وكان أصغر اخوته يرعى الغنم فاوحى الله تعالى الى نبيهم انه يقتل جالوت وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت انك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته وأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فقال ان لم ينصرنى الله لم يغن عنى هذا السلاح شيئا- فلزك داود كل ذلك وأخذ مخلاته ومضى نحو العدو وكان داود رجلا قصيرا مسقاما مصغارا فلما راه جالوت وكان رجلا من أشد الناس وأقواهم يهزم الجيوش وحده القى الله في قلبه من داود رعبا فقال أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب قال نعم أنت شر من الكلب فوضع داود الأحجار الثلاثة في مقلاعه وقال باسم اله ابراهيم وإسحاق ويعقوب ورمى به فاصاب دماغه وخرج من قفاه وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وزوجه طالوت ابنته وَآتاهُ يعنى داود اللَّهُ الْمُلْكَ بعد ما مات طالوت وقيل لم يجتمع بنو إسرائيل قبل داود على ملك وَالْحِكْمَةَ النبوة جمع الله تعالى له الامرين ولم يجتمعا قبل ذلك بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ أتاه الله الزبور وعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فكان لا يأكل الا من عمل يده عن المقدام بن معديكرب قال قال رسول الله ﷺ ما أكل أحد طعاما خيرا من ان يأكل من عمل؟؟؟ ان نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه رواه البخاري وعلمه منطق الطير وكلام النمل وغيرها وأعطاه صوتا حسنا قيل كان إذا قرا الزبور يدنو منه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها وتظله الطير ويركد الماء الجاري وتسكن الريح- قال رسول الله ﷺ لابى موسى الأشعري يا أبا موسى لقد أعطيت مزمارا من مزامير ال داود متفق عليه وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ قرا نافع ويعقوب دفع الله بالألف وكسر الدال هاهنا وفي الحج وفيه مبالغة وقرا الباقون بفتح الدال وسكون الفاء بلا الف النَّاسَ بَعْضَهُمْ يعنى الكفار بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ يعنى بالمؤمنين لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يعنى لغلب المشركون الأرض- فافسدوا فيها فخربوا البلاد وقتلوا العباد وظلموهم وهدمت صوامع وبيع «١» ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا وصدوا الناس عن الايمان بالله وعبادته كذا قال ابن عباس ومجاهد فيه دليل على ان العلة لافتراض الجهاد دفع الفساد كما سنذكر في قوله تعالى لا اكراه في الدّين وقال بعض المفسرين لولا دفع بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار العذاب لهلكت الأرض بمن
стр. 352
فيها روى البغوي بسنده من طريق عبد الله بن احمد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرا وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ الاية. وايضا في الحديث ولولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ مبتدأ خبره ما بعده اشارة الى ما ذكر من قصة ألوف وتمليك طالوت او إتيان تابوت وانهزاما لجبائرة وقتل داود جالوت وايتائه الملك والحكمة وتعليمه ممّا يشاء آياتُ اللَّهِ دلائل على قدرته وعلى نبوتك نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ بالوجه المطابق للواقع الذي لا؟؟ فيه اهل الكتاب وإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) وتلك الآيات اعجاز لك شواهد على رسالتك حيث لم يكن بها علم لمن لم يقرا الكتاب أكد بأنّ وغيرها ردا لقول الكفار لست مرسلا-.
تِلْكَ الرُّسُلُ اشارة الى جماعة المرسلين التي علمت بقوله وانّك لمن المرسلين واللام للاستغراق والموصوف مع الصفة مبتدأ خبره فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الفضل هو زيادة أحد الشيئين على اخر في وصف مشترك بينهما وفي العرف والاصطلاح يختص ذلك بوصف الكمال وهو ما يقتضى مدحا في الدنيا وثوابا في الاخرة- فان كان أحدهما مختصا بوصف كمال والاخر بوصف كمال اخر فلكل واحد منهما فضل جزئى على الاخر في مطلق الكمال اعنى في استحقاق المدح والثواب والفضل الكلى لمن له زيادة الثواب ومزية القرب عند الله تعالى فالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شركاء في درجة الرسالة او النبوة وموجبات الاجر والثواب وفيما بينهم تفاضل عند الله تعالى بناء على كثرة الثواب ومزيد القرب لا يعلمه كما هو الا الله تعالى وقد يدرك بعض ذلك بتعليمه تعالى كقوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ قال اهل التفسير هو موسى ﵇ لقوله تعالى وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، وهذه الاية لا يقتضى تخصيصه ﵇ بذلك الفضيلة فقيل انه موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلم الله موسى على الطور ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى وشتان ما بينهما وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ على بعضهم او على كلهم- اما رفع درجات
стр. 353
بعضهم على بعضهم ففى كثير من الأنبياء والرسل حيث فضل الرسل على الأنبياء واولى العزم من الرسل على غيرهم ونحو ذلك واما رفع درجات بعضهم على كلهم فذلك مختص بنبينا محمد ﷺ ثابت ذلك بوحي غير متلو وانعقد عليه الإجماع عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ انا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من بنى آدم فمن سواه الا تحت لواثى وانا أول من تنشق الأرض ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابن عباس قال جلس ناس من اصحاب رسول الله ﷺ فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون قال بعضهم ان الله اتخذ ابراهيم خليلا وقال اخر موسى كلمه الله تكليما وقال اخر عيسى كلمة الله وروحه وقال اخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله ﷺ وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم ان ابراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك الا وانا حبيب الله ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وانا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنى ومعى فقراء المؤمنين ولا فخروانا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر رواه الترمذي والدارمي وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ انا قائد المرسلين ولا فخر وانا خاتم النبيّين ولا فخر وانا أول شافع ومشفع ولا فخر رواه الدارمي- وعن أبيّ بن كعب قال النبي ﷺ إذا كان يوم القيامة كنت امام النبيّين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر رواه الترمذي- وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ انا أول من ينشق عنه الأرض فاكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى رواه الترمذي- وعنه عن النبي ﷺ قال سلوا الله الوسيلة قالوا يا رسول الله ما الوسيلة قال أعلى درجة الجنة لا ينالها الا رجل واحد أرجو أن أكون انا هو رواه الترمذي وهذه الأحاديث وان كانت من الآحاد لكنها متواترة من حيث المعنى وتلقته الامة بالقبول- قال الامام محى السنة البغوي رضى الله عنه ما اوتى نبى اية الا اوتى نبينا ﷺ مثل تلك الاية وفضل على غيره بايات مثل انشقاق القمر بإشارته- وحنين الجذع على مفارقته- وتسليم الحجر والشجر عليه- وكلام البهائم والشهادة برسالته- ونبع الماء
من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات
стр. 354
والآيات التي لا تحصى وأظهرها القران الذي عجز اهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله ثم روى بسنده عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ما من نبى الا وقد اعطى من الآيات ما أمن على مثله البشر وانما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله الى فارجوان أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة متفق عليه وبسنده عن جابران النبي ﷺ قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فايما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل- وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى- وأعطيت الشفاعة- وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة متفق عليه وبسنده عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال فضلت على الأنبياء بست أوتيت بجوامع الكلم- ونصرت بالرعب- وأحلت لى الغنائم- وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا- وأرسلت الى الخلق كافة- وختم بي النبيون- رواه مسلم- وهذا الباب طويل جدا لا يسعه المقام وقد صنف فيه مجلدات وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ تكلم الناس في المهد وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحى الموتى وانزل عليه مائدة من السماء وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقد مر تفسيره فيما قبل خص الله سبحانه عيسى بالتعيين لافراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية الناس جميعا مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد الرسل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المعجزات الواضحات وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بارادة الله سبحانه اظهار صفاته الجلالية والجمالية وأسمائه من الهادي والمضل والغفار والقهار والمنتقم والعفو وغيرها فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ تفضلا بهدايته وتوفيقه التزام دين الأنبياء وهم الذين كان دينهم صفة الهداية وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بخذلانه عدلا وهم الذين كان دينهم صفة الإضلال- عن ابى موسى قال سمعت رسول الله ﷺ بقول ان الله خلق خلقه في ظلمة فالقى عليهم نوره فمن أصاب ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه احمد والترمذي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره للتأكيد وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) لا يجوز عليه الاعتراض ولا يبلغ الى كنه حكمته غيره قال البغوي سال رجل على بن ابى طالب فقال يا امير المؤمنين أخبرني عن القدر قال طريق مظلم فلا تسلكه فاعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلجه فاعاد فقال سر خفى فلا تفشه- يعنى هو امر لا يمكن دركه
стр. 355
بالعقل وتفتيشه يوجب الهلاك كما يوجب الهلاك الولوج في البحر العميق والسلوك في الطريق المظلم- عن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول من تكلم في شىء من القدر سئل عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه رواه ابن ماجة وقال ابى بن كعب لو ان الله عذب اهل سمواته وارضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كان رحمته خير الهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطيك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار وقال ابن مسعود وحذيفة بن اليمان مثل ذلك- وحدث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ مثل ذلك رواه احمد وابو داود وابن ماجة- فان قيل هذه الاية تدل على كون بعض الرسل أفضل من بعض فما معنى قوله ﷺ لا تفضلوا بين أنبياء الله وفي رواية لا تخيروا بين الأنبياء متفق عليه من حديث ابى سعيد وابى هريرة وقوله ﷺ لا تخيرونى على موسى وقوله ﷺ لا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى متفق عليه من حديث ابى هريرة- قلنا معناه انه لا يجوز الحكم بتفضيل بعضهم على بعض بالرأى من غير دليل وتوقيف من الله سبحانه لان الفضل عبارة عن كثرة الثواب وزيادة القرب الى الله تعالى وذا لا يدرك بالرأى فاما إذا ثبت بالكتاب او السنة فان كان الدليل ظنى المتن او السند فلا بأس بالقول به
مع تجويز نقيضه وان كان قطعيا يجب الاعتقاد به وكذا الحال في تفضيل غير الأنبياء بعضهم على بعض- واما قوله ﵇ لا تخيرونى على موسى ولا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى فمحمول على انه كان قبل علمه بافضليته ﷺ على جميع الأنبياء والله اعلم ((مسئلة)) وهذه الاية حجة لاهل السنة على المعتزلة في ان الحوادث كلها بيد الله تعالى تابعة لمشيته خيرا كان او شرا إيمانا كان او كفرا- وليس الأصلح ولا شىء من الأشياء واجبا عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله ﷺ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وروى عنه احمد والترمذي نحوه والترمذي وابن ماجة عن انس واحمد عن ابى موسى نحوه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا ما أوجبت عليكم إنفاقه مِمَّا رَزَقْناكُمْ
стр. 356
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم والخلاص من عذاب الله إذ لا بَيْعٌ فِيهِ فتحصلون الأموال وتنفقونها في سبيل الله او تفتدون بها من العذاب فتشترون به أنفسكم وَلا خُلَّةٌ حتى يعينكم عليه اخلاءكم او يسامحونكم به وَلا شَفاعَةٌ الا بإذن الله قرا ابن كثير وابو عمر وكلها مبنيا على الفتح من غير تنوين على الأصل وكذلك في سورة ابراهيم لا بيع فيه ولا خلل وفي سورة الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وقرا الآخرون كلها بالرفع لانها فى تقدير جواب هل فيه بيع او خلة او شفاعة وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) حيث يضعون العبادة في غير موضعها ويضعون الأموال في غير موضعها ويصرفونها على غير وجهها- وايضا هم يظلمون أنفسهم بترك ما أمرهم الله وتعريض أنفسهم للعذاب فلا تكونوا ايها الذين أمنوا على هيئتهم- او المعنى والكافرون الذين ينكرون فريضة الزكوة هم الظالمون- وقال البيضاوي أراد بالكافرين التاركين للزكوة وضع الكافرون موضعه تغليظا كقوله من كفر مكان من لم يحج وكقوله تعالى ويل للمشركين الّذين لا يؤتون الزّكوة إيذانا بان ترك الزكوة من صفات الكفار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- قال لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وانا حى رواه رزين-.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى انه تعالى هو المستحق للعبادة لا غير الْحَيُّ هو الذي يصح ان يعلم ويسمع ويبصر ويقدر ويريد وكل ما يصح له فهو واجب له ما زال ولا يزال ثابت له ازلا وابدا لامتناعه عن القوة والإمكان فالحيوة صفة لله تعالى سبد الجميع صفات الكمال الْقَيُّومُ ٥ قرا عمرو ابن مسعود القيّام وقرا علقمة القيّم- قال البغوي كلها لغات بمعنى واحد قال ابن مجاهد القيوم القائم على كل شىء قال الكلبي القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور وقال ابو عبيدة الذي لا يزول وقال البيضاوي الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيقول من قام بالأمر إذا حفظه وقال السيوطي الدائم البقاء قلت مرجع الأقوال انه دائم الوجود القائم بنفسه وقيم الأشياء كلها لا يتصور قيام شىء وبقاؤه
стр. 357
إلا به فمقتضى هذا الاسم ان ما سواه يحتاج اليه في بقائه كما يحتاج اليه في وجوده كالظل بالنسبة الى الأصل بل أشد منه احتياجا ولله المثل الأعلى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة فتور يتقدم النوم في الوجود ولذا قدم ذكره مع ان قياس المبالغة يقتضى العكس- والنوم حالة تعرض الحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الابخرة المتصاعدة بحيث يعطل الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا- وهذه الجملة صفة سلبية ينفى التشبيه فهى تأكيد لكونه حيا قيوما فانه من اخذه نعاس او نوم كان ما دون الحيوة فان النوم أخ الموت قاصرا في حفظ الأشياء وقيوميتها ولذاك ترك العاطف عن ابى موسى رضى الله عنه قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينام- يخفض «١» القسط ويرفعه- يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل- «٢» حجابه النور لو كشفت لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه رواه مسلم لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لقيوميته واحتجاج على تفرده في الالوهية والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما او خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو ابلغ من قولنا له السموات والأرض وما فيهن مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه وانه لا أحد يساويه او يدانيه يستقل بان يدفع ما يريده شفاعة فضلا من ان يعاوقه مناصبة يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ اى ما قبلهم وما بعدهم- او ما يدركونه وما لا يدركونه- او ما يأخذونه وما يتركونه- فان ما تركوه كانهم نبذوه خلف ظهورهم- والضمير لما في السموات والأرض تغليبا للعقلاء على غيرهم او لمدلول ذا من الملائكة والأنبياء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ اى من معلوماته انما قيد بقوله من علمه مع ان كل شىء معلومه تنبيها على ان المراد بالاحاطة الإحاطة العلمية- ولم يقل ولا يعلمون شيئا تنبيها على ان العلم التام المحيط بكنه الأشياء كلها مختص به تعالى ولا يوجد احاطة علم غيره بكنه شىء الا نادرا- او المراد بعلمه العلم المختص به وهو علم الغيب فهم لا يحيطون بشىء من علم الغيب إِلَّا بِما شاءَ احاطته وذلك قليل قال الله تعالى وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا والواو في ولا يحيطون اما للحال من فاعل يعلم ما بين أيديهم او للعطف وانما ذكر بالعطف لان مجموع الجملتين يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام المحيط بأحوال خلقه
стр. 358
الدال على وحدانيته وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال البيضاوي تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسى في الحقيقة ولا قاعد وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة وقيل كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمى الملك القديم كرسا- قلت ولو كان الكرسي بمعنى العلم او الملك كان هذه الجملة بعد قوله له ما في السّموت وما في الأرض يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم مستدركا والمشهور عند المحدثين ان الكرسي جسم قال البغوي اختلفوا في الكرسي قال الحسن هو العرش نفسه وقال ابو هريرة الكرسي موضوع امام العرش ومعنى قوله وسع كرسيّه السّموت والأرض اى سعته مثل سعة السموات والأرض- وروى ابن مردوية من حديث ابى ذر عن رسول الله ﷺ ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسي الا كحلقة في فلاة- وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ويروى عن ابن عباس ان السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس وقال على ومقاتل كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وهو بين يدى العرش ويحمد الكرسي اربعة املاك لكل ملك اربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ملك على صورة سيد البشر آدم ﵇ وهو يسئل للادميين الرزق من السّنة الى السّنة وملك على صورة سيد الانعام وهو الثور وهو يسئل للانعام الرزق من السنة الى السنة وعلى وجهه عضاضة منذ عبد العجل وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسئل للسباع الرزق من السنة الى السنة وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسئل للطير الرزق من السنة الى السنة وفي بعض الاخبار ان بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش والكرسي في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد كانه منسوب الى الكرسي وهو «١» ضم الشيء بعضه الى بعض- ونسبة الكرسي الى الله تعالى كنسبة العرش اليه وكذا نسبت بيت الله اليه لنوع من التجلي مختص به وقد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى فسوهنّ سبع سموات ان المستنبط من الحديث ان العرش كروى محيط بالسماوات وما ذكرنا هاهنا من حديث ابى ذر يستفاد منه ان الكرسي محيط بالسماوات والعرش
стр. 359
محيط به واحاطة بعضها بعضا يقتضى كون كل منها كرويا ومن هاهنا قال من قال ان الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع- ولعل العرش والكرسي متبائتان من السموات في الماهية وممتازان بانواع التجليات ومن ثم لم يعد «الله من السموات ولم يزد عدد السموات على سبع والله اعلم وَلا يَؤُدُهُ اى لا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حِفْظُهُما اى السموات والأرض او الكرسي وما وسعه فهذه الجملة مع ما عطف عليه بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها او لجلاله وعظمة قدره وعموم قيوميته للاشياء فهاتين الجملتين كان كحكم جملة واحدة ولمّا كان كل جملة منها تأكيدا وبيانا لما سبق لم يذكر العاطف بين تلك الجمل وَهُوَ الْعَلِيُّ المتعالي عن الانداد والأشباه ليس كمثله شىء في الذات ولا في شىء من الصفات بوجه من الوجوه فهو متعال من ان يحمده الحامدون ويصفه الواصفون كما يليق به الْعَظِيمُ (٢٥٥) المستحقى بالاضافة اليه كل ما سواه- ولما كانت هذه الاية خالصة في مباحث الذات والصفات دالة على كونه تعالى هو المتوحد بالوجود المتأصل المتصف بصفات الكمال من الحيوة وما يستتبعه من العلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام المفيض للوجود والتقوم لكل ما سواه بحيث يكون قيام كل ما سواه به تعالى لا كقيام العرض بالعين كما يتوهم من كلام بعض الأكابر حيث قال العالم اعراض مجتمعة في عين واحد بل على نحو لا يسعه مجال الخيال واقرب العبارات التي يعبر بها ذلك القيام انه تعالى اقرب إلينا من حبل الوريد المنزه عن التحيز والحلول والمبرا عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت ذو البطش الشديد الذي لا يطاق انتقامه الا بشفاعة من اذن له عالم بالأشياء علما محيطا بالاحاطة التامة بكنه كل جلى وخفى متوحدا بعلومه لا يعلم أحد شيئا منها الا بتعليمه واسع الملك والقدرة يتجلى على بعض مخلوقاته تجليا لا ينافى علو تنزيهه لا يؤده شاق ولا يغنيه شأن عن شأن متعال عما لا يليق به بل متعال من ان يصفه الواصفون عجز عن حمده من بيده لواء الحمد يوم القيامة حيث قال أنت كما أثنيت على نفسك عظيم يستحقر بإضافته كل شىء ولا يحيط به علم عالم ولا تناسب عظمته عبادة عابد معترف بالقصور في عبادته اسبق السابقين حيث قال ما عبدناك حق
стр. 360
عبادتك فلذلك لما قيل يا رسول الله اىّ اية أعظم قال اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ- ولما قيل اى سورة أعظم قال قل هو الله أحد رواه الدارمي من حديث اسقع بن عبد الكلاعى- واخرج الحارث بن اسامة عن الحسن مرسلا أعظم اية اية الكرسي واخرج مسلم من حديث ابى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ «١» يا أبا المنذر اى اية من كتاب الله أعظم قلت الله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم قال فضرب في صدرى وقال ليهنئك العلم ثم قال والذي نفسى بيده ان لهذه الاية لسانا وشفتين يقدس الملك عند ساق العرش قلت لعل معنى هذا الحديث ان حملة العرش يقدسون الله بهذه الاية- والظاهر ان يقال لكل شىء صورة في المثال حتى القران وآياته ورمضان وغير ذلك واخرج ابن مردوية من حديث ابن مسعود- وابن راهويه في مسنده من حديث عوف بن مالك- وأحمد ومالك من حديث ابى ذر نحوه واخرج الترمذي والحاكم من حديث ابى هريرة مرفوعا سيد اى القران اية الكرسي اخرج احمد من حديث انس اية الكرسي ربع القران وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من قرا حين يصبح اية الكرسي وايتين من حم تنزيل الكتب من الله العزيز العليم حفظ من يومه ذلك حتى يمسى فان قراها حين يمسى حفظ من ليلته تلك حتى يصبح رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال وكلنى رسول الله ﷺ بحفظ زكوة رمضان فاتى ات فجعل بحثوا من الطعام فاخذته وقلت لا رفعنك الى رسول الله ﷺ فقال انى محتاج وعلىّ عيال ولى حاجة شديدة فخليت عنه فاصبحت فقال النبي ﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا
فرحمته فخليت سبيله قال اما انه قد كذبك وسيعود فعرفت انه سيعود لقول رسول الله ﷺ انه سيعود فرصدته فجاء يحثوا من الطعام فاخذته فقلت لا رفعنك الى رسول الله ﷺ قال دعنى إلخ كما قال اولا وقال رسول الله ﷺ كما قال اولا ثم قال ابو هريرة في المرة الثالثة هذا اخر ثلاث مرات انك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الاية فانك لن تزال عليك من الله حافظا ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله- فاصبحت فقال لى رسول الله ﷺ
стр. 361
ما فعل أسيرك البارحة قلت زعم انه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها قال اما انه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال قلت لا قال ذاك شيطان رواه البخاري- واخرج النسائي وابن حبان والدارقطني من حديث ابى امامة والبيهقي في شعب الايمان من حديث الصلصال الديهمى ومن حديث على بن ابى طالب ﵇ عن النبي ﷺ قال من قرأ اية الكرسي دبر كل صلوة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت وفي رواية من قراها حين يأخذ مضجعه امنه الله على داره ودار جارّه واهل دويرات حوله واخرج البيهقي في شعب الايمان من حديث انس مرفوعا من قرا اية الكرسي في دبر كل صلوة مكتوبة حفظه الله الى الصلاة الاخرى ولا يحافظ الا نبى او صديق او شهيد والله اعلم «١» - روى ابو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال كانت المرأة تكون مقلّاة فتجعل في نفسها ان عاش لها ولدان تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فانزل الله تعالى.
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال رسول الله ﷺ قد خير أصحابكم فان اختاروكم فمنكم وان اختاروهم فاجلوهم معهم- وقال مجاهد كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فقال «٢» الذين كانوا المسترضعين فيهم لنذهبن معهم او ليدينن بدينهم فمنعهم أهلهم فنزلت- واخرج ابن جرير من طريق سعيد او عكرمة عن ابن عباس قال نزلت في رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبى ﷺ الا استكرههما فانهما قد أبيا الا النصرانية فانزل الله تعالى لا اكراه في الدّين يعنى لا يتصور الإكراه في ان يؤمن أحد إذ الإكراه الزام الغير فعلا لا يرضى به الفاعل وذالا يتصور الا فى افعال الجوارح واما الايمان فهو عقد القلب وانقياده لا يوجد بالإكراه- او المعنى لا تكرهوا في الدين فهو اخبار بمعنى النهى- ووجه المنع اما ما ذكرنا انه لا يوجد الايمان بالإكراه فلا فائدة فيه
стр. 362
واما لان إيجاب الايمان وسائر العبادات انما هو للابتلاء قال الله تعالى ليبلوكم ايّكم احسن عملا والمعتبر فيها الإخلاص قال الله تعالى واعبدوا الله مخلصين له الدّين والإكراه ينافى الابتلاء والإخلاص- فقيل هذا الحكم بعدم الإكراه خاص باهل الكتاب لنزوله فيما ذكرنا من شأن الأنصار كان أبناؤهم هودا او نصارى- قلت خصوص المورد لا يقتضى تخصيص النص وهو عام- وقيل هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى قاتلوا المشركين كافّة- وجاهد الكفّار والمنفقين قال البغوي هو قول ابن مسعود قلت لا يتصور النسخ الا بعد التعارض ولا تعارض فان الأمر بالقتال والجهاد ليس لاجل الإكراه على الدين بل لدفع الفساد من الأرض فان الكفار يفسدون في الأرض ويصدون عباد الله عن الهدى والعبادة فكان قتلهم كقتل الحية والعقرب والكلب العقور بل أهم من ذلك ومن ثم جعل الله تعالى غاية قتلهم إعطاء الجزية حيث قال حتّى يعطوا الجزية عن يدوّهم صغرون- ولاجل هذا نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان والنساء والمشائخ والرهبان والعميان والزمنا الذين لا يتصور منهم الفساد في الأرض وكيف يقال بالنسخ مع ان الإكراه في الدين لا يتصور ولا يفيد كما ذكرنا قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يعنى وضح الأمر ودلت الدلائل العقلية والمعجزات النبوية على ان الايمان رشد يوصل الى السعادة الابديّة والكفر غىّ يؤدى الى الشقاوة السرمدية فتم حجة الله على الخلق وزال عذرهم وصح ابتلاؤهم ولا حاجة الى إكراههم- وقال البيضاوي في تفسير الاية ان الإكراه الزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا فلا اكراه في الدين- إذ قد تبيّن الرّشد من الغىّ والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه الى الايمان طلبا للفوز بالنجاة والسعادة ولم يحتج الى الإكراه والإلجاء وهذا التقدير لو تم لزم ان يكون كل عاقل مؤمنا طوعا ولو أريد بالعاقل من له عقل سليم وتم معرفته فذا لا ينفى الإكراه من الكفار فان عقلهم غير سليم ولذلك لم يبادروا فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ فعلوت من الطغيان قلب عينه ولامه او فاعول منه حذف لامه وزيدت التاء بدلا من اللام والمراد به كل ما عبد من دون الله او ما صد عن عبادة الله من شياطين الجن والانس وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ كما ارشد به الرسول فان الايمان بالله تعالى كما ينبغى لا يتاتى الا بعد تصديق الرسول والاهتداء به فَقَدِ اسْتَمْسَكَ اى طلب الإمساك من نفسه بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى من الحبل الوثيق وهى مستعارة لمتمسك الحق لَا انْفِصامَ
стр. 363
لَها
اى لا «١» انقطاع وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك إياهم ولا قوالك وأقوالهم عَلِيمٌ (٢٥٦) بحرصك إياهم وبنيات كل حثّ على تصحيح الأعمال والنيات وتهديد على الكفر والنفاق.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم ومتولى أمرهم والمراد به من أراد إيمانه يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية الى الكفر إِلَى النُّورِ ٥ الى الهدى الموصل الى الايمان- قال الواقدي كل ما في القران من الظلمة والنور فالمراد به الكفر والايمان غير ما في الانعام جعل الظّلمت والنّور فانه الليل والنهار- وهذه الاية تدل على ان الايمان امر وهبى والجملة خبر بعد خبرا وحال من المستكن في الخبر او من الموصول او منهما او استيناف مبيّن او مقرد للولاية وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يعنى شياطين الجن والانس منهم كعب بن الأشرف وحيى بن اخطب وغيرهما- او المضلات من الهوى والشياطين وغيرهم فهؤلاء متولى أمورهم ومحبيهم فى زعمهم وإلا ففي الحقيقة هم أعداؤهم يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي هو في اصل الفطرة كما في حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه واخرج ابن جرير عن عبدة بن ابى لبابة قال هم الذين كانوا أمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به إِلَى الظُّلُماتِ اى الشكوك والشبهات والانهماك في الشهوات وفساد الاستعداد الموجب الى الكفر- واسناد الإخراج الى الطاغوت باعتبار السبب والكسب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به- والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال الله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ- وقال والّذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها- اخرج ابن جرير عن مجاهد قال كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به فلما بعث الله محمدا ﷺ أمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن ابن عباس انها نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به والله اعلم
стр. 364
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) وعيد وتحذير- قيل عدم مقابلته بوعد المؤمنين لتعظيم شأنهم- والاولى ان يقال ان قوله تعالى الله ولىّ الّذين أمنوا تضمن كل ما يتصور من الوعد-.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمرود وحماقته قال البغوي هو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية أَنْ اى لان آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فطغى اى كان محاجته لاجل بطر الملك وطغيانه- او أسند المحاجة الى إيتاء الملك على طريقة العكس يعنى كان الواجب عليه الشكر فعكس كما يقال عاديتنى لانى أحسنت إليك- او المعنى وقت ان أتى الله الملك وهو حجة على منع إيتاء الملك الكافر من المعتزلة قال البغوي ملك الأرض اربعة مؤمنان وكافران سليمان وذو القرنين ونمرود وبخت نصر قيل لما كسر ابراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال من ربك الذي تدعونا اليه- وقيل كان هذا بعد القائه في النار قحط الناس فكانوا يمتارون من عند نمرود فكان نمرود إذا أتاه رجل ساله من ربك فان قال أنت باع منه الطعام فاتاه ابراهيم فقال من ربك قال ربّى الّذى يحيى ويميت فحاجه ولم يعطه شيئا فرجع ابراهيم فمر على كثيب من رمل فاخذ منه تطيبا لقلوب اهله فلما اتى اهله ووضع متاعه نام- فقامت امرأته الى متاعه ففتحته فاذا هو أجود طعام فصنعت له منه فقرّبت اليه فقال من اين هذا؟ قالت «١» من الطعام الذي جئت به فحمد الله تعالى إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف لقال انا احيى وأميت- وهو بيان لحاج- او هو استيناف في جواب سوال مقدر كانه قيل كيف حاج او الظرف متعلق لحاجّ وقال بيان له او استيناف- او الظرف بدل من ان آتاه الله الملك ان كان المصدر مقدرا بالوقت رَبِّيَ قرا حمزة بإسكان الياء وصلا ووقفا وكذا في رَبِّيَ الْفَواحِشَ- وعَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ- وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ وآتانِيَ الْكِتابَ- ومَسَّنِيَ الضُّرُّ- وعِبادِيَ الصَّالِحُونَ- وعِبادِيَ الشَّكُورُ- ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ- وإِنْ أَرادَنِيَ «٢» اللَّهُ وإِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ- ووافقه ابن عامر والكسائي في لعبادى الّذين أمنوا- وابن عامر في آياتي الّذين وو فتح الآخرون كلها الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ جواب لقول نمرود من ربك الذي تدعونا اليه استدل ابراهيم ﵇ على وجود الصانع الواجب الوجود بالآثار الدالة عليه من الاحياء
стр. 365
والاماتة المشهودتين في عالم الإمكان- ونمرود لعله كان دهريا غبيا يزعم الحوادث بالاتفاق كما يزعمه الدهريون- ويزعم ان ذوى العقول من الممكنات خالقة لافعالها كما يزعمه المعتزلة والروافض- فدعا برجلين فقتل أحدهما واستحيى الاخر وقالَ نمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قرا اهل المدينة انا بإثبات الالف والمد في الوصل إذا تلقتها همزة متحركة- والباقون بحذف الالف ووقفوا جميعا بالألف فلما راى ابراهيم غباوته عن الاستدلال بالحوادث المعتادة قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ يعنى وهو قادر على ان يأتيها من المغرب او كيف يشاء فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ ان كنت تزعم انك قادر على ما تفعل وتنكر الواجب فان الممكنات كلها سواء في الخلق فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ اى تحير ودهش وانقطعت حجته- لما راى انه لو سال ابراهيم ربه فربه يأتى بالشمس من المغرب كما جعل النار عليه بردا وسلاما وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) وان يروا كلّ اية حتّى يروا العذاب الأليم.
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ يعنى بيت المقدس او دير هرقل كما سنذكر القصة والكاف زائدة والموصول معطوف على الذي حاج- والذي مر هو آدميا وهو الخضر ﵇ على ما رواه محمد بن إسحاق- واخرج الحاكم عن علىّ وإسحاق بن بشير عن عبد الله بن سلام وابن عباس انه عزيز- وقال مجاهد هو كافر شك في البعث نظرا الى نظمه مع نمرود وهذا ليس بشىء فان الكافر لا يستحق تلك الكرامة ولو قيل انه أمن حين راى الاحياء بعد الاماتة قلنا هذا ليس إيمانا بالغيب فلا يعتد به ونظم القصتين معا انما هو لاشتراكهما في التعجيب بلا دعاء الربوبية فمن يرى عجزه في كل حين وزمان اعجب من الحيوة بعد الممات بإذن الله تعالى فان ذلك شائع كما ترى تصير النطفة رجلا والبذر شجرا ونحو ذلك وَهِيَ خاوِيَةٌ خالية ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها يعنى سقطت سقوفها ثم وقعت حيطانها عليها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ القرية اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال ذلك على الطلب والتمني في إحيائها مع استبعادها عادة وهضما لنفسه عن مرتبة الاستجابة- وكان القصة على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه ان الله تعالى بعث ارميا الى ناشية بن اموص ملك بنى إسرائيل ليسدد امره وكان ملكا صالحا
стр. 366
يأتيه ارميا باحكام الله تعالى فعظمت المعاصي في بنى إسرائيل فاوحى الله تعالى الى ارميا لا قبضن عليهم فتنة ولا سلطنّ عليهم جبارا ولاهلكن أكثرهم فصاح ارميا وبكى فاوحى الله تعالى اليه ان لا اهلكنهم ما لم تأذن فاستبشر فلبثوا ثلاث سنين وما زادوا لا معصية وطغيانا فلما بلغ الاجل وقلّ الوحى دعاهم الملك الى التوبة فلم يفعلوا فسار بخت نصر من بابل الى بيت المقدس في جنود لا قبل لها ففزع ملك بنى إسرائيل فقال ارميا انى واثق بما وعدني الله فبعث الله تعالى الى ارميا ملكا في صورة رجل من بنى إسرائيل فقال يا نبى الله استفتيك في أهلي لم ات إليهم الا حسنا ولا يزيدون بي الا اسخاطا قال احسن وصلهم والبشر بخير ثم بعد ايام جاء اليه الملك في صورة ذلك الرجل فقال مثل مقاله وأجيب مثل ما أجيب اولا ثم بعد زمان لما حاصر بخت نصر بيت المقدس وارميا قاعد على جداره وملك بنى إسرائيل يقول اين ما وعدك الله وارميا واثق مستبشر بالوعد إذ جاءه الملك في صورة ذلك الرجل وشكى اهله اليه فقال ارميا الم يأن ان ينزجروا من الذي هم فيه فقال له الملك يا نبى الله كل شىء كان يصيبنى قبل ذلك اليوم صبرت عليه وهم اليوم على عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله وأسئلك بالله الذي بعثك بالحق ان تدعو الله عليهم ليهلكنهم فقال ارميا يا ملك السموات والأرض ان كانوا على عمل لا ترضاه فاهلكهم فارسل الله صاعقة فالتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب فقال ارميا يا رب اين ميعادك فنودى انه ما أصابهم الا بدعائك فعلم ان ذلك السائل كان رسول ربه فلحق ارميا بالوحوش وخرب بخت نصر بيت المقدس ووطى الشام وقتل بنى إسرائيل وسباهم- فكانت هذه الوقعة الاولى التي أنزلها الله ببني اسراءيل بظلمهم فلما ولى بخت نصر عنهم راجعا الى بابل اقبل ارميا على حمار له معه عصير عنب في ركود وسلة تين حتى جاء ايليا فلما وقف عليها وراى خرابها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها وانى في موضع النصب على الظرف بمعنى متى- او على الحال بمعنى كيف- ثم ربط ارميا حماره بحبل والقى الله عليه النوم فَأَماتَهُ اللَّهُ ضحى أخرجه سعيد بن منصور عن الحسن وابن ابى حاتم عن قتادة فلبث ميتا مِائَةَ عامٍ وحماره ومصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد فلما مضى من موته سبعين سنة أرسل الله ملكا الى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال ان الله يأمرك ان تعمر بيت المقدس وايليا حتى يعودا عمر ما كان فجعل يعمرها- وأهلك الله
стр. 367
بخت نصر ببعوضة دخل دماغه ونجى الله من بقي من بنى إسرائيل ولم يمت ببابل وردهم جميعا الى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة حتى عادوا على احسن ما كانوا عليه فاحيا الله ارميا ثُمَّ بَعَثَهُ وكان بعثه قبل غيبوبة الشمس فبعث الله اليه ملكا قالَ الملك لا رميا
كَمْ لَبِثْتَ فلما زعم ارميا ان الشمس غربت من ذلك اليوم الذي نام فيه قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثم التفت فراى بقية من الشمس فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له الملك بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعنى التين وَشَرابِكَ يعنى العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ اى لم يتغير فكان التين كانّه قطف من ساعته والعصير كانّه عصر من ساعته قال الكسائي كانّه لم يأت عليه السنون قرا حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسنّ بحذف الهاء في الوصل وإثباته في الوقف وكذلك فبهديهم اقتد وقر الآخرون بالهاء وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعلها صلة زائدة ومن أثبتها جعلها اصلية «١» قالوا اشتقاقه من السنة والهاء اصلية ان قدر لام السنة هاء أصله سنهة بدليل سنيهة والفعل منه مسانهة- وهاء سكت ان قدر لامه واوا فابدلت الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحذف الالف للجزم وزيدت الهاء في الوقف- وقيل أصله لم يتسنّن من الحماء المسنون فابدلت النون الثالثة حرف علة كما فى قوله تعالى دسّها- وأفرد الضمير لان الطعام والشراب كالجنس الواحد وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر قيل فراه قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر الى حبله في عنقه جديدة لم يتغير- وقيل راى حماره قد هلك وبليت عظامه فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت بها الطيور والسباع فاجتمعت- قلت والظاهر هو القول الثاني يدل عليه تكرار كلمة انظر ولو كان الحمار باقيا على حاله كالطعام والشراب لكان المناسب ان يقال فانظر الى طعامك وشرابك وحمارك وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ على البعث بعد الموت قيل الواو مقحمة وقال الفراء دخلت الواو فيه دلالة على انها متعلق بفعل مقدر اى وفعلنا ذلك لنجعلك اية وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ اى عظام الحمار على تقدير كونه هالكا وبه قال اكثر المفسرين- وقال قوم أراد به عظام نفسه أحيا الله عينه ورأسه وسائر جسده ميت صار عظاما بيضاء متفرقا ويردّ
стр. 368
هذا القول قوله ﷺ ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كَيْفَ نُنْشِزُها قرا اهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء المهملة معناه نحييها قال الله تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ- واليه النّشور- وقرا الآخرون بالزاء المعجمة اى نرفعها من الأرض ونركب بعضها على بعض- وكيف منصوب بنشز والجملة حال من العظام ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فلما كسى العظام لحما ودما فصار الرجل حيا او صار الحمار حمارا لا روح فيه فنفخ فيه الملك فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى- وفي الاية تقديم وتأخير وتقديره قال بل لبثت مائة عام امتناك ثم أحيينا فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر الى حمارك وانظر الى العظام كيف ننشزها ثمّ نكسوها لحما وفعلنا ذلك لنجعلك اية للنّاس فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ما فعل به قالَ الرجل أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) قرا الجمهور على صيغة المضارع للمتكلم وقرا حمزة والكسائي على صيغة الأمر وحينئذ يكون القائل الملك او الله سبحانه او الرجل خاطب به نفسه وقيل ان بخت نصر لمّا خرّب بيت المقدس وقدم بابل بسبى بنى إسرائيل كان فيهم عزيز ودانيال وجماعة من ال داود فلما نجا عزيز من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فاكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما راى خراب القرية وهلاك أهلها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها الى اخر الحديث قال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس والسدّى عن مجاهد عن ابن عباس وابن عساكر عنه لما أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة عام ركب حماره واتى محلته فانكر الناس ومنازلهم وأنكره الناس فاتى منزله على وهم فاذا بعجوز عمياء مقعدة أتت عليها مائة وعشرون سنة كانت امة لعزيز خرج عزير عنهم وهى بنت عشرين سنة فقال لها عزيز هذا منزل عزيز قالت نعم وقالت ما رايت أحدا منذ كذا يذكر عزيرا قال فانى عزيز أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت فان عزيزا كان رجلا مستجابا فان كنت عزيزا فادع الله ان يردّ عليّ بصرى فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال قومى بإذن الله فقامت صحيحة فنظرته فعرفته فقالت اشهد انك عزيز فانطلقت الى بنى إسرائيل وهم في مجالسهم وابن لعزيز شيخ ابن مائة سنة وأولاد بنيه شيوخ وعجائز وهو اسود الرأس واللحية فنادت هذا عزير
стр. 369
فكذبوها فقالت انا فلانة مولاتكم دعالى ربه فردّ على بصرى واطلق رجلى وزعم ان الله أماته مائة عام ثم بعثه فنهض الناس فقال ابنه كان لابى شأمة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فاذا هو عزيز وقال السدى والكلبي لما رجع عزيز الى قومه وقد احرق بخت نصر التورية بكى عزيز على التورية فاتاه ملك باناء فيه ماء فسقاه فمثلت التورية في صدره فرجع الى بنى إسرائيل وقد علمه الله التورية وبعثه نبيا فقال انا عزيز فلم يصدقوه فاملا عليهم التورية من ظهر قلبه قالوا ما جعل الله التورية فى قلب رجل بعد ما ذهبت الا انه ابنه فقالوا عزيز ابن الله وسيأتى القصة في سورة التوبة ان شاء الله تعالى.
وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الحسن وقتادة وعطاء الخراسانى وابن جريح كان سبب هذا السؤال انه كانت جيفة حمار بالساحل فكان إذا مدّ البحر أكلت منها دواب البحر وإذا جزر أكلت السباع والطيور فراها ابراهيم وتعجب وقال يا رب قد علمت انك تجمعها من البحر والبر فارنى كيف تحييها لاعاين فازداد يقينا- وقيل لما قال نمرود انا أحيي وأميت وقتل أحد الرجلين واطلق الاخر قال ابراهيم ان الله يحيى بعد ما يميت فقال له نمرود أنت عاينته فلم يقدر ان يقول نعم فحينئذ سال ربه ان يريد احياء الموتى حتى إذا قيل له بعد ذلك أنت عاينته يقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله ابراهيم خليلا جاء ملك الموت بإذن الله الى ابراهيم ليبشره بذلك فبشره فقال ابراهيم ما علامة ذلك قال ان الله يجيب دعاءك ويحيى الموتى بسوالك فحينئذ سال ابراهيم ذلك قالَ الله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب بعد الاماتة وانما قال ذلك وقد علم انه أقوى الناس في الايمان ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويزيد بصيرتى وسكون قلبى بضم العيان الى الوحى والاستدلال او ليطمئن قلبى انك اتخذتني خليلا وتجيبنى إذا دعوتك عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الاية ورحم الله لوطا لقد كان يأوي الى ركن شديد ولو لبثت السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي متفق عليه وللعلماء في هذا المقام مقال فقال إسماعيل بن يحيى المزني لم يشك النبي ﷺ ولا ابراهيم في ان الله يحيى الموتى وانما شكافى انه هل يجيبهما الله تعالى الى ما سالاه وهذا القول لا يصاعده قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
стр. 370
قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
- وقال الامام ابو سليمان الخطانى ليس في الحديث اعتراف بالشك على نفسه ولا على ابراهيم بل فيه نفى الشك عنهما يعنى إذا لم أشك انا فابراهيم اولى بان لا يشك وانما قال النبي ﷺ ذلك تواضعا وهضما لنفسه وكذلك قوله لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي وفيه اعلام بان المسألة من ابراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن لاجل طلب زيادة العلم بالعيان فان العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال قال رسول الله ﷺ ليس الخبر كالمعائنة ان الله اخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا القى الألواح فانكسرت رواه احمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس وروى الطبراني عن انس والخطيب عن ابى هريرة بسند حسن وليس فيه ذكر موسى- وقيل لما نزلت هذه الاية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا ﷺ فقال رسول الله ﷺ تواضعا وتقديما لابراهيم على نفسه- قلت هذا القول وهذا التأويل في الحديث ضعيف لان نفى الشك عن ابراهيم ثبت بنفس كلام الله تعالى حيث قال بلى ولكن ليطمئن قلبى فكيف يقال شك ابراهيم وايّ حاجة الى دفع ذلك التوهم- والتحقيق عندى ما قالت الصوفية العلية ان لاهل الله تعالى في السلوك مقامان الاول مقام العروج وهو الانخلاع عن الصفات البشرية والتلبس بالصفات الملكية والصفات القدسية ويحكى عن هذا المقام قوله ﷺ حين نهى عن صوم الوصال لست كهيئتكم أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ويقال فى اصطلاحهم بهذا السير السير الى الله والسير في الله- والثاني مقام النزول وهو التلبس بالصفات البشرية ثانيا بعد الانخلاع التام وهذا المقام مقام التكميل ودعوة الخلق الى الله تعالى ويقال لهذا السير السير من الله بالله والحكمة في النزول انه لا بد بين المفيض والمستفيض من المناسبة حتى يتيسر به الاستفاضة على طريقة الصبغ والانصباغ ولاجل هذا أرسل الرسل من البشر لدعوة البشر ولم يتصور للعوام أخذ الفيض من الله تعالى لفقد المناسبة وهو تعالى غنى عن العالمين ولا من الملائكة قال الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
وقال وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ وكلّما كان لرجل نزوله أتم كان دعوته أشمل وأكمل كما ان الرامي إذا كان في أعلى مكان من المرمى اليه
стр. 371
ما أصاب رميته غالبا قال الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربي قدس سره أنكروا دعوة نوح لما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمد ﷺ لما كان من القران يعنى لما كانت استعدادات العوام في غاية الانخفاض ونوح ﵇ كان في مقام العروج لم يتأثر العوام منه لاجل الفراق بينهما ولما نزل محمد ﷺ غاية النزول أجابوا دعوته لحصول مقارنة- إذ سمعت هذا فاعلم ان العارف تام المعرفة قد يظهر عليه اثار النزول فحينئذ يكون على هيئة العوام متشبثا بالأسباب- ويحكى عن هذا المقام انه ﷺ لبس في الحرب درعا من حديد فوق درع وحفر الخندق حول المدينة وفي هذا المقام يتشبث العارف لطلب زيادة اليقين واطمينان القلب بتحتم الاستدلال ونحو ذلك وعن هذا المقام قصة ابراهيم ﵇ هذه وقصة لوط حين قال لو انّ لى قوّة «١» او أوى الى ركن شديد- وعبر رسول الله ﷺ طلب زيادة اليقين بالشك مجازا للمشابهة الصورية واخبر عن مقام نزوله بقوله نحن أحق بالشك من ابراهيم بمعنى ان نزولنا أتم من نزول ابراهيم فنحن اولى بطلب زيادة اليقين منه ولا شك ان نزوله ﵇ كان أتم من نزول ابراهيم يدل عليه كونه مبعوثا الى كافة الأنام كما ان عروجه ﷺ كان فوق كل عروج فكان قاب قوسين او ادنى فهو المحدد لجهات الكمال عليه وعلى الله الصلاة والسلام ومعنى قوله ﷺ رحم الله لوطا لقد كان يأوى الى ركن شديد انه كان في مقام النزول فهذا مدح له ﵇ وقوله ﷺ لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لا جبت الداعي ايضا يدل على ان نزول محمد ﷺ كان أتم من نزول يوسف ﵇ ولو كان نزول يوسف مثل نزوله ﵇ لاجاب الداعي والله اعلم- قالَ الله تعالى فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ الطير مصدر اسمى به او جمع طائر كصحب وصاحب قال مجاهد وعطاء بن «٢» رباح وابن جريح أخذ طاء وساوديكا وحمامة وغرابا وحكى عن ابن عباس تسر بدل الحمامة وقال عطاء الخراسانى اوحى الله اليه انّ خذ بطة خضراء وغرابا اسود وحمامة بيضاء وديكا احمر قلت لعله امر بأخذ اربعة من الطير لان الإنسان وكذا سائر الحيوانات مركب من الاخلاط الاربعة المتولدة من العناصر الاربعة فالديك الأحمر يحكى عن الدم والحمامة البيضاء عن البلغم والغراب الأسود عن السوداء والبط الخضراء عن الصفراء-
стр. 372
فاحياؤها بعد الاماتة دليل على احياء اجزاء الإنسان بعد الاماتة- قال البيضاوي فيه ايماء الى ان احياء النفس بالحياة الابدية انما يتاتى باماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاووس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بها الغراب والترفع والمسارعة الى الهوى الموسوم بها الحمام- قلت لما كان ابراهيم ﵇ في مقام النزول والدعوة علمه الله تعالى طريق الإرشاد من إعطاء المريد الفناء والبقاء فاخذها وقطعها ينبىء عن السلوك والفناء ودعاؤها بإذن الله تعالى ينبىء عن الجذب الى الله والبقاء وهذه كلمات من اهل الاعتبار لا مدخل لها في التفسير والله اعلم فَصُرْهُنَّ قرا ابو جعفر وحمزة بكسر الصاد اى قطعهن ومزقهن من صار يصير صيرا إذا قطع قال الفراء هو مقلوب من صرى يصرى صريا وقرا الآخرون بضم الصاد ومعناه املهن يقال صرت اصتورا إذا أملته وقال عطاء معناه اجمعهن يقال صار يصور إذا جمع إِلَيْكَ متعلق بصرهنّ على قراءة الجمهور ومتعلق بمحذوف حال من المفعول على قراءة حمزة اى منضما إليك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً قرا عاصم برواية ابى بكر بضم الزاء والهمز حيث وقع وقرا ابو جعفر بتشديد الزاء بلا همز والآخرون بإسكان الزاء والهمزة- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس امر الله تعالى ابراهيم ان يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويخلطها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ثم امره ان يجعل اجزاءها على الجبال فجزاها سبعة اجزاء على سبعة اجبل وامسك رءوسهن عنده وكذا اخرج ابن جريح والسدى وروى ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس وقتادة انه جعل كل طائر اربعة اجزاء على كل جبل ربعا من كل طائر ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لهم تعالين بإذن الله يَأْتِينَكَ سَعْياً ساعيات مسرعات طيرانا او مشيا فدعاهن فجعل كل قطرة من دم طائر يصير الى قطرة اخرى وكل ريشة يصير الى الريشة الاخرى وكل عظم وبضعة الى اخرى وابراهيم ينظر حتى تمت كل جثة بغير رأس ثم اقبلن الى رءوسهن فصرن كما كن بإذن الله تعالى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عما يريد حَكِيمٌ (٢٦٠) ذو حكمة بالغة في كل ما يفعل ويذر- ذكر الله سبحانه في القصة السابقة أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وذكره هاهنا اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يدل على انه قوله أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها كان على سبيل التعجب والاستبعاد
стр. 373
من حيث كونه على خلاف العادة وقول ابراهيم ربّ أرني كيف تحي الموتى كان مبنيا على حال لطيف يقتضيه الحكمة والله اعلم- قال البيضاوي كفى لك شاهدا على فضل ابراهيم ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال انه تعالى أراه ما أراد في الحال على أيسر الوجوه وارى عزيزا بعد ما أماته مائة عام.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الجهاد او غير ذلك من أبواب الخير كَمَثَلِ حَبَّةٍ فيه تقدير المضاف اما في المبتدأ او في الخبر يعنى مثل نفقة الّذين ينفقون كمثل حبّة او مثلهم كمثل باذر حبّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أسند الإنبات الى الحبة مجازا لما كانت من الأسباب عادة فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يكون في الدخن وغير ذلك وَاللَّهُ يُضاعِفُ ما يشاء من الأضعاف لِمَنْ يَشاءُ من عباده في الدنيا والاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة عَلِيمٌ (٢٦١) بنيات المنفقين يجزى على حسب نياتهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال البغوي قال الكلبي جاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم صدقة الى رسول الله ﷺ فقال كانت عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال له رسول الله ﷺ بارك الله فيما أمسكت وفيما أعطيت- وعثمان جهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الاية وقال قال عبد الرحمن ابن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبي ﷺ فرايت النبي ﷺ يدخل فيها يده ويقلبها ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم فانزل الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وروى احمد عن عبد الرحمن بن سمرة وليس فيه ذكر نزول الاية ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ذكر كلمة ثم للتفاوت بين الانفاق وترك المن والأذى- والمن ان يعتد بإحسانه على من احسن اليه والأذى ان يتطاول عليه او يقول الى كم تسئل وكم تؤذيني او يذكر إنفاقه عليه عند من لا يجب وقوفه قال البغوي قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم كان ابى يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورايت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
стр. 374
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
(٢٦٢) لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمين المبتدأ معنى الشرط إيهاما بانهم اهل لذلك وان لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد جميل على السائل قال الكلبي دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب وقال الضحاك نزل في إصلاح ذات البين وَمَغْفِرَةٌ اى تجاوز عن السائل الملح بالرد الجميل وقال البغوي اى يستر على السائل خلته ولا يهتك عنه ستره وقيل المراد به نيل مغفرة من الله بالرد الجميل- وقيل المراد مغفرة السائل المسئول عنه بان يعذره ويغتفر رده وقال الكلبي والضحاك والمراد بالمغفرة التجاوز عن من ظلمه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما وانما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن انفاق بمن وإيذاء حَلِيمٌ (٢٦٣) عن معاجلة من يمن ويؤذى بالعقوبة-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجور صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ على السائل وقال ابن عباس بالمن على الله وَالْأَذى اى بكل واحد منهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة منان ولا عاق- رواه النسائي والدارمي كَالَّذِي الكاف في محل النصب على المصدر او الحال اى ابطالا كابطال الذي او مماثلين الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ منصوب على السببية او الحال او المصدرية اى لان يرى الناس او مرائيا او إنفاقا رياء وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ليس هذا قيدا لابطال الصدقة فان الصدقة يبطل بالرياء وان كان المنفق مؤمنا بالله واليوم الاخر لكن ذكر هذا تنبيها على ان الانفاق رياء ليس من شأن المؤمن بل هو من سيرة المنافق فَمَثَلُهُ اى المرائى كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجرا ملس قيل هو واحد جمعه صفى وصفى وقيل جمع واحده صفواته عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقيّا من التراب لا يَقْدِرُونَ الضمير راجع الى الموصول باعتبار المعنى فان المراد به الجنس او الجمع عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا اى لا يقدرون في الاخرة على الانتفاع بشيء ممّا كسبوا في الدنيا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) فيه تعريض بان الرياء والمن والأذى من صفات الكفار لا ينبغى لمؤمن ارتكابه او المعنى انه من فعل من هذه الأمور
стр. 375
شيئا فهو كافر لنعمة المنعم الحقيقي غير شاكر- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه- وفي رواية فانا منه بريء هو للذى عمله رواه مسلم- وعن جندب قال قال رسول الله ﷺ من سمع سمع الله به ومن يرائى يرائى الله به متفق عليه- وعن ابى سعيد بن ابى فضالة عن رسول الله ﷺ قال إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فان الله اغنى الشركاء عن الشرك رواه احمد- وعن معاذ بن جبل قال سمعت من رسول الله ﷺ يقول ان يسار الرياء شرك الحديث رواه ابن ماجة- وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من صلى يرائى فقد أشرك ومن صام يرائى فقد أشرك ومن تصدق يرائى فقد أشرك رواه احمد- وعن محمود بن لبيد ان النبي ﷺ قال انّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء رواه احمد وزاد البيهقي في شعب الايمان يقول الله لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء او خيرا وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية- قال قلت أتشرك أمتك من بعدك قال نعم اما انهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراءون بأعمالهم والشهوة الخفية ان يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه رواه احمد والبيهقي وعن ابى هريرة ان أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد- فاتى به فعرّفه نعمته فعرفها فقال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لان يقال جرىء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرا القران فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرات فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال انك عالم وقرات القران ليقال هو قارئ فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من اصناف المال كله فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق في سبيل الله الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت
стр. 376
ليقال هو جواد فقد قيل به ثم امر به فسحب على وجهه ثم القى في النار رواه مسلم وروى البغوي نحوه وفي آخره ثم ضرب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ركبتى فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تعالى تسعر بهم النار يوم القيامة-.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى لطلب رضائه وَتَثْبِيتاً للاسلام وتصديقا بما وعده الله من الجزاء واحتسابا- ويحتمل ان يكون معناه تثبيتا للمال فان الباقي من المال ما ينفعه في الاخرة وما سوى ذلك هالك عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ايّكم مال وارثه أحب اليه من ماله- قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال فان ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر- رواه البخاري وعن عائشة قالت انهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ ما بقي منها قالت ما بقي منها الا كتفها قال رسول الله ﷺ بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه مِنْ أَنْفُسِهِمْ من للابتداء متعلق بالتثبيت يعنى تثبيت الايمان والتصديق او المال يبتدى من نفسه- او للتبعيض ويكون ظرفا مستقرا صفة لمفعول محذوف اى تثبيتا شيئا من أنفسهم على الايمان فان للنفس قوى بعضها مبدأ لبذل المال وبعضها مبدأ لبذل الروح والمال شقيق الروح فمن بذل المال لوجه الله فقد ثبّت بعض نفسه على الايمان ومن بذل المال والروح جميعا فقد ثبت كل نفسه عليه قال البيضاوي فيه تنبيه على ان حكمة الانفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال قلت ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة في مال الصبى حتى يؤديها الولي لان الحكمة فيها ابتلاء المكلف ببذل ما هو شقيق الروح ابتغاء مرضات الله تعالى وذا لا يحصل بأداء الولي كَمَثَلِ جَنَّةٍ اى بستان بِرَبْوَةٍ قرا ابن عامر وعاصم هاهنا والى ربوة في سورة المؤمنين بفتح الراء والباقون بالضم وهما لغتان وهى المكان المرتفع المستوي الذي تجرى فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلوا عن الماء وانما قيد الجنة بهذه لان شجرها يكون احسن وازكى أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر فَآتَتْ اعطت أُكُلَها قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بإسكان الكاف للتخفيف والباقون بالضم يعنى ثمرتها ضِعْفَيْنِ نصبه على الحال اى مضاعفا ومثلى ما كانت تثمر بلا وابل فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج
стр. 377
فى قوله تعالى زوجين اثنين وقيل اربعة أمثاله اى مضاعفا بتضعيفين فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أصابها او فاصابها طل أتت أكلها على قدر وعلى كلا التقديرين إصابة الوابل وعدمه لا تضيع تلك الجنة او المعنى فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها- والطل هو المطر صغير القطر- ومعنى الاية اما بتقدير المضاف يعنى مثل نفقات الذين ينفقون كمثل جنة فكما ان تلك الجنة لا يضيع كذلك نفقات المؤمن لا يبطل بل اما ان ينضم اليه امور توجب تضاعف الاجر فحينئذ تضاعفت الأجود الى ما شاء الله تعالى او لا فحينئذ لا يبطل اصل العمل ويوجب الاجر- واما بغير تقدير يعنى مثل المؤمن الذي ينفق كمثل جنة يعنى كما ان الجنة تثمر على حسب الوابل كذلك المؤمن المنفق يؤجر على حسب النفقة قل او كثر لا يضيع منها شيء وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) هذه الجملة يتعلق بكلا الفريقين الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى او ينفقون أموالهم رئاء الناس والذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ففيه تحذير وترغيب.
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة للانكار وهذه الاية مرتبطة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل النخيل والأعناب بيانا للجنة مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما ثم ذكر ان فيها من كل الثمرات ليدل على عدم اقتصار الجنة عليهما وَأَصابَهُ الْكِبَرُ بحيث لا يقدر على الكسب والواو للحال بمعنى وقد أصابه الكبر او للعطف حملا على المعنى بمعنى أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار او نساء لا يقدرون على الكسب والواو للعطف على أصابه او للحال من ضمير المفعول لاصابه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح عاصفة ترتفع الى السماء كانها عمود عطف على أصابه او على تكون باعتبار المعنى فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ والمعنى انه لا يود أحدكم ان يكون له مال جيد كما ذكر فيحترق في حال كمال حاجته الى ذلك المال فيخيب ويتحسر ما دام حيّا في عالم الفناء فكيف يود أحدكم ان يبطل حسناته يوم القيامة في حال كمال حاجته إليها فيخيب ويتحسر ابدا في عالم البقاء قال عبيد بن عمير قال عمر رضى الله عنه لاصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الاية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الاية قالوا الله اعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم اولا نعلم فقال ابن عباس في نفسى منها شيء قال عمر يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك
стр. 378
قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر لرجل يعمل بطاعة الله بعث الله له شيطانا فعمل بالمعاصي حتى أغرق اعماله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) فيها فتعتبرون بها-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وقال ابن مسعود ومجاهد من حلالات ما كَسَبْتُمْ عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يترك خلف ظهره الا كان زاده الى النار لا يمحو السّيء بالسّيئ لكن يمحو السّيّء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيث رواه احمد- وهذه الاية سند للاجماع وحجة للجمهور على داود حيث قال لا يجب الزكوة الا فى الانعام او النقود وعند الجمهور يجب في العروض والعقار ايضا إذا كان للتجارة وانما شرطوا بنية التجارة لان النمو شرط لوجوب الزكوة بالإجماع ولا نمو في العروض الا بنية التجارة- عن ابن عمر ليس في العروض زكوة الا ما كان للتجارة رواه الدارقطني وعن سمرة بن جندب كان يأمرنا رسول الله ﷺ ان نخرج الزكوة مما نعد للبيع رواه ابو داود والدارقطني والبزار- وعن سليمان بن سمرة عن أبيه عند البزار وفي اسناده جهالة- ومما يدل على وجوب الزكوة في العروض ما روى عن حماس قال مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقى ادمة احملها فقال الا تودى زكاتك يا حماس فقال مالى غير هذا اوهب في القرط قال تلك مال ضعها فوضعها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت الزكوة فيها فاخذ منها الزكوة رواه الشافعي واحمد وان ابى شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني- وعن ابى ذر ان رسول الله ﷺ قال في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته قالها بالزاء المعجمة رواه الدارقطني بثلاثة طرق ضعاف مدار الطريقين على موسى بن عبيدة الزيدي قال احمد لا يحل الرواية عنه وفي الطريق الثالث عبد الله بن معاوية بن عاصم ضعفه النسائي وأنكره البخاري وفيه ابن جريح عن عمر ان ابن أنيس قال البخاري لم يسمع ابن جريح عنه وله طريق رابع رواه الدارقطني والحاكم فى الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته ومن رفع دراهم او دنانير لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكون به يوم القيامة وهذا اسناد لا بأس به قال ابن دقيق الذي رايته في نسخة المستدرك البر بضم الباء الموحدة والراء المهملة ثم اختلف
стр. 379
العلماء فيما إذا لم يبع عروض التجارة سنين- فقال مالك لا يجب عليه شيء وان طال زمانه فاذا باعه فليس عليه الا زكوة واحدة- وقال الائمة الثلاثة يجب عليه زكوة في كل سنة وان لم يبع لعموم قوله ﵊ يخرج الزكوة مما يعد للبيع يعنى سواء بيع او لا وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ قيل هذه الاية في صدقات التطوع عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا فيأكل منه انسان او طير او بهيمة الا كانت له به صدقة رواه احمد والشيخان والترمذي- قلت هذا الحديث يدل على استحباب الزرع- وحديث ابى امامة قال سمعت النبي ﷺ يقول لا يدخل هذا يعنى شيئا من فمعز الدولة الحرث بيت قوم الا ادخله الذل رواه البخاري يدل على شومه والله اعلم والصحيح ان الاية في الزكوة لان الأمر للوجوب ولا وجه لحملها على التطوع فهذا امر بإخراج العشور من خارج الأرض (مسئلة) اجمع العلماء على وجوب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب ان كان مسقيا بماء السماء او العيون او الاودية والأنهار التي لا مؤنة فيها ونصف العشر ان كان مسقيا بغرب او دالية- وعلى انه لا صدقة في كلاء وحطب مما لا يراد به اشتغلال الأرض- واختلفوا فيما سوا ذلك من الأصناف- فقال ابو حنيفة يجب في جميع اصناف الخارج من الحبوب والثمار والخضروات محتجا بعموم هذه الاية وعموم قوله ﷺ فيما سقت السماء والعيون او كان عشريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر رواه البخاري وابو داود والنسائي وابن حبان وابن جار ودمن حديث ابن عمر ورواه مسلم من حديث جابر ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة ورواه النسائي وابن ماجة من
حديث معاذ ورواه ابو داود وغيره من حديث على- وقال مالك والشافعي لا زكوة الا فيما يقتات به كالرطب والعنب والحنطة والشعير والحمص والارز ونحوها لا غير- وقال ابو يوسف ومحمد واحمد يجب فيما يبقى في أيدي الناس مما يكال او يوزن فيجب عندهم في مثل السمسم والشهرانج واللوز والبندق والفستق والزعفران والكمون والقرطم ايضا- احتجوا على نفى الصدقة في الخضروات بحديث معاذ قال فيما سقت السماء والسيل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر يكون ذلك من التمر
стр. 380
والحنطة والحبوب واما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضروات فعفو عفا عنه رسول الله ﷺ رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفيه ضعف وانقطاع إسحاق وابن نافع من رواته ضعيفان قال يحيى بن معين إسحاق ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال احمد والنسائي متروك- ورواه الترمذي بلفظ انه كتب الى النبي ﷺ يسئله عن الخضروات وعن البقول قال ليس فيها صدقة وهو ضعيف ايضا قال الترمذي اسناد هذا الحديث ليس بصحيح ولا يصح عن رسول الله ﷺ في هذا الباب شيء وانما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي ﷺ مرسلا- وذكر الدارقطني في العلل وقال الصواب مرسل وروى البيهقي من حديث موسى بن طلحة وقال عندنا كتاب معاذ ورواه الحاكم وقال موسى تابعي كبير لا ينكر انه لقى معاذا وقال ابن عبد البر لم يلق معاذا ولا أدركه ورواه الدارقطني بطرق عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا ليس في الخضروات صدقة- وفي أحد طرقه الحراث بن بنهان حكى تضعيفه عن جماعة وفي طريقه الثاني نصر بن حماد قال يحيى كذاب وقال يعقوب بن ابى شيبة ليس بشيء وقال مسلم واهي الحديث وفي طريقه الثالث محمد بن جابر ليس بشيء قال احمد لا يحدث عنه إلا شر منه- وروى الدارقطني من طريق مروان بن محمد السخاوي عن موسى بن طلحة عن انس ومروان بن محمد لا يحل الاحتجاج به وروى ابو يوسف في كتاب الخراج عن موسى بن طلحة انه كان لا يرى صدقة الا في الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب وقال عندنا كتاب كتبه النبي ﷺ عن معاذ والتحقيق ان المرسل عن موسى بن طلحة يصح كذا قال الترمذي وغيره والمرسل حجة لا سيما باعتضاد ما ذكرنا من المسانيد ويؤيده حديث عليّ مرفوعا رواه الدارقطني وفيه صقر بن حبيب ضعيف جدا ورواه ابو يوسف موقوفا وفيه قيس ابن الربيع صدوق سيّء الحفظ ليس بالقوى- وحديث عائشة مرفوعا ليس فيما أنبتت الأرض من الخضرة زكوة رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري منكر الحديث وقال النسائي متروك وحديث محمد بن حجش ان رسول الله ﷺ امر معاذا حين بعثه الى اليمن ان يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا وليس في الخضروات صدقة- رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري والنسائي متروك منكر الحديث- وهاهنا أحاديث
стр. 381
اخر تدل على نفى الزكوة في غير اربعة أشياء التمر والزبيب والحنطة والشعير روى الحاكم والبيهقي من حديث ابى بردة عن ابى موسى ومعاذ حين بعثهما النبي ﷺ الى اليمن يعلمان الناس امر دينهم لا تأخذوا الصدقة الا من هذه الاربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر قال البيهقي رواته ثقات وهو متصل- ورواه الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر انما سنّ رسول الله ﷺ الزكوة في هذه الاربعة فذكرها وكذا روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- وروى ابو يوسف عن موسى بن طلحة عن عمر عن النبي ﷺ قال لا زكوة الا في اربعة التمر والزبيب والحنطة والشعير- وروى البيهقي عن الشعبي ...
كتب رسول الله ﷺ الى اهل اليمن انما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وقد روى الزكوة في خمسة الاربعة المذكورة والذرة لكنه ضعيف واه- قلت ولما اجمع العلماء على عدم حصر الزكوة في هذه الاربعة وجب تأويله بحذف المضاف يعنى لا زكوة الا في مثل هذه الاربعة فاعتبر مالك والشافعي المماثلة في الاقتيات في حالة الاختيار والاولى ان يعتبر المماثلة في الكيل او الوزن والادخار لان المقصود في باب الزكوة الغناء الحاصل بالمال لا الاقتيات وكل ما يكال ويؤزن ويدخر يحصل به الغناء فيجب فيه الزكوة- ولا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول اجماعا لان اشتراطها للتفمية وهذا انماء كله- ولا يشترط العقل والبلوغ لوجوب العشر عند ابى حنيفة ايضا كما لا يشترطان عند غيره في جميع الأموال وجه الفرق لابى حنيفة ان زكوة الأموال عبادة محضة لا بد فيه من النية واما العشر فهو عبادة فيه معنى المئونة فمن حيث كونه عبادة يشترط فيه الإسلام فيجب على الكافر الخراج دون العشر وكذا إذا اشترى الكافر أرضا عشرية عند الجمهور خلافا لمحمد- ومن حيث كونه مؤنة يجب على الصغير والمجنون ايضا كما يجب عليه نفقة الزوجة ونحوها- واختلفوا في اشتراط النصاب فقال ابو حنيفة لا يشترط فيه النصاب وتجب الصدقة في الخارج وان قل للعمومات المذكورة في الخلافية الاولى وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وابراهيم النخعي اخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة عن الثلاثة فيما أنبتت من قليل او كثير العشر وزاد في حديث النخعي حتى في عشر وستجات بقل وستجة واخرج ابو يوسف عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم نحوه- وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد يشترط فيه النصاب وذلك
стр. 382
خمسة اوسق كل وسق ستون صاعا مما يكال بالاوسق ومما لا يكال بالاوسق يعتبر حمسة اعداد من أعلى ما يقدر به ذلك الجنس عند محمد ففى القطن خمسة أحمال كل حمل ثلاثمائة من وفي الزعفران خمسة أمناء ويعتبر بقيمة خمسة اوسق من ادنى ما يدخل تحت الوسق عند ابى يوسف والحجة للجمهور على اشتراط النصاب قوله ﷺ ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري ورواه مسلم من حديث جابر ورواه احمد والدارقطني من حديث ابى هريرة والبيهقي من حديث عمرو بن حزم والدارقطني من حديث عائشة والله اعلم (مسئلة) هذه الاية تدل على ان العشر واجب في خارج كل ارض للاطلاق وعدم تقييده بأرض دون ارض فان ملك المسلم ارض خراج وزرع فيه فاما ان يسقط عنه الخراج فيجب عليه العشر فقط او يجتمع هناك عشر في الزرع وإخراج في الأرض وذلك عند الجمهور فان الخراج وظيفة الأرض والعشر زكوة الزرع لا زكوة الأرض ومن ثم يشترط النصاب في الخارج وقال ابو حنيفة لا يسقط الخراج عن ارض خراجية قط ولا يجتمع في ارض عشر وخراج فان العشر عنده زكوة الأرض دون الزرع ومن ثم لا يشترط النصاب عنده في الخارج- ومسئلة سقوط الخراج وعدمه لا مقام لها هاهنا ولم يثبت منع الجمع بين العشر والخراج بدليل شرعى وما رواه ابن الجوزي وذكره ابن عدى في الكامل عن يحيى بن عنبسة حدثنا ابو حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يجتمع على مسلم عشر وخراج باطل قال ابو حاتم ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث كذب على ابى حنيفة ومن بعده الى رسول الله ﷺ وقال ابن عدى لا يروى هذا الحديث غير يحيى بن عنبسة بهذا الاسناد وانما يروى هذا من قول ابراهيم وقول ابراهيم ليس بحجة وكذا قول الشعبي وعكرمة لا يجتمع عشر وخراج في ارض او في مال روى الأثرين ابى شيبة واحتج صاحب الهداية بالإجماع فقال أحد من ائمة الجور والعدل لم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة- ودعوى الإجماع ممنوع فانه نقل ابن المنذر الجمع في الاخذ عن عمر بن عبد العزيز وهو كان مقتفيا لاثار عمر بن الخطاب
ولو كانت المسألة مجمعا عليها لم يختف على ابن عبد العزيز-
стр. 383
(مسئلة) قوله تعالى وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ شامل لما يخرج من المعدن من الذهب والفضة عند مالك وعند الشافعي في المشهور عنه فيؤخذ عندهما منه ربع العشر إذا بلغ نصابا ويصرف مصرف الزكوة عند الشافعي ومصرف الفيء عند مالك وهى رواية عن احمد- وعند ابى حنيفة واحمد هذه الاية غير شامل لما يخرج من المعدن بل الواجب فيه الخمس لقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الاية لانه من اجزاء الأرض كان في أيدي الكفار وصل إلينا فصار كسائر أموالهم وهو رواية عن الشّافعى- ووجه قولنا ان قوله تعالى مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ غير شامل لما يخرج من المعدن ان الإخراج معناه الحقيقي نقل شيء موجود فى باطن شيء منه الى الظاهر وهذا المعنى غير موجود في الزرع والثمار فارادة الحبوب والثمار من قوله مما أخرجنا لكم من الأرض ليس الا مجازا فالمعنى المجازى هاهنا مراد اجماعا فلا يجوز ارادة المعنى الحقيقي لامتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز كما حقق في الأصول وعند الشافعي يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز ونظير هذه الاية قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أريد به الجماع اجماعا مجازا فلا يجوز ان يراد به مس المرأة ناقضا للوضوء عند ابى حنيفة خلافا للشافعى فالخلافية مبنية على الخلافية فى الأصول ثم عند احمد يجب الخمس في كل معدن سواء كان جامدا لا يذوب كالجص والنورة او كان غير جامد كالقير والنفط او كان جامدا يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد ونحوها لان كل ذلك صالح لكونه غنيمة وقال ابو حنيفة لا يجب الا في القسم الثالث لان اسم الركاز يطلق على القسم الثالث وما لا يذوب وهو جنس الأرض يجوز به التيمم فليس بركاز وقد قال ﵇ فى الركاز الخمس- وقال مالك والشافعي الواجب انما هو الزكوة وهى في النقدين فقط لا في غيرهما من الأموال فيختص الواجب بمعدن الذهب والفضة ولا يجب في معدن الحديد ونحو ذلك قلت اشتراط الثمنية في الزكوة انما هو للتنمية والخارج من الأرض نمو كله ولذلك لا يشترط فيه الحول اجماعا ومن ثم يجب الزكوة في الحبوب والثمار مع انها ليست من النقود فما وجه تخصيص الزكوة بالنقود في المعادن والله اعلم والحجة للشافعى على انه يجب في المعدن الزكوة ما رواه مالك في المؤطا عن ربيعة بن عبد الرحمن- عن غير واحد ان رسول الله ﷺ قطع لبلال بن حارث المزني المعاون القبلية وهى من ناحية الفرغ فتلك المعادن لا يؤخذ منه
стр. 384
الى اليوم الا الزكوة- قال ابن عبد البر هذا منقطع في المؤطا وقال ابن الجوزي ربيعة قد لقى الصحابة والجهل بالصحابي لا يضر ولا يقال هذا مرسل- قال ابو عبيد في كتاب الأموال حديث منقطع ومع انقطاعه ليس فيه ان النبي ﷺ امر بذلك وانما قال تؤخذ منه الى اليوم فيجوز ان يكون من اهل الحكومات اجتهادا منهم- وقال الشافعي بعد ان روى حديث مالك ليس هذا مما يثبته اهل الحديث ولم يكتبوه ولم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ الا اقطاعه واما الزكوة في المعادن فليست مروية عن النبي ﷺ واخرج الحاكم في المستدرك عن الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه عن النبي ﷺ وذكر ابن الجوزي رواية الدراوردي ان رسول الله ﷺ أخذ منه زكوة المعادن القبلية واحتج ابو حنيفة بقوله ﷺ وفي الركاز الخمس أخرجه اصحاب الكتب الستة من حديث ابى هريرة وجه الاستدلال ان الركاز يعم المعدن والكنز قال في القاموس الركاز ما ركزه الله تعالى فى المعادن اى أحدثه ودفين الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن- وفي النهاية الركاز عند اهل الحجاز كنوز الجاهلية وعند اهل العراق المعادن والقولان يحتملهما اللغة- قلت وحينئذ فاذا اطلق لفظ الركاز وحلى بلام الاستغراق وجب الحكم على جميع افرادها ووجب القول بوجوب الخمس فى المعادن وليس هذا من قبيل الاشتراك كما زعمه البخاري بل هو من قبيل المواطاة لاشتراك معنى الارتكاز فيهما-
ويؤيد مذهب ابى حنيفة ما رواه البيهقي من حديث ابى هريرة مرفوعا قال في الركان الخمس قيل يا رسول الله ما الركاز قال الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض لكن الحديث ضعيف- والجواب عن حجة الشافعي ان يقال المراد بالزكاة فيما قال الراوي أخذ رسول الله ﷺ الزكوة من المعدن القبلية هو الخمس مجازا الا ترى ان الكنز مع ان الواجب فيه الخمس اجماعا يصرف عند الشافعي مصرف الزكوة ويطلق عليه لفظ الزكوة- قال في المنهاج فقه الشافعي انما يملك الكنز الواجد ويلزمه الزكوة والله اعلم وعلى تقدير التعارض حديث في الركان الخمس أصح وأقوى والله اعلم- وَلا تَيَمَّمُوا اى لا تقصدوا- كان في الأصل تا ان أسقطت إحداهما فقرا ابن كثير برواية البترى بتشديد التاء في الوصل في احدى وثلاثين موضعا في القران برد الساقطة أحدها
стр. 385
هذه وفي ال عمران وَلا تَفَرَّقُوا وفي النساء إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ وفي المائدة وَلا تَعاوَنُوا وفي الانعام فَتَفَرَّقَ بِكُمْ وفي الأعراف فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ وكذا في طه وكذا في الشعراء وفي الأنفال وَلا تَوَلَّوْا ولا تَنازَعُوا وفي التوبة قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ- وفي هود وَإِنْ تَوَلَّوْا ... فَإِنْ تَوَلَّوْا ولا تَكَلَّمُ نَفْسٌ وفي الحجر ما نُنَزِّلُ وفي النور إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما وفي الشعراء عَلى مَنْ تَنَزَّلُ- الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ وفي الأحزاب وَلا تَبَرَّجْنَ- ولا أَنْ تَبَدَّلَ وفي الصّافات لا تَناصَرُونَ وفي الحجرات وَلا تَنابَزُوا- ولا تَجَسَّسُوا- ولِتَعارَفُوا- وفي الممتحنة أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وفي الملك تَكادُ تَمَيَّزُ وفي ن والقلم لَما تَخَيَّرُونَ وفي عبس عَنْهُ تَلَهَّى وفي والليل ناراً تَلَظَّى وفي القدر تَنَزَّلُ- وزاد بعضهم عن البزي موضعين أحد هما في آل عمران وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ وفي الواقعة فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ فان ابتدا بهذه التاءات خففن لا غير- وان كان قبلهن حرف مد كما في هذه الاية زيد في تمكينه والباقون بتخفيف في التاءات كلهن في الحالين الْخَبِيثَ مِنْهُ يعنى الردى تُنْفِقُونَ حال مقدرة من فاعل تيمّموا ويجوز ان يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالا منه- روى الحاكم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن البراء قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصار كنا اصحب نخل فكان الرجل يأتى في نخله على قدر كثرته وقلته وكان من لا يرغب في الخير يأتى بالقنو فيه الشيص «١» والحشف «٢» والقنو قد انكسر فتعلفه فنزلت- وروى ابو داود والنسائي والحاكم عن سهيل بن حنيف قال كان الناس يتممون ش؟؟ مارهم يخوجونها في الصدقة فنزلت- وروى الحاكم عن جابر قال امر النبي ﷺ بزكوة الفطر بصاع من نمر فجاء بتمر روى فانزل الله تعالى هذه الاية- وروى ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان اصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فانزل الله تعالى هذه الاية وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ اى وحالكم انكم لا تأخذون الخبيث الردى في حقوقكم لرداءته إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ الإغماض غضّ البصر المراد هاهنا المسامحة مجازا- يعنى لو كان لاحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه الا وهو يرى انه قد ترك حقه- قال الحسن وقتادة لو وجدتموه يباع فى السوق ما أخذتموه بسعر الجيد- وروى عن البراء انه قال لو كان اهدى ذلك لكم ما أخذتموه
стр. 386
الا استحياء من صاحبه وغيظا فكيف ترضون لله ما لا ترضون لانفسكم- هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الردى- وان كان كل ماله رديا فلا بأس بإعطاء الردى ولو كان بعضه جيدا وبعضه رديا فليعط من كل جنس بحصته وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن صدقاتكم انما يعود منفعتها إليكم حَمِيدٌ (٢٦٧) محمود في أفعاله.
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ والوعد يستعمل في الخير والشر لكن إذا لم يكن هناك قرينة يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته- والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد أصله من كسر الفقار- يعنى الشيطان يخوفكم بالفقر إذا تصدقتم وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى المعصية وهى منع الزكوة او ما يعم ذلك قال الكلبي كل فحشاء في القران فهو الزنى الا هذا وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ فى الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا خلفا أفضل مما أنفقتم في الدارين او في الاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل لمن أنفق عَلِيمٌ (٢٦٨) عن ابى هريرة مرفوعا ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ومن هم قال هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم- متفق عليه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل- رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله ﷺ السخا شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار ... رواه البيهقي وعن عليّ مرفوعا بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها- رواه رزين.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى العلم النافع على ما هو في نفس الأمر الموصل الى رضاء الله تعالى
стр. 387
والعمل به وذلك لا يتصور الا بالوحى فهو للانبياء أصالة ولغيرهم وراثة- اخرج ابن مردوية من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا قال الحكمة القران قال ابن عباس يعنى تفسيره فانه قد قراه البر والفاجر مَنْ يَشاءُ مفعول أول اخّر للاهتمام بالمفعول الثاني ولذلك بنى الفعل للمفعول لانه هو المقصود في قوله تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فى قراءة الجمهور وقرا يعقوب بالكسر اى من يؤتيه الله الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً التنكير للتعظيم اى خيرا كثيرا يجمع خير الدارين- عن معاوية قال قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وانما انا قاسم والله يعطى- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة صدقة جارية- او علم ينتفع به- او ولد صالح يدعوله- رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من دل على خير فله اجر مثل اجر فاعله- رواه مسلم وعن ابى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي- وعن ابى امامة الباهلي قال ذكر رسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والاخر عالم فقال رسول الله ﷺ فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم- ثم قال رسول الله ﷺ ان الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت في الماء ليصلّون على معلم النّاس الخير- رواه الترمذي وَما يَذَّكَّرُ اى يتعظ بما قص الله عليه من الآيات في الانفاق وغيره ويتفكر فيما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالفعل او بالقوة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) اى ذووا العقول السليمة عن معارضة الوهم وخطرات الشيطان- قلت وذلك بعد الفناء الأتم للنفس-.
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة او كثيرة في سر او علانية في حق او باطل أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ اى ما أوجبتم لله تعالى على أنفسكم من الطاعات بشرط او غير شرط فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه- الضمير عائد الى ما وَما لِلظَّالِمِينَ الذين
стр. 388
لا ينفقون في سبيل الله ولا يوفون بالنذور أو ينفقون رياء او في معصية مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) ينصرونهم ويدفعون عذاب الله عنهم.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ اى تظهروها «١» لا على قصد الرياء فَنِعِمَّا هِيَ اى فنعم شيئا ابداؤها- قرا ابن كثير وورش وحفص هنا وفي النساء بكسر النون والعين- وقالون وابو بكر وابو عمرو بكسر النون وإخفاء حركة العين ويجوز إسكانها والباقون بفتح النون وكسر العين وكلها لغات صحيحة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل من الصدقة العلانية عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ صدقة السّر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر- رواه الطبراني بسند حسن- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل- وشاب نشأ في عبادة الله- ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه- ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا- ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه- ورجل دعته امراة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله تعالى- ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه- متفق عليه وعن ابن مسعود يرفعه قال ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله- ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها (أراه قال) من شماله ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو- رواه الترمذي- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم «٢» الله فاما الذين يحبهم الله فرجل اتى قوما فسالهم بالله لم يسئلهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعيانهم فاعطاه سرا لا يعلم عطيته الا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤسهم فقام يتملقنى ويتلوا آياتي ورجل كان في سرية فلقى العدو فهزموا فاقبل بصدر حتى يقتل او يفتح له- والثلاثة الذي يبغضهم الشيخ الزاني والفقير المختال والغنى الظلوم- رواه الترمذي والنسائي وَيُكَفِّرُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالنون على صيغة المتكلم المعلوم والرفع وقرا حفص وابن عامر بالياء على صيغة الغائب والرفع على انه جملة فعلية مبتدئة او اسمية معطوفة
стр. 389
على ما بعد الفاء اى ونحن نكفر او الله يكفر او يكفر الله- وقرا نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم على انه معطوف على محل الفاء لان موضعها موضع الجزم بالجزاء عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قيل من زائدة وقيل هو للتبعيض اى يكفر الصغائر من الذنوب قال رسول الله ﷺ صدقة السر تطفى الذنب- رواه الطبراني في الصغير من حديث ابى سعيد وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ترغيب في الاسرار روى النسائي والطبراني والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال كانوا يكرهون ان يرضحوا لانسابهم من المشركين فسالوا فرخص لهم فنزلت ليس عليك هدهم- وكذا روى ابن ابى شيبة عن محمد بن حنفية مرسلا واخرج ابن ابى حاتم عنه ان النبي ﷺ كان يأمر ان لا يتصدق الا على اهل الإسلام فنزلت-.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فامر بالصدقة على كل انسان من كل دين- وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير وروى ابن ابى شيبة مرسلا عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله ﷺ لا تصدقوا الأعلى اهل دينكم فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الاية فقال ﵊ تصدقوا على اهل الأديان كلها- يعنى لا يجب عليك ان تجعل الناس مهديين حيث تمنعهم من الصدقة ليدخلوا في الإسلام لحاجة منهم إليهم- وذكر البغوي قول الكلبي في سبب نزوله ان ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة واصهار في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل ان يسلموا فلما اسلموا كرهوا ان ينفقوهم وارادوهم على ان يسلموا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي اى يجعل مهديا مَنْ يَشاءُ فان الهداية من الله تعالى وبمشيته وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة او المراد بالخير المال فَلِأَنْفُسِكُمْ يعنى يعود نفعها الى أنفسكم فلا تمنوا به على الفقير ولا تنفقوا الخبيث وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ الواو للحال من فاعل تنفقوا يعنى ما تنفقوا من خير غير منفقين الا ابتغاء وجه الله فهو لا نفسكم- او هو عطف على ما قبله يعنى ليس نفقتكم ايها المؤمنون الا ابتغاء وجه الله فما لكم تمتون بها على الفقير او تنفقون الخبيث فهو اخبار عن حال للمؤمنين يقتضى ذلك الحال ترك المن ونحو ذلك او هو نفى لفظا ونهى معنى يعنى لا تنفقوا الا ابتغاء وجه الله- وهذا يقتضى تحريم الانفاق إذا لم يكن فيه ابتغاء وجه الله فانه
стр. 390
اضافة المال وذلك حرام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يوفر لكم ثواب أضعافا مضاعفة ولما كان فيه معنى الأداء عدى بالى- او المعنى ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ خلفه استجابة لقول الملك اللهم أعط منفقا خلفا كما مر- ذكر بين الجمل الثلاث حرف العطف مع ان الظاهر ان هذه الشرطية تأكيد للشرطية السابقة فينبغى ان لا يعطف- لانه ليس المقصود به التأكيد فقط بل أريد به إيراد دليل بعد دليل على قبح المن والأذى فان الجملة الاولى تدل على ان المنة على الغير بما فيه منفعة لكم قبيح- والثانية على ان المنة على الفقير بالذي يبتغون به وجه الله طلب عوض من غير من هو له والثالثة بانه منة على الغير بما تأخذون العوض منه أضعافا مضاعفا ولا مفة فيما يؤخذ منه العوض مرة كالبيع وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) اى لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا- وهذا في صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها- واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين- واختلفوا في صدقة الفطر والكفارات والنذور فقال ابو حنيفة يجوز دفعها الى الذمي لعموم قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وانما لم يجز دفع الزكوة اليه لحديث بعث معاذ الى اليمن وفيه قد فرض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم- متفق عليه من حديث ابن عباس قال صاحب الهداية هو حديث مشهور جازبه الزيادة على اطلاق الكتاب وقال ابن همام الاية عام خص منه الحربي بالإجماع مستندين الى قوله تعالى إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ- الاية فجاز تخصيصه بعد بخبر الواحد.
لِلْفُقَراءِ الظرف اما لغو متعلق بقوله ما تُنْفِقُوا يعنى ما تنفقوا من خير للفقراء فهو لانفسكم يؤف إليكم او هو متعلق بفعل محذوف دل عليه ما سبق يعنى اعمدوا للفقراء او اجعلوا ما تنفقونه للفقراء- او هو ظرف مستقر خبر مبتدأ مقدر قبله يعنى صدقاتكم للفقراء او مقدر بعده يعنى للفقراء الذين أحصروا حق عليكم الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى تحصيل العلوم الظاهرة والباطنة والجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالعلم والجهاد ضَرْباً ذهابا فِي الْأَرْضِ للكسب والتجارة يَحْسَبُهُمُ قرا ابو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في المضارع على وزن يسمع وقرا الآخرون