رحمة قال مقاتل فسالهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا فقال الله تعالى لرسوله قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يكفينى فى إصابة الخير ودفع الضرّ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) اى المؤمنون لعلمهم بانه نافع ولا ضارّ الا هو عبّر المؤمنين بالمتوكلين لان شأنهم التوكل على الله.
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى على حالكم اسم للمكان استعير هنا للحال كما ان حيث وهنا اسمان للزمان وقد يستعار أحدهما للمكان إِنِّي عامِلٌ اى على مكانتى فحذف للاختصار والمبالغة فى الوعيد والاشعار بان حاله ﷺ لا يقف على حد بل الله سبحانه يزيده على مر الدهور قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم فى الدارين فقال فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فان خزى أعدائه دليل على غلبته وقد أخزاهم يوم بدر وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) دائم وهو عذاب النار.
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ لان يهتدوا به الى مصالحهم فى المعاش والمعاد بِالْحَقِّ اى متلبسا به هذه الجملة متصلة بقوله ولقد ضربنا للنّاس فى هذا القران وما بينهما معترضات فَمَنِ اهْتَدى بالكتاب فَلِنَفْسِهِ ينتفع نفسه به وَمَنْ ضَلَّ طريق مصالح فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لا يتجاوز عنها وبال ضلاله وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اى ما وكلت عليهم لتجبرهم على الاهتداء به انما أمرت بالبلاغ وقد بلّغت فلا يضرك ضلالهم-.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها اى يقبضها عن الأبدان اما بان يقطع تعلقها عنها بالكلية فلا يمكن لها التصرف فيها ظاهرا ولا باطنا وذلك حين موتها ونزعها عنها واما بان يقبضها ظاهرا بعض القبض بان يسلب عنها الحس والحركة الارادية وذلك بان يجعله الله تعالى متوجها الى مطالعة عالم المثال عاطلا عن عالم الشهادة ليستريح وذلك فى المنام فالتوفى بالمعنى الاول حقيقة وبالثاني مجاز فيحمل الكلام هاهنا اما على عموم المجاز وهو القبض مطلقا اما ظاهرا فقط او ظاهرا وباطنا واما على تقدير الفعل كانه قال والّتى لم تمت يقبضها
стр. 3397
فى منامها اى يقبض حسها وحركتها وما قيل ان للانسان نفسا وروحا فعند النوم لخرج النفس ويبقى الروح أريد بالنفس قوتها التي بها العقل والتميز يعنى يسلب عنه تلك القوة ويبقى الروح التي بها الحيوة والتنفس قال البغوي عن على كرم الله وجهه قال يخرج الروح عند نومه ويبقى شعاعه فى الجسد فبذلك يرى الرؤيا «١» فاذا انتبه من النوم عاد الروح الى جسده بأسرع من لحظة- ان صح هذا الأثر فالمعنى عندى ان الروح يتوجه الى مطالعة عالم المثال خارج البدن فى عالم الملكوت وذلك خروجه عند نومه ويبقى شعاعه يعنى تعلقه بالجسد كما كان فبذلك اى بخروجه يرى الرؤيا فاذا انتبه من النوم عاد الروح اى توجه الى جسده بأسرع من لحظة فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ولا يردها الى البدن حتى ينفخ نفخة البعث قرأ حمزة والكسائي قضى بضم القاف وكسر الضاد على البناء للمفعول والموت بالرفع والباقون على البناء للفاعل مسندا الى المستكن الراجع الى الله والموت بالنصب على المفعولية وَيُرْسِلُ الْأُخْرى اى النفس النائمة الى الافاقة والاحساس إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى الوقت المضروب لموته فى الصحيحين عن البراء بن عازب قال كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول اللهم بك أموت واحيى وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذ أوى أحدكم الى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدرى ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربى وضعت جنبى وبك ارفعه ان أمسكت نفسى فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين- وفى رواية ثم ليضطجع على
стр. 3398
شقه الايمن ثم ليقل وفى رواية فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات وان أمسكت نفسى فاغفر لها إِنَّ فِي ذلِكَ التوفى والإمساك والإرسال لَآياتٍ اى دلالات على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) فى كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة فى توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينا بعد حين الى توفى اجالها فيعلمون ان القادر على ذلك قادر على البعث- وهذه الاية فى مقام التعليل لقوله وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون..
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أم ابتدائية بمعنى الهمزة للانكار او متصلة معطوفة على جملة محذوفة تقديره اجعلوا لله شركاء أم اتّخذوا من دونه شفعاء او منقطعة بمعنى بل للاضراب عن مضمون قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ والهمزة للانكار قُلْ يا محمد أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) الهمزة للانكار والتقدير ايشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة التي تشاهدونهم عليها جمادات لا تعقل ولا تقدر- ولما كان هاهنا مظنة ان يقولوا انا نعبد اشخاصا مقربين لله تعالى وتلك الأصنام تماثيلهم قال الله تعالى ردا لهذا القول وتعليلا لقوله لا يملكون.
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ثم قرر ذلك بقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يملك أحد ان يتكلم فى امر الا باذنه ورضائه فهو مالك الشفاعة كلها ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) يوم القيامة فيكون له الملك ايضا حينئذ.
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ اى نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعنى الأوثان إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) اى يعرجون قال البغوي قال مجاهد ومقاتل وذلك حين قرأ النبي ﷺ سورة والنجم والقى الشيطان فى أمنيته تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى ففرح به الكفار- وكذا اخرج ابن المنذر عن مجاهد- قال البيضاوي لقد بالغ فى الامرين حتى بلغ الغاية فان الاستبشار ان يمتلى قلبه سرورا حتى ينبسط له بشرة وجهه والاشميزاز ان يمتلى غمّا وغضبا حتى ينقبض أديم وجهه والعامل فى إذا معنى المفاجاة.
قُلِ اللَّهُمَّ
стр. 3399
فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
امر الله سبحانه رسوله بالالتجاء الى الله بالدعاء لمّا تحير فى أمرهم وعجز فى عنادهم وشدة شكيمتهم فانه القادر على الأشياء كلها العالم بالأحوال جميعها ما غاب عنّا وما شاهدناه أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فتنصر المحق وتخذل المبطل فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) عن ابى سلمة قال سالت عائشة بما كان رسول الله ﷺ يفتح الصلاة من الليل قالت كان يقول اللهم رب جبرئيل وميكائيل واسرافيل فاطر السّموات والأرض عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم-.
وَلَوْ ثبت أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعيد شديد واقناط بليغ لهم من الخلاص وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) فى مراتب التعذيب فيه مبالغة بليغة فى مقابلة قوله تعالى للمؤمنين فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين- قال مقاتل ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا فى الدنيا انه نازل بهم فى الاخرة وجاز ان يكون المعنى انهم يحتسبون ان الأوثان يشفع لهم او لا يكون لهم بعث ونشور او يكونوا فى الاخرة حسن حالا من المؤمنين فيظهر خلاف ذلك وقال السدى ظنوا انها حسنات فبدت لهم انها سيئات يعنى كانوا يزعمون التقرب الى الله بعبادة الأوثان فلمّا عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى بدا مساوى أعمالهم من الشرك والظلم الى اولياء الله حين يعرض عليهم صحائفهم وَحاقَ اى أحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) ما موصولة والمراد به العذاب او مصدرية والمعنى حاق بهم جزاء استهزائهم..
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر وقيل اخبار عن الجنس بما يغلب فيه ضُرٌّ شدة دَعانا معطوف على قوله وإذا ذكر الله وحده بالفاء لبيان تناقضهم وتعكيسهم فى السبب يعنى يشمازّون عند ذكر الله وحده ويستبشرون عند ذكر الأصنام فاذا مسهم
стр. 3400
ضر دعوا من اشمأزّوا بذكره دون من استبشروا به وما بينهما اعتراض مؤكد لانكار ذلك ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً مِنَّا تفضلا فان التخويل مختص به قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ منى بوجوه كسبه او بانى أعطيته لمالى من استحقاقه او من الله بي واستيجابى والضمير لما ان جعلت موصولة والا فلنعمة والتذكير لان المراد شىء منها بَلْ هِيَ اى النعمة فِتْنَةٌ امتحان من الله أيشكر أم يكفر او استدراج لهم ليكون سببا لتعذيبهم وقيل بل الكلمة التي قالها فتنة له موجب للتعذيب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) ذلك قال البيضاوي هذا دليل على ان المراد بالإنسان الجنس قلت وان كان المراد بالإنسان الكافر فالمراد بأكثرهم كلهم او يقال ان بعضهم كانوا يعتقدون انهم على الباطل كاحبار اليهود وما كانوا ليؤمنوا تعنتا وعنادا.
قَدْ قالَهَا اى تلك الكلمة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل يعنى قارون حيث قال انّما أوتيته على علم عندى وصيغة الجمع بناء على شموله لمن رضى بقوله فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) من الكنوز ما انّ مفاتحه لتنوا بالعصبة اولى القوّة.
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى جزاءها سمى جزاء السيئة سيئة نظرا للمقابلة وَالَّذِينَ ظَلَمُوا اى كفروا مِنْ هؤُلاءِ اى من كفار مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا كما أصاب أولئك فاصابهم بان قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم وادخلوا النار الا من تاب وأمن منهم وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) اى فائتين.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ لمن يشاء ابتلاء الاستفهام للانكار والعطف على محذوف تقديره أيقولون هذا القول يعنى انّما أوتيته على علم ولم يعلموا ان توسعة الرزق وتضيقه من الله تعالى قد يوسع الرزق لمن لا يعلم وجوه الكسب وليس له استحقاق الكرامة أصلا وقد يضيقه على عكس ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) بان الحوادث كلها من الله تعالى والأسباب انما هى على مجرى العادة فى الظاهر.
