← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

تقدير الاية ان كنتم مؤمنين بموجب ما فان هذا موجب له لا مزيد له وقال البغوي ان كنتم مؤمنين يوما تاما فالان أحرى الأوقات ان تومنوا لقيام الحجج والاعلام ببعثه محمد ﷺ ونزول القران. هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ يعنى القران او غير ذلك من المعجزات الباهرة لِيُخْرِجَكُمْ هو او عبده مِنَ الظُّلُماتِ اى الكفر والجهل إِلَى النُّورِ ط اى الايمان او العلم وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث أرسل إليكم رسوله فانزل عليه آياته ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية. وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا واى فائدة لكم يعنى لا فائدة لكم فى عدم الانفاق فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى فيما يكون قربة اليه تعالى وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط يعنى والحال ان الله يرث كل شىء فيها ولا يبقى لاحد مال وإذا كان كذلك فانفاقه بحيث انه يستخلف عوضا يبقى وهو الثواب اولى وترك الانفاق وجمع الأموال حتى ينتفع بها غيركم لا يفيدكم أصلا عن عائشة انهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ ما بقي منها يعنى بعد الانفاق قالت ما بقي منها إلا كتفا قال بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر رواه البخاري والنسائي لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ اى فتح مكة فى قول اكثر المفسرين وقال الشعبي هو صلح الحديبية وَقاتَلَ ط قبله لا يستوى افتعال بمعنى التفاعل وفاعله من أنفق مع ما عطف عليه المحذوف يعنى لا يستوى من أنفق قبل الفتح وقاتل قبله ومن أنفق بعد الفتح وقاتل بعده أُولئِكَ الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا فيه أَعْظَمُ دَرَجَةً عند الله ثوابا وتقربا مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ الفتح وَقاتَلُوا ط حينئذ قال البغوي روى محمد ابن فضل عن الكلبي ان هذه الاية نزلت فى ابى بكر الصديق رض فانه أول من اسلم وأول من أنفق فى سبيل الله وروى البغوي بسند فى تفسيره المعالم عن ابن عمر قال كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ابو بكر الصديق رض وعليه عباءة فدخلنا فى صدرها بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال مالى ارى أبا بكر عليه عباءة فدخلها فى صدرها بخلال فقال أنفق ماله على قبل الفتح قال فان الله يقول اقرأ ﵇ وقل له أراض أنت عنى فى فقرك هذا أم ساخط فقال رسول الله ﷺ يا أبا بكر ان الله يقرأ عليك السلام ويقول لك أراض أنت عنى فى فقرك هذا أم ساخط فقال ابو بكر

стр. 3817

أسخط على ربى وانى عن ربى راض وكذا روى الواحدي فى تفسيره قلت هذه الاية بمنطوقه تدل على افضلية السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من أمن بعد الفتح وأنفق حينئذ وبمفهومه وسياقه يدل على افضلية الصديق على ساير الصحابة وافضلية الصحابة على سائر الناس فان مدار الفضل على السبقة فى الإسلام والانفاق والجهاد كما يدل عليه قوله ﵊ من سن حسنة فاجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء وقد اجمع العلماء على ان أبا بكر أول من اسلم واظهر إسلامه على يده اشراف قريش وأول من أنفق الأموال العظام فى سبيل الله وأول من احتمل الشدائد من الكفار ومن ثم قال رسول الله ﷺ مالا حد عندنا يد الا وقد كافيناه ما خلا ابى بكر فان له عندنا يد يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال ابى بكر رواه الترمذي من حديث ابى هريرة وعن ابن الزبير عن أبيه قال اسلم ابو بكر وله أربعون الفا أنفقها كلها على رسول الله ﷺ وفى سبيل الله رواه ابو عمر وروى البخاري فى حديث طويل ثم يدا لابى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القران وروى البخاري ان عقبة بن معيط لما راى النبي ﷺ يصلى جعل رداءه فى عنقه وخنقه فاطلع ابو بكر فدفع عنه وقال أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات وروى ابو عمر نحوه وزاد فاخذ الكفار أبا بكر فضربوه ضربا شديدا فلما رجع ابو بكر الى داره فكان كلما وضع يده على شعره سقط شعره مع يده ويقول تباركت يا ذا الجلال وروى ابو عمرو فى الاستيعاب انه أعتق ابو بكر سبعة كانوا يعذبون فى الله منهم بلال وعامر بن فهيرة وقال ابو اسحق انه لما اسلم ابو بكر اظهر إسلامه ودعى الناس الى الله والى رسوله وكان ابو بكر رجلا مولفا لقومه مجيبا سهلا فجعل يدعو الى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس اليه فاسلم بدعائه فيما بلغني عثمان بن عفان رئيس بنى عبد الشمس وزبير بن العوام رئيس بنى اسد وسعد ابن ابى وقاص وعبد الرحمن بن عوف رئيسا لبنى زهرة وطلحة بن عبد الله رئيس بنى تميم فجاء بهم الى رسول الله ﷺ حين استجابوا له واسلموا وصلوا وانكسر شوكة قبائل قريش بإسلامهم قال ابو الحسن الأشعري تفضيل ابى بكر على غيره من الصحابة قطعى قلت قد اجمع عليه السلف وما حكى عن ابن عبد البر ان السلف اختلفوا فى تفضيل ابى بكر وعلى فهو شىء غريب الفرد به عن غيره ممن هو أجل منه علما واطلاعا منهم الشافعي وقد ذكرنا ادلة تفضيل الشيخين نقلا وعقلا فى السيف المسلول

стр. 3818

وله مواقف رفيعة فى الإسلام كثباته على كمال تصديقه ليلة الاسراء وجوابه للكفار فى ذلك وهجرته مع رسول الله ﷺ وترك عياله وأطفاله وملازمته له فى الغار وساير الطريق وكلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر فى تأخير دخول مكة وثباته مع كمال حزنه فى وفات رسول الله ﷺ وخطبه الناس وتسكينهم ثم قيامه فى قصة البيعة لمصالح المسلمين واهتمامه فى بعث جيش اسامة وقيامه فى قتال اهل الردة وتجهيزه الجيوش الى العراق والشام واخر مناقبه انه فوض الخلافة الى عمر رض وَكُلًّا قرأ ابن عامر بالرفع والباقون بالنصب اى كل واحد من الفريقين من الصحابة الذين أنفقوا قبل الفتح والذين أنفقوا بعده وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ط لا يحل الطعن فى أحد منهم ولا بد حمل مشاجراتهم على محامل حسنة واغراض صحيحه او خطأ فى الاجتهاد وايضا يدل صدر الاية على افضلية الصحابة على من بعدهم بسبقهم فى الإسلام والانفاق والجهاد وروى الشيخان فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ع عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر فيجازى كلا على حسبه. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ اى يقرض عباد الله بحذف المضاف او المعنى ينفق ماله فى سبيل الله رجاء ان يعوضه فصار كمن يقرضه فاستعير لفظ القرض لبدل على التزام الجزاء قَرْضاً حَسَناً بالإخلاص وتحرى أكرم المال وأفضل الجهات له فَيُضاعِفَهُ لَهُ اى يعطى اجره ضعافا قرأ عاصم فيضاعفه من المفاعلة منصوبا على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكانه قال يقرض الله أحد فيضاعفه له وقرأ ابن عامر ويعقوب فيضعفه من التفعيل منصوبا وقرأ ابن كثير فيضعفه من التفعيل مرفوعا عطفا على يقرض والباقون فيضاعفه من المفاعلة مرفوعا وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ حال من الضمير المنصوب فى فيضاعفه يعنى والحال ان ذلك الاجر المضموم اليه الأضعاف كريم فى نفسه ينبغى ان يطلب وان لم يضاعف فكيف وقد يضاعف أضعافا. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ظرف لقوله او فيضاعفه او متعلق بمقدر يعنى اذكر يَسْعى نُورُهُمْ اى يضىء نور التوحيد والطاعات معهم على الصراط وأينما كانوا ويكون ذلك دليلهم الى الجنة وجملة يسعى حال من المؤمنين والمؤمنات بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ قال بعض المفسرين أراد جميع جوانبهم فعبر بالبعض عن الكل ويؤيد هذا التأويل الدعاء المأثورة عن النبي ﷺ -

стр. 3819

فانه كان يقول إذا خرج للصلوة اللهم اجعل فى قلبى نورا وفى بصرى نورا وفى سمعى نورا وعن يمينى نورا وعن شمالى نورا وخلفى نورا واجعلنى نورا رواه الشيخان وابو داود والنسائي وروى ابن ماجة عن ابن عباس وفى رواية عند مسلم وابى داود والنسائي وزاد فى لسانى نورا واجعل من خلفى نورا ومن امامى نورا واجعل من فوقى نورا ومن تحتى نورا اللهم أعطني نورا فان هذا الدعاء يقتضى احاطة النور من جميع جوانبه ولعل وجه تخصيص الجهتين بالذكران السعداء يوتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين وقال الضحاك ومقاتل يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم كتبهم وقيل يجعل الله لهم نورا فى الجهتين اشعارا بانهم بحسناتهم سعدوا بصحايفهم البيض أفلحوا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن مسعود قال يوتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نورا من كان فى إبهامه يتقدمرة ويطفى اخرى وقال قتادة ذكر لنا ان النبي ﷺ قال من المؤمنين من يضىء نوره من المدينة الى عدن والى الصنعاء فدون ذلك حتى ان من المؤمنين من لا يضىء نوره الا بين القدمين- (فصل) فى موجبات النور والظلمة اخرج ابو داود والترمذي عن بريدة وابن ماجة عن انس كليهما عن النبي ﷺ قال بشر المشائين فى الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة وورد مثله فى حديث سهل بن سعد وزيد بن الحارثة وابن عباس وابن عمر وحارثة بن وهب وابى امامة وابى الدرداء وابى سعيد وابى موسى وابى هريرة وعائشة رض وروى احمد والطبراني عن ابن عمر عن النبي ﷺ من حافظ على الصلوات كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وروى الطبراني عن ابى سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من مقامه الى مكة وروى ابن مردوية عن ابن عمر من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه الى عنان السماء يضىء له يوم القيامة وروى احمد عن ابى هريرة مرفوعا من تلا اية كانت له نورا يوم القيامة وروى الديلمي عن ابى هريرة مرفوعا الصلاة علىّ نور على الصراط واخرج الطبراني فى الأوسط من ذهب بصره فى الدنيا جعل الله له نورا يوم القيامة ان كان صالحا- وروى الطبراني عن عبادة بن صامت مرفوغا فى الحج اما حلق راسك فانه ليس من شعره يقع فى الأرض الا كانت له نورا يوم القيامة

