← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وروى احمد والبخاري فى الصحيح عن جابر بن عبد الله قال كنا يوم الخندق مع رسول الله ﷺ فعرضت لنا كدبة «بضم الكاف القطعة الصلبة الصماء- منه رح» شديدة فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية من الجبل عرضت فقال انا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة ايام لا نذوق ذواقا فاخذ رسول الله ﷺ المعول فعادت كثيبا اهيل او اهيم فقلت يا رسول الله ايذن لى البيت فقلت لامراتى انى رايت من رسول الله ﷺ خمصا شديد اما فى ذلك صبر فعندك شىء فاخرجت لى جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن «١» فذبحتها وطحنت ففرغت الى فراغى وقطعتها فى برمتها «البرمة القدر- منه رح» والعجين قد انكسر «٢» والبرمة بين الأثافي «الحجارة التي توضع عليها القدر- منه رح» فى قدر كادت ان تنضج ثم ولّيت الى رسول الله ﷺ فقالت لا تفضحنى برسول الله ﷺ وبمن معه فجئته فساررته فقلت طعيم لى يا رسول الله فقم أنت ورجل او رجلان قال كم هو فذكرت له قال كثير طيب قل لها لا تنزع البرمة والخبز من التنور حتى اتيكم واستقر صحافا ثم صاح رسول الله ﷺ فقال يا اهل الخندق ان جابرا صنع لكم سورا «٣» فحى «٤» هلابكم- فقلت ويحك «٥» جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم فقالت بك «٦» وبك هل سألك فقلت نعم فقالت الله ورسوله اعلم فدخل رسول الله ﷺ فقال ادخلوا ولا تضاغطوا «اى لا تزوحموا- منه رح» فاخرجت له عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد الى برمتنا فبسق فيها وبارك ثم قال يا جابر ادع خابزة فلتخبز معك واقدحى «اى اغرقى- منه رح» من برمتك ولا تنزلوها- وجعل رسول الله ﷺ يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم يخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب الى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف اللحم حتى شبعوا وهم الف- قال جابر فاقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط «٧» كما هى وان عجيننا ليخبز كما هو ثم قال رسول الله ﷺ كلى واهدى فان الناس أصابتهم مجاعة فلم نزل

стр. 3082

نأكل ونهدى يومنا- قلت وقد صح انهم قد فرغوا من امر الخندق فى ستة ايام. قال البغوي رجعنا الى حديث ابن إسحاق فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش بمجتمع الاخبال من دومة الجرف والغابة فى عشر آلاف من أحابيشهم «١» ومن تابعهم من اهل التهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من اهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى الى جانب أحد- وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم الى سلع فى ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنا لك عسكره والخندق بينه وبين القوم وامر بالذراري والنساء فرفعوا الى الآطام. «الاجنبية المرتفعة كالحصون- نهادينه رح» وخرج عدو الله حيى ابن اخطب من بنى النضير حتى اتى كعب بن اسد القرظي صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده ذلك فلما سمع كعب بحيي بن اخطب غلق دونه حصنه فاستأذن عليه فابى ان يفتح له فناداه حيى يا كعب افتح لى فقال ويحك يا حيى امر اشوم انى قد عهدتّ محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه ولم أر منه الا الوفاء والصدق قال ويحك افتح أكلمك قال ما انا بفاعل قال والله ان غلقت دونى الا لخشيتك ان أكل معك منها فاحفظ الرجل ففتح له الباب فقال يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر «اى مرتفع منه رح» طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى انزلتهم بمجتمع الاسبال من دومة وغطفان على قادتها وسادتها حتى امسى بذنب نقمى الى جانب أحد فتعاهدونى وتعاقدونى ان لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال كعب بن اسد جئتنى والله بذل الدهر وبجهام قد أهرق «اى صب ١٢ منه رح» ماؤه برعد وبرق ليس فيه شىء فدعنى ومحمدا وما انا عليه فانى لم ار من محمّد الا صدقا ووفاء فلم يزل حيى بن اخطب بكعب يقتله «٢» فى الذروة والغارب حتى سمح له على ان أعطاه من الله عهدا وميثاقا لان رجعت قريش ولم يصيبوا محمدا ان ادخل معك فى حصنك حتى يصيبنى ما أصابك- فنقض كعب بن اسد عهده وبرئ ممّا كان

стр. 3083

عليه فيما بينه وبين محمّد رسول الله ﷺ فلما انتهى الى رسول الله الخبر والى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أحد بنى الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بنى ساعدة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله ابن رواحة أخو بنى الحارث بن الخزرج وخوّات بن جبير أخو بنى عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغني عن هؤلاء القوم أم لا فان كان حقّا الحنوا الىّ لحنا «١» أعرفه لا تفتوا «اى لا تكسروا قوائهم بإدخال الرعب فى قلوبهم- منه رح» أعضاد الناس وان كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به الناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوا على أخبث ما بلغهم منهم ومالوا من رسول الله ﷺ وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلا فيه فقال سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم اربى «أزيد- منه رح» من المشاتمة ثم اقبل سعد وسعد ومن معهما الى رسول الله ﷺ فسلموا عليه وقالوا عضل «٢» والقارة لعذر عضل والقارة باصحاب رسول الله ﷺ الله اكبر ابشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم «٣» النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف كان محمد يعدنا ان ناكل كنوز كسرى وقيصر واحدنا لا يقدر ان يذهب الى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وحتى قال أوس بن قبطى أحد بنى حارثة يا رسول الله إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وذلك على ملا من رجال قومه فاذن لنا فلنرجع الى ديارنا فانها خارجة من المدينة- قلت روى انه لما نقض كعب عهده الذي كان بينه وبين رسول الله ﷺ وعزم على ذلك جمع اشراف قومه منهم زبير بن بلطا ونباش بن قيس وعقبة بن زيد وغيرهم وأخبرهم بذلك لاموه أشد ملامة وكرهوا ذلك حتى ندم كعب على ذلك ولكن لم ينفعه لما كان ذهب عنان الأمر من يده وكان ذلك ما أراد الله إهلاك قريظة وروى الشيخان فى الصحيحين عن الزبير بن العوام رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من يأتى بنى قريظة فيأتينى بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لى رسول الله ﷺ أبويه فقال فداك ابى وأمي-

стр. 3084

قلت وكان إرسال الزبير الى بنى قريظة قبل إرسال سعد وسعد إليهم روى انه لما جاء الزبير من بنى قريظة الى رسول الله ﷺ أخبره بانهم يصلحون حصونهم ويسدون الطرق والثغور ويجمعون دوابهم ومواشيهم فقال النبي ﷺ لكل نبى حواريا وحواريى الزبير. قال البغوي فاقام رسول الله ﷺ واقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب الا الرمي بالنبل والحصى- فلمّا اشتد البلاء على رسول الله ﷺ أرسل الى عيينة بن حصين وابى الحارث ابن عمرو وهما قائدا غطفان فاعطاهما ثلث ثمار المدينة على ان يرجعا بمن معهما عن رسول الله ﷺ بأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم يصنع الشهادة وذكر رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم امر تحبه فتصنعه أم شىء تصنعه لنا قال بل لكم والله ما اصنع ذلك الا انى رايت العرب قدر منكم عن قوس واحدة وكالبوكم «١» من كل جانب فاردتّ ان اكسر عنكم شوكتهم فقال لهم سعد بن معاذ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون ان يأكلوا تمرة الا قرى او بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ومالنا بهذا حاجة والله لا تعطهم الا السيف حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم فقال رسول الله ﷺ فانت وذلك فتناول سعد الصحيفة فمحى ما فى الكتاب ثم قال ليجتهدوا علينا قلت وروى ان أسيد ابن حضير قال ذلك لرسول الله ﷺ اولا ثم قال مثله سعد وسعد وكان عيينة بن حصين أطال رجله فى ذلك المجلس فقال له أسيد يا عين الهجرس اطو رجلك ولولا مهابة مجلس رسول الله ﷺ لوضعت رمحى فى خاسرتك فانقلب عيينة والحارث خائبين وعلموا ان لا يكون لهم سلطان على المدينة وحيث راوا قوة الأنصار وشدتهم تزلزلوا- قال البغوي فاقام رسول الله ﷺ وعدوهم فحاصروهم ولم يكن

стр. 3085

بينهم قتال الا فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بنى عامر بن لوى وعكرمة بن ابى جهل وهبيرة بن ابى وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ومرداس بن لوى أخو بني محارب بن فهر قد تلبسوا القتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بنى كنانة وقالوا تهيئوا للحرب يا بنى كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم اقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا على الخندق فلما راوه قالوا والله ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا «اى قصدوا- منه رح» مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت فجالت بهم فى المسبحة بين الخندق والسلع- وخرج على بن ابى طالب رضى الله عنه فى نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعيق «اى لسرع منه رح» نحوهم وكان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى اثبت الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلمّا وقف هو وخيله قال له علىّ يا عمرو انك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش الى خلتين الا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له على ابن ابى طالب فانى أدعوك الى الله والى رسوله والى الإسلام قال لا حاجة لى بذلك قال فانى أدعوك الى النزال قال لم يا ابن أخي فو الله ما أحب ان أقتلك قال على لكن والله أحب ان أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره او ضرب وجهه ثم اقبل على علىّ فتناولا وتجادلا فقتله علىّ وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبد السياق بن عبد الدار أصابه سهم فمات عنه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان قد اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتله احسن من هذه فنزل له علىّ فقتله فغلب المسلمون- فسالوا رسول الله ﷺ ان يبيعهم جسده فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لنا فى جسده وثمنه فشأنكم فخلى بينهم وبينه. قالت عائشة أم المؤمنين كنا يوم الخندق فى حصن بنى حارثة وكان احرز حصون المدينة وكان سعد بن معاذ معنا فى الحصن وذلك قبل ان يضرب علينا الحجاب فخرج سعد ابن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وبيده حربقة «١» وهو يقول

стр. 3086

يا ليت قلاملا يدرك الهيجاء جمل ... لا بأس بالموت إذا حان الاجل فقالت امه الحق «١» يا بنى فقد والله أخرت فقلت لها يا أم سعد والله لوددتّ ان درع سعد كانت أسبغ مما هى وخفت عليه حيث أصاب السهم قالت امه يقضى الله ما هو قاض فرمى يومئذ بسهم قطع منه الا كحل رماه حيان بن قيس الغرفة أحد بنى عامر بن لوى فلما أصاب السهم قال خذها واما ابن الغرفة فقال سعد وجعك الله فى النار ثم قال سعد اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش فابقنى له فانه لا قوم أحب الىّ ان اجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة وكانوا حلفاؤه ومواليه فى الجاهلية- قال مجاهد ومحمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب فى رقاع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة ما بينها وبين رسول الله ﷺ وما بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله ﷺ والمسلمون فى نحور عدوهم لا يستطيعون ان ينصرفوا إلينا عنهم إذ أتانا ات فقلت يا حسان ان هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وانى والله ما امنه ان يدخل عورتنا من ورائنا من اليهود وقد شغل عنّا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل اليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت وما انا بصاحب هذا فلمّا قال لى ذلك ولم ار عنده شيئا احتجزت «اى شدوت الميزر» ثم أخذت عمودا ثم نزلت عن الحصن اليه فضربت عنقه بالعمود حتى قتلته فلمّا فرغت منه رجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل عليه فاسلبه فانه لم يمنعنى من سلبه الا انه رجل قال مالى بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب- قلت روى ان بنى قريظة أرادوا ان يبيتوا على المدينة وطلبوا فى ذلك مددا من قريش فبلغ ذلك رسول الله ﷺ سلمة بن اسلم مع مائتى رجل وزيد بن حارثة مع ثلاث مائة رجل حتى يحرسوا بقاع المدينة وحصونها- وروى ان عباد بن بشر مع أصحابه كانوا يحرسون كل ليلة خيمة رسول الله ﷺ

