عليه السلام ولم يكن فيها زلّة ومعصية من سليمان ﵇ والا لبالغ فى الندم والاستغفار ولم يسئل غير المغفرة والتوبة ولقال الله سبحانه فغفرنا له ذلك كما قال فى قصة داود ﵇ قال مقاتل وابن كيسان اى لا يكون من بعدي لاحد وقيل معنى من بعدي من سوائى كما فى قوله تعالى فمن يهديه من بعد الله وقال عطاء بن ابى رباح يريد هب لى ملكا لا تسلبنه فى اخر عمرى وتعطيه غيرى كما سلبته آنفا قيل سال سليمان ذلك ليكون اية لنبوته ومعجزة له قال مقاتل كان سليمان ملكا ولكنه أراد بقوله لا ينبغى لاحد من بعدي تسخير الرياح والطير والشياطين بدليل ما بعده عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علىّ صلاتى فامكننى الله منه فاخذته فاردت ان اربطه على سارية من سوارى المسجد حتى ينظر له كلكم فذكرت دعوة أخي.
سليمان ربّ هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدي فرددته خاسئا. متفق عليه قلت ويمكن انه أراد به لا ينبغى لاحد من بعدي فى المرتبة قال ذلك شفقة على الناس يعنى من كان مثلى فى انقطاع التعلقات عن الخلق واشتغال قلبه بحب الله ومعرفته لا يضره ولا يشغله عن الله شىء فكان له الدنيا وسيلة لكسب الحسنات ومن لم يكن كذلك كانت الدنيا له شاغلا عن الله فكانت له سمّا قاتلا- فان قيل الحديث يأبى عمّا قلت فان النبي ﷺ كان أعلى مرتبة من سليمان ولم يكن يعط ملكا مثله ولذلك لم يربط العفريت بالسارية قلنا نعم انه ﷺ كان أعلى مرتبة من سليمان ولكن لا نسلم انه لم يعط ملكا مثله لاجل دعائه بل الله سبحانه خيّره بين ان يكون نبيّا ملكا او يكون نبيا عبدا فاختار كونه نبيّا عبدا لكون الفقر أفضل عنده ودلّ هذا الحديث ايضا على ان الله تعالى مكنه على العفريت ان يربطه بالسارية لكنه ﷺ لم يربط باختياره حياء من سليمان ﵇ وكان النبي ﷺ نافذا حكمه على الجن والانس
تأتى بدعوته الأشجار ساجدة ... تمشى اليه على ساق بلا قدم
لكن كان عيش الفقراء وزيّهم مرعوبا عنده- وكذا الخلفاء الراشدون جمعوا بين الخلافة والفقر وحازوا فضائل الفريقين صلى الله تعالى عليه وعلى خلفائه واله وأصحابه
стр. 3362
أجمعين إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) المعطى ما تشاء لمن تشاء لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت..
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ قرأ أبو جعفر الرّياح على الجمع والباقون على الافراد بارادة الجنس والجملة معطوفة على جملة محذوفة تقديره فاستجبنا دعاءه فسخرنا له اى ذلّلنا لطاعته الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ الجملة صفة للريح على طريقة ولقد امر على اللئيم يسبنى او حال منه كقوله رُخاءً لينة لا تزعزع او لا تخالف إرادته حَيْثُ أَصابَ (٣٦) ظرف لتجرى يعنى حيث أراد يقول العرب أصاب الصواب فاخطا الجواب اى أراد الصواب.
وَالشَّياطِينَ اى وسخرنا له الشياطين كُلَّ بَنَّاءٍ يبنون الحصون والقصور وَغَوَّاصٍ (٣٧) يستخرجون له اللآلي من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر كلّ بدل من الشياطين.
وَآخَرِينَ عطف على كلّ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) مشددين فى القيود فصّل الشياطين الى عملة استعملهم فى الأعمال الشاقة كالبناء والغواص ومردة فرق بعضهم مع بعض فى السلاسل ليكفوا عن الشر قلت لعله لم يسلط على إبليس لما سبق له من الوعد بانّك من المنتظرين الى يوم الوقت المعلوم.
هذا عَطاؤُنا اى قلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك والبسط والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك عطاؤنا فَامْنُنْ اى فاعط من شئت أَوْ أَمْسِكْ عمن شئت بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) حال من المستكن فى الأمر اى غير محاسب على منّه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك قال الحسن ما أنعم الله على أحد نعمة الا عليه تبعة الا سليمان فانه ان اعطى اجر وان لم يعط لم يكن عليه تبعه وجاز ان يكون حالا من العطاء او صلة له وما بينهما اعتراض يعنى عطاء كثيرا لا يمكن احصاؤه وقال مقاتل هذا يعنى تسخير الشياطين عطاؤنا أعطيناكه فامنن يعنى خل منهم من شئت وامسك منهم فى وثاقك من شئت لا تبعة عليك فى إطلاقها ولا فى وثاقها.
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى فى الاخرة مع ما له من الملك العظيم فى الدنيا وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وهو الجنة-.
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ عطف بيان لعبدنا والجملة عطف على واذكر عبدنا
стр. 3363
داود إِذْ نادى رَبَّهُ بدل اشتمال من عبدنا أَنِّي مَسَّنِيَ قرأ حمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها وانّ مع جملته حكاية لكلامه الذي نادى به الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ قرأ ابو جعفر بضم النون والصاد ويعقوب بفتحهما والباقون بضم النون وسكون الصاد ومعنى الكل واحد اى بمشقة وضرّ وَعَذابٍ (٤١) اى والم قال مقاتل وقتادة بنصب فى الجسم وعذاب فى المال وقد ذكرنا قصة أيوب ومدة بلائه فى سورة الأنبياء ﵈ فلما انقضت مدة بلائه امره الله تعالى ان.
ارْكُضْ جملة مستأنفة بتقدير قلنا له اركض بِرِجْلِكَ اى اضرب برجلك الأرض هذا مُغْتَسَلٌ هذه الجملة مبنية على جملة محذوفة تقديره فركض فخرجت عين فقلنا له هذا مغتسل بارِدٌ اغتسل منه فذهب كل داء كان بظاهره وَشَرابٌ (٤٢) اشرب منه فذهب كل داء كان بباطنه وقيل نبعت عينان بركضتين حارة وباردة فاغتسل من إحداهما وشرب من الاخرى اخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال ركض برجله اليمنى فنبعت عين وضرب بيده اليمنى خلف ظهره فنبعت عين فشرب من إحداهما واغتسل من الاخرى.
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ عطف على مفهوم كلام سابق اى فشفيناه ووهبنا له اهله وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ عطف على اركض وعلى هذا وهبنا له الى آخره جملة معترضة او هى معطوفة على وهبنا بتقدير وقلنا له خذ بِيَدِكَ ضِغْثاً وهو ملأ الكف من الشجر والحشيش فَاضْرِبْ بِهِ امرأتك وَلا تَحْنَثْ فى يمينك وكان قد حلف ان يضربها مائة سوط فاخذ مائة عود من إذ خر او غيرها وضربها ضربة واحدة إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً فيما أصابه فى النفس والأهل والمال تعليل لما وهب ولا يخل شكواه الى الله تعالى من الشيطان فى كونه صابرا فانه لا يسمى جزعا كتمنى العافية وطلب الشفاء كما ذكرنا هناك ولشيخنا الشهيد رضى الله عنه هاهنا كلام رفيع وهو انه ﵇ صبر على البلاء سنين على ما ذكر فى القصة ثم لمّا أراد الله سبحانه ان يكشف عنه الضرّ القى فى روعه ان الله سبحانه يريد منك التضرع والدعاء فى كشف البلاء واظهار عجزك وافتقارك الى جناب الكبرياء فاختار ﵇ التضرع والدعاء على ما اقتضى طبعه من الصبر على البلاء ابتغاء لمرضاة
стр. 3364
الله فارتقى من مقام الصبر الى معارج الرضاء فشكر الله سبحانه على صبره بقوله انّا وجدناه صابرا وعلى ارتقائه الى مقام الرضاء بقوله نعم العبد انّه اوّاب نِعْمَ الْعَبْدُ أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) اى مقبل بشراشره على الله تعالى-.
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ الثلاثة عطف بيان لعبادنا وقرا ابن كثير عبدنا بناء على وضع الجنس موضع الجمع او هو على معنى التوحيد وابراهيم عطف بيان له وإسحاق ويعقوب معطوفان عليه أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) اولى القوة فى الطاعة والبصيرة فى الدين والمعرفة بالله كذا قال ابن عباس وقتادة ومجاهد عبّر بالأيدي عن الأعمال فى الطاعة لان أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لانها أقوى مباديها وفيه تعريض لبطلة الجهال فانهم كالزمنا والعماة.
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ اى جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة فيهم هى ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) فهو مرفوع او هو منصوب بتقدير اعنى او مجرور على البدل من خالصة اى تذكرهم للدار الاخرة دائما وتذكيرهم الناس كما هو داب الأنبياء وذلك التذكر سبب لخلوصهم فى الطاعة وذلك لان مطمح انظارهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه وذلك فى الاخرة وجاز ان يكون المضاف محذوفا اى ذكرى صاحب الدّار وهو الله سبحانه واطلاق الدار على الاخرة للاشعار بانها هى الدار على الحقيقة والدنيا معبر لاقرار فيها وما لا قرار فيها لا يسمى دارا قرأ نافع، وهشام «وابو جعفر- ابو محمد» باضافة خالصة الى ذكرى للبيان او لانه مصدر بمعنى الخلوص فاضيف الى فاعله- قال مالك بن دينار ونزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الاخرة وذكرها وقال مقاتل كانوا يدعون الى الاخرة والى الله وقال السدىّ أخلصوا بخوف الاخرة وقال ابن زيد معناه على الاضافة أخلصناهم بأفضل ما فى الاخرة وجملة انا أخلصناهم مع ما عطف عليه تعليل لما سبق.
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) لمن المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم فى الخير والأخيار جمع خير كشر واشرار وقيل جمع خيّر على تخفيفه كاموات جمع ميت او ميّت.
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب استخلفه الناس على بنى إسرائيل ثم
стр. 3365
استنبئ قرأ حمزة والكسائي والَّيسع بلام مشددة واسكان الياء تشبيها بالمنقول من ليسع والباقون بلام واحدة ساكنة وفتح الياء وَذَا الْكِفْلِ ابن عم اليسع او بشر بن أيوب اختلف فى نبوته ولقبه فقيل فرّ اليه مائة نبى من بنى إسرائيل فاواهم وكفلهم وقيل كفل لعمل رجل صالح كان يصلى كل يوم مائة صلوة وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) حال من مفعول اذكر-.
هذا اشارة الى ما تقدم من أمورهم ذِكْرٌ اى شرف لهم او هذا الذي تلى عليكم من القران ذكر جميل لهم- ثم شرع لما اعدّ لهم ولامثالهم فقال وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) مرجع.
جَنَّاتِ عَدْنٍ عطف بيان لحسن ماب او بدل منه وهى من الاعلام الغالبة لقوله تعالى جنّات عدن الّتى وعد الرّحمن عباده وانتصب عنها مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) على الحال والعامل فيها ما فى المتقين من معنى الفعل اى الكون والحصول وقوله لهم الأبواب مرفوع على انه أسند اليه مفتّحة والعائد الى ذى الحال محذوف اى مفتّحة لّهم منها الأبواب او اللام عوض عن المضاف اليه اى مفتّحة لّهم ابوابها او على انه بدل اشتمال من الضمير المستتر العائد الى الجنات.
مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) اى وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول وقوله متّكئين ويدعون حالان مترادفان او متداخلان من الضمير فى لهم لا من المتقين للفصل والأظهر أن يدعون استئناف لبيان حالهم فيها ومتّكئين حال من ضميره والاقتصار على الفاكهة للاستعار بان مطاعمهم لمحض التلذّذ فان التغذي للتحلّل ولا تحلل ثمه.
وَعِنْدَهُمْ نساء قاصِراتُ الطَّرْفِ اى قاصرات أطرافهن على أزواجهن لا ينظرن الى غيرهم أَتْرابٌ (٥٢) مستويات الأسنان بنات ثلاث وثلاثين سنة جمع ترب وعن مجاهد متواخيات لا يتباغضن كما تتباغض الضرات فى الدنيا ولا يتغايرن الجملة الظرفية حال او خبر لضميرهم.
هذا ما تُوعَدُونَ قرأ ابن كثير هاهنا وفى ق بالياء التحتانية على الغيبة والضمير للمتقين ووافقه ابو عمرو هاهنا والباقون بالتاء الفوقانية فيهما على الخطاب للمؤمنين لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) اى لاجله فان الحساب علة الوصول الى الجزاء او المعنى
стр. 3366
فى يوم الحساب.
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) اى انقطاع الجملة حال من رزقنا او خبر بعد خبر لانّ.
هذا اى الأمر هذا او هذا كما ذكرا وخذ هذا.
وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ اى الكافرين لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) مرجع.
جَهَنَّمَ بدل او عطف بيان لشرّ ماب يَصْلَوْنَها حال من جهنم فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) المهد والمفترش مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم محذوف اى جهنم او مهادهم جملة وانّ للطّاغين عطف او حال.
هذا العذاب منصوب بفعل مضمر يفسره فَلْيَذُوقُوهُ اى ليذوقوا هذا فليذوقوه او مبتداء خبره محذوف اى هذا نزلهم فليذوقوه او خبر مبتدا محذوف اى العذاب هذا فليذوقوه او مبتدا خبره حَمِيمٌ كذا قال الفراء وعلى هذا جملة فليذوقوه معترضة وعلى التأويلات السابقة حميم خبر مبتدا محذوف اى هو حميم والحميم هو الماء الحار الذي انتهى حره وَغَسَّاقٌ (٥٧) عطف على حميم قرأ حمزة والكسائي وحفص «وخلف- ابو محمد» بالتشديد على وزن فعّال كالخبّاز والطبّاخ وخفّفها الباقون على وزن فعال كالعذاب واختلفوا فى معناه قال ابن عباس هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرّها وقال مجاهد ومقاتل هو الذي انتهى برده وقيل هو المنتن بلغة الترك وقال قتادة هو ما يغسق اى يسيل من القيح والصديد من جلود اهل النار ولحومهم وفروج الزناة من قولهم غسقت اى انصبت والغساق انصباب اخرج البيهقي عن عطية قال الغساق الذي يسيل من صديدهم واخرج مثله عن ابراهيم وابى رزين واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا والضياء عن كعب قال الغساق عين فى جهنم تسيل إليها حمة كل ذى حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع يؤتى بالآدمي فيغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده عن العظام وتعلق جلده ولحمه فى كعبيه فيجرّ لحمه كما يجرّ الرجل ثوبه.
وَآخَرُ قرأ ابو عمرو ابو جعفر بضم الهمزة على انه جمع اخرى «ويعقوب- ابو محمد لا هو بالفتح كنافع ابو محمد» مثل الكبرى وكبر واختاره ابو عبيد لانه نعته بالجمع فقال ازواج والباقون بفتح الهمزة والف بعدها على التوحيد اى عذاب اخر او مذوق اخر مِنْ شَكْلِهِ صفة لاخر او خبر له اى مثل الحميم والغسّاق وتوحيد الضمير على انه لما ذكر او للشراب الشامل للحميم والغساق
стр. 3367
او للعذاب أَزْواجٌ (٥٨) أجناس خبر لاخر او صفة له او للثلاثة او مرتفع بالجار والمجرور والخبر محذوف اى لهم-.
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ قال ابن عباس هو كلام خزنة الناس للقادة من اهل النار وذلك ان القادة إذا دخلوا النار ثم دخل عليهم الاتباع قالت لهم الخزنة وقيل هو كلام القادة بعضهم لبعض اى هذا يعنى الاتباع فوج اى جماعة مقتحم معكم النار والاقتحام الدخول فى الشيء رميا بنفسه فيه قال الكلبي انهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم فى النار خوفا من تلك المقامع قلت وجاز ان يكون معناه ان النبي ﷺ وخلفاءه كانوا يحجزونهم عن النار ويمنعونهم عن ارتكاب موجبات دخولها وهم اقتحموا فيها حيث فعلوا موجبات دخولها عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ مثلى كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفرش وهذه الدواب التي تقع فى النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنّه فيقتحمنّ فيها قال فذلك مثلى ومثلكم انا أخذ يحجزكم عن النار هلمّ عن النار هلمّ عن النار فتغلبونى تقحمون فيها- متفق عليه وجملة هذا فوج مقتحم إلخ بتقدير القول استئناف تقديره يقول بعض الطاغين بعضا فى شأن بعض هذا فوج مقتحم معلم او يقال للرؤساء فى شأن الاتباع هذا فوج الى آخره فقالت القادة لا مَرْحَباً بِهِمْ اى بالاتباع دعاء من المتبوعين على اتباعهم فهذه الجملة بتقدير القول متصل بما سبق إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) تعليل بقوله لا مرحبا بهم اى داخلوها بأعمالهم مثلنا وجاز ان يكون لا مرحبا بهم صفة لفوج او حال اى مقولا فيهم لا مرحبا بهم يقال لمن يدعى له مرحبا اى أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا والرحب السعة وفيه تعظيم للجائى ويقال لمن يدعى عليه لا مرحبا تحقيرا له وبهم بيان للمدعو عليهم.
قالُوا استئناف اخر اى قال الاتباع للقادة بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ يعنى بل أنتم احقّ بما قلتم او بما قيل فينا لضلالكم واضلالكم إيانا وعللوا ذلك بقولهم أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ اى العذاب او الصلى لَنا بدعائكم إيانا الى الكفر فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) اى بئس المقر لنا ولكم جهنم.
стр. 3368
قالُوا استئناف اخر اى قالت الاتباع رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) اى مضاعفا على ما بهم من العذاب..
وَقالُوا عطف على قالوا ربّنا من قدّم لنا يعنى قالت كفار قريش وهم فى النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ فى الدنيا مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) جملة لا نرى حال من ضمير المتكلم فى لنا والعامل معنى الفعل والأشرار جمع شرير والشر ضد الخير والخير ما يرغب فيه الكل والشر ما يكرهه يعنى كنا نكرههم ونحقرهم فى الدنيا يعنون فقراء المؤمنين نحو عمّار وخبيب وصهيب وبلال وابن مسعود رضى الله عنهم أجمعين يسترذلونهم ويسخرون منهم.
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ اهل البصرة وحمزة «وخلف وابو محمد» والكسائي بهمزة الوصل على انه صفة اخرى لرجالا او حال بتقدير قد او خبر اخر لكنّا وقرأ الحجازيون وابن عامر وعاصم بالقطع على الاستفهام على انه انكار على أنفسهم فى الاستسخار منهم وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين كما مرّ فى المؤمنين والباقون بكسرها أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) فلا نراهم قال الفراء هذا من الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب وأم معادلة لهمزة فى جملة مقدرة مفهومة من قوله ما لنا لا نرى والتقدير ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتّخذناهم سخريا اليسوا هاهنا أم زاغت عنهم أبصارنا فلم نرهم وهم هاهنا- او الهمزة اتّخذناهم على القراءة الثانية بمعنى اىّ الأمر ما فعلنا بهم من الاستسخار منهم أم تحقيرهم فان زيغ البصر كناية عنه والمعنى إنكارهما على أنفسهم او منقطعة والمراد الدلالة على ان استرذالهم والاستخسار منهم كان لزيغ البصر منّا وقصور انظارنا على رثاثة حالهم وقال ابن كيسان يعنى أم كانوا خيرا منا ولم نعرفهم وكانت أبصارنا تزيغ عنهم.
إِنَّ ذلِكَ الذي حكينا عنهم لَحَقٌّ لا بد ان يتكلموا به ثم بين ما هو فقال تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) بدل من حق او خبر محذوف ولمّا شبه تقاولهم وما جرى بينهم من السؤال والجواب بما يجرى بين المتخاصمين سماه تخاصما ولان قول القادة لا مرحبا بهم وقول الاتباع بل أنتم لا مرحبا بكم تخاصم فسمى التقاول كله تخاصما لاشتماله
стр. 3369
على ذلك-.
قُلْ يا محمد لمشركى مكة إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ جملة قل مع المقولة مستأنفة وانّما لقصر القلب متصل بقوله تعالى قال الكافرون هذا ساحر كذّاب يعنى لست بساحر كذاب انّما انا منذر أنذركم بعذاب الله وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ عطف على انّما متصل بقوله اجعل الالهة الها واحدا الْواحِدُ الذي لا يقبل الشركة فى ذاته ولا فى صفة من صفاته الْقَهَّارُ (٦٥) على كل شىء فيه وعيد للكفار.
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الذي لا يغلب إذا عاقب الْغَفَّارُ (٦٦) الذي يغفر ما يشاء من الذنوب صغائرها وكبائرها لمن يشاء وفى هذه الأوصاف تتميم وتقرير للتوحيد ووعد للموحدين ووعيد للمشركين ودفع لتوهم انحصار وصفه بالقهر.
قُلْ يا محمد هُوَ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة يعنى القران نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) وقيل يعنى القيامة لقوله تعالى عمّ يتساءلون عن النّبإ العظيم وقيل يعنى ما انبأ تكم به من انى نذير من عقوبة من هذا صفته وانه واحد فى الألوهية لا شريك له فهو متصل بقوله انّما انا منذر وما من اله إلّا الله الواحد.
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) صفة اخرى لنبأ اى أنتم لتمادى غفلتكم معرضون عنه مع ان العاقل لا ينبغى ان يعرض عن مثله وقد قامت عليه الحجج الواضحة اما على التوحيد فما مرّوا ما على النبوة فقوله.
