاء «المشددة- ابو محمد» وتشديد الظاء بغير الف من التفعل بإدغام التاء فى الظاء على ما بيّنّا مِنْهُنَّ عدى التظاهر بمن لتضمنه معنى التجنب لانه كان طلاقا فى الجاهلية فعدل فى الشرع الى الحرمة المنتهية بالكفارة أُمَّهاتِكُمْ صورة المظاهر ان يقول الرجل لزوجته أنت علىّ كظهر أمي وقد ذكرنا مسائل الظهار فى سورة المجادلة- قال البيضاوي ذكر الظهر فى الظهار للكناية عن البطن الذي هو عموده فان ذكره تقارب ذكر الفرج او للتغليظ فى التحريم فانهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها الى السماء وَما جَعَلَ الله أَدْعِياءَكُمْ اى الذين تبنيتهم جمع دعى على الشذوذ وكان قياسه

стр. 3072

دعوى كجرحى جمع جريح لانه فعيل بمعنى مفعول كانّه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه كتقىّ وأتقياء وسخى وأسخياء وشقى وأشقياء أَبْناءَكُمْ فلا يثبت بالتبني شىء من احكام النبوة من الإرث وحرمة النكاح وغير ذلك- وفى الاية ردّ لما كانت العرب تقول من ان اللبيب الأريب له قلبان والزوجة المظاهر منها تبين من زوجها وتحرم عليه كالام ودعى الرجل ابنه يرثه ويحرّم بالتبني ما يحرم بالنسب وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي وتبنّاه قبل الوحى وأخا بينه وبين حمزة بن عبد المطلب- فلما تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بعد ما طلقه زيد وكانت امرأته وقال المنافقون تزوج محمد امراة ابنه وهو ينهى عن ذلك انزل الله تعالى هذه الاية ذلِكُمْ اشارة الى كل ما ذكر قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يعنى لا حقيقة لها فى الأعيان كقول الهاذىّ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ يعنى ماله حقيقة فى الأعيان تطابق قوله وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) اى يرشد الى سبيل الحق- روى الدارمي عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهل بن عمرو (وكانت تحت ابى حذيفة بن عتبة ابن ربيعة) عند رسول الله ﷺ فقالت ان سالما مولى ابى حذيفة يدخل علينا وانا فضل «١» وانما نراه ولدا وكان ابو حذيفة تبنّاه كما تبنى النبي ﷺ زيدا فانزل الله تعالى. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ يعنى انسبوهم الى ابائهم الذين خلقوا من نطفهم افراد للمقصود من أقواله الحقة هُوَ الدعاء لابائهم أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ تعليل لقوله ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ واقسط اسم تفضيل أريد به الزيادة مطلقا من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ فى الصدق واخرج البخاري عن ابن عمر قال ما كنا نقول زيد بن الحارثة الا زيد بن محمد ﷺ حتى نزل القران ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ حتى تنسبوا اليه فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ اى فهم إخوانكم فى الدين وأولياءكم فقولوا هذا أخي فى الدين ومولائى وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى اثم فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ اى فيما نسبتم المتبنّى الى المتبنّى مخطئين قبل النهى او بعده على النسيان او سبق اللسان وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ

стр. 3073

قُلُوبُكُمْ اى لكن الجناح فيما تعمّدت قلوبكم او لكن ما تعمّدت قلوبكم ففيه الجناح عن سعيد بن ابى وقاص وابى بكرة قالا قال رسول الله ﷺ من ادعى الى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام- رواه الشيخان فى الصحيحين واحمد وابو داؤد وابن ماجة وعن انس قال قال رسول الله ﷺ من ادعى الى غير أبيه او أنتما الى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة الى يوم القيامة- رواه ابو داؤد وقال السيوطي صحيح وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) يعفوا عن المخطئ قال البيضاوي اعلم ان التبنّي لا عبرة له عندنا (يعنى عند الشافعي ﵀ وعند ابى حنيفة ﵀ يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن الحاقه به- وهذا سهو منه فان عند ابى حنيفة ﵀ لا يعتق المملوك بقوله تبنيتك وجعلتك ابني وكذا لا يثبت النسب إذا قال لمجهول النسب تبنيتك وجعلتك ابني بل عنده ان السيد إذا قال لعبده هذا ابني يعتق عليه سواء كان يولد مثله لمثله اولا تصحيحا لكلامه وحملا له على المجاز كانّه قال هذا حرّ إطلاقا للسبب على المسبّب إذ النبوة سبب للحرية لقوله ﷺ من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه رواه احمد واصحاب السنن وقد خالف أبا حنيفة صاحباه فيما إذا قال لعبده هو اكبر سنا منه هذا ابني قانهما قالا لا يعتق بناء على خلافية فى الأصول ان المجاز عنده خلف عن الحقيقة فى التكلم دون الحكم فاذا صح التكلم بالحقيقة صح التجوز عنده وعتق عليه وعندهما خلف له فى الحكم فاذا لم يمكن الحكم بالحقيقة لم يصح التجوز خلفا ولم يعتق عليه ومن قال لمجهول النسب هذا ابني وهو بحيث يمكن ثبوت النسب منه يثبت نسبه لكونه ماخوذا بإقراره والتزام النسب خالص حقه ولاجل ذلك من قال لمجهول النسب هذا أخي لا يثبت نسبه من أبيه غير انه إذا مات المقر بالنسب على الغير مصرّا على إقراره ولم يكن له وارث اخر يرث المقر له منه لعدم المزاحم وهو مقدم على بيت المال عندنا لا على أحد من الورثة وان كانوا من ذوى الأرحام ولا على الموصى له بجميع المال والله اعلم. قال البغوي قيل كان رسول الله ﷺ يدعو الناس الى الجهاد فيقول قوم نذهب فنستأذن من ابائنا وأمهاتنا فنزلت. النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعنى من بعضهم لبعض فى نفوذ الحكم عليهم ووجوب طاعته عليهم فلا يجوز

стр. 3074

إطاعة الآباء والأمهات فى مخالفة امر النبي ﷺ وهو اولى بهم فى الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه- قال ابن عباس وعطاء يعنى إذا دعاهم النبي الى شىء ودعتهم أنفسهم الى شىء كانت طاعتهم للنبى اولى بهم من طاعتهم لانفسهم وذلك لانه عالم بمصالحهم ومفاسدهم بتعليم الله تعالى ولا يأمرهم ولا يرضى منهم الا ما فيه صلاحهم ونجاحهم قال الله تعالى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ بخلاف أنفسهم فانّها امّارة بالسوء الا من رحم الله وهى ظلوم جهول فيجب عليهم ان يكون الله أحب إليهم من أنفسهم فامره انفذ عليهم من أمرها وشفقته أوفر من شفقتها عليها- قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والناس أجمعين متفق عليه من حديث انس وعن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ما من مؤمن الا وانا اولى به فى الدنيا والاخرة اقرءوا ان شئتم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فايما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا او ضياعا فليأتنى فانا مولاه- رواه البخاري وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ فى تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا فى النظر إليهن والخلوة بهن فانه حرام فى حقهن كما فى حق الاجنبيات قال الله تعالى وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين ولا لاخوتهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم- قال الشافعي تزوج الزبير اسماء بنت ابى بكر وهى اخت أم المؤمنين عائشه ولم يقل هى خالة المؤمنين- قلت وزوج رسول الله ﷺ بناته بعلى وعثمان قال البغوي روى الشعبي عن مسروق ان امرأة قالت لعائشة يا امه فقالت لست لك بام انما انا أم رجالكم- وكذا اخرج البيهقي فى سننه فبان بهذا انه تعالى أراد تحريم النكاح وفى قراءة أبيّ بن كعب وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو اب لّهم يعنى فى الدين فان كل نبى اب لامته من حيث انه اصل فيما به الحيوة الابدية ولذلك صار المؤمنون اخوة وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ اى فى حكم الله او فى اللوح المحفوظ او فى القران وهو هذه الاية او اية المواريث يعنى فى التوارث ولذلك قال رسول الله ﷺ فايما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ صلة لاولى ومن

