اعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود الاية فامسك عتبة على فيه فناشده بالرحم ورجع الى اهله ولم يخرج الى قريش فاحتبس عنهم فقال ابو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة الا قد صبا الى محمد وقد أعجبه طعامه وما ذاك الا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا اليه فانطلقوا اليه فقال ابو جهل والله يا عتبة ما حبسك عنا الا انك صبوت الى محمد وأعجبك طعامه فان كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة واقسم ان لا يكلم محمدا ابدا وقال والله لقد علمتم انى من اكثر قريش مالا ولكنى أتيته وقصصت عليه القصة فاجابنى بشئ والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة الى قوله (تعالى) فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فامسكت بغيه وناشدته بالرحم ان يكف ولقد علمتم ان محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت ان ينزل عليكم العذاب- وقال قال محمد بن كعب القرظي حدثت ان عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما قال يوما وهو جالس فى نادى قريش ورسول الله ﷺ جالس وحده فى المسجد قال يا معشر قريش الا أقوم الى محمد وأكلمه واعرض عليه أمورا لعله يقبل منا بعضهن فنعطيه ويكف عنا (وذلك حين اسلم حمزة وراوا اصحاب محمد ﷺ يزيدون ويكثرون) قالوا بلى يا أبا الوليد فقم اليه فكلمه فقام عتبة الى رسول الله ﷺ فقال يا ابن أخي انك منا حيث علمت من البسطة فى العشيرة والمكان فى النسب وانك قد أتيت بامر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت أحلامهم وعبت الهتهم وكفرت من مضى من ابائهم فاستمع منى اعرض عليك أمورا اتنظر فيها فقال رسول الله ﷺ قل يا أبا الوليد فقال يا ابن أخي ان كنت انما تريد بما جئت المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون اكثر منّا مالا وان كنت
تريد شرفا سوّدناك علينا وان كان هذا الذي بك رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب او لعل هذا شعر جاش به صدرك فانكم لعمرى بنى عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه غيركم حتى إذا فرغ فقال له رسول الله ﷺ اوقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاستمع منى
стр. 3467
قال افعل فقال بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرّحمن الرّحيم كتب فصّلت آياته قرءانا عربيّا ثم مضى فيها يقرأ فلمّا سمع عتبة انصت والقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ الى السجدة فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد فانت وذاك فقام عتبة الى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم ابو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلمّا جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد فقال ورائ انى قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني خلوا ما بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب به فملكه ملككم وعزّه عزّكم فانتم اسعد الناس به فقالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رائى لكم فاصنعوا ما بدا لكم..
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ اى تعظموا على اهل الأرض بغير استحقاق وَقالُوا لما خوّفوا بالعقاب اغترارا بقوتهم وشوكتهم مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً يعنى ليس أحد أشد قوة منا ندفع العذاب بقوتنا كان أحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء فقال الله تعالى ردّا عليهم أَوَلَمْ يَرَوْا الاستفهام للانكار والعطف على محذوف تقديره أقالوا ذلك ولم يروا اى لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا اى بمعجزاتنا يَجْحَدُونَ (١٥) اى يعرفون انها حق وينكرونها عطف على قالوا.
فَأَرْسَلْنا عطف على كانوا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً عاصفا شديد الصوت شديد البرد من الصر بمعنى البرد اى يصر اى يجمع ويقبض او الصرة بمعنى الصيحة فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو ويعقوب بسكون الحاء والباقون بكسرها اى مشومات ذات نحوس فى حقهم قال الضحاك امسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من غير مطر قيل كان اخر شوال من الأربعاء الى الأربعاء وما عذب قوم الا يوم الأربعاء لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ اى عذاب الهوان أضاف العذاب الى الخزي اضافة الموصوف
стр. 3468
الى الصفة مثل رجل الحرب وحاتم الجود بدليل ولعذاب الاخرة اخزى وهو فى الأصل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى عطف على أرسلنا وهو فى الأصل صفة المعذب وصف به العذاب للمبالغة مجازا وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) بدفع العذاب عنهم.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ اى دللناهم على الخير والشر بإرسال الرسل وبيّناهم سبيل الهدى كذا قال ابن عباس فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى اى اختاروا الجهل والكفر على الايمان فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ اى صيحة من السماء مهلكة للعذاب والهوان والذل واضافتها الى العذاب ووصفه بالهون للمبالغة بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) من اختيار الضلالة.
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) من تلك الصاعقة..
وَاذكر يَوْمَ يُحْشَرُ قرأ نافع ويعقوب بفتح النون وضم الشين على صيغة المتكلم المبنى للفاعل أَعْداءُ اللَّهِ بالنصب على المفعولية والباقون بضم الياء وو فتح الشين على البناء للمفعول واعداء الله بالرفع إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) اى يساقون ويدفعون الى النار وقال قتادة والسدىّ يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا قال البيضاوي وهى عبارة عن كثرة اهل النار.
حَتَّى ابتدائية إِذا ما جاؤُها إذا حضروها وما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) قال السدىّ وجماعة المراد بالجلود الفروج وقال مقاتل ينطق جوارحهم روى مسلم عن انس قال كنا مع رسول الله ﷺ فضحك فقال هل تدرون مما اضحك قلنا الله ورسوله اعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم فيقول بلى قال فيقوله فانى لا أجيز على نفسى الا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لاركانه انطقى فينطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكنّ أناضل- «اى أجادل وأخاصم- نهاية منه ره» وفى حديث ابى هريرة عند مسلم فيختم على فيه ويقول لفخذه انطق فينطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله.
وَقالُوا
стр. 3469
اى الذين يحشرون الى النار لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا بعدا لكن وسحقا فعنكن اناضل وهذا السؤال سوال توبيخ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ذى نطق وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) قدّم الظرف للحصر والاهتمام ورعاية الفواصل وهذه الجملة يحتمل ان يكون من تمام كلام الجوارح وان يكون استئنافا مثل ما بعده- روى الشيخان فى الصحيحين والبغوي عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشى او قرشيان وثقفى كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم أترون ان الله يسمع ما نقول قال الاخر يسمع ما جهرنا ولا يسمع ان أخفينا وقال الاخر ان كان يسمع إذا جهرنا فانه يسمع إذا أخفينا قال البغوي قيل الثقفي عبد ياليل والقرشيان ختنا ربيعة وصفوان ابن امية فانزل الله تعالى.
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ اى اية قال البغوي معناه تستخفون عند اكثر اهل العلم وقال مجاهد تتقون وقال قتادة تظنون يعنى ما كنتم تستترون الفواحش من جوارحكم مخافة أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ كما كنتم تستترونها عن الناس مخافة الفضيحة فالمعنى ما كنتم تظنون ان جوارحكم تشهد عليكم وفيه تنبيه وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) فلذلك اجرأتم على ما فعلتم.
وَذلِكُمْ اى ظنكم هذا مبتدا وقوله ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ اى أهلككم خبر ان له ويجوز ان يكون ظنّكم بدلا من اسم الاشارة وارديكم خبره فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
(٢٣) ثم اخبر عن حالهم فقال.
فَإِنْ يَصْبِرُوا فى النار فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ لاخلاص لهم عنها وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) اى ان طلبوا العتبى وهو الرجوع الى ما يحبون ويسترصون ربهم فما هم بمجابين الى ذلك.
وَقَيَّضْنا اى بعثنا ووكلنا وقال مقاتل هيأنا عطف على قوله فى صدر السورة فاعرض أكثرهم- وقالوا قلوبنا فى أكنّة وبينهما معترضات لَهُمْ اى للكافرين قُرَناءَ جمع قرين ككرماء جمع كريم يعنى نظراء من الشياطين
стр. 3470
يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو القشر وقيل اصل القيض البدل ومنه المقائضة للمعاوضة فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من امر الدنيا واتباع الشهوات وَما خَلْفَهُمْ من امر الاخرة فدعوهم الى التكذيب وانكار البعث وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ اى كلمة العذاب فِي أُمَمٍ حال من الضمير المجرور اى كائنين فى جملة امم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ صفة لامم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقد عملوا مثل أعمالهم صفة اخرى لامم إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) بايثار موجبات العذاب على موجبات الرحمة تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم او للامم..
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ قال ابن عباس كان بعضهم يوصى الى بعض إذا رايتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو وقال مجاهد الغوا فيه بالمكاء والصفير وقال الضحاك أكثروا الكلام فتخلطوا عليه ما يقول وقال السدىّ صيحوا فى وجهه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) محمدا على قراءته.
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وضع المظهر موضع الضمير تسجيلا للكفر وللدلالة على شمول هذا الحكم لهم ولغيرهم عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) اى سيئات أعمالهم او المعنى لنجزينّهم جزاء كفرهم الذي هو أسوأ ما كانوا يعملون فى الدنيا.
ذلِكَ مبتدا اى الاسوأ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ خبره النَّارُ عطف بيان للجزاء او خبر محذوف لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ اى دار الاقامة جَزاءُ منصوب على المصدرية لفعله المقدر اى يجزون والجملة تأكيد لما سبق بِما كانُوا بِآياتِنا اى القران يَجْحَدُونَ اى ينكرون الحق او المعنى يلغون عند قراءة القران وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على مضمون الكلام السابق اى عذبوا ذلك العذاب وقالوا يعنى يقولون بعد ما يلقون فى النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعنون شيطانى النوعين الحاملين إياهما على الضلال والعصيان وقيل هما إبليس وقابيل بن آدم لانهما سنا الكفر والمعصية قرأ ابن عامر
стр. 3471
وابن كثير ويعقوب وابو بكر والسوسي أرنا بالتخفيف اى بسكون الراء هاهنا خاصة وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء والباقون باشباعها «اى بكسره كاملة- ابو محمد» نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا فى النار لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) اى فى الدرك الأسفل من النار قال ابن عباس ليكونا أشد عذابا منّا-.