روى الشيخان فى الصحيحين ان ناسا من اهل الشرك قتلوا فاكثروا وزنوا فاكثروا ثم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا ان الذي تقول وتدعونا اليه لحسن لو تخبرنا انّ لما عملنا كفارة
стр. 3401
فنزلت ما فى سورة الفرقان والّذين لا يدعون مع الله الها اخر الى قوله غفورا رحيما ونزلت.
قُلْ يا عِبادِيَ الاية قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي «ويعقوب وخلف- ابو محمد» بسكون الياء وحذفها وصلا لاجتماع الساكنين والباقون بفتحها «١» واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس انها نزلت فى مشركى مكة كذا ذكر البغوي قول عطاء عن ابن عباس وكذا اخرج الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف انه بعث رسول الله ﷺ الى وحشي قاتل حمزة يدعوه الى الإسلام فارسل اليه كيف تدعونى الى دينك وأنت تزعم انه من قتل او أشرك او زنى يلق أثاما يّضاعف له العذاب يوم القيامة وانا قد فعلت ذلك كله فانزل الله تعالى الّا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فقال وحشي هذا شرط شديد لعلى لا اقدر على ذلك فهل غير ذلك فانزل الله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد فى شبهة فلا أدرى يغفرلى أم لا فانزل الله هذه الاية- زاد البغوي فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة قال رسول الله ﷺ بل للمسلمين عامة- واخرج الحاكم عن ابن عمر قال كنا نقول ما للمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انزل فيهم قل يعبادى الّذين أسرفوا الاية- وذكر البغوي انه روى عن ابن عمر انه قال نزلت هذه الاية فى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد اسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا ابدا قوم اسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه فانزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بيده ثم بعث بها الى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فاسلموا وهاجروا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ اى افرطوا بالجناية عليها بالكفر والمعاصي قال البغوي روى عن ابن عمر انه أراد بالإسراف الكبائر لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ اى لا تيئسوا من مغفرته وتفضله إذا أمنتم وتبتم عن الشرك وهذا القيد ثابت بالإجماع وبقوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به وبالروايات الواردة فى سبب نزول الاية فالمعنى لا تتركوا الايمان اياسا من رحمة الله بناء على ما اسرفتم من قبل إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
стр. 3402
صغيرها وكبيرها إذا تبتم عن الشرك وأمنتم بالله وحده فان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ومورد هذه الاية وان كان خاصا فانها نزلت فى من ارتكب الكبائر فى حالة الشرك ثم اسلم لكن لفظها عام يدل على ان العبد إذا أمن (كما يدل عليه إضافته تعالى العبد الى نفسه بناء على عرف القرآن وان كان ارتكب الكبائر بعد الإسلام) ليرجو ان يغفر الله له ان شاء وان لم يتب كما يدل عليه قوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والتعليل فى هذه الاية بقوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) بصيغة المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعى عموم المغفرة مما فى عبادى من الدلالة على الزلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بانفسهم والنهى عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بان الله يغفر الذنوب جميعا ووضع اسم الله موضع الضمير للدلالة على انه المستغنى والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجمع والأحاديث الواردة فى هذا الباب واجماع الامة- روى مقاتل بن حبان عن نافع عن ابن عمر قال كنا معشر اصحاب رسول الله ﷺ نرى او نقول ليس شىء من حسناتنا الا وهى مقبولة حتى نزلت يايّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ولا تبطلوا أعمالكم قلنا ما هذا الذي نبطل اعمالنا فقلنا الكبائر والفواحش- قال فكنا إذا راينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك فنزلت هذه الاية قل يا عبادى الّذين أسرفوا- فكففنا عن القولين فكنا إذا راينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه وان لم يصب منها شيئا رجونا له- وروى عن ابن مسعود انه دخل المسجد قاصّ يقصّ وهو يذكر النار والاغلال فقام على رأسه فقال يا مذكّر لم نقنط الناس ثم قرأ قل يا عبادى الّذين أسرفوا عمل أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- وعن اسماء بنت زيد قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله انّ الله يغفر الذّنوب جميعا ولا يبالى- رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وفى شرح السنة يقول بدل يقرا وعن ابى سعيد الخدري عن رسول الله
стр. 3403
صلى الله عليه وسلم قال كان فى بنى إسرائيل رجل قتل تسعا وتسعين إنسانا ثم خرج فاتى راهبا فساله فقال ليس لك توبة قال فقتله وجعل يسئل فقال له رجل ايت قرية كذا وكذا فادركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاوحى الله الى هذه ان تقربى واوصى الى هذه ان تباعدى فقال قيسوا ما بينهما فوجدوا الى هذه اقرب بشبر فغفر له- متفق عليه وروى مسلم بن الحجاج هذا الحديث وفيه فدلّ على راهب فاتى فقال انه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل لى توبة فقال لا فقتله وكمل به مائة ثم سال اعلم اهل الأرض فدل على رجل عالم فقال انه قتل مائة نفسا فهل له توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فان بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم فلا ترجع الى أرضك فانها ارض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاتاهم ملك فى صورة فجعلوه حكما فقال قيسوا بين الأرضين فالى أيتهما ادنى فهو له فقاسوا فوجدوه ادنى الى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال كان رجل لم يعمل خيرا قط فاوصى لاهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فو الله لان قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين قال فلمّا مات فعلوا ما أمرهم فامر الله البحر فجمع ما فيه وامر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا ربّ وأنت اعلم فغفر له- متفق عليه- وروى البغوي عن ضمضم بن حوش قال دخلت مسجد المدينة فنادانى شيخ فقال يا يمانى (تعال ولا أعرفه) فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة فقلت من أنت يرحمك الله قال ابو
هريرة قال فقلت وان هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض لاهله إذا غضب او لزوجته او لخادمه قال فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد فى العبادة والاخر كان مذنبا فجعل يقول له اقصر عما أنت فيه قال فيقول خلّنى وربى قال حتى وجده يوما على ذنب استعظمه فقال اقصر فقال خلنى وربى أبعثت علىّ رقيبا فقال والله لا يغفر الله لك ابدا
стр. 3404
ولا يدخلك الله الجنة ابدا قال فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده قال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للاخر اتستطيع ان تحظر على عبادى رحمتى فقال لا يا رب فقال اذهبوا به الى النار قال ابو هريرة والذي نفسى بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته وروى احمد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين ذكر الحديث الى آخره بعينه وعن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ لا أحب ان لى الدنيا وما فيها بهذه الاية يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- رواه احمد بسند حسن وابن جرير والطبراني فى الأوسط والبيهقي فى شعب الايمان وفيه فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فنكس ساعة ثم قال الا ومن أشرك ثلاث مرات وعن جندب ان رسول الله ﷺ حدّث ان رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وان الله قال من الذي يتالى علىّ «اى يقسم منه ره» انى لا اغفر لفلان فانى قد غفرت لفلان واحبطتّ عملك- او كما قال رواه مسلم وعن ابن عباس فى قوله تعالى الّا اللّمم قال رسول الله ﷺ ان تغفر اللهم تغفر جمّا واىّ عبد لك لا الما- رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
وفى حديث قدسى طويل عن ابى ذر عن النبي ﷺ افعل ما أريد عطائى كلام وعذابى كلام انما امرى لشئ إذا أردته ان أقول له كن فيكون- رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انّى لى هذا فيقول باستغفار ولدك لك- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الميّت فى القبر كالغريق المتغوث ينتظر دعوة يلحقه من اب او أم او أخ او صديق فاذا ألحقته كان أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال وان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم- رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ان الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قالوا يا رسول الله وما الحجاب قال ان تموت النفس وهى مشركة رواه احمد والبيهقي فى كتاب البعث والنشور
стр. 3405
وعنه قال قال رسول الله ﷺ من لقى الله لا يعدل به شيئا فى الدنيا ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له- رواه البيهقي فى كتاب البعث والنشور وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان لله مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها واخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة- متفق عليه وروى مسلم عن سلمان نحوه وفى آخره فاذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة- وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي ﷺ سبى فاذا امراة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيّا فى السبي أخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال لنا النبي ﷺ أترون هذه طارحة ولدها فى النار فقلنا لا وهى تقدر على ان لا تطرحه فقال الله ارحم بعباده من هذه بولدها- متفق عليه وعن ابى الدرداء انه سمع النبي ﷺ يقص على المنبر وهو يقول ولمن خاف مقام ربّه جنّتان قلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء- رواه احمد- وعن عامر الرام قال بينا نحن عنده (يعنى النبي ﷺ إذ اقبل رجل عليه كساء وفى يده شىء قد التف عليه فقال يا رسول الله مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فاخذتهن فوضعتهن فى كسائى فجاءت امهن فاستدارت على رأسى فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتهن بكسائى فهن أولاء معى قال ضعهن فوضعتهن وأبت امهن الا لزومهن فقال رسول الله ﷺ أتعجبون لرحم أم الافراخ فراخها فو الذي بعثني بالحق لله ارحم بعباده من أم الا فراخ بفراخها ارجع بهن فضعهن من حيث اخذتهن وامهن معهن فرجع بهن- رواه ابو داود وعن عبد الله بن عمر قال كنا مع النبي ﷺ فى بعض غزواته فمرّ بقوم فقال من القوم قالوا نحن المسلمون وامراة تخضب بقدرها ومعها ابن لها فاذا ارتفع وهج
стр. 3406
تنحت به فاتت النبي ﷺ فقالت أنت رسول الله قال نعم قالت بابى أنت وأمي اليس الله ارحم الراحمين قال بلى قالت أليس الله ارحم بعباده من الام بولدها قال بلى قالت ان الام لا تلقى ولدها فى النار فاكب رسول الله ﷺ يبكى ثم رفع رأسه إليها فقال ان الله لا يعذب من عباده الا المارد المتمرد «الشديد العالي- منه ره» الذي يتمرد على الله والى ان يقول لا اله الا الله- رواه ابن ماجة وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة قلت
وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان رنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان رنى وان سرق على رغم انف ابى ذر متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة تدل على ان مال المؤمن الى الجنة لا كما قالت المعتزلة ان مرتكب الكبيرة ان لم يتب يخلد فى النار- واما استدلال المرجئة بهذه الأحاديث على ان المعاصي صغائر كانت او كبائر لا يضر مع الايمان كما ان الطاعة لا ينفع مع الكفر فباطل مستلزم لانكار الآيات والأحاديث الواردة فى المناهي وكون الصغائر والكبائر مفضية الى التعذيب والسخط من الله تعالى الا ان يتداركه المغفرة فالمذهب الحق ما قال اهل السنة والجماعة رضى الله عنهم ان الطاعة لا تنفع مع الكفر لان الطاعة لا يكون طاعة الا إذا كانت خالصة لله تعالى والا فهى معصية والايمان شرط للطاعة كالوضوء للصلوة واما المعصية فهى وان كانت فى نفسها مقتضية للتعذيب لكنها فى مشية الله تعالى ان شاء غفر له وان شاء عذبه فان غفر له غفر له اما بالتوبة واما بشفاعة من النبي ﷺ او من أحد من اتباعه واما بمحض فضل من الله تعالى وان عذبه لا يكون تعذيبه مؤبدا ان كان المرء مؤمنا لان الله تعالى وعد بالثواب على كل حسنة قال الله تعالى ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره والايمان رأس الحسنات والخلف فى الوعد محال ومحل الثواب الجنة لا محالة لكن المؤمن يرى ذنبه كانه قاعد تحت جبل والفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على انفه فقال به هكذا بيده فذبه عنه. رواه البخاري
стр. 3407
عن النبي ﷺ .