стр. 3075

تفصيلية والاية ناسخة لما كان فى ابتداء الإسلام التوارث بالهجرة والموالاة فى الدين قال البغوي ... قال قتادة كان المسلمون يتوارثون بالهجرة وقال الكلبي أخي رسول الله ﷺ بين الناس وكان يواخى بين رجلين فاذا مات أحدهما ورثه الاخر عصبة حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ- وهذه الاية بعمومه حجة لنا على الشافعي فى توريث اولى الأرحام ممن ليس بذي فرض ولا عصبة عنه عدم ذوى الفروض والعصبات وعند عدم أحد من اولى الأرحام يوضع المال فى بيت المال إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ اى اصدقائكم من المؤمنين والمهاجرين مَعْرُوفاً اى وصية فالموصى له من الأصدقاء اولى من الورثة وهذا عام خص منه البعض بالسنة والإجماع فهو اولى من الورثة فى ثلث المال دون كله وهذا استثناء من أعم ما يقدر الاولويّة فيه من النفع او منقطع وذلك ان الله لمّا نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح ان يوصى بمن يتولاه بما أحب من الثلث- وقيل من فى قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ بيانية والمعنى وَأُولُوا الْأَرْحامِ من المؤمنين بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ يعنى لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ اى اقربائكم وصية وان كانوا من غير اهل الايمان والهجرة قال البغوي هذا قول قتادة وعكرمة وعطاء- قلت وعلى هذا يخلوا فعل من اللام والاضافة ومن التفضيلية ثم كون اولى الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم اولى ببعض لا يقتضى نفى التوارث بين المسلم والكافر لا بالمنطوق وهو ظاهر ولا بالمفهوم لان كون المؤمن اولى لا يدل على نفى ميراث كافر من مؤمن عند عدم وارث مؤمن والله اعلم كانَ ذلِكَ اى ما ذكر فِي الْكِتابِ اى فى اللوح المحفوظ او القران وقيل فى التورية مَسْطُوراً (٦) ثابتا مرقوما. وَاذكر إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ أجمعين مِيثاقَهُمْ عهودهم حين اخرجوا من صلب آدم قال أخذ الله ميثاقهم على ان يعبدوا الله ويدعوا الناس الى عبادته وينصر بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ خصهم بالذكر بعد التعميم لفضلهم لكونهم اصحاب الشرائع والكتب واولى العزم من الرسل وقدم النبي ﷺ عليهم فى الذكر تعظيما له واشعارا بما اخبر عنه صلى الله

стр. 3076

عليه وسلم حيث قال كنت أول الناس فى الخلق وآخرهم فى البعث رواه سعد عن قتادة مرسلا ورواه البغوي متصلا عن قتادة عن الحسن عن ابى هريرة وقال قال قتادة وذلك قول الله وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الاية فبدأ به ﷺ قبلهم- وروى ابن سعد وابو نعيم فى الحلية عن ميسرة الفجر بن سعد عن ابى الجدعاء والطبراني فى الكبير عن ابن عباس بلفظ كنت نبيّا وآدم بين الروح والجسد وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً عهدا على الوفاء بما عهدوا غَلِيظاً (٧) شديدا عظيم الشان او مؤكدا بالايمان والتكرير لبيان هذا الوصف. لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ اى فعلنا ذلك ليسئل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهودهم عمّا قالوه لقومهم او عن تصديقهم إياهم تبكيتا لهم او المصدقين لهم عن تصديقهم فان مصدق الصادق صادق او المؤمنين الذين صدقوا عهودهم حتى اشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) عطف على أخذنا من جهة ان بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لاثابة المؤمنين او على ما دل عليه قوله لِيَسْئَلَ كانّه قال فاثاب للمؤمنين وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً.... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ ظرف لنعمة جُنُودٌ اى كفار قريش وغطفان ويهود قريظة كانوا زهاء اثنى عشر الف حتى حاصروا المسلمين مع رسول الله ﷺ وحفر رسول الله ﷺ خندقا حولهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً يعنى الصبا روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور أرسل الله عليهم ريحا باردة فى ليلة شاتية فقطعت الأوتاد واطناب الفساطيط واطفأت النيران واكفأت القدور وجالت الخيل بعضها فى بعض وَجُنُوداً من الملائكة لَمْ تَرَوْها حتى كثر تكبير الملائكة فى جوانب عسكرهم والقى الرعب فى قلوبهم حتى كان سيد كل قوم يقول يا بنى فلان هلموا الىّ فاذا اجتمعوا عنده قال النجا النجا أبيتم فانهزموا من غير قتال ولم تقاتل الملائكة يومئذ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ايها المؤمنون من حفر الخندق والتهيؤ للقتال هذا على قراءة الجمهور واما على قراءة البصريين فالمعنى وكان الله بما يعمل المشركون من التحزب