стр. 3820

وروى البزاز عن ابن مسعود مرفوعا إذا رميت الجمار كانت به نورا يوم القيامة وروى الطبراني بسند جيد عن ابى امامة مرفوعا من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورا يوم القيامة روى البزاز بسند جيد عن ابى هريرة مرفوعا من رمى بسهم فى سبيل الله كان له نورا يوم القيامة وروى البيهقي فى شعب الايمان بسند منقطع عن ابن عمر مرفوعا ذاكر لله فى السوق له بكل شعرة نور يوم القيمة وروى الطبراني عن ابى هريرة مرفوعا من فرج عن مسلم كربه جعل الله له يوم القيمة شعبتين من نور على الصراط يستضىء بهما عالم لا يحصيهم الا رب العزة واخرج الشيخان عن ابن عمر ومسلم عن جابر والحاكم عن ابى هريرة وابن عمرو الطبراني عن ابن زياد قالوا قال رسول الله ﷺ إياكم والظلم فانه هو الظلمات يوم القيامة والله تعالى اعلم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ يعنى يقول لهم ذلك من يلقيهم من الملائكة كانت الجملة فى الأصل فعلية تقديره يبشركم اليوم بجنات فعدلت الى الاسمية للدلالة على الاستمرار بشرى مبتدا وجنات خبره واليوم ظرف البشرى اى المبشر به جنات او بشركم دخول جنت تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لجنات خالِدِينَ فِيها ط حال من الجملة التي يفهم من الكلام السابق يعنى يدخلونها خالدين فيها ولا يجوز ان يكون حالا من جنات وإلا لزم جريانه على غير من هو له ذلِكَ النور والبشرى بالجنات المخلدة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بدل من يوم ترى انْظُرُونا قرأ حمزة بهمزة القطع وفتحها فى الحالين وكسر الظاء من الافعال من النظرة بمعنى المهلة كما فى قوله تعالى حكاية عن إبليس رب أنظرني الى يوم يبعثون يعنى مهلونا جعل ثانيهم فى المشي حتى يلحقوا بهم امهالا لهم مجازا والباقون بحذف الالف فى الوصل وضمها فى الابتداء بمعنى الانتظار فى القاموس نظره وانتظره وتنظره تأنى عليه ونظرة كفرجة التأخير قال الله تعالى فنظرة الى ميسرة والله تعالى اعلم نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ومجزوم فى جواب الأمر اى تستضىء بكم ونمشى فى نوركم ولا يكون للمنافقين والكافرين نور يوم القيامة حيث لم يكن لهم نور الايمان فى الدنيا وهو المستفاد من القران ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور وبه قال الكلبي واخرج ابن ابى حاتم عن ابى امامة الباهلي قال يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور اى المؤمن بقدر أعمالهم فيتبعه المنافقون ويقولون انظرونا نقتبس من نوركم

стр. 3821

واخرج عنه من وجه اخر فى حديث طويل فيه فيغشى الناس ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا او يترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا وهو مثل ضرب الله فى كتابه او كظلمات فى بحر لّجّىّ يغشاه من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور فلا يستضىء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضىء الأعمى ببصر البصير ويقول المنافقون للذين أمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا وهى خدعة الله التي خدع بها المنافقين قال يخدعون الله وهو خادعهم فيرجعون الى المكان الذي قسم الله فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب الاية اخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال بينهما الناس فى ظلمة إذ بعث الله نورا فلما راى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان دليلا لهم من الله الى الجنة فلما راى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا الى النور تبعوهم فاظلم على المنافقين فقالوا حينئذ للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فانا كنا معكم فى الدنيا قالوا ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا نورا هناك واخرج ابن المبارك من طريق مجاهد عن يزيد بن شجرة قال انكم تكتبون عند الله باسمائكم وسيماكم وو نجواكم ومجالسكم فاذا كان يوم القيامة نودى يا فلان بن فلان لا نور لك وقال البغوي ان الله يعطى المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطى المنافقين ايضا نورا خديعة لهم وهو قوله وهو خادعهم فبينماهم يمشون إذا بعث الله ريحا وظلمة فاطفأ نور المنافقين فذلك قوله تعالى يوم لا يخزى الله النبي والذين أمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبايمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا مخافة ان يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين كذا اخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس بلفظ ليس أحد من الموحدين الا يعطى نورا يوم القيامة فاما المنافق فيطفىء نوره واما المؤمن فيشقق مما راى من اطفأ نور المنافق فهو يقول ربنا أتمم لنا نورنا والطبراني عنه نحوه واخرج مسلم واحمد والدارقطني فى الرواية من طريق ابن الزبير انه سمع جابر بن عبد الله فذكر حديثا طويلا وفيه ويعطى كل انسان منهم منافق او مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وخسك تأخذ ما شاء الله ثم يطفىء نور المنافقين- والمختار عندى ان المنافقين لا يكون لهم نورا أصلا كما يدل عليه القران وما تقدم من الأحاديث ولعل المراد بالمنافقين الذين يعطى لهم نورا فيطفى

стр. 3822

قبل بلوغهم الى الجنة فى الأحاديث المتاخرة اصحاب الهواء من المؤمنين كالروافض والخوارج والقرينة على هذا المراد قوله ﵇ فى حديث ابن عباس ليس أحد من الموحدين الا يعطى نورا والموحد لا يكون الا بالشهادتين بإخلاص كما مر فى حديث وفد عبد القيس أتدري ما الايمان بالله وحده والله اعلم قيل قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون وقال قتادة يقول لهم الملائكة ارْجِعُوا وَراءَكُمْ اى الى المكان الذي قسم فيه النور كما يدل عليه حديث ابى امامة وابن عباس وذلك خديعة بهم او المعنى ارجعوا ورائكم الى الدنيا فَالْتَمِسُوا هناك نُوراً بتحصيل الايمان والمعارف الالهية والأخلاق الفاضلة وكسب الطاعات فان هذا النور ظهور ذلك فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بين المؤمنين والمنافقين بِسُورٍ بحائط لَهُ بابٌ ط يدخل فيه المؤمنون باطِنُهُ اى باطن السور او الباب فِيهِ الرَّحْمَةُ لانه يلى الجنة وَظاهِرُهُ اى خارج السور او الباب مِنْ قِبَلِهِ اى من جهة الظاهرة الْعَذابُ لانه يلى النار- قال البغوي روى عن عبد الله بن عمر قال ان السور الذي ذكر الله فى القران بسور له باب هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم وقال ابن شريح وكان كعب يقول فى الباب الذي يسمى باب الرحمة فى البيت المقدس انه الباب الذي قال الله تعالى فضرب بينهم بسور له باب الاية. يُنادُونَهُمْ يعنى ينادى المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجب بينهم بالسور وبقوا فى الظلمة أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ط فى الدنيا نصلى ونصوم قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ اى اهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملوها فى المعاصي والشهوات وكلها فتنة وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدواير بمحمد ﷺ الموت وقلتم يوشك ان يموت فنستريح منه وَارْتَبْتُمْ شككتم فى الدين وفيما أوعدكم به وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ الأباطيل وما نكتم تتمنون من نزول الدواير بالمؤمنين حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعنى الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان او الدنيا بان الله كريم لا يعذبكم او بانه لا بعث ولا حساب وقال قتادة ما زالوا على خدعتهم من الشيطان حتى قذفهم فى النار. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ قرأ ابو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتاء لتانيث المسند اليه والباقون بالياء لان التأنيث غير حقيقى وقد وقع الفصل ايضا مِنْكُمْ فِدْيَةٌ بدل وعوض وَلا مِنَ الَّذِينَ

стр. 3823

كَفَرُوا ط جهارا ومَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ اى مكانكم الذي يقال فيه وهو اولى بكم او ناصركم على طريقة قولهم تحية بينهم ضرب وجيع او متوليكم اى يتولكم كما توليتم موجباتها فى الدنيا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف عن عبد العزيز بن رواد وابن ابى حاتم عن مقاتل بن حبان ان اصحاب النبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك فنزلت. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا من انى الأمر يانى إذا جاء اناه وقته أَنْ تَخْشَعَ اى ترق وتلين وتخضع قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ قال البغوي قال عبد الله ابن مسعود وما كان بين اسلامنا وبين ان عاتبنا الله بهذه الاية الا اربع سنين وقال ابن عباس ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على راس ثلثة عشر سنة من نزول القران واخرج ابن المبارك فى الزهد عن سفيان عن الأعمش قال لما قدم اصحاب رسول الله ﷺ المدينة فاصابوا من العيش بعد ما كان بهم من الجهد مكانهم وفتروا عن بعض ما كانوا فنزلت ألم يأن الاية واخرج ابن ابى حاتم عن السدى عن القاسم قال ملّ اصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا فنزل الله نزل احسن الحديث ثم ملواملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فانزل الله ألم يأن للذين أمنوا الاية وقال البغوي قال الكلبي ومقاتل نزلت فى المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك انهم سالوا السلمان الفارسي ذات يوم فقالوا حدثنا عن التورية فان فيه العجائب فنزلت نحن نقص عليك احسن القصص فاخبرهم ان القران احسن من غيره فكفوا عن سوال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسالوا سلمان عن مثل ذلك فنزل الله نزل احسن الحديث فكفوا عن سواله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا حدثنا عن التوراة فان فيها العجائب فنزلت هذه الاية وعلى هذا فتاويل الاية ألم يأن للذين أمنوا فى العلانية وباللسان تخشع سرايرهم وقلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ قرأ نافع وحفص ويعقوب بتخفيف الزاء والباقون بالتشديد مِنَ الْحَقِّ اى القران الموصول معطوف على ذكر الله عطف أحد الوصفين على الاخر ويجوز ان يراد بالذكر ذكر الله سوى القران وَلا يَكُونُوا اى الذين أمنوا منصوب بان معطوف على تخشع وجاز ان يكون مجزوما على انه نهى معطوف على امر مفهومه مما سبق فان المفاد من قوله تعالى ألم يأن للذين أمنوا ان تخشع قلوبهم ليخشع قلوب الذين أمنوا ولا يكونوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعنى اليهود والنصارى والمراد بالنهى عن مماثلة

