الا استحياء من صاحبه وغيظا فكيف ترضون لله ما لا ترضون لانفسكم- هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الردى- وان كان كل ماله رديا فلا بأس بإعطاء الردى ولو كان بعضه جيدا وبعضه رديا فليعط من كل جنس بحصته وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن صدقاتكم انما يعود منفعتها إليكم حَمِيدٌ (٢٦٧) محمود في أفعاله.
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ والوعد يستعمل في الخير والشر لكن إذا لم يكن هناك قرينة يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته- والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد أصله من كسر الفقار- يعنى الشيطان يخوفكم بالفقر إذا تصدقتم وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى المعصية وهى منع الزكوة او ما يعم ذلك قال الكلبي كل فحشاء في القران فهو الزنى الا هذا وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ فى الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا خلفا أفضل مما أنفقتم في الدارين او في الاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل لمن أنفق عَلِيمٌ (٢٦٨) عن ابى هريرة مرفوعا ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ومن هم قال هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم- متفق عليه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل- رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله ﷺ السخا شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار ... رواه البيهقي وعن عليّ مرفوعا بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها- رواه رزين.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى العلم النافع على ما هو في نفس الأمر الموصل الى رضاء الله تعالى
стр. 387
والعمل به وذلك لا يتصور الا بالوحى فهو للانبياء أصالة ولغيرهم وراثة- اخرج ابن مردوية من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا قال الحكمة القران قال ابن عباس يعنى تفسيره فانه قد قراه البر والفاجر مَنْ يَشاءُ مفعول أول اخّر للاهتمام بالمفعول الثاني ولذلك بنى الفعل للمفعول لانه هو المقصود في قوله تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فى قراءة الجمهور وقرا يعقوب بالكسر اى من يؤتيه الله الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً التنكير للتعظيم اى خيرا كثيرا يجمع خير الدارين- عن معاوية قال قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وانما انا قاسم والله يعطى- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة صدقة جارية- او علم ينتفع به- او ولد صالح يدعوله- رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من دل على خير فله اجر مثل اجر فاعله- رواه مسلم وعن ابى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي- وعن ابى امامة الباهلي قال ذكر رسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والاخر عالم فقال رسول الله ﷺ فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم- ثم قال رسول الله ﷺ ان الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت في الماء ليصلّون على معلم النّاس الخير- رواه الترمذي وَما يَذَّكَّرُ اى يتعظ بما قص الله عليه من الآيات في الانفاق وغيره ويتفكر فيما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالفعل او بالقوة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) اى ذووا العقول السليمة عن معارضة الوهم وخطرات الشيطان- قلت وذلك بعد الفناء الأتم للنفس-.
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة او كثيرة في سر او علانية في حق او باطل أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ اى ما أوجبتم لله تعالى على أنفسكم من الطاعات بشرط او غير شرط فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه- الضمير عائد الى ما وَما لِلظَّالِمِينَ الذين
стр. 388
لا ينفقون في سبيل الله ولا يوفون بالنذور أو ينفقون رياء او في معصية مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) ينصرونهم ويدفعون عذاب الله عنهم.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ اى تظهروها «١» لا على قصد الرياء فَنِعِمَّا هِيَ اى فنعم شيئا ابداؤها- قرا ابن كثير وورش وحفص هنا وفي النساء بكسر النون والعين- وقالون وابو بكر وابو عمرو بكسر النون وإخفاء حركة العين ويجوز إسكانها والباقون بفتح النون وكسر العين وكلها لغات صحيحة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل من الصدقة العلانية عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ صدقة السّر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر- رواه الطبراني بسند حسن- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل- وشاب نشأ في عبادة الله- ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه- ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا- ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه- ورجل دعته امراة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله تعالى- ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه- متفق عليه وعن ابن مسعود يرفعه قال ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله- ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها (أراه قال) من شماله ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو- رواه الترمذي- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم «٢» الله فاما الذين يحبهم الله فرجل اتى قوما فسالهم بالله لم يسئلهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعيانهم فاعطاه سرا لا يعلم عطيته الا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤسهم فقام يتملقنى ويتلوا آياتي ورجل كان في سرية فلقى العدو فهزموا فاقبل بصدر حتى يقتل او يفتح له- والثلاثة الذي يبغضهم الشيخ الزاني والفقير المختال والغنى الظلوم- رواه الترمذي والنسائي وَيُكَفِّرُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالنون على صيغة المتكلم المعلوم والرفع وقرا حفص وابن عامر بالياء على صيغة الغائب والرفع على انه جملة فعلية مبتدئة او اسمية معطوفة
стр. 389
على ما بعد الفاء اى ونحن نكفر او الله يكفر او يكفر الله- وقرا نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم على انه معطوف على محل الفاء لان موضعها موضع الجزم بالجزاء عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قيل من زائدة وقيل هو للتبعيض اى يكفر الصغائر من الذنوب قال رسول الله ﷺ صدقة السر تطفى الذنب- رواه الطبراني في الصغير من حديث ابى سعيد وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ترغيب في الاسرار روى النسائي والطبراني والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال كانوا يكرهون ان يرضحوا لانسابهم من المشركين فسالوا فرخص لهم فنزلت ليس عليك هدهم- وكذا روى ابن ابى شيبة عن محمد بن حنفية مرسلا واخرج ابن ابى حاتم عنه ان النبي ﷺ كان يأمر ان لا يتصدق الا على اهل الإسلام فنزلت-.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فامر بالصدقة على كل انسان من كل دين- وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير وروى ابن ابى شيبة مرسلا عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله ﷺ لا تصدقوا الأعلى اهل دينكم فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الاية فقال ﵊ تصدقوا على اهل الأديان كلها- يعنى لا يجب عليك ان تجعل الناس مهديين حيث تمنعهم من الصدقة ليدخلوا في الإسلام لحاجة منهم إليهم- وذكر البغوي قول الكلبي في سبب نزوله ان ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة واصهار في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل ان يسلموا فلما اسلموا كرهوا ان ينفقوهم وارادوهم على ان يسلموا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي اى يجعل مهديا مَنْ يَشاءُ فان الهداية من الله تعالى وبمشيته وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة او المراد بالخير المال فَلِأَنْفُسِكُمْ يعنى يعود نفعها الى أنفسكم فلا تمنوا به على الفقير ولا تنفقوا الخبيث وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ الواو للحال من فاعل تنفقوا يعنى ما تنفقوا من خير غير منفقين الا ابتغاء وجه الله فهو لا نفسكم- او هو عطف على ما قبله يعنى ليس نفقتكم ايها المؤمنون الا ابتغاء وجه الله فما لكم تمتون بها على الفقير او تنفقون الخبيث فهو اخبار عن حال للمؤمنين يقتضى ذلك الحال ترك المن ونحو ذلك او هو نفى لفظا ونهى معنى يعنى لا تنفقوا الا ابتغاء وجه الله- وهذا يقتضى تحريم الانفاق إذا لم يكن فيه ابتغاء وجه الله فانه
стр. 390
اضافة المال وذلك حرام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يوفر لكم ثواب أضعافا مضاعفة ولما كان فيه معنى الأداء عدى بالى- او المعنى ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ خلفه استجابة لقول الملك اللهم أعط منفقا خلفا كما مر- ذكر بين الجمل الثلاث حرف العطف مع ان الظاهر ان هذه الشرطية تأكيد للشرطية السابقة فينبغى ان لا يعطف- لانه ليس المقصود به التأكيد فقط بل أريد به إيراد دليل بعد دليل على قبح المن والأذى فان الجملة الاولى تدل على ان المنة على الغير بما فيه منفعة لكم قبيح- والثانية على ان المنة على الفقير بالذي يبتغون به وجه الله طلب عوض من غير من هو له والثالثة بانه منة على الغير بما تأخذون العوض منه أضعافا مضاعفا ولا مفة فيما يؤخذ منه العوض مرة كالبيع وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) اى لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا- وهذا في صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها- واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين- واختلفوا في صدقة الفطر والكفارات والنذور فقال ابو حنيفة يجوز دفعها الى الذمي لعموم قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وانما لم يجز دفع الزكوة اليه لحديث بعث معاذ الى اليمن وفيه قد فرض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم- متفق عليه من حديث ابن عباس قال صاحب الهداية هو حديث مشهور جازبه الزيادة على اطلاق الكتاب وقال ابن همام الاية عام خص منه الحربي بالإجماع مستندين الى قوله تعالى إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ- الاية فجاز تخصيصه بعد بخبر الواحد.
لِلْفُقَراءِ الظرف اما لغو متعلق بقوله ما تُنْفِقُوا يعنى ما تنفقوا من خير للفقراء فهو لانفسكم يؤف إليكم او هو متعلق بفعل محذوف دل عليه ما سبق يعنى اعمدوا للفقراء او اجعلوا ما تنفقونه للفقراء- او هو ظرف مستقر خبر مبتدأ مقدر قبله يعنى صدقاتكم للفقراء او مقدر بعده يعنى للفقراء الذين أحصروا حق عليكم الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى تحصيل العلوم الظاهرة والباطنة والجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالعلم والجهاد ضَرْباً ذهابا فِي الْأَرْضِ للكسب والتجارة يَحْسَبُهُمُ قرا ابو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في المضارع على وزن يسمع وقرا الآخرون
стр. 391
بالكسر وهو شاذ في غير المثال الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ اى من أجل تعففهم من السؤال- والتعفف تفعل من العفة وهو ترك السؤال تكلفا لقناعتهم تَعْرِفُهُمْ يعنى تعرف ايها النبي حاجتهم وفقرهم بِسِيماهُمْ لا بقولهم والسيماء العلامة التي يعرف بها الشيء- يعنى بصفرة ألوانهم من الجوع والضرّ ورثاثة ثيابهم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً إلحاحا وهو ان يلازم المسئول منه حتى يعطيه- والمعنى انهم لا يسئلون غالبا ولاجل هذا يحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء وتعرف حاجتهم بسيماهم وان سالوا عن ضرورة أحيانا لم يلحفوا وقيل هو نفى لمطلق السؤال يعنى لا يسئلون أصلا «١» فيقع فيه الالحاف- منصوب على المصدر فانه كنوع من السؤال- او على الحال اى ملحفين- اخرج ابن المنذر عن ابن عباس هم اهل الصّفة كانوا نحوا من اربعمائة رجل من فقراء المهاجرين لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا امسى- عن عطاء بن يسهار عن رجل من بنى اسد قال قال رسول الله ﷺ من سال منكم وله وقية او عدلها فقد سال إلحافا- رواه مالك وابو داود والنسائي وعن الزبير بن العوام قال قال رسول الله ﷺ لان يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من ان يسئل الناس أعطوه او منعوه- رواه البخاري- وعن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى- متفق عليه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من سال الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسئلته في وجهه خموش «٢» او خدوش او كدوح- قيل يا رسول الله وما يغنيه قال خمسون درهما او قيمتها من الذهب- رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وعن سهل بن حنظلة قال قال رسول الله ﷺ من سال وعنده
стр. 392
ما يغنيه فانما يستكثر من النار «١» - قال النفيلى وهو أحد رواته وما الغنى الذي لا ينبغى معه المسألة قال قدر ما يغديه ويغشيه وقال في موضع اخر ان يكون له شبع يوم او ليلة ويوم- رواه ابو داود قلت والجمع بين هذه الأحاديث الواردة في نصاب حرمة السؤال الحمل على اختلاف احوال الرجال فمن كان عنده شبع يوم وليلة وكان يرجو تيسر شبع الغد في الغد لا يحل له المسألة ومن كان لا يرجو ذلك يجوز له السؤال حتى يحصل عنده ما يكفى لمدة يتيسر له ما يحتاج اليه غالبا ومن كان له شبع ولا يكون عنده ما يستر به عورته او ما يسد به خلته يجوز له سوال ما يحتاج اليه وأربعون درهما نصاب لحرمة السؤال مطلقا والله اعلم وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) وعليه مجاز ترغيب في الانفاق خصوصا على مثل هؤلاء.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعنى في جميع الأوقات والأحوال كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا في قضائها ولم يؤخروه ولم يعللوا بوقت ولا حال- اخرج ابن المنذر عن ابن المسيب انها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة- واخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال نزلت في على بن ابى طالب كانت معه اربعة دراهم فانفق باليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما- وذكر البغوي عن الضحاك عن ابن عباس قال لما نزلت لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا الاية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة الى اصحاب الصفة وبعث على بن ابى طالب في جوف الليل بوسق من تمر فانزل الله تعالى فيهما عنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن وبالليل سرا صدقة على- وذكر البغوي انه قال ابو امامة وابو الدرداء ومكحول والأوزاعي انها نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فانها تعتلف ليلا ونهارا سرا وعلانية وكذا اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ويزيد وأبوه مجهولان- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله
стр. 393
صلى الله عليه وسلم من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة- رواه البخاري فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر لقوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ وحينئذ الفاء للسببية وقيل قوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ الى آخره مبتدأ خبره محذوف اى منهم الّذين ينفقون وحينئذ الفاء لعطف الجملة على الجملة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) .
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة وزيدت الالف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ من قبورهم كذا اخرج عبد الرزاق في تفسيره عن عبد الله بن سلام إِلَّا كَما يَقُومُ اى قياما كقيام الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ يعنى الجن والخبط الضرب الشديد والإفساد- فى القاموس خبط الشيطان فلانا مسّه بأذى كتخبطه او يتخبطه يفسده مِنَ الْمَسِّ اى الجنون او اللمس متعلق بيقوم او بيتخبط اى لا يقومون الا كما يقوم من الجنون الذي مسّه الشيطان بأذى وأفسد عقله او الا كقيام الذي يفسده الشيطان من اللمس يعنى عرضه الجنون وفساد العقل بمس الشيطان وخبطه والمرض والصرع والجنون قد يحصل بمس الشيطان فلا يحتاج ذلك الى ما قيل انه وارد على ما يزعمون ان الشيطان يخبط الإنسان فان حدوث المرض بمس الشيطان ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى في قصة أيوب ﵇ ربّ انّى مسّنى الشّيطن بنصب وعذاب وقال رسول الله ﷺ في المستحاضة ركضة من ركضات الشيطان وقيام أكلة الربوا هكذا لاجل ان الله تعالى يربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربوا فيكون بطونهم كالبيوت فيها حيات فاثقلهم- عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قصة الاسراء قال فانطلق بي جبرئيل الى رجال كثيرة كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على ساهلة ال فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فاذا أحس بهم اصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون ان يبرحوا حتى يغشاهم الى فرعون فيترددونهم مقبلين ومدبرين فذالك عذابهم في البرزخ
стр. 394
بين الدنيا والاخرة قال وال فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة ابدا قال ويوم القيامة يقول ادخلوا ال فرعون أشدّ العذاب- قلت يا جبرئيل من هؤلاء قال هؤلاء الّذين يأكلون الرّبوا لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن من المسّ- رواه البغوي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ أتيت ليلة اسرى بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء أكلة الربوا- رواه احمد وابن ماجة- واخرج ابو يعلى عن ابن عباس في هذه الاية قال يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام الا كما يقوم المتخبط المخفق- واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عنه قال أكل الربوا يبعث يوم القيامة مجنونا يخفق- والطبراني عن عوف بن مالك عنه ﷺ نحوه- بلفظ مجنونا يتخبط- ويحتمل ان يقال في تأويل الاية انهم لا يقومون من مجلس يأكلون فيه مال الربوا الا كما يقوم المجنون بمعنى ان أكل الربوا يسود به قلبه بمجرد الاكل فلا يميز بعد ذلك بين الحق والباطل والحلال والحرام كما لا يميز المجنون بين الخير والشر فان لقمة الحرام يصير جزء من بدنه فيتغير به حقيقته بخلاف غير ذلك من المعاصي فانها كالاعراض الزائدة على الحقيقة ومن ثم لعن رسول الله ﷺ أكل الربوا وجعله أشد من الزنى عن جابر وابن مسعود عند مسلم- وعن ابى جحيفة عند البخاري قال- لعن رسول الله ﷺ أكل الربوا ومؤكله- وزاد ابو داود والترمذي عن ابن مسعود ومسلم عن جابر- وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء- وعن عليّ نحوه رواه النسائي وفيه مانع الصدقة مكان شاهديه- وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال قال رسول الله ﷺ درهم ربوا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية- رواه احمد والدارقطني وعن انس نحوه رواه ابن ابى الدنيا- وعن ابن عباس نحوه وزاد من نبت لحمه بالسحت فالنار اولى به- رواه البيهقي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الربوا سبعون حوبا أيسرها ان ينكح الرجل امه- رواه ابن ماجة والبيهقي والحوب الإثم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا اى ذلك العقاب بسبب كفرهم واستحلالهم الحرام وهذا يدل على ان هذا العقاب مخصوص بالكفار دون من ارتكبه من المؤمنين معترفا بتقصيره- او يكون ذلك اشارة الى تأبيد
стр. 395
هذا العذاب المستفاد من قوله تعالى لا يَقُومُونَ إِلَّا كذلك
فانه نفى داخل على مصدر منكر في زمان منكر من الازمنة المستقبلة والنكرة في حيز النفي تفيد العموم- فمعناه ان تأبيد هذا العذاب مخصوص بالكفار واما من ارتكبه من المؤمنين فقد يلحقه ذلك العذاب الى ان يتداركه شفاعة من نبيه او رحمة من ربه وكلمة لا الله الا الله محمد رسول الله- ﷺ وكان الأصل- انما الربوا مثل البيع لكن عكس للمبالغة في نفى تحريم الربوا كانهم جعلوا أصلا في الحل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ قال فخر الإسلام البيع لغة مبادلة المال بالمال وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي- والصحيح ان التراضي مأخوذ في المعنى اللغوي ايضا فانه ما لا يكون بالتراضي يطلق عليه في اللغة اسم الغصب دون البيع- والمبادلة بالاختيار والتراضي لا بد فيه من التميز ومن ثم انعقد الإجماع على انه لا يصح بيع المجنون والصبى الذي لا يعقل- واختلفوا في بيع الصبى العاقل فقال مالك والشافعي لا يصح لقصور عقله- وقال ابو حنيفة واحمد يصح لكن يشترط انضمام رأى الولي لدفع ضرر عنه متوقع من قصور عقله وهذا الاشتراط ثابت بالشرع قال الله تعالى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وقال الله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ- وذلك المبادلة إنشاء امر يحصل بالإيجاب والقبول بلفظي ماض نحو بعت واشتريت فان الشرع وضع تلك الألفاظ لذلك الإنشاء- ويقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وهو رواية عن الشافعي واحمد- وقال الكرخي انما ينعقد بالتعاطى في الخسيس دون النفيس وبه قال احمد والراجح من مذهب الشافعي انه لا ينعقد بالتعاطى- قلنا التعاطي يدل على التراضي كالقول وهو المقصود قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ- ويشترط في المباشر من ولاية شرعية كائنة من ملك او وكالة او وصية او قرابة او غير ذلك (مسئلة) واختلفوا في بيع الفضولي فقال ابو حنيفة ومالك الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة فيصح بيعه ويتوقف على اجازة المالك- وكذلك شراء الفضولي عندهما يتوقف على اجازة المشترى له إذا أضاف الفضولي العقد الى المشترى له بان قال بع عبدك لزيد فقال بعت فقال الفضولي اشتريت لزيد- واما إذا لم يضف ينفذ على العاقد وبه قال الشافعي
стр. 396
فى القديم والراجح من مذهب الشافعي انه لا يصح- وعن احمد كالروايتين- احتج الشافعي بقوله ﷺ لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك وما رواه ابن الجوزي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ لا يحل بيع ما ليس عندك ولا ربح ما لم يضمن- قلنا المراد به البيع الذي تجرى فيه المطالبة من الجانبين وهو النافذ فالمنهى عنه بيع شيء معدوم عنده وقت البيع ثم يشتريه فيسلمه المشترى- يفيد هذا المراد سياق قصة حديث حكيم حيث قال حكيم يا رسول الله ان الرجل يأتينى فيطلب منى سعة ليست عندى فابيعها منه ثم ادخل السوق فاشتريها فاسلمها قال ﵇ لا تبع ما ليس عندك- رواه احمد واصحاب السنن وابن حبان فى صحيحه من حديث يوسف بن ماهك عن حكيم ووقع التصريح عن يوسف انه حدثه حكيم وادخل فى بعض الطرق عبد الله بن عصمة بين يوسف وحكيم وزعم عبد الحق ان عبد الله ضعيف جدا ونقل عن ابن حزم انه مجهول- قال ابن حجر هذا جرح مردود وقد روى عنه الثلاثة واحتج به النسائي- وقال الترمذي حسن صحيح ولنا حديث عروة البارقي ان النبي ﷺ دفع دينار اليه ليشترى به شاة فاشترى شاتين وباع أحدهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان لو اشترى ترابا ربح فيه- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني وفي اسناده سعيد بن زيد ضعفه القطان والدارقطني ووثقه ابن معين- واخرج عنه مسلم في صحيحه وفيه ابو لبيد لمازة بن زياد قيل انه مجهول لكن وثقه ابن سعد واثنى عليه احمد وقال المنذرى والنووي اسناده حسن صحيح ورواه الشافعي والكرخي بسند اخر عن ابن عيينة عن شبيب بن عرفدة سمعه من قومه عن عروة البارقي- وقال الشافعي ان صح قلت
به قال البيهقي انما ضعفه الشافعي لان قومه غير معروف فهو مرسل كذا قال الخطابي- وروى الكرخي بسند اخر عن شبيب بن عرفدة أخبرنا الحسن عن عروة البارقي فذهب الإرسال واتصل وايضا المرسل عندنا حجة وقد اعتضد بمسند ذكرنا قبله عن ابى لبيد عن عروة- وروى الترمذي من طريق حبيب بن ابى ثابت عن حكيم ابن حزام ان النبي ﷺ دفع اليه دينارا ليشتري أضحية فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار فجاء بالشاة والدينار الى النبي ﷺ فاخبره بذلك فقال النبي ﷺ بارك الله في صفقتك فاما الشاة فضحى بها واما الدينار
стр. 397
فتصدق- قال الترمذي لا يعرف هذا الحديث الا من هذا الوجه وحبيب لم يسمع عندى من حكيم وروى ابو داود من طريق شيخ من اهل المدينة عن حكيم قال البيهقي ضعيف من أجل هذا الشيخ والله اعلم وإذا ظهر لك ان البيع هو مبادلة مال بمال والمال ينقسم الى قسمين ما هو مقصود بذاته فيقصد به صورته وماليته وهو العين- وما هو غير مقصود بذاته بل هو وسيلة لتحصيل غيره خلقه وهو النقدين- فالبيع ينقسم الى اربعة اقسام بيع العين بالنقد وهو البيع المطلق حيث ينصرف الذهن عند الإطلاق اليه فالعين هو المبيع والنقد هو الثمن ويشترط فيه وجود المبيع وتعيينه عند العقد اجماعا لانه هو المقصود بذاته ويقصد صورته وماليته ويدل على اشتراط كونه موجودا «١» حديث حكيم بن حزام وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المذكورين وحديث ابن عمر ان النبي ﷺ تهى عن بيع الكالى بالكالئ- رواه الدارقطني- ولا يشترط فيه وجود الثمن ولا تعيينه بل يثبت في الذمة لانه غير مقصود بذاته ولا يقصد صورته- وكان القياس ان يشترط وجوده لان المعدوم ليس بمال لكن الشرع أبطل هذا الشرط دفعا للحرج واعتبر وجوده في الذمة لكن يشترط ان يكون الثمن معروفة الجنس والقدر والصفة والاجل ان كان مؤجلا كيلا يفضى الى المنازعة وهى يمنع الجواز- عن عائشة رضى الله عنها قالت اشترى رسول الله ﷺ من يهودى طعاما الى أجل ورهنه درعا له من حديد- متفق عليه وعنها قالت توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير- رواه البخاري وكذا روى احمد والترمذي عن ابن عباس وقال الترمذي هذا حديث صحيح وانعقد الإجماع على اشتراط تعيين المبيع دون الثمن وكون الثمن معروفا- والقسم الثاني بيع العين بالعين ويسمى مقائضة فكل واحد من البدلين هاهنا مبيع يشترط فيه ما يشترط في المبيع اجماعا ان كان البدلان «٢» من ذوات القيم وان كان أحدهما من ذوات الأمثال والاخر من ذوات القيم تعين هذا المبيع وذلك للثمن لان الثمن لا يشترط وجوده فيكون في الذمة ولا يتصور الوجود في الذمة الا ما يحيط الذهن بقدره ووصفه- وان كانا من ذوات الأمثال فعلى قول علماء الحنفية يجب وجود أحدهما وتعيينه فيكون ذلك مبيعا وما كان
стр. 398
فى الذمة يكون ثمنا- وعلى ما ارى يجب وجودهما وتعيينهما معا لعدم ترجيح أحدهما على الاخر فى كونه مبيعا ولقوله ﵇ إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- وفي رواية عينا بعين- وعليه يحمل رواية يدا بيد- والقسم الثالث بيع النقد بالنقد ويسمى صرفا- ولما انتفى فيه المبيع ولا وجه لجعل أحدهما مبيعا والاخر ثمنا اعطى هاهنا ايضا كلا البدلين حكم المبيع ويجب وجودهما وتعيينهما في المجلس بل يجب قبضهما ايضا في المجلس لان النقدين لا يتعينان بالتعيين بل بالقبض- والقسم الرابع السلم وهو ضد البيع المطلق وهو ان يكون المبيع معدوما والثمن موجودا- وكان القياس ان لا يجوز هذا العقد لما ذكرنا لكن الشرع اباحه لدفع حاجة المساكين واعطى للثمن حكم المبيع واشترط في جانب المبيع شرائط وسنذكر هذه المسألة في تفسير اية المداينة ان شاء الله تعالى- وإذا تقرر ان البيع لا يكون الا مبادلة مال بمال ظهر ان بيع الميتة والدم والخمر والخنزير وكذا أكل ما ليس بمال او أبطل الشرع ماليته باطل لفقد ان معنى البيع- وكذا بيع ثوب ونحوه بتلك الأشياء خلافا لابى حنيفة فى بيع الثوب بالخمر والخنزير فانه قال فاسد حيث يملك المشترى عنده الثوب بالقبض ويجب عليه القيمة ولكل واحد منهما حق الفسخ دفعا للاثم وَحَرَّمَ الرِّبا الربوا في اللغة الزيادة قال الله تعالى ويربى الصّدقت والمعنى ان الله تعالى حرم الزيادة في القرض على القدر المدفوع والزيادة في البيع لاحد البدلين على الاخر- قال جمهور العلماء هذا مجمل طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في الجملة قال الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فالمحرم انما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك الا من قبل الشارع فهو مجمل وما قال رسول الله ﷺ بحرمة الربوا في الأشياء الستة التحقه بيانا عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فاذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- رواه مسلم وفي رواية لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الى اخر الستة الأسواء بسواء عينا بعين يدا بيد لكن تبيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير
стр. 399
والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم نقص أحدهما الملح او التمر او زاد أحدهما من زاد او ازداد فقد اربى- رواه الشافعي- وروى مسلم عن ابى سعيد الخدري كما روى عن عبادة وزاد في آخره فمن زاد او استزاد فقد اربى الاخذ والمعطى فيه سواء- وفي رواية عنه- لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا منها بناجز- متفق عليه- وفي رواية- لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الا وزنا بوزن- وفي الباب عن عمر في الستة وعن على في المستدرك وعن ابى هريرة في مسلم- وعن انس في الدارقطني وعن ابى بكر في الصحيحين وعن بلال في البزار وعن ابن عمر في البيهقي فقال اصحاب الظواهر وابن عقيل من الحنابلة ان حرمة الربوا مقتصرة في هذه الأشياء الستة وهو المروي عن قتادة وطاءوس وعند الجمهور حكم الحرمة معلول وصف في هذه الأشياء يتعدى منها الى غيرها فذهب قوم الى ان العلة في الجميع امر واحد وهو المالية فاثبتوا الربوا في جميع الأموال- وذهب الأكثرون الى ان الربوا نثبت في النقدين بوصف وفي الاربعة بوصف اخر- اما النقدين فقال الشافعي ومالك العلة فيهما الثمنية فلا يتعدى الحكم عنهما الى غيرهما- وقال ابو حنيفة واحمد العلة فيهما الوزن فيتعدى منهما الى الحديد والرصاص والزعفران وكل موزون واما الاربعة فقال ابو حنيفة العلة فيها الكيل مع الجنس فيثبت الربوا في كل مكيل يباع بجنسه مطعوم وغير مطعوم- وبه قال احمد وفي رواية عنه الطعم مع الجنس وقال مالك- الاقتيات مع الجنس- وقال الشافعي في القديم الطعم مع الكيل او الوزن فكل مطعوم مكيل او
موزون يثبت فيه لا فيما ليس بمكيل ولا موزون كالبيض وفي الجديد علة الربوا عنده الطعم مع الجنس فيثبت الربوا في جميع المطعومات من الثمار والفواكه والبقول والادوية- وجه قول مالك والشافعي في كون العلة هو الثمنية والطعم او الاقتيات ان اشتراط التقابض والتماثل في هذه الأموال يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة فى النكاح لاظهار خطر البضع فوجب تعليلها بعلة يوجب العزو في الطعم بل في الاقتيات ذلك لتعلق بقاء النفوس به وفي الثمنية التي بها يتوصل الى جميع المقاصد اولى ان يعتبر العز والخطر ولا اثر للجنسية والكيل والوزن في ذلك فجعلناه شرطا والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان
стр. 400
وايضا يدل على كون الطعم علة حديث معمر بن عبد الله مرفوعا الطعام بالطعام مثلا بمثل- رواه مسلم فان ترتب الحكم على المشتق يدل على علية ماخذ الاشتقاق- والجواب انه لا بد في التعليل من كون العلة مناسبا- والترتيب على المشتق ايضا انما يدل على علية المأخذ بشرط المناسبة- والمناسبة هاهنا مفقودة لان ما به بقاء النفوس يشتد به الحاجة وما يشتد به «١» الحاجة يجرى فيه من الله تعالى التوسعة كالماء والكلاء ولا يناسب به التضيق- وايضا كون الطعام اسما مشتقا ممنوع بل هو اسم لبعض الأعيان كالبر والشعير لا يعرف به المخاطبون غيره من المطعومات كالقمر مع انه غالب مأكولاتهم ووجه قول ابى حنيفة في كون العلة الكيل او الوزن ان الحكمة في تحريم الربوا صيانة اموال الناس عن التوى ولاجل ذلك الصيانة وضع الكيل والوزن وامر الله تعالى بالعدل فيهما وقال وزنوا بالقسطاس المستقيم وقال وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ وقد حرم رسول الله ﷺ الزيادة وأوجب المماثلة والزيادة والمماثلة لا يعرف الا بالكيل او الوزن فالمناسب ان يجعل ذلك علة وقد اعتبره رسول الله ﷺ حيث قال ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا وماكيل فمثل ذلك وإذا اختلف النوعان فلا بأس به- رواه الدارقطني من حديث عبادة وانس وفي حديث ابى سعيد وابى هريرة ان رسول الله ﷺ بعث سواد بن عرية وامّره على خيبر فقدم عليه بتمر جنيب يعنى طيب فقال رسول الله ﷺ أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يا رسول الله انا نشترى الصاع بالصاعين والصاعين بثلاثة اصع من الجمع فقال رسول الله ﷺ لا تفعل ولكن بع هذا بثمنه واشتر بثمنه من هذا وكذلك الميزان- يعنى ما يدخل في الميزان- رواه الدارقطني- قال العبد الضعيف عفا الله تعالى عنه والذي سخ لى ان اية الربوا ليست بمجلة فان المجمل ما لا يدرك معناه بالطلب والتأمل بل من جهة الشرع فقط وهاهنا ليس كذلك لكن فيه نوع إشكال يظهر بالتأمل وبيانه ان الربوا في اللغة الزيادة والزيادة عبارة عن فضل يعلو على المماثلة والمساوات وهى ضد الجنس والتنقيص فهذه الاية نظير قوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فالله سبحانه كما أوجب ضمان العدوان بالمثل والمساوى كذلك أوجب في المبايعة والمقارضة
стр. 401
المماثلة والمساوات والواجب في ضمان العدوان في ذوات الأمثال اعنى المكيلات والموزونات المثل صورتا ومعنى برعاية اتحاد الجنس والقدر وفي ذوات القيم حيث لا يتصور المماثلة صورة ومعنى يكتفى بالمماثلة معنى ويقال الواجب هناك القيمة عملا بقدر الإمكان والقيمة عبارة عما يعتبره اهل البصارة مثلا له في المالية وذلك يختلف باختلاف الازمنة بكثرة الراغبين وقلتهم هذا في ضمان العدوان واما في المبادلات فالمعتبر في المماثلة المماثلة بالاجزاء كيلا او وزنا ان اتحد جنس البدلين وكانا من ذوات الأمثال كما في ضمان العدوان وان اختلف جنسهما سواء كانا من ذوات الأمثال او لم يكن أحدهما او كلاهما من ذوات الأمثال فحينئذ لا يتصور المماثلة صورة ومعنى لاختلافهما في الصورة فيكتفى حينئذ على المماثلة المعنوية في القيمة لما ذكرنا في ضمان العدوان- غير انه فى ضمان العدوان لم يسبق من المالك جعل شيء مثلا لماله فاعتبر هناك تحكيم اهل البصارة وفي المبادلات لما رضى مالكا البدلين بالمبادلة فقد حكم كل واحد منهما بالمماثلة بين البدلين فحكهما على أنفسهما اولى من حكم غيرهما عليهما- فصار مجموع كل من البدلين مثلا لمجموع البدل الاخر باصطلاحهما ولم يظهر الفضل ولذا قال رسول الله ﷺ إذ اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم- وإذا تقرر هذا ثبت ان المكيلات والموزونات إذا بيع شيء منها بجنسه يحرم التفاضل بالاجزاء قطعا لقوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا ويحرم النساء ايضا لان للنقد مزية على النسية فبعد تحقق المساوات في الكيل او الوزن يبقى ذلك المزية زيادة ربوا ولا جائز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا للاجل كما إذا بيع عشرة دراهم حالا بأحد عشر نسية لان الدرهم ذات والاجل وصف لا يعقل بينهما المساوات عقلا ولم يثبت شرعا بل الشرع أبطله ونهى عنه- فبقى بيع عشرة بأحد عشر وهو ربوا وكما لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لاجل كذلك لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لوصف الجودة لان الجودة ايضا وصف لا يعقل المساوات بينه وبين الذات عقلا ولا شرعا بل ثبت عن الشرع نفيه والنهى عنه كما ذكرنا حديث ابى سعيد وابى هريرة في قصة سواد بن عرية والله اعلم- وهل يحرم التفاضل بوصف الجودة مع المساوات في الكيل او الوزن فالجمهور على انه لا يحرم ذلك بل الوصف ملغاة شرعا قال صاحب الهداية لقوله ﷺ جيدها ورديئها سواء فان صح هذا الحديث فهو حجة والا
стр. 402
فنقول الأوصاف لا يمكن ضبطها واعتبارها قال ابن همام فينسد باب البيعات قلت باب البيعات لا ينسد إذ يمكن ان يبيع الردى بالثمن ثم يشترى به الجيد كما امر رسول الله ﷺ ولكن ينسد باب القرض وقد قال الله تعالى وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعنى لستم بآخذى الردى في مقابلة الجيد ان كان لاحدكم على اخر حق من قرض او غير ذلك الا ان تغمضوا فيه فالاستثناء يدل على ان مراعاة الوصف في القرض ليس بلازم لكن يدل على ان صاحب الحق لو لم يأخذ الردى مكان الجيد كان له ذلك والله اعلم (مسئلة) وإذا بيع الرطب بالتمر او الذبيب بالعنب فالظاهر انه لا يجوز ذلك أصلا لا متساويا فى الكيل ولا متفاضلا وبه قال الجمهور وكذا الحال في الحنطة الرطبة واليابسة والمقلية- وقال ابو حنيفة يجوز بيع الرطب بالتمر وفي الذبيب والعنب عنه روايتان- لنا حديث سعد بن ابى وقاص قال سمعت النبي ﷺ يسئل عن الرطب بالتمر فقال أينقص إذا يبس قالوا نعم قال فلا اذن وفي رواية- فنهى عن ذلك- رواه مالك والشافعي واحمد واصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبزار والبيهقي كلهم من حديث زيد ابى عياش قال في الهداية ضعفه اصحاب النقل قلت لم يثبت تضعيفه عن أحد- وقال ابن الجوزي قال ابو حنيفة زيد ابو عياش مجهول فان كان لا يعرفه ابو حنيفة فقد عرفه اهل النقل انتهى وقال ابن حجر وذكر روايته الترمذي وصححها وذكره مسلم في كتاب الكنى وقال سمع من سعد وروى عن عبد الله بن يزيد وذكره ابن خزيمة في رواية العدول عن العدول وقال الدارقطني هو ثقة قلت فصح الحديث وهذا الحديث
يدل على ان الرطوبة ليست من اجزاء الاصلية الرطب والمعتبر المساوات في الاجزاء وذا لا يدرك فلا يجوز بيعه متفاضلا ولا متساويا- وقال الحنفية الرطب ان كان من جنس التمر جاز البيع لقوله ﷺ بيعوا مثلا بمثل- وان كان من غير جنسه جاز لقوله ﷺ فبيعوا كيف شئتم- قلنا انه من جنسه لكن لاجل رطوبته وتخلخل اجزائه لا يدرك المماثلة بالكيل فصار كالمجاز؟؟ فة- والعددى المتقارب كالجوز والبيض ايضا من المثليات فالظاهر ان لا يجوز بيع الجوز بالجوز وكذا البيض بالبيض إذا كانا من حيوان واحد لاحتمال التفاضل في الاجزاء الا بالوزن فان الوزن معتبر للتسوية شرعا ويحصل في هذا النوع به التسوية
стр. 403
وان لم يعهد وان كان البيض من حيوانين فحكمهما حكم مختلف الجنسين (مسئلة) وإذا بيع البر مثلا بالشعير فجميع ما قوبل من كل من البدلين صار مثلا لجميع الاخر باصطلاحهما فجاز الفضل بينهما ولم يجز النسية لان نقدية أحد البدلين زائد على المثل المصطلح فكان ربوا ولا يجوز جعلها مقابلا لبعض الاجزاء لما ذكرنا في المثلين الحقيقيين- (مسئلة) وإذا بيع البر بالحديد مثلا فقياس قولنا هذا يقتضى ان لا يجوز هناك النسية ايضا ويجوز التفاضل وبه يحكم لعموم قوله ﷺ إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالبر او نحوه او بالحديد او نحوه فحينئذ كان الحيوان مبيعا والمكيل او الموزون ثمنا ولا يشترط وجود الثمن بل يصح البيع بالثمن المؤجل اجماعا وكان القياس عدم جواز هذا البيع لكن ترك القياس بالنصوص والإجماع (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالحيوان من جنس واحد او من جنسين جاز التفاضل اجماعا وهل يجوز فيه النسية فقال ابو حنيفة لا يجوز مطلقا وقال الشافعي واحمد يجوز مطلقا وقال مالك ان كان من جنس واحد لا يجوز النسية مع التفاضل ويجوز من غير التفاضل وان كانا من جنسين يجوز مطلقا- احتج القائلون بالجواز مطلقا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله ﷺ جهر جيشا فقال عبد الله بن عمرو ليس عندى ظهر قال فامره رسول الله ﷺ ان يبتاع ظهرا الى خروج المصدق فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين الى أجل وسنذكر هذا الحديث في مسئلة السلم في اية المداينة ان شاء الله تعالى- وجه قول ابى حنيفة ان الحيوان لا يكون ثمنا في الذمة لكونه غير معلوم قدرا ووصفا ولا ينضبط بذكر الجنس والنوع والوصف ولذلك لا يجوز السلم فيه لعدم انضباطه ومن المنقول ما رواه احمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجة وابو داود عن سمرة ابن جندب ان النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية وروى الدارقطني عن ابن عباس نحوه- وروى الترمذي واحمد عن الحجاج بن ارطاة عن ابى الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ الحيوان اثنين بواحد لا يصح نساء ولا بأس به يدا بيد قال الترمذي حديث حسن واخرج الطبراني عن ابن عمر نحوه وروى ابن الجوزي حديث سمرة
стр. 404
وابن عباس وجابر ولم يذكر الطعن- وإذا تعارض هذه الأحاديث بحديث عبد الله بن عمرو في بيع البعير بالبعيرين الى أجل يترجح هذه الأحاديث بوجهين- أحدهما ان الاخذ بالمحرم اولى من المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ- ثانيهما ان هذه الأحاديث موافق للقياس دون ذلك- (مسئلة) والشروط التي لا يقتضيها العقد في البيع وفيه منفعة لاحد العاقدين فهو من باب الربوا يفسد به البيع عند ابى حنيفة والشافعي وقال ابن ابى ليلى والنخعي والحسن البيع جائز والشرط فاسد- وقال ابن شبرمة واحمد البيع والشرط جائزان وقال مالك الشرط بمنفعة يسيرة للبائع من المبيع يصح والباقي لا يصح- لنا ان قوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا يشتمله لانه زيادة فى أحد البدلين بعد التماثل بالاجزاء في متحد الجنس من المثليات وبالقيمة المصطلحة من العاقدين في غير ذلك ولا يمكن جعل الشرط مقابلا لبعض الاجزاء كالاجل والجودة- وكذا قول ابى حنيفة في كل شرط لا يقتضيه العقد وفيه نفع للمبيع وهو من اهل النفع كما إذا باع عبدا او
امة على ان يعتقه او يكاتبه او يستولدها- روى ابن حزم في المحلى والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث والخطابي من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث ابن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن ابى ليلى وابن شبرمة فسالت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا وشرط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فسالته فقال- البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيته ابن شبرمة فسالته فقال- البيع جائز والشرط جائز- فقلت سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسئلة واحدة فاتيت أبا حنيفة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ انه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أمرني النبي ﷺ ان اشترى بريرة فاعتقها البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيت ابن شبرمة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لى حملانها الى المدينة البيع جائز والشرط جائز انتهى فان قيل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل عند كثير من اهل العلم- أجيب بان هذا إذا لم يصرح بمرجع
стр. 405
الضمير من جده وقد ورد هاهنا التصريح فيما أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك- قال الترمذي حديث حسن صحيح- ويؤيده حديث حكيم بن حزام في مؤطا مالك بلاغا- وأخرجه الطبراني من حديث محمد بن سيرين عن حكيم قال نهانى رسول الله ﷺ عن اربع خصال فى البيع عن سلف وبيع وشرطين في بيع وبيع ما ليس عندك وربح ما لم يضمن- ومعنى السلف فى البيع البيع بشرط ان يقرضه دراهم وهو فرد من البيع الذي شرط فيه منفعة لاحد المتعاقدين هذا تحقيق ما احتج به ابو حنيفة من حديث عمرو بن شعيب- واما ما احتج به ابن ابى ليلى من حديث عائشة فقد رواه الشيخان في الصحيحين من حديثها انها قالت جاءت بريرة فقالت انى كاتبت على تسع أواق في كل عام وقية فاعينينى فقالت عائشة ان أحب أهلك ان أعدها لهم عدة واحدة واعتقك فعلت ويكون ولائك لى فذهبت الى أهلها فابوا الا ان الولاء لهم فقال رسول الله ﷺ خذيها فاعتقيها ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق انما الولاء لمن أعتق- وفي رواية ان عائشة أخبرت النبي ﷺ ان مواليها لا يبيعونها الا بشرط ان يكون لهم الولاء فقال لها اشترى واشترطى لهم الولاء انما الولاء لمن أعتق- متفق عليه ايضا بهذا اللفظ قال الرافعي قالوا ان هشاما تفرد بقوله اشترطى لهم الولاء ولم يتابعه سائر الروات- قال ابن حجر وقد قيل ان عبد الرحمن بن ايمن تابع هشاما على هذا فرواه عن الزهري عن عروة نحوه- واما حديث جابر فقد رواه الشيخان عنه قال غزوت ومع رسول الله ﷺ وانا على ناضح قد أعيى فلا يكاد يسير فتلا حق بي النبي ﷺ فقال ما لبعيرك قلت قد أعيى فتخلف رسول الله ﷺ فزجره فدعاله فما زال بين يدى الإبل قدامها تسير فقال لى كيف ترى بعيرك قلت بخير قد أصابته بركتك قال افتبيعنيه بوقية- فبعته على ان لى فقار ظهره الى المدينة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة
стр. 406
غدوت عليه بالبعير فاعطانى ثمنه وردده علىّ- وفي رواية قال بعنيه بوقية- قال فبعته واستثنيت حملانه الى أهلي- متفق عليه وفي رواية للبخارى قال
للبلال اقضه دينه وزده وزاد قيراطا- واحتج ابن الجوزي على جواز البيع والشرط بحديث جابر هذا- وبما روى بسنده عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق- وعن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك- فلا بد هاهنا من البحث والتأمل حتى يندفع تعارض الأحاديث ويظهر المراد فنقول قوله ﵊ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط- لا يعارض قوله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك فان كلا الحديثين يدلان على ان من الشروط ما هو باطل ومنها ما هو صحيح وعليه انعقد الإجماع حيث يجوز في البيع شرط الخيار اجماعا ويبطل شرط ان يكون الولاء للبائع اجماعا فظهر ان حديث سمرة نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط ليس على عمومه بل المراد منه بعض انواع الشرط فحينئذ لا بد ان يبحث عن الشروط ايها يبطل في نفسها ولا يفسد به البيع ويكون ذلك محملا لقصة بريرة- وايها يبطل بحيث يفسد به البيع فيكون موردا للنهى في حديث سمرة- وايها لا يبطل فيكون محملا لحديث انس وعائشة فنقول اما الذي يبطل في نفسه ولا يفسد به البيع فمنها شرط لا يمكن للمشروط عليه إتيانه مثل شرط ان لا يقع العتق بإعتاق المشترى او ان يكون الولاء للبايع فمثل هذا الشرط باطل لغو وان كان مائة شرط ويعتبر كانه لم يكن فلا يفسد البيع وقصة بريرة من هذا الباب قال الشيخ ابن حجر ليس فيه التصريح بانهم اشترطوا العتق بل انما اشترطوا الولاء لهم- ومنها شرط ليس على مقتضى العقد حتى يصح وليس فيه منفعة لاحد حتى يكون في معنى الربوا كبيع ثوب على ان يلبسه المشترى في الأعياد او دابة على ان يكثر لها العلف فهو لغو لا يفسد البيع به- واما الذي لا يبطل من الشروط ويجب الإتيان بها ويكون محملا لحديث انس وعائشة فمنها ما كان على مقتضى العقد كشرط ان يحبس البائع المبيع الى ان يقبض الثمن فيجوز لانه مؤكد لموجب العقد- ومنها ما ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له كشرط الاجل في الثمن في البيع المطلق- وفي المثمن في السلم فيجوز ايضا للنص وان كان على
стр. 407
خلاف القياس والحق ابو حنيفة بهذا ما كان متعارفا في الصدر الاول كشراء نعل على ان يحذوها البائع او يشركها- ومنها ما يتضمن التوثق بالثمن كالبيع بشرط الكفيل او الرهن فيجوز ايضا لانه مقرر لمقتضى العقد وهو تسليم الثمن- فان كان الكفيل حاضرا وقت البيع وقبل الكفالة وكان المرهون معلوما وقبضه البائع بإذن المشترى تم البيع والكفالة والرهن- والا فان اتى المشترى بما شرط عليه فبها والا يؤمر بدفع الثمن فان لم يدفع الثمن خير البائع في الفسخ- واما الذي يبطل العقد فشرط ليس مما ذكرنا وفيه منفعة لاحد العاقدين او للاجنبى او للمبيع وهو من اهل الاستحقاق كبيع الحنطة بشرط ان يطحنها البائع او يتركها في داره شهرا او يوما- او ثوب على ان يخيطه البائع او جمل على ان يركبه البائع الى مراحل او على ان يبيعه المشترى من فلان- فهذه الشروط يفسد العقد لانه زيادة عارية عن العوض فهو ربوا- ومن هذا الكلام اندفع التعارض وثبت العمل باية الربوا وبالأحاديث كلها غير حديث جابر انه شرط الركوب الى المدينة- فقيل الشرط في حديث جابر وهو استثناء حملانه لم يقع في صلب العقد قال ابن همام كذا قال الشافعي- قلت ولفظ الصحيحين يأبى عن ذلك وقال مالك لا بأس بشرط يكون فيه منفعة يسيرة لاحد المتعاقدين عملا بهذا الحديث قلت العمل بهذا الحديث ليس اولى من العمل باية الربوا فالاولى ان يقال حديث جابر منسوخ لان اية الربوا من اخر آيات القران نزولا قال الشعبي عن ابن عباس اخر اية نزلت على رسول الله ﷺ اية الربوا وايضا تقرر في الأصول ان المحرم والمبيح إذا تعارضا قدم المحرم على المبيح احتياطا وكيلا يلزم تكرار النسخ وامر الربوا أشد واغلظ فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره قد ذكر الله تعالى الوعيد على الربوا بخمسة أوجه
اولا بالتخبط حيث قال لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن وثانيا بالخلود في النار حيث قال ومن عاد فاولئك اصحاب النّار هم فيها خلدون وثالثا بالحق حيث قال يمحق الله الرّبوا ورابعا بالكفر حيث قال وذروا ما بقي من الرّبوا ان كنتم مؤمنين وخامسا بالحرب حيث قال فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله- وعن عمر بن الخطاب ان اخر ما نزلت اية الربوا وان رسول الله ﷺ قبض ولم يفسره لنا فدعوا الربوا والريبة- فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى بلغه بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 408
حرمة الربوا ونهيه عنه فَانْتَهى اى اتبع النهى فَلَهُ ما سَلَفَ اى ما تقدم اخذه قبل التحريم لا يسترد منه وما مضى من أخذ الربوا غفر له- وما في موضع الرفع بالظرف ان جعل من موصولة وبالابتداء ان جعلت شرطية على رأى سيبويه إذا الظرف غير معتمد على ما قبله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فيما يستقبل من المعاصي ان شاء عذبه عليها وان شاء غفر له- وقيل معناه ان الله يجازيه ان كان قد انتهى بصدق النية- وقيل معناه وامره بعد النهى الى الله ان شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتى يعود فيه وَمَنْ عادَ الى أكل الربوا او الى القول بانما البيع مثل الربوا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) على التأويل الثاني ظاهر فان استحلال الحرام كفر موجب للخلود في النار واما على التأويل الاول فالخلود مجاز عن المكث البعيد كما في قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها-.
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا اى يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة امره الى قلة رواه ابن ماجة وصححه الحاكم وفي رواية له الربوا وان كثر فان عاقبته الى قل وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ اى يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه- قد مر حديث ابى هريرة مرفوعا ان الله يقبل الصدقة فيربيها كما يربى أحدكم فلوه الحديث- متفق عليه وعنه ان رسول الله ﷺ قال ما نقصت صدقة من مال ومازاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله الا رفعه- رواه مسلم والترمذي وروى احمد من حديث عبد الرحمن بن عوف بلفظ- ما نقص مال من صدقة- وقد تقدم حديث الملكين النازلين كل يوم يقول أحدهما- اللهم أعط منفقا خلفا الحديث وَاللَّهُ لا يُحِبُّ اى يبغض فان مقتضى القيومية المحبة ولا ينتفى المحبة الا بعارض يوجب البغض وهو الكفر ومن ثم قال رسول الله ﷺ الخلق عيال الله فاحب الخلق الى الله من احسن الى عياله- رواه البيهقي في الشعب عن عبد الله كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات أَثِيمٍ (٢٧٦) منهمك في الآثام.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وبما جاءوا به منه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- أتوا بما أمرهم الله على لسان رسله وانتهوا عما نهى عنه ومنه الربوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ خصهما بعد التعميم لاظهار شرفهما
стр. 409
فانهما رأس العبادات البدنية والمالية لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من ات وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) على ما فات عنهم بعد ما أدركوا أعظم نعم الله تعالى وهو الايمان مع الأعمال الصالحة- اخرج ابو يعلى في مسنده وابن مندة من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال بلغنا ان بنى عمرو بن عوف الثقفي كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما اظهر الله تعالى رسوله ﷺ على مكة ووضع يومئذ الربوا كله فاتوا بنو عمر وبنو المغيرة الى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة ما جعلنا الله أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا فقال بنوا عمرو وصولحنا على ان لنا ربوانا فكتب عتاب في ذلك الى رسول الله ﷺ فنزلت الآيتين.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا اى اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) بقلوبكم فامتثلوا بما أمركم الله به فان امتثال الا وامر والنواهي دليل صدق الايمان- واخرج ابن جرير عن عكرمة انها نزلت في ثقيف اربعة اخوة منهم مسعود وعبدياليل وحبيب وربيعة بنوا عمرو بن عمير كذا قال مقاتل وقال البغوي قال السدى نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربوا الى بنى عمرو بن عمير ناس في ثقيف فجاء الإسلام ولهما اموال عظيم في الربوا فانزل الله هذه الاية فقال النبي ﷺ في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة- الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتله هزيل وربوا الجاهلية موضوعة وأول ربوا أضعها ربوا عباس بن عبد المطلب فانها موضوعة كلها وروى مسلم في حديث جابر في قصة حجة الوداع في خطبة يوم عرفة هذه العبارة ولم يذكر ذكر نزول الاية فيه- وقال البغوي قال عطاء وعكرمة ان العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما اسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر ان أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لى ما يكفى عيالى فهل لكما ان تأخذ النصف وتؤخر النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الاجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
стр. 410
عليه وسلم فنهاهما وانزل الله تعالى هذه الاية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا اى لم تذروا ما بقي من الربوا فَأْذَنُوا قرا حمزة وابو بكر فاذنوا بالمد على وزن أمنوا وكسر الذال اى فاعلموا غيركم انكم حرب الله ورسوله- واصله من الاذن اى أوقعوا في الاذان وقرا الآخرون فاذنوا بهمزة ساكنة على وزن المجرد بفتح الذال اى اعلموا أنتم وأيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تنكير الحرب للتعظيم- قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يقال لا كل الربوا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب وعن ابن عباس قال- نهى رسول الله ﷺ ان يشترى التمرة حتى يطعم وقال إذا ظهر الربوا في قرية فقد أحلوا بانفسهم عذاب الله رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قوم يظهر فيهم الربوا الا أخذوا بالسّنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا الا أخذوا بالرّعب رواه احمد وَرَسُولِهِ قال اهل المعاني حرب الله النار وحرب الرسول السيف- ومن ثم قال البيضاوي ذلك يقتضى ان يقاتل المربى بعد الاستتابة حتى يفىء الى امر الله كالباغى- قلت والظاهر انه ان لم يكن له منعه يجب على الامام ان يحبسه حتى يتوب وان كان له منعه لا يقدر الامام على حبسه فهو الباغي يقاتل معه حتى يفىء الى امر الله وهذا هو الحكم فيمن ترك فريضة من الفرائض كالصلوة والزكوة ونحوهما او ارتكب كبيرة من الكبائر وأصر عليها بالإعلان روى رزين عن عمر بن الخطاب في مناقب ابى بكر- انه لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وأنا حي- وفي الصحيحين من حديث ابى هريرة قال ابو بكر- والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال فعرفت انه الحق وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) بالمطل والنقصان عن رأس المال- عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال مطلق الغنى ظلم وإذا اتبع على ملئى فليتبع- متفق عليه قال البيضاوي يفهم منه انهم ان لم يتوبوا
стр. 411
فليس لهم ما لهم إذا المصر على التحليل مرتد وماله فيء وهو سديد على ما قلنا يعنى على قول الشافعي فان مال المرتد كله فيء عنده- واما عند ابى حنيفة ﵀ فما اكتسبه في حال الإسلام ينتقل بعد قتله او لحوقه بدار الحرب الى ورثته المسلمين وما اكتسبه في حالة الردة كان فيا والمفهوم ليس بحجة عند ابى حنيفة على انه إذا كان لورثته لم يكن له والله اعلم قال البغوي لما نزلت هذه الاية قالت بنو عمر والمربون بل نتوب الى الله تعالى لا يدلنا بحرب الله ورسوله- فرضوا برأس المال- هذا تتمة حديث ذكره ابو يعلى قال البغوي فشكا بنوا مغيرة العسرة وقالوا أخرونا الى ان تدرك الغلات فابوا ان يؤخروا فانزل الله تعالى.
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان هاهنا تامة لا يقتضى الخبر يعنى ان وقع غريم ذو عسرة- وقال البغوي لم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة يقول ان كان رجل صالح فاكرمه- قلت يعنى ان كان ذو عسرة غريما- قرا ابو جعفر عسرة بضم السين والباقون بالإسكان فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ اى فالحكم نظرة او فعليكم نظرة- او فليكن نظرة وهى الامهال قرا نافع بضم السين والباقون بفتحها عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من يسر على معسر «١» يسر الله عليه في الدنيا والاخرة- رواه مسلم في حديث وابن حبان هكذا مختصرا وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ اكثر ثوابا من الانظار- ويحتمل ان يراد بالتصدق هو الانظار لحديث عمران ابن حصين مرفوعا لا يحل دين امر مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة- رواه احمد يعنى الانظار خير لكم مما تأخذون- والظاهر ان المراد بالتصدق الإبراء وهو خير واكثر ثوابا من الانظار عن ابى هريرة قال اشهد على رسول الله ﷺ لسمعته يقول ان أول الناس يستنظل في ظل الله يوم القيامة لرجل انظر معسرا حتى يجد شيئا او تصدق عليه مما يطلبه يقول مالى عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويحرق صحيفته- رواه الطبراني وروى البغوي في شرح السنة بلفظ من نفّس عن غريم او محى عنه كان في ظل العرش يوم القيامة- وعن عثمان بن عفان نحوه- وروى البغوي عن ابى اليسر نحوه وروى الطبراني في الكبير من حديث اسعد بن
стр. 412
زرارة- وفي الأوسط من حديثه شداد بن أوس نحوه وعن ابى قتادة- انه كان يطلب رجلا بحق فاختبى منه فقال ما حملك على ذلك قال العسرة فاستخلفه على ذلك فحلف فدعا بصكه فاعطاه إياه وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من انظر معسرا ووضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة- وروى مسلم المرفوع منه- وعن ابى مسعود قال ان الملائكة تسلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له هل عملت خيرا قط قال لا قالوا تذكّر قال لا الا انى رجل كنت اداين الناس فكنت امر فتياتى ان تنظروا الموسر وتتجاوزوا عن المعسر قال الله تعالى تجاوزوا عنه- رواه مسلم- وروى مسلم عن عقبة بن عامر نحوه- وفي الصحيحين عن حذيفة نحوه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) فضل الانظار والتصدق ما شق ذلك عليكم.
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ اى يوم القيامة او يوم الموت فتاهبوا لمصيركم اليه- قرا ابو عمرو ويعقوب بفتح التاء اى تصيرون والآخرون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول اى تردون ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ اى جزاء ما كسبت من خير او شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) بتنقيص ثواب او تضعيف عقاب قال ابن عباس هذه اخر اية نزلت على رسول الله ﷺ فقال له جبرئيل ضعها على رأس مأتى اية وثمانين اية من سورة البقرة كذا قال البغوي وأخرجه الثعلبي من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عنه وعاش رسول الله ﷺ بعد نزولها أحد وعشرين يوما كذا قال البغوي وقيل أحد وثمانين يوما أخرجه الفرياني عن ابن عباس وقيل سبع ليال ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول حين زاغت الشمس سنة أحد عشر من الهجرة كذا أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير والله اعلم وان الله قد ختم الوحى باية التهديد-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ اى تعاملتم معاملة يجب فيه دين في ذمة أحد المتعاقدين- وانما قيدنا بقولنا في ذمة أحد المتعاقدين- لانه لا يجوز بيع الكالى بالكالئ بالإجماع مستندا بحديث ابن عمر- نهى رسول الله ﷺ عنه- رواه الدارقطني وهذه الاية يشتمل البيع والسلم والاجارة والقرض بل النكاح والخلع والصلح ايضا بِدَيْنٍ انما ذكره لئلا يتوهم من التداين المجازات وليكون مرجعا لضمير فاكتبوه- وهو نكرة وقع في حيز الشرط فيعم كل دين ثمنا كان او مثمنا مكيلا او موزونا او غيرهما مؤجلا كان او حالا- وبقوله
стр. 413
إِلى أَجَلٍ خرج منه ما كان حالا فانه لا حاجة الى كتابته غالبا مُسَمًّى اى سمى مدته بالأيام او الأشهر او السنين حتى يكون معلوما- وانما قيد به لان البيع بثمن مؤجل والسلم لا يجوز ما لم يكن الاجل معلوما فان جهالته يفضى الى المنازعة والاجل يلزم في الثمن في البيع وفي المبيع فى السلم وفي النكاح وغير ذلك الا في القرض فلا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله ولا لمن عليه الحق المطل بعد محله- واما في القرض فلا يلزم الاجل بالتأجيل لان الشرع اعتبره عارية كانّ المؤدّى عين المدفوع كيلا يلزم ربوا النساء- فهذه الاية بعبارته يشتمل البيع بثمن مؤجل والسلم وهو المعنى من قول ابن عباس اشهد ان السلف المضمون الى أجل مسمّى قد أحله الله في الكتاب واذن فيه قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ الاية- أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرطهما عن قتادة عن ابى حسان الأعرج عنه ورواه الشافعي في مسنده والطبراني وابن ابى شيبة وعلقه البخاري والقياس يقتضى عدم جواز السلم لانه بيع المعدوم إذا المقصود من البيع هو المبيع والثمن انما يكون وسيلة اليه فيكفى فى الثمن وجوده الاعتباري وصفا ثابتا في الذمة واما المبيع فهو محل لورود البيع فانعدامه يوجب انعدام البيع ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندك- لكن ترك هذا القياس لورود النصوص بإباحته وانعقاد الإجماع عليه- عن ابن عباس قال قدم رسول الله ﷺ وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين وربما قال والثلاث فقال من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم- متفق عليه- وعن عبد الله بن ابى اوفى قال كنا نستسلف على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر والزبيب- رواه البخاري- وروى ابن الجوزي من طريق احمد سالت ابن ابى اوفى هل كنتم تسلفون في عهد رسول الله ﷺ في البر والشعير والزيت قال نعم كنا نصيب غنائم في عهد رسول الله ﷺ فنسلفها في البر والشعير والتمر والزيت فقلت عند من كان له زرع او عند من لم يكن له ذرع قال ما كنا نسئلهم عن ذلك- ثم انطلق الراوي الى ابن ابى أبزى فقال مثل ما قال ابن ابى اوفى- ولما كان جواز السلم على خلاف القياس اقتصر على مورد النص وهو المؤجل فلا يجوز السلم حالا عند ابى حنيفة ومالك واحمد وقال الشافعي يجوز حالا بالطريق الاولى او المساواة
стр. 414
قلنا انما أبيح على خلاف القياس لرفع حاجة الفقير العاجز حالا عن نفقة عياله القادر على المسلم فيه مالا وحاجة المشترى الى الاسترباح لعياله وهو بالسلم أسهل إذ يكون المبيع في السلم نازلا عن قيمته فى البيع غالبا وذا لا يكون الا بالتأجيل فليس الحال في معنى المؤجل- (مسئلة) اجمعوا على انه لا يجوز السلم الا فيما ينضبط في الذهن بذكر جنسه ونوعه وصفته وقدره- وعلى انه لا يجوز الا بذكر هذه الاربعة وذكر قدر الاجل حتى يتعين المبيع بقدر الإمكان ولا يقضى الى المنازعة وايضا يشترط عند الجمهور معرفة قدر رأس المال خلافا لابى يوسف ومحمد فيما إذا عين رأس المال بالاشارة- قلنا ربما يوجد بعضها زيوفا ولا يستبدل فى المجلس فلو لم يعلم قدره لا يدرى في كم بقي السلم وربما لا يقدر على المسلم فيه فيحتاج الى رد رأس المال والموهوم في هذا العقد كالمتحقق لشرعه مع المنافى- وزاد
ابو حنيفة شرطا سابعا وهو تسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة- وقال باقى الائمة مكان التسليم متعين وهو مكان العقد- وايضا زاد ابو حنيفة شرطا ثامنا وهو ان يكون المبيع موجودا من وقت العقد الى محله- وقال الجمهور لا يشترط ذلك بل يكفى وجوده عند محله- وجه قول الجمهور انه لم يرد هذا الشرط من الشرع والأصل العدم والعمومات كافية للاباحة- ووجه قول ابى حنيفة ما رواه ابو داود وابن ماجة واللفظ له عن ابن إسحاق عن رجل نجرانى قلت لعبد الله بن عمر اسلم في نخل قبل ان تطلع قال لا قلت لم قال لان رجلا اسلم في حديقة نخل فى عهد رسول الله ﷺ قبل ان يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشترى أؤخرك حتى تطلع وقال البائع انما النخل هذه السنة فاختصما الى رسول الله ﷺ فقال للبائع أخذ من نخلك شيئا قال لا قال بم تستحل ماله اردد اليه ما أخذت منه ولا تسلموا في نخل حتى تبدأ صلاحها واخرج البخاري عن ابى البختري- سالت ابن عمر عن السلم في النخل قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يصلح وعن بيع الورق نسأ بناجز- وسالت ابن عباس عن السلم في النخل قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل- قلت وذلك الحديث فيه رجل نجرانى مجهول وابن إسحاق مختلف فيه والآثار لا يصلح حجة لكن قول ابى حنيفة أحوط في
стр. 415
عقد شرع مع المنافى (مسئلة) اتفقوا على جواز السلم في المكيلات والموزونات والمزروعات التي تنضبط فيجوز السّلم في هذه الديار في ثوب غليظ يكون في عرضه ثلاثمائة او اربعمائة او خمسمائة خيطا فانه قلما يتفاوت تلك الثوب ولا يجوز في غير مثل ذلك من الأثواب- وفي المعدودات التي لا يتفاوت احادها كالجوز والبيض الا في رواية عن احمد- واختلفوا في المعدودات المتفاوتة كالرمان والبطيخ فقال ابو حنيفة لا يجوز فيه السلم لا وزنا ولا عددا وهذا في ديار يباع فيها البطيخ عددا واما في ديارنا فيباع وزنا فيجوز وقال مالك يجوز مطلقا- وقال الشافعي- يجوز وزنا- وهو رواية عن احمد- (مسئلة) لا يجوز السلم في الحيوان عند ابى حنيفة ويجوز عند الثلاثة احتجوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله ﷺ امره ان يجهّز جيشا فنفدت الإبل فامره ان يأخذ على قلائص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين الى ابل الصدقة- رواه ابو داود عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن ابى حبيب عن مسلم بن جبير عن ابى سفيان عن عمرو بن حريش عنه- ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وقال ابن القطان هذا حديث ضعيف مضطرب الاسناد فرواه حماد بن سلمة هكذا ورواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق فاسقط يزيد ابن ابى حبيب وقدم أبا سفيان على مسلم بن جبير- قلت كذا ذكر ابن الجوزي في التحقيق ورواه عفان عن حماد بن سلمة فقال فيه عن ابن إسحاق عن يزيد بن ابى حبيب عن ابى حبيب عن مسلم عن ابى سفيان عن عمرو بن حريش- ورواه ابو بكر بن ابى شيبة عن عبد الأعلى فاسقط يزيد بن ابى حبيب وقدم أبا سفيان كما فعل جرير بن حازم وقال مكان مسلم بن جبير مسلم بن كثير ومع هذا الاضطراب فعمرو بن حريش مجهول الحال ومسلم بن جبير لم أجد له ذكرا وابو سفيان فيه نظر- وقال الشيخ ابن حجر ابن إسحاق قد اختلف فيه لكن أورده البيهقي في السنن وفي الخلافيات من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه قلت ورواه ابن الجوزي- قلت هذا الحديث معارض بما ذكرنا من قبل من حديث سمرة وابن عباس وجابر انه ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية فيقدم المحرم على المبيح كما ذكرنا ثمه- واحتج ابو حنيفة على عدم جواز السلم في الحيوان بما أخرجه الحاكم والدارقطني عن إسحاق بن ابراهيم بن حوتا
стр. 416
حدثنا عبد الملك الذمارى حدثنا سفيان الثوري عن معمر عن يحيى بن ابى كثير عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي ﷺ نهى عن السلف في الحيوان
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه- قال ابن الجوزي قال ابو ذرعة عبد الملك الذمارى منكر الحديث- وقال الرازي ليس بالقوى ووثقه العلاس واما إسحاق بن ابراهيم فمجهول- قلت لعل الحاكم عرف إسحاق حتى حكم بصحة الحديث والظاهر ان الحديث حسن قال ابن همام تضعيف ابن معين ابن حوتا فيه نظر بعد تعدد ما ذكر من الطرق الصحيحة والحسان مما هو بمعناه يرفعه الى الحجية بمعناه- وفي الباب اثر ابن مسعود رواه ابو حنيفة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم قال دفع عبد الله بن مسعود الى زيد بن خويلة البكري مالا مضاربة فاسلم زيد الى عريس بن عرقوب الشيباني فى قلائص فلما حلت أخذ بعضها وبقي بعض فاعسر عريس وبلغه ان المال لعبد الله فاتاه يسترفقه فقال عبد الله افعل زيد فقال نعم فارسل اليه يسئله فقال عبد الله اردد ما أخذت وخذ رأس مالك ولا تسلمن ما لنا في شيء من الحيوان- قال صاحب التنقيح فيه انقطاع يعنى بين ابراهيم وعبد الله فانه انما يروى بواسطة علقمة او الأسود- قال ابن همام هذا غير قادح عندنا خصوصا فى إرسال ابراهيم النخعي- قلت لو صح هذا الحديث انه ﷺ نهى عن السلف في الحيوان لكان سندا لابى حنيفة في خلافية اخرى وهو انه لا يجوز قرض الحيوان عنده خلافا لمالك والشافعي واحمد احتجوا على جواز فرض الحيوان بحديث ابى رافع ان النبي ﷺ استسلف من رجل بكرا فاتاه ابل من ابل الصدقة فقال أعطوه فقالوا لا نجد الا رباعيا خيارا قال أعطوه فان خير الناس أحسنهم قضاء رواه مسلم وحديث ابى هريرة- كان لرجل على رسول الله ﷺ حقّا فاغلظ له فهم له أصحابه فقال دعوه فان لصاحب الحق مقالا فقال لهم اشتروا سنّا فاعطوه إياه فقالوا انا لا نجد سنّا الا خيرا من سنه قال اشتروه وأعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء- متفق عليه وجه قول ابى حنيفة في عدم جواز القرض فى الحيوان انه لا ينضبط فلا يجوز قرضه كما لا يجوز جعله ثمنا في البيع نسية والسلم فيه- وهذا التعليل في مقابلة الحديثين الصحيحين غير مقبول ما لم يصح حديث النهى عن السلف في الحيوان فان السلف يعم السلم والقرض فان صح حديث ابن عباس يجب تقديم المحرم
стр. 417
على المبيح والا فما ثبت عن رسول الله من استقراض البكر يقتصر على مورده ولا يقاس عليه غيره من الحيوانات لانه معدول عن سنن القياس فان قيل ان كان الحيوان غير منضبط ولا يجوز ثبوته في الذمة فلم جوزتم النكاح والخلع على عبد او امة او فرس وأوجبتم فيه الوسط- قلنا هاهنا قياسين قياس على البيع حيث نهى رسول الله ﷺ عن البيع نسية وقياس على الدية حيث أوجب فيها الإبل فقلنا ما كان فيه مبادلة مال بمال لا بد فيه كمال الانضباط وذلك كالبيع والاجارة والصلح عن الإقرار بمال- وما كان فيه مبادلة مال بغير مال كالنكاح والخلع والصلح عن دم عمد والصلح عن انكار لا يشترط فيه كمال الانضباط فيجوز فيه ذلك قياسا على الدية- ومن ثم اجمع المسلمون على ان غرة جنين الحرة عبد او امة وليس ذلك في غرة جنين الامة بل فيه دراهم او دنانير عشر قيمة الجنين او نصفه عند ابى حنيفة- ونصف عشر قيمة أم الجنين عند غيره وفي غرة البهائم ما نقص أم الجنين- ووجه الفرق ان في مبادلة المال بالمال يجرى المشاجرة والمماكسة عادة غالبا دون في مبادلة ما ليس بمال بمال فان المال فيه بمنزلة الصلة- ولعل الإبل في تلك البلاد بعد رعاية السن وغيره من الأوصاف تكون قليل التفاوت والتفاوت القليل مفتقر ضرورة والله اعلم- واعلم ان القياس يقتضى عدم جواز القرض مطلقا لانه ان كان في الدراهم او الدنانير يلزم النسية في الصرف وان كان في غيرهما يلزم بيع المعدوم ويلزم ربوا النسية ايضا في بعض المواد ولما ثبت بالنصوص والإجماع جواز الاقراض لاجل الضرورة قال العلماء في توجيه تصحيحه ان الشرع اعتبر القرض عارية كانّ المستقرض استعار مال الغير للانتفاع به ولمّا كان من الأموال ما لا يمكن الانتفاع به الا بالاستهلاك كالدراهم والدنانير والطعام وكان دفعه بعد الانتفاع به غير ممكن اعطى الشرع لمثله حكم عينه
فمن ادى القرض بمثله كان كمن دفع المأخوذ بعينه ولاجل ذلك لا يلزم الاجل في القرض كما لا يلزم في العادية فان للمعير استرداد ماله من المستعير متى شاء فكلما يمكن فيه ذلك التوجيه قلنا بجواز الاقراض فيه ومالا فلا- وإذا تمهد هذا فنقول لا يتصور الاقراض الا في الدراهم والدنانير وما كان مثليا ينتفع به بالاستهلاك كالطعام واما ما كان باقيا بعد الانتفاع به كالثوب والدابة والعبد والامة والدار ونحو ذلك فلا يتصور ذلك التوجيه فيه إذ مع بقاء عين المدفوع الى المستقرض
стр. 418
عنده لا يمكن اعتبار مثله عينه بل حينئذ ان اعطى المالك ماله لغيره للانتفاع به يجب على المعطى له رد عين المأخوذ الى المعطى فيكون ذلك عارية حقيقة ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجوز قرض الحيوان والثياب والإماء والعبيد وغير ذلك واختلف في بعضها- واجمعوا على عدم جواز اقراض الامة للوطى- (مسئلة) ان اهدى المستقرض الى المقرض شيئا او حمله على دابته او اسكنه في داره ولم يكن ذلك عادة بينهما او اعطى اكثر مما أخذ منه او أجود هل يحل ذلك للمقرض أم لا- فقال ابو حنيفة ومالك واحمد لا يحل له ذلك بل يكره وان لم يشترط- وقال الشافعي ان كان بغير شرط جاز وان كان بشرط لم يجز- احتج الجمهور بحديث انس قال قال رسول الله ﷺ إذا اقرض أحدكم قرضا فاهدى اليه طبقا فلا يقبله او حمله على دابة فلا يركبها الا ان يكون بينه وبينه قبل ذلك- رواه ابن ماجة والبيهقي ورواه البخاري في التاريخ بلفظ فلا يأخذ هدية وعن سالم بن ابى الجعد قال جاء رجل الى ابن عباس فقال انى اقترضت رجلا يبيع السمك عشرين درهما فاهدى الىّ سمكة قومتها ثلاثة عشر درهما فقال خذ منه سبعة دراهم رواه ابن الجوزي- وعن عبد الله بن سلام إذا كان لك على رجل حق فاهدى إليك حمل تين او حمل شعيرا وحمل قت فلا تأخذه فانه ربوا- رواه البخاري وعن على رضى الله عنه ان النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة رواه الحارث بن اسامة في مسنده وفي اسناده سوار بن مصعب متروك ورواه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربوا- ورواه البيهقي فى السنن الكبير عن ابن مسعود وابى بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم واحتج الشافعي بما مر من حديث ابى رافع وابى هريرة- قالوا انا لا نجد الا سنا هو خير من سنة قال أعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء- ويؤيد قول الشافعي حديث عائشة انها قالت- سالت رسول الله ﷺ عن الخمير والخبز يقرضه الجيران فيردون اكثر او اقل فقال- ليس بذلك بأس انما هو امر يترافق بين الجيران وليس يراد به الفضل- وعن معاذ بن جبل انه سئل عن استقراض الخمير والخبز فقال سبحان الله هذا مكارم الأخلاق فخذ الصغير وأعط الكبير وخذ الكبير واعط الصغير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك- رواهما ابن الجوزي لكن يمكن ان يقال المساهلة والمهاداة جارية بين الجيران والخلاف فيما لم يجر بينه وبينه ذلك- و
стр. 419
هذين الحديثين حجة للجمهور في جواز اقراض الخبز والخمير فقيل يجوز اقراضها عددا وقيل وزنا وقال ابو حنيفة- لا يجوز والله اعلم فَاكْتُبُوهُ اى اكتبوا الذي تداينتم به لانه أوثق وادفع للنزاع- والجمهور على انه امر استحباب فان تركت فلا بأس به كقوله تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا- وقال بعضهم هى واجبة- وقال الشعبي- كانت كتابة الدين والاشهاد او الرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله تعالى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ- قلت الناسخ ما يكون متراخيا في النزول وهذا ليس كذلك بل الآيتين نزلتا معا فهو قرينة دالة على كون الأمر بالكتابة ونحوها للاستحباب وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ يكتب برعاية حقوق الطرفين لا يزيد ولا ينقص امر للكاتب بالعدل وذلك امر وجوب ويتضمن ذلك امرا للمتداينين باختيار كاتب فقيه متدين وَلا يَأْبَ اى لا يمتنع كاتِبٌ من يعلم الكتابة أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علّمه من كتبة الوثائق
- او لا يأب ان ينفع غيره بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ- فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة- امر بها بعد النهى عن الإباء بها تأكيدا- ويجوز ان يكون كما علّمه متعلقا به فيكون الأمر بالكتابة مطلقا في ضمن النهى عن الإباء عنها ثم الأمر بها مقيدة- واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد- فقال مجاهد بوجوبها إذا طولب- وقال الحسن بوجوبها إذا تعين نهما يعنى واجب على الكفاية وقال الضحاك- كانت واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وفيه ما ذكرنا فيما قبل وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ- والإملال والاملاء لغتان فصيحتان بمعنى واحد- يعنى ليكن الممل «١» على الكاتب المديون لان إقراره حجة عليه بخلاف الدائن فان قوله لا يعتد به ما لم يقربه المديون او يحكم به الحاكم بعد ثبوت شرعى وَلْيَتَّقِ المملل او الكاتب اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ
اى لا ينقص من الحق الذي عليه او مما املى عليه المديون شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل مبذرا ويدخل فيه المجنون والمعتوه أَوْ ضَعِيفاً اى صغيرا او شيخا كبيرا اختل عقله وقيل هو ضعيف العقل «٢» لصغر أو عته او جنون أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس اوعى او جهل باللغة او حبس او مرض
стр. 420
او غيبة لا يمكنه حضور الكاتب او كانت امراة مخدرة لا تستطيع حضور الكاتب فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ اى الذي يليى امره من ولى الصبى او الذي اختل عقله او الوكيل او المترجم- قال البغوي قال ابن عباس ومقاتل أراد بالولى صاحب الحق يعنى ان عجز من عليه الحق من الإملال فليملل ولى الحق وصاحب الدين بِالْعَدْلِ لا يزيد على حقه لانه اعلم بالحق واولى من غيرهما للاملال فان قيل ايّ فائدة في املال الدائن مع ان قوله ليس ملزما على غيره قلنا فائدة الكتابة ان لا ينسى العاقد ان قدر الثمن او قدر رأس المال او المسلم فيه او الاجل او نحو ذلك لا ان يكون حجة فان الحجة انما هو الشهود- وَاسْتَشْهِدُوا اى اطلبوا ان يشهد المداينة شَهِيدَيْنِ اثنين مِنْ رِجالِكُمْ اى من المسلمين الأحرار فانهم هم المخاطبون بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ والمداينة غالبا لا يكون إلا بين الأحرار فلا يجوز عندنا شهادة الصبى لانه ليس برجل وبه قال مالك والشافعي واحمد وعامة العلماء- وفي رواية عن مالك يقبل في الجراح إذا كانوا مجتمعين لامر مباح قبل ان يتفرقوا- ويروى ذلك عن ابن الزبير والوجه لعدم قبول شهادتهم نقصان العقل والتميز فلا يجوز شهادة المجنون والمعتوه ايضا وعليه انعقد الإجماع لانه في معنى الصبى بل اولى لعدم القبول- ولا يجوز شهادة العبد عندنا وبه قال مالك والشافعي- وقال احمد تقبل شهادة العبد على الأحرار والعبيد- وهو قول انس بن مالك وبه قال إسحاق وداود- قال البخاري في صحيحه قال انس شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا واجازه شريح وزرارة بن ابى اوفى- وقال ابن سيرين شهادته جائزة الا العبد لسيده- واجازه الحسن وابراهيم وقال شريح كلكم بنوا عبيد وإماء- الى هاهنا لفظ البخاري ولا يجوز شهادة كافر على مسلم اجماعا- وكذا لا يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض عند مالك والشافعي واحمد لانه فاسق قال الله تعالى وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ- وعند ابى حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض وان اختلف ملتهم لان الذمي من اهل الولاية بخلاف العبد بدليل ولاية الذمي على أولاده الصغار وقال الله تعالى بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وبدليل مالكيته وكفره فسق في نفس الأمر واما في زعمه فديانة والكذب حرام في الأديان كلها- وقال ابن ابى ليلى وابو عبيدة مع اختلاف الملة لا تقبل شهادتهم
стр. 421
كشهادة اليهودي على النصراني- قال البيضاوي قوله تعالى مِنْ رِجالِكُمْ دليل على اشتراط الإسلام قلت الخطاب مع المؤمنين فالاية لا تدل على اشتراط سلام الشهود الا إذا كان المشهود عليه مؤمنا- واحتج ابن الجوزي بحديث ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال لا يرث ملة ملة ولا يجوز شهادة اهل ملة على ملة الا أمتي فانه يجوز شهادتهم على من سواهم رواه الدارقطني وابن عدى- وهذا الحديث لو صح لكان حجة لابن ابى ليلى ولا يكون حجة لاحمد- وقال ابو حنيفة الكفر ملة واحد قال الله تعالى فَمِنْهُمْ «١» مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وحينئذ يكون حجة لابى حنيفة ايضا- لكن الحديث ضعيف في سنده عمر بن راشد قال الدارقطني ضعيف واحتج ابو حنيفة بحديث جابر ان النبي ﷺ أجاز شهادة اهل الكتاب بعضهم على بعض رواه ابن ماجة- وعنه قال- جاءت اليهود برجل وامراة منهم زنيا الى رسول الله ﷺ فقال لليهود ما يمنعكم ان تقيموا عليهما الحد فقالوا كنا نفعل إذا كان الملك لنا فلما ان ذهب ملكنا فلا نجترئ على الفعل فقال لهم ايتوني بأعلم رجلين منكم- فاتوه بابني صوريا فقال لهما أنتما اعلم من ورائكما قالا يقولون قال انشد كما بالله الذي انزل التورية على موسى كيف تجدون حدهما في التورية فقالا إذا شهد اربعة انهم راوا يدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة رجم- فقال ايتوني بالشهود فشهد اربعة فرجمهما النبي ﷺ رواه ابو داود وإسحاق بن راهويه وابو يعلى الموصلي والبزار والدارقطني- ورواه الطحاوي بلفظ قال ﵊ تأتونى باربعة منكم يشهدون وهذان «٢» الحديثان لجابر كلاهما ضعيفان تفرد به مجالد بن سعيد قال احمد- هو ليس بشيء- وقال يحيى- لا يحتج بحديثه- فَإِنْ لَمْ يَكُونا اى الشهود رَجُلَيْنِ اى لم؟؟ تشهادهما فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ اى
فليستشهد رجل وامرأتان- واشتراط عدم تيسر رجلين للاستشهاد بالمرأتين مع الرجل يشعر كونهما بدلا من الرجل وان الأصل عدم الاستشهاد بهن فلشبهة البدلية لا يجوز شهادة النساء فيما يندرىء بالشبهات من الحدود والقصاص اجماعا- ويؤيده ما روى ابن ابى شيبة حدثنا حفص عن حجاج عن الزهري قال مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده انه لا يجوز شهادة النساء في الحدود والدماء انتهى- وهذا مرسل والمرسل عندنا حجة وتخصيص
стр. 422
الخليفتين يعنى أبا بكر وعمر لانهما اللذان كان معظم تقرير الشرع وانعقاد الإجماعات في زمانهما وبعدهما ما كان من غيرهما الا الاتباع وقد قال رسول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي عن حذيفة- قال الشيخ ابن حجر روى عن مالك عن عقيل عن الزهري كما رواه ابن ابى شيبة وزاد ولا في النكاح ولا في الطلاق- ولا يصح هذا عن مالك وقال الشافعي ومالك لا يجوز شهادة النساء الا في الأموال خاصة وتوابعها كالاذن وشرط الخيار والشفعة والاجارة وقتل الخطاء وكل جرح لا يوجب الا المال لا في النكاح والطلاق والوكالة والوصية والعتق والرجعة والنسب ونحو ذلك- وقال ابو حنيفة يجوز شهادة رجل وامرأتين في الحقوق كلها سوى الحدود والقصاص- وجه قولهم ان قبول شهادة رجلين او رجل وامرأتين امر تعبدى على خلاف القياس لانه من باب خبر الآحاد لا يفيد اليقين بصدق المدعى وكذب الاخر فكيف يرجب الزام المدعى عليه دعوى المدعى مع احتمال صدقه وكذب الشهود فيقتصر على مورد النص وهو الأموال كيف وقد قال الله تعالى في الرجعة واشهدوا ذوى عدل منكم- وقال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي «١» وشاهدى عدل رواه الدارقطني عن عائشة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس نحوه- بخلاف رواية الحديث فانه ليس هناك الزام بل المسلمون ملتزمون احكام الله تعالى طالبون العلم به يلتمسون طرقه- فاذا وصل إليهم حكم بطريق قطعى اعتقدوه وعملوا به وان وصل إليهم بطريق ظنى بحيث لم يترتب عليه العلم اليقيني عملوا به رجاء للثواب او خوفا عن العذاب ما لم يعارضه حكم اخر بطريق أقوى منه وهذا امر يقتضيه العقل وايضا ثبت وجوب العمل بأحاديث الآحاد بالنصوص القطعية والإجماع ولهذا لا يشترط في الرواية
стр. 423
ما يشترط في الشهادة من الحرية والذكورة والعدد- ووجه قول ابى حنيفة- ان قبول الشهادة وان كان امرا تعبديا على خلاف القياس لكنه جار في جميع الحقوق اجماعا ماليا كان او لا- وهذه الاية لما اثبت جواز قبول شهادة النساء في الأموال بالعبارة أثبتت في غير ذلك من الحقوق بالدلالة بالطريق الاولى او المساوى- لان قبول الشهادة مطلقا انما شرع صيانة لحقوق الناس من الأموال والاعراض والإيضاع وصيانة الابضاع والاعراض اولى من صيانة الأموال او مثله قال ﵊ في خطبته يوم عرفة ويوم النحر في حجة الوداع ان دماءكم وأموالكم واعراضكم حرام- الحديث في الصحيحين وغيرهما وقال حرمة مالكم كحرمة دمكم- وقال ﵊ من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون اهله فهو شهيد- رواه احمد وابن حبان عن سعيد بن زيد وانما قلنا بعدم جواز شهادة النساء في الحدود ونحوها لوجوب اندرائها بالشبهات ولا كذلك النكاح وغير ذلك- وقوله وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ- لا يدل على عدم قبول شهادة النساء والزيادة على النص بدلالة نص اخر جائز اجماعا- واما حديث لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل- فليس بصحيح اما حديث عائشة ففيه محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه قال احمد وعلى ضعيف وقال يحيى ليس بثقة وقال النسائي متروك الحديث وقال الدارقطني هو وأبوه ضعيفان وفي طريقة الاخر نافع بن ميسر ابو خطيب مجهول- واما حديث ابن عباس فقيه النهاش قال يحيى ضعيف وقال ابن عدى لا يساوى شيئا- واما حديث ابن مسعود ففيه بكر بن بكار قال يحيى ليس بشيء وايضا فيه عبد الله بن محرز قال الدارقطني متروك واما حديث ابن عمر فيه ثابت بن زهير منكر الحديث أحاديثه يخالف الثقات خرج عن جملة من يحتج به كذا قال ابو حاتم وابن عدى وابن حبان- (مسئلة) بهذه الاية يحتج ابو حنيفة على انه لا يجوز الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعى في الأموال كما لا يجوز فى غيرها بالإجماع- والجمهور يجوزون في الأموال دون غيرها محتجين بما روى عن رسول ﷺ انه قضى باليمين مع الشاهد- رواه ابن الجوزي من حديث جابر وعليّ وقال وقد روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وابن عباس وابو هريرة وابن عمر وزيد بن ثابت وابو سعيد الخدري وسعد بن عبادة وعامر ابن ربيعة وسهل بن سعد وعمارة وعمرو ابني حزم والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث وسلمة بن قيس وانس بن مالك وتميم الداري وزينب بنت ثعلبة وبيرق- قلت الحديث جابر فرواه احمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي والطحاوي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عنه قال الترمذي ورواه الثوري وغيره
стр. 424
يعنى مالكا «١» عن جعفر عن أبيه مرسلا وهو أصح ورواه الدارقطني عن أبيه عن على ﵈ بلفظ ان النبي ﷺ قضى بشاهد واحد ويمين صاحب الحق- وهو منقطع قال الدارقطني في العلل كان جعفر ربما أرسله وربما وصله وقال الشافعي والبيهقي عبد الوهاب وصله وهو ثقة قلت قال الذهبي اختلط في اخر عمره- واما حديث ابن عباس ان النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد- أخرجه ابو داود والطحاوي وحسنه الترمذي وقال الطحاوي حديث منكر لانه من رواية قيس بن سعد عن عمرو بن دينار ولا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشىء- واما حديث ابى هريرة ان النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين- رواه الشافعي واصحاب السنن وابن حبان وقال ابن ابى حاتم عن أبيه هو صحيح وهذا الحديث رواه سهيل بن ابى صالح عن أبيه وسمعه منه ربيعة ابن ابى عبد الرحمن ثم اختلط حفظه بشيخه فكان يقول أخبرني ربيعة انى أخبرته عن ابى عن ابى هريرة- ذكر هذه القصة الشافعي والطحاوي عن الدراوردي- وروى هذا الحديث البيهقي من حديث مغيرة بن عبد الرحمن بن الزياد عن الأعرج
عن ابى هريرة ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب أصح منه وروى الطحاوي عن سهيل بن ابى صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت نحوه- وقال الطحاوي- منكر لان أبا صالح لا يعرف وله رواية عن زيد وفيه عثمان بن الحكم شيخ عبد الله بن وهب ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته- قلت قال الذهبي عثمان بن الحكم الجرامى شيخ لابن وهب قال ابو حاتم ليس بالمتين- قال ابو حنيفة- هذا الحديث لو صح فهو حديث احاد لا يجوز به الزيادة على الكتاب مع انه معارض بما هو أقوى منه روى الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال لو ان الناس اعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه- ورواه البيهقي بلفظ ولكن البيّنة على المدعى واليمين على من أنكر- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه- رواه الدارقطني والترمذي- وحديث وائل بن حجر ان رسول الله ﷺ قال للمدعى بينتك فقال ليس لى بينة قال يمينه قال إذا يذهب بها يعنى بالأرض قال ليس الا ذلك- رواه الطحاوي بطرق- وجه التعارض ان النبي ﷺ جعل جنس اليمين على المدعى عليه وليس سوى الجنس شىء يرد على المدعى- وايضا القسمة بين المدعى والمدعى عليه بالبينة واليمين ينافى الشركة قال الطحاوي وما رويتم انه ﷺ قضى بالشاهد واليمين يحتمل ان يكون مراده كما ذكرتم من يمين المدعى مع شاهد واحد ليحكم له ويجوز ان أريد به يمين المدعى عليه يعنى لما يقم المدعى على دعواه الا شاهدا واحدا فلم يعتد به
стр. 425
النبي ﷺ واستحلف المدعى عليه ليحكم له فروى ذلك ليعلم الناس ان المدعى يجب له اليمين بمجرد الدعوى لا كما قيل لانه لا يجب له اليمين ما لم يقم بينة انه كانت بينه وبين المدعى عليه خلط ولبس- ويحتمل ان يكون الشاهد الذي شهد وحده خزيمة الذي جعله النبي ﷺ ذا الشهادتين- قلت وهذا التأويل الثاني بعيد جدا- قلت وعندى تأويل اخر وهوان اللام في الشاهد واليمين للعهد اى بالشاهد المعهود في الشرع وهو رجلين او رجل وامرأتين من المدعى وباليمين المعهود على المنكر- او للجنس كما في حديث البينة للمدعى واليمين على من أنكر يعنى قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين لا بشىء اخر من الوحى وغير ذلك- وتأويل آخر أن اللام للجنس والمراد باليمين يمين الشاهد يعنى قضى بالشاهد مع يمينه والمراد باليمين قوله اشهد فان لفظة اشهد من صيغ اليمين ويشترط لقبول الشهادة لفظة اشهد وهذه التأويلات وان كانت بعيدة لكن يرتكب مثلها لدفع تعارض النصوص والله اعلم والتحقيق ان المسألة مبنية على خلافية اصولية انه يجوز الزيادة على الكتاب بخبر الآحاد عندهم لا عنده والله اعلم- ((مسئلة)) اجمعوا على انه يجوز شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والبكارة وعيوب النساء ثم اختلفوا فقال ابو حنيفة يكفى هناك شهادة امراة واحدة حرة مسلمة عادلة والثنتان أحوط- وقال مالك لا بد من ثنتين- وقال الشافعي لا بد من اربع لانه أقيمت شهادة امرأتين مقام رجل واحد قال رسول الله ﷺ أليس شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل- ووجه قول مالك ان المعتبر في الشهادة العدد والذكورة لكن الذكورة سقطت للضرورة فبقى العدد لنا ما رواه محمد بن الحسن عن ابى يوسف عن غالب بن عبد الله عن مجاهد عن سعيد بن المسيب وعطاء بن رياح «١» وطاؤس قالوا قال رسول الله ﷺ شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر اليه- وهذا مرسل يجب العمل به وجه الاحتجاج ان اللام للجنس لعدم العهد فيصح بواحدة والأكثر احسن- وروى عبد الرزاق عن ابن جريح عن الزهري قال مضت السنة انه يجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال من ولادات النساء وعيوبهن- ورواه ابن ابى شيبة- وروى عبد الرزاق عن ابن عمر قال لا يجوز شهادة النساء وحدهن الا ما لا يطلع عليه الا هن من عورات النساء- وله مخارج اخرى- وعن حذيفة ان رسول الله ﷺ أجاز شهادة قابلة- رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الملك عن الأعمش قال الدارقطني هو لم يسمع من الأعمش بينهما رجل مجهول- مِمَّنْ تَرْضَوْنَ- يعنى من كان غير متهم في شهادته بالفسق او قلة المروة او العداوة الدنيوية