стр. 3077

والمحاربة بَصِيراً (٩) رائيا وكان ذلك الوقعة فى شوال سنة اربع من الهجرة كذا فى مواهب اللدنية من قول موسى بن عقبة بعد ثمانية أشهر من اجلاء بنى النضير وكان اجلاؤهم وتفرقهم فى البلاد ولحوق سلام بن ابى الحقيق وكنانة بن الربيع وحيى بن اخطب وغيرهم بخيبر فى ربيع الاول سنة اربع والمشهور انه فى شوال سنة خمس من الهجرة كذا قال محمد بن إسحاق. قال البغوي قال محمد بن إسحاق حدثنى يزيد بن رومان مولى ال الزبير عن عروة بن الزبير وعن عبد الله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعاصم بن عمرو بن قتادة وعن عبد الله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وغيرهم من علمائنا دخل حديث بعضهم بعضا ان نفرا من اليهود منهم سلام بن ابى الحقيق وحيى بن اخطب وكنانة بن الربيع بن ابى الحقيق وهودة بن قيس وابو عامر الوائىّ فى نفر من النضير ونفر من بنى وائل (وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم الى حرب رسول الله ﷺ وقالوا انا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقال لهم قريش يا معشر اليهود انكم اهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم اولى بالحق منه (قال فهم الذين انزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الى قوله وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) فلمّا قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطو الى ما دعوهم اليه من حرب رسول الله ﷺ فاجمعوا لذلك- ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس بن غيلان فدعوهم الى ذلك واخبروهم انهم سيكونون معهم عليه وان قريشا قد بايعوهم فاجابوهم. قلت روى انه كان رجال بنى نضير وبنى وائل نحوا من عشرين رجلا فقال لهم ابو سفيان بن حرب مرحبا بكم أحب الرجال عندنا من عاهدنا على عداوة محمد فقالوا لابى سفيان اختر لنا خمسين رجلا من بطون قريش وتكون منهم حتى ندخل نحن وأنتم فى أستار الكعبة ونلزق صدورنا بجدران الكعبة ثم نحلف على ان نتفق على عداوة محمد وتكون كلمتنا واحدة ونتعاهد على ان نحارب محمدا ما بقي منا رجل

стр. 3078

واحد ففعلوا ذلك- ولما قدم اليهود على غطفان بعد المعاهدة مع قريش حرضوهم على القتال مع النبي ﷺ ووعدوهم على ذلك بتمر سنة ما كان على نخيل خيبر وقيل بنصف ذلك فأجاب عيينة بن حصين الفزاري رئيس غطفان قولهم بذلك الشرط اى بشرط إعطاء تمر سنة وكتب عيينة الى حلفائه من بنى اسد فجاءوا عنده- قال البغوي فخرجت قريش قائدهم ابو سفيان بن حرب وغطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر فى بنى فزارة والحارث بن عوف بن ابى حارثة المزي فى بنى مرة ومسعر بن رحيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع. قلت روى ان أبا سفيان جمع العسكر اربعة آلاف رجل واعطى رأيته عثمان بن ابى طلحة وكان فى عسكرهم ثلاث مائة فرس والف بعير حين خرجوا من مكة ونزلوا مر الظهران واجتمع هناك اسلم وأشجع وبنو مرّة وبنو كنانة وفزارة وغطفان حتى صاروا عشرة آلاف وساروا بأجمعهم الى المدينة ولذلك سمى غزوة الأحزاب. قال البغوي فلمّا سمع رسول الله ﷺ وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ وهو يومئذ حر فقال يا رسول الله انا كنا بفارس إذا حصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله ﷺ حتى أحكموه قلت روى انه ﷺ لما سمع الخبر قال حسبنا الله ونعم الوكيل وجمع أسراء المهاجرين والأنصار واستشارهم فى ذلك وأشار سلمان بضرب الخندق فاستحسنه رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج غازيا واعطى لواء المهاجرين زيد بن حارثة ولواء الأنصار سعد بن عبادة وخرج معه ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار- قلت روى ان معهم ستة وثلاثون فرسا وخرج معه صبيان لم يبلغوا الحلم فردهم الى المدينة من كان منهم لم يبلغ خمسة عشر سنة وأجاز منهم للقتال من كان منهم ابن خمسة عشر سنة منهم عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وابو سعيد الخدري وبراء بن عازب فطلب رسول الله ﷺ موضعا لاجل الخندق فى بعض أطراف المدينة فاختار موضعا بقرب جبل