стр. 3087

وكان المشركون يريدون ان يجاوزوا الخندق والصحابة يمنعونهم برمى السهام والحجارة وكان رسول الله ﷺ يحرس بنفسه الكريمة روى الشيخان فى الصحيحين عن عائشة قالت سهر رسول الله ﷺ مقدمة المدينة ليلة فقال ليت لى رجلا صالحا يحرسنى إذ سمعنا صوت سلاح فقال من هذا قال سعد قال ما جاء بك قال وقع فى نفسى خوف على رسول الله ﷺ فجئت احرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام وفى رواية قالت عائشة أحب سعدا من يوم كان يحرس رسول الله ﷺ فى ايام الخندق كان من الخندق موضعا يخاف عبور الكفار من ذلك الموضع كان رسول الله ﷺ يحرس ذلك الموضع وإذا اشتد عليه البرد يأتينى ويستد فأبى ثم يذهب ويحرس ويقول لا أخاف على العسكر الا من هذا الموضع فجاءنى رسول الله ﷺ مرة ليستد فأبى وقال ليت لى رجلا صالحا يحرسنى الليلة حتى أنام إذ سمعنا صوت سلاح فقال من هذا قال سعد قال احرسنا ذلك الموضع ففعل فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت صوت نفسه. وروى عن أم سلمة ان رسول الله ﷺ كان يحرس بنفسه الكريمة وكان البرد شديدا فكان رسول الله ﷺ فى ليلة من الليالى صلى فى خيمته ثم ذهب يحرس فقال هؤلاء فرسان المشركين حول الخندق فنادى عباد بن بشير فقال لبيك يا رسول الله فقال هل معك أحد فقال نعم رجال من قومى يحرسونك فقال اذهب برجال قومك فان رجالا من المشركين حول الخندق يريدون ان يبيتوا وقال رسول الله ﷺ اللهم ادفع عنا شرهم وانصرنا عليهم فذهب عباد بن بشير بأصحابه الى الخندق فاذا ابو سفيان ورجال من المشركين دخلوا فى مضيق الخندق والمسلمون يرمونهم بالسهام والحجارة فلحقهم عباد بن بشير قال عباد فرميتهم مع المؤمنين حتى انهزم المشركون فرجعت الى رسول الله ﷺ وهو يصلى فلمّا فرغ من الصلاة أخبرته الخبر فقالت أم سلمة فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت صوته ولم ينتبه حتى اذن بلال للصبح فخرج فصلى بالناس وكانت أم سلمة تقول اللهم ارحم عباد بن بشير وعن أم سلمة

стр. 3088

رضى الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ نائما فى خيمته فاذا انتصفت الليل ارتفعت الأصوات وسمعت يقولون يا خيل الله اركبوا وكان هذا فى تلك الغزوة شعار المهاجرين (وفى رواية كان رسول الله ﷺ قال إذا بيتوا اى الكفار فشعاركم حم لا ينصرون ووجه الجمع ان هذا كان شعار الأنصار وذلك شعار المهاجرين) فانتبه رسول الله ﷺ من النوم وخرج من خيمته على رجال كانوا يحرسون خيمته منهم عباد بن بشير فسأله ما تلك الأصوات وامر عبادا ان يأتي بالخبر فذهب عباد وانتظر رسول الله ﷺ حتى اتى وقال يا رسول الله هذا عمرو بن عبد ود مع جمع من المشركين يحاربون مع المؤمنين يترامون بالسهام والحجارة فدخل رسول الله ﷺ خيمته ورفع سلاحه فخرج وركب الفرس وسار الى المعركة بجمع من الصحابة ثم رجع بعد ساعة فرحان وقال قد ذهب الله بشرهم وانهزم بجراحات كثيرة- فاضطجع رسول الله ﷺ ونام حتى سمعت صوت نفسه ثم ارتفعت الأصوات مرة ثانية فانتبه رسول الله ﷺ وقال يا عباد انظر ما تلك الأصوات فذهب عباد ثم رجع وقال يا رسول الله هذا إضرار بن الخطاب بجمع من المشركين يحارب المسلمين بالنبال والحجارة فخرج رسول الله ﷺ وعليه سلاح وذهب هناك وحاربهم حتى أصبحوا ثم رجع وقال انهزموا بجراحات كثيرة- قالت أم سلمة كنت مع رسول الله ﷺ فى غزوة مريسع وخيبر وحديبية وفتح مكة وحنين وما كان شىء منها أشد وأشق على عهد رسول الله ﷺ من غزوة الخندق وأصاب المسلمون فى تلك الغزوة جراحات كثيرة وكان بردا شديدا وعشرة. وروى ان يوما من الأيام اجتمعت الكفار وأخذوا حوالى الخندق وحاربوا حربا شديدا حتى غابت الشمس ولم يجد النبي ﷺ فرصة للصلوة حتى فات عنه صلوة الظهر والعصر والمغرب فصلاها فى وقت العشاء- روى الترمذي والنسائي عن ابى عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود انه قال ان المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن اربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فامر بلالا فاذّن ثم اقام فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر ثم اقام فصلى المغرب ثم اقام

стр. 3089

فصلى العشاء قال الترمذي ليس بإسناده بأس الا ان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فهو منقطع وروى النسائي فى سننه عن ابى سعيد الخدري قال حبسنا يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك فانزل الله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ فقام رسول الله ﷺ فاقام فصلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك ثم اقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك ثم اقام فصلى المغرب كما كان يصليها قبل ذلك ثم اقام فصلى العشاء كما كان يصليها قبل ذلك وذلك قبل ان ينزل فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً ورواه ابن حبان فى صحيحه ولم يذكر فيه العشاء لانها كانت فى وقتها وذكرها فى الرواية الاخرى باعتبار انها تأخرت عن وقتها المعتاد واخرج البزار عن جابر بن عبد الله انه ﷺ شغل يوم الخندق عن صلوة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهب ساعة من الليل فامر بلالا فاذّن واقام فصلى الظهر ثم امره فاذّن واقام فصلى العصر ثم امره فاذّن واقام فصلى المغرب ثم امره فاذّن واقام فصلى العشاء ثم قال ما على ظهر الأرض قوم يذكرون الله فى هذه الساعة غيركم- وفيه عبد الكريم بن ابى المخارق مضعف وفى الصحيحين عن جابر ابن عبد الله ان عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسبّ كفار قريش وقال يا رسول الله ما كدتّ ان أصلي حتى كادت الشمس تغرب قال النبي ﷺ والله ما صليتها فنزلنا مع النبي ﷺ بطحان فتوضأ للصلوة وتوضأ نالها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب وفى الصحيحين عن علىّ عن النبي ﷺ انه قال يوم الخندق ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس- وفى رواية لمسلم ثم صلاها بين المغرب والعشاء- وهذه الأحاديث جاز ان يكون وقائع مختلفة لان ايام وقعة الخندق كانت كثيرة وجاز ان يكون واقعة حال واحد ويمكن الجمع بينها كما لا يخفى. (مسئلة) إذا فاتت صلوات يوذّن للاولى ثم يقيم لكل صلوة والاولى ان يؤذّن ويقيم لكل صلوة كما يدل عليه حديث البزار والله اعلم. ولمّا اشتد البلاء على المؤمنين دعا رسول الله ﷺ على الكفار فاستجاب الله دعاءه روى البخاري فى الصحيح عن عبد الله بن ابى اوفى قال

стр. 3090

دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب قال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم- قلت وروى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه انه ﷺ دعا على الأحزاب ثلاثة ايام متتابعات فى مسجد الفتح قيل هو يوم الاثنين والثلثاء والأربعاء فاستجاب الله دعاءه يوم الأربعاء بين الظهر والعصر فرايتا الفرح فى وجهه قال فما ناب لنا نائبة ودعانا الله تعالى فى تلك الساعة الا استجاب الله دعاءنا. قال البغوي ثم نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان اتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انى قد أسلمت وان قومى لم يعلموا بإسلامي فمرنا بما شئت فقال له رسول الله ﷺ انما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فان الحرب خدعة- قلت وفى رواية قال نعيم يا رسول الله ايذن لى ان أقول ما شئت فاذن له- فخرج نعيم بن مسعود حتى اتى بنى قريظة وكان لهم نديم فى الجاهلية فقال لهم يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم خاصة قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم ان قريشا وغطفان جاءوا للحرب قد ظاهرتموهم عليه وان قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بكدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم ولا تقدرون ان تتحولوا منه الى غيره وان قريشا وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدة ان راوا نهزة وغنيمة أصابوها وان راوا غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من اشرافهم يكون بايديكم ثقة على ان تقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه «١» فقالوا لقد أشرت بنصح ثم خرج حتى اتى قريشا فقال لابى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودى إياكم وبرائى من محمد وقد بلغني امر رايت حقّا ان أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علىّ قالوا نفعل قال لتعلمن ان معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا اليه انا ندمنا على ما صنعنا فهل يرضيكم عنا من القبيلتين قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكم فيضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم فارسل إليهم ان نعم فاذا بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا

стр. 3091

إليهم منكم رجلا واحدا- ثم خرج حتى اتى غطفان فقال يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتى وأحب الناس الىّ ولا أراكم تتهمونى قالوا صدقت قال فاكتموا علىّ قالوا نفعل ثم قال لهم مثل ما قال القريش وحذرهم ما حذرهم. فلمّا كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان ممّا صنع الله لرسوله ان أرسل ابو سفيان ورقة بن غطفان وعكرمة بن ابى جهل فى نفر من قريش وغطفان الى بنى قريظة وقالوا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ ممّا بيننا وبينه- فارسلوا إليهم اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فاصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكون بايدينا ثقة لنا حتى تناجز محمدا فانا نخشى ان ضرتكم الحرب واشتد عليكم القتال ترجعون الى بلادكم وتتركونا والرجال فى بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد- فلمّا رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان لتعلمن والله ان الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فارسلوا الى بنى قريظة والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فان كنتم تريدون فاخرجوا فقاتلوا- فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا ان الذي ذكر نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم الا ان يقاتلوا فان وجدوا فرصة انتهزوها «اغتنموا ها منه رح» وان كان غير ذلك اشمأزوا «اجتمعوا- منه رح» الى بلادهم دخلوا بينكم وبين الرجل فى بلادكم فارسلوا الى قريش وغطفان اما والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فابوا عليهم فخذل الله بينهم وبعث عليهم الريح فى ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم. فلمّا بلغ الى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا روى محمد بن إسحاق عن زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وروى غيره عن ابراهيم التيمي عن أبيه قالا قال فتحا من اهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله رايتم رسول الله صلى الله عليه وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي قال كيف تضعون قال والله لقد كنا نجهر قال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه وفعلنا فقال حذيفة يا ابن أخي والله لقد رايتنى ليلة الأحزاب مع رسول الله ﷺ فقال من يقوم فيذهب الى هؤلاء