ما كانَ لِي قرأ حفص بفتح الياء والباقون بإسكانها مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى اى الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) فان الاخبار عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم مطابقا لما ورد فى الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصور الا بالوحى- وقيل المراد باختصامهم اختصامهم فى شأن آدم ﵇ حين قال الله تعالى انّى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يّفسد فيها ويسفك الدّماء وفى الحديث عن عبد الرحمان بن عائش الحضرمي يقول قال النبي ﷺ رايت ربى فى احسن صورة قال فيم يختصم الملا الأعلى يا محمد قلت أنت اعلم اى ربّ مرتين فقال وضع كفه
стр. 3370
بين كتفى فوجدتّ برده بين ثديى فعلمت ما فى السماء والأرض ثم تلا هذه الاية وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السّموات والأرض وليكون من الموقنين ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت فى الكفارات قال وما هن قلت المشي بالاقدام الى الجماعات والجلوس فى المساجد خلف الصلوات وإسباغ الوضوء؟؟؟ أماكنه فى المكاره قال من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون خطيئته كيوم ولدته امه ومن الدرجات اطعام الطعام وبذل السلام وان تقوم بالليل والناس نيام قال قل اللهم انى أسئلك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وان تغفر لى وترحمنى وتتوب علىّ وإذا أردت فتنة فى قوم فتوفنى غير مفتون فقال رسول الله ﷺ فو الذي نفس محمد بيده انهن لحق- رواه البغوي فى شرح السنة والتفسير ورواه الدارمي الى قوله وليكون من الموقنين وللترمذى عنه نحو ما روى البغوي وللترمذى عن ابن عباس ومعاذ بن جبل بمعناه مع تغير فى العبارة ولعل المراد باختصام الملا الا على فى الكفارات ان جمعا منهم يبتدرون ان يكتتبوها يريد كل منهم ان يهيا بها وجه الرحمان اوّلا كما فى حديث رفاعة بن رافع كنا نصلى وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده فقال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم آنفا قال انا قال رايت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ايّهم يكتبها أول- رواه البخاري إذ متعلق بعلم او بمحذوف والتقدير من علم بكلام الملا الأعلى إذ يختصمون ان.
يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) انما مع جملته أما فى محل الرفع على انه أسند اليه يوحى وأما فى محل النصب على العلّية ويوحى حينئذ مسند الى المصدر المفهوم من الفعل يعنى ما اوحى الى الّا الانذار المبين او ما اوحى الىّ وحيي الا لإجل الانذار فانه هو المقصود من الإرسال. وقيل المراد بالنبا العظيم قصة آدم وإبليس والانباء به من غير سماع والمراد بالملا الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لانهم كانوا فى السماء وكان التقاول بينهم.
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) بدل من إذ يختصمون
стр. 3371
مبين له فان القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس فى خلق آدم واستحقاقه- للخلافة والسجود على ما مرّ فى البقرة غير انها اختصرت اقتصارا على ما هو المقصود هاهنا وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي ﷺ بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم هذا ومن الجائز ان يكون مقاولته إياهم بواسطة ملك او ان يفسر الملا على بما يعم الله والملائكة وجاز ان يكون إذ منصوبا باذكر.
فَإِذا سَوَّيْتُهُ اى أتممت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أضاف الروح الى نفسه تشريفا لادم او تشريفا للروح فَقَعُوا فخروا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) وقد مر الكلام فيه فى البقرة.
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ عطف على قال ربّك كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) .
إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ اى تعظم تعليل للاستثناء وَكانَ اى صار مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) باستكباره عن امر الله تعالى او استكباره عن المطاوعة او كان منهم فى علم الله تعالى.
قالَ ربك يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ كلمة بيدىّ من المتشابهات فالسلف لا يأولونه ويؤمنون به ويكلون مراده الى الله تعالى والخلف يأولونه ويقولون خلقته من غير توسط كاب وأم والتثنية لما فى خلقه من مزيد القدرة وترتب الإنكار عليه للاشعار بانه المستدعى للتعظيم او بانه الذي تشبثت به فى تركه وهو لا يصلح لكونه مانعا إذ للسيد ان يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص أَسْتَكْبَرْتَ همزة الاستفهام للتوبيخ والإنكار دخلت على همزة الوصل يعنى اتكبرت من غير استحقاق أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) اى من الذين استحقوا التفوق توبيخ على الشق الاول وانكار للشق الثاني.
قالَ إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ابدا المانع واستدل عليه بقوله خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قد سبق الكلام عليه..
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها اى من الجنة وقيل من السماوات وقال الحسن وابو العالية من الخلقة التي أنت فيها قال الحسن بن الفضل هذا تأويل صحيح لان إبليس تجبّر وافتخر بالخلقة فغيّر الله خلقه فاسود وقبح بعد حسنه فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) مطرود لست بخير تعليل للامر بالخروج.
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي قرأ نافع «وابو جعفر ابو محمد» بفتح الباء والباقون بإسكانها
стр. 3372
إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) لا يظن بان اللعنة منتهية بيوم الدين بل معناه ان عليه اللعنة وحدها الى يوم الدين ثم ينضم إليها العذاب.
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) الفاء للسببية فان طرده لعداوة آدم سبب لطلبه الانظار لاغواء بنى آدم.
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) الفاء للسببية فان سواله سبب لهذا المقال والجملة الاسمية تدل على ان انظاره كان محكوما عليه فى علم الله القديم قبل سواله لا اجابة لدعائه.
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) وهى النفخة الاولى وقد مرّ بيانه فى الحجر.
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) هذه الفاء ايضا للسببية فان انظاره تعالى إياه سبب لعزمه على اغوائهم ولو لم يكن من الله انظارا لم يقدر على اغوائهم أجمعين اقسم اللعين بعزته اى بسلطانه تعالى وقهرمانه حتى يكون وسيلة لتسلطه على ما يريد.
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وعصمهم عن الضلالة او أخلصوا قلوبهم لله على اختلاف القرائتين فان ابن كثير وابو عمرو وابن عامر «ويعقوب وابو محمد» قرأوا بكسر اللام والباقون بفتحها.
قالَ فَالْحَقُّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب «وخلف ابو محمد» بالرفع «لا هو بالنصب كابى عمرو- ابو محمد» على انه خبر مبتدا محذوف اى انا الحق او مبتدا خبره محذوف والحق اسم من اسماء الله تقديره الحق يمينى او قسمى والباقون بالنصب بنزع الخافض اى حرف القسم كقوله تعالى لافعلن وجاز ان يكون تقديره فاحق الحق وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) جملة معترضة وقيل تكرار للقسم اقسم الله بنفسه وجواب القسم قوله.
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ اى من جنسك ليتناول الشياطين وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اى من بنى آدم أَجْمَعِينَ (٨٥) اى لا اترك منكم ومنهم أحدا والمراد بمن تبعك الكفار وان كان التقدير انا الحق او أحق الحق فهذه الجملة جواب قسم محذوف وأجمعين تأكيد للضميرين..
قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على الانذار او على القران مِنْ أَجْرٍ جعل وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) اى من المتقولين القران من تلقاء نفسه او المدعين لنفسه ما ليس له تكلفا على ما عرفتم من حالى يعنى لا ادعى النبوة بلا حقيقة
стр. 3373
وجملة قل ما اسئلكم الى آخره مقرى لمضامين الجمل السابقة اخرج البخاري عن عمر قال نهينا عن التكلف. وروى البغوي عن مسروق قال دخلنا على ابن مسعود فقال يا ايها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله اعلم فان من العلم ان يقول لما لا يعلم الله اعلم قال الله تعالى لنبيه قل ما لسئلكم عليه من اجر وما انا من المتكلّفين قلت قوله ما انا من المتكلّفين تأكيد لمضمون قوله ما اسئلكم عليه من اجر فان من لا يسئل شيئا من الاجر لا ضرورة له فى ان يتكلف فى المقال.
إِنْ هُوَ اى القران إِلَّا ذِكْرٌ اى عظة لِلْعالَمِينَ (٨٧) للثقلين اوحى الىّ وانا ابلّغه.
وَلَتَعْلَمُنَّ يا كفار مكة جواب قسم محذوف نَبَأَهُ وهو ما فيه من الوعد والوعيد او صدقه بإتيان ذلك بَعْدَ حِينٍ (٨٨) قال ابن عباس وقتادة اى بعد الموت وقال عكرمة يوم القيامة قال الحسن ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين ثم تفسير سورة ص من تفسير المظهرى بتوفيق الله تعالى سادس رجب من السنة السابعة بعد الف ومائتين سنة ١٢٠٧ هـ- ويتلوه تفسير سورة الزمر ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.
стр. 3374
سورة الزمر
مكيّة الا قوله تعالى قل يا عبادى الّذين أسرفوا الاية وهى خمس وسبعون اية وقيل اثنان وسبعون «١» ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
تَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر مبتدا محذوف اى هذا او مبتدا خبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فى ملكه الْحَكِيمِ (١) فى صنعه وهو على الاول صلة التنزيل او خبر ثان او حال عمل فيها معنى الاشارة او التنزيل والظاهر ان الكتاب على الاول السورة وعلى الثاني القران.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ اى متلبسا بالحق او بسبب اثبات الحق وإظهاره وتفصيله وليس هذا تكرارا لان الاول كالعنوان للكتاب والثاني لبيان ما فيه فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) مخلصا له الدين من الشرك والرياء وتقديم والخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكدا وأجراه مجرى العلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال.
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ جملة معترضة للتنبيه اى انا هو الذي وجب اختصاصه بان يخلص له الطاعة فانه المنفرد بصفات الالوهية والاطلاع على الاسرار والضمائر وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
يعنى الكفرة الذين اتخذوا مِنْ دُونِهِ اى من دون الله أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ اى قالوا ما نعبدهم إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ كذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس وحينئذ قالوا المقدر بدل من الصلة او حال بتقدير قد من فاعل اتخذوا وقوله زُلْفى مصدر بمعنى قربى قال البغوي اسم أقيم مقام المصدر كانه قال ليقرّبونا الى الله تقريبا او حال والموصول مبتدا خبره إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
стр. 3375
وبين المسلمين فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من امر الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم وجاز ان يكون خبر الموصول جملة قالوا ما نعبدهم وجملة انّ الله يحكم بينهم مستأنفة وجاز ان يكون المراد بالموصول المعبودون بالباطل على حذف الراجع يعنى الّذين اتّخذوهم من دونه اولياء من الملائكة وعيسى والأصنام انّ الله يحكم بينهم وجملة ما نعبدهم بتقدير القول حال او بدل للصلة ولا يحتمل كونه خبرا اخرج جويبر عن ابن عباس فى هذه الاية قال أنزلت فى ثلاثة احياء عامر وكنانة وبنى سلمة كانوا يعبدون الأوثان ويقولون الملائكة بناته فقالوا ما نعبدهم الّا ليقرّبونا الى الله زلفى وقال البغوي انهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السّماوات والأرض قالوا لله فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأوثان قالوا ليقرّبونا الى الله زلفى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ بنسبة الولد الى الله وبقوله الأصنام تشفع عند الله كَفَّارٌ (٣) لانعام الله حيث يشرك به غيره يعنى ان الله لم يرد ولا يريد ان يهديهم ولو شاء لهداهم فلم يكذبوا ولم يكفروا جملة معترضة..
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما زعموا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ العائد الى الموصول ضمير منصوب محذوف والموصول مع الصلة مفعول لاصطفى وممّا يخلق حال منه والعائد الى الموصول فيه ايضا ضمير منصوب يعنى لو أراد الله اتخاذ الولد لاصطفى ما يشاءه مما خلق إذ لا موجود الا وهو مخلوقه لقيام الادلة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب اليه ومن البين ان المخلوق لا يماثل الخالق فيقول مقام الولد له فهذا الكلام فى قوة ان يقال لو أراد الله ان يتّخذ ولدا لا يتصور ذلك فحذف الجزاء وأقيم دليله مقامه وجاز ان يكون العائد الى الموصول فى ممّا يخلق الضمير المرفوع والمعنى لو أراد الله ان يتّخذ ولدا لاصطفى ولدا بقدر على خلق الأشياء وذا محال لانه يستلزم تعدد الالهة فهو دليل على امتناع ارادة الله ان يتخذ ولدا ثم قرر ذلك بقوله سُبْحانَهُ ان يكون له ولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ يعنى ان الالوهية التي تتبع الوجوب مستلزم للتوحد فى ذاته وصفاته وتنافى المماثلة والمشاركة فانى يكون له ولد والولد لا يكون
стр. 3376
الا من جنس الوالد ناشيا من بعض اجزائه الْقَهَّارُ (٤) القهارية المطلقة ينافى المشاركة وقبول الزوال المحوج الى الولد ثم استدل على ذلك بقوله.