стр. 3079

سلع جعل جبل سلع على ظهر العسكر وخط خطّا للخندق بينه وبين الكفار- قال البغوي أخبرنا عن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه قال خط رسول الله ﷺ عامّ الأحزاب ثم قطع لكل عشر أربعين ذراعا- قال احتج المهاجرون والأنصار فى سلمان الفارسي وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله ﷺ سلمان منا اهل البيت. قال عمر بن عوف كنت انا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار فى أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا بجنب ذى باب اخرج الله من بطن الخندق صخرة مردة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلت يا سلمان ارق الى رسول الله ﷺ وأخبره خبر هذه الصخرة فان راى ان نعدل عنها فان المعدل قريب واما ان يأمرنا بامره فانا لا نحب ان نجاوز خطه فرقى سلمان الى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية- قال فخرجت صخرة بيضاء من مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بامرك فانا لا نحب ان نجاوز خطك فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان الخندق والتسعة التي فى الخندق فاخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكانّ مصباحا فى بيت جوف مظلم فكبّر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبّر المسلمون ثم ضربها رسول الله ﷺ الثانية فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكانّ مصباحا فى جوف بيت مظلم فكبّر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها- فاخذ بيد سلمان ورقي فقال سلمان بابى أنت يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله ﷺ الى القوم فقال رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم قال ضربت ضربتى الاولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لى قصور الحيرة ومدائن كسرى كانها أنياب الكلاب وأخبرني جبرئيل ﵇ ان أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربة الثانية فبرق الذي رايتم أضاءت لى منها قصور الحمرة من الروم كانها أنياب الكلاب فاخبرنى جبرئيل ان أمتي

стр. 3080

ظاهرة عليها فابشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله الذي موعده صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون الا تعجبون من محمد يمنّيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم انما تحفرون الخندق من الغرق لا تستطيعون ان تبرزوا قال فنزل القران وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وانزل فى هذه القصة قل اللهمّ مالك الملك الاية. روى البخاري فى الصحيح عن انس قال خرج رسول الله ﷺ الى الخندق فاذا المهاجرون والأنصار يحفرون فى غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك فلمّا راى ما بهم من النصب والجوع قال ان العيش عيش الاخرة ... فاغفر الأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له نحن الذين بايعوا محمّدا ... هلى الجهاد ما بقينا ابدا وروى ايضا فى الصحيح عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رايته ينقل تراب الخندق حتى وارى على الغبار جلد بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فانزل سكينة علينا ... وثبت الاقدام ان لاقينا ان الاولى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ثم يمدّ صوته بآخرها وفى رواية والله لولا الله ما اهتدينا الى آخره قلت وروى ان سلمان كان رجلا قويا يعمل فى الخندق عمل عشرة من الرجال ويروى انه كان يحفر الخندق كل يوم خمسة اذرع فى عمق خمسة اذرع فاصابه عين من قيس بن ابى صعصعة فصرع فامر رسول الله ﷺ قيسا ان يتوضأ لسلمان ويجعل وضوءه فى اناء ويضل به سلمان ويلقى الإناء خلفه منكوسا ففعلوا ذلك فبرئ سلمان.

стр. 3081

وروى احمد والبخاري فى الصحيح عن جابر بن عبد الله قال كنا يوم الخندق مع رسول الله ﷺ فعرضت لنا كدبة «بضم الكاف القطعة الصلبة الصماء- منه رح» شديدة فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية من الجبل عرضت فقال انا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة ايام لا نذوق ذواقا فاخذ رسول الله ﷺ المعول فعادت كثيبا اهيل او اهيم فقلت يا رسول الله ايذن لى البيت فقلت لامراتى انى رايت من رسول الله ﷺ خمصا شديد اما فى ذلك صبر فعندك شىء فاخرجت لى جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن «١» فذبحتها وطحنت ففرغت الى فراغى وقطعتها فى برمتها «البرمة القدر- منه رح» والعجين قد انكسر «٢» والبرمة بين الأثافي «الحجارة التي توضع عليها القدر- منه رح» فى قدر كادت ان تنضج ثم ولّيت الى رسول الله ﷺ فقالت لا تفضحنى برسول الله ﷺ وبمن معه فجئته فساررته فقلت طعيم لى يا رسول الله فقم أنت ورجل او رجلان قال كم هو فذكرت له قال كثير طيب قل لها لا تنزع البرمة والخبز من التنور حتى اتيكم واستقر صحافا ثم صاح رسول الله ﷺ فقال يا اهل الخندق ان جابرا صنع لكم سورا «٣» فحى «٤» هلابكم- فقلت ويحك «٥» جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم فقالت بك «٦» وبك هل سألك فقلت نعم فقالت الله ورسوله اعلم فدخل رسول الله ﷺ فقال ادخلوا ولا تضاغطوا «اى لا تزوحموا- منه رح» فاخرجت له عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد الى برمتنا فبسق فيها وبارك ثم قال يا جابر ادع خابزة فلتخبز معك واقدحى «اى اغرقى- منه رح» من برمتك ولا تنزلوها- وجعل رسول الله ﷺ يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم يخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب الى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف اللحم حتى شبعوا وهم الف- قال جابر فاقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط «٧» كما هى وان عجيننا ليخبز كما هو ثم قال رسول الله ﷺ كلى واهدى فان الناس أصابتهم مجاعة فلم نزل