стр. 3092

القوم فيأتينا خبرهم ادخله الله الجنة فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله ﷺ هويّا «١» من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله ﷺ هويّا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل فيقوم فينظر لنا ما فعل القوم على ان يكون رفيقى فى الجنة فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد- فلمّا لم يقم أحد دعانى رسول الله ﷺ فقال يا حذيفة فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقلت لبيك يا رسول الله وقمت حتى أتيته وان جنبىّ لتضطربان فمسح رأسى ووجهى ثم قال ايت هؤلاء القوم حتى تأتى بخبرهم فلا تحدثن شيئا حتى ترجع الىّ ثم قال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته فاخذت سهمى وشددتّ علىّ اسلابى ثم انطلقت امشى نحوهم كانى امشى فى حمام فذهبت فدخلت فى القوم قد أرسل الله عليهم ريحا وجنودا وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء وابو سفيان قاعد يصطلى «٢» فاخذت سهمى فوضعت فى كبد قوسى فاردتّ ان ارميه فلو رميته أصبته فذكرت قول رسول الله ﷺ " لا تحدثن شيئا حتى ترجع الىّ" فرددتّ سهمى فلما راى ابو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم لا تقرّبهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام وقال يا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم جليسه فلينظر من هو فاخذت بيد جليسى فقلت من أنت فقال سبحان الله اما تعرفنى انا فلان بن فلان فاذا برجل من هوازن فقال ابو سفيان يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام قد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنوا قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فانى مرتحل ثم قام الى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما اطلق عقاله الا وهو قائم وسمعت غطفان فعلت ما فعلت قريش فاستمروا راجعين الى بلادهم قال فرجعت الى رسول الله ﷺ كانّى امشى فى حمام فاتيته وهو قائم يصلى فلمّا سلم أخبرته بخبر القوم فضحك حتى بدت أنيابه فى سواد الليل قال فلمّا أخبرته وفرغت وزرت وذهب عنى الدفاء أدناني النبي ﷺ فاتانى

стр. 3093

عند رجليه والقى علىّ طرف ثوبه والزق صدرى ببطن قدميه فلم ازل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان. قلت وعند ابن جرير وابن ابى حاتم عن قتادة لما بعث الله على عسكر المشركين ريحا وكبّرت الملائكة فى جوانب العسكر قال طليحة بن خويلد الأسدي امّا محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا «١» النجا فانهزموا من غير قتال- قلت قال الشيخ عماد الدين بن كثير فى تفسيره انه لولا كان رسول الله ﷺ رحمة للعالمين ما تركت الريح أحدا من الكفار الا جعلته كالرميم كما جعلت عادا الريح العقيم وفى رواية فى حديث حذيفة انه قال لما رجعت من عسكر الكفار الى رسول الله ﷺ رايت فى أثناء الطريق عشرين فارسا بيضاء عمائمهم قالوا لى قل لصاحبك ان الله سبحانه كفاك ودفع عنك شر أعدائك. وروى الشيخان فى الصحيحين عن جابر يقول قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير انا ثم قال من يأتينا بخبر القوم قال الزبير انا ثم قال من يأتينا بخبر القوم قال الزبير انا فقال النبي ﷺ ان لكل نبى حوارى وحوارى الزبير وروى البخاري فى الصحيح عن سليمان بن صرد يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول حين اجلى الأحزاب عنه الان نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم- وروى ايضا فى الصحيح عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ كان إذا «رجع- منه رح» قفل من الغزو او الحج او العمرة ببلدة يكبر ثلاث مرات ثم يقول لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده- قال محمد بن عمر استشهد فى غزوة الخندق ستة رجال من المسلمين وقتل من المشركين ايضا ستة.. إِذْ جاؤُكُمْ بدل من إذ جاءتكم مِنْ فَوْقِكُمْ اى من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم اسد وغطفان عليهم مالك بن عوف النظري وعيينة بن حصين الفزاري فى الف من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي فى بنى اسد وحيى بن اخطب فى يهود بنى قريظة وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعنى من بطن الوادي من قبل المغرب وهم كنانة

стр. 3094

وقريش عليهم ابو سفيان بن حرب فى قريش ومن تبعهم وابو اعور عمرو بن سفيان السلمى من قبل الخندق وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ اى مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا «١» من العدو وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ رعبا فان الرية تنتفخ من شدة الروع فترتفع القلب بارتفاعها الى رأس الحنجرة وهى طرف الحلقور وهذا مثل يعبر عنه عن شدة الخوف وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) أنواعا من الظن فظن المنافقون استيصال محمد ﷺ وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لما سبقهم من الوعد فى إعلاء دينه ولحق ضعاف القلوب التزلزل- قرأ ابو بكر واهل المدينة وابن عامر الظّنونا الرّسولا السّبيلا بإثبات الالف وصلا ووقفا لانها مثبة فى المصاحف وقرأ اهل البصرة وحمزة بغير الف فى الحالين على الأصل والباقون بالألف فى الوقف لموافقة رءوس الاى واتباع الخط وبغير الف فى الوصل على الأصل. هُنالِكَ اى فى ذلك الوقت ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اى امتحنوا ليمتاز المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم معقب بن قشير وعبد الله بن أبيّ وأصحابه وإذ بدل من هنالك. وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد وجبن ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) قال البغوي هذا قول اهل النفاق يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع ان يجاوز رحله هذا والله الغرور وأخرجه ابن ابى حاتم عن السدىّ قال فقال رجل يعنى منافق من الأنصار يدعى بشير بن معتب فذكر نحوه. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ اى من المنافقين وهو أوس بن قبطى وأصحابه يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعنى المدينة وقال ابو عبيدة اسم ارض مدينة رسول الله ﷺ فى ناحية منها قال البغوي ورد فى بعض الاخبار ان النبي ﷺ نهى ان تسمى المدينة يثرب وقال هى طابة كانّه كره هذا اللفظ لانه مشتق من ثربه يثربه وثرّبه وعليه واثربه لامه وعيّره بذنبه والمثرب القليل العطاء كذا فى القاموس لا مُقامَ لَكُمْ قرأ الجمهور بفتح الميم اى لا موضع قيام لكم هاهنا وقرأ حفص بالضم على انه مكان او مصدر من اقام فَارْجِعُوا الى منازلكم عن القتال ورفاقة محمد ﷺ او لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا

стр. 3095

الى الشرك وأسلموه لتسلموا او لا مقام لكم بيثرب فارجعوا الى الشرك وأسلموه لتسلموا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ وهم بنو حارثة وبنو سلمة يَقُولُونَ حال من فاعل يستأذنون إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ اى غير حصينة يجئ عليها العدو والسارق فكذّبهم الله وقال وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ اى ما يريدون بذلك القول الكاذب إِلَّا فِراراً (١٣) من القتال. وَلَوْ دُخِلَتْ المدينة اى دخل هؤلاء الأحزاب عَلَيْهِمْ فى المدينة او فى بيوتهم وحذف الفاعل ايماء بان دخول هؤلاء الأحزاب وغيرهم فى اقتضاء الحكم المترتب عليه سواء مِنْ أَقْطارِها اى جوانبها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ اى الشرك او مقاتلة المسلمين لَآتَوْها قرأ اهل الحجاز بالقصر اى لجاءوها وفعلوها والباقون بالمد اى لاعطوا ما سئلوا من الفتنة وَما تَلَبَّثُوا بِها اى بالفتنة يعنى بإتيانها واعطائها إِلَّا يَسِيراً (١٤) اى زمانا يسيرا يعنى زمان السؤال والجواب كذا قال اكثر المفسّرين وقيل معناه ما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر الا زمانا قليلا ثم يهلكون او يجلون. وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ غزوة الخندق لا يُوَلُّونَ عدوهم الْأَدْبارَ اى لا ينهزمون قال يزيد بن رومان وهم بنو حارثة هموا يوم أحد ان يقتلوا بنى سلمة فلمّا نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ان لا يعودوا لمثلها وقال قتادة هم أناس قد غابوا عن وقعة بدر ولمّا راوا ما أعطاه الله اهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا لئن أشهدنا الله قتالا فلنقاتلنّ فسلق الله إليهم ذلك وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) عن الوفاء به يجازى عليه. قُلْ لهم يا محمّد لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ لانه من حضر اجله لا بد له من ان يموت سواء بالقتل او حتف انفه ومتى لا يحضر اجله لا يموت قطعا وَإِذاً اى إذا فررتم لا تُمَتَّعُونَ فى الدنيا حيّا إِلَّا قَلِيلًا (١٦) اى تمتيعا قليلا او زمانا قليلا وقيل معناه ان نفعكم الفرار فرضا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع الا قليلا لكون الدنيا فانية لا محالة. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ اى من عذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً اى عذابا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعنى ومن ذا الذي يصيبكم بسوء ان أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كما فى قوله متقلدا سيفا ورمحا وجاز ان يكون حمل الثاني على الاول لما فى العصمة من معنى المنع وَلا يَجِدُونَ

стр. 3096

لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا قريبا ينفعهم وَلا نَصِيراً (١٧) يدفع عنهم الضر. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ من التعويق بمعنى التصريف والعوق الصرف والعائق الصارف عن الخير والمراد الذين يصرفون الناس عن ملازمة النبي ﷺ وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ من ساكنى المدينة هَلُمَّ اى قربوا أنفسكم إِلَيْنا ودعوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب فانا نخاف عليكم الهلاك قال قتادة هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبّطون أنصار النبي ﷺ ويقولون لاخوانهم ما محمد وأصحابه الا أكلة رأس وكانوا لحما لالتقمه ابو سفيان وابو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فانه هالك- وقال مقاتل ان اليهود أرسلت الى المنافقين وقالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد ابى سفيان ومن معه فانهم ان قدروا فى هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا وانا مشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هلم إلينا فاقبل عبد الله بن أبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوّقونهم ويخوّفونهم بابى سفيان ومن معه وقالوا لان قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحدا ما ترجون من محمد ما عنده خير ما هو الا ان يقتلنا هاهنا انطلقوا بنا الى إخواننا يعنون اليهود فلم يزدادوا المؤمنون بقول المنافقين الا ايمانا واحتسابا فنزلت تلك الاية قوله تعالى وَلا يَأْتُونَ اى المنافقون الْبَأْسَ اى الحرب إِلَّا قَلِيلًا (١٨) اى اتيانا قليلا او زمانا او بأسا قليلا فانهم كانوا يعتذرون ويثبّطون المؤمنين ما أمكن لهم او يخرجون مع المؤمنين ولكن لا يقاتلون الا قليلا رياء وسمعة من غير احتساب ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا وقيل انه تتمة كلامهم ومعناه ولا يأتى محمد وأصحابه حرب الأحزاب ولا يقادمونهم الا قليلا. أَشِحَّةً جمع شحيح ونصبها على الحال من فاعل يأتون او المعوّقين او على الذم يعنى بخلا عَلَيْكُمْ بالمعاونة او النفقة فى سبيل الله او الظفر والغنيمة فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ فى احداقهم من الخوف كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ اى كنظر المغشى عليه او كدوران عينيه او مشبهين وشبهة بعينيه وذلك ان من قرب موته وغشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص أبصارهم لشدة الخوف فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ قال ابن عباس يعنى نقصوكم وتناولوكم بالنقص و