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته ثُمَّ اسْتَقامُوا اى التزموا المنهج المستقيم قال المحلى نزلت فى ابى بكر الصديق وثم لتراخيه عن الإقرار فى الرتبة والمراد بالاستقامة الاعتدال وعدم الزيغ والانحراف عن الحق بوجه من الوجوه لا فى الاعتقاد ولا فى الأخلاق ولا فى الأعمال قال فى القاموس استقام اعتدل وقومته عدلته فهو قويم ومستقيم ومنه الصراط المستقيم للطريق السوي الذي يوصل سالكه الى المطلوب البتة. فالاستقامة لفظ مختصر شامل لجميع الشرائع من الإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات على سبيل الدوام والثبات ومن هاهنا أجاب رسول الله ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي حين قال يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا اسئل عنه أحدا بعدك وفى رواية غيرك قال قل امنت بالله ثم استقم- رواه مسلم قال البغوي سئل ابو بكر الصديق عن الاستقامة فقال ان لا تشرك بالله شيئا «١» وقال عمر بن الخطاب الاستقامة ان تستقيم على الأمر والنهى ولا تروغ روغان الثعالب وقال عثمان بن عفان أخلصوا العمل لله وقال علىّ أدوا الفرائض وقال ابن عباس استقاموا على أداء الفرائض وقال
стр. 3472
الحسن استقاموا على امر الله فاعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته وقال مجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة ان لا اله الّا الله حتى تلحقوا بالله وقال مقاتل استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا- فكلها عبارات عما ذكرنا فان قول عمر ليستقيم على الأمر والنهى ولا تروغ روغان الثعالب وقول على وابن عباس وكذا قول الحسن شامل لجميع ما فرض الله إتيانه او الاجتناب عنه فى العقائد والأخلاق والأعمال- وقول ابى بكر لا تشرك بالله شيئا وقول عثمان أخلصوا لله العمل بيان لعدم الرياء والسمعة فى شىء من الأعمال وهو المعنى من قول مجاهد وعكرمة- فالاستقامة لا تتصور بدون فناء القلب والنفس وحصول المعرفة بالله على ما اصطلح عليه الصوفية وذلك قول مقاتل وقال قتادة كان الحسن إذا تلا هذه الاية قال اللهم أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة وكان الحسن رأس الصوفية ينتهى اكثر السلاسل اليه- تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت كذا قال ابن عباس وقال قتادة ومقاتل إذا قاموا من قبورهم وقال وكيع بن الجراح البشرى يكون فى ثلاثة مواطن عند الموت وفى القبر وعند البعث أَلَّا تَخافُوا ان مفسرة لان تتنزّل عليهم يتضمن معنى الوحى الذي فيه معنى القول او مخففة من الثقيلة اسمه ضمير الشأن او مصدرية يعنى لا تخافوا على ما تقدمون عليه من امر الاخرة كذا قال مجاهد وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من اهل وولد فانا نخلفكم فى ذلك فالخوف غم يلحق لتوقع مكروه والحزن غم يلحق لوقوعه فى مكروه من فوات نافع او حصول ضار وقال عطاء بن ابى رباح لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم يعنى لا تخافوا العقاب ولا تحزنوا على صدور العصيان فان الله يغفرها لكم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) فى الدنيا على لسان الرسل اخرج ابو نعيم عن ثابت البناني انه قرأ حم السجدة حتى بلغ الى قوله تتنزّل عليهم الملائكة فقال بلغنا ان العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان الذان كانا معه فى الدنيا فيقولان لا تخف ولا تحزن وابشر بالجنة التي كنت توعد قال فيأمن الله خوفه ويقر عينه.
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ
стр. 3473
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
يعنى كنا معكم فى الدنيا نحفظكم من الشياطين ونلهمكم بالخيرات
وَنحن اولياؤكم فِي الْآخِرَةِ
لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة وَلَكُمْ فِيها
اى فى الجنه ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
من اللذات والكرامات وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
(٣١) اى ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الاول.
نُزُلًا كائنا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) نزلا حال من ما تدّعون وفيه اشعار بان ما يتمنون بالنسبة الى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف اخرج البزار وابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ انك لتنظر الى الطير فى الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا- واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة ان الرجل من اهل الجنة ليشتهى الطير فى الجنة فيخر مثل البختي حتى يقع على خوانه لم نصبه دخان ولا تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير- وأخرجه الترمذي وحسنه والبيهقي قال قال رسول الله ﷺ المؤمن إذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنه فى ساعة كما يشتهى- وعند هناد فى الزهد عن ابى سعيد قلنا يا رسول الله ان الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لاهل الجنة فقال إذا اشتهى الى آخره- واخرج الاصبهانى فى الترغيب عن ابى سعيد الخدري ولم يرفعه قال ان الرجل من اهل الجنة يتمنى الولد فيكون حمله ورضاعه وفطامه وشبابه فى ساعة واحدة- واخرج البيهقي مرفوعا بلفظ ان الرجل يشتهى الولد فى الجنة فيكون الى آخره- واخرج فى التاريخ والبيهقي نحوه-.
وَمَنْ أَحْسَنُ يعنى لا أحد احسن قَوْلًا مِمَّنْ دَعا الناس إِلَى اللَّهِ الى عبادة الله وتوحيده وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين ربه وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) تفاخرا او اتخاذا للاسلام دينا ومذهبا من قولهم هذا قول فلان لمذهبه قال محمد بن سيرين والسدىّ هو رسول الله ﷺ وقال الحسن هو المؤمن أجاب الله فى دعوته وعمل صالحا فى اجابته وقال انّنى من المسلمين وقالت عائشة ارى هذه الاية نزلت فى المؤذّنين وقال
стр. 3474
ابو امامة الباهلي دعا الى الله يعنى اذّن وعمل صالحا صلى ركعتين بين الاذان والاقامة قال قيس بن حازم عمل صالحا هو الصلاة بين الاذان والاقامة عن عبد الله بن معقل قال قال رسول الله ﷺ بين كل أذانين صلوة بين كل أذانين صلوة قال فى الثالثة بين كل أذانين صلوة لمن شاء- متفق عليه وعن انس بن مالك قال لا اعلم وقد رفعه انس الى النبي ﷺ قال لا يرد الدعاء بين الاذان والاقامة- رواه ابو داود والترمذي فصل فى فضل الاذان عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله عليه وسلم لا يسمع مدى صوت المؤذّن جن ولا انس ولا شىء الا شهد له يوم القيامة رواه البخاري وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الامام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الائمة واغفر للمؤذنين- رواه احمد وابو داود والترمذي والشافعي وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من اذن سنبع سنين محتسبا كتب له براءة من النار. رواه الترمذي وابن ماجة وابو داؤد وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة على كثبان الجنة عبد ادّى حق الله وحق مولاه ورجل امّ قوما وهم به راضون ورجل ينادى بالصلوات الخمس كل يوم وليلة- رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلوة ويكفر عنه ما بينهما- رواه احمد وابو داود وابن ماجة وعن سهل بن سعد رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ ثنتان لا تردان او قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا وعن ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ قال من اذّن «١» ثنتى عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه فى كل يوم ستون حسنة وبكل اقامة ثلاثون حسنة
стр. 3475
رواه ابن ماجة وعنه قال كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب- رواه البيهقي فى الدعوات الكبير- (فصل فى جواب الاذان) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىّ فانه من صلى علىّ صلوة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فانها منزلة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون انا هو فمن سال لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى- رواه مسلم وعن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر فقال أحدكم الله اكبر الله اكبر الحديث يعنى يقول مثل ما يقول المؤذن وحين يقول حى على الصلاة وحى على الفلاح يقول لا حول ولا قوة الا بالله دخل الجنة رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر قال رجل يا رسول الله ان المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله ﷺ قل كما يقولون فاذا انتهيت فسل تعط- رواه ابو داود-.
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ فى الجزاء وحسن العاقبة ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي يعنى مهما أمكن للانسان فلا بد ان يختار الخصلة الحسنة على الخصلة السيئة فليختر الصبر على الغضب والحلم على الجهل والعفو على الانتقام والسخاء على البخل والشجاعة على الجبن والعفة على العنت ادْفَعْ بِالَّتِي اى بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ المراد بالأحسن هاهنا الزائد فى الحسن مطلقا إذ لا حسن فى السيئة أصلا قال ابن عباس امر بالصبر فى مقابلة من يغضب عليه وبالحلم فى مقابلة من يجهل عليه وبالعفو فى مقابلة من يسئ اليه وقيل معناه لا تستوى الحسنة فى جزئياتها ولا تستوى السيّئة فى جزئياتها بل بعضها فوق بعض فى الحسن والسوء فاذا اعترضك من بعض أعدائك سيّئة فادفعها بأحسن الحسنات كما لو أساء إليك رجل فالحسنة ان تعفو عنه والتي احسن ان تحسن اليه فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ إذا للمفاجاة أضيف الى الجملة والعامل فيه معنى المفاجاة والمعنى فوجى ذلك وقت صيرورة الذي بينك وبينه عداوة كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)
стр. 3476
الذي مبتدا وكانّه خبر وإذا ظرف لمعنى التشبيه وقوله ادفع الى آخره جملة مستأنفة كانه قيل كيف اصنع إذا أساء أحد الىّ فقال ادفع قال مقاتل بن حبان نزلت فى ابى سفيان بن حرب وليس بسديد لان الاية مكية واسلام ابى سفيان كان بعد الفتح.
وَما يُلَقَّاها جملة معترضة اى ما يؤتى هذه الخصلة وهى مقابلة الاساءة بالإحسان إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على مخالفة النفس والهوى وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) من التجليات الصفاتية والذاتية فان النفس إذا تجلت عليها الصفات الحسنى انسلخت من صفاتها السواى.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ عطف على ادفع وما زائدة اتصلت بان الشرطية مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ النزغ شبه النخس والشيطان ينزع كانه ينخس ويبعث على المعصية وفى القاموس نزغه كمنعه طعن فيه ونزغ بينهم أفسد واغرى ووسوس وهو فعل الشيطان أسند الى نزغه مجازا على طريقة جدجده وعلى هذا من للابتداء او أريد بالنزغ المسند اليه النازغ وصفا للشيطان بالمصدر مبالغة ومن الشّيطان بيان له حال منه والمعنى وان وسوس فيك الشيطان وحملك على الانتقام ومقابلة الاساءة بالاساءة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره ولا تطعه هذا جواب الشرط وجواب الأمر محذوف اى يدفع الله عنك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك الْعَلِيمُ (٣٦) بنيتك وصلاحك-.