стр. 3082

نأكل ونهدى يومنا- قلت وقد صح انهم قد فرغوا من امر الخندق فى ستة ايام. قال البغوي رجعنا الى حديث ابن إسحاق فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش بمجتمع الاخبال من دومة الجرف والغابة فى عشر آلاف من أحابيشهم «١» ومن تابعهم من اهل التهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من اهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى الى جانب أحد- وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم الى سلع فى ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنا لك عسكره والخندق بينه وبين القوم وامر بالذراري والنساء فرفعوا الى الآطام. «الاجنبية المرتفعة كالحصون- نهادينه رح» وخرج عدو الله حيى ابن اخطب من بنى النضير حتى اتى كعب بن اسد القرظي صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده ذلك فلما سمع كعب بحيي بن اخطب غلق دونه حصنه فاستأذن عليه فابى ان يفتح له فناداه حيى يا كعب افتح لى فقال ويحك يا حيى امر اشوم انى قد عهدتّ محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه ولم أر منه الا الوفاء والصدق قال ويحك افتح أكلمك قال ما انا بفاعل قال والله ان غلقت دونى الا لخشيتك ان أكل معك منها فاحفظ الرجل ففتح له الباب فقال يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر «اى مرتفع منه رح» طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى انزلتهم بمجتمع الاسبال من دومة وغطفان على قادتها وسادتها حتى امسى بذنب نقمى الى جانب أحد فتعاهدونى وتعاقدونى ان لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال كعب بن اسد جئتنى والله بذل الدهر وبجهام قد أهرق «اى صب ١٢ منه رح» ماؤه برعد وبرق ليس فيه شىء فدعنى ومحمدا وما انا عليه فانى لم ار من محمّد الا صدقا ووفاء فلم يزل حيى بن اخطب بكعب يقتله «٢» فى الذروة والغارب حتى سمح له على ان أعطاه من الله عهدا وميثاقا لان رجعت قريش ولم يصيبوا محمدا ان ادخل معك فى حصنك حتى يصيبنى ما أصابك- فنقض كعب بن اسد عهده وبرئ ممّا كان

стр. 3083

عليه فيما بينه وبين محمّد رسول الله ﷺ فلما انتهى الى رسول الله الخبر والى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أحد بنى الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بنى ساعدة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله ابن رواحة أخو بنى الحارث بن الخزرج وخوّات بن جبير أخو بنى عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغني عن هؤلاء القوم أم لا فان كان حقّا الحنوا الىّ لحنا «١» أعرفه لا تفتوا «اى لا تكسروا قوائهم بإدخال الرعب فى قلوبهم- منه رح» أعضاد الناس وان كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به الناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوا على أخبث ما بلغهم منهم ومالوا من رسول الله ﷺ وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلا فيه فقال سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم اربى «أزيد- منه رح» من المشاتمة ثم اقبل سعد وسعد ومن معهما الى رسول الله ﷺ فسلموا عليه وقالوا عضل «٢» والقارة لعذر عضل والقارة باصحاب رسول الله ﷺ الله اكبر ابشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم «٣» النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف كان محمد يعدنا ان ناكل كنوز كسرى وقيصر واحدنا لا يقدر ان يذهب الى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وحتى قال أوس بن قبطى أحد بنى حارثة يا رسول الله إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وذلك على ملا من رجال قومه فاذن لنا فلنرجع الى ديارنا فانها خارجة من المدينة- قلت روى انه لما نقض كعب عهده الذي كان بينه وبين رسول الله ﷺ وعزم على ذلك جمع اشراف قومه منهم زبير بن بلطا ونباش بن قيس وعقبة بن زيد وغيرهم وأخبرهم بذلك لاموه أشد ملامة وكرهوا ذلك حتى ندم كعب على ذلك ولكن لم ينفعه لما كان ذهب عنان الأمر من يده وكان ذلك ما أراد الله إهلاك قريظة وروى الشيخان فى الصحيحين عن الزبير بن العوام رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من يأتى بنى قريظة فيأتينى بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لى رسول الله ﷺ أبويه فقال فداك ابى وأمي-