стр. 3097

الغيبة وقيل آذوكم ورموكم فى حالة الا من وقال قتادة بسطوا ألسنتهم منكم وقت قسمة الغنيمة يقولون أعطونا قد شهدنا معكم القتال فلستم أحق منا بالغنيمة أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ نصب على الحال او الذم وليس بتكرير لان كلا منهما مقيد من وجه أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا بقلوبهم فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعنى أبطل الله أعمالهم يعنى لم يعتد بها لعدم الإخلاص وحسن النية وانما الأعمال بالنيات كذا قال مجاهد وَكانَ ذلِكَ الإحباط عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) هيّنا لان تعلق الارادة يكفى لوجود كل ممكن لاراد لفعله. يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا اى هؤلاء لجبنهم يظنون ان الأحزاب لم يذهبوا ففروا الى داخل المدينة وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كررة ثانية يَوَدُّوا تمنوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ يعنى لو ثبت انهم خارجون الى البد ويقال بدا يبدا بدوا وبداوة إذا خرج الى البادية فِي الْأَعْرابِ حال من الضمير فى بادون او خبر بعد خبر لان اى كائنون فى الاعراب يَسْئَلُونَ كل قادم من المدينة عَنْ أَنْبائِكُمْ اى عما جرى عليكم جملة يسئلون خبر بعد خبر او حال مترادف او متداخل وجواب لو محذوف يعنى لكان خيرا وَلَوْ كانُوا يعنى هؤلاء المنافقين فِيكُمْ ولم يفروا من عندكم فى هذه الكرة وكان قتال ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) رياء وخوفا من التعيير كذا قال مقاتل. لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فِي رَسُولِ «١» اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الاسوة معناه القدوة وهو ما يقتدى به والمراد هاهنا ان لكم فى شان رسول الله خصلة حسنة من حقها ان يؤسى بها كالثبات فى الحرب ومقاساة الشدائد- او هو يعنى رسول الله ﷺ لكم قدوة يحسن التأسي به كقولك فى البيضة عشرون منّا حديد اى فى البيضة هذا القدر من الحديد وقيل هو فعلة من الايتساء كالقدوة من الاقتداء اسم وضع موضع المصدر

стр. 3098

اى لكم برسول الله اقتداء حسن اى تنصرون دين الله كما هو ينصر وتصبرون على ما يصيبكم كما هو يصبر كما فعل هو إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه وأوذي بضروب الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم ايضا كذلك واستنوا بسنته لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ اى يرجوا ثواب الله ولقائه ونعيم الاخرة كذا قال ابن عباس او ايام الله واليوم الاخر خصوصا وهذا كقولك أرجو زيدا وفضله وقال مقاتل اى يخشى الله ويخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وقوله لِمَنْ كانَ صلة لحسنة او صفة لها وقيل بدل من لكم والأكثر على ان الضمير المخاطب لا يبدل منه وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) فى السراء والضراء قرن بالرجاء كثرة الذكر المودي الى دوام الطاعة فان المؤسى بالرسول من كان كذلك.. وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بقوله تعالى فى سورة البقرة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ الى قوله أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فان الاية يتضمن ان المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء ولعل رسول الله ﷺ أخبرهم بوقعة الأحزاب قبل وقوعه وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فيما اخبر به وَما زادَهُمْ تحزب الأحزاب إِلَّا إِيماناً اى تصديقا بما جاء به الرسول ﵇ وَتَسْلِيماً (٢٢) لامره وقدره. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ اى قاموا بما عاهدوا رسول الله من الثبات معه فى القتال مع اعداء الدين من صدقنى إذا قال لك الصدق فان العاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ اى فرغ من نذره ووفى بعهده فلم يبق فى ذمته شىء ما عاهده يعنى صبر على الجهاد والطاعة حتى استشهد او مات والنحب النذر والنحب ايضا الموت يقال قضى نحبه اى اجله فقتل على الوفاء يعنى حمزة وأشباهه وقيل قضى نحبه اى بذل جهده فى الوفاء بالعهد من قول العرب نحب فلان فى مسيرة يومه وليلته اجمع وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الفراغ من نذره يرجو ان يموت على الوفاء وَما بَدَّلُوا العهد ولا غيروه تَبْدِيلًا (٢٣) شيئا من التبديل روى الشيخان والترمذي وابن ابى شيبة والطيالسي وابن سعد والبغوي عن انس بن مالك ان انس بن النضر عم انس بن مالك غاب عن بدر فشق عليه

стр. 3099

وقال أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه لان أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما اصنع فلمّا كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال انس بن النضر اللهم انى اعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء يعنى أصحابه وابرا إليك مما فعل هؤلاء يعنى المشركين فانتهى الى رجال من المهاجرين والأنصار قد القوا ما بايديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل رسول الله ﷺ قال ما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم استقبل القوم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد انا معك قال سعد فاستقبل انس القوم فلم أستطع ان اصنع ما صنع انس فقال يا سعد (وفى لفظ يا أبا عمرو) ها لريح الجنة ورب النضر إني لاجد ريحها دون أحد ثم تقدم فقاتل حتى قتل فوجدوا فى جسده بضعا وثمانين ضربة من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم قال انس ووجدنا قد مثل به المشركون فما عرفه أحد منّا الا أخته بشامّة ببنانه فكنا نرى او نظنّ ان هذه نزلت فيه وفى أشباهه رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ- وروى البغوي عن خباب بن الأرت قال هاجرنا مع رسول الله ﷺ فمنا من مضى لم يأكل من اجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد شيئا نكفن فيه الا نمرة فكنا إذا وضعنا على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعنا على رجليه خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ ضعوها مما يلى رأسه واجعلوا على رجليه الاذخر ومنا من انبعث له ثمرته فهو يهديها- وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال نظر رسول الله ﷺ الى طلحة بن عبيد الله فقال من أحب ان ينظر الى رجل يمشى على وجه الأرض وقد قضى نحبه «١» فلينظر الى هذا-

стр. 3100

وروى البخاري عن قيس بن حازم قال رايت يد طلحة شلاء وقى بها النبىّ ﷺ يوم أحد- وروى الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم من حديث الزبير مرفوعا أوجب طلحة. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ فى العهود بِصِدْقِهِمْ اى جزاء صدقهم او بسبب صدقهم وهو الوفاء بالعهد وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ ان يموتوا على الكفر والنفاق فيعذبهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ان تابوا وأخلصوا دينهم لله قوله لِيَجْزِيَ متعلق بقوله صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ تعليل للمنطوق والمعرض به كانّ المنافقين قصدوا بالتبديل التعذيب كما قصد المخلصون بالوفاء الثواب إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) لمن تاب. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى الأحزاب من قريش وغطفان بِغَيْظِهِمْ اى كائنين بغيظهم متغيظين لعدم نيلهم بما أرادوا لَمْ يَنالُوا خَيْراً اى ظفرا ولا مالا حال بعد حال يتداخل او يعاقب وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملئكة وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا فى ملكه على احداث ما يريده عَزِيزاً (٢٥) فى انتقامه. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ اى عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنوا قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ اى من حصونهم جمع صيصة وهى ما يحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك والحائك صئصة وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ اى الخوف فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وهم الرجال فعند ابن إسحاق انهم كانوا ست مائة وبه جزم ابو عمرو فى ترجمة سعد بن معاذ وعند ابن عائذ من مرسل قتادة كانوا سبع مائة وقال السهيلي المكثر يقول انهم ما بين ثمان مائة الى تسع مائة وفى حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح انهم كانوا اربع مائة مقاتل فيحتمل فى طريق الجمع ان يقال ان الباقين كانوا اتباعا وقد حكى ابن إسحاق انه قيل انهم كانوا تسع مائة وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وهم النساء والذراري وكانوا سبع مائة وخمسين وقيل تسع مائة وذكر فى سبيل الرشاد ان السبي كان الفا من النساء والصبيان. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ مزارعهم وَدِيارَهُمْ حصونهم وَأَمْوالَهُمْ من النقود والأجناس والمواشي وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها بعد قال مقاتل وابن زيد يعنى خيبر وقال قتادة كنا نحدث انها مكة وقال الحسن فارس والروم وقال عكرمة

стр. 3101

كل ارض يفتح الى يوم القيامة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) فيقدر على ذلك (قصة غزوة بنى قريظة) قال محمد بن عمر عن شيوخه لما انصرف المشركون عن الخندق خاف بنوا قريظة خوفا شديدا وروى احمد والشيخان مختصرا والبيهقي والحاكم وصححه مطولا عن عائشة وابو نعيم والبيهقي من وجه اخر عنها وابن عابد عن حميد بن هلال وابن جرير عن ابن ابى اوفى والبيهقي عن عروة وابن سعد عن الماجشون وعن يزيد بن الأصم ومحمد بن عمر عن شيوخه ان رسول الله ﷺ والمسلمين لمّا رجعوا عن الخندق مجهودين وضعوا السلاح ودخل رسول الله ﷺ بيت عائشة ودعا بماء فاخذ يغسل رأسه وذكر البغوي انه ﷺ كان عند زينب بنت جحش وهى تغسل رأسه وقد غسلت شقه- قالت عائشة فسلّم علينا رجل ونحن فى البيت قال محمد بن عمر وقف موضع الجنائز فنادى عذيرك «١» من محارب فقام رسول الله ﷺ فزعا فوثب وثبة شديدة فخرج اليه فقمت فى اثره انظر من خلل الباب فاذا هو دحية الكلبي فيما كنت ارى وهو ينفض الغبار عن رأسه (فقال ابن إسحاق معتجرا بعمامة) «الاعتجار لف العمامة دون التلحي- منه رح» فقال يا رسول الله ما اسرع ما حللتم عذيرك من محارب عفا الله عنك قد وضعتم السلاح ما وضعت الملئكة منذ نزل بك العدوّ وفى لفظ منذ أربعين ليلة وما رجعنا الان الا من طلب القوم حتى بلغنا حمراء الأسد يعنى الأحزاب وقد هزمهم ان الله يأمرك بقتال بنى قريظة وانا عامد إليهم بمن معى من الملائكة لا زلزل بهم الحصون فاخرج بالناس- قال حميد بن هلال فقال رسول الله ﷺ ان فى أصحابي جهدا فلو انظرتهم أياما فقال انتهض إليهم فو الله لادقنهم كدق البيض على الصفا «الحجارة- منه رح» ثم لاضغضفنّها- «اى لاحركن- منه رح» قالت عائشة فلمّا دخل رسول الله ﷺ قلت من ذاك الرجل الذي كنت تكلمه قال ورايته قلت نعم قال بمن تشبهينه قلت بدحية الكلبي قال ذاك جبرئيل أمرني ان امضى الى بنى قريظة- قال حميد فادبر جبرئيل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار فى زقاق بنى غنم من الأنصار قال انس فيما رواه البخاري كانّى انظر الى الغبار ساطعا وقال قتادة فيما رواه ابن عابدان رسول الله ﷺ بعث يومئذ مناديا ينادى «يعنى يار كبان خيل اركبوا- منه رح» يا خيل الله اركبي وامر بلالا فاذّن