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ اى ارجعوا اليه بالتوبة من الشرك وَأَسْلِمُوا اى انقادوا له من قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ فى القبر او بعد البعث فحينئذ لا ينفع الايمان منكم كما يدل عليه قوله ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) عطف على جملة مستأنفة وتقديره تعذبون ثم لا تنصرون.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى القران فانه احسن من كل كلام او المراد به العزائم دون الرخص مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) بمجيئه.
أَنْ تَقُولَ اى كراهة ان تقول او لئلا تقول نَفْسٌ تنكير نفس لان القائل به بعض الأنفس او للتكثير وهو منصوب على العلية لقوله أنيبوا وقال المبرد تقديره بادروا واحذروا ان تقول نفس يا حَسْرَتى الحسرة الاغتمام وأصله يا حسرتى انقلبت الياء الفا فى الاستغاثة وربما الحقوا به ياء المتكلم بعد الف الاستغاثة كذلك قرأ ابو جعفر يا حسرتاى «بخلاف عن ابن وردان- ابو محمد» عَلى ما فَرَّطْتُ ما مصدرية اى على تفريطى وتقصيرى فِي جَنْبِ اللَّهِ قال الحسن اى قصرت فى طاعة الله وقال مجاهد فى امر الله وقال سعيد بن جبير فى حق الله وقيل فى ذات الله على تقدير مضاف اى فى طاعته او فى قربه وقيل معناه قصرت فى الجانب الذي يردّنى الى رضاء الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ
(٥٦) ان مخففة من الثقيلة واسمه ضمير الشأن واللام فارقة والجملة فى محل النصب على الحال كانّه قال وانا كنت ساخرا مستهزءا بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين.
أَوْ تَقُولَ لَوْ ثبت أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) من الشرك والمعاصي.
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ عيانا لَوْ للتمنى أَنَّ لِي كَرَّةً اى رجعة الى الدنيا فَأَكُونَ منصوب بعد الفاء فى جواب التمني مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) معناه اتمنى كون بي رجعة الى الدنيا فكونى من المحسنين فى العقيدة والأعمال والعطف باو للدلالة على انه لا يخلو عن مثل هذه الأقوال تحيرا او تعللا بما لا طائل تحته..
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥١) ومن الله
стр. 3408
عليه لما تضمنه قوله لو انّ الله هدانى لكنت من المتّقين فان معناه لم يهدنى الله فان كان المراد بها اراءة الطريق فالمعنى بلى قد هديتك حيث أرسلت إليك رسولى وجاءتك كتابى فكذبت بها وكان قوله لو انّ الله هدانى إنكارا لتبليغ الرسل كما جاء فى الحديث يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلّغت فيقول نعم فيدعى أمته فيقال لهم هل بلّغكم فيقولون لا ما جاءنا من بشير ولا نذير وقد ذكرنا الحديث فى تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وقوله تعالى فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وان كان المراد بها خلق الهداية والإيصال الى المطلوب فقولهم مبنى على التشبث بالجبر وانكار قدرتهم على كسب الايمان والطاعة فمعنى الاية بلى قد خلقت فيك القدرة التي يترتب عليها العذاب والثواب فكذّبت باختيارك لما جاءتك آياتي وهذا لا ينافى تأثير قدرت الله فى افعال العباد كما هو مذهب اهل السنة والجماعة فان قيل فما وجه الفصل بين الرد والمردود قلنا وجه ذلك ان تقديم هذه الاية مفرق القرائن وتأخير المردود يخل بالنظم المطابق للوجود لانه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة وتذكير الخطاب نظرا الى المعنى.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بان وصفوه بما لا يجوز كاتخاذ الولد وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الجملة حال من مفعول ترى لانه من رؤية البصر أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) عن الايمان والجملة تقرير لكونهم يرون ذلك.
وَيُنَجِّي اللَّهُ من جهنّم الَّذِينَ اتَّقَوْا من الشرك بِمَفازَتِهِمْ قرأ حمزة والكسائي وابو بكر «وخلفه ابو محمد» بمفازاتهم بالألف على الجمع والباقون بغير الف على الافراد اى بفلاحهم وتفسيرها بالنجاة تخصيص باهم اقسامه وبالسعادة والعمل الصالح اطلاق للمسبب على السبب والباء للسببية صلة لينجى او لقوله لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) حال او استئناف لبيان المفازة-.
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر والايمان والكفر هذه الجملة متصلة بقوله الله يتوفّى الأنفس وما بينهما معترضات وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) اى الأشياء كلها موكولة اليه وهو القائم بحفظها الجملة عطف او حال.
لَهُ مَقالِيدُ
стр. 3409
جمع قلاد او مقليد كمفتاح ومفاتيح او منديل ومناديل السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى لمفاتيح خزائن السماوات والأرض بيده ملكوتها لا يتمكن من التصرف فيها غيره قال قتادة ومقاتل مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة وقال الكلبي خزائن المطر وخزائن النبات وعن عثمان رضى الله عنه انه سال النبي ﷺ عن المقاليد قال تفسيرها لا اله الا هو والله اكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله ولا حول ولا قوة الا بالله هو الاول والاخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير «١» - أخرجه ابو يعلى فى مسنده وابن ابى حاتم فى تفسيره والعقيلي فى الضعفاء والطبراني فى الدعاء والبيهقي فى الأسماء والصفات من حديث ابن عمر وذكره ابن الجوزي فى الموضوعات- قلت لعل المعنى ان صفات الله تعالى المذكورة فى هذه الكلمات تفسير للمقاليد يعنى من كان متصفا بتلك الصفات فهو مالك خزائن السماوات والأرض بيده ملكوتها والتصرف ومن يعتقد بها ويذكرها يتاهل ان يفتتح له الخزائن اما عاجلا او أجلا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ اى بالقران وبكلمات تمجيده وتوحيده او بدلائل قدرته واستبداده بامر السماوات والأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) حصر الخسار بهم لان غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب فإن فات عنهم شىء من حظوظ الدنيا فهم مستبدلوها بما لا عين رات ولا اذن سمعت من الحظوظ فى الاخرة واما الكفار فان كان لهم نصيب من خزائن الرزق والمطر فى الدنيا فلا نصيب لهم فى الشكر فلا نصيب لهم فى خزائن الرحمة والحظوظ العاجلة تنقلب عليهم وبالا واستدراجا وجاز ان يكون هذه الاية متصلة بقوله وينجّى الله
стр. 3410
الّذين اتّقوا وما بينهما اعتراض للدلالة على انه مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها وتغير النظم للاشعار بان العمدة فى فلاح المؤمنين فضل الله وفى خسران الكافرين كفرهم بايات الله والتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية المكر والله اعلم- اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن ابن عباس ان قريشا دعت رسول الله ﷺ الى ان يعطوه مالا فيكون اغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا هذا لك يا محمد وكفّ عن شتم الهتنا ولا تذكرها بسؤ فان لم تفعل فاعبد الهتنا سنة ونعبد إلهك سنة قال حتى انظر ما يأتينى من ربى فانزل الله تعالى قل يا ايّها الكافرون الى اخر السورة وانزل.