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اى متلبسا بالحق غير عابث بل ليكون دليلا على الصانع يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يغشى كل واحد منهما الاخر كانه يلف عليه لف اللباس باللابس او يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفاف او يجعله كارا عليه كرورا متتابعا مثل اكوار العمامة والحاصل انه يخلق كل واحد منهما عقيب الاخر قال الحسن والكلبي ينقص من الليل ويزيد فى النهار وينقص من النهار ويزيد فى الليل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي فى الفلك لِأَجَلٍ مُسَمًّى اى ليوم القيامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على كل شىء الْغَفَّارُ (٥) حيث لم يعاجل فى العقوبة ولم يسلب ما فى هذه الصنائع من الرحمة والمنفعة-.
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم ﵇ خلقها من غير اب وأم ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها استدلال اخر بما أوجده فى العالم السفلى وثمّ للعطف على محذوف هو صفة نفس اعنى خلقها او على معنى واحدة اى من نفس وحّدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها او على خلقكم والعطف بثم لتفاوت ما بين الآيتين فان الاول عادة مستمرة دون الثانية وقيل معنى قوله خلقكم من نفس انه أخرجكم من ظهره كل ذرية ذراها حين أخذ الميثاق ثم خلق منها حواء زوجها وَأَنْزَلَ لَكُمْ اى قضى وقسّم لكم فان قضاياه وقسمه يوصف بالنزول من السماء لما كتب فى اللوح او المعنى أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء كاشعة الكواكب والأمطار وقيل معناه خلق فى الجنة مع آدم ﵇ ثم انزل منها لكم مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ذكر وأنثى من الإبل وو البقر والضأن والمعز حال من الانعام يَخْلُقُكُمْ جملة مبينة لما سبق اى يخلق الانس والانعام فيه تغليب لذوى العقول على غيرهم فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسى لحما ثم ينفخ فيه الروح فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظلمة البطن والرحم والمشيمة او الصلب والرحم والبطن ذلِكُمُ
стр. 3377
اى الذي فعل هذه الافعال مبتدا خبره اللَّهُ رَبُّكُمْ خبر ثان لَهُ الْمُلْكُ خبر ثالث لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر رابع اى لا يستحق العبادة أحد غيره لعدم اشتراك أحد فى الخلق فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) الفاء للسببية والاستفهام للاستبعاد والتعجب يعنى كيف تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان الشافي وعن عبادته الى عبادة غيره-.
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وعن ايمانكم شرط حذف جزاؤه وأقيم دليله مقامه تقديره ان تكفروا يعود وبال كفركم إليكم لا الى الله تعالى فانّ الله غنىّ عنكم وعن ايمانكم وانما أنتم تحتاجون اليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالايمان وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ عطف على الشرطية يعنى الكفر مبغوض غير مرضى له تعالى وان كان بإرادته حيث قال من يرد الله ان يّهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا وهو قول السلف وعليه اجماع اهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة وذكر البغوي انه قال ابن عباس والسدىّ معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم انّ عبادى ليس لك عليهم سلطان وهذا القول مبنى على ان يكون الرضاء بمعنى الارادة مجازا والا فالحق انه لا يستلزم الارادة ولا يرادفه فان إرادته يتعلق بالخير والشر كله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويستحيل تخلف المراد عن إرادته قال الله تعالى انّما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون وَإِنْ تَشْكُرُوا اى تؤمنوا بربكم وتطيعوه يَرْضَهُ لَكُمْ قيل فى تفسيره يثيبكم به وهذا حاصل المعنى فان الرضاء يستلزم الاثابة أصله يرضاه سقط الالف بالجزم فقرأ نافع وعاصم وحمزة وهشام «ويعقوب وابن وردان بخلاف عنه ابو محمد» باختلاس حركة هاء الضمير ابقاء على ما كان لان ما قبله ساكن تقديرا وابو عمر وابن كثير وابن ذكوان والكسائي «اى الدوري بخلاف منه- ابو محمد» « (وخلف وابو جعفر بخلاف عنه-» بإشباع الحركة لانها صارت بحذف الالف موصولة بمتحرّك وهى رواية ابى حمدان وغيره عن اليزيدي وفى رواية عن ابى عمرو بإسكان الهاء وبه قرا يعقوب وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ وِزْرَ نفس أُخْرى اى لا تحمله فيه اشارة الى ان وبال كفركم لا يتجاوز عنكم الى غيركم فلا يتضرر به النبي ﷺ فدعوته إياكم الى الايمان ليس الا لاجل ان ينفعكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ
стр. 3378
تَعْمَلُونَ
بالمجازاة إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) فيجازى على أعمالكم على حسب نياتكم-.
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً اى راجعا إِلَيْهِ مستغيثا ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ اى أعطاه او جعله ذا حشم واتباع والخول الحشم والاتباع قال رسول الله ﷺ فى العبيد إخوانكم وخولكم جعل الله تحت ايديكم او تعهده كما فى الحديث كان ﵇ يتخولنا اى يتعهدنا بالموعظة من قولهم فلان خائل مال وهو الذي يصلحه ويقوم به كذا فى النهاية والقاموس نِعْمَةً مِنْهُ اما مفعول ثان لخوّله ان كان بمعنى أعطاه او مفعول له نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ اى الضرّ الذي كان يدعوا الله الى إزالته او نسى ربه الذي كان يتضرع اليه وما حينئذ بمعنى من كما فى قوله تعالى وما خلق الذّكر والأنثى مِنْ قَبْلُ النعمة وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً اى شركاء لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ اى دين الإسلام قرأ ابن كثير وابو عمرو ورويس بفتح الياء والباقون بضمها والضلال والإضلال لمّا ترتب على ذلك شبّه بالعلة الغائية كما فى قوله تعالى فالتقطه ال فرعون ليكون لهم عدوّا وحزنا قُلْ يا محمد لهذا الكافر تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا فى الدنيا الى أجلك امر تهديد وفيه اقناط للكافرين من التمتع فى الاخرة ولذلك علله على سبيل الاستيناف بقوله إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) قيل نزلت فى عيينة بن ربيعة وقال مقاتل نزلت فى ابى حذيفة بن المغيرة المخزومي-.
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ اى قائم بوظائف الطاعات قال ابن عمر القنوت قراءة القرآن وطول القيام قرأ ابن كثير ونافع وحمزة بتخفيف الميم فالتقديرا من هو قانت لله كمن جعل له أندادا وقرأ الباقون بتشديد الميم فام حينئذ منقطعة والمعنى امّن هو قانت كمن جعل له أندادا او متصلة بمحذوف تقديره امّن جعل لله أندادا ولم يشكر نعمته خير أم من هو قانت آناءَ اللَّيْلِ ساعاته ساجِداً وَقائِماً فى الصلاة حالان من الضمير فى قانت يَحْذَرُ الْآخِرَةَ اى يخاف عذاب الاخرة استقصارا لنفسه فى العمل وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ غير معتمد على عمله يعنى يجمع بين الخوف والرجاء
стр. 3379
ولا يجاوز فى الخوف حده حتى يكون أنسا فانّه لا ييئس من روح الله الّا القوم الكافرون ولا فى الرجاء حده حتى يكون أمنا فانه لا يأمن من «١» مكر الله الّا القوم الخاسرون. والجملتان واقعتان موقع الحال او الاستئناف للتعليل قال البغوي قال ابن عباس فى رواية الضحاك نزلت هذه الاية فى ابى بكر الصديق واخرج ابن ابى سعيد من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس انه قال نزلت فى عمار بن ياسر واخرج جويبر عن ابن عباس انه قال نزلت فى ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى ابى حذيفة واخرج جويبر عن عكرمة قال نزلت فى عمار بن ياسر وقال البغوي قال الضحاك نزلت فى ابى بكر وعمر رضى الله عنهما وعن ابن عمر انها نزلت فى عثمان وكذا اخرج ابن ابى حاتم عنه وعن الكلبي انها نزلت فى ابن مسعود وعمار وسلمان ووجه الجمع بين الأقوال انها نزلت فى جميعهم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الله تعالى متصفا بصفات الجلال والجمال فيحذر عذابه ويرجو رحمته فيعمل فى طاعته ويتقى عن معاصيه وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذلك والاستفهام للانكار اى لا يستوون فهذه الجملة تقرير للاول على سبيل التعليل وقيل تقرير له على سبيل التشبيه يعنى كما لا يستوى العالم والجاهل كذلك لا يستوى المطيع والعاصي وقيل نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيهما باعتبار القوة العملية على وجه الأبلغ لمزيد الفضل قيل الّذين يعلمون عمار والذين لم يعلموا ابو حذيفة المخزومي إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) بامثال هذه البيانات..
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اى أمنوا وأحسنوا العمل يعنى أتوه بالخشوع والخضوع كما قال رسول الله ﷺ الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق بقوله أحسنوا حَسَنَةٌ فى الاخرة يعنى الجنة مبتدا خبره للذين أحسنوا والجملة تعليل بقوله اتقوا ربكم وقيل فى الدنيا ظرف مستقر حال من حسنة وهو فاعل للظرف المستقر اعنى قوله للّذين أحسنوا قال السدىّ فى هذه الدّنيا حسنة الصحة والعافية وهذا القول
стр. 3380
ليس بسديد فان الصحة والعافية كما يعطى المؤمن يعطى الكافر ايضا بل قد ينعكس الأمر.
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فلا عذر للمقصرين فى الطاعة لمزاحمة الكفار ففيه كناية عن طلب الهجرة من البلد الذي يتعسر فيه الإحسان ومن ثم قال ابن عباس فى تفسيره ارتحلوا من مكة وعن مجاهد انه قال فى هذه الاية قال الله تعالى ارضى واسعة فهاجروا واعتزلوا وقال سعيد بن جبير يعنى من امر بالمعاصي فليهرب والجملة اما معطوفة على قوله للّذين أحسنوا فى هذه الدّنيا حسنة واما على قوله اتّقوا ربّكم لكونها بمعنى هاجروا إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١) قيل يعنى الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للاذى من الكفار او صبروا على مفارقة الأوطان والمعارف قيل نزلت الاية فى جعفر بن ابى طالب وأصحابه مهاجرى الحبشة حيث لم يتركوا دينهم فاذا اشتد فيهم البلاء صبروا وهاجروا واللفظ عام يعمهم وكل من صبر على البلاء وعلى مشقة الطاعة وحبس النفس عن المعصية- قال البغوي قال على رضى الله عنه كل مطيع يكال له كيلا ويؤزن له وزنا الا الصابرون فانهم يحثى عليهم حثيا- وروى الاصبهانى عن انس قال قال رسول الله ﷺ تنصب الموازين ويؤتى باهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل البلاء فلا تنصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصبّ عليهم الاجر صبّا بغير حساب حتى يتمنى اهل العافية انهم كانوا فى الدنيا تقرض أجسادهم بالمقاريض مما يذهب به اهل البلاء وذلك قوله تعالى انّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب. وذكر البغوي نحوه واخرج الطبراني وابو يعلى بسند لا بأس به عن ابن عباس قال يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ثم يؤتى بالمصدق فينصب للحساب ثم يؤتى باهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب لهم الاجر صبّا حتى ان اهل العافية ليتمنون بالموقف ان أجسادهم قرضت بالمقاريض من حيث ثواب الله لهم. واخرج الترمذي وابن ابى الدنيا عن جابر قال قال رسول الله ﷺ يودّ اهل العافية يوم القيامة حين يعطى اهل البلاء الثواب لو ان جلودهم
стр. 3381
قرضت بالمقاريض- قلت لعل المراد باهل البلاء اهل العشق بالله بدليل ان الشهيد لم يعد من اهل البلاء مع ان أشد بلاء الدنيا القتل وهو قد صبر على بذل نفسه فى سبيل الله..