стр. 3102

فى الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر الا ببني قريظة- وروى الشيخان عن ابن عمر والبيهقي عن عائشة وابن عقبة والطبراني عن كعب بن مالك ان رسول الله ﷺ قال لاصحابه عزمت عليكم ان لا تصلوا صلوة العصر- ووقع فى مسلم فى حديث ابن عمر صلوة الظهر الا ببني قريظة فادرك بعضهم صلوة العصر وفى لفظ صلوة الظهر فى الطريق فقال بعضهم لا نصليها حتى نأتى بنى قريظة انا لفى عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من اثم فصلوا العصر ببني قريظة حين وصلوها بعد غروب الشمس وقال بعضهم بل نصلى لم يرد منا ان ندع الصلاة فصلوا فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فلم يعنف واحدا من الفريقين. (فائدة) وجه الجمع بين حديث صلوة الظهر وصلوة العصر ان طائفة منهم راحت بعد طائفة قيل للطائفة الاولى لا يصلين الظهر الا ببني قريظة وقيل للطائفة الاخرى لا يصلين العصر- وقيل فى وجه الجمع انه ﷺ قال لاهل القوة او لمن كان منزله قريبا لا يصلين أحد الظهر وقال لغيرهم أحد العصر. (مسئلة) هذا الحديث يدل على ان المجتهد لا اثم عليه ان اخطأ حيث لم يعنف رسول الله ﷺ على أحد من الفريقين من صلّى فى الطريق ومن لم يصل- قال فى زاد المعاد ما حاصله ان كلّا من الفريقين مأجور بقصده الا ان من صلّى فى الطريق جاز الفضيلتين فضيلة امتثال الأمر فى الاسراع فى المشي الى بنى قريظة لان المراد بامره ﷺ ان لا يصلوا الا فى بنى قريظة المبالغة فى الاسراع مجازا وفضيلة امتثال الأمر فى المحافظة على الوقت والله اعلم. ودعا رسول الله ﷺ علىّ بن ابى طالب فدفع اليه لواءه وكان اللواء على حاله لم يحل عن مرجعه من الخندق فابتدره الناس- «اى سارعوا اليه- منه رح» قال محمد بن عمرو بن سعد وابن هشام والبلاذري استعمل رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم قال محمد بن عمرو خرج رسول الله ﷺ لسبع يقين من ذى القعدة قال البغوي سنة خمس من الهجرة ولبس السلاح والدرع والمغفر والبيضة وأخذ قناه «الرمح- منه رح» بيده وتقلد الترس وركب فرسه اللحيف وحف به أصحابه قد لبسوا السلاح وركبوا الخيل وكانت ستة وثلاثين فرسا فسار فى أصحابه

стр. 3103

والخيل والرجال حوله قال ابن سعد وكان معه ثلاثة آلاف. (مسئلة) هذه القصة تدل على جواز البداية بالقتال فى الشهر الحرام لكن خطبته ﷺ فى حجة الوداع وفيها المنع من القتال فى الأشهر الحرم متاخر عنه ولعل الله سبحانه أحل لرسوله ذلك القتال فى أشهر الحرم كما أباح له القتال فى حرم مكة ساعة من النهار عام الفتح- ويمكن ان يقال ان هذا ليس بداية بالقتال بل كانت البداية من بنى قريظة حيث ظاهروا قريشا ومن معهم والله اعلم روى الطبراني عن ابى رافع وابن عباس ان رسول الله ﷺ لما اتى بنى قريظة ركب على حمار عرى يقال له يعفور والناس حوله- وروى الحاكم والبيهقي وابو نعيم عن عائشة ومحمد بن عمرو عن شيوخه وابن إسحاق ان رسول الله ﷺ مرّ بنفر من بنى النجار بالصّورين «١» فيهم حارثة بن النعمان قد صفوا عليهم السلاح فقال هل مرّ بكم أحد قالوا نعم دحية الكلبي مرّ على بغلة عليها رحاله عليها من إستبرق وأمرنا بحمل السلاح فاخذنا سلاحنا فصففنا وقال هذا رسول الله ﷺ يطلع عليكم الان قال حارثة بن النعمان وكنا صفين فقال رسول الله ﷺ ذاك جبرئيل بعث الى بنى قريظة لتزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب فى قلوبهم وسبق على بن ابى طالب فى نفر من المهاجرين والأنصار وفيهم ابو قتادة روى محمد بن عمر عن ابى قتادة قال انتهينا الى بنى قريظة فلمّا راينا أيقنوا بالشر وغرز علىّ الراية عند اصل الحصن فاستقبلونا فى صياصيهم يشتمون رسول الله ﷺ وأزواجه قال ابو قتادة وسكتنا وقلنا السيف بيننا وبينكم وانتهى رسول الله ﷺ ونزل قريبا من حصنهم على بئرانا «٢» بأسفل حرّة «ارض ذات حجارة- منه رح» بنى قريظة فلمّا راه على رضى الله عنه رجع اليه وأمرني ان الزم اللواء فلزمته وكره ان يسمع رسول الله ﷺ اذاهم وشتمهم فقال يا رسول الله لا عليك ان لا تدنوا من هؤلاء الاخابيث فقال أتأمرني بالرجوع فقال أظنك سمعت منهم أذى قال نعم فقال لوراونى لم يقولوا من ذلك شيئا- فسار

стр. 3104

رسول الله ﷺ وتقدّمه أسيد بن حضير فقال يا اعداء الله لا نبرح عن حصونكم حتى تموتوا جوعا انما أنتم بمنزلة ثعلب فى جحر فقالوا يا ابن الحضير نحن مواليك دون الخزرج فقال لا عهد بينى وبينكم ولا إلّ ودنا رسول الله ﷺ وترسنا عنه ونادى بأعلى صوته نفرا من اشرافهم حتى أسمعهم فقال أجيبوا يا اخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت هل أخزاكم الله انزل بكم نقمته أتشتموني فجعلوا يحلفون ما فعلنا ويقولون يا أبا القاسم ما كنت جهولا وفى لفظ ما كنت فاحشا واجتمع المسلمون عند رسول الله ﷺ عشاء وبعث سعد بن عبادة بأحمال تمر لرسول الله ﷺ فكان طعامهم قال رسول الله ﷺ نعم الطعام التمر- وغدا رسول الله ﷺ سحرا وقدّم الرماة فاحاطوا بحصون يهود وراموهم بالنبل والحجارة وهم يرمون من حصونهم حتى امسوا فباتوا حول الحصون وجعل المسلمون يعتقبون يعقب بعضهم بعضا فما برح رسول الله ﷺ براميهم حتى أيقنوا الهلكة وتركوا رمى المسلمين فقالوا دعونا نكلمكم فقال رسول الله ﷺ نعم فانزلوا نباش بن قيس فكلّم رسول الله ﷺ على ان ينزلوا على ما نزلت عليه بنوا النضير من الأموال والحلقة ونخرج من بلادك بالنساء والذراري ولنا ما حملت الإبل الا الحلقة فابى رسول الله ﷺ فقالوا تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل فابى رسول الله ﷺ الا ان ينزلوا على حكمه- وعاد نباش إليهم بذلك فلمّا عاد نباش الى قومه وأخبرهم الخبر قال كعب بن اسد يا معشر بنى قريظة والله قد نزل بكم ما ترون وانى اعرض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا ما شئتم منها قالوا وما هى قال نبائع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم انه نبى مرسل وانه الذي تجدونه فى كتابكم فتامنون به على دمائكم وأموالكم ونسائكم والله انكم لتعلمون ان محمدا نبى وما منعنا معه من الدخول الا الحسد للعرب حيث لم يكن نبيّا من بنى إسرائيل فهو حيث جعله الله تعالى- ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد ولكن البلاء والشوم من هذا الجالس يعنى حيى بن اخطب (وكان حيى دخل معهم فى حصنهم حين رجعت منهم قريش

стр. 3105

وغطفان وفاء لكعب بن اسد بما كان عاهده عليه) أتذكرون ما قال لكم ابن جوّاس حين عليكم تركت الخمر والحمير والتأمير وحنت الى الشفاء والتمر والشعير قالوا وما ذاك- قال انه يخرج بهذه القرية نبى فان يخرج وانا حى اتبعه وانصره وان خرج بعدي فاياكم ان تخدعوا عنه فاتبعوه وكونوا أنصاره وأولياءه وقد أمنتم بالكتابين كلاهما الاول والاخر واقرءوه منى السّلام واخبروه انى مصدق به- قال فتعالوا فلنبايعه ولنصدقه فقالوا لا نفارق حكم التورية ابدا ولا نستبدل به غيره- قال فاذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه مصلّتين بالسيوف لم نترك ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم نترك ورائنا فصلا نخشى عليه وان نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء قالوا لا نقتل هؤلاء المساكين فما خير فى العيش بعدهم- قال فان أبيتم عن هذه فان الليلة ليلة السبت وانه عسى محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة «غفلة- منه رح» قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان من قبلنا الا من قد علمت فاصابه ما لم يخف عليك من المسخ- فقال ما بات منكم منذ ولدته امه ليلة واحدة من الدهر جازما- فقال ثعلبة وأسيد ابنا سعية واسد بن عبيد ابن عمهم وهم نفر من هذيل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك وهو بنوا عم القوم يا معشر بنوا قريظة والله انكم لتعلمون انه رسول الله وان صفته عندنا حدثنا بها علماؤنا وعلماء بنى النضير هذا أولهم يعنى حيى بن اخطب مع خبر بن الهيّان اصدق الناس عندنا هو اخبر بصفته عند موته قالوا لا نفارق التورية فلما راى هؤلاء النفر آباءهم نزلوا تلك الليلة فى صبحها فاسلموا وأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم- وقال عمرو بن سعد يا معشر يهود انكم خالفتم محمدا على ما خالفتموه عليه فنقضتم عهده الذي كان بينكم وبينه ولم ادخل فيه ولم اشرككم فى غدركم فان أبيتم فاثبتوا على اليهودية واعطوا الجزية فو الله ما أدرى يقبلها أم لا قالوا فنحن لا نقر للعرب «خرج وخراج ما يؤذى كلّ سنة- منه رح» بخرج فى رقابنا يأخذونه القتل خير من ذلك قال فانى برئ منكم وخرج تلك الليلة مع ابني سعية فمرّ بحرس رسول الله ﷺ وعليهم محمد بن سمة فقال محمد من هذا قال عمرو بن سعد قال محمد اللهم لا تحرمنى

стр. 3106

عشرة الكرام وخلّى سبيله فخرج حتّى اتى مسجد رسول الله ﷺ فبات حتى أصبح فلمّا أصبح غدا فلم يدر اين هو حتى الساعة فسئل عنه رسول الله ﷺ فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه. قال اهل المغازي ثم انهم بعثوا الى رسول الله ﷺ ان ابعث إلينا أبا لبابة (أحد بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس) نستشير فى أمورنا فارسله رسول الله ﷺ إليهم فلما راوا قام اليه الرجال وجهش «اى اسرع متباليا ١٦ منه رح» اليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه فرقّ لهم فقالوا يا أبا لبابة أترى ان ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده الى حلقه انه الذبح- قال ابو لبابة فو الله ما زالت قدماى حتى عرفت انى خنت الله ورسوله ثم انطلق ابو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط فى المسجد على عمود من عمده وقال لا أبرح من مكانى حتى أموت او يتوب الله على ما صنعت وعاهدتّ الله ان لا أطأ ارض بنى قريظة ابدا ولا ارى فى بلد خنت الله ورسوله فيه ابدا وبلغ رسول الله ﷺ ذهابى وما صنعت فقال دعوه حتى يحدث الله فيه ما شاء لو كان جاءنى استغفرت فاذا لم يأتنى وذهب فدعوه وانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال ابو لبابة ثم ان الله انزل توبة ابى لبابة على رسول الله ﷺ وهو فى بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله ﷺ يضحك فقلت بم تضحك يا رسول الله اضحك الله سنك قال تيب على ابى لبابة فقلت الا أبشره بذلك قال بلى ان شئت قالت فقمت الى باب حجرتى (وذلك قبل ان يضرب عليهن الحجاب) فقلت يا أبا لبابة ابشر فقد تاب الله عليك فثار «اى قاموا- منه رح» الناس ليطلقوه قال لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنى بيده فلمّا مرّ عليه رسول الله ﷺ خارجا الى الصبح أطلقه- روى حماد بن سلمة عن علىّ بن زيد بن جدعان عن على بن الحسين ﵉ ان فاطمة ﵍ جاءت تحله فقال انى حلفت ان لا تحلني الا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ان فاطمة بضعة منى- على بن جدعان ضعيف ورواية على بن الحسين مرسلة قال ابو لبابة واذكر رؤيا رايتها فى النوم ونحن محاصرون بنى قريظة كانى فى حماة «طين اسود متغيرة- منه رح» أسنة فلم اخرج منها