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فان كل واحد منها تدل على وجوب وجود صانعها وصفاته الكاملة ووحدانيته لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ لانهما مخلوقان مأموران مثلكم وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ الضمير للاربعة المذكورة والمقصود تعليق الفعل بهما اشعارا بانهما من عداد ما لا يعلم ويختار إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فان السجود يختص لله تعالى وهذا موضع السجود عند الشافعي ﵀ لاقتران الأمر به وهو مروى عن ابن مسعود وابن عمر اخرج الطحاوي بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد يذكر ان عبد الله بن مسعود كان يسجد فى الاية الاولى من حم واخرج بسنده عن نافع عن ابن عمر مثله.
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن الامتثال
стр. 3477
والسجود شرط حذف جزاؤه وأقيم علته مقامه تقديره فان استكبروا لا يضره فَالَّذِينَ اى لانّ الذين عِنْدَ رَبِّكَ عندية غير متكيفة وهم الأنبياء والملائكة والأولياء يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) عطف او حال اى لا يملّون بل يتلذذون به قال رسول الله ﷺ أرحني يا بلال. قال ابو حنيفة ﵀ هذا موضع السجود وهو المروي عن ابن عباس اخرج ابن ابى شيبة فى مصنفه والطحاوي عن مجاهد عن ابن عباس انه كان يسجد فى الاية الاخيرة من حم تنزيل. وزاد فى رواية راى رجلا يسجد عند قوله ان كنتم ايّاه تعبدون فقال له قد عجلت واخرج الطحاوي عن مجاهد قال سالت عن ابن عباس عن السجود الذي فى حم قال اسجد باخر الآيتين وروى الطحاوي ايضا بسنده عن ابى وائل انه كان يسجد فى الاية الاخيرة من حم وروى عن ابن سيرين مثله وعن قتادة مثله قال صاحب الهداية هذا قول عمر قال ابن همام كونه قول عمر غريب وأخذ ابو حنيفة هذا القول للاحتياط فانه ان كان السجود عند تعبدون لا يضره التأخير الى الاية الاخيرة وان كان عند لا يسئمون لم يكن السجود قبله مجزيّا- وقال الطحاوي ما حاصله ان السجود فى الاية الاخيرة هو مقتضى النظر وذلك انا راينا السجود المتفق عليه هو عشر سجدات منها الأعراف وموضع السجود منها قوله انّ الّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه وله يسجدون ومنها الرعد وموضع السجود منها ولله يسجد من فى السّموت ومن فى الأرض طوعا وكرها وظللهم بالغدوّ والآصال ومنها النحل وموضع السجود منها عند قوله ولله يسجد ما فى السّموات وما فى الأرض من دابّة الى قوله يؤمرون ومنها بنى إسرائيل وموضع السجود منها عند قوله ويخرّون للاذقان سجّدا الى قوله خشوعا ومنها مريم وموضع السجود منها عند قوله إذا تتلى عليهم ايت الرّحمن خرّوا سجّدا وبكيّا ومنها الحج والمتفق عليه فيها عند قوله الم تر انّ الله يسجد له من فى السّموت ومن فى الأرض الاية ومنها الفرقان وموضع السجود منها عند قوله وإذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا وما الرّحمن الاية ومنها النمل وموضع السجود منها الّا يسجدوا لله الّذى يخرج الخبء الاية
стр. 3478
ومنها الم تنزيل وموضع السجود منها عند قوله انّما يؤمن بايتنا الاية ومنها حم تنزيل وموضع السجود منها مختلف فيه فقال بعضهم يعبدون وبعضهم وهم لا يسئمون وكان كل موضع من المواضع المذكورة موضع اخبار يعنى من استكبار المتكبرين او من خشوع الخاشعين ولزمنا مخالفة المتكبرين وموافقة الخاشعين وليس شىء منها بموضع امر بالسجود وقد راينا السجود مذكورا فى مواضع اخر بصيغة الأمر منها قوله تعالى اقنتى لربّك واسجدي ومنها كن من السّاجدين وليس هناك سجود بالإجماع فالنظر يقتضى ان يكون كل موضع فيها الأمر بالسجود يحمل على الأمر بالعبادة والسجود الصلاتية وكل موضع فيها الاخبار يكون هناك سجدة التلاوة وهذا النظر يقتضى ان لا يكون فى الحج سجدة ثانية لانه بلفظ الأمر حيث قال الله تعالى اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم ومن ثم قال ابو حنيفة هى سجدة صلاتية يدل عليها المقارنة بالركوع وان لا يكون فى هذه السورة عند الاية الاولى سجدة لكونه بصيغة الأمر وان يكون عند الاية الاخيرة لكونه بصيغة الاخبار- وهذا النظر يقتضى ان يكون فى سورة ص سجدة تلاوة كما قال ابو حنيفة خلافا لغيره لان موضع السجود منها اخبار ليس بامر وهو قوله فاستغفر ربّه وخرّ راكعا وأناب وكذا فى سورة إذا السماء انشقت فى قوله فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون فانه موضع اخبار وليس بامر- غير ان هذا النظر يقتضى ان لا يكون فى سورة النجم واقرأ سجدة لان موضع السجود منهما قوله تعالى فاسجدوا لله واعبدوا وقوله تعالى واسجد واقترب وهما بصيغة امر لكن ابو حنيفة ﵀ ترك النظر هناك لاتباع ما قد ثبت عنده عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا هناك وقد قال مالك لا سجود فى المفصل- قلت وقد ذكرنا فى سورة الحج ما يدل
على ان فيها سجدتين والله اعلم-.
وَمِنْ آياتِهِ اى دلائل قدرته أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة غبراء لانبات فيها مستعار من الخشوع بمعنى التذلل فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ اى تحركت وَرَبَتْ اى علت وانتفخت بخروج النبات إِنَّ الَّذِي أَحْياها
стр. 3479
اى أحيا نباتها لَمُحْيِ الْمَوْتى يوم القيامة إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الاحياء والإماتة قَدِيرٌ (٣٩) .
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا قال مجاهد يلحدون فى آياتنا «١» بالمكاء والتصدية واللغو واللغط وقال قتادة يكذبون آياتنا وقال السدى يعاندون ويشاقون قال مقاتل نزلت فى ابى جهل قلت واللفظ يعم من يلحد بالتكذيب والإلغاء ومن يلحد بالتحريف والتأويل الباطل المخالف لتأويل السلف لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا فلا يأمنوا عن الجزاء والانتقام أَفَمَنْ يُلْقى الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره يفتخر هؤلاء الكفار ويعجبون بانفسهم أفمن يّلقى فِي النَّارِ ابو جهل وأمثاله خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اخرج ابن المنذر عن بشير بن فتح قال نزلت هذه الاية فى ابى جهل وعمار بن ياسر وقيل من ياتي أمنا هو حمزة وقيل عثمان واللفظ يعمهم وغيرهم ذكر الله سبحانه الإتيان أمنا فى مقابلة الإلقاء فى النار مبالغة وكان القياس ان يقال أفمن يلقى فى النار خير أم من يدخل الجنة لان مفاد الكلام ان الآتي أمنا خير ممن يلقى فى النار فكيف من يكرم ويدخل الجنة اعْمَلُوا «٢» ايها الكفار ما شِئْتُمْ من الكفر والمعاصي إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) فاجازيكم على ما تعملون فيه تهديد شديد-.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ اى القران لَمَّا جاءَهُمْ ان مع جملتها بدل من قوله انّ الّذين يلحدون او مستأنف وخبران محذوف مثل معاندون او هالكون او يجازيهم بكفرهم وقيل خبره قوله من بعد أولئك ينادون من مكان بعيد وَإِنَّهُ اى القران لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) حال او استئناف قال الكلبي عن ابن عباس اى كريم على الله وقال قتادة أعزّه الله فلا يجد الباطل اليه سبيلا.
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال قتادة والسدىّ الباطل هو الشيطان
стр. 3480
لا يستطيع ان يغيره او يزيد فيه او ينقص منه قلت وهو يعم شياطين الانس والجن كما ان الروافض زاد وانى القران عشرة اجزاء فلم يستطيعوا ورد الله كيدهم وزادوا فى بعض الآيات وبعض الألفاظ كما قالوا فى قوله تعالى انّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد علىّ وسيعلم الّذين ظلموا ال محمّد اىّ منقلب ينقلبون ونحو ذلك فانهم فعلوا ذلك وأبطل الله عملهم فلم يلتحق بالقران قال الزجاج معناه انه محفوظ من ان ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه او يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه وعلى هذا معنى الباطل الزيادة والنقصان وقال مقاتل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يجيء بعده كتاب يبطله او ينسخه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ كامل الحكمة حَمِيدٍ (٤٢) يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمة وهو حميد فى نفسه لا يحتاج الى ان يحمده غيره.
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ قيل هذا تسلية للنبى ﷺ بانه ما يقول لك كفار مكة قد قيل مثله للانبياء من قبلك انه ساحر كذاب فاصبر كما صبروا ولا تغتم به وقيل معناه ما اوحى إليك الأمثل ما اوحى إليهم من التوحيد واصول الدين والوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين وقيل مقول القول قوله إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للمومنين وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) للكافرين والجملة على الاول مستأنفة- ولمّا قال الكفار اقتراحا وتعنتا هل انزل القران بلغة العجم يعنون كما أنزلت التوراة والإنجيل نزلت.