قُلْ يا محمد أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ نافع وابن كثير «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) واخرج البيهقي فى الدلائل عن الحسن البصري قال قال المشركون للنبى ﷺ تضلل آباءك وأجدادك يا محمد فانزل الله هذه الاية الى قوله من الشّاكرين وقال البغوي قال مقاتل ان كفار مكة دعوه الى دين ابائه فنزلت قرأ اهل الشام بنونين خفيفتين واهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف فانها تحذف كثيرا والباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام والهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف وغير مفعول لاعبد قدم عليه لانه محل الإنكار وتأمرونى جملة معترضة تقديرهء أكفر فغير الله اعبد تأمرونى بذلك وجاز ان ينتصب غير بما دلّ عليه تأمروني اعبد لانه بمعنى تعبّدونى من التفعيل على ان أصله تأمرونني ان اعبد غير الله فحذف ان ورفع الفعل كقوله احضر الوعى ويؤيده قراءة اعبد بالنصب فالتقدير الم يتضح عليكم التوحيد بعد تلك الدلائل فتعبّدوننى غير الله حيث تأمرونني ان اعبد غير الله.
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) كلام على سبيل الفرض والمراد به اقناط الكفرة والاشعار على حكم الامة. وبهذه الاية نحكم بان الردة محبط لثواب جميع الحسنات كما ان الإسلام يهدم ما كان قبله من السيئات فان اسلم بعد الردة فى وقت صلوة
стр. 3411
صلاها فعليه أداؤه ثانيا وكذا يجب الحج ثانيا على من حج ثم ارتد ثم اسلم كذا قال الامام ابن الهمام وقال البيضاوي اطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لان شركهم أقبح وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به فى قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم وهذا القول باطل لان القول بكونها من خصائص الأنبياء شنيع جدا تكاد السّماوات يتفطّرن من هذا القول إذ الكلام انما هو على سبيل الفرض المحال وانما المراد به الاشعار على حكم غيرهم وقوله من يرتد دمنكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم لا يدل على نفى الحبط إذا لم يوجد الموت على الكفر بل المطلق عندنا يبقى على إطلاقه لا ضرورة فى حمله على المقيد والله اعلم-.
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ رد لما أمروه به والله منصوب باعبد والفاء اما زائدة واما بتقدير امّا وتقديم المعمول لقصد الحصر وبل للعطف على محذوف دل عليه قوله لان أشركت إلخ تقديره لا تعبد غير الله بل الله اعبد او بل امّا الله فاعبد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) انعامه عليك وفيه اشارة الى موجب الاختصاص اخرج الترمذي عن ابن مسعود قال مرّ يهودىّ بالنبي ﷺ فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه فانزل الله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يعنى ما عرف الناس عظمة الله سبحانه حق عظمته حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به ولم يعبدوه حق عبادته ولم يشكروه حق شكره وأنكروا البعث بعد الموت.
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً يعنى الأرضين السبع بجميع أبعاضها البادية والغارية قَبْضَتُهُ القبضة المرة من القبض أطلقت على المقدار المقبوض بالكف تسمية المفعول بالمصدر او بتقدير ذات قبضته يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ هذه الاية من المتشابهات المصروفة عن الظاهر لا يعلم تأويله الا الله والغرض منه التنبيه على عظمته وكمال قدرته وحقارة الافعال العظام التي يتخير فيها الأوهام بالاضافة على قدرته وعلى
стр. 3412
ان تخريب العالم أهون شىء عليه- وقال علماء البيان هذا الكلام وارد على طريقة التمثيل والتخيل من غير اعتبار القبضة واليمن حقيقة ولا مجازا كقولهم شابّت لمة الليل- ووجه نزول الاية بعد قول اليهودي تصديق ما حكاه اليهودي عن التورية فان كتب الله تعالى مصدقة بعضها لبعض- وفى الصحيحين حديث ابن مسعود بلفظ جاء حبر من اليهود الى النبي ﷺ فقال يا محمد ان الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول انا الملك انا الله فضحك النبي ﷺ تعجّبا ممّا قال الحبر تصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حقّ قدره الاية- لعل وجه التطبيق بين رواية الترمذي ورواية الصحيحين ان الاية نزلت حينئذ فقرأها النبي ﷺ كما نزلت على اليهودي وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول انا الملك اين ملوك الأرض- وروى مسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول اين الجبارون اين المتكبرون ثم يطوى الأرضين بشماله- وفى رواية يأخذهن بيده الاخرى ثم يقول انا الملك اين الجبارون اين المتكبرون- واخرج ابو الشيخ عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال إذا كان يوم القيامة جمع الله السماوات والأرضين السبع فى قبضة ثم يقول انا الله انا الرحمان انا الملك انا القدوس انا المؤمن انا المهيمن انا العزيز انا الجبار انا المتكبر انا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا انا الذي أعيدها اين الملوك اين الجبابرة- قال القاضي عياض القبض والطى والاخذ كلها بمعنى الجمع فان السماوات مبسوطة والأرض مدحوة ممدودة ثم رجع ذلك الى معنى الرفع والازالة والتبديل وقال القرطبي المراد بالطي الاذهاب والافناء واخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال عدّت اليهود فنظروا فى خلق السماوات والأرض والملائكة فلمّا فرغوا أخذوا يقدرونه فانزل الله تعالى وما قدروا الله حق قدره واخرج عن سعيد بن جبير قال قال تكلمت اليهود فى صفة الرب فقالوا بما لم يعلموا ولم يروا فانزل الله تعالى وما قدروا الله الاية واخرج ابن المنذر عن الربيع بن
стр. 3413
انس قال لمّا نزلت وسع كرسيّه السّموت والأرض قالوا يا رسول الله هذا الكرسي هكذا فكيف العرش فانزل الله تعالى وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسّموت مطويّت بيمينه سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) ما ابعد أعلا من هذه قدرته عن اشراكهم او ما يضاف اليه من الشركاء-.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعنى النفخة الاولى فَصَعِقَ اى مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قد ذكرنا المراد بالمستثنى فى هذه الاية فى سورة النمل فى تفسير قوله تعالى ونفخ فى الصّور ففزع من فى السّموت ومن فى الأرض الّا من شاء الله قال الحسن الّا من شاء الله يعنى الله وحده ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى اى نفخة اخرى يحتمل النصب والرفع فَإِذا هُمْ قِيامٌ قائمون من قبورهم يَنْظُرُونَ (٦٨) يقلّبون أبصارهم فى الجوانب كالمبهوت او ينتظرون ما يفعل بهم وبين النفختين أربعون يوما وقد ذكرنا ما ورد فيه من الأحاديث فى سورة النازعات.
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعنى ارض عرصات القيامة عطف على نفخ فيه اخرى بِنُورِ رَبِّها بنور خالقها قال البغوي وذلك حين يتجلّى الربّ لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون فى نوره كما لا يتضارون بالشمس فى اليوم الصحو وقال الحسن والسدىّ اى بعدل ربها قيل سماه نورا لانه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة قال رسول الله ﷺ الظلم ظلمات يوم القيامة- متفق عليه من حديث ابن عمرو وُضِعَ الْكِتابُ اى صحائف الأعمال فى أيدي العمال واكتفى باسم الجنس عن الجمع اخرج البيهقي عن انس عن النبي ﷺ قال الكتب كلها تحت العرش فاذا كان الموقف بعث الله تعالى ريحا فتطيرها بالايمان والشمائل أول خط فيها اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا- واخرج ابو نعيم عن ابن مسعود موقوفا والديلمي عن ابى هريرة مرفوعا عنوان كتاب المؤمن يوم القيامة حسن ثناء الناس وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ قال السيوطي قال العلماء يكون الحساب بمشهد من النبيين وغيرهم واخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيّب قال وليس من يوم
стр. 3414
الا ويعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وَالشُّهَداءِ قال ابن عباس الذين يشهدون للرسل على تبليغ الرسالة وهم امة محمد ﷺ وقال عطاء يعنى الحفظة يدل عليه قوله تعالى وجاءت كلّ نفس «١» معها سائق وشهيد وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين العباد بِالْحَقِّ اى بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) اى لا يزاد فى سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ اى جزاوه وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) قال عطاء يعنى انه تعالى عالم بأفعالهم لا يحتاج الى كاتب وشاهد انما الكتاب والشهود جريا على العادة وإلزاما للكفرة- ثم فصل الله التوفية وقال.
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً اى أفواجا متفرقة بعضها على عقب بعض على تفاوت أقدامهم فى الضلالة قال ابو عبيدة والأخفش زمرا اى جماعات فى فرقة واحدتها زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه او من قولهم شاة زمرة اى قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروة وهى الجمع القليل حَتَّى إِذا جاؤُها ليدخلوها فُتِحَتْ قرأ الكوفيون بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير اى فتحّت ابوابها السبعة كلها وكانت مغلقة قبل ذلك وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها تقريعا وتوبيخا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ اى من جنسكم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا اى وقتكم هذا اى وقت دخولكم النار قال البيضاوي فيه دليل على انه لا تكليف قبل الشرع من حيث انهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وإنذار الكتب قلت هذه الاية لا تدل على عدم التعديب على الإشراك بالله عند عدم الرسل بل على كمال التوبيخ بعد تمام الحجج فان العقل وان لم يكن مستقلا فى درك الشرائع لكن الدلائل المنصوبة على الوحدانية كاف لحكم العقل بالتوحيد فاذا أرسل الله سبحانه الرسل وانزل الكتب وأوضح الطريق لم يبق العذر بوجه من الوجوه والله اعلم قالُوا بَلى وَلكِنْ
стр. 3415
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ اى كلمة الله بالعذاب وحكمه فى الأزل انهم من الأشقياء عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) وضع المظهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك الحكم بالكفر.
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) اللام للجنس والمخصوص بالذم محذوف لما سبق ذكره يعنى جهنم والفاء للسببية فان الكلام السابق سبب للذم وفيه اشعار بان مثواهم الجهنم لتكبرهم عن الحق وذا لا ينافى كون دخولهم فيها لما حقت عليهم كلمة العذاب فان تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عنه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ فى حديث طويل ان الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من اعمال اهل النار فيدخل به النار- رواه مالك وابو داود والترمذي-.