قُلْ إِنِّي قرأ نافع «ابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) اى موحد اله.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) اى أمرت بالإخلاص لاجل ان أكون مقدمهم فى الدنيا والاخرة لان قصب السبق انما هو بالإخلاص او لكونى أول من اسلم من قريش ومن دان بدينهم والعطف لمغائرة الثاني الاول بتقيده بالعلة وللاشعار بان العبادة المقرونة بالإخلاص وان اقتضت لذاتها كونها مأمورا بها فهى ايضا مقتضية لما يلزمه من السبق فى الدين وجاز ان يكون اللام زائدة كما فى أردت لان افعل فيكون امرا بالتقدم فى الإسلام والبدء بنفسه فى الدعاء اليه بعد الأمر به فانه بعث داعيا للنّاس الى الإسلام وذلك يقتضى كونه أول المسلمين فان دعوة غيره فرع اتصافه بنفسه وفيه امالة لغيره الى الإسلام يعنى انى لا أدعوكم الا الى ما هو خير إذ لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسى وقد اخترته اولا.
قُلْ إِنِّي قرأ نافع وابو عمرو «وابو جعفر ابو محمد» وابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بترك الإخلاص والميل الى ما أنتم عليه من الشرك وسوء الأعمال عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) فيه تحذير للمخاطبين عن العصيان كما فى الاية السابقة وامالة الى الإسلام قال البغوي هذه الاية نزلت حين دعى الى دين ابائه.
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) امر بالأخبار عن إخلاصه فى العبادة بعد الأمر بالأخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا على المخالفة من العقاب قطعا لاطماعهم ولذلك رتب عليه قوله..
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ تهديدا وخذلانا لهم وهذا جواب شرط محذوف تقديره ان لم توافقونى فى العبادة لله خالصا فاعبدوا ما شئتم فسترون ما يترتب عليه من العذاب والخسران قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالضلال وَأَهْلِيهِمْ يعنى اتباعهم من الأزواج والأولاد والخدم بالإضلال يَوْمَ الْقِيامَةِ حين أوردهم النار ظرف لخسروا من خسر التاجر إذا غبن فى تجارته
стр. 3382
فانهم بالضلال والإضلال بدلوا نصيبهم من الجنة بنصيبهم من النار وهو لازم وجاء هاهنا متعديّا قال البغوي قال ابن عباس وذلك (يعنى خسران الأهل) ان الله جعل لكل انسان منزلا فى الجنة وأهلا فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له ومن عمل بمعصية كان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بالطاعة قلت فعلى هذا معنى خسر اهله انه فوّت اهله وقيل خسران الأهل ان كانوا من اهل النار فبالاضلال وان كانوا من اهل الجنة فلذهابه عنهم ذهابا لا رجوع بعده أَلا ذلِكَ اى خسران يوم القيامة هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) دون غير ذلك من اصناف الخسران فان خسران الدنيا سهل ويتبدل وفيه مبالغة فى خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير بالا وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين ثم شرح الخسران بقوله.
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ أطباق سرادقات من النار ودخانها وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ فرش ومهاد من النار الى ان ينتهى الى القعر- سمّى السافلة ظللا لكونها ظللا لمن تحتهم ذلِكَ العذاب هو الذي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) اى اتقونى ولا تتعرضوا لما يوجب سخطى وعذابى-.
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ البالغ فى الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بنى للمبالغة فى المصدر كالرحموت ثم وصف به للمبالغة فى النعت ولذلك اختص بالشيطان وفسره البغوي بالأوثان لان تأنيث الضمير فى قوله أَنْ يَعْبُدُوها وهو بدل اشتمال من الطاغوت يدل على ان المراد به الأوثان وَأَنابُوا اى اقبلوا بشراشرهم إِلَى اللَّهِ عمّا سواه لَهُمُ الْبُشْرى بالثواب على السنة الرسل فى الدنيا وعلى السنة الملائكة عند حضور الموت يعنى هم استحقوا ان يبشروا ولذلك فرع قوله فَبَشِّرْ يا محمد عِبادِ (١٧) قرأ ابو شعيب بياء مفتوحة وصلا ساكنة وقفا وابو حمدون وغيره عن اليزيدي مفتوحة فى الوصل محذوفة فى الوقف وهو قياس قول ابى عمرو حيث يتبع الرسم فى الوقف والباقون يحذفونها فى الحالين. «ووقف يعقوب بالياء- ابو محمد» اخرج جويبر بسنده عن جابر بن عبد الله قال لمّا نزلت لها سبعة أبواب الاية اتى رجل من الأنصار النبي صلى الله
стр. 3383
عليه وسلم فقال يا رسول الله ان لى سبعة مماليك وانى قد اعتقت لكل باب منها مملوكا فنزلت فبشّر عبادى.
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعنى يستمعون القران وغيره فيتبعون القران ويستمعون كلام الرسول وكلام الكفار فيتبعون كلام الرسول كان حق الكلام فبشرهم فوضع الظاهر اعنى عبادى الّذين يستمعون ألح موضعه للدلالة على ان مبدا اجتنابهم من الطاغوت انهم نقادون للاقوال يميزون بين الخبيث والطيب والقبيح والحسن وبين الحسن والأحسن قال عطاء عن ابن عباس أمن ابو بكر رضى الله عنه بالنبي ﷺ فجاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص وسعيد بن زيد فسالوه فاخبرهم بايمانه فامنوا فنزلت فيهم هذه الاية والأحسن حينئذ بمعنى الحسن إذ لا حسن فى اقوال الكفار قال ابن زيد نزلت الآيتان فى ثلاثة نفر كانوا من الجاهلية يقولون لا اله الا الله زيد بن عمرو بن نفيل او سعيد بن زيد وابى ذر الغفاري وسلمان الفارسي والأحسن قول لا اله الا الله وقال السدىّ يتبعون احسن ما يؤمرون به فيعملون به قيل هو ان الله ذكر فى القران الانتصار من الظالم والعفو والعفو احسن الامرين وذكر العزائم والرخص والعزائم احسن أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) اى ذوى العقول السليمة عن معارضة الأوهام والعادات وفى ذلك دلالة على ان الهداية تحصل بخلق الله تعالى وقبول النفس لها-.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ فى علم الله القديم كذا قال ابن عباس كَلِمَةُ الْعَذابِ يعنى خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي أَفَأَنْتَ يا محمد تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) يعنى لا تقدر عليه قال ابن عباس يريد أبا لهب وولده الجملة الشرطية معطوفة على جملة محذوفة دل عليه الكلام تقديرهء أنت مالك أمرهم فمن حقّ عليه كلمة العذاب فانت تنقذه من النّار كرّرت الهمزة فى الجزاء لتأكيد الإنكار والاستبعاد ووضع من فى النّار موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه وان اجتهاد الرسول ﷺ فى دعائهم الى الايمان سعى فى إنقاذهم من النار ويجوز
стр. 3384
ان يكون أفأنت تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والاشعار بالجزاء المحذوف تقديره أفمن حقّ عليه كلمة العذاب تهديه أفأنت تنقذ من فى النّار فان من حقّ عليه كلمة العذاب كانه فى النار حالا- ثم استدرك لدفع توهم كون سعيه ﷺ غير مفيد مطلقا بقوله.
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعنى لكن الذين حق لهم كلمة الرحمة وسبق فى علم الله انهم يتقون ربهم فى إيراده بصيغة الماضي ايضا اشعار بان من حكم بانهم يتقون فهم كالذين وقع منهم التقوى لَهُمْ غُرَفٌ منازل رفيعة فى الجنة مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ منازل ارفع من الاولى مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى من تحت كل من الفوقانية والتحتانية الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ اى وعدهم الله تلك الغرف وعدا مصدر مؤكد لنفسه لان قوله لهم غرف فى معنى الوعد لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) لان الخلف نقص وهو على الله محال عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي ﷺ ان اهل الجنة يتراءون اهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر فى الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغهم غيرهم قال بلى والذي نفسى بيده رجال أمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين- وقد ذكرنا الأحاديث الواردة فى الباب فى تفسير سورة الفرقان فى تفسير قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة بما صبروا-.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا الاستفهام للانكار وانكار النفي اثبات وانّ مع جملتها قائم مقام المفعولين لِأ لم تر فَسَلَكَهُ فادخله يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ الظرف متعلق بسلكه على طريقة قوله تعالى كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين وينابيع حال من الضمير المنصوب قال الشعبي كل ماء فى الأرض فمن السماء وجاز ان يكون ينابيع مفعولا ثانيا لسلكه على التوسع على طريقة أدخلته بيتا فى الدار والينبوع جاء للمنبع والنابع فعلى الاول للنابع وعلى الثاني للمنبع ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ اى اخرج بالماء زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ اصنافه من بر وشعير وغيرهما او كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما ثُمَّ يَهِيجُ اى ييبس فَتَراهُ بعد خضرته ونضرته مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا منكسرا
стр. 3385
إِنَّ فِي ذلِكَ الأحداث والتغير لَذِكْرى اى لتذكيرا على وجود الصانع القديم القادر الحكيم الذي دبّره وسوّاه على انه مثل الحيوة الدنيا فلا ينبغى ان يغتر بها لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) إذ لا يتذكر بها غيره ومن لم يتذكر فليس من اولى الألباب بل كالانعام بل أضل منها..