стр. 3107

حتى كدتّ أموت من ريحها ثم ارى نهرا جاريا فارانى اغتسلت فيه حتى استقيت وأراني أجد ريحا طيبا فاستعبرتها أبا بكر فقال لتدخلن فى امر تغتم له ثم يفرج عنك فكنت اذكر قول ابى بكر وانا مرتبط فارجو ان ينزل الله توبتى- قال فلم ازل كذلك حتى ما اسمع الصوت من الجهد ورسول الله ﷺ ينظر قال ابن هشام اقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته وقت كل صلوة فتحله حتى يتوضأ ويصلى ثم ترتبط- (قال ابن عقبة زعموا انه ارتبط قريبا من عشرين ليلة قال فى البداية وهذا أشبه الأقاويل وقال ابن إسحاق اقام مرتبطا خمسا وعشرين ليلة وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة او أراد ان يذهب لحاجته فاذا فرغ أعادت الرباط والظاهر ان زوجته تحله مرة وابنته اخرى وانزل الله فى توبة ابى لبابة وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- قال البغوي وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب فلما جهدهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فامر رسول الله ﷺ فكتفوا رباطا وجعل على كتافهم محمد بن سلمة ونحوا ناحية واخرج النساء والذرية من الحصون واستعمل عليهم عبد الله بن سلام وجمعت أمتعتهم ووجدوا فيها الفا وخمس مائة سيف وثلاث دروع والفى رمح والفا وخمس مائة ترس وجحفة وأثاثا كثيرا وآنية كثيرة وخمرا وسكرا فهريق ذلك كله ولم يخمسه ووجد من الجمال النواضح عدة ومن الماشية شيئا كثيرا فجمع هذا كله وتنحى رسول الله ﷺ وجلس- ودنت الأوس الى رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله حلفاؤنا دون الخزرج وقد رأيت ما صنعت ببني قينقاع بالأمس حلفاء ابن أبيّ وهبت لهم ثلاث مائة حاسر «من لا وزع له منه رح» واربع مائة دارع «صاحب درع- منه رح» وقد ندم حلفاءنا على ما كان من نقضهم العهد فهبهم لنا ورسول الله ﷺ ساكت لم يكلم حتى أكثروا عليه وألحّوا فقال رسول الله ﷺ اما ترضون ان يكون الحكم فيهم الى رجل منكم قالوا بلى قال فذلك الى سعد بن معاذ وقال ابن عقبة قال رسول الله ﷺ اختاروا من شئتم من أصحابي فاختاروا سعد بن معاذ- وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3108

فى خيمة امراة من المسلمين يقال لها رفيدة فى مسجده ﷺ وكانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة «١» الذي ليس له من يقوم بامره وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه فى خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب- فلمّا جعل رسول الله ﷺ الحكم الى سعد خرجت الأوس حتى جاءوه فحملوه على حمار عربى بشنذة «٢» من ليف وعلى الحمار قطيفة فوق الشنذة وخطامه «الخطام ما يقاد به الدابة- منه رح» من ليف وكان رجلا جسيما فخرجوا حوله يقولون يا أبا عمرو ان رسول الله ﷺ قد ولّاك امر مواليك لتحسن فيهم فاحسن فيهم فقد رايت ابن أبيّ وما صنع فى حلفائه وأكثروا وهو ساكت لا يتكلم حتّى إذا أكثروا عليه قال قد ان «بالفتح والمد ونا وقرب- منه رح» لسعدان لا يأخذه فى الله لومة لائم فقال الضحاك بن خليفة بن ثعلبة الأنصاري وا قوماه وقال غيره نحو ذلك ثم رجع الضحاك الى الأوس فنعى بهم رجال بنى قريظة قبل ان يصل إليهم سعد كلمته التي سمع منه- وفى الصحيحين فلما دنا سعد من المسجد اى الذي كان رسول الله ﷺ أعده فى بنى قريظة ايام حصارهم للصلوة قال رسول الله ﷺ قوموا الى سيدكم وفى لفظ الى خيركم فاما المهاجرون من قريش فيقولون انما أراد الأنصار واما الأنصار فيقولون عم بها رسول الله ﷺ المسلمين وعند احمد قوموا الى سيدكم فانزلوه وكان رجال من بنى عبد الأشهل يقولون قمنا له على أرجلنا صفين وفى حديث جابر عند ابن عائذ قال رسول الله ﷺ احكم فيهم يا سعد فقال الله ورسوله أحق بالحكم قال ﵇ أمرك الله ان تحكم فيهم- وقالت الأوس الذين بقوا عنده يا أبا عمرو ان رسول الله قد ولاك الحكم فى امر مواليك فاحسن فيهم فقال سعد أترضون حكمى لبنى قريظة قالوا نعم قد رضينا بحكمك وأنت غائب اختيارا منا لك ورجاء ان تمنّ علينا كما فعل غيرك بحلفائه بنى قينقاع واثرنا عندك اثرنا وأحوج ما كان اليوم الى مجازاتك فقال سعد ما أتوكم جهدا فقالوا ما يعنى بقوله هذا ثم قال سعد عليكم عهد الله وميثاقه ان احكم

стр. 3109

فيهم ما حكمت قالوا نعم قال سعد وعلى من هاهنا للناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عنها إجلالا لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ نعم قال سعد فانى احكم فيهم ان يقتل كل من جرين عليه الموسى وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم ويكون الديار للمهاجرين والأنصار- فقال رسول الله ﷺ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة «السموات قال اى الأعز اتى سموما بالرقيع لانها مرقومة بالنجوم منه رح» ارقعة- وفى رواية قال ﵇ بذلك طرقنى الملك سحرا- وكان سعد بن معاذ فى الليلة التي فى صبيحتها نزلت بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ قد دعا اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش فابقنى لها فانى لا قوم احبّ الىّ ان أقاتلهم من قوم كذبوا رسولك وآذوه وأخرجوه وان كانت الحرب قد وضعت أوزارها عنّا وعنهم فاجعله لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة فاقر الله سبحانه عينيه منهم. فانصرف رسول الله ﷺ يوم الخميس لتسع ليال وقيل لخمس خلون من ذى الحجة وامر بهم رسول الله ﷺ فحبسوا فى دار رملة بنت الحارث من بنى النجار- فلمّا أصبح رسول الله ﷺ غدا الى سوق المدينة التي هى سوقها اليوم فامر بأخدود فخذت فى السوق ما بين موضع دار ابى الجهم العدوى الى أحجار الزيت بالسوق فكان أصحابه يحضرون وجلس رسول الله ﷺ ومعه أصحابه ودعا برجال بنى قريظة فكانوا يخرجون يضرب أعناقهم فى تلك الخنادق فقالوا لكعب بن اسد وهم يذهب بهم الى رسول الله ﷺ إرسالا يا كعب ما ترى محمدا يصنع بنا قال ما يسوءكم ويلكم على كل حال لا تعقلون الا ترون الداعي لا ينزع وانه من ذهب منكم لا يرجع هو والله السيف قد دعوتكم الى غير هذا فابيتم قالوا ليس هذا بحين عتاب لولا انا كرهنا ان نرمى برأيك ما دخلنا فى نقض العهد الذي كان بيننا وبين محمد قال حيى بن اخطب اتركوا التلاوم فانه لا يرد عنكم شيئا واصبروا للسيف وكان الذي قتلهم على بن ابى طالب والزبير بن العوام رضى الله عنهما ثم اتى حيى بن اخطب مجموعة يداه الى عنقه عليه حلة فقاحية قد لبسها للقتل ثم عمد إليها فشقها انملة انملة

стр. 3110

لئلا يسلبه إياها أحد فقال رسول الله ﷺ حين اطلع الم يمكنى الله منك يا عدو الله قال بلى والله انا ما لمت نفسى فى عداوتك وقد التمست العز فى مظانة فابى الله الا ان يمكنك منى ولقد قلقلت «حركت- منه رح» كل مقلقل ولكنه من يخذل الله يخذل ثم اقبل على الناس فقال ايها الناس لا بأس بامر الله كتاب الله وقدره ملجمة «القتل وموضعه- منه رح» على بنى إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه- فقال رسول الله ﷺ أحسنوا أساراهم وأقيلوهم واسقوهم حتى يبردوا فاقتلوا من بقي لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السيف وكان يوما صائفا فقيلوهم وسقوهم فلمّا أبرد وأراح رسول الله ﷺ فقتل من بقي واتى رسول الله ﷺ بكعب بن اسد فقال رسول الله ﷺ ما تنفعتم بنصح ابن جوّاس لكم وكان مصدقا بي اما أمركم باتباعى وان رايتمونى ان تقرءونى منه السلام قال بلى والتورية يا أبا القاسم ولولا ان يعيرنى اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك ولكنه على دين يهود قال رسول الله ﷺ قدمه فاضرب عنقه وامر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت منه روى احمد واصحاب السنن عن عطية القرظي قال كنت غلاما فوجدونى لم أنبت فخلّوا سبيلى وروى الطبراني عن اسلم الأنصاري قال جعلنى رسول الله ﷺ على أسارى بنى قريظة فكنت انظر الى فرج الغلام فان رايته أنبت ضربت عنقه وان لم أره جعلته فى مغانم المسلمين وكان رفاعة بن شمول القرظي رجلا قد بلغ فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر اخت سليط بن قيس وكانت احدى خالات النبي ﷺ يعنى خالة جده عبد المطلب فان امه كانت من بنى النجار وكانت سلمى قد صلّت للقبلتين فقالت يا نبى الله بابى أنت وأمي هب لى رفاعة فانه زعم سيصلّى ويأكل لحم الجمل فوهبه لها فاستحيته فاسلم بعد ولم تزل ذلك الداب حتى قتلوا الى ان غاب الشفق ثم رد عليهم التراب فى الخندق كل ذلك بعين سعد بن معاذ فاستجاب الله دعوته رضى الله عنه- ولم يقتل من نسائهم الا امرأة واحدة من بنى النضير يقال لها بنانة كانت تحت رجل من بنى قريظة يقال له الحكم وكان يحبها وتحبه فلما اشتد عليهم الحصار بكت اليه وقالت انك لمفارقى فقال هو والتورية ما ترين وأنت