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ اسراعا بهم الى دار الكرامة وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم الا راكبين زُمَراً على تفاوت مراتبهم فى الشرف وعلو الطبقة حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ قرأ الكوفيون بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير أَبْوابُها حال يعنى وقد فتحت ابوابها قبل مجيئهم تعظيما لهم كيلا ينتظروا وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ
اى لا يعتريكم مكروه ابدا طِبْتُمْ اى طهرتم من دنس المعاصي وهذا اما لعدم ارتكابهم المعاصي او لطهارتهم عنها بالمغفرة او بالعقوبة قال قتادة إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا دخلوا الجنة وقال لهم رضوان وأصحابه سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين- وعن على رضى الله عنه قال سيقوا الى الجنة وإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره ويشرب من الاخرى فيطهر باطنه
стр. 3416
وتلقته الملائكة على أبواب «١» الجنة يقولون سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين- وقال الزجاج معناه كنتم طيبين فى الدنيا عن خبائث الشرك والمعاصي وقال ابن عباس معناه طاب لكم المقام فَادْخُلُوها الفاء للدلالة على ان طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم هذا على التأويلات المتقدمة واما على قول ابن عباس فطيب مقامهم سبب لدخولهم يعنى لمّا كانت الجنة مقاما طيّبا استأهل ان تكون محلا لهم خالِدِينَ (٧٣) اى مقدرين الخلود-.
وَقالُوا عطف على محذوف وهو جواب إذا حذف للدلالة على ان لهم مع الدخول من الكرامة ما لا يسعه المقال تقديره حتّى إذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها كذا دخلوها ووجدوا فيها ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر ببال أحد ولا يسعه المقال وقالوا شكرا لما أنعم عليهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بدخول الجنة وبما أخفى لهم من قرّة أعين وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ اى ارض الجنة وايراثها تحليهم إياها نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ اى يتبوا كل منا فى اىّ مقام أراد من جنته الواسعة وإذا أراد زيارة الأنبياء واصحاب الدرجات العلى تيسر لهم ذلك اخرج الطبراني وابو نعيم والضياء وحسنه عن عائشة قالت جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انك لاحبّ الىّ من نفسى ومن أهلي وولدي وانى لاكون فى البيت فاذكرك ولا اصبر حتى اتيك فانظر إليك فاذا ذكرت موتى وموتك عرفت انك إذا دخلت وقفت مع النبيين وانى ان دخلت خشيت ان لا أراك فلم يرد عليه شيئا حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى ومن يطع الله والرّسول «٢» فاولئك
стр. 3417
الّذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٣) الجنة..
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ محدقين محيطين حال مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قيل هذا تسبيح تلذّذ لا تسبيح تعبّد لان التكليف ساقط حينئذ وجملة يسبحون حال من فاعل حافين وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين الخلائق بِالْحَقِّ بالعدل بإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار وقيل بين الملائكة بإقامتهم فى منازلهم على حسب تفاضلهم وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) يعنى يقول ذلك اهل الجنة شكرا حين ثم وعد الله لهم وقيل يقول ذلك الملائكة شكرا لله على إدخال اولياء الله الجنة واعداء الله النار عن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة بنى إسرائيل والزمر- رواه الترمذي والنسائي والحاكم تمت سورة الزمر غرة رمضان سنة ١٢٠٧ هـ- ويتلوه ان شاء الله تعالى سورة المؤمن.
стр. 3418
سورة المؤمن
مكية وهى خمس وثمانون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ روى البغوي بسنده عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه قال ان مثل القران كمثل رجل انطلق يرتاد «١» لاهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الاول فهذا اعجب وأعجبه فقيل له ان مثل الغيث الاول مثل عظم القرآن وان مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل ال حم فى القران- وقال البغوي قال ابن مسعود إذا وقعت فى ال حم وقعت فى روضات اتانق فيهن «اى استرحيهن- منه ره» وفى رواية إذا قرات ال حم وقعت فى روضات دمثات- وروى ايضا بسنده عن ابن عباس قال لكل شىء لباب ولباب القران الحواميم وقال البغوي قال ابراهيم كل ال حم يسمين العرائس واخرج الحاكم عن ابن مسعود موقوفا الحواميم ديباج «پارچهـ ابريشمى- منه ره» القران.
حم (١) قد سبق الكلام فى الحروف المقطعات وقال البغوي قال السدى حم اسم الله الأعظم وروى عن عكرمة عنه قال الرحم ن حروف الرحمان مقطعة وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراسانى الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حى حيان والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان وقال الكسائي قضى ما هو كائن كانهما أشار الى ان معناه حمّ بضم الحاء وتشديد الميم قرأ ابن كثير وقالون وحفص «وابو جعفر ويعقوب- ابو محمد» وهشام بفتح الحاء فى الحواميم كلها وورش وابو عمر بين بين والباقون بالامالة.
стр. 3419
تَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر مبتدا محذوف اى هذا تنزيل الكتاب او مبتدا خبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فى ملكه الْعَلِيمِ (٢) بخلقه لعل تخصيص الوصفين بالذكر لما فى القران من الاعجاز والحكمة الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة.
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ للمؤمنين مصدر تاب يتوب توبة وقيل التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم قال ابن عباس غافر الذّنب لمن قال لا اله الا الله قابل التّوب ممن قال لا اله الا الله محمد رسول الله صفتان لله تعالى والاضافة فيهما معنوية لانه لم يرد زمان مخصوص بل الاستمرار وتوسيط الواو لافادة الجمع بين محو الذنب وقبول التوبة او تغائر الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد او تغائر موقع الفعلين لان الغفر هو الستر فيكون الذنب باقيا وذلك لمن لم يتب والتائب كمن لا ذنب «١» له- رواه ابن ماجة مرفوعا عن ابن مسعود والحكيم عن أبيّ وابن النجار عن على وابن عساكر والبيهقي عن ابن عباس فهو دليل على جواز المغفرة لمن لم يتب شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لم يقل لا اله الا الله ذِي الطَّوْلِ
стр. 3420
قال مجاهد اى ذى السعة والغنى وقال قتادة ذى النعم وقيل ذى القدرة وقال الحسن ذى الفضل قيل غافر الذنب وما بعدها ابدال ليست بصفات واضافة الثلاثة منها لفظية لا تفيد التعريف فلا تصلح كونها صفات وعلى هذا ذى الطّول ايضا بدل لامتناع تقدم البدل على الصفة وقال صاحب الكشاف والبيضاوي هى كلها صفات كالاولين والاضافة فيها حقيقية لما ذكرنا انه لم يرد زمان مخصوص وأريد بشديد العقاب مشددة فالاضافة فيه ايضا حقيقية إذ هو فى الأصل الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج والامن من اللبس فهو معرف باللام وجعله وحده بدلا مشوش للنظم وقال الزجاج شديد العقاب بدل ليس بصفة وبه قال صاحب المبارك للقطع بكونه نكرة وحذف اللام لا يجوز وعلى هذا ذى الطّول ايضا بدل وما قال البيضاوي اولى من حيث المعنى لان كلها توابع تدل على معان فى متبوعها أوردت للمدح والترغيب والترهيب والحثّ على ما هو المقصود منه والمقصود بالنسبة انما هو الله لا غير.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فيجب الإقبال الكلى على عبادته قال صاحب المدارك هذا صفة اخرى كذى الطّول والظاهر انه استئناف إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) فيجازى المطيع والعاصي.
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ اى فى دفع آيات الله بالتكذيب او اثبات التناقض او فى الآيات المتشابهات بتأويلات مخالفة للمحكمات او مخالفة لما تواتر عن النبي ﷺ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون «اى يتجادلون- منه ره» فى القران فقال انما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وانما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم فقولوه وما جهلتم فوكلوه الى عالمه- رواه البغوي ورواه مسلم بلفظ ان عبد الله بن عمرو (يعنى جد عمرو بن شعيب) قال هجّرت الى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا فى اية فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف فى وجهه الغضب فقال انما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب. وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ انه قال ان جدلا فى
стр. 3421
القران كفر- رواه البغوي ورواه البيهقي فى شعب الايمان والطيالسي من حديث عبد الله ابن عمر ورواه ابو داود والحاكم وصححه عن ابى هريرة مرفوعا بلفظ المراء فى القران كفر قال البيضاوي لما حقق الله سبحانه امر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وادحاض الحق كقوله وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ فاما الجدال «١» فيه لحل عقدة واستنباط حقائقه وقطع تشبث اهل الزيغ وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ولذلك قال ﵇ ان جدالا فى القران كفر- بالتنكير مع انه ليس جدالا فيه على الحقيقة فَلا يَغْرُرْكَ يا محمد تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) يعنى إمهالهم وإقبالهم فى دنياهم وتقلبهم فى بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة.
اخرج ابن ابى حاتم عن السدىّ عن ابى مالك انه قال نزلت فى الحارث بن قيس السهمي يعنى انهم مواخذون عن قريب بكفرهم كالذين قبلهم كما قال.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ اى الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود يعنى كذبوا نوحا وغيره من الرسل هذه معللة بقوله فلا يغررك وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ منهم بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ قال ابن عباس اى ليقتلوه ويهلكوه وقيل لياسروه والعرب يسمى الأسير اخيذا وَجادَلُوا بِالْباطِلِ اى بمثل قولهم ما أنتم الّا بشر مثلنا ولولا انزل علينا الملائكة او نرى ربّنا ونحو ذلك لِيُدْحِضُوا اى ليزيلوا ويبطلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ بالإهلاك جزاء لهمهم عطف على جادلوا فَكَيْفَ كانَ عِقابِ
(٥) اى عقابى فانكم تمرون على ديارهم وترون اثره والاستفهام للتقرير والتعجيب.