وَلَوْ جَعَلْناهُ اى لو جعلنا هذا الذكر الذي تقرأه على الناس قُرْآناً أَعْجَمِيًّا اى مقروا بلغة العجم لَقالُوا يعنى اهل مكة لَوْلا هلا فُصِّلَتْ بينت آياتُهُ بلغة العرب حتى فهمناها هذه الجملة متصلة بجمل واردة فى صدر السورة فى مدح القران اعنى كتاب فصّلت آياتهءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قرا هشام أعجميّ بهمزة واحدة من غير مد على الخبر يعنى كتاب أعجميّ ورسول عربىّ والباقون بهمزتين على الاستفهام للانكار فقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وخلف وروح ابو محمد» بهمزتين محققتين والباقون بهمزة ومدة «اى بهمزة مسهلة- ابو محمد» وقالون وابو عمرو يشبعانها لان من قولهما إدخال الالف بين
стр. 3481
الهمزة المحققة والملينة وورش «بخلاف عنه ابو محمد» على أصله فى ابدال الهمزة الثانية ألفا من غير فاصل بينهما «وورش في وجه الثانية ابو محمد» وابن كثير ايضا على أصله فى جعل الثانية بين بين من غير فاصل وهكذا قرا حفص وابن «ورويس بخلاف عنه ابو محمد» ذكوان فى هذا المقام خاصة قال مقاتل وذلك ان رسول الله ﷺ كان يدخل على يسار غلام لعامر الحضرمي وكان يهوديّا اعجميّا يكنى أبا فكيهة فقال المشركون انما يعلمه يسار فضربه سيده وقال انك تعلّم محمدا فقال يسار هو يعلّمنى فانزل الله هذه الاية واخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال قالت قريش لولا انزل هذا القران اعجميّا وعربيّا فانزل الله لقالوا لولا فصّلت آياته الاية وانزل الله بعد هذه الاية فيه لكل لسان قال ابن جرير والقراءة على هذا أعجمي بلا استفهام قُلْ يا محمد هُوَ اى القران لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً من الضلالة وَشِفاءٌ التنكير للتعظيم اى هدى وشفاء عظيم لما فى الصدور من الجهل ورذائل أوصاف القلب والنفس وقيل شفاء من الأمراض والأوجاع وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مبتدا خبره فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ اى ثقل لقوله وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى اى ظلمة وشبهة قال قتادة عموا عن القران وصموا عنه فلا ينتفعون به والأخفش جوز العطف على معمولى عاملين والمجرور مقدم فالموصول عنده عطف على الموصول فى للّذين أمنوا هدى وشفاء أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) تمثيل لهم فى عدم قبولهم وعدم استماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة-.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ جواب لقسم محذوف يعنى اختلف قوم موسى بالتصديق والتكذيب كما اختلف قريش فى القران وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ فى تأخير العذاب عن المكذبين الى يوم القيامة او الى أجل معلوم لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم وَإِنَّهُمْ اى المكذبين لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من التوراة او من القران مُرِيبٍ (٤٥) موقع فى الريبة.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ نفعه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها مضرته وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) فلا يضيع عمل المحسنين ولا يزيد على
стр. 3482
جزاء المسيئين أورد صيغة المبالغة تعريضا على الكفار بانهم هم الظلامون المبالغون فى الظلم والله سبحانه لا يتصور منه الظلم أصلا لان الظلم ان يتصرف أحد فى ملك غيره بغير اذنه-.
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ اى علم وقت قيامها يرد اليه يعنى يجب على كل من سئل عنها ان يقول الله اعلم إذ لا يعلمها الا هو وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها اى من اوعيتها جمع كمّ بالكسر قرأ نافع وابن عامر وحفص «وابو جعفر ابو محمد» ثمرات على الجمع والباقون ثمرت على التوحيد بارادة الجنس وما نافية ومن الاولى مزيدة للاستغراق وثمرات فى محل الرفع ويحتمل ان يكون ما موصولة معطوفة على الساعة ومن بيانية بخلاف قوله وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى فانها نافية ومن زائدة البتة وَلا تَضَعُ اى أنثى إِلَّا بِعِلْمِهِ اى الا مقرونا بعلمه حسب تعلقه به والمراد انه كما لا يعلم بالساعة غيره كذلك لا يعلم بما يخرج من الثمرات وما تحمل أنثى الا هو- قوله الّا بعلمه استثناء مفرغ يتوجه الى الافعال الثلاثة على سبيل التنازع اعمل الأخير وقدر فى الأولين وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ اى يوم ينادى الله المشركين بقوله أَيْنَ شُرَكائِي قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها يسئلهم الله تهكما وتوبيخا اين شركائى التي كنتم تزعمونها الهة قالُوا اى المشركون آذَنَّاكَ أعلمناك الان ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) اى من يشهد لهم بالشرك الجملة حال يعنى يتبرءون عنهم لمّا عاينوا العذاب او المعنى ما منا من أحد يشاهدهم لانهم غابوا عنّا.
وَضَلَّ عَنْهُمْ يعنى لا ينفعهم او غاب عنهم فلا يرون ما كانُوا يَدْعُونَ اى يعبدون مِنْ قَبْلُ ذلك اليوم يعنى فى الدنيا وَظَنُّوا اى أيقنوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) اى مهرب الظن معلق عنه بحرف النفي وقيل جملة المنفي سدّ مسد المفعولين-.
لا يَسْأَمُ اى يمل الْإِنْسانُ الكافر مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ لا يزال يسئل الله تعالى المال والغنى والصحة وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ اى الشدة من الفقر
стр. 3483
والمرض فَيَؤُسٌ اى فهو يؤس من روح الله قَنُوطٌ (٤٩) من رحمته.
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ اى الكافر جواب قسم محذوف رَحْمَةً مالا وعافية مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي جواب للقسم لفظا وللشرط معنى يعنى هذا حقى لما فىّ من الفضل والعمل والعلم، او هذا لى دائما لا يزول وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً اى تقوم وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي قرأ وابو جعفر- ابو محمد ابو عمرو ونافع بخلاف عن قالون بفتح الياء والباقون بإسكانها إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعنى لان قامت القيامة على التوهم لكان لى عند الله الحالة الحسنة من الكرامة وذلك لاعتقاده ان ماله من الدنيا انما هو لاستحقاقه الكرامة الغير المنفك عنه فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب قسم محذوف والفاء للسببية بِما عَمِلُوا قال ابن عباس لنفتنهم على مساوى أعمالهم وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) لا يمكنهم التفصى عنه-.
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ الكافر أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ اى ثنى عطفه وقيل الجانب كناية عن النفس كالجنب فى قوله تعالى جنب الله يعنى ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته لكمال الغلفة وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) اى كثير مستعار ممّا له عرض وسيع للاشعار بكثرته والعرب يستعمل الطول والعرض فى الكثرة يقال أطال فى الكلام والدعاء واعرض اى اكثر والعريض ابلغ من الطويل إذ الطول أطول الامتدادين فاذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله ومن ثم قال الله تعالى جنّة عرضها السّموات- ولا منافاة بين قوله وإذا مسّه الشّرّ فيؤس قنوط وبين قوله فذو دعاء عريض لان الاولى فى قوم آخرين ولعل الاولى فى الكفار ولا يياس من روح الله الّا القوم الكافرون ومن يّقنط من رّحمة الله الّا القوم الضّالّون «١» والثانية فى الغافلين من المؤمنين. وجاز ان يكون كلا الآيتين فى الكفار والمراد انهم إذا مسّهم شر دعوا مخلصين له الدين فاذا روا تاخرا فى الاجابة يئسوا وقنطوا بخلاف المؤمنين الصالحين فانهم لا يقنطون ويرون فى تأخير الاجابة حكمة قال
стр. 3484
رسول الله ﷺ اما ان يجعلها لهم واما ان يدخرها لهم او يقال يؤس قنوط بالقلب وذو دعاء عريض باللسان او قنوط الصنم وذو دعاء من الله تعالى (مسئلة) من أحب ان يستجاب دعاؤه فى الشدة فليكثر الدعاء فى الرخاء كذا ورد فى حديث رواه.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القران مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) هذه الجملة متصلة بقوله تعالى قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ كان الأصل من أضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم لانه فى تأويل قوله ان كان القرءان من عند الله كان حقّا بلا شبهة وكان الكفر به شقاقا بعيدا من الحق وأنتم قد كفرتم به فلا أضل منكم.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قال ابن عباس يعنى منازل الأمم الخالية وَفِي أَنْفُسِهِمْ يعنى يوم بدر وكذا قال قتادة وقيل فى أنفسهم البلايا والأمراض وقال مجاهد والسدىّ فى الآفاق ما يفتح القرى على محمد ﷺ والمسلمين وفى أنفسهم فتح مكة وقال عطاء وابن زيد فى الآفاق يعنى فى أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار وفى أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة- قال البيضاوي فى الآفاق يعنى ما أخبرهم النبي ﷺ من الحوادث الآتية واثار النوازل الماضية وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة وفى أنفسهم ما ظهر فيما بين اهل مكة وما حلّ بهم او ما فى بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ اى القران من عند الله والرسول مؤيد من الله او التوحيد مؤيد من الله ودين الله حق او الله هو الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ الباء زائدة وربك فى محل الرفع على الفاعلية ولا تزاد الباء فى الفاعل الا مع كفى أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) بدل من الفاعل والمعنى او لم يكف ان ربك على كلّ شىء شهيد والاستفهام للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره أتشك فى عاقبة أمرك ولم يكف انه تعالى على كل شىء شهيد محقق
стр. 3485
فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة او انه تعالى مطلع فيعلم حالك وحالهم او المعنى الم ينته الإنسان عن المعاصي ولم يكف له رادعا انه تعالى مطلع على كل شىء لا يخفى عليه خافية فيجازيه عليها وقال مقاتل او لم يكف بربك شاهدا على ان القران من الله شهادته على ذلك جعله معجزا وقال الزجاج معنى الكفاية ان الله تعالى قد بين من الدلائل ما فيه كفاية يعنى او لم يكف بربّك شاهدا لانه على كل شىء شهيد لا يغيب عنه شىء-.
أَلا إِنَّهُمْ يعنى كفار مكة فِي مِرْيَةٍ اى شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ اى من البعث والجزاء أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) علما باجمالها وتفصيلها مقتدر عليها لا يفوته شىء منها او انه محيط بكل شىء احاطة ذاتية غير متكيفة لا يفوته شىء منها- تمت سورة فصلت تفسيرها من التفسير المظهرى فى اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة الثامنة بعد الف سنة ١٢٠٨ هـ- ومائتين من الهجرة على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ويتلوه ان شاء الله تعالى تفسير سورة الشورى والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.
стр. 3486
سورة الشّورى
مكيّة وهى ثلاث وخمسون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
حم (١) عسق (٢) قال البغوي سئل الحسن بن الفضل لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال لانها سورة من سور اوائلها حم فجرت مجرى نظائرها ولان حم مبتدا وعسق خبره ولانهما عدا ايتين وأخواتها مثل كهيعص والمص عدت اية واحدة وقيل اهل التأويل لم يختلفوا فى كهيعص وأخواتها انها حروف للتهجى لا غير واختلفوا فى حم وأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا معناه حمّ اى قضى ما هو كائن وروى عكرمة عن ابن عباس انه قال ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته اقسم الله بها وقال شهر بن حوشب وعطاء بن ابى رباح ح حرف يعز فيها الذليل ويزل فيها العزيز من فرس م ملك يتحول من قوم الى قوم اخر ع عدو لقريش يقصدهم س سيء بكور فيهم ق قدرة الله النافذة فى خلقه وروى عن ابن عباس انه قال ليس من نبى صاحب كتاب الا وقد أوحيت اليه حم عسق حيث قال الله تعالى.