стр. 3084

قلت وكان إرسال الزبير الى بنى قريظة قبل إرسال سعد وسعد إليهم روى انه لما جاء الزبير من بنى قريظة الى رسول الله ﷺ أخبره بانهم يصلحون حصونهم ويسدون الطرق والثغور ويجمعون دوابهم ومواشيهم فقال النبي ﷺ لكل نبى حواريا وحواريى الزبير. قال البغوي فاقام رسول الله ﷺ واقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب الا الرمي بالنبل والحصى- فلمّا اشتد البلاء على رسول الله ﷺ أرسل الى عيينة بن حصين وابى الحارث ابن عمرو وهما قائدا غطفان فاعطاهما ثلث ثمار المدينة على ان يرجعا بمن معهما عن رسول الله ﷺ بأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم يصنع الشهادة وذكر رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم امر تحبه فتصنعه أم شىء تصنعه لنا قال بل لكم والله ما اصنع ذلك الا انى رايت العرب قدر منكم عن قوس واحدة وكالبوكم «١» من كل جانب فاردتّ ان اكسر عنكم شوكتهم فقال لهم سعد بن معاذ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون ان يأكلوا تمرة الا قرى او بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ومالنا بهذا حاجة والله لا تعطهم الا السيف حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم فقال رسول الله ﷺ فانت وذلك فتناول سعد الصحيفة فمحى ما فى الكتاب ثم قال ليجتهدوا علينا قلت وروى ان أسيد ابن حضير قال ذلك لرسول الله ﷺ اولا ثم قال مثله سعد وسعد وكان عيينة بن حصين أطال رجله فى ذلك المجلس فقال له أسيد يا عين الهجرس اطو رجلك ولولا مهابة مجلس رسول الله ﷺ لوضعت رمحى فى خاسرتك فانقلب عيينة والحارث خائبين وعلموا ان لا يكون لهم سلطان على المدينة وحيث راوا قوة الأنصار وشدتهم تزلزلوا- قال البغوي فاقام رسول الله ﷺ وعدوهم فحاصروهم ولم يكن

стр. 3085

بينهم قتال الا فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بنى عامر بن لوى وعكرمة بن ابى جهل وهبيرة بن ابى وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ومرداس بن لوى أخو بني محارب بن فهر قد تلبسوا القتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بنى كنانة وقالوا تهيئوا للحرب يا بنى كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم اقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا على الخندق فلما راوه قالوا والله ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا «اى قصدوا- منه رح» مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت فجالت بهم فى المسبحة بين الخندق والسلع- وخرج على بن ابى طالب رضى الله عنه فى نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعيق «اى لسرع منه رح» نحوهم وكان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى اثبت الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلمّا وقف هو وخيله قال له علىّ يا عمرو انك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش الى خلتين الا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له على ابن ابى طالب فانى أدعوك الى الله والى رسوله والى الإسلام قال لا حاجة لى بذلك قال فانى أدعوك الى النزال قال لم يا ابن أخي فو الله ما أحب ان أقتلك قال على لكن والله أحب ان أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره او ضرب وجهه ثم اقبل على علىّ فتناولا وتجادلا فقتله علىّ وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبد السياق بن عبد الدار أصابه سهم فمات عنه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان قد اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتله احسن من هذه فنزل له علىّ فقتله فغلب المسلمون- فسالوا رسول الله ﷺ ان يبيعهم جسده فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لنا فى جسده وثمنه فشأنكم فخلى بينهم وبينه. قالت عائشة أم المؤمنين كنا يوم الخندق فى حصن بنى حارثة وكان احرز حصون المدينة وكان سعد بن معاذ معنا فى الحصن وذلك قبل ان يضرب علينا الحجاب فخرج سعد ابن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وبيده حربقة «١» وهو يقول
следующие страницы →