وَكَذلِكَ اى وجوبا مثل وجوب إهلاكهم فى الدنيا حَقَّتْ اى وجبت فى الاخرة كَلِمَةُ رَبِّكَ او المعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم
стр. 3422
المكذبة السابقة كذلك حقت كلمة العذاب عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا من قومك أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) بدل من كلمت ربّك بدل الكل على قراءة كلمة ربّك وبدل البعض على قراءة كلمات او بدل الاشتمال على ارادة اللفظ او المعنى وقال الأخفش تقديره لانّهم وبانّهم اصحاب النّار-.
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ اى الطائفون به وهم الكروبيون وهم سادة الملائكة قال ابن عباس حملة العرش ما بين كعب أحدهم الى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام ويروى ان أقدامهم فى تخوم الأرضين «اى حدودها ومعالمها- منه ره» والأرضون والسماوات الى حجزتهم وهم يقولون سبحان ذى العزة والجبروت سبحان ذى الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح- وقال ميسرة بن عبد ربه أرجلهم فى ارض السفلى ورءوسهم تحت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفا من اهل السماء السابعة واهل السماء السابعة أشد خوفا من التي تليها والتي تليها أشد خوفا من التي تليها- وقال مجاهد بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ اذن لى ان أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة اذنه الى عاتقه مسيرة سبع مائة عام- رواه ابو داود والضياء بسند صحيح وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال ان ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين الف سنة والعرش يكسى كل يوم سبعون الف لون من النور لا يستطيع ان ينظر اليه خلق من خلق الله والأشياء كلها فى العرش كحلقة فى فلاة- وقال مجاهد بين السماء السابعة وبين العرش سبعون الف حجاب حجاب من نور وحجاب من ظلمة وحجاب من نور وحجاب من ظلمة- وقال وهب بن منبه ان حول العرش سبعون الف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هولاء ويقبل هؤلاء فاذا استقبل بعضهم بعضا هلّل هؤلاء وكبر هولاء ومن ورائهم سبعون الف صف قيام أيديهم الى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فاذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رافعوا أصواتهم
стр. 3423
فقالوا سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا اله غيرك أنت الأكبر الخلق كلهم راجعون إليك ومن وراء هولاء مائة الف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد الا وهو يسبح بتحميدة لا يسبحه الاخر ما بين جناحى أحدهم مسيرة ثلاث مائة عام وما بين شحمة اذنه الى عاتقه اربع مائة عام واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار وسبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا من در ابيض وسبعين حجابا من ياقوت احمر وسبعين حجابا من ياقوت اصفر وسبعين حجابا من زبرجد اخضر وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من ماء وسبعين حجابا من برد وما لا يعلمه الا الله تعالى قال ولكل واحد من جملة العرش ومن حوله اربعة وجوه وجه ثور ووجه اسد ووجه نسر ووجه انسان ولكل واحد منهم اربعة اجنحة اما جناحان فعلى وجهه مخافة ان ينظر الى العرش فيصعق واما جناحان فيهفو بهما كما يهفو هذا الطائر بجناحيه إذا حركه ليس لهم كلام الا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد- يُسَبِّحُونَ الله اى يذكرونه بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام متلبسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قال البيضاوي جعل التسبيح أصلا والحمد حالا لان الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح وَيُؤْمِنُونَ بِهِ اى يصدقون بانه تعالى موجود واجب وجوده خالق للاشياء كلها أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد اخبر الله تعالى عنهم بالايمان إظهارا لفضله وتعظيما لاهله وايماء بان الملائكة فى العبودية والعجز والايمان بالغيب كسائر الخلائق لا كما تزعم الكفار انهم بنات الله وردّا على المجسمة عن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية اربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال فكانهم يرون ذنوب بنى آدم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيه تنبيه على ان المشاركة فى الايمان يوجب النصح والشفقة وان تخالف الأجناس لانها أقوى المناسبات كما قال الله تعالى انّما المؤمنون اخوة رَبَّنا اى يقولون ربّنا وجملة يقولون مع ما فى حيزه حال من فاعل يستغفرون وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً اى وسعت كل شىء رحمتك وعلمك فازيل عن أصله للاغراق فى وصفه بالرحمة والعلم
стр. 3424
والمبالغة فى عمومها وقدم
الرحمة لانها المقصودة بالذات هاهنا فَاغْفِرْ الفاء للسببية فان سعة الرحمة سبب للمغفرة لِلَّذِينَ تابُوا اى رجعوا عن الكفر الى الإسلام وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ اى دينك الذي بعثت به رسلك وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) اى احفظهم عنه تصريح بعد اشعار للتأكيد قال مطرف انصح عباد الله للمؤمنين الملائكة واغش الخلق لهم الشياطين.
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ اى «١» اقامة الَّتِي وَعَدْتَهُمْ إياها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ من صلح عطف على هم فى أدخلهم او لما وعدتهم يعنى وعدتهم ووعدت من صلح من ابائهم ولعل المراد بالصلاح هاهنا نفس الايمان فان المؤمن صالح لدخول الجنة وان كان مرتكبا للكبائر بغفران الله تعالى فان الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء وانما قلنا ذلك ليتحقق التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه ولو كان المراد بالصلاح صلاح العقائد والأعمال والأخلاق جميعا كان من صلح داخلا فى الذين تابوا واتبعوا سبيل الله والله اعلم- قال البغوي قال سعيد بن جبير يدخل المؤمن الجنة فيقول اين ابى اين أمي اين ولدي اين زوجى فيقال انهم لم يعملوا مثل عملك فيقول انى كنت اعمل لى ولهم فيقال أدخلوهم الجنة وهذا موقوف فى حكم المرفوع وصريح فى ان المراد بالصلاح فى الاية نفس الايمان إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي يقدر على كل شىء ولا يمتنع عنه ما أراد الْحَكِيمُ (٨) الذي لا يفعل الا ما يقتضيه الحكمة ومن ذلك الوفاء بالوعد.
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ اى العقوبات او جزاء الأعمال السيئة وهذا تعميم بعد تخصيص او مخصوص عن من صلح او المعنى وقهم السّيّئات اى عن الأعمال السيئة فى الدنيا وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ اى يوم الجزاء او فى الدنيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ دليل على جزاء الشرط المحذوف أقيم مقامه تقديره ومن تق السّيّئات يفلح إذ قد رحمته وَذلِكَ اى الرحمة او الوقاية او مجموعهما
стр. 3425
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) فان قيل اىّ فائدة فى سوال الملائكة للمؤمنين بإدخال الجنة بعد ما وعدهم الله تعالى به واستحالة الخلف فى وعد الله وكذا فى سوال المؤمنين للنبى ﷺ بقوله اللهم ات محمد ان الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته قلت الباعث على الدعاء حبهم إياهم لما القى الله تعالى فى قلوبهم وفائدته استجلاب مزيد رحمة الله للمدعو لهم واستجلاب رضوان الله ورحمته للداعين لاجل المحبوبين لله تعالى والله اعلم-.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الى آخره متصل بقوله ما يجادل فى آيات الله الّا الّذين كفروا وما بينهما معترضات فى مدح الملائكة الموصوفين بالايمان المستغفرين للمؤمنين الذين هم اعداء الكافرين يُنادَوْنَ اى يناديهم خزنة النار يوم القيامة وهم فى النار وقد مقتوا أنفسهم الامّارات بالسوء حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا جزاءها فيقال لهم لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) ظرف لفعل دل عليه المقت الاول لاله لانه مصدر وخبره اكبر من مقتكم فلا تعمل فى إذ تدعون لان المصدر إذا اخبر عنه لم يجز ان يتعلق شىء يكون فى صلته لان الاخبار عنه يؤذن بتمامه وما يتعلق به يؤذن بنقصانه ولا للمقت الثاني لانه عند حلول العذاب- او تعليل للحكم وزمان المقتين واحد.
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا موتتين اثْنَتَيْنِ او مرتين وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ اى خلقتنا أمواتا نطفا فى أصلاب الآباء ثم أحييتنا فى أرحام الأمهات فى الدنيا ثم أمتنا عند انقضاء الآجال ثم أحييتنا يوم القيامة كذا قال ابن عباس وقتادة والضحاك ونظيره قوله تعالى كنتم أمواتا فاحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم وقال السدىّ معناه امتّنا فى الدنيا ثم أحييتنا فى القبر للضوال ثم امتّنا فى القبر ثم أحييتنا يوم البعث ومبنى هذا القول الزعم بان الاماتة يقتضى الحيوة قبل الموت وهذا ليس الان الاماتة جعل الشيء عديم الحيوة ابتداء او بالتصيّر كما قيل سبحان من صغر البيض وكبر الفيل وان خص بالتصيّر فاختيار الفاعل أحد مفعوليه بأحد الوصفين تصيّر و
стр. 3426
صرف له عن الاخر والسؤال فى القبر لا يستدعى حيوة مثل حيوة الدنيا ولو استدعى ذلك لاستدعى عذاب القبر ايضا مثل ذلك ولزم انقطاع عذاب القبر عن الكفار إذا أميتوا فى القبر بعد السؤال وليس كذلك فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الفاء للسببية ولما كان سبب اعترافهم معاينتهم الحيوة الثانية بعد الموت الثانية جعل مجموع الموتتين والحياتين سببا له فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ واحد او نوع من الخروج من النار سريع او بطى ورجوع الى الدنيا مِنْ سَبِيلٍ (١١) طريق فنسلكه استفهام ومعناه التمني فينادون لا سبيل لكم الى الخروج فحذف هذه الجملة لما يدل عليه قوله.