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الغالب لقهره الْحَكِيمُ (٣) المصيب فى حكمه اى مثل ما فى هذه السورة من المعاني او ايحاء مثل ايحائها اوحى الله إليك والى الرسل من قبلك ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحى وان ايحاء مثله عادته تعالى- قرأ الجمهور يوحى بكسر الحاء على المضارع المبنى
стр. 3487
للفاعل والله فاعله وقرا ابن كثير بفتح الحاء على البناء للمفعول على ان كذلك مرفوع على الابتداء اى مثل ذلك ويوحى خبره المسند الى ضميره او كذلك منصوب على المصدر ويوحى مسند الى إليك والله مرفوع على انه فاعل لفعل محذوف دل عليه السؤال المقدر يعنى من يوحى اليه فقال الله كما فى قول الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة- على البناء للمفعول والعزيز الحكيم صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به او الله مبتدا والعزيز وما بعد اخبار او العزيز الحكيم صفتان وكذا قوله.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ صفة بتقدير الذي او حال وَهُوَ الْعَلِيُّ على خلقه الْعَظِيمُ (٣) حال اخر او تذييل وهو على الوجوه الاخر جملتان مستأنفتان مقررتان لعزته وحكمته-.
تَكادُ قرأ نافع والكسائي بالياء التحتانية لان الفاعل مؤنث غير حقيقى والباقون بالتاء الفوقانية لتأنيث السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ اى يتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه يدل عليه ذكره بعد قوله العلىّ العظيم وقيل يتفطرن من قول المشركين اتخذ الله ولدا نظيره فى سورة مريم لقد جئتم شيئا ادّا تكاد السّموت يتفطّرن وقيل يتشققن من كثرة الملائكة قال رسول الله ﷺ أطت «١» السماء وحقها ان تاط والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر الا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده- رواه ابن مردوية عن انس ورواه البغوي بلفظ ما فيها موضع قدم الا وعليه ملك قائم او راكع او ساجد- قرأ البصريان وابو بكر ينفطرن من الانفطار مِنْ فَوْقِهِنَّ اى يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية وتخصيصها على الاول لانه أعظم الآيات وادلها على علو شأنه وعلى الثاني ليدل على ان الانفطار من تحتهن بالطريق الاولى وعلى الثالث لازدحام الملائكة على الفوق وقيل الضمير للارض فان المراد بها الجنس وهذا على الثاني وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ اى ينزهون عما يقول الظالمون من نسبة الولد وكل ما لا يليق بشأنه خضوعا لما يرون من عظمة الله
стр. 3488
سبحانه ملابسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أداء لشكر نعمائه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين أداء لحق المشاركة فى الايمان والجملة حال أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لاوليائه الرَّحِيمُ (٥) بهم.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ شركاء وأندادا اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ رقيب على أحوالهم وأعمالهم يحصى عليهم فيجازيهم بها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ يا محمد بِوَكِيلٍ (٦) بموكل بهم تحصل المطلوب منهم او موكول إليك أمرهم.
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الاشارة الى مصدر يوحى وقوله قُرْآناً عَرَبِيًّا منصوب على المفعولية او هو اشارة الى معنى الاية المتقدمة فانه مكرر فى القران فى مواضع فيكون الكاف مفعولا به وقوله قرءانا عربيّا حالا منه لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى اى أهلها وهى مكة فان اكثر قرى العرب خرجت منها وَمَنْ حَوْلَها اى العرب لينصروه فى إعلاء كلمة الله او قرى الأرض كلها مشرقها ومغربها وجنوبها وشمالها قال رسول الله ﷺ فضلت على الأنبياء بخمس بعثت الى الناس كافة وذخرت شفاعتى لامتى ونصرت بالرعب شهرا امامى وشهرا خلفى وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى رواه الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد وروى مسلم فى الصحيح والترمذي عن ابى هريرة قوله ﷺ فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبيون وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ اى لتنذرهم بيوم القيامة التي يجمع فيه الأولون والآخرون حذف ثانى مفعولى تنذر الاول وأول مفعولى الثاني للتهويل والتعميم لا رَيْبَ فِيهِ اعتراض لا محل له من الاعراب فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) تقديره فريق منهم فى الجنّة وفريق منهم فى السّعير وضمير منهم للمجموعين لدلالة الجمع عليه والجملتان منصوبتان على الحال منهم اى وينذرهم يوم يجمعون كائنين متفرقين فى دارى الثواب والعقاب او مستأنفتان عن عبد الله بن عمرو قال خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابض على كفيه ومعه كتابان قال أتدرون ما هذان الكتابان
стр. 3489
قلنا لا يا رسول الله فقال للذى فى يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء اهل الجنة واسماء ابائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا فى الأصلاب وقبل ان يستقروا نطفا فى الأرحام إذ هم فى الطينة منجدلون «اى ملقون على الجدالة وهى الأرض منه ره» فليس بزائد منهم ولا ناقص منهم إجمال من الله عليهم الى يوم القيامة ثم قال للذى فى يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء اهل النار واسماء ابائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا فى الأصلاب وقبل ان يستقروا نطفا فى الأرحام إذ هم فى الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا نافض منهم إجمال من الله عليهم الى يوم القيامة- فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل إذا فقال اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اىّ عمل وان صاحب النار يختم له بعمل اهل النار وان عمل اىّ عمل ثم قال فريق فى الجنّة وفريق فى السعير عدل من الله رواه البغوي وكذا روى الترمذي-.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً عطف على مضمون فريق فى الجنّة اى الامة اى يفترقون فريقين قال ابن عباس على دين واحد وقال مقاتل على دين الإسلام لقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بالهداية الى دين الإسلام وَالظَّالِمُونَ الكافرون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) اى لا يدخلهم فى رحمته فلا يكون لهم ولى يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم من النار ولعل تغير المقابلة للمبالغة فى الوعيد إذ الكلام فى الانذار.
أَمِ اتَّخَذُوا عطف على والظّالمون الاية أم منقطعة بمعنى بل للاضراب والهمزة للانكار يعنى الكافرون لم يتخذوا الله وليّا ونصيرا بلء اتخذوا مِنْ دُونِهِ كالاصنام والشياطين أَوْلِياءَ لا ينبغى ذلك او المعنى ليس المتخذون اولياء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ جواب شرط محذوف مثل ان أرادوا اولياء فالله هو الولي يعنى هو الحقيق بان يتخذ وليا وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى ليجزى كل نفس ما عملت وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) هذه الجملة فى مقام التعليل لقوله هو الولي وقال ابن عباس فالله وليك وولى من تبعك اى ناصرك وإياهم والفاء حينئذ لمجرد العطف لا لجزاء الشرط.
стр. 3490
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ ايها الناس فِيهِ مِنْ شَيْءٍ من امر الدين فَحُكْمُهُ مفوض إِلَى اللَّهِ يحكم يوم القيامة بينهم فيميز المحق من المبطل وقيل ما اختلفتم فيه من تأويل متشابه فارجعوا فيه الى المحكم من الله ذلِكُمُ الذي يحكم بينكم اللَّهِ اى قل لهم يا محمد ذلكم الله رَبِّي بدل من الله او عطف بيان عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فى رد كيد الأعداء وفى الأمور كلها وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) اى ارجع فى المعضلات.
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما خبر اخر لذلكم او خبر مبتدا محذوف او مبتدا خبره ما بعده جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم أَزْواجاً نساء وَمِنَ الْأَنْعامِ اى جعل للانعام من الانعام أَزْواجاً او جعل لكم من الانعام أصنافا او ذكورا وإناثا جملة جعل على التقدير الأولين حال بتقدير قد يَذْرَؤُكُمْ اى يكثركم من الذرء وهو البث الضمير للمخاطبين والانعام تغليبا فِيهِ اى فى هذا التدبير وهو جعل الناس والانعام أزواجا ليكون بينهم توالد وقيل فيه اى فى الرحم وقيل فى البطن وقيل فى بمعنى الباء اى يذرؤكم به قيل معناه يكثركم بالتزويج لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ المثل زائد والمعنى ليس هو كشئ فادخل المثل للتأكيد كقوله فان أمنوا بمثل ما أمنتم به وقيل الكاف زائدة ومعناه ليس مثله شىء يزاوجه ويناسبه قال ابن عباس ليس له نظير وقيل هذا من باب الكناية نظيره قولهم مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة فى نفيه عنه فانه إذا نفى عمّن يناسبه ويسدّ مسده كان نفيه عنه بالطريق الاولى وإذا كان كناية فلا يقتضى ان يكون له مثل فان فى الكناية لا يشترط تحقق المعنى الحقيقي كما يقال فلان طويل النجاد وان لم يكن له نجاد أصلا ونظيره قوله تعالى بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ كناية عن كونه جوادا مع استحالة الجارحة وقيل معنى مثله صفته اى ليس كصفته صفة شىء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لكل ما يسمع ويبصر وكل سميع وبصير فسمعه وبصره مستعار منه تعالى كانه ذكرهما لئلا يتوهم انه لا صفة له كما انه لا مثل له.
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى خزائن الرزق فى السماوات والأرض قال الكلبي المطر والنبات يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ اى يوسع ويضيق على وفق مشيته
стр. 3491
ابتلاء وامتحانا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) فيفعل على ما ينبغى..