стр. 3111

امرأة فدلّى عليهم هذه الرحى فانا لم نقتل منهم أحدا بعد وأنت امرأة وان يظهر محمد علينا فانه لا يقتل النساء وانما اكره ان تسبى فاحبّ ان تقتل وكانت فى حصن الزبير بن باطا فدلّت الرحى من فوق الحصن وكان المسلمون ربما جلسوا تحت الحصن يستظلون فى فيئة فلمّا راها القوم انفضوا وتدرك خلاد بن سويد فتشدخ رأسه ومات- روى عروة عن عائشة انها قالت والله انها لعندى تحدث وتضحك ظهرا لبطن ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف وفى رواية وهى تقول سراة بنى قريظة يقتلون إذ هتف هاتف باسمها اين فلانة قالت انا والله قلت ويلك مالك قالت اقتل قلت لم قالت حدث أحدثته قالت فانطلقت فضرب عنقها بخلاد بن سويد وكانت عائشة تقول لا انسى طيب نفس بنانة كثرة ضحكها وقد عرفت انها تقتل. (مسئلة) هذا الحديث حجة لمن حكم بالقصاص على القتل بالمثقل وعليه الجمهور وقال ابو حنيفة لا قصاص بالمثقل ولو رماه بابا قبيس لقوله ﷺ لا تود فى النفس وغيره الا بحديدة وقد مرّ الخلاف فى هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ- وروى محمد بن إسحاق عن الزهري ان الزبير بن باطا القرظي وكان يكنى أبا عبد الرحمن قدم على ثابت بن قيس بن شماس فى الجاهلية يوم بعاث لاخذه فجر ناصية ثم خلّى سبيله فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال ثابت يا أبا عبد الرحمان هل تعرفنى قال وهل يجهل مثلى لمثلك قال انى أريد ان أجزيك بيدك عندى قال ان الكريم يجزى قال ثم اتى ثابت رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله قد كان للزبير عندى يد وله على منة فاحببت ان أجزيه بها فهب لى دمه فقال رسول الله ﷺ هو لك فاتاه فقال له ان رسول الله ﷺ قد وهب لى دمك قال شيخ كبير لا اهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فاتى ثابت رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله اهله وولده قال فهم لك فاتاه فقال له ان رسول الله ﷺ أعطاني امرأتك وولدك فهم لك قال اهل بيت فى الحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فاتى ثابت رسول الله صلى

стр. 3112

الله عليه وسلم فقال ما له يا رسول الله قال هو لك فقال ان رسول الله ﷺ أعطاني مالك فهو لك- فقال اى ثابت ما فعل الذي كان وجهه مراة صينية «منسوبة الى الصين- منه رح» حسنة يتراى فيه عذار الحي كعب بن اسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادي سيد الحيّين كليهما يحملهم فى الحرب ويطعهم فى المحل حيى بن اخطب قال قتل قال فما فعل «مقدمته الحرب ادلة- منه رح» مقدمتنا إذا شددنا وحاشيتنا إذا كررنا عزّالة بن شمول قال قتل- قال فما فعل المجلسان يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو ابن قريظة قال ذهبوا فقتلوا- قال فانى أسئلك بيدي عندك يا ثابت الا ما ألحقتني بالقوم فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير ارجع الى دار قد كانوا حلولا فيها فاخلد فيها بعدهم لا حاجة لى فى ذلك ولكنى يا ثابت انظر الى امراتى وولدي فاطلب الى صاحبك فيهم ان يطلقوا وان يردوا أموالهم فطلب ثابت من النبي ﷺ اهل الزبير وماله وولده فرد رسول الله ﷺ اهله وماله الا السلاح- قال الزبير يا ثابت أسئلك بيدك عندى الا ألحقتني بالقوم فما انا بصابر لله فتلة «١» دلو ناضح حتى القى الا حبة- قال ابن إسحاق فقدمه ثابت فضرب عنقه وقال محمد بن عمر قال ثابت ما كنت لا قتلك قال الزبير لا أبالي من قتلنى فقتله الزبير بن العوام رضى الله عنه- ولمّا بلغ أبا بكر الصديق رضى الله عنه قوله" القى الاحبة" قال يلقاهم فى نار جهنم خالدا مخلدا. ثم قسم اموال بنى قريظة ونساءهم وأموالهم على المسلمين وكان أول فئى وقع فيه السهمان وكان المسلمون ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثين وكان سهمان الخيل والرجال على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما للفرس سهمان ولصاحبه سهم وقاد رسول الله ﷺ ثلاثة افرس فلم يضرب السهم الا لفرس واحد- وهذا حجة لابى حنيفة ومالك والشافعي حيث قالوا لا سهم الا لفرس واحد وقال ابو يوسف ومحمد واحمد يسهم لفرسين ولا يسهم لاكثر من ذلك اجماعا وقد مرّ

стр. 3113

المسألة فى سورة الأنفال- وأسهم رسول الله ﷺ لخلاد بن سويد وقد قتل تحت الحصن وأسهم لسنان بن محصن ومات ورسول الله ﷺ محاصرهم وكان يقاتل مع المسلمين- وهذا حجة للائمة الثلاثة حيث قالوا الغنيمة لمن شهد الوقعة وان مات قبل هزيمة الكفار وإحراز الغنيمة بدار الإسلام وقد روى ابن ابى شيبة بسند صحيح الغنيمة لمن شهد الوقعة موقوفا على عمر وأخرجه الطبراني مرفوعا وموقوفا والموقوف أصح وروى الشافعي موقوفا على ابى بكر وفيه انقطاع وقال ابو حنيفة لا يتاكد الحق فى الغنيمة الا بالاحراز بدار الإسلام فمن مات او قتل قبل الاحراز لا سهم له ولا يورث منه- والمدد إذ الحق بدار الحرب بعد الوقعة قبل الاحراز بدار الإسلام يسهم لهم وقد مر مسئلة المدد فى سورة الأنفال. (مسئلة) وفى هذه القصة حجة للجمهور على ابى حنيفة حيث قالوا للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وقال ابو حنيفة سهم له وسهم لفرسه وقد مرّ المسألة فى سورة الأنفال والله اعلم. (فائدة) أخذ رسول الله ﷺ من السبي خمسا فكان يعتق ويهب منه من أراد وكذلك النخل عزل خمسه وكل ذلك يسهم عليه خمسة اجزاء وصار الخمس الى محمية بن جز الزبيدي ثم قسم اربعة أخماس على الناس واعطى رسول الله ﷺ النساء اللاتي حضرن القتال ولم يسهم لهن وهن صفية بنت عبد المطلب وأم عمارة نسية وأم سليط وأم العلاء الانصارية والسميرى بنت قيس وأم سعد بن معاذ وكبشة بنت رافع- وبعث رسول الله ﷺ طائفة مع السبايا مع سعد بن عبادة يشترى بهم سلاحا وخيلا كذا قال محمد بن عمر وقال ابن إسحاق بعث سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من بنى قريظة فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا- واشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف طائفة فاقتسما يقال لما قسم جعل الشوابّ على حدة والعجائز على حدة ثم خير عبد الرحمان عثمان فاخذ العجائز فربح عثمان مالا كثيرا وذلك لانه كان يوجد عند العجائز من المال ولم يوجد عند الشواب- قال ابن سيرة وانما لم يؤخذ ما جاءت به العجائز فيكون فى الغنيمة لانه لم يوجد معهن الا بعد شهر او شهرين- وجعل عثمان على كل من اشتراه من سبيهم شيئا

стр. 3114

موقتا فمن جاء منهن بالذي وقت لهن عتق فلم يتعرض لهن- ونهى رسول الله ﷺ ان يفرق فى القسم والبيع بين النساء والذرية وقال لا يفرق بين الام وولدها حتى يبلغ قيل يا رسول الله ما بلوغه قال تحيض الجارية- ويحتلم الغلام- رواه الحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت عنه ﷺ قال لا تفرقوا بين الام وولدها فقيل الى متى قال الى ان يبلغ الغلام وتحيض الجارية- وقال ابن الجوزي قال الدار قطنى فى سنده عبد الله بن عمر بن حسان ضعيف الحديث رماه على بن المديني بالكذب وروى الترمذي عن ابى أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة- وقال الترمذي حديث حسن غريب وصححه الحاكم على شرط مسلم وفيه نظر لان فى سنده حيى بن عبد الله ولم يخرجه فى الصحيح واختلف فيه ولذا لم يصححه الترمذي وروى الحاكم فى المستدرك عن عمران بن حصين قال قال رسول الله ﷺ ملعون من فرق بين والدة وولدها- وقال اسناده صحيح وفيه طليق بن محمد يرويه تارة عنه عن عمران بن حصين وتارة عنه عن ابى بردة وتارة عن طليق عن النبي ﷺ مرسلا- قلت ويمكن الجمع بان طليقا لعله سمعه عمران وعن ابى بردة كليهما فيرويه تارة عنه وتارة عنه وتارة مرسلا وقال ابن القطان لا يصح الحديث لان طليقا لا يعرف حاله قال ابن همام يريد خصوص ذلك والا فللحديث طرق كثيرة وشهرة وألفاظه توجب صحة المعنى المشترك وهو منع التفريق وروى الدار قطنى بسنده عن ميمون بن ابى شعيب عن على ﵇ انه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك فرد البيع- ورواه ابو داود ورده بالانقطاع بين ميمون ابن ابى شعيب وعلى قال ابن الهمام ان الإرسال عندنا لا يضر ورواه الحاكم وصحح اسناده ورجحه البيهقي. (مسئلة) ومن هاهنا قال ابو حنيفة لا يجوز ان يفرق بالبيع او الهبة او نحوهما بين مملوكين صغيرين وكذا بين صغير وكبير يكون بينهما رحم ومحرمية وكذا بين كبيرين كذلك عند احمد وقال مالك لا يفرق بين الام وولدها خاصة وقال الشافعي لا يفرق بين صغير وبين أبويه وان عليا- وجه قول مالك ان الحديث المذكور ورد

стр. 3115

فى المنع من التفريق بين الام وولدها خاصة والحق الشافعي بالأم الأصول مطلقا- ووجه قول ابى حنيفة واحمد فى المنع من التفريق بين اثنين بينهما رحم ومحرمية ان فى بعض الأحاديث ورد المنع فى غير الأصول والفروع ايضا عن على ﵇ قال وهب لى رسول الله ﷺ غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال رسول الله ﷺ يا على ما فعل غلامك فاخبرته قال رده رده قال الترمذي حديث حسن غريب وتعقبه ابو داود بانه من رواية ميمون بن ابى شعيب عن على وهو لم يدرك عليّا قلنا فهو مرسل والمرسل عندنا حجة وأخرجه الحاكم والدار قطنى من طريق اخر عن عبد الرحمان بن ابى ليلى عن على قال قدم على النبي ﷺ سبىّ فامرنى ببيع أخوين فبعتهما وفرقت بينهما ثم أتيت النبي ﷺ فاخبرته فقال أدركها فارتجعهما ولا تبعهما الا جميعا ولا تفرق بينهما وصححه الحاكم على شرط الشيخين ونفى ابن القطان العيب عنه وقال هو اولى ما اعتمد عليه فى هذا الباب ومن طريق اخر عند احمد والبزار قال ابن همام فيه انقطاع لكن لا يضر على أصلنا على ما عرف وروى الدار قطنى عن طليق بن عمران عن ابى بردة عن ابى موسى قال لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وأخيه وإذا ثبت المنع من التفريق بين أخوين ايضا ظهر ان علة المنع الرحم مع المحرمية ولا يمنع من التفريق المحرمية بالرضاع ونحو ذلك ولا رحم بلا محرمية كابن العم لانه ليس فى معناه. (مسئلة) من فرق بين والدة وولدها يأثم لكن ينعقد البيع وينفذ عند ابى حنيفة ومحمد وعند مالك والشافعي واحمد لا ينعقد بل هو باطل وكذا لا ينعقد البيع فى غير قرابة الولاد ايضا عند احمد وقال ابو يوسف يفسد البيع فى قرابة الولاد خاصة وعنه انه يفسد مطلقا سواء كان قرابة ولاد او غيرها ومبنى الخلاف على خلافية اصولية فان النهى عن الشرعيات بلا قرينة يوجب البطلان عندهم ويوجب الفساد عند ابى حنيفة وصاحبيه لكن أبا حنيفة ومحمدا قالا ان النهى فى هذا البيع انما هو لمعنى مجاور كالبيع وقت أذان الجمعة فلا يوجب الفساد بخلاف ما كان لوصف لازم- وجه قول ابى يوسف انه ﷺ امر عليّا برد البيع والارتجاع وذا لا يمكن