ذلِكُمْ يعنى انتفاء سبيل للخروج وما أنتم فيه من العذاب بِأَنَّهُ اى بسبب انه إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ اى متوحدا وتوحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه فى الحالية كَفَرْتُمْ يعنى إذا قيل لا اله الا الله انكرتم وقلتم اجعل الالهة الها واحدا وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ غيره تُؤْمِنُوا تصدقوا بالاشراك وإذا كان هذا سببا لدخولكم فى النار فَالْحُكْمُ لِلَّهِ يعنى هذا الحكم لله خاصة الذي هو المستحق للعبادة المنزه عن الشريك وهو قد حكم عليكم بالعذاب الشديد الدائم بسبب كفركم ولو كان له شريك مما عبدتموها أنجاكم من عذابه وكان لكم حينئذ سبيل الى الخروج الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) من ان يشرك ويسوى به غيره..
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على التوحيد وسائر ما يجب ان يعلم وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً اى مطرا يكون سببا لرزقكم فيه ولمعذرتهم بالجهل بعد رؤية ما كان صالحا للاستدلال على التوحيد وَما يَتَذَكَّرُ بالآيات إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) الى الله ويرجع عن التعصب والعناد وهذه الجملة مبتدئة خطاب للنبى ﷺ بعد ما تم الجواب لاهل النار.
فَادْعُوا اللَّهَ يعنى إذا سمعتم ما يؤل اليه امر المشركين فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى الطاعة والعبادة من الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) يعنى وان غاظ ذلك أعداءكم الكافرين.
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ اى رفيع درجات كماله بحيث لا يظهر بجنبها كمال وقيل الرفيع هاهنا
стр. 3427
بمعنى رافع درجات أنبيائه وأوليائه فى مراتب القرب اليه وفى الجنة بعضها فوق بعض ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه يُلْقِي الرُّوحَ اى ينزل الوحى سماه روحا لانه يحيى به القلوب كما يحيى الأبدان بالأرواح مِنْ أَمْرِهِ قال البغوي قال ابن عباس يعنى من فضله فمن للابتداء وقيل من قوله فمن للبيان عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الثلاثة كلها اخبار لهو مترادفة لموصول دالة على توحيده وعلو صمديته وتمهيد للنبوة او اخبار مبتدا محذوف اى هو لِيُنْذِرَ متعلق بيلقى والمستكن فيه لله او للروح او لمن وهو اظهر واقرب ويؤيده قراءة يعقوب «لا يدعى الحسن بالتاء- ابو محمد» بالتاء للخطاب اى لتنذر أنت يا محمد وحذف المفعول للدلالة على عموم دعوته وشمول إنذاره الثقلين يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) اى يوم يلتقى فيه الخلائق كلها اهل السماوات والأرض وقال مقاتل وقتادة يوم يلتقى فيه الخالق والخلائق وقال ميمون بن مهران يلتقى فيه الظالم والمظلوم والخصوم وقيل يلتقى العابدون والمعبودون وقيل المرء مع عمله- اخرج الحاكم وابن جرير وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا فى كتاب الأهوال عن ابن عباس انه قرأ يوم تشقّق السّماء بالغمام قال يجمع الله الخلق يوم القيامة فى صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير فتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم اكثر ممن فى الأرض من الجن والانس الحديث بطوله ذكر فيها نزول اهل السماوات السبع بعضهم عقيب بعض ونزول الله تعالى وهو من المتشابهات وذكرنا تأويلها فى سورة الفرقان فى تفسير قوله تعالى يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وفى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة.
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ ٥ اى خارجون من قبورهم او ظاهرون لا يسترهم شىء من جبل او اكمة او بناء او ظاهرة نفوسهم لا يحجبهم غواشى الأبدان او ظاهرة أعمالهم وسرائرهم لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ اى من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم شَيْءٌ تقرير لقوله يوم هم بارزون وازاحة لنحو ما يتوهم فى الدنيا لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ حكاية لما يسئل عنه فى ذلك اليوم وذلك بعد فناء الخلق قبل البعث وحينئذ لا يكون أحد يجيبه فيجيب نفسه ويقول لِلَّهِ الْواحِدِ المتوحد فى
стр. 3428
جلال الذات وكمال الصفات المنزه عن الشريك فى الالوهية وفى شيء من الممكنات الْقَهَّارِ (١٦) الذي قهر الخلق بالموت وبالتصرف فيها بما أراد.
رواه يعنى كون السؤال والجواب من الله بعد فناء الخلق قبل البعث ابو هريرة فى حديث طويل عن النبي ﷺ رواه الطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وغيرهم واخرج ابن ابى داود فى البعث عن ابى سعيد عن النبي ﷺ قال ينادى مناد بين الصيحة يا ايّها الناس أتاكم الساعة ومدّ بها صوته يسمعها الاحياء والأموات وينزل الله الى السماء الدنيا ثم ينادى مناد لمن الملك اليوم لله الواحد القهار- واخرج البيهقي عن انس دفعه فى قوله تعالى ونفخ فى الصّور الاية فكان ممّن استثنى الله ثلاثة جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول الله (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول توف نفس ميكائيل ثم يقول (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وملك الموت فيقول توف نفس جبرئيل ثم يقول (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت فيقول مت ثم ينادى انا بدأت الخلق ثم أعيده اين الجبارون المتكبرون ثم ينادى لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول هو لله الواحد القهّار ثم ينفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون- وسياق الاية يقتضى انه حكاية لما يسئل عنه فى ذلك اليوم بعد احياء الخلق يوم هم بارزون او حكاية لما دلّ عليه ظاهر الحال فى ذلك الوقت من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وسلب الاضافة المجازى للملك والحكم الى غيره تعالى واما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.
الْيَوْمَ يعنى حين يسلب الملك المجازى من غيره تعالى ويكون الملك خاصة له ظاهرا كما هوله خاصة دائما على الحقيقة تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ بنقص الثواب وزيادة العقاب بناء على الوعد ولان الحاكم حينئذ هو الله وحده ولا يتصور منه الظلم لان الظلم ما يفعله أحد
стр. 3429
فى غير ملكه بلا اذن مالكه وكل ما يفعله الله يفعله فى ملكه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) يحاسب الناس كلهم فى قدر نصف يوم من ايام الدنيا بناء على مشيته والا فهو قادر على ان يحاسبهم دفعة فى ان واحد إذ لا يشغله شأن عن شأن-.
وَأَنْذِرْهُمْ عطف على الاخبار السابقة بتقدير يقال لك انذرهم يَوْمَ الْآزِفَةِ اى القيامة سمّيت بها لازوافها اى قربها إذ كل ما هو ات قريب إِذِ الْقُلُوبُ إذ بدل من يوم الآزفة لَدَى الْحَناجِرِ فانها ترفع عن أماكنها من شدة الهول فتلتصق بحلوقهم فلا يعود حتى يترحوا ولا يخرج فيموتوا كاظِمِينَ مكروبين ممتلين خوفا وو حزنا والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن فى القلب حتى تطيق به- القلوب مبتدا ولدى الحناجر خبره والكاظمين حال من القلوب محمول على أصحابها وانما جمع الكاظم جمع السلامة لانه وصف بالكظم الذي هو من افعال العقلاء ما لِلظَّالِمِينَ الكافرين والضمائر ان كانت للكفار كان هذا وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بهم وانه لظلمهم مِنْ حَمِيمٍ اى قريب مشفق وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) اى ولا شفيع مشفع لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لهم من شافعين او له مفهوم على زعمهم ان لهم شفعاء اى لو شفعوا فرضا لا تقبل شفاعتهم.
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ اى النظرة الخائنة كالنظرة الى من حرم النظر إليها واستراق النظر إليها او مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة يعنى يعلم خيانة الأعين الجملة خبر اخر لهو فى قوله هو الّذى يريكم آياته وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) من الضمائر قيل يعنى ما يتفكر الرجل بقلبه فى جمال امراة اجنبية بعد ما ينظر إليها بشهوة مسارقة.
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ لانه المالك على الإطلاق والحكيم والعليم بما ظهر وما بطن فلا يقضى الا بما يقتضيه علمه وحكمته ولا يقضى الا وهو حقه والجملة عطف على يعلم وَالَّذِينَ يَدْعُونَ قرا نافع وهشام بالتاء للخطاب على الالتفات او بإضمار قل والباقون بالياء للغيبة مِنْ دُونِهِ من الأوثان والشياطين والملوك الجبابرة لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ لعدم قدرتهم على القضاء إِنَّ اللَّهَ هُوَ
стр. 3430
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(٢٠) تقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه بانها لا تسمع ولا تبصر.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا عطف على محذوف تقديره اينكرون وبال الكفر ولم يسيروا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ اى مال اليه امر الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم المكذبة للرسل كعاد وثمود كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً قدرة وتمكنا جئ بالفصل لمشابهة افعل من بالمعرفة فى امتناع دخول اللام عليه قرأ ابن عامر أشدّ منكم على الالتفات وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من القلاع والمدائن الحصينة وقيل المعنى اكثر اثارا كقوله متقلدا سيفا ورمحا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فاهلكهم بالريح او الصيحة او نحو ذلك وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) يمنع عنهم من العذاب حيث لم يلتجئوا اليه الجملة عطف او حال ذلك الاخذ.
بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى المعجزات او الاحكام الواضحات الصحّة والصلاح فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ قادر على كل ما يريد غاية القدرة شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) اى شديد عقابه الجملة تعليل للاخذ القوى-.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا اى المعجزات التسع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) حجة ظاهرة العطف لتغائر الوصفين او لافراد بعض المعجزات كالعصا تفخيما لشأنه وتخصيصا بعد تعميم.
إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) يعنون موسى ﵇ تسلية للنبى ﷺ وبيان لعاقبة بعض من كان قبلهم من الذين كانوا أشد بطشا واقرب زمانا.
فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى أعيدوا عليهم القتل وَاسْتَحْيُوا اى استبقوا نِساءَهُمْ كما كنتم فعلتم ذلك اولا كى يصدوا عن مظاهرة موسى ﵇ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل على كفرهم ولتعميم الحكم والدلالة على العلة إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) اى فى
стр. 3431
ضياع فانهم أرادوا ابطال امر موسى فرد الله عليهم كيدهم واهلكهم وجعل موسى ومن تبعه ملوك الأرض.
وَقالَ فِرْعَوْنُ لقومه ذَرُونِي قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها أَقْتُلْ مُوسى وقال البغوي انما قال هذا لانه كان فى خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى خوفا من الهلاك كانوا يقولون انه ليس للذى تخافه بل هو ساحر ولو قتلته لظن الناس انك عجزت عن معارضته بالحجة قال البيضاوي فيه دليل على انه تيقن بنبوة موسى فخاف من قتله او ظن وانه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله وَلْيَدْعُ موسى رَبَّهُ الذي يزعم انه أرسله إلينا فيمنعه منا فانه تجلد وعدم مبالاة بدعائه وكان قوله ذرونى اقتل موسى تمويها على قومه وإيهاما بانهم هم الذين يكفونه عن قتله وما كان يكفه الا ما استقر فى قلبه من هول امر العصا إِنِّي قرأ نافع وابن كثير و «وابو جعفر- ابو محمد» وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ ان لم اقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ اى يغير ما أنتم عليه من عبادة الأصنام لقوله تعالى ويذرك والهتك أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) قرأ يعقوب واهل الكوفة او ان والآخرون وان وقرأ اهل المدينة والبصرة «وحفص» يظهر بضم الياء وكسر الهاء من الافعال والفساد بالنصب على المفعولية والباقون بفتح الياء والهاء من المجرد ورفع الفساد على الفاعلية وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة الأوثان او ما يفسد الدنيا من التجارب والتهارج..
وَقالَ مُوسى لقومه لما توعده فرعون بالقتل إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) صدر الكلام بانّ تأكيدا واشعارا على ان السبب المؤكد فى دفع الشر هو العياذ بالله وخص اسم الرب لان المطلوب هو الحفظ والتربية وإضافته اليه وإليهم لان حفظ موسى متضمن ومتكفل لحفظهم أجمعين وحثا لهم على موافقته فى الاستعاذة لما فى تظاهر الأزواج من استجلاب الاجابة ولم يذكر فرعون وذكر وصفا يعمه وغيره لتعميم الاستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على الشر وجاز ان يكون هذا خطابا لفرعون وقومه وفى قوله ربّكم تنبيه على التوحيد وانكار على اشراكهم.
стр. 3432
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ قال مقاتل والسدىّ كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فى سورة القصص وجاء رجل من اقصا المدينة يسعى قيل كان اسمه حبيب وقال قوم كان اسرائيليا ومجاز الاية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من ال فرعون وكان اسمه جزئيل على ما روى عن ابن عباس واكثر العلماء وقال ابن إسحاق كان اسمه خبول أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا اى تقصدون «١» قتله أَنْ يَقُولَ اى لان يقول او وقت ان يقول من غير رؤية وتأمل فى امره او مخافة ان يقول رَبِّيَ اللَّهُ وحده وهو فى الدلالة على الحصر مثل صديقى زيد وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الكثيرة الشاهدة على صدقه مِنْ رَبِّكُمْ حيث لا يقدر على إتيان تلك المعجزات الا الذي خلقكم فانه قادر على كل شىء دون غيره وأضاف الربّ إليهم اشعارا بانه من خلقكم ورباكم قادر على ان يأخذكم بالعذاب والجملة حال من فاعل يقول ثم أخذ الرجل القائل بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال وَإِنْ يَكُ كاذِباً كما زعمتم فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ لا يتخطاه وبال كذبه حتى يحتاج فى دفعه الى قتله وَإِنْ يَكُ صادِقاً كما يدل عليه المعجزات والشواهد يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ اى فلا اقل ان يصيبكم بعضه وذلك البعض يكفى لهلاككم ففيه مبالغة فى التحذير واظهار الانصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذبا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) احتجاج ثالث ذو وجهين أحدهما انه لو كان مسرفا لما هداه الله الى البينات ولما
стр. 3433
عضده بالمعجزات وثانيهما انه كان مسرفا كذابا خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم الى قتله ولعله أراد به المعنى الاول وخيّل إليهم الثاني ليلين شكيمتهم- «اى شدة نفسهم- منه ره» وتعريض به لفرعون بانه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب والنجاة عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني باشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال بينا رسول الله ﷺ يصلى بفناء الكعبة إذا قبل عقبة بن ابى معيط فاخذ بمنكبي رسول الله ﷺ ولوى ثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقبل ابو بكر «١» فاخذ بمنكبيه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال أتقتلون رجلا ان يقول ربّى الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم- رواه البخاري.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين عالين حال من كم فى لكم فِي الْأَرْضِ ارض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا يعنى لكم الملك والغلبة فى الأرض فلا تبطلوا ملككم وغلبتكم بالتعرض لعذاب الله بقتل نبيه فانه ان جاءنا لا يمنعنا منه أحد أدرج نفسه فى الضمير لانه كان منهم فى القرابة وليريهم انه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ من الرأى اى ما اشيركم وقال الضحاك ما أعلمكم إِلَّا ما أَرى اى ما أراه واعلمه صوابا يعنى قتله وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) طريق الصواب-.
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ فى تكذيبه والتعرض له مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠)
стр. 3434
تقديره انّى أخاف عليكم عذابا مثل عذاب يوم الأحزاب اى ايام الأحزاب يعنى الأمم الماضية المكذبة للرسل وجمع الأحزاب مع التفسير الذي بعده اغنى عن جمع اليوم او المعنى عذاب يوم حزب من الأحزاب.
مِثْلَ جزاء دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كقوم لوط ونمرود الجبار اى مثل جزاء ما كان عادتهم من التكذيب وإيذاء الرسل وهذه الاية تدل على انه كان فى قوم فرعون علم بالأولين وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) اللام زائدة لتقوية عمل المصدر والعباد مفعول لظلما يعنى لا يريد ان يظلم عبدا فيعاقبهم بغير ذنب او يترك الظالم منهم بغير انتقام او ينقص من اجر حسنة لاحد او يزيد فى عقوبة أحد.
وَبعد ما خوّفهم بعذاب الدنيا خوّفهم بعذاب الاخرة فقال يا قَوْمِ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ قرأ ابن كثير «ويعقوب- ابو محمد» التّنادى وصلا ووقفا بإثبات الياء وورش «وابن دردان- ابو محمد» وصلا فقط واختلف فيهما عن قالون «والحذف عنه أقوى ابو محمد» والباقون بحذف الياء فى الحالين.
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ بدل من يوم التناد قال مجاهد يعنى فارّين غير معجزين قيل المراد منه يوم ينفخ فى الصور نفخة الفزع قبل نفخة الصعق لما روى ابن جرير فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وعبد بن حميد وابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابى هريرة عن النبي ﷺ حديثا طويلا وذكر فيه ثلاث نفخات قال فيأمر الله اسرافيل بالنفخة الاولى فيقول الله تعالى انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع اهل السماوات والأرض الا ما شاء الله فيأمره فيمدها فيطيلها ولا يفتر الى ان قال فتذهل المراضع عمّا أرضعت وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتى الأقطار فتتلقتها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولى الناس مدبرين ينادى بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله يوم التناد الحديث- وقيل المراد يوم القيامة إذا دعى كل أناس بامامهم اخرج ابو نعيم عن ابى حازم الأعرج رضى الله عنه انه قال (يخاطب نفسه) يا اعرج ينادى يوم القيامة يا اهل
стр. 3435
خطيّات كذا وكذا فتقوم معهم ثم ينادى يا اهل خطيّات اخرى فتقوم معهم فاراك يا اعرج تريد ان تقوم مع اهل خطيئة- واخرج ابن ابى عاصم فى السنة عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة نادى مناد الا ليقم خصماء الله (وهم القدرية) وإذا ينادى اصحاب الجنة اصحاب النار واصحاب النار اصحاب الجنة وينادى اصحاب الأعراف كما حكى الله تعالى فى سورة الأعراف وإذا ينادى بالسعادة والشقاوة الا ان فلان ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها ابدا الا ان فلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- اخرج البزار والبيهقي عن انس عن النبي ﷺ قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتى الميزان ويوكّل به ملك فان ثقلت موازينه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها ابدا وان خفت موازينه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- وإذا ينادى الا انى جعلت نسبا وجعلتم نسبا اخرج الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة امر الله مناديا ينادى الا انى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فابيتم الا ان تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم ارفع نسبى وأضع نسبكم اين المتقون. وإذا ينادى حين يذبح الموت يا اهل الجنة خلود ولا موت ويا اهل النار خلود ولا موت- اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ إذا صار اهل الجنة الى الجنة واهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادى منادى يا اهل الجنة لا موت ويا اهل النار لا موت فيزداد اهل الجنة فرحا الى فرحهم واهل النار حزنا الى حزنهم- وعن ابى سعيد نحوه وعند الحاكم وابن حبان عن ابى هريرة نحوه- وقرأ ابن عباس والضحاك يوم التّناد بتشديد الدال اى يوم التنافر وذلك لانهم هربوا فندوا فى الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها. اخرج ابن جرير