شَرَعَ لَكُمْ يا امة محمد ﷺ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى يعنى ان دين الإسلام الذي شرع الله لامة محمد ﷺ ليس امرا مبتدعا بل هو دين الأنبياء كلهم فان الحق لا يكون الا واحدا وماذا بعد الحقّ الّا الضّلال وما أنكر من اهل الكتاب الا تعنتا وعنادا عن ابن مسعود قال خطّ لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه وقرأ وانّ هذا صراطى مستقيما فاتّبعوه الاية- رواه احمد والنسائي والدارمي وذلك الدين هو الايمان بالله وحده وبصفاته وبانبيائه وكتبه وملائكته والبعث بعد الموت وبكل ما جاء به الانبيا والإتيان بما امر الله به والانتهاء عما نهى عنه- وهذا امر جامع للشرائع متفق عليها والنسخ فى بعض الاحكام العملية لا يستلزم اختلاف الأديان الا ترى ان النسخ قد يكون فى دين نبى واحد فان النبي ﷺ صلى الى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم صلى الى الكعبة فكما ان هذا لا يقتضى اختلاف الأديان فكذلك الاختلاف فى الفروع فى شرائع الأنبياء لا يقتضى اختلاف الدين فان مال الكل الإتيان بما امر الله به والانتهاء عما نهى عنه أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ان مفسرة لاوحينا ووصّينا فان فيها معنى القول او مصدرية والمصدر منصوب بدل من ما وصّى مفعول شرع او مرفوع خبر مبتدا محذوف اى هو يعنى خذوا ما أتاكم الرّسول بلا زيغ وانحراف وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ باتباع الآراء الأهواء او بالتعصب والعناد فان افتراق امة محمد ﷺ الى ثلاث وسبعين فرقة انما نشأ باتباع الآراء والأهواء وهو المراد بما ذكرنا من حديث رسول الله ﷺ انه خط خطا وقال هذا سبيل الله وخطوطا وقال هذه سبل على كل منها شيطان وترك اليهود والنصارى الايمان بمحمد ﷺ انما نشأ من العناد والتعصب وعن على رضى الله عنه قال لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب- وعن ابى ذر
стр. 3492
قال قال رسول الله ﷺ من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه- رواه احمد وابو داود وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ يد الله على الجماعة- رواه الترمذي بسند حسن وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ ان الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاذّة «متفرقة منه ره» والقاصية «دور رفته منه ره» والناحية «يسكو رونده منه ره» وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة رواه احمد كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من الدين القويم الناطق بالتوحيد وترك الأصنام اللَّهُ يَجْتَبِي اى يصطفى إِلَيْهِ اى الى دينه او الى ما تدعوهم اليه او الى نفسه مَنْ يَشاءُ سواء وجد من المجتبى سعى وارادة اولا وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) اى يقبل اليه قالت الصوفية من يجتبيه ويجذبه الى نفسه من غير اختياره فهو مراد الله وهم الأنبياء والصديقون ومن أناب الى الله فهداه الله فهو المريد وهم اولياء الله الصالحون من عباده-.
وَما تَفَرَّقُوا عطف على شرع قال ابن عباس يعنى اهل الكتاب إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ من الكتب السّماوية السابقة بان دين الأنبياء كلهم واحد وان الذي اوحى الى محمد ﷺ هو الذي جاء به ابراهيم وموسى وعيسى بَغْياً بَيْنَهُمْ قال عطاء بغيا بينهم على محمد ﷺ يعنى تكبرا واستطالة قال فى القاموس بغى عليه يبغى بغيا علا وظلم وعدل واستطال وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ فى تأخير العذاب إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الى دار الجزاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين من أمن ومن كفر فى الدنيا باستيصال المبطلين واستيلاء المحقين وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعنى اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد أنبيائهم وقيل بعد الأمم الخالية وقيل المراد مشركى مكة الّذين أورثوا الكتاب اى القرءان من بعدهم اى بعد اهل الكتاب لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من كتابهم لا يعلمونه كما هو ولا يؤمنون به حق الايمان او من القران مُرِيبٍ (١٤) مقلق او مدخل فى الريبة.
стр. 3493
فَلِذلِكَ اى للتفرق من اهل الكتاب فَادْعُ الفاء فى جواب اما المحذوف تقديره اما أنت فادع الناس الى اقامة الدين وعدم التفرق واتباع ما أوتيت وَاسْتَقِمْ أنت عليه كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الزائغة وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ اى بجميع الكتب المنزلة لا كما قالت اليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتّخذوا بين ذلك سبيلا وَأُمِرْتُ بالعدل لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ فى تبليغ الشرائع والحكم بين المتخاصمين الاول اشارة الى كمال القوة النظرية وهذا اشارة الى كمال القوة العملية اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ خالق الكل ومتولى أمورهم لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ كل يجزى على حسب عمله لا حُجَّةَ اى لا خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ لان أعمالكم لا يضرّنا واعمالنا لا يضرّكم انما ندعوكم الى الإسلام نصحا لّكم فلا وجه للخصومة والعداوة كان نزول هذه الاية فى مكة قبل الأمر بالقتال والمعادات فنسختها اية القتال وقوله تعالى يا ايّها الّذين أمنوا لا تتّخذوا عدوّى وعدوّكم اولياء الى قوله بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتّى تؤمنوا بالله وحده اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا يوم القيامة فيحكم بيننا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) اخرج ابن المنذر عن عكرمة قال لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ورايت النّاس يدخلون فى دين الله أفواجا قال المشركون بمكة لمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قد دخل الناس فى دين الله أفواجا فاخرجوا من بين أظهرنا فعلى كم تقيمون بين أظهرنا فنزلت.
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ اى فى دينه واخرج عبد الرزاق انه قال قتادة هم اليهود والنصارى قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه خصومتهم مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ اى بعد ما استجاب الناس دعوته فاسلموا ودخلوا فى دينه لظهور معجزته وحسن دعوته حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ اى خصومتهم باطلة زائلة او المعنى ما يزعمونه حجة فهو فى الحقيقة شبهة باطلة وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ من الله لمعاندتهم وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) على كفرهم.
стр. 3494
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ اى جنس الكتب بِالْحَقِّ اى متلبسا به بعيدا من الباطل وبما يحق به انزاله من العقائد الحقة والاحكام وَالْمِيزانَ قال قتادة ومجاهد ومقاتل بالعدل سمى العدل ميزانا لان الميزان فمعز الدولة الانصاف والتسوية وقال ابن عباس امر الله تعالى بالإيفاء ونهى عن البخس وقيل المراد به الشرع فانه توازن به الحقوق وتسوى بين الناس وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) قال الكسائي اى قريب إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل ان نفاجئك الساعة يؤزن حينئذ أعمالك ويوفى جزاؤك وقيل تذكير القريب كانه بمعنى ذات قرب او لان الساعة بمعنى البعث وجملة لعلّ السّاعة قريب سدّ مسد المفعولين ليدريك ولعل علق الفعل عن العمل قال مقاتل ذكر النبي ﷺ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا تكذيبا متى الساعة فانزل الله تعالى.
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها استهزاء وظنّا انها غير اتية وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها اى خائفون منها لاحتمال العذاب وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ الكائن لا محالة أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ اى يجادلون فيها ويشكون فى إتيانها فى القاموس المرية بالكسر والضم الشك والجدل وماراه مماراة شك واصل ذلك من مرنت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لان كلّا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) عن الحق فان البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد الى تجويزه مع كمال قدرة الله بعد دلالة الكتاب والسنة عليه وشهادة العقل على دار الجزاء فهو ابعد من الاهتداء الى ما وراء.
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ قال ابن عباس حفىّ بهم قال عكرمة بارّ بهم قال السدىّ رفيق وقال مقاتل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جزاء لمعاصيهم وقيل لطيف فى إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه بلطف إدراكه قيل لطيف بالغوامض علمه وعظيم عن الجرائم حلمه وينشر المناقب ويستر العيوب ويعطى العبد فوق الكفاية ويكلفه بالطاعة دون الطاقة يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ما يشاء فيختص كلّا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته وكل من يرزق من مؤمن وكافر وذى
стр. 3495
روح فهو ممن يشاء الله ان يرزقه- قال جعفر بن محمد ﵉ اللطيف فى الرزق من وجهين أحدهما انه جعل رزقك من الطيبات والثاني انه لم يدفعه إليك بمرة واحدة وَهُوَ الْقَوِيُّ الباهر قدرته الْعَزِيزُ (١٩) المنيع الذي لا يغلب والجملة حال او تذييل.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ الحرث فى الأصل إلقاء البذر فى الأرض ويقال للزرع الحاصل منه وفى القاموس الحرث الكسب وجمع المال والزرع والمراد هاهنا ثواب الاخرة شبهه بالزرع من انه ثمرة للعمل فى الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الاخرة او شبهه بالكسب اى ما حصل منه فانه يحصل بما يكسب فى الدنيا نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ اى فى كسبه وزرعه فنعطيه بالواحد عشرا الى سبع مائة كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل فى كلّ سنبلة مائة حبّة وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا اى يريد بعمله نصيبا من الدنيا نُؤْتِهِ مِنْها
شيئا على ما قسمنا له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) عطف على نؤته عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امراة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه- متفق عليه وعن أبيّ بن كعب قال قال رسول الله ﷺ بشر هذه الامة بالسّناء والرفعة والنصرة والتمكين فى الأرض فمن عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له فى الاخرة نصيب- رواه البغوي-.
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أم منقطعة بمعنى بل والهمزة للانكار يعنى بل الهم ما زعموا شركاء لله سبحانه خصص الشركاء بهم لانهم اتخذوها شركاء شَرَعُوا اى تلك الشركاء لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ قال ابن عباس شرعوا دينا غير دين الإسلام يعنى الشرك وانكار البعث والعمل للدنيا والجملة متصلة بقوله شرع لكم من الدّين وقيل أم متصلة معادلة لجملة محذوفة مصدرة بالهمزة تقديرها أيقبلون ما شرع الله أم يقبلون ما شرع لهم شركاؤهم ولولا كَلِمَةُ الْفَصْلِ اى القضاء السابق بتأخير الجزاء الى يوم القيامة كما قال بل السّاعة موعدهم لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين الكافرين والمؤمنين وفرغ من تعذيب من كذّبك فى الدنيا والجملة معترضة وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
стр. 3496
اى المشركين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) فى الاخرة وضع المظهر موضع المضمر لبيان استحقاقهم والتقدير انّهم لهم عذاب اليم لما كانوا ينكرونه.
تَرَى الظَّالِمِينَ اى المشركين يوم القيامة مُشْفِقِينَ خائفين مفعول ثان لترى او حال مِمَّا كَسَبُوا اى من جزاء ما كسبوا من الشرك والمعاصي وَهُوَ اى جزاء ما كسبوا واقِعٌ بِهِمْ لا محالة اشفقوا او لم يشفقوا حال مقدرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ اى أطيب بقاعها وأنزهها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ اى ما يشتهونه ثابت لهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ الذي ذكرت من نعيم الجنة هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) الذي يصغر دونه ما لهم فى الدنيا.