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعنى أفاض فى قلبه نورا أدرك به الحق حقا والباطل باطلا فاذعن بكل ما جاء به النبي ﷺ بلا ارتياب عبّر عن تلك الحالة بشرح الصدر لان الصدر محل القلب والروح القابل للاسلام فاذا كان قلبه قابلا لاحكام الإسلام صار كظرف انشرح وتفسح حتى حال فيه المظروف فَهُوَ اى ذلك الشخص عَلى نُورٍ اى بصيرة مِنْ رَبِّهِ الهمزة للانكار والفاء للعطف على ما فهم مما سبق من قوله تعالى أفمن حقّ عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النّار لكن الّذين اتّقوا ربّهم فانه يفهم منه الفرق بين المؤمن والكافر والموصول مبتدا وخبره محذوف يدل عليه ما بعده والإنكار راجع الى مضمون الفاء كانه قال لما ثبت الفرق بين المؤمن والكافر فليس من شرح الله صدره للاسلام وترتب عليه كونه على نور من ربه فامن واهتدى كمن طبع الله على قلبه فقسى عن ابن مسعود قال تلا رسول الله ﷺ أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربّه قلنا يا رسول الله كيف انشرح صدره قال إذا دخل النور القلب انشرح صدره وانفسح قلنا يا رسول الله فما علامة ذلك قال الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله. رواه البغوي والحاكم والبيهقي فى شعب الايمان فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ الفاء للسببية مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ متعلق بالقاسية والمعنى من أجل ذكر الله اى إذا ذكر الله عندهم او تليت عليهم آياته اشتدت قساوتهم وهو ابلغ من ان يكون عن مكان من لان القاسية من أجل الشيء أشد تأبيا من القبول من القاسي عنه بسبب اخر وللمبالغة فى وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده الى الله وقابله بقساوة القلب وأسنده الى القلب فهذه الاية فى معنى قوله تعالى والّذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون وقيل بحذف المضاف تقديره من ترك ذكر الله أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) قال
стр. 3386
مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب وما غضب الله على قوم إلا نزع منهم الرحمة- روى الحاكم وغيره عن سعد بن ابى وقاص قال انزل على النبي ﷺ القران فتلا عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا واخرج ابن جرير عن عون بن عبد الله ان اصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة فقالوا لو حدثتنا فنزلت.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ تقرير لقوله انّا أنزلنا إليك الكتاب وما بينهما معترضات وفى الابتداء باسم الله وبناء نزّل عليه تأكيد للاسناد اليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه كِتاباً بدل من احسن الحديث او حال منه مُتَشابِهاً صفة لكتابا يعنى يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى والدلالة على المنافع العامة والحسن المعجز ويصدق بعضه بعضا مَثانِيَ صفة اخرى جمع مثناة اسم الظرف فانه ثنى فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهى والاخبار والاحكام وصف به الكتاب باعتبار تفاصيله فهو كقولك القران سور وآيات والإنسان عروق وعظام ولحم واعصاب او جعل تميزا من متشابها كقولك رايت رجلا جسيما حسنا شمائل او جمع مثنية اسم الفاعل فان آياته تثنى على الله لصفاته الكمال تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ خوفا لما فيه من الوعيد الجملة صفة ثالثة لكتابا ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ اى لذكر الله بالرحمة وعموم المغفرة- والإطلاق للاشعار بأن اصل امره الرحمة وان رحمته سبقت غضبه والتعدية بالى لتضمين معنى السكون والاطمينان وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هى من عوارضها يعنى إذا ذكر عذاب الله فى آيات الوعيد من القران يخاف قلوب المؤمنين وتقشعر جلودهم والاقشعرار انقباض وتغير فى جلد الإنسان عند الخوف وإذا ذكر الله بالرحمة فى آيات الوعد من القران تلين جلودهم وتسكن قلوبهم- لمّا وصف الله القران بكونه مثانى؟؟؟ فيه ذكر الوعيد والوعد وصفه بما يتاثر به المؤمنون عند الوعيد والوعد فكان تقدير الكلام يخاف منه قلوب الذين يخشون ربهم وتقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله
стр. 3387
عن العباس رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه «اى تساقطت- نهايه منه ره» كما يتحاتت عن الشجر اليابسة ورقها- رواه الطبراني بسند ضعيف ورواه البغوي وفى رواية للبغوى إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار- فان قيل بعض اهل العشق من الصوفية الكرام يغشى عليه عند استماع القران فهل هو من الأحوال الحميدة او القبيحة وقد شنع عليهم الامام محى السنة البغوي رحمة الله عليه فى تفسيره فقال قال قتادة هذا يعنى ما ذكر من اقشعرار الجلد من خشية الله نعت اولياء الله نعتهم الله بان تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم انما ذلك فى اهل البدع وهو من الشيطان أخبرنا عن عبد الله بن الزبير قال قلت لجدتى اسماء بنت ابى بكر كيف كان اصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القران قالت كانوا كما نعتهم الله تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم قال فقلت لها ان نأسا إذا قرئ عليهم القران خرّ أحدهم مغشيّا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- وروى البغوي ان ابن عمر مرّ على رجل (من اهل العراق) ساقط فقال ابن عمر ما بال هذا قالوا انه إذا قرئى عليه القران وسمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر انا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر ان الشيطان يدخل فى جوف أحدهم ما كان هكذا صنيع اصحاب رسول الله ﷺ قلت وجه طريان هذه الحالة كثرة نزول البركات والتجليات مع ضيق حوصلة الصوفي وضعف استعداده وانما لم توجد هذه الحالة فى الصحابة رضى الله عنهم مع وفور بركاتهم لاجل سعة حواصلهم وقوة استعداداتهم ببركة صحبة النبي ﷺ واما غير الصحابة من الصوفية فعدم طريان تلك الحالة عليهم اما لقلة نزول البركات واما لسعة الحوصلة والعجب من الامام الهمام محى السنة البغوي ﵀ كيف أنكر على اصحاب تلك الحالة وشنع عليهم ونسى قوله تعالى حتّى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ وهو العلىّ الكبير وقد روى هو فى تفسير
стр. 3388
تلك الاية عن النواس بن سمعان رضى الله عنه إذا أراد الله بالأمر تكلم بالوحى أخذت السماوات منه رجفة او قال رعدة شديدة خوفا من الله فاذا سمع ذلك اهل السماوات صعقو او خرّوا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرئيل الحديث- وروى البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ نحوه بلفظ إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا
لقوله كانه سلسلة على صفوان فاذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ الحديث- وقوله تعالى فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا.
وقول ابن عمر ان الشيطان يدخل فى جوف أحدهم وكذا استعاذة اسماء محمول على انهما زعما غشى ذلك الرجل تكلفا ومكرا ولذا نسباه الى الشيطان وانما كان انكار تلك الحالة منهما لعدم طريان الحالة عليهما وعلى أمثالهما بناء على وسعة الحوصلة وقوة الاستعداد- ويدل على ما قلت انه ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القران فقال بيننا وبينهم ان يقعد أحدهم على ظهر بنية باسطا رجليه ثم يقرا عليهم القران من اوله الى آخره فان رمى بنفسه فهو صادق حيث علّق صدقه على رمى نفسه من ظهر بنية مرتفعة فعلم منه انه حمل صرعه على الكذب والتكلف- اعلم ان البشر أقوى استعدادا وأوسع حوصلة من الملائكة كما يشهد عليه قوله تعالى انّى جاعل فى الأرض خليفة الى قوله انّى أعلم ما لا تعلمون- وقوله تعالى انّا عرضنا الامانة على السّموات والأرض الاية ولاجل ذلك يأتى حالة الغشي على الملائكة كلّما سمعوا الوحى دون البشر واما البشر فاذا تمّ نزوله لا يتغير حاله الا نادرا وإذا تم عروجه وقصر نزوله يتغير غالبا واعلم ان الصوفي متى كان فى السكر يتغير حاله غالبا عند ذكر المحبوب فى الشعر والتغني ولذلك يستحبون السماع لكن تغير الحال عند سماع القران اشرف منه حالا لان عند استماع القران وتلاوته تتنزل البركات الاصلية المتعلقة بالتجليات الذاتية والصفات الحقيقية ولا سبيل إليها لاكثر الصوفية المحتبسين فى مقام ولاجل ذلك تراهم يتغير حالهم عند السماع ما لا يتغير عند تلاوة القران واما الذين صعدوا ذروة الأفق الأعلى ثم دنى رب العزة وتدلّى فكان قاب قوسين أفادني لا يتغير أحوالهم الا كما كان يتغير حال اصحاب رسول الله ﷺ رضى الله عنهم
стр. 3389
تدمع عيونهم وتقشعرّ جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله ذلِكَ الخوف والرجاء او احسن الحديث هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ هدايته وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ اى يخذله فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٦٣) يخرجه من الضلالة-.
أَفَمَنْ يَتَّقِي الاستفهام للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أيستوي الفريقان فمن يتّقى بِوَجْهِهِ اى يجعله وقاية لنفسه ومعناه ان الإنسان إذ القى مخوفا من المخاوف استقبله بيديه يتّقى بهما وجهه لانه أعزّ أعضائه والكافر حين يلقى فى النار تكون يداه مغلولتين الى عنقه فلا يستطيع ان يتّقى الا بوجهه- قال مجاهد يجر على وجهه فى النار منكوسا فاول شىء منه تمسه النار وجهه وقال مقاتل هو ان الكافر يرمى فى النار مغلولة يده الى عنقه وفى عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت فيشتعل النار فى الحجر وهو معلق فى عنقه ويده سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ كمن هو أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف فى نظائره وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ اى لهم وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم واشعارا بموجب ما يقال وهو ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) اى وباله وجملة وقيل للظّالمين حال بتقدير قد من فاعل يتقون وجاز ان يكون معطوفا على مفهوم ما سبق اعنى عذب.
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى قبل كفار مكة كذبوا الرسل فى إتيان العذاب فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) اى من الجهة التي لا يخطر ببالهم إتيان الشرّ منها.
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ اى الذلّ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كالمسخ والخسف والقتل وتسليط الريح والصيحة والرمي بالحجارة والغرق وغير ذلك وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ المعدّ لهم أَكْبَرُ من عذاب الدنيا لشدته ودوامه لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) اى لو كان اهل مكة من اهل العلم والنظر لاعتبروا بمن قبلهم او المعنى لو كان المكذّبون يعلمون وبال التكذيب ما كذبوا..
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ اى لاجل انتفاعهم وتبصرهم فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتاج اليه الناظر فى امر دينه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) يتعظون به.
قُرْآناً عَرَبِيًّا منصوب على المدح او الحال من هذا ان قلنا ان المجرور مفعول به
стр. 3390
او بتقدير فى تنزيل هذا القران حتى يكون مفعولا لتنزيل المقدر والاعتماد فيها على الصفة كقوله جاءنى زيد رجلا صالحا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لا اختلال فيه بوجه ما فهو ابلغ من المستقيم واختص بالمعاني قال ابن عباس غير مختلف وقال مجاهد غير ذى لبس يعنى لا ريب فيه وقال السدى غير مخلوق ويروى ذلك عن مالك بن انس قال البغوي وحكى عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين ان القران ليس بخالق ولا مخلوق يعنون انه صفة من صفات الله تعالى ليس عين ذاته تعالى فيكون خالقا ولا غيره منفكا عنه فيكون حادثا مخلوقا وهذا يدل على ان الكلام اللفظي قديم صفة من صفات الله تعالى إذ الكلام النفسي الذي يدل عليه الكلام اللفظي لا يوصف بكونه عربيّا واما تعاقب حروف الكلام اللفظي الدال على حدوثه فانما لضيق المحل وحدوثه واما الكلام القائم بذاته فتوهم التعاقب فيه قياس للغائب على الشاهد كما يتوهم النافون للرؤية اشتراط الجهة والمسافة وغير ذلك فى رؤية البصر ليس كمثله شىء فى ذاته ولا فى اتصافه بصفاته ولا فى شىء من صفاته وله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) الكفر والمعاصي علة اخرى مرتبة على الاولى او بدل او بيان للاولى..