стр. 3824

اهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى فَطالَ معطوف على أوتوا عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ اى الزمان بينهم وبين أنبيائهم أو طال عليهم الزمان بطول أعمارهم فى الكفر والمعاصي فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ط معطوف على طال وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما فى كتابهم لفرط القساوة جملة اسمية معطوف على فعلية وجاز ان يكون حالا وجملة ألم يأن مستانفة. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ط تمثيل لاحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة او لاحياء الأموات ترغيبا فى الخشوع وزجرا عن القسوة قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكى يكمل عقولكم. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق اى المؤمنين والمؤمنات والباقون بالتشديد اى المتصدقين أدغمت التاء فى الصاد وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بطيب النفس والإخلاص عطف على معنى الفعل لان المعنى الذين صدقوا او تصدقوا وعطف القرض الحسن على التصدق للدلالة على ان المعتبر هو التصدق بالإخلاص فان قيل عطف اقرضوا على الصلة فى المصدقين وعطف المصدقات على الموصول ويلزم فيه العطف على الموصول قبل تمام الصلة وذلك غير جائز قلنا المصدقين والمصدقات اعتبر من حيث المعنى موصولا واحد عطف على صلة اقرضوا والتقدير الناس تصدقوا واقرضوا من الرجال والنساء وجاز ان يقدر للمصدقين والمصدقات خبرا ثم يقدر موصولا اخر معطوفا عليه فيقال ان المصدقين والمصدقات يدخلون الجنة والذين اقرضوا الله الاية وجاز ان يكون اقرضوا معطوفا على خبر مقدر تقديره ان المصدقين والمصدقات أنفقوا أموالهم واقرضوا الله قرضا حسنا وعلى هذا يضاعف اما صفة لقرض او مستانف وجاز ان يكون التقدير ان المصدقين والمصدقات فازوا وقد اقرضوا وعلى هذا يكون واقرضوا حالا ولا يرد على هذه الوجوه إشكال والله تعالى اعلم يُضاعَفُ لَهُمْ قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعف لهم من التفعيل والباقون من المفاعلة ولم يجزم يضاعف لانه خبر ان وهو مسند الى لهم او الى ضمير المصدر وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ عطف على يضاعف او حال من الضمير فى لهم وقد مر مثله فيما سبق. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ اى المبالغون فى الصديق او الصدق فانهم صدقوا

стр. 3825

جميع اخبار الله تعالى ورسوله ﷺ وهذه الاية تدل على جواز اطلاق الصديق على كل مؤمن ومن هاهنا قال مجاهد كل من أمن بالله ورسوله فهو صديق وشهيد- وكذا قال عمرو بن ميمون وللصديق اطلاق اخر أخص منه وهو من اكتسب كمالات النبوة بالوراثة والتبعية وهو المعنى من قوله تعالى فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قلت ويمكن ان يراد فى هذه الاية ايضا هو المعنى والمراد بالموصول المعهود يعنى الصحابة رض فانهم هم الذين كانوا موجودين فى زمن النبي ﷺ والحصر المستفاد من الضمير الفصل يدل على انحصار الصديقية فى الصحابة ويكون الحصر إضافيا بالنسبة الى اكثر الناس قال المجدد رح الصحابة كلهم كانوا فى كمالات النبوة كان كل من راى النبي ﷺ نظرة مع الايمان يستغرق فى كمالات النبوة وللصديق اطلاق اخر أخص من ذلك وبذلك المعنى قال على رض انا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي الاكاذب وبذلك الإطلاق قال الضحاك هم ثمانية نفر من هذه الامة سبقوا اهل الأرض فى زمانهم الى الإسلام ابو بكر وعلى وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب الحقه الله بهم لما عرف من صدق نية ومعنى الحقه بهم ان الله تعالى جعله صديقا بعدهم بستة سنة لا بمعنى انه دونهم فى الرتبة بل هو أفضل غير ابو بكر رضى الله عنه وَالشُّهَداءُ لله وللرسول او على الأمم يوم القيمة عطف على الصديقين وقيل مبتداء خبره عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة فقيل هم الأنبياء لقوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يروى ذلك عن ابن عباس وقول مقاتل ابن حبان وقال مقاتل بن سليمان هم الذين استشهدوا فى سبيل الله لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ اى الاجر والنور الموعد ان لهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى خالدين فيها دون غيرهم فان الصحة تدل على الملازمة والتركيب يشعر بالاختصاص. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا مبتداء المراد ما يرغب فيه الناس فى الحيوة الدنيا بما لا يتوصل به الى المنافع الاخرة لَعِبٌ مع ما عطف عليه خبر يعنى لا فائدة فيها فانها كانت قليلة النفع نظرا الى ما يفيد فى الاخرة شريعة الزوال عد لعبا كانه لا فائدة فيها أصلا وَلَهْوٌ يمنع الناس عمايهم لهم من الأمور الاخروية وَزِينَةٌ يتزينون به كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ بالأنساب وغير ذلك مما لا مزية بها عند الله تعالى

стр. 3826

وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ط اى مباهات بكثرة الأموال والأولاد وجملة انما الحيوة الدنيا إلخ قايم مقام مفعولى اعلموا كَمَثَلِ غَيْثٍ خبر اخر للمبتداء والكاف فى محل الرفع أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ صفة الغيث تمثيل لامور الدنيا فى سرعة زوالها وقلة جدواها وانما خض الاعجاب بالكفار لان المؤمن إذا راى شيئا معجبا انتقل فكره الى قدرة صانعه فاعجب بها والان مطمح نظره الى محاسن الاخروية فلا يمد عينه الى زهرة الحيوة الدنيا وقيل المراد بالكفار والزراع ذكر فى القاموس فى معنى الكافر الزراع لان معنى الكفر الستر والزراع يستر البذر فى الأرض ثُمَّ يَهِيجُ عطف على اعجب اى ثم يبس بعاهة فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ط الحطام ما يكسر باليبس كذا فى القاموس وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لاعداء الله لاشتغالهم عما يفيدهم فى الاخرة بما هو لعب ولهو وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ ط لاوليائه لتجافيهم عن دار الغرور وتهيئهم لدار الخلود وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ لمن لم يستعملها الطلب الاخرة واما من استعملها الطلب الاخرة فله متاع بلاغ الى ما هو خير منه. سابِقُوا اى سارعوا مسارعة السابقين فى المضمار بالايمان والخوف والرجاء والأعمال الصالحة إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها اى بسطها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وقال السدى كعرض سبع سموات وسبع ارضين يعنى لو وصل بعضا ببعض وإذا كان العرض كذلك نطولها اكثر منه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ط فيه دليل على ان الجنة مخلوقة وان الايمان وحده كاف فى استحقاقها وان الايمان بالله لا يعتد به مالم يومن برسوله ذلِكَ الموعود فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ط يتفضل به على من يشاء من غير إيجاب فيه دليل على ان إدخال المؤمنين الجنة انما هو بفضل الله تعالى ومبنى على وعده غير واجب على الله تعالى كما قال به المعتزلة خذلهم الله اخرج ابو نعيم عن على رض قال قال رسول الله ﷺ ان الله ﵎ اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عبد الحساب يوم القيامة ان شاء أعذبه إلا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك لا تلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان لا ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى برحمة منه وفضل وعن عائشة عن النبي ﷺ قال سددوا قاربوا بشروا

стр. 3827

فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله بمغفرة ورحمته- ولمسلم من حديث جابر نحوه وقد ورد هذا من حديث ابى سعيد أخرجه احمد وابى موسى وشريك بن طارق أخرجهما البزاز وشريك بن ظريف واسامة بن شريك واسد بن كدر أخرجها الطبراني وستشكل هذا مع نحو قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وأجيب بان درجات الجنة متفاوتة تنال بتفاوت الأعمال واصل دخولها والخلود فيها بفضل الله ورحمته ويؤيده ما أخرجه هناد فى الزهد عن ابن مسعود قال تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقيمون المنازل بأعمالكم واخرج ابو نعيم عن عون بن عبد الله مثله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فانه لا يبعد منه التفضل بذلك وان عظم قدره-. ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ كجدب وعاهة وكائنة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كمرض وافة وموت الأحباب صفة لمصيبة إِلَّا فِي كِتابٍ فى موضع الحال اى كاينة فى حال من الأحوال إلا حال كونها مكتوبة فى اللوح مثبة فى علم الله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ط اى نخلقها والضمير للمصيبة او للارض او للانفس إِنَّ ذلِكَ الإثبات مع كثرتها عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ هين. لِكَيْلا تَأْسَوْا اى كتب فيه لئلا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ من نعم الدنيا وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ط منها فان من علم ان الكل مقدر لا يجوز تغيره بان عليه الأمر قرأ ابو عمر وبقصر الالف من الإتيان معا ولا بقوله تعالى ما فاتكم والباقون بالمد أي بما اعطاكم الله وفى قراءة الجمهور اشعار بان الفوات لا يستدعى علة فانه عدم أصلي اما الوجود والبقاء فلا يتصور إلا بعلة والمراد به نفى الاسى المانع من التسليم لامر الله والصبر والفرح الموجب للنظر والاختيال ولذلك عقبه بقوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الجملة منصوبة على الحال كُلَّ مُخْتالٍ متكبر بنعم الدنيا فَخُورٍ به على الناس قال عكرمة ليس أحد الا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا قال جعفر الصادق يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه فى يدك الموت. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ط منصوب على انه بدل من كل مختال او مرفوع على انه مبتدا خبره محذوف دل عليه قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّ اى يعرض عن الانفاق فى سبيل الله فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عنه عن إنفاقه لا يضره الاعراض عن شكره لا ينفعه التقرب اليه لشكر نعمة قرأ نافع وابن عامر بغير هو وكذلك فى مصاحفهم والباقون بضمير الفصل

стр. 3828

الْحَمِيدُ محمود فى ذاته. لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا من الملائكة الى الأنبياء ومنهم الى الأمم بِالْبَيِّناتِ بالحجج والمعجزات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ لتبين الحق من الباطل والعمل الصالح من الفاسد والحلال من الحرام وَالْمِيزانَ اى العدل وقال مقاتل بن سليمان وهو ما يوزن به وانزاله إنزال الأمر بالاستعمال ليسوى به الحقوق وقيل ان جبرئيل ﵇ نزل بالميزان فدفعه الى نوح وقال مرقومك يزنوا به لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ج بالعدل وان لا يظلم أحد أحدا علة لانزال الكتاب والميزان وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ روى عن ابن عمر يرفعه ان الله انزل اربع بركات من السماء الى الأرض الحديد والنار والماء والملح وقال اهل المعاني معنى قوله تعالى أنزلنا الحديد انشأنا وأحدثنا اى اخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه وقال قطرب هذا من النزل كما يق انزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الاية جعل ذلك نزلا لهم ومثله قوله تعالى وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج فِيهِ بَأْسٌ اى حرب شَدِيدٌ فان آلات الحرب متخذة منه وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إذ ما من صنعة الا والحديد آلتها وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ عطف على محذوف اى لتقاتلوا فى سبيل الله أعدائه وليعلم الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ وجاز ان يكون اللام صلة لمحذوف اى وأنزله ليعلم الله وجاز ان يكون معطوفا على مفهوم فيه بأس شديد تقديره وأنزلنا الحديد لان فيه بأسا شديدا وليعلم الله بِالْغَيْبِ ط حال من المستكن فى ينصره إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على إهلاك من أراد هلاكه عَزِيزٌ ع لا يحتاج الى نصره أحد وانما امر الناس بالجهاد تفضلا على الناس ليبتغوا به مرضات الله واستوجبوا ثواب امتثال الأمر وإعزاز الدين او الشهادة. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ بيان وتفسير لما سبق من قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلنا وخصا بالذكر بفضلهما وكثرة ذريتهما وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ يعنى فضلناهما بجعل النبوة والكتاب فى ذريتهما فان الكتب الاربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان أنزلت فى ذرية ابراهيم وهو من ذرية نوح ﵉ وذكر فى المدارك عن ابن عباس ان المراد بالكتاب الخط بالقلم يقال كتبت كتابا فَمِنْهُمْ اى من الذرية او من المرسل إليهم وقد دل عليهم الإرسال والفاء للسببية مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ اى اثار نوح وابراهيم من أرسل إليهم ولا يجوز إرجاع الضمير الى الذرية لان الرسل المقفى بهم كانوا من ذريتهما.