стр. 3116

الا عند فساد العقد وحمل ابو حنيفة الارتجاع على طلب الا قالة. (مسئلة) يجوز التفريق ان كانا بالغين كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت وقال احمد لا يجوز عملا بإطلاق الاخبار المذكورة وردّ ابن الجوزي حديث عبادة كما ذكرنا ولنا ايضا حديث سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع ابى بكر فغزونا فزارة الى ان قال فجئت بهم الى ابى بكر وفيهم امرأة معها ابنة لها من احسن العرب فنفلنى ابو بكر ابنتها فقدمت المدينة فقال النبي ﷺ يا سلمة هب لى المرأة قلت هى لك فقدى بها أسارى ثلاثة- وما روى انه ﷺ فرق بين مارية القبطية أم ابراهيم بن رسول الله ﷺ وسيرين أختها أهداهما المقوقس ملك الاسكندرية الى رسول الله ﷺ فوهب رسول الله ﷺ سيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمان بن حسان- ذكر الحديث ابن عبد البر فى الاستيعاب وذكر البزار ان هذا الحديث فى صحيح ابن خزيمة والله اعلم. (مسئلة) إذا كان مع الصغير أبواه لا يبيع واحدا منهم ولو كان أم وأخ او أم وعمة او خالة او أخ جاز البيع سوى الام فى ظاهر الرواية لان شفقة الام تغنى عمن سواه ولو كان له ستة اخوة ثلاثة كبار وثلاثة صغار فباع مع كل صغير كبيرا جاز ولو كان مع الصغير جدة وعمة وخالة جاز بيع العمة والخالة ولو كان معه عمة وخالة بدون جدة لا يباع الا معا- والأصل انه إذا كان معه عدد بعضهم ابعد من بعض جاز البيع سوى الأقرب وان كانوا فى درجة واحدة فان كانوا من جنسين مختلفين كالاب والام والخالة والعمة لا يفرق بل يباع الكل او يمسك الكل وان كانوا من جنس واحد كالاخوين والعمين جاز ان يمسك مع الصغير واحدا منهم ويبيع ما سواه والله اعلم. (مسئلة) ذكر فى سبيل الرشاد انه كان يباع الام وولدها الصغار من سبى بنى قريظة من اليهود ومن المشركين من العرب وإذا كان الولد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين ولا من اليهود الا من المسلمين وذا لان الصغير إذا سبى مع أحد أبويه يعتبر كافرا فيجوز بيعه من الكافر مشركا كان او يهوديا فان الكفر ملة واحدة-

стр. 3117

وان سبى لا مع أحد أبويه يعتبر مسلما بتبعية الدار والله اعلم واستشهد يوم بنى قريظة خلاد بن سويد ومنذر بن محمد. (فائدة) اصطفى رسول الله ﷺ لنفسه ريحانة بنت زيد بن عمرو بن حذافة من بنى النضير المتزوجة فى بنى عمرو بن قريظة وكانت جميلة فعرض عليها الإسلام فابت فعزلها ووجد فى نفسه فارسل الى ابن سعية فذكر له ذلك فقال ابن سعية فداك ابى وأمي هى تسلم فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها لا تبتغى قومك فقد رايت ما ادخل عليهم حيى بن اخطب فاسلمى يصطفيك رسول الله ﷺ فاجابت الى ذلك فبينا رسول الله ﷺ فى أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال ان هاتين لنعلا ابن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة فجاءه فقال يا رسول الله لقد أسلمت ريحانة فسرّ رسول الله ﷺ بذلك وكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفى عنها وهى فى ملكه وقد كان رسول الله ﷺ يحرص عليها ان يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركنى فى ملكك فهو أخف علىّ وعليك فتركها والله اعلم. (فائدة) ولمّا انقضى شأن بنى قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ قالت عائشة فحضره رسول الله ﷺ وابو بكر وعمر فو الذي نفس محمد بيده انى لا عرف بكاء ابى بكر من بكاء عمرو انى لفى حجرتى وكانوا كما قال الله تعالى رحماء بينهم. (مناقب سعد بن معاذ) عن انس قال لمّا حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخف جنازته وذلك لحكمه فى بنى قريظة فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال ان الملائكة كانت تحمله- رواه الترمذي وعن جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول اهتز عرش الرحمان لموت سعد بن معاذ- متفق عليه وعن البراء ابن عازب قال أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويتعجبون من لينها فقال أتعجبون من لين هذا لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها وألين- متفق عليه- ذكر البغوي وغيره ان ازواج النبي ﷺ سالنه من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة فى النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله

стр. 3118

صلى الله عليه وسلم والى ان لا يقربهن شهرا ولم يخرج الى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلّق رسول الله ﷺ نساءه فقال عمر لا علمكم ما شأنه فدخلت على رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أطلّقت نساءك قال لا قلت يا رسول الله انى دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول الله ﷺ فاخبرهم انك لم تطلقهن قال نعم ان شئت فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتى لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ فكنت انا استنبطت ذلك الأمر فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها اى السعة والتنعم فيها وزخارفها فَتَعالَيْنَ اصل تعال ان يقوله من كان فى مكان مرتفع لمن كان فى مكان دونه ثم كثر حتى استوت فى استعماله الامكنة كلها بمعنى اقبل الىّ والمعنى هاهنا اقبلن بارادتكن واختياركن لطلب الطلاق أُمَتِّعْكُنَّ اى اعطكن المتعة وَأُسَرِّحْكُنَّ اى أطلقكن سَراحاً طلاقا جَمِيلًا (٢٨) من غير ضرار. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ اى مراتب القرب الى الله ومرضاته وَقرب رَسُولَهُ وَنعماء الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ يعنى لمن أرادت رضوان الله ورسوله والدار الاخرة فانها هى المحسنة إذ الإحسان ان تعبد ربك بالحضور كانك تراه أَجْراً عَظِيماً (٢٩) قال البغوي وكانت تحت رسول الله ﷺ يومئذ تسع نسوة خمس من قريش عائشة بنت ابى بكر وحفصة بنت عمرو أم حبيبة بنت ابى سفيان وأم سلمة بنت امية وسودة بنت زمعة واربع من غير قريش زينب بنت جحش الاسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيى بن اخطب الخيبرية وجويرية بنت الحارث المصطلقية- ولمّا نزلت اية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة وكانت أحبهن اليه فخيرها وقرأ عليها القران فاختارت الله ورسوله والدار الاخرة ورات الفرح فى وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك- قال قتادة فلمّا اخترن الله ورسوله شكرهن على ذلك وقصره عليهن فقال لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ.

стр. 3119

اخرج مسلم واحمد والنسائي من طريق ابى الزبير عن جابر قال اقبل ابو بكر ليستأذن على رسول الله ﷺ فلم يؤذن له ثم اقبل عمر فاستاذن فلم يوذن له ثم اذن لهما فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه واجما «١» ساكتا قال فقال عمر لا قولن شيئا اضحك النبي ﷺ فقال لو رايت بنت خارجة سالنى النفقة فقمت إليها فوجأت «اى ضربت يحاء يضرب- منه رح» عنقها فضحك رسول الله ﷺ وقال هن حولى كما ترى يسئلننى النفقة فقام ابو بكر الى عائشة يجأء عنقها وقام عمر الى حفصة يجاء عنقها كلاهما يقولان لا تسئلنّ رسول الله ﷺ ابدا ما ليس عنده- ثم اعتزلهن شهرا وتسعا وعشرين ثم نزلت هذه الاية- قال فبدا بعائشة قال يا عائشة انى أريد ان اعرض عايك امرا احبّ ان لا تعجلى فيه حتى تستشير أبويك فقال وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآيات فقالت أفيك يا رسول الله استشير ابوىّ بل اختار الله ورسوله والدار الاخرة أسئلك ان لا تخبر امرأة من نسائك قال لا تسئلنى امراة منهن الا أخبرتها ان الله لم يبعثنى جحودا ولا مفتنا ولكنه بعثني مبشرا معلما وفى الصحيح عن الزهري ان النبي ﷺ اقسم ان لا يدخل على أزواجه شهرا قال الزهري فاخبرنى عروة عن عائشة قالت فبدانى فقلت يا رسول الله انك أقسمت ان لا تدخل علينا شهرا فانك بتسع وعشرين اعدهن قال ان الشهر تسع وعشرون. (فائدة) قال البغوي اختلف العلماء فى هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق حتى يقع الطلاق بنفس اختيارها نفسها أم لا فذهب الحسن وقتادة واكثر اهل العلم انه لم يكن تفويض الطلاق بل خيرهن فى طلب الطلاق فان اخترن الدنيا فارقهن بدليل قوله تعالى فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ- وذهب قوم الى انه كان تفويض الطلاق لو اخترن انفسهن كان طلاقا. (مسئلة) إذا قال الزوج لامراته اختاري ونوى بذلك ان تطلق نفسها ان شاءت فلها ان تطلق نفسها مادامت فى المجلس فان قامت منه او أخذت فى عمل

стр. 3120

اخر خرج الأمر من يدها لانه تمليك الفعل منهيّا والتمليكات يقتضى جوابا فى المجلس كما فى البيع قال صاحب الهداية لها خيار المجلس بإجماع الصحابة رضى الله عنهم وقال ابن همام قال ابن المنذر اختلفوا فى الرجل يخير زوجته فقالت طائفة أمرها بيدها فى المجلس فان قامت من مجلسها فلا خيار لها روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود رضى الله عنهم وفى أسانيدها مقال وبه قال جابر بن عبد الله وبه قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي ومالك وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وابو ثور واصحاب الرازي- وقالت طائفة أمرها بيدها فى المجلس وبعدها وهو قول الزهري وقتادة وابى عبيدة وابن نصر قال ابن المنذر وبه نقول لقوله ﷺ لعائشة لا تستعجلى حتى تستأمرى أبويك وحكى صاحب المغني هذا القول من الصحابة عن على رضى الله عنه وأجاب ابن الهمام عن قول ابن المنذر ان الرواية عن على لم يستقر فقد روى عنه قول الجماعة كذا نص محمد فى بلاغاته حيث قال بلغنا عن عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وجابر رضى الله عنهم فى الرجل يخير امرأته ان لها الخيار مادامت فى مجلسها ذلك فاذا قامت من مجلسها فلا خيار لها ولم يرو عن غيره من الصحابة ما يخالف ذلك فكان اجماعا سكوتيا وقوله فى أسانيدها مقال لا يضر بعد تلقى الامة بالقبول مع ان رواية عبد الرزاق عن جابر وابن مسعود جيدة- واما التمسك بقوله ﷺ لا تعجلى فضعيف لانه ليس فى الاية تخيير الطلاق وتفويضه كما يدل عليه قوله تعالى فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. (مسئلة) لا بد من النية فى قوله اختاري لانه يحتمل تخيرها فى نفسها ويحتمل تخيرها فى تصرف اخر غيره. (مسئلة) إذا قال الزوج اختاري فقالت اخترت نفسى فالمروى عن عمرو ابن مسعود وابن عباس انها تقع واحدة رجعية وبه أخذ الشافعي واحمد لان قوله اختاري بمنزلة قوله طلقى نفسك وقولها اخترت نفسى بمنزلة قوله طلقت نفسى والواقع بها رجعى اجماعا وبان الكتاب دل على ان الطلاق يعقب الرجعة الا الثالث- وروى عن زيد بن ثابت انه يقع الطلقات الثلاث وبه أخذ مالك فى المدخول بها وفى غيرها
следующие страницы →