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للمشرك والموحد رَجُلًا بدل من مثل بتقدير المضاف اى مثل رجل فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ اى مختلفون صفة لشركاء وهو فاعل للظرف المستقر او مبتدا خبره الظرف والجملة صفة لرجلا يعنى مثل المشرك على زعمه حيث يدعى الهة متعددة مثل عبد مشترك فى جماعة مختلفين يتجاذبونه ويتعاورونه فى مهامهم المختلفة فهو فى تحير وتوزع قلب وَرَجُلًا سَلَماً اى خالصا ومسلما لِرَجُلٍ لا منازع له فيه قرأ ابن كثير وابو عمرو «ويعقوب- ابو محمد» سالما على وزن فاعلا والباقون من غير الف على وزن حسن يعنى مثل المؤمن الموحد مثل عبد لواحد لا شريك فيه وليس لغيره اليه سبيل هَلْ يَسْتَوِيانِ اى ذانك العبدان مَثَلًا اى صفة وحالا ونصبه على التميز ولذلك وحده والاستفهام للانكار والتقرير يعنى حمل المخاطب على الإقرار بانهما لا يستويان حالا فان الموحد حسن حالا من المشرك وجملة هل يستويان تقديره قال الله هل يستويان مثلا بيان لمقصود قوله ضرب الله مثلا الْحَمْدُ لِلَّهِ يعنى الحمد كله لله لا يشاركه فيه على الحقيقة أحد غيره لانه المنعم بالذات
стр. 3391
والمالك على الإطلاق بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) ذلك فيشركون به غيره من فرط جهلهم وقيل تقدير الكلام قل الحمد لله على نعمة التوحيد والاختصاص بالمولى الواحد الحميد وبل حينئذ ليست للاضراب بل هى ابتدائية حكاية عن حال الجاهلين..
إِنَّكَ مَيِّتٌ اى ستموت ابرز بلفظ الصفة المشبهة الدالّة على الثبوت حالا لكونه متيقن الوقوع وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) اى كفار مكة او جميع الناس بصدد الموت فلا شماتة بالموت قال المحلى نزلت لمّا استبطؤا موت النبي ﷺ قال الفراء والكسائي الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت والميت بالتخفيف من فارقه الروح ولذلك لم يخفف هاهنا.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يعنى أنت وكفار مكة او الناس أجمعون يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فتحتج عليهم وتقول يا ربّ انّ قومى اتّخذوا هذا القران مهجورا وانهم كذبونى وكنت على الحق فى التوحيد وكانوا على الباطل فى التشريك واجتهدتّ فى الإرشاد والتبليغ ولجّوا فى العناد والتكذيب ويعتذرون بالأباطيل مثل قولهم والله ربّنا ما كنّا مشركين وقولهم ما جاءنا من بشير ولا نذير وقولهم انّا اطعنا سادتنا وكبراءنا- ما وجدنا عليه آباءنا ويختصم الناس بعضهم مع بعض فاول ما يقضى فيه الدماء اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن مسعود رض قال قال رسول الله ﷺ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء واخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس قال سمعت النبي ﷺ يقول يأتى المقتول متعلق رأسه بإحدى يديه متكيا قاتله باليد الاخرى وتشخب أوداجه دما حتى يأتى العرش فيقول المقتول لرب العلمين هذا قتلنى فيقول الله للقاتل تعست ويذهب به الى النار- واخرج الطبراني فى الأوسط عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال يجئ المقتول أخذا قاتله وأوداجه تشخب دما فيقول رب سل هذا فلم قتلنى فيقول قتلته ليكون العزة لفلان قال هى لله ﵎ وروى ابن ابى حاتم عن ابن مسعود فذكر انه يؤتى بالقاتل والمقتول فيوقفان بين يدى الرحمان فيقال له لم قتلته فان كان قتله لله قال قتلته ليكون العزة لله فيقال فانها لله وان كان قتله لخلقه من خلق الله يقول قتلته ليكون العزة لفلان
стр. 3392
فبقال فانها ليست له فيقتل يومئذ كل خلق الله قتله ظالم غير انه يذاق الموت عدة الأيام التي أذاقها الاخر فى الدنيا- واخرج احمد والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه لما نزلت انّك ميّت وانّهم ميّتون ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما بيننا فى الدنيا مع خواص الذنوب قال نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يصل الى كل ذى حق حقه- قال الزبير والله ان الأمر لشديد- واخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابى أيوب رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال أول من يختصم يوم القيامة الرجل والمرأة والله ما يتكلم لسانه ولكن يداها ورجلاها يشهدن عليها بما كانت تعيب لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها ثم يدعى الرجل وخدمه مثل ذلك ثم يدعى اهل الأسواق وما يوجد ثمه دوانيق ولا قراريط ولكن حسنات هذا يدفع الى هذا الذي ظلم وسيئات هذا الذي ظلمه يوضع عليه ثم يؤتى بالجبارين فى مقامع من حديد فيقال أوردوهم الى النار- واخرج احمد بسند حسن عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ أول خصمين يوم القيامة الجاران- واخرج البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال من كان عنده مظلمة لاخيه فليحلله منها فى الدنيا فانه ليس ثمه دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتحمل عليه- واخرج مسلم والترمذي عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال رسول الله ﷺ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلوة وصيام وزكوة قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقبض ويقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل ان يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فيطرح عليه ثم طرح فى النار- قلت المراد بالحسنات التي يأخذها المظلوم من الظالم اجر حسناته ما سوى الايمان إذ المظالم وغيرها من السيئات ما عدا الكفر جزاؤه متناه على اصول اهل السنة
стр. 3393
والجماعة فان مرتكب الكبيرة عندهم لا يخلد فى النار والايمان جزاؤه الخلود فى الجنة وهو غير متناه فلا يأتى ما هو متناه على ما ليس بمتناه- فالحاصل انه إذا فنيت حسنات الظالم قبل ان يقتض ما عليه من الخطايا وبقي عنده الايمان المجرد أخذ من خطايا
المظلومين ما عدا الكفر لكونه غير متناه الجزاء فلا يوازن ما هو متناه الجزاء فيطرح على الظالم ثم طرح فى النار ان لم يعف عنه حتى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا ادخل الجنة بايمانه ويخلد فيها وقال البيهقي مثل ما قلت واخرج مسلم عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال لتردن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى تعاد للشاة الجماء من الشاة القرناء- وفيه حتى للجاء من القرناء وللذرة من الذرة- وفى الباب أحاديث كثيرة لم اذكرها وروى البيهقي عن الزبير بن العوام قال لمّا نزلت على رسول الله ﷺ ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون قلنا كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد حتى رايت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت انه نزلت فينا- وعن ابن عمر نحوه وعن ابى سعيد الخدري فى هذه الاية قال كنا نقول ربنا واحد ونبينا واحد وكتابنا واحد فما هذه الخصومة فلمّا كان يوم الصفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا- وعن ابراهيم قال لما نزلت ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن اخوان فلمّا قتل عثمان قالوا هذا خصومتنا- ومقتضى هذه الأقوال انهم كانوا يزعمون ان الاختصام فى الدماء لا يكون الا بين المؤمنين والكافرين فلمّا ظهر البغي والفساد بين المسلمين اتضح لهم انه يكون بين المؤمنين ايضا-.
فَمَنْ أَظْلَمُ الفاء للسببية فان اختصام الكفار مع النبي ﷺ سبب لكونهم اظلم الناس والاستفهام للانكار يعنى لا أحد اظلم مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فزعم ان له ولدا وشريكا- وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ اى بما جاء به النبي ﷺ من القران وغيره إِذْ جاءَهُ من غير توقف وتفكر فى امره بل مع الشواهد والادلة القاطعة على صدقه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً اى منزلا ومقاما لِلْكافِرِينَ (٣٢) استفهام للتقرير فقوله تعالى انّك ميّت وانّهم ميّتون مع ما يتلوه تسلّية للنبى ﷺ على
стр. 3394
تكذيب القوم حتى لا تهتم فى الانتقام منهم فان جهنم يكفيهم مجازاة لاعمالهم.
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أراد به الجنس ليتناول الرسل والمؤمنين يدل عليه قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) بصيغة الجمع ويؤيده قراءة ابن مسعود والّذين جاءوا بالصّدق وصدّقوا به قال ابن عباس يعنى رسول الله ﷺ جاء بلا اله الا الله وصدّق به ايضا اى بلّغه الى الخلق وعلى هذا جمعية الخبر بناء على ان المراد هو ومن تبعه كما فى قوله تعالى ولقد اتينا موسى الكتب لعلّهم يهتدون وقال السدى الّذى جاء بالصّدق جبرئيل وصدّق به محمد ﷺ تلقاه بالقبول وقال الكلبي وابو العالية الّذى جاء بالصّدق رسول الله ﷺ وصدّق به ابو بكر الصديق رضى الله عنه وكذا ذكر الزجاج قول على رضى الله عنه وكذا روى عن ابى هريرة وقال قتادة ومقاتل الّذى جاء بالصّدق رسول الله ﷺ وصدّق به المؤمنون وقال عطاء والّذى جاء بالصّدق الأنبياء وصدّق به الاتباع- قال صاحب المدارك والبيضاوي والوجه فى العربية ان يكون جاء وصدّق لفاعل واحد لان التغاير يستدعى إضمار الذي وذا غير جائز او إضمار الفاعل من غير تقدم ذكر وذا بعيد- قلت وكيف يحكم بعدم جواز حذف الموصول وقد روى عن علماء التفسير من الكلبي وابى العالية وقتادة ومقاتل ما ذكرنا وورد فى شعر حسان بن ثابت رضى الله عنه امن يهجو رسول الله منهم ويمدحه وينصره سواء فان التقدير امن يهجو ومن يمدحه سواء وقال صاحب البحر المواج يمكن ان يقال انه من باب اللف والنشر الإجمالي على طريقة قالوا لن يّدخل الجنّة الّا من كان هودا او نصرى او يقال تقديره والفريق الّذى جاء بالصّدق وصدّق به وهو شامل للنبى ﷺ وابى بكر وضمير جاء بالصدق راجع الى الموصول نظرا الى النبي ﷺ وضمير صدق به راجع اليه نظر الى ابى بكر.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فى الجنة ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) على إحسانهم.
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا يسترها عليهم بالمغفرة خص الأسوأ بالذكر للمبالغة فانه إذا كفّر الا سوا فغيره اولى فيه رد لمذهب المعتزلة حيث يدل على عفو كبيرة والاشعار
стр. 3395
بانهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون كل سيئة عملوها أسوأ الذنوب ويقال افعل هاهنا للتفضيل مطلقا لا على ما أضيف اليه وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ اى يعطيهم ثوابهم اى ثواب أعمالهم بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) يعنى يعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها فى زيادة الاجر وعظمه لفرط إخلاصهم او يقال احسن هاهنا ايضا للزيادة المطلقة قال مقاتل يجزيهم بمحاسن أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوي..
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ استفهام للنفى مبالغة فى الإثبات يعنى الله كاف عَبْدَهُ محمدا ﷺ وقرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي «وخلف- ابو محمد» عباده يعنى أنبياءه او محمدا ﷺ وأصحابه وَيُخَوِّفُونَكَ عطف على معنى اليس الله بكاف تقديره الله كاف عبده ويخوّفونك وجاز ان يكون حالا بتقدير وهم يخوّفونك بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ قال البغوي وذلك انهم خوّفوا النبي ﷺ معرة الأوثان وقالوا لتكفنّ عن شتم الهتنا او ليصيبنّك منهم خبل او جنون وكذا اخرج عبد الرزاق وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا يضر ولا ينفع فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) يهديهم الى الرشاد.