стр. 3829

بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا الرسل أجمعين قبل محمد ﷺ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وكان اخر أنبياء بنى إسرائيل وكان بعده فترة الرسل حتى بعث الله خاتم النبيين محمدا ﷺ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً مودة ولينا وَرَحْمَةً ط تعطفا على إخوانهم وعلى المؤمنين كما قال الله تعالى لتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا انا نصارى وكما قال فى صفة اصحاب النبي ﷺ رحماء بينهم وَرَهْبانِيَّةً وهى المبالغة فى العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس وترك الشهوات حتى المباحة منها كالاكل بالنهار والنوم بالليل والنكاح وغيرها منسوبة الى الرهبان فعلان من الرهب بمعنى خاف كخشيان من خشى معطوف على رافة جعلنا فى قلوبهم الميل الى رهبانية ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم صفة لرهبانية وابتداعهم إياها لا ينافى جعل الله تعالى ميلها فى قلوبهم وجاز ان يكون رهبانية منصوبا بالفعل يفسره قوله تعالى ابتدعوها والجملة معطوفة على جعلنا فى قلوبهم رافة ورحمة وابتدعوا من قبل أنفسهم رهبانية ما كَتَبْناها اى ما كتبنا شيئا من خصائل الرهبانية عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فالاستثناء حينئذ متصل وقيل الاستثناء منقطع لعدم دخول ابتغاء مرضات الله فى الرهبانية والمعنى ولكن كتبنا عليهم ابتغاء مرضات الله فَما رَعَوْها اى الرهبانية النفي لسلب العموم لا لعموم السلب والمعنى فمارعوها جميعهم حَقَّ رِعايَتِها ج بل ضيعها بعضهم بترك ما التزموا على أنفسهم من المبالغة فى الرياضة او لقصد الرياء والسمعة والميل الى الدنيا او بكفرهم وقولهم ثالث ثلثة او قولهم بالاتخاذ او بتهودهم وكفرهم بعيسى ومحمد او بكفرهم بمحمد ﷺ بعد ما استقاموا على دين عيسى قبل مبعثه فهؤلاء كلهم مارعوها حق رعايتها- فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ايمانا صحيحا وحافظوا حقوقها حتى أمنوا بمحمد ﷺ على ما وصى به عيسى ﵇ مِنْهُمْ اى ممن ادعى باتباع عيسى ﵇ أَجْرَهُمْ ج اى الاجر الموعود لهم على حسب أعمالهم فمن رعى حق رعاية الترهيب كما التزم أتاه اجر عمله ومن استقام على الدين الايمان ولكن لم يراع الرهبانية حقها أتاه اجر عمله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن اتباع عيسى وهم الذين قالوا بالتثليث وللاتخاذ او التهود او دخلوا فى دين الملوك واثبتوا على دين عيسى لكنهم كفروا بمحمد ﷺ روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله فقال يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقة نحا منهم ثلثة وهلك سايرهن فوقة وازت الملوك

стр. 3830

وقاتلوهم على دين عيسى فاخذوهم وقتلوهم وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بان يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم الى دين الله ودين عيسى فساحوا فى البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم فقال النبي ﷺ من أمن بي وصدقنى واتبعنى فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فاولئك هم الهالكون وقال البغوي روى عن ابن مسعود قال كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار فقال يا ابن أم عبد هل تدرى من اين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية قلت الله ورسوله اعلم قال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب اهل الايمان فقاتلوهم فهزم اهل الايمان ثلث مرات فلم يبق منهم الا قليل فقالوا ان ظهرنا هؤلاء أفتونا ولم يبق للدين أحد يدعوا اليه فقالوا تعالوا فتفرق فى الأرض الى ان يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا ﷺ فتفرقوا فى غير ان الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الاية ورهبانية ابتدعوها الاية فاتينا الذين أمنوا منهم يعنى ثبتوا عليها أجرهم ثم قال النبي ﷺ يا ابن أم عبدا تدرى ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله اعلم قال الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلال قال وروى عن انس عن النبي ﷺ ان لكل امة رهبانية ورهبانية هذه الامة الجهاد فى سبيل الله وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت الملوك بعد عيسى ﵇ بدلوا التورية والإنجيل وكان فيهم مومنون يقرؤن التوراة والإنجيل ويدعونهم الى دين الله فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم او دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل او يتركوا قراءة التوراة والإنجيل الا ما بدلوا منها فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طايفة ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم وقالت طايفة دعونا نسيح فى الأرض ونهيم ونشرب كما نشرب الوحش فان قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طايفة ابنوا لنا دورا فى الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم ففعلوا ذلك فمعنى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فجعل الرجل يقول نكون نحن فى مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذدورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بايمان الذين اقتدوا بهم فلك قومه؟؟؟ وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها اى ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها يعنى الآخرين الذين جاؤا من بعدهم فاتينا الذين أمنوا منهم أجرهم يعنى الذين ابتدعوها ابتغاء مرضات الله وكثير منهم فاسقون

стр. 3831

هم الذين جاؤا من بعدهم قال فلما بعث النبي ﷺ ولم يبق منهم الا قليل حط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحة وصاحب الدير من ديره وأمنوا به واخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه من لا يعرف عن ابن عباس ان أربعين من اصحاب النجاشي قدموا فشهدوا وقعة أحد فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا يا رسول الله انا اهل ميسرة فاذن لنا نجىء باموالنا نواسى بها المسلمين فانزل الله تعالى الذين آتيناهم الكتب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا أمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبرو فلما نزلت قالوا يا معشر المسلمين اما من أمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله اجر كاجوركم فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ﷺ يُؤْتِكُمْ هو وما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ وكذا اخرج ابن ابى داود خاتم عن مقاتل قال لما نزلت أولئك يؤتون أجرهم مرتين الاية فخرمو من اهل الكتاب على اصحاب النبي ﷺ فقالوا لنا أجران ولكم اجر فشق ذلك على الصحابة فانزل الله تعالى هذه الاية فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمنى اهل الكتاب وعلى هذه الرواية الخطاب فى قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا لاصحاب النبي ﷺ عامة وحينئذ قوله وأمنوا برسوله تأكيد لما سبق يعنى أمنوا لجميع ما جاء به الرسول حق الايمان وقال البغوي واكثر المفسرين هذا خطاب اهل الكتابين من اليهود والنصارى يقول الله تعالى يايها الذين أمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله فى محمد أمنوا برسوله محمد ﷺ يؤتكم كفلين من رحمته يعنى يوتكم أجرين لايمانكم بعيسى والإنجيل وبحمد والقران وقال البيضاوي لا يبعد ان يثابوا اى اليهود ايضا على دين السابق وان كان منسوخا ببركة الإسلام وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا فى عصره وفى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ ثلثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب أمن بنبيه وأمن بمحمد ﷺ والعبد المملوك ادى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده امة يطاها فادبها فاحسن تأديبها وعلمها فاحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ على الصراط كذا قال ابن عباس ومقاتل فهذه الاية نظيره قوله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم ويروى عن ابن عباس ان النور هو القران وقال مجاهد هو الهدى والبيان اى يجعل لكم سبيلا واضحا فى الدين تهتدون به الى جناب القدس وجنات الفردوس وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط ما سبق من ذنوبكم

стр. 3832

وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اخرج ابن جرير عن قتادة قال بلغنا انه لما نزلت يؤتكم كفلين من رحمته حسد اهل الكتاب المسلمين عليها فانزل الله تعالى. لِئَلَّا يَعْلَمَ متعلق بافعال واقعة فى جواب الأمر على التنازع قيل متعلق بمحذوف تقديره أعلمكم بذلك لئلا يعلم ولا مزيدة والمعنى ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ان هى المخففة والمعنى انه لا ينالون شيئا من فضل الله الا بمشية الله تعالى ولا يقدرون على نيله باختيارهم هذه الرواية عن قتادة يناسب ما روى الطبراني عن ابن عباس وابن ابى حاتم عن مقاتل ان الخطاب فى قوله تعالى يايها الذين أمنوا اتقوا الله وأمنوا برسوله للمؤمنين عامة لا لاهل الكتاب وذكر البغوي قول قتادة انه حسد الذين لم يؤمنوا من اهل الكتاب المؤمنين منهم فانزل الله تعالى لئلا يعلم اهل الكتاب ان لا يقدرون على شىء من فضل الله على خلاف ما زعموا انهم أبناء الله وأحبائه واهل رضوانه وانهم لا يتمكنون من نيل شىء من الاجر والثواب لانهم لم يؤمنوا برسله وهو مشروط بالايمان به وعلى هذا يناسب ما ذكر المفسرون فى الاية خطاب لاهل الكتابين وقيل لا غير مزيدة والمعنى لئلا يعتقد اهل الكتاب انه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شىء من فضل الله ولا ينالون واخرج ابن المنذر عن مجاهد وكذا ذكر البغوي ان لا يقدرون على شىء من فضل الله على خلاف ما زعموا انهم أبناء الله وأحبائه واهل رضوانه وانهم لا يتمكنون من نيل شىء من الاجر والثواب لانهم لم يومنوا برسله وهو مشروط بالايمان به وعلى عنه انه قال قالت اليهود يوشك ان يخرج منا نبى فيقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فانزل الله لئلا يعلم اهل الكتاب اى ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم انه لا يقدرون على شىء من فضل الله فضلا ان يتصرفوا فى أعظمه وهو النبوة ويؤيده قوله تعالى وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ط خبر بعد خبر لان وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ روى البخاري فى صحيحه عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال انما اجلكم فى أجل من خلا من الأمم ما بين صلوة العصر الى مغرب الشمس وانما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عملا فقال من يعمل لى الى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود الى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من نصف النهار الى العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من صلوة العصر الى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فانتم الذين تعملون من صلوة العصر الى مغرب الشمس الا لكم الاجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن اكثر عملا واقل عطاء فقال الله تعالى فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال الله تعالى فانه فضل أعطيه من شئت وروى البخاري عن ابى موسى عن النبي ﷺ قال مثل