ذلِكَ الثواب الَّذِي يُبَشِّرُ قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي يبشر بالتخفيف من البشرة والباقون من التفعيل اللَّهُ به عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ يا محمد لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة أَجْراً اى نفعا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى حال من المودة اى الا ان تودونى لقرابتى منكم والجملة معترضة روى البخاري فى الصحيح بسند عن عبد الملك بن ميسرة قال سمعت طاءوسا انه قال سئل ابن عباس عن المودة فى القربى فقال سعيد بن جبير القربى ال محمد فقال ابن عباس عجلت ان النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش الا كان له فيهم قرابة فقال الا ان تصلوا بينى وبينكم من القرابة قال البغوي وكذلك روى الشعبي عن ابن عباس قال المودة فى القربى يعنى ان تحفظوني قرابتى وتودونى وتصلحوا رحمى- واليه ذهب مجاهد وعكرمة ومقاتل والسدى والضحاك قال عكرمة لا اسئلكم على ما أدعوكم اجرا الا ان تحفظوني وقرابتى بينى وبينكم وليس كما يقول الكذابون- قال البغوي قال قوم هذه الاية منسوخة وانما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الاية فامرهم بمودة رسول الله ﷺ وصلة رحمه فلمّا هاجر الى المدينة واواه الأنصار ونصروه أحب الله ان يلحقه بإخوانه من الأنبياء ﵈ حيث قالوا وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الّا على
стр. 3497
ربّ العالمين فانزل الله قل لا اسئلكم عليه اجرا فهى منسوخة بهذه الاية وبقوله قل لا اسئلكم عليه من اجر وما انا من المتكلّفين وغيرها من الآيات والى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل قال البغوي وهذا قول غير مرضى لان مودة النبي ﷺ وكف الأذى عنه وكذا مودة أقاربه من فرائض الدين قلت لا شك ان مودة رسول الله ﷺ وأقاربه فريضة محكمة لا يحتمل النسخ لحديث انس قال قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والنّاس أجمعين- وعنه قال قال رسول الله ﷺ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه الا لله ومن يكره ان يعود فى الكفر بعد ان أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى فى النار- روى الحديثين الشيخان فى الصحيحين وعلى ذلك انعقد الإجماع- لكن يمكن ان يقال ان المنسوخ انما هو ما امر الله تعالى رسوله بسوال الاجر وروى ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس فى معنى الاية الا ان تودوا الله وتتقربوا اليه بطاعته- وهذا قول الحسن قال هو القربى الى الله يقول الا التقرب الى الله والتودد اليه بالطاعة والعمل الصالح- وقال بعضهم معناه الا ان تودوا قرابتى وعترتى وتحفظوني فيهم وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب اخرج ابن ابى حاتم والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء قال على وفاطمة وابناهما- واستدل الروافض بهذه الاية مع هذا الحديث على حصر الخلافة فى على وبطلان خلافة الخلفاء الثلاثة المرضيين رضى الله عنهم أجمعين وجه احتجاجهم انهم قالوا وجب حب علىّ بهذه الاية مع هذا الحديث وحب غير على ليس بواجب ووجوب المحبة يستلزم وجوب الطاعة فهو الامام لا غير- وقولهم هذا باطل بوجوه (أحدها) ان هذا الحديث غير صحيح فى اسناده حسين الأشعري شيعى غليط وهذه الاية مكية ولم يكن لفاطمة حينئذ ولد (وثانيها) انا نسلم ان حب على وفاطمة وابناهما واجب
стр. 3498
لكن لا نسلم ان حب غيرهم ليس بواجب كيف وقد قال رسول الله ﷺ حب ابى بكر وعمر ايمان وبغضهما كفر- رواه ابن عدى عن انس وقال رسول الله ﷺ حب ابى بكر وعمر من الايمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الايمان وبغضهم كفر وحب العرب من الايمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظنى فيهم فانا احفظه يوم القيامة- رواه ابن عساكر عن
جابر وقال رسول الله ﷺ حب الأنصار اية الايمان وبغض الأنصار اية النفاق- رواه النسائي عن انس وقال رسول الله ﷺ حب قريش ايمان وبغضهم كفر وحب العرب ايمان وبغضهم كفر ومن أحب العرب فقد أحبني ومن ابغض العرب فقد ابغضنى- رواه الطبراني فى الأوسط عن انس وقولهم ان من وجب محبته يكون اماما مفروض الطاعة باطل- وقيل هذه الاية لوجوب محبته من حرم عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا فى الجاهلية ولا فى الإسلام وقيل هم ال على وعقيل وجعفر وعباس وفيهم قوله ﷺ انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله واهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي عن زيد بن أرقم قال قام رسول الله ﷺ فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال اما بعد الا يا ايها الناس انما انا بشر يوشك ان يأتينى رسول ربى فأجيب وانا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال واهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي قال البغوي قيل لزيد بن أرقم من اهل بيته قال هم ال على وال عقيل وال عباس- فان قيل كيف امر رسول الله ﷺ بسوال مودته او مودة أقربائه اجرا على تبليغ الرسالة مع ان التبليغ كان عليه فريضة ولا يجوز طلب الاجرة على أداء الفريضة بل على العبادة النافلة ايضا لما ذكرنا فى تفسير قوله تعالى من كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له فى الاخرة من نصيب قوله ﷺ من عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له للاخرة نصيب- قلنا اطلاق الاجر على ما امر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 3499
بسواله على التبليغ انّما هو على المجاز والمشاكلة فان الاجر للسائل على الحقيقة ليس الا ما يكون نافعا له مسئولا لانتفاعه به وهاهنا ليس كذلك بل انما سال النبي ﷺ أمته مودته ومودة أقربائه وامره الله سبحانه ان يسئل ذلك لكى ينتفع الناس بمحبته فان محبة النبي ﷺ مثمرة لمحبة الله تعالى وقربه وولايته وموجبة لكمال الايمان ومن هاهنا أقول ان الاولى ان يقال فى تأويل الاية لا اسئلكم اجرا الا ان تودوا اقربائى واهل بيتي وعترتى وذلك لانه ﷺ كان خاتم النبيين لا نبى بعده وانما انتصب للدعوة الى الله بعده ﷺ علماء أمته من اهل الظاهر والباطن ولذلك امر الله تعالى نبيه ﷺ ان يأمر أمته بمودة اهل بيته لان عليّا رضى الله عنه والائمة من أولاده كانوا اقطابا لكمالات الولاية ومن أجل ذلك قال رسول الله ﷺ انا مدينة العلم وعلى بابها- رواه البزار والطبراني عن جابر وله شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس وعلىّ وأخيه وصححه الحاكم ومن أجل ذلك ترى كثيرا من سلاسل المشائخ تنتهى الى ائمة اهل البيت ومضى كثير من الأولياء فى السادات العظام منهم غوث الثقلين محى الدين عبد القادر الجيلي الحسنى الحسيني وبهاء الدين النقشبندي والسيد السند مودود الچشتى وسيد معين الدين الچشتى وابو الحسن الشاذلى وغيرهم ومن أجل ذلك قال رسول الله ﷺ انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى.
وقال اكثر علماء التفسير الاستثناء منقطع والاجر مستعمل فى معناه الحقيقي فالمعنى لا اسئلكم اجرا قط ولكنى أذكركم المودة فى القربى وأذكركم قرابتى منكم كما ورد فى حديث زيد بن أرقم أذكركم الله فى بيتي ومما يدل على ان سوال ﷺ مودة نفسه وأقربائه كان لينتفع بها أمته قوله تعالى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً اى من يكتسب حسنة والمراد بها حب رسول الله ﷺ واله ونوابه والا فلا مناسبة لهذه الجملة بما سبق لكن اللفظ عام يعم كل حسنة نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً وذلك ان حب ال رسول الله ﷺ (وهم مشائخ
стр. 3500
الطريقة) مثمر للمزيد فى حب النبي ﷺ وحبه ﷺ مثمر للمزيد فى حب الله تعالى ومن هاهنا قالت الصوفية يحصل للصوفى اولا الفناء فى الشيخ ثم الفناء فى الرسول ثم الفناء فى الله تعالى- والفناء عبارة عن شدة الحب بحيث يذهل نفسه عند ذكر المحبوب حتى لا يرى من نفسه ولا من غيره عنها ولا اثرا ما عدا المحبوب وقيل هذه الاية نزلت فى ابى بكر الصديق ومودته للنبى ﷺ روى البخاري فى الصحيح عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه قال ارقبوا محمدا فى اهل بيته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر ذنوب من يحب رسوله وأولياءه لعل هو المراد بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر اى من ذنب أوليائك وأحبائك شَكُورٌ (٢٣) على طاعته ومحبته-.
أَمْ يَقُولُونَ أم منقطعة والجملة متصلة بقوله قل لا اسئلكم عليه اجرا ومعنى الهمزة الإنكار والتوبيخ وبل للاضراب عن أداء الاجر يعنى انهم لا يؤدون اجر الرسالة بل أيقولون يعنى كفار مكة افْتَرى محمد عَلَى اللَّهِ كَذِباً بدعوى النبوة او القران فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ جملة معترضة أوردت استبعادا للافتراء عن مثله بالاشعار على انه لا يجترى عليه الا من كان مختوما على قلبه جاهلا بربّه فامّا من كان ذا بصيرة معرفة بربه فلا وكانه قال ان يشا الله حد لانك يختم على قلبك لتجترى بالافتراء عليه وقال مجاهد يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك إذا هم وقولهم انك مفتر- وقال قتادة يعنى طبع على قلبك فينسيّك القران وما أتاك فاخبرهم انه لو افترى على الله لفعل به ما اخبر فى هذه الاية وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ استيناف لنفى الافتراء عما يقوله بانه لو كان مفتر لمحاه إذ من عادته تعالى محو الباطل واثبات الحق بوحيه او بقضائه او بوعده بمحق باطلهم واثبات حقه بالقران او بقضائه الذي لا مرد له قال الكسائي فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمحو الباطل وهو فى محل الرفع وليس بمجزوم عطفا على يختم لان المحو غير معلق بالشرط بل هو وعد مطلق وانما حذفت الواو فى الخط
стр. 3501
باتباع اللفظ كما حذفت فى قوله تعالى ويدع الإنسان وسندع الزّبانية- وقد فعل ذلك فمحى باطلهم وأعلى كلمة الإسلام بما انزل من آياته إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) قال البغوي قال ابن عباس وكذا اخرج عنه الطبراني بسند ضعيف انه قال لما نزل قل لا اسئلكم عليه اجرا الّا المودّة فى القربى وقع فى قلوب قوم منها شىء وقالوا هذا يريد ان يحثنا على أقاربه من بعده فنزل جبرئيل فاخبره انهم اتهموه وانزل الله هذه الاية فقال القوم يا رسول الله فانا نشهد انك صادق فنزل.