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ إذ لا راد لفضله أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ الاستفهام للانكار يعنى الله غالب ينفع ذِي انْتِقامٍ (٣٧) منتقم من أعدائه.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعنى كفار مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية وبداهة عدم صلاح الأوثان لها وكان اهل مكة يعترفون بذلك قُلْ يا محمد بعد اعترافهم لذلك أَفَرَأَيْتُمْ يعنى أخبروني بعد ما اعترفتم بان خالق العالم هو الله لا غير ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ قرأ حمزة بسكون الياء والباقون بفتحها اللَّهُ بِضُرٍّ اى بشدة وبلاء هَلْ هُنَّ يعنى اوثانكم كاشِفاتُ ضُرِّهِ عنى أَوْ ان أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ عنى قرأ ابو عمرو «ويعقوب ابو محمد» كاشفات ممسكات بالتنوين فيهما ونصب ضرّه ورحمته على المفعولية والباقون بالاضافة استفهام انكار يعنى يلزمهم باعترافهم السابق انكار كون الأصنام قادرة على كشف ضر او إمساك
стр. 3396
رحمة قال مقاتل فسالهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا فقال الله تعالى لرسوله قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يكفينى فى إصابة الخير ودفع الضرّ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) اى المؤمنون لعلمهم بانه نافع ولا ضارّ الا هو عبّر المؤمنين بالمتوكلين لان شأنهم التوكل على الله.
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى على حالكم اسم للمكان استعير هنا للحال كما ان حيث وهنا اسمان للزمان وقد يستعار أحدهما للمكان إِنِّي عامِلٌ اى على مكانتى فحذف للاختصار والمبالغة فى الوعيد والاشعار بان حاله ﷺ لا يقف على حد بل الله سبحانه يزيده على مر الدهور قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم فى الدارين فقال فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فان خزى أعدائه دليل على غلبته وقد أخزاهم يوم بدر وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) دائم وهو عذاب النار.
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ لان يهتدوا به الى مصالحهم فى المعاش والمعاد بِالْحَقِّ اى متلبسا به هذه الجملة متصلة بقوله ولقد ضربنا للنّاس فى هذا القران وما بينهما معترضات فَمَنِ اهْتَدى بالكتاب فَلِنَفْسِهِ ينتفع نفسه به وَمَنْ ضَلَّ طريق مصالح فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لا يتجاوز عنها وبال ضلاله وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اى ما وكلت عليهم لتجبرهم على الاهتداء به انما أمرت بالبلاغ وقد بلّغت فلا يضرك ضلالهم-.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها اى يقبضها عن الأبدان اما بان يقطع تعلقها عنها بالكلية فلا يمكن لها التصرف فيها ظاهرا ولا باطنا وذلك حين موتها ونزعها عنها واما بان يقبضها ظاهرا بعض القبض بان يسلب عنها الحس والحركة الارادية وذلك بان يجعله الله تعالى متوجها الى مطالعة عالم المثال عاطلا عن عالم الشهادة ليستريح وذلك فى المنام فالتوفى بالمعنى الاول حقيقة وبالثاني مجاز فيحمل الكلام هاهنا اما على عموم المجاز وهو القبض مطلقا اما ظاهرا فقط او ظاهرا وباطنا واما على تقدير الفعل كانه قال والّتى لم تمت يقبضها
стр. 3397
فى منامها اى يقبض حسها وحركتها وما قيل ان للانسان نفسا وروحا فعند النوم لخرج النفس ويبقى الروح أريد بالنفس قوتها التي بها العقل والتميز يعنى يسلب عنه تلك القوة ويبقى الروح التي بها الحيوة والتنفس قال البغوي عن على كرم الله وجهه قال يخرج الروح عند نومه ويبقى شعاعه فى الجسد فبذلك يرى الرؤيا «١» فاذا انتبه من النوم عاد الروح الى جسده بأسرع من لحظة- ان صح هذا الأثر فالمعنى عندى ان الروح يتوجه الى مطالعة عالم المثال خارج البدن فى عالم الملكوت وذلك خروجه عند نومه ويبقى شعاعه يعنى تعلقه بالجسد كما كان فبذلك اى بخروجه يرى الرؤيا فاذا انتبه من النوم عاد الروح اى توجه الى جسده بأسرع من لحظة فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ولا يردها الى البدن حتى ينفخ نفخة البعث قرأ حمزة والكسائي قضى بضم القاف وكسر الضاد على البناء للمفعول والموت بالرفع والباقون على البناء للفاعل مسندا الى المستكن الراجع الى الله والموت بالنصب على المفعولية وَيُرْسِلُ الْأُخْرى اى النفس النائمة الى الافاقة والاحساس إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى الوقت المضروب لموته فى الصحيحين عن البراء بن عازب قال كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول اللهم بك أموت واحيى وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذ أوى أحدكم الى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدرى ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربى وضعت جنبى وبك ارفعه ان أمسكت نفسى فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين- وفى رواية ثم ليضطجع على
стр. 3398
شقه الايمن ثم ليقل وفى رواية فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات وان أمسكت نفسى فاغفر لها إِنَّ فِي ذلِكَ التوفى والإمساك والإرسال لَآياتٍ اى دلالات على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) فى كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة فى توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينا بعد حين الى توفى اجالها فيعلمون ان القادر على ذلك قادر على البعث- وهذه الاية فى مقام التعليل لقوله وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون..
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أم ابتدائية بمعنى الهمزة للانكار او متصلة معطوفة على جملة محذوفة تقديره اجعلوا لله شركاء أم اتّخذوا من دونه شفعاء او منقطعة بمعنى بل للاضراب عن مضمون قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ والهمزة للانكار قُلْ يا محمد أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) الهمزة للانكار والتقدير ايشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة التي تشاهدونهم عليها جمادات لا تعقل ولا تقدر- ولما كان هاهنا مظنة ان يقولوا انا نعبد اشخاصا مقربين لله تعالى وتلك الأصنام تماثيلهم قال الله تعالى ردا لهذا القول وتعليلا لقوله لا يملكون.
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ثم قرر ذلك بقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يملك أحد ان يتكلم فى امر الا باذنه ورضائه فهو مالك الشفاعة كلها ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) يوم القيامة فيكون له الملك ايضا حينئذ.
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ اى نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعنى الأوثان إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) اى يعرجون قال البغوي قال مجاهد ومقاتل وذلك حين قرأ النبي ﷺ سورة والنجم والقى الشيطان فى أمنيته تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى ففرح به الكفار- وكذا اخرج ابن المنذر عن مجاهد- قال البيضاوي لقد بالغ فى الامرين حتى بلغ الغاية فان الاستبشار ان يمتلى قلبه سرورا حتى ينبسط له بشرة وجهه والاشميزاز ان يمتلى غمّا وغضبا حتى ينقبض أديم وجهه والعامل فى إذا معنى المفاجاة.
قُلِ اللَّهُمَّ
стр. 3399
فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
امر الله سبحانه رسوله بالالتجاء الى الله بالدعاء لمّا تحير فى أمرهم وعجز فى عنادهم وشدة شكيمتهم فانه القادر على الأشياء كلها العالم بالأحوال جميعها ما غاب عنّا وما شاهدناه أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فتنصر المحق وتخذل المبطل فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) عن ابى سلمة قال سالت عائشة بما كان رسول الله ﷺ يفتح الصلاة من الليل قالت كان يقول اللهم رب جبرئيل وميكائيل واسرافيل فاطر السّموات والأرض عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم-.
وَلَوْ ثبت أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعيد شديد واقناط بليغ لهم من الخلاص وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) فى مراتب التعذيب فيه مبالغة بليغة فى مقابلة قوله تعالى للمؤمنين فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين- قال مقاتل ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا فى الدنيا انه نازل بهم فى الاخرة وجاز ان يكون المعنى انهم يحتسبون ان الأوثان يشفع لهم او لا يكون لهم بعث ونشور او يكونوا فى الاخرة حسن حالا من المؤمنين فيظهر خلاف ذلك وقال السدى ظنوا انها حسنات فبدت لهم انها سيئات يعنى كانوا يزعمون التقرب الى الله بعبادة الأوثان فلمّا عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى بدا مساوى أعمالهم من الشرك والظلم الى اولياء الله حين يعرض عليهم صحائفهم وَحاقَ اى أحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) ما موصولة والمراد به العذاب او مصدرية والمعنى حاق بهم جزاء استهزائهم..
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر وقيل اخبار عن الجنس بما يغلب فيه ضُرٌّ شدة دَعانا معطوف على قوله وإذا ذكر الله وحده بالفاء لبيان تناقضهم وتعكيسهم فى السبب يعنى يشمازّون عند ذكر الله وحده ويستبشرون عند ذكر الأصنام فاذا مسهم
стр. 3400
ضر دعوا من اشمأزّوا بذكره دون من استبشروا به وما بينهما اعتراض مؤكد لانكار ذلك ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً مِنَّا تفضلا فان التخويل مختص به قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ منى بوجوه كسبه او بانى أعطيته لمالى من استحقاقه او من الله بي واستيجابى والضمير لما ان جعلت موصولة والا فلنعمة والتذكير لان المراد شىء منها بَلْ هِيَ اى النعمة فِتْنَةٌ امتحان من الله أيشكر أم يكفر او استدراج لهم ليكون سببا لتعذيبهم وقيل بل الكلمة التي قالها فتنة له موجب للتعذيب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) ذلك قال البيضاوي هذا دليل على ان المراد بالإنسان الجنس قلت وان كان المراد بالإنسان الكافر فالمراد بأكثرهم كلهم او يقال ان بعضهم كانوا يعتقدون انهم على الباطل كاحبار اليهود وما كانوا ليؤمنوا تعنتا وعنادا.
قَدْ قالَهَا اى تلك الكلمة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل يعنى قارون حيث قال انّما أوتيته على علم عندى وصيغة الجمع بناء على شموله لمن رضى بقوله فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) من الكنوز ما انّ مفاتحه لتنوا بالعصبة اولى القوّة.
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى جزاءها سمى جزاء السيئة سيئة نظرا للمقابلة وَالَّذِينَ ظَلَمُوا اى كفروا مِنْ هؤُلاءِ اى من كفار مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا كما أصاب أولئك فاصابهم بان قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم وادخلوا النار الا من تاب وأمن منهم وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) اى فائتين.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ لمن يشاء ابتلاء الاستفهام للانكار والعطف على محذوف تقديره أيقولون هذا القول يعنى انّما أوتيته على علم ولم يعلموا ان توسعة الرزق وتضيقه من الله تعالى قد يوسع الرزق لمن لا يعلم وجوه الكسب وليس له استحقاق الكرامة أصلا وقد يضيقه على عكس ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) بان الحوادث كلها من الله تعالى والأسباب انما هى على مجرى العادة فى الظاهر.
روى الشيخان فى الصحيحين ان ناسا من اهل الشرك قتلوا فاكثروا وزنوا فاكثروا ثم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا ان الذي تقول وتدعونا اليه لحسن لو تخبرنا انّ لما عملنا كفارة