стр. 3833

المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استاجر قوما يعملون عملا يوما الى الليل على اجر معلوم فعملوا الى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا الى أجرك الذي شرطت لنا فهو باطل فقال لهم الا تفعلوا بقية عملكم وخذوا اجركم كاملا فابوا وتركوا واستاجر آخرين بعدهم فقال اكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت من الاجر فعملوا حتى إذا كان صلوة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الاجر الذي جعلت لنا فيه فقال اكملوا بقية عملكم فانما بقي من النهار شىء يسير فابوا فاستاجر قوما ان يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غاب الشمس فاستكملوا اجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور والله تعالى اعلم قلت حديث ابن عمر حكاية عن اليهود والنصارى الذين عملوا على ما أمرهم الله تعالى قبل ان ينسخ دينهم فلهم أجرهم على ما وعدهم الله تعالى وحديث ابى موسى حكاية عن اليهود الذين كفروا بعيسى والنصارى الذين كفروا بمحمد ﷺ وتركوا ما أمرهم الله تعالى وقد أخذ منهم الميثاق انه إذا جاءكم رسول مصدقا لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه فهؤلاء لا اجر لهم أصلا وحبط ما كانوا يعملون وفى الحديثين بشارة لامة محمد ﷺ بانهم يوتون الأجور على أضعاف أجور الصالحين من الأمم الماضيين وبانهم لا يزالوا على الحق الى يوم القيامة إنشاء الله تعالى وعن معاوية قال سمعت النبي ﷺ يقول لا يزال من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك متفق عليه اللهم اجعلنى من الامة القائمة بامرك المويدة لدينك وبحرمة نبيك واله وأصحابه أجمعين صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه أجمعين برحمتك يا ارحم الراحمين روى ابو داود والترمذي والنسائي عن عرباض بن سارية انه ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل ان يرقد ويقول ان فيهن اية خير من الف اية قلت لعل ذلك الاية التسبيح روى النسائي عن معاوية موقوفا انهن الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى قلت ومنها على بنى إسرائيل ولم يذكرها معاوية وقد روى الترمذي والنسائي والحاكم وحتى يقرأ بنى إسرائيل والزمر خشيت ان النبي ﷺ كان يقرأ المسبحات السبع قبل ان يرقد.

стр. 3834

سورة المجادلة مدنية وهى اثنتان وعشرون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت تبارك الذي وسع سمعه كل شىء انى لا سمع كلام خولة ابن ثعلبة ويخفى على بعضه وهى تشتكى زوجها الى الرسول ﷺ وهى تقول يا رسول الله أكل مالى ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سنى وانقطع ولدي ظاهر منى اللهم انى أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرئيل بهؤلاء الآيات قَدْ سَمِعَ اللَّهُ أدغمت حمزة والكسائي وابو عمر وهشام الدال فى السين وكلمة قد لتقريب الماضي الى الحال ويشعر بان الرسول ﷺ او المرأة يتوقع ان الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وهو أوس بن الصامت والمجادلة الشدة فى الخصومة والمراد هاهنا شدتها فى مراجعة الكلام مثل شدة الخصمين وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ عطف على تجادلك وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ط تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ للاقوال بَصِيرٌ بالأحوال قال البغوي نزلت فى خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن صامت وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فارادها فابت فقال لها أنت على كظهر أمي ثم ندم على ما قال كان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية فقال لها ما أظنك الا قد حرمت على فقالت والله ما ذاك طلاق فاتت رسول الله ﷺ وعائشة رض تغسل شق راسه فقالت يا رسول الله ان زوجى أوس بن الصامت تزوجنى وانا شابة غنية ذات مال واهل حتى أكل مالى وأفنى شبابى وتفرق أهلي وكبرت سنى ظاهر منى وقد ندم فهل من شىء يجمعنى وإياه تنعشنى به فقال رسول الله ﷺ حرمت عليه فقالت أشكو الى الله فافتى ووحدتي قد طالت صحبتى ونفضت له بطني فقال رسول الله ﷺ ما أراك الا حرمت عليه ولم اومر فى شانك بشىء فجعلت تراجع رسول الله ﷺ وإذا قال ﷺ حرمت عليه امتنعت وقالت أشكو الى الله فاقتى وشدة حالى وان بي صبية صغار ان ضممتهم اليه ضاعوا وان ضممتهم الىّ جاعوا وجعلت ترفع راسها الى الله وتقول اللهم انى أشكو إليك اللهم فانزل على لسان نبيك وكان هذا أول ظهار فى الإسلام فقامت عائشة تغسل شق راسه الاخر فقالت انظر فى امرى جعلنى الله فداك يا نبي الله فقالت عائشة اقصرى حديثك ومجادلتك اما ترين وجه رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ إذا انزل عليه اخذه السبات فلما قضى الوحى

стр. 3835

ادعى زوجك فجاء فتلى عليه رسول الله ﷺ قد سمع الله قول التي تجادلك فى زوجها الآيات قالت عائشة تبارك الذي وسع سمعه الأصوات ان المرأة لتحاور رسول الله ﷺ وانا فى ناحية البيت اسمع بعض كلامها ويخفى على بعضه إذ انزل الله تعالى قد سمع الله الاية. الَّذِينَ يُظاهِرُونَ قرأ عاصم فى الموضعين بضم الياء وتخفيف الظاء والف بعدها وكسر الهاء من المفاعلة وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء والف بعدها من الافاعل أصله يتظاهرون ادغم التاء فى الظاء والباقون من غير الالف من الافعل أصله تفعل- والظهار ان يقول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمي كان ذلك طلاقا فى الجاهلية مثبتا للحرمة المؤبدة فنقله الشرع الى الحرمة المنتهية بالكفارة مشتق من الظهر والحق به الفقهاء تشبيها بجزء منها لا يحل له النظر اليه كان يقول أنت على كظهر أمي او فخذها او كفرجها وعند الشافعي لو شبهها بجزء لا يحرم نظره اليه كاليد والعين يكون الظهار ايضا كذا لو شبهها بالجدة او العمة او الخالة او البنت او بامرأة اخرى محرمة عليه بالتابيد وشرط الشافعي ان يكون تحريمها غير طارية فلاظهار عند الشافعي لو قال أنت على كظهر مرضعتى وزوجة ابى وعند ابى حنيفة يكون ظهارا لانها فى الحرمة المؤبدة كالام وكذا لو شبه من امرأته جزءا شايعا او جزأ يعبر به عن الكل كان قال راسك على كظهر أمي او فرجك او وجهك او رقبتك او بدنك او جسمك او روحك او نفسك او نصفك او ثلثك لانها اما يعبر بها عن جميع البدن او يثبت الحكم فى الشائع فيتعدى الى الكل وان قال يدك او رجلك على كظهر أمي لا يكون ظهارا خلافا للشافعى فى اظهر أقواله وان قال أنت على كامى او مثل أمي يرجع الى نيته لينكشف حكمه فان قال نويت الكرامة صدق لان التكريم بالتشبيه فاش فى الكلام وان قال أردت الظهار يكون ظهارا لانه تشبيه بجميعها وفيه تشبيه بالعضو لكنه ليس بصريح فيفتقر الى النية وان قال أردت الطلاق كان طلاقا بائنا لانه تشبيه بالأم فى الحرمة فكانه قال أنت على حرام ونوى به الطلاق وان لم ينو أصلا فليس بشىء لاحتمال الكرامة وقال محمد ظهار والله تعالى اعلم (مسئله) لو قال أنت على كظهر أمي الى شهر مثلا لا يكون ظهارا عند الشافعي فى رواية بل لغوا وفى رواية عنه يكون ظهارا وبه قال ابو حنيفة واحمد ويلزم الكفارة على هذا القول بالعزم على الوطي فى المدة وان لم يعزم حتى مضت المدة فلا كفارة عليه غير انه عند احمد ولو وطى المظاهر المظاهر منها فى المدة قبل الكفارة يا ثم ويستقر عليه الكفارة وعند ابى حنيفة يأثم ولا تستقر عليه الكفارة بل لو عزم الوطي

стр. 3836

ثانيا فى المدة كفر ولو مضت المدة حلت عليه بلا كفارة ولو أبانها فى المدة لا كفارة عليه وعند مالك وهو رواية عن الشافعي انه ظهار موبد وفى الباب حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال كنت امرا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يوت غيرى فلما دخل رمضان تظهرت من امراتى حتى ينسلخ رمضان فرقا من ان أصيب وفى ليلتى شيئا فاتتابع فى ذلك حتى يدركنى النهار وانا لا اقدر ان انزع فبينما هى تخدمنى إذ تكشف منها شىء فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومى فاخبرتهم خبرى وقلت انطلقوا معى الى رسول الله ﷺ فاخبروه بامرى فقالوا لا والله لا تفعل نتخرف ان ينزل فينا القران او يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدأ لك فخرجت حتى أتيت النبي ﷺ فاخبرته خبرى فقال لى أنت بذاك فقلت انا بذاك قال أنت بذاك فقلت انا بذاك قال أنت بذاك قلت نعم فقال لى أنت بذاك فقلت انا بذاك فامض فى حكم الله فانى صابر له قال أعتق رقبه قال فضربت صفحة رقبتى بيدي فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت املك غيرها قال فصم شهرين قلت يا رسول الله وهل اصلبني ما أصابني الا فى الصيام قال فتصدق فقلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشيا ما لنا عشا قال اذهب الى صاحبه صدقة بنى زريق فقل له فليدفعها إليك فاطعم عنك منها وستامن تمر ستين مسكينا ثم استعن سايرها عليك وعلى عيالك قال فرجعت الى قومى فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة قد أمرني بصدقتكم الى فادفعوها الى رواه احمد والحاكم واصحاب السنن الا النسائي وأعله عبد الحق بالانقطاع وابن سليمان لم يدرك سلمة حكى ذلك الترمذي عن البخاري ورواه الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وابى سلمة بن عبد الرحمن بلفظ ان سلمة بن صخر جعل امرأته على نفسه كظهر أمي ان غشيها حتى يمضى رمضان فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال أعتق رقبة الحديث احتج ابن الجوزي لهذا الحديث على كون الظهار الموقت موقتا وعلى انه إذا وطى المظاهر قبل التكفير اثم واستقرت الكفارة فى ذمته وليس فى الحديث حجة على كونها الظهار الموقت لكنه حجة على انه لا يلغو سواء كان فى الشرع موقتا او مويدا ثم احتجاج ابن الجوزي لا يخلو عن المصادرة على المطلوب فانه لو قلنا ان الظهار الموقت لا يكون موقتا بل يكون مويدا فلا يكون الحديث حجة على استقرار الكفارة بالوطى قبل الكفارة لجواز ان النبي ﷺ امره بالكفارة لتحصيل الحل بعد رمضان ولفظنا ان الكفارة لا تستقر فى الذمة بالوطى قبل التكفير بل التكفير انما هى لرفع الحرمة الثابتة بالظهار والوطي قبل التكفير موجب للاثم فقط والحرمة باقية