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال ابن عباس يريد أولياءه واهل طاعته يقال قبلت منه الشيء إذا أخذته وجعلته مبدأ قبول وقبلت عنه اى عزلته عنه قيل التوبة ترك المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعة نية وفعلا وقال سهل بن عبد الله التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة الى الأحوال المحمودة وذكر البيضاوي عن على كرم الله وجهه هى اسم يقع على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة ولتضيع الفرائض ال عادة ورد المظالم واذابة النفس فى الطاعة كما اذبتها فى المعصية واذاقتها مرارة الطاعة كما اذاقتها حلوة المعصية والبكاء بدل ضحك ضحكت وروى البغوي فى شرح السنة عن ابن مسعود موقوفا الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له- (فصل) عن حارث بن سويد قال دخلت على عبد الله أعوده فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول لله افرح بتوبة عبده من رجل (أظنه قال) فى برية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنزل فنام فاستيقظ وقد هلكت راحلته فطاف عليها حتى أدركه العطش قال ارجع الى حيث كانت راحلتى فاموت عليه فرجع فاغفى فاستيقظ فاذ هى عنده عليها طعامه وشرابه- رواه البغوي ( «١» ) وروى مسلم عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانقلبت وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فاتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد يئس من راحلته فبينما هو كذلك
стр. 3502
إذ هو بها قائمة عنده فاخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك اخطأ من شدة الفرح- وروى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه- متفق عليه وروى مسلم ايضا عنه قال قال رسول الله ﷺ من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه- وروى ابن ماجة والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ التائب من الذنب كمن لا ذنب له- وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ صغيرها وكبيرها بالتوبة وبلا توبة لمن شاء روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال رجل (لم يعمل خيرا قط) لاهله إذا مات فحرقوه ثم إذ روا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فو الله لئن قدر الله عليه.......... ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فامر الله البحر فجمع ما فيه وامر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت اعلم فغفر له- وروى احمد عن ابى الدرداء انه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر ولمن خاف مقام ربه جنّتان قال قلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) قرأ حمزة والكسائي وحفص بالتاء الفوقانية «وخلف ورويس بخلاف عنه- ابو محمد» قالوا هو خطاب للمشركين والباقون بالياء التحتانية لانه بين خبرين عن قوم غيب قبله عن عباده وبعده ويزيدهم من فضله.
وَيَسْتَجِيبُ عطف على يقبل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى يستجيب الله دعاءهم إذا دعوا فحذف اللام كما حذف فى وإذا كالوهم وقال عطاء عن ابن عباس معناه ويثبت الذين أمنوا قال البيضاوي معنى الاستجابة الاثابة على الطاعة فانها كدعاء وطلب ومنه قوله ﷺ أفضل الدعاء الحمد لله أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبّان
стр. 3503
من حديث جابر والله اعلم روى عن ابراهيم بن أدهم انه قيل له ما بالنا ندعو فلا نجاب قال لانه تعالى دعاكم فلم تجيبوه وَيَزِيدُهُمْ اى يعطيهم زائدا على ما سالوه او استحقوه مِنْ فَضْلِهِ قال ابو صالح عن ابن عباس يشفعهم فى إخوانهم ويزيدهم من فضله فى اخوان إخوانهم وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) فى مقابله ما للمؤمنين من الثواب والفضل والجملة معطوفة على قوله وهو الّذى يقبل التّوبة-.
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ قال البغوي قال خباب بن الأرت فينا نزلت هذه الاية وذلك انا نظرنا الى بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع فتمنّيناها فانزل الله ولو بسط الله الرّزق لعباده لَبَغَوْا اى لتكبروا وأفسدوا فِي الْأَرْضِ بطرا او لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وقال ابن عباس بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس واصل البغي التجاوز عن الاقتصاد فيما يتجزى كمية وكيفية وَلكِنْ يُنَزِّلُ أرزاقهم بِقَدَرٍ يقتضيه حكمته ما يَشاءُ الموصول مفعول لينزل وبقدر حال منه مقدم عليه إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) يعلم خفايا حالهم وما يؤل اليه أمرهم اخرج الحاكم وصححه عن على رضى الله عنه قال نزلت هذه الاية فى اصحاب الصفة وذلك انهم قالوا لو ان لنا فتمنووا الغنى واخرج الطبراني عن عمرو بن حريث مثله روى البغوي بسنده عن انس بن مالك عن النبي ﷺ عن جبرئيل عن الله تعالى قال يقول الله من أهان لى وليّا فقد بارزني بالمحاربة وانى لا غضب لاوليائى كما يغضب الليث الحرد وما «القطع- منه ره» تقرّب الىّ عبدى المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما زال عبدى المؤمن يتقرّب الىّ بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ان دعانى أجبته وان سالنى أعطيته وما ترددتّ فى شىء انا فاعله ترددى فى قبض روح عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءته ولا بد له منه وان من عبادى المؤمنين لمن يسئلنى الباب من العبادة فاكفه عنه لا يدخله عجب فيفسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا الغنى ولو أفقرته لافسده ذلك وان من عبادى
стр. 3504
المؤمنين لا يصلح إيمانه الا الفقر ولو أغنيته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا الصحة ولو أسقمته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا السقم ولو اصححته لافسده ذلك انى أدبر امر عبادى بعلمي فى قلوبهم انى عليم خبير ( «١» ) .
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عطف على قوله وهو الّذى يقبل التّوبة وما ذكر من الشرطية معترضة قرأ نافع وابن عامر وعاصم «وابو جعفر- ابو محمد» بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الافعال الْغَيْثَ اى المطر النافع الذي يغيثهم من الجدب «القحط- منه ره» مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا اى ايئس الناس من نزوله وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ اى مطره او رزقه فى السهل والجبل من النبات والحيوان وَهُوَ الْوَلِيُّ الذي يتولى عباده بإحسانه وينشر الْحَمِيدُ (٢٨) المستحق للحمد فى نفسه وعلى إحسانه.
وَمِنْ آياتِهِ اى من دلائل وجوده ووحدته وقدرته وصفات كماله خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فانها بذواتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم وَما بَثَّ فِيهِما عطف على السماوات او على الخلق مِنْ دابَّةٍ من حىّ على اطلاق اسم المسبب للسبب فحينئذ يشتمل الملائكة والجن والشياطين والانس وسائر الحيوانات او المراد مما يدب على الأرض وما يكون فى أحد الشيئين يصدق انه فيهما فى الجملة وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) فيجمعهم يوم القيامة-.
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ اى بسبب معاصيكم وما شرطية او موصولة متضمنة لمعنى الشرط وكذلك جئ بالفاء فى خبره على قراءة الجمهور وقرأ نافع وابن عامر «وابو جعفر- ابو محمد» بما كسبته بغير الفاء وكذا هو فى مصاحف المدينة والشام لم يذكر الفاء استغناء بما فى الباء من معنى السببية وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) عطف على الجملة الاسمية او معترضة قال الحسن لما نزلت هذه الاية قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق الا بذنب وما يعفو الله عنه اكثر- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله
стр. 3505
عليه وسلم وصب المؤمن كفارة لخطاياه- «الوصب المرض والتعب منه ره» رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقي وروى البغوي بسنده عن على رضى الله عنه قال الا أخبركم بأفضل اية من كتاب الله حدثنا بها رسول الله ﷺ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير وسافسرها لك يا على ما أصابكم من مرض او عقوبة او بلاء فى الدنيا فبما كسبت ايديكم والله أكرم من ان يثنى عليهم العقوبة فى الاخرة وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله احكم ان يعود بعد عفوه- رواه احمد وغيره قال البيضاوي الاية مخصوصة بالمجرمين فان ما أصاب غيرهم فلا سباب اخر منها تعريضه للاجر العظيم بالصبر عليه قال البغوي قال عكرمة ما من نكبة أصاب عبدا فما فوقها الا بذنب لم يكن الله ليغفر له الا بها او درجة لم يكن الله ليبلغه الا بها.
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ فائتين ما قضى عليكم من المصائب حال من مفعول أصابكم او عطف على جملة ما أصابكم وعطف على هذا قوله وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يحرسكم منها وَلا نَصِيرٍ (٣١) يدفعها عنكم..
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ قرأ ابن كثير «ويعقوب- ابو محمد» الجواري بالياء وصلا ووقفا ونافع وابو عمرو «ابو جعفر- ابو محمد» وصلا فقط والباقون بحذفها فى الحالين فِي الْبَحْرِ السفن الجارية فيه كَالْأَعْلامِ (٣٢) اى كالجبال صفة للجوار وكذا الجملة الشرطية التالية على طريقة ولقد امرّ على اللّيم يسبّنى.
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ التي تجرى بها فَيَظْلَلْنَ اى يبقين بعد سكونها رَواكِدَ اى ثوابت عَلى ظَهْرِهِ اى ظهر البحر لا تجرى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) جملة معترضة اى آيات لكل مؤمن لأن من صفة المؤمن الصبر فى الشدة والشكر فى الرخاء قال رسول الله ﷺ الايمان نصفان فنصف فى الصبر ونصف فى الشكر- رواه البيهقي فى شعب الايمان عن انس.
أَوْ يُوبِقْهُنَّ عطف على فيظللن اى او ان يشأ يسكن الرّيح فيوبقهنّ بدوام السكون اى يهلك أهلهن باغراقها وقيل عطف على يسكن الرّيح والتقدير او يرسلها عاصفة فيوبقهنّ بِما كَسَبُوا اى بسبب ما كسب