стр. 3837

بعد ذلك ولا يحتاج الى التكفير الا من عزم على الوطي وأراد الاستباحة بعد ذلك واما من طلقها بعد الوطي فلا حاجة الى الكفارة كما هو مذهب ابى حنيفة رح فالحديث حجة على كون الظهار الموقت موبدا لانه ﷺ امره بصيام شهرين ان صيام شهرين لا يتصور منه الا بعد انقضاء رمضان الذي ظاهر فيه موقة الى انسلاخه فلو كان حرمة الظهار منتهية بانتهاء رمضان لا يحتاج الى الكفارة بعد ذلك فلا يصح قول ابى حنيفة فى الظهار الموقت ان يكون موقتا والله تعالى اعلم (مسئله) الظهار المعلق بشرط يصح احتج الرافعي بحديث سلمة بن صخر المذكور على صحة تعليق الظهار وتعقبه ابن الرافعة بان الذي فى السنن لا حجة فيه على جواز التعليق وانما هو ظهار موقت لا تعليق فيه لكن اللفظ المذكور عند البيهقي يشهد بما قال الرافعي (مسئله) لو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط فى العدة لا يصير مظاهرا كذا قال ابن همام (مسئله) يصح الظهار بشرط النكاح عند ابى حنيفة فاذا قال لاجنبية ان تزوجتك فانت على كظهر أمي فتزوجها ولزم كفارة الظهار ولو قال أنت على كظهر أمي فى رجب ورمضان وكفر فى رجب أجزأه عنها (مسئله) لو ظاهر فجن ثم أفاق فهو على حكم الظهار ولا يكون عائدا بالافاقة ما لم يعزم على الوطي خلافا لاجد الوجهين للشافعى والله تعالى اعلم- (مسئله) من قال لنسائه أنتن على كظهر أمي كان مظاهرا منهن جميعا اجماعا وهل يتعدد الكفارة فعند ابى حنيفة والشافعي يتعدد بتعدد هن وبه قال الحسن والطبراني والثوري وغيرهم وقال مالك واحمد كفارة واحدة روى ذلك عن عمر رواه البيهقي من رواية سعيد بن المسيب عنه ومن رواية مجاهد عن ابن عباس عنه وكذا روى عن على وعروة وطاؤس اعتبروه باليمين بالله فى الإيلاء قلنا الكفارة لرفع الحرمة الثابتة بالظهار وهى متعددة بتعدد هن وكفارة اليمين لهتك حرمة اسم الله تعالى وهى واحدة (مسئله) لو كرر الظهار من امرأة واحدة فى مجلس واحد او مجالس متعددة يتكرر الكفارة عند ابى حنيفة وغيره لان الظهار يثبت الحرمة والنكاح باق فيصح الظهار الثاني والثالث ولا منافاة فى اجتماع اسباب الحرمة كالخمر يحرم على الصائم بعينها وللصوم واليمين الا انه إذا نوى بما بعد الاول تأكيدا فيصدق قضاء وديانة بخلاف الطلاق بانه لو نوى تأكيد الا يصدق قضاء لان حكم الظهار بينه وبين الله تعالى وأورد عليه انه لما ثبت بالظهار الاول الحرمة فلا يثبت بالثاني والا يلزم تحصيل الحاصل والأسباب إذا كانت من جنس واحد لا يستدعى تعدد الحرمة فلا بد ان ترتفع حرمة الظهارات المتعددة بكفارة واحدة

стр. 3838

كما ان الحدث الثابت بأسباب متعددة ترفع بوضوء واحد والله تعالى اعلم مِنْكُمْ حال من فاعل تظاهرون وفيه تهجين لعادة العرب فانه كان من ايمان اهل الجاهلية قيل التقييد بقوله منكم يفيد انه لا يصح الظهار من الذمي وبه قال ابو حنيفة ومالك خلافا للشافعى واحمد وهى رواية البرامكة عن ابى حنيفة لان الكافر ليس منا والحاقة بالقياس متعذر لان الظهار جناية حكمها تحريم يرتفع بالكفارة وشرك الكافر يمنع من رفع اثر الجنابة عنه بالكفارة ولانه ليس أهلا للكفارة لانها عبادة حتى اشترطت النية فلا يصح من الكافر فيبقى تحريما مؤبدا او هو غير حكمه بالنص ولقائل ان يقول ان هذه الاية غير موجبة للتحريم ولا للكفارة بل تقتضى اثم المظاهر وارتكابه منكرا من القول وزورا وانما يوجب التحريم والكفارة الاية التالية اعنى قوله تعالى الذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا وليس فيه التقييد بقوله منكم ويلزم منه صحة ظهار الذمي فالاولى ان يقال ان الحرمة بالظهار لا يمكن إثباتها الا حقا للشرع وهم غير مخاطبين بحقوق الشرع فلا يصح ظهاره كما يجوز نكاحه بلا شهودا وفى عدة كافر وإذا لم يثبت الحرمة وقت الظهار لكفره فان اسلم بعد ذلك لا يثبت الحرمة بفقد سببه والله تعالى اعلم- مِنْ نِسائِهِمْ التقييد بالنساء المضافة الى المظاهرين يفيد انه لاظهار الا بالمنكوحة دون الامة المملوكة موطؤة كانت او غيرها وهو مذهبنا ومذهب الشافعي واحمد وجمع كثير من الصحابة والتابعين خلافا لمالك والثوري فى الامة مطلقا وسعيد بن جبير وعكرمة وطاؤس وقتادة والزهري فى الامة الموطوءة لنا ان اطلاق نسائهم على الإماء وان صح لغة لكن صحة الإطلاق لا يستلزم الحقيقة بل اضافة النساء الى رجل او رجال حقيقة انما يتحقق فى الزوجات لانه المتبادر ولانه يصح ان يقال لهؤلاء جواريه لا نساءه ولانه قال الله تعالى يايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن والمراد بنساء المؤمنين الزوجات دون الإماء فان أولاء الجلباب على الإماء غير واجب كيف وقد قال عمر رض ألقي عنك الخمار يا دفار أتشبهين بالحرائر ولان الظهار كان فى الجاهلية طلاقا فنقل عنه الى تحريم منته بالكفارة ولاطلاق فى الامة ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ط على الحقيقة حتى يحرمن عليكم كما تحرم الأمهات إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وقرأ قالون وقنبل هاهنا وفى الأحزاب والطلاق اللاء بالهمزة من غير ياء وورش اللائي بياء مختلفة الكسر خلفا عن الهمزة وإذا وقف صيرها ياء ساكنة والبذي وابو عمرو بياء ساكنة بدلا من الهمزة فى الحالين والباقون بالهمزة وياء بعدها

стр. 3839

فى الحالين وحمزة إذا وقف ساكنة والبذي ساكنة بدلا من الهمزة فى الحالين والباقون جعل الهمزة بين بين على أصله وَلَدْنَهُمْ تعليل لقوله ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ... وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ فان الشرع أنكره وَزُوراً ط كذبا فان قيل الزور الكذب انما يطلق على الخبر والظهار إنشاء للتحريم لا يحتمل الصدق والكذب قلنا الظهار وان كان إنشاء لكنه فى الأصل اخبار لزعمه حرمة مويدة اطلق على قوله بالزور والله تعالى اعلم وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما سلف منه مطلقا وإذا أنيب عليه. وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ الاختلاف فيه كما مر مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا اختلف اهل العلم فى معنى الاية فقال اهل الظاهر معنى الاية يعودون لما قالوا من لفظ الظهار يعنى كرر والفظ الظهار فلا يجب الكفارة عندهم الا بتكرار اللفظ وهو قول ابى العالية وهذا القول يرده الإجماع والأحاديث الواردة فى الباب فانه لم يرد فيه شىء من الأحاديث تعليق الكفارة بتكرار اللفظ وقال مجاهد انهم كانوا فى الجاهلية يظاهرون فمن ظاهر بعد الإسلام فقد عاد الى ما قاله فى الجاهلية اما حقيقة او حكما فانه من اعتقد هذا القول فكانه قاله ويرد على هذا القول ان العطف يقتضى التغاير وكلمة ثم يوجب التراخي فكيف يقال العود هو الظهار بنفسه وفسر ابن عباس العود بالندم يعنى ندموا لما قالوا وأرادوا التحليل وانما فسر العود بالندم لان معنى العود الرجوع الى الشيء بعد الانصراف عنه كذا فى الصحاح والرجل كان راضيا بالحل ثم إذا انصرف عنه الى التحريم فاذا ندم عن التحريم فكانه رجع الى الحالة الاصلية من الرضاء بالحل وقال اكثر المفسرين الاية مصروفة عن الظاهر فقيل اللام بمعنى عن ومعنى يعودون لما قالوا يرجعون عما قالوا والرجوع عن هذا القول انما هو ارادة التحصيل فالمعنى أرادوا التحليل وقيل المضاف محذوف والتقدير يعودون لنقض ما قالوا ولتدارك ما قالوا او لضد ما قالوا قال البيضاوي ويعودون لما قالوا اى الى قولهم بالتدارك ومنه مثل عاد الغيث على ما أفسدوا معنى العود على هذا التقديرات الصيرورة عن حال اعنى عن حال السخط الى حالة الرضا كما فى قوله تعالى حتى عاد كالعرجون القديم وحاصل معنى الاية حينئذ ثم يريدون التحليل قال الفراء يقال عاد فلان لما قال اى فيما قال وفى نقض ما قال وهذا القول يحتمل التأويلين المذكورين وعن ثعلب معناه ثم يعودون لتحليل ما حرموا وعلى هذا التقدير ايضا المضاف محذوف غير انه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول بمنزلة المقول فيه كقوله تعالى ونرثه ما يقول أراد المقول فيه وهو المال لولد وقال ابو مسلم يعودون الى المقول منها بامساكها واستباحتها ثم العود والرجوع عن القول المذكور يحصل بالوطى

стр. 3840

على قول الحسن وقتادة والزهري وطاؤس قالوا لا كفارة عليه ما لم يطاها كما ان لا كفارة بعد اليمين ما لم يحنث وهذا القول يرده قوله تعالى من قبل ان يتماسا فانه يوجب الكفارة قبل الوطي وعند الشافعي رحمه الله تعالى إذ أمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه ان يفارقها ولم يطلقها فقد عاد ورجع عن القول المذكور ووجب عليه الكفارة وان علقها عقيب الظهار فى الحال او مات أحد فى الوقت فلا كفارة عليه لان العود للقول هو المخالفة وانه قصد بالظهار التحريم فاذا أمسكها فقد خالف قوله ورجع عما قاله فيلزمه الكفارة حتى قال لو ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها فان راجعها صار عايدا ولزمه الكفارة قلنا لا نسلم ان مقتضى الظهار التحريم بالطلاق عقيبه حتى يكون عدم إتيانه بالطلاق وإمساكها على النكاح نقضا المقتضى الظهار كما قال ومخالفته لمقتضى الظهار بل كان مقتضى الظهار فى الجاهلية الحرمة المطلقة المنافية للحل الثابت بالنكاح كما هو مقتضى الطلاق ثم صار فى الشرع مقتضاه حرمة الوطي مع بقاء النكاح المنتهية بالكفارة وشرع الكفارة رفع ذلك الحرمة فالسكوت بعد الظهار إرادته استباحة المرأة والعزم على وطيها ويمكن ان يقال المراد بالعود الوطي كما قال الحسن ومن معه لكن لما جعل الله تعالى الكفارة شرطا لحل الوطي لقوله تعالى من قبل ان يتماسا ظهران معنى قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا يريدون العود لما قالوا كما فى قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ المعنى إذا أردتم القيام الى الصلاة فلا يجوز القول بانه لا كفارة عليه مالم يطاها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اى فعليهم تحرير رقبة شرطا للوطى والفاء للتعقيب المجرد دون السببية وقال اكثر العلماء انها للسببية واختلفوا فى ان سبب وجوب كفارة الظهار ماذا فقال الشافعي هو الظهار والعود يعنى إمساكها عقب الظهار زمانا يمكنه ان يفارقها شرط لان فى الاية ترتب الحكم على الامرين والكفارة يتكرر بتكرر الظهار فهو السبب وقالت الحنفية الظهار لا يصلح سببا للكفارة لانها عبادة او يغلب فيها العبادة والظهار منكر من القول وزورا ولا يكون الحظور سببا للعبادة والله سبحانه علق وجوبها بالأمرين الظهار والعود فالسبب مجموعهما والظهار معصية يصلح ان يكون سببا للعقوبة والعود الذي هو إمساك بالمعروف عبادة والكفارة دايرة بين العقوبة والعبادة مجموع الامرين يصلح ان يكون سببا لها وقال فى المحيط سبب وجوبها العود فقط فانه هو المستأخر من المذكورين وعليه رتب الكفارة والظهار شرط وإذا أمكن البساطة فى العلة صير إليها لانها الأصل بالنسبة الى التركيب والحكم قد يتكرر بتكرر الشرط كما يتكرر صدقة الفطر وسببها راس يمونه ويلى عليه ويرد هاهنا انه لو كان العزم على الوطي فقط سببا

стр. 3841

لوجوب الكفارة او الظهار والعزم مجموعهما سببا للوجوب لزم ان يجب الكفارة على من ظاهر ثم عزم على الوطي ثم أبانها او ماتت بعد العزم لوجوب السبب لكن لا يجب إذ لو وجبت لما سقطت وقد نص فى المبسوط انه لو أبانها او ماتت بعد العزم لا كفارة عليه والتحقيق ان اطلاق الواجب فى مثل هذا المقام انما هو مجازى وقد ذكر فى اصول الفقه فى تعريف الحكم انه خطاب الله تعالى المتعلق بافعال المكلفين للاقتضاء او التخيير او الوضع فخطاب الاقتضاء الإيجاب او الندب وخطاب التخيير الإباحة وخطاب الوضع جعل الشيء شرطا لشىء او سببا له او ركنا له او مانعا عنه وخطاب الوضع دون الاقتضاء فان الله سبحانه جعل بهذه الكفارة سببا لرفع الحرمة الثابتة بالظهار وشرطا لاباحة الوطي كما جعل بقوله تعالى إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الوضوء شرطا لاباحة الصلاة وسببا للطهارة عن الحدث وبقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجولكم صدقة الصدقة شرطا لاباحة المناجاة فليس الظهار فى الحقيقة سببا لوجوب الكفارة بل هو سبب لرفع حرمة الوطي ولا ارادة الوطي سبب لها بل النكاح سبب لوجوب حقوق الزوجية ومنها الوطي والحرمة الثابتة بالظهار مانع عنها وما هو مانع عن الحقوق الواجبة يجب إزالتها فالنكاح كما هو سبب لوجوب حقوق الزوجية سبب لازالة ما هو مانع عنها والكفارة سبب لازالة الحرمة فالنكاح السابق صار بعد الظهار سببا لوجوب الكفارة كما ان اليمين سبب للمنع عن المحلوف عليه وبعد الحنث يكون سببا للكفارة وبهذه العلاقة يطلق على الظهار انه سبب للكفارة كما يطلق على الحنث انه سبب للكفارة ولا تزوج ثان حتى لو طلقها بعد الظهار ثلاثا فعادت عليه بعد زوج اخر او كانت امة فملكها بعد ما ظهر منها لا يحل قربانها حتى يكفر فيها- (مسئله) يحرم على المظاهر دواعى الوطي ايضا كالقبلة واللمس عندنا وعند مالك والشافعي قولان الجديد الاباحة وعن احمد روايتان اظهرهما التحريم لنا ان الوطي إذا حرم حرم بدواعيه كيلا يقع فيه كما فى الاستبراء والإحرام بخلاف الحائض والصائم لانه يكثر وجودهما ولو حرم الدواعي يفضى الى الحرج ولا كذلك الظهار والاستبراء والإحرام ولان الحرمة الثابتة بالظهار مشابهة بحرمة المحارم فيحرم الدواعي ايضا كما فيهن (مسئله) للمرأة ان يطالبه بالوطى وعليها ان تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر وعلى القاضي ان يجره على التكفير دفعا للضرب عنها بحبسه فان ابى يضربه ولا يضرب فى الدين ولو قال قد كفرت صدق مالم يعرف بالكذب كذا فى الفتح القدير (مسئله) يجزء الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغيرة والكبيرة لاطلاق الرقبة وقال مالك والشافعي واحمد فى رواية لا يجزى اعتاق الرقبة الكافرة

стр. 3842

حملا للمطلق هاهنا على المقيد الوارد فى كفارة القتل قلنا المطلق يجرى على إطلاقه والمقيد على تقييده ولا وجه لحمل أحدهما على الاخرى وبسط هذا الكلام فى اصول الفقه (مسئله) لا يجزى العميا ولا مقطوعة اليدين او الرجلين او يد ورجل من جهة واحدة او مقطوعة ابهامى اليدين او مقطوعة ثلث أصابع سوى الإبهام من كل يد ومقطوعة احدى اليدين واحدي الرجلين من خلاف والصماء التي تسمع إذا صيح يجزى والا لا والحاصل ان فائت جنس المنفعة لا يجزى والمختلة تجزى (مسئله) لا يجوز عتق المدبر من الكفارة ولا أم الولد لكون رقهما ناقصا وكذا المكاتب الذي ادى بعض كتابت وان لم يرد شيئا جاز خلافا للشافعى (مسئله) من اشترى أباه او ابنه ينوى بالشراء الكفارة جاز عنها وكذا لو وهب له ونوى عند قبول الهبة خلافا للشافعى ولو ورث ونوى عند موت مورثه لا يجوز اتفاقا والحاصل انه إذا دخل فى ملكه بصنعه ونوى عند صنعه ذلك انه للكفارة اجزاء والا لا مسئله لو قال ان دخلت الدار فانت حرونوى عن الكفارة فان نوى وقت اليمين جاز وان نوى وقت الدخول لا يجوز مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا الضمير يرجع الى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها المراد بالتماس المجامعة وفيه دليل على ان الكفارة شرط لحل الاستمتاع وان الظهار يوجب الحرمة ذلِكُمْ اى الحكم بالكفارة قبل المسيس تُوعَظُونَ بِهِ أيزيل الحرمة الثابتة بالظهار او لئلا يعودوا الى الظهار مخافة الفرقة او لان إيجاب الكفارة دليل على ارتكاب الجناية فيتعظوا بايجاب الكفارة عن ارتكاب الظهار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة ولا يقدر على اكتسابها بالشراء اما بفقد قيمتها او بفقد رقبة يمكن تملكها بالشراء او لكون ماله مشغولا بالدين او محتاجا اليه لنفقته او لنفقة عياله عند ابى حنيفة والشافعي واحمد خلافا لمالك والأوزاعي فعندهما من ملك قيمة رقبة ويمكنه شراها يلزمه الاعتاق وان كانت قيمة مشغولة بدينه او محتاجا اليه لنفقته ولا يجوز له الانتقال الى الصوم لنا انه مشغول بحاجة الاصلية فكانه ليس فى ملكه (مسئله) ومن كانت له رقبة لكنه محتاج الى خدمته فعند الشافعي واحمد له ان ينتقل الى الصوم اعتبارا بالماء المعد للعطش يجوز له التيمم والمال المشغول بالدين وعندنا يلزمه الاعتاق ولا يجوز الانتقال الى الصوم والفرق لنا ان الماء مامور بامساكه لعطشه واستعماله محظور عليه وكذا الدين مامور بادائه بخلاف الخادم فانه غير مامور بامساكه لخدمته (مسئله) المعتبر اليسار والعسار وقت التكفير اى الأداء وبه قال مالك وقال احمد والظاهرية وقت الوجوب وللشافعى اقوال كالقولين والثالث يعتبرا غلظ الحالين فَصِيامُ شَهْرَيْنِ

стр. 3843

اى فعليه صيام شهرين ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر والنحر وايام التشريق لان صوم رمضان لا يقع من الظهار لما فيه من ابطال ما أوجبه الله وصوم الأيام المنهية لا ينوب عن الوجوب الكامل وقد قيد الله تعالى مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ط فان فاتت التتابع بعذرا وبلا عذر يجب الاستيناف اجماعا وان وطى المظاهر فى خلال الشهرين ليلا عامدا او نهارا ناسيا لا يجب الاستيناف عند الشافعي وابى يوسف رحمهما الله تعالى وهى رواية عن احمد لعدم فوات التتابع وهو الشرط وان كان تقديمه على المسيس شرطا ففى عدم الاستيناف تقديم البعض وفى الاستيناف تأخيرا لكل عنه وقال ابو حنيفة ومالك واحمد فى اظهر رواية يستانف لان الشرط فى الصوم ان يكون قبل المسيس وان يكون خاليا عن الجماع فيستانف فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام لمرض او كبرا وفرط شهوة لا يصبر عن الجماع او خوف حدوث مرض فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ط كل مسكين مدان عند اهل العراق وهو نصف صاع من اى جنس كان قال البغوي يروى ذلك عن عمرو على وعند ابى حنيفة نصف صاع من بر او صاع من شعيرا وتمرو هو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والحاكم ومجاهد والكرخي بإسناده الى مجاهد انه قال كل كفارة فى القران فهو نصف صاع من برو قال مالك مد وهو رطلان بالبغدادي وقال احمد مد بغدادى من حنطة او دقيق ومدان من شعيرا وتمر ورطلان من خبزاى خبز حنطة وقال الشافعي مد بمد النبي ﷺ وهو رطل وثلث رطل من غالب قوت البلد روى ابن الجوزي فى التحقيق بسنده عن سليمان بن يسار قال أدركت الناس وهم يعطون فى طعام المساكين مدا مدا ويروى ان ذلك يجزى عنهم والحجة لابى حنيفة مامر من حديث سلمة بن صخر وفيه اطعم منك وسقا من تمر ستين مسكينا لكن الحديث منقطع كما ذكرنا وقد روى الترمذي من حديث ابى سلمة ان سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته كظهر امه حتى يمضى رمضان الحديث وفيه قال اطعم ستين مسكينا قال لا أجد قال رسول الله ﷺ لعروة بن عمر واعطه الفرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا ليطعم ستين مسكينا ويمكن ان يقال ان قوله وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا او ستة عشر صاعا من كلام الراوي والمرفوع انما هو أعطه الفرق والفرق فى اللغة الزنبيل سواء كان صغيرا او كبيرا وعند الطبراني فى حديث أوس بن الصامت قال فاطعم ستين مسكينا ثلثين صاعا قال لا املك ذلك الا ان تعينينى فاعانه النبي ﷺ بخمسة عشر صاعا وأعانه الناس حتى بلغ ثلثين صاعا وروى ابو داود عن خولة بنت مالك قالت ظاهر منى زوجى أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو اليه ورسول الله ﷺ يجادلنى فيه ويقول اتقى الله

стр. 3844

فانه ابن عمك فما برحت حتى نزل القران قد سمع الله قول التي تجادلك الاية فقال يعتق رقبة فقلت لا يجد فقال يصوم شهرين متتابعين قلت يا رسول الله انه شيخ كبير ما به من صيام قال فيطعم ستين مسكينا قلت ما عنده شىء يتصدق به قال فانى ساعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله وانى ساعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله انى ساعينه بفرق اخر قال قد أحسنت فاذهبى فاطعمى هما عنه ستين مسكينا وارجعي الى ابن عمك قال والفرق ستون صاعا وقيل هو مكتل يسع ثلثين صاعا قال ابو داود وهذا أصح قال ابن همام وجه الاصحية انه لو كان ستين لم يحتج الى معاونتها بفرق اخرى فى الكفارة واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابى هريرة فى كفارة الصوم جاء رجل الى النبي ﷺ أفطر فى رمضان الحديث قال فاتى بفرق قدر خمسة عشر صاعا قال كله أنت وأهلك وصم يوما واستغفر الله رواه ابو داود من طريق هشام بن سعد عن ابى سلمة بن عبد الرحمن عنه وهشام بن سعد ضعفه النسائي وغيره ورواه ابو داود من حديث اسمعيل قال وقعت امرأتى الحديث وفيه قال خمسة عشر صاعا وكذا وقع فى رواية ابن ابى حفصة ومومل قال البخاري منكر الحديث لكن قال الذهبي ومحمد بن ابى حفصة او سلمة ضعفه النسائي وغيره وقواه غير واحد وفى رواية حجاج بن ارطاة عن الزهري عند الدارقطني بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا وحجاج بن ارطاة ضعيف مدلس وروى عبد الله بن احمد عن أبيه عن يحى انه لم ير الزهري ويؤيد هذا الحديث حديث على رض عند الدارقطني يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مدو فيه فان بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين قلنا قال البخاري فى الحديث اضطراب ففى بعض الروايات خمسة عشر صاعا وعند ابن خزيمة من طريق مهران خمسة عشر او عشرون فى الصحيحين ذكر حديث ابى هريرة وليس فيه تقدير الصيعان بل فيه اتى بفرق فيه تمرو الفرق المكتل الضخم وفى مرسل سعيد بن المسيب ما بين خمسة عشر الى عشرين وفيه عطاء الخراسانى ذكره العقيلي فى الضعفاء وقال البخاري عامة أحاديثه مقلوبة وفى بعض الروايات عشرون صاعا بالجزم كذا عند الدارمي فى مرسل سعيد بن المسيب وفى حديث عائشة عند ابن خزيمة اتى بفرق فيه عشرون صاعا وهذه الأحاديث واردة فى كفارة الصوم ما احتج به ابو حنيفة وارد فيما نحن فيه والشافعي رحمه الله تعالى ذهب الى اقل ما ورد فى مقدار الطعام احتياطا ولكن أصح ما ورد فى تقدير طعام المسكين حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ او نسك رواه الشيخان فى الصحيحين وفيه امره رسول الله ﷺ -

стр. 3845

ان يطعم فرقا بين ستة مساكين او يهدى شاة او يصوم ثلثة ايام والفرق ثلثة أصوع وفى هذا الحديث عند الطبراني لكل مسكين نصف صاع تمر ولاحمد عن نهر نصف صاع طعام ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة ورواية الحكم عن ابن ابى ليلى يقتضى نصف صاع من زبيب فانه قال يطعم فرقا من زبيب بين ستة مسالكين قال ابن حزم لا بد من ترجيح احدى الروايات لانها قصة واحدة فى مقام واحد قال الحافظ المحفوظ عن شعبة نصف صاع من طعام والاختلاف على كونه تمر او حنطة لعله من تصرف الرواة اما الزبيب فلم أره الا فى رواية الحكم وقد أخرجها ابو داود وفى اسناده ابو اسحق وهو فى المغازي لا فى الاحكام إذا خالف وقيل المحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق ابى قلابة ولم يختلف فيه على ابى قلابة وكذا اخرج الطبراني من طريق الشعبي عن كعب وقال الحافظ وما وقع فى بعض النسخ عند مسلم لكل مسكين صاع تحريف فمن دون مسلم والصواب ما فى النسخ الصحيحة لكل مسكين نصف صاع ولما كان الإطعام فى الاية مجملا فى مقدار الواجب وما ورد من الأحاديث فى باب الظهار والصوم مضطربة فى المقدار فالحمل على هذا الحديث الصحيح المتفق عليه اولى من الحمل على صدقة الفطر فان الأمر فيه بالأداء دون الإطعام فعلى هذا مذهب اهل العراق أقوى ومذهب ابى حنيفة أحوط والله تعالى اعلم (مسئله) لو غداهم وعشاهم اكلتين مشبعتين بخبز حنطة ولو بغير ادام او بخبز شعير بادام سواء كانت غداء وعشاء او غدائين او عشائين بعد اتحاد ستين جاز ولو غدا ستين وعشا آخرين لم يجز ولو كان ممن اطعم صبيا فطيما او رجلا شبعان لم يجز ويشترط الإشباع قليلا أكلوا او كثيرا ولا يشترط التمليك خلافا للشافعى ولو اعطى مسكينا واحدا ستين يوما جاز عند ابى حنيفة خلافا للجمهور وقد مرت المسائل اختلافا واستدلالا فى كفارة اليمين فى سورة المائدة (فائدة) لم يذكر الله تعالى قيد من قبل ان يتماسا فى الإطعام كما ذكر فى أخويه ومن هاهنا قال ابو حنيفة انه جامع المظاهر التي ظاهر منها فى خلال الإطعام لا يجب عليه الاستيناف لان الله سبحانه ما شرط فى الإطعام ان يكون قبل المسيس ونظر الى عدم تقيد الإطعام بقبلية المسيس قال مالك انه من أراد التكفير بالاطعام جاز له الوطي والجمهور على انه لا يجوز له ذلك والوطي قبله الجمهور على انه يجوز له ذلك والوطي قبل التكفير حرام مطلقا لان الظهار موجب للحرمة والكفارة سبب لازالة الحرمة فما لم توجد الكفارة لا يحل له الوطي سواء كانت بالاطعام او غير ذلك لعموم قوله ﷺ فاعتزلها حتى يكفر فيما روى اصحاب السنن الاربعة عن ابن عباس رض ان رجلا ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل ان يكفر فقال ﵇ ما حملك

стр. 3846

على هذا قال رايت خلخالها فى ضوء القمر وفى لفظ بياض ساقيها قال فاعتزلها حتى تكفر قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب قال المنذر رجاله ثقات مشهور سماع بعضهم عن بعض قال البغوي الإطلاق فى الطعام محمول على المقيد فى العتق والصيام وهذا مبنى على أصلهم من حمل المطلق على المقيد قلت قوله تعالى من قبل ان يتماسا فى الاعتاق والصيام ليس شرطا لجواز الكفارة وإلا لزم ان من جامع امرأته بعد الظهار قبل الكفارة ثم كفر بعد ذلك لا يجوز كفارته ولا تحل له المرأة بل هو بيان لحرمة الوطي قبل الكفارة ولعله سبحانه ترك القيد بعد الإطعام حذرا من التطويل واكتفاء بما سبق فى أخويه ولم يقتصر على أحدهما لدفع توهم اختصاصه بالخصلة الاولى لو اقتصر عليه معها وتوهم اختصاصه لو اقتصر معها فذكره مرتين تنبيه على ارادة تكريره مطلقا والله تعالى اعلم (مسئله) لو جامع المظاهر قبل التكفير استغفر الله لوقوعه فى الحرم ويكفر بعد ذلك ليحصل له الحل بعد ذلك ويرتفع الحرمة الثابتة بالظهار ولا يجب عليه بالجماع قبل التكفير كفارة اخرى وقال بعض اهل العلم يجب عليه كفارتان لنا ما مر من حديث سلمة بن صخران النبي ﷺ أمرها بكفارة واحدة بعد ما جامعها قبل التكفير وحديث ابن عباس مثل ذلك وروى الترمذي وابن ماجة حديث سلمة بن صخر عن النبي ﷺ فى مظاهر يواقع قبل ان يكفر قال كفارة واحدة وقال الترمذي حديث حسن غريب وقال مالك فى المؤطأ فيمن يظاهر ثم يمسها قبل ان يكفر يكف عنها حتى يستغفر الله ويكفر ثم قال وذلك احسن ما سمعت ذلِكَ منصوب بفعل مقدر اى بينا ذلك الاحكام لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ط ذكر الله سبحانه الايمان وأراد به شرايعه كما فى قوله تعالى ان الله لا يضيع ايمانكم اى صلوتكم يعنى لتعملوا بشرائع الإسلام ترفضوا ما كنتم عليه فى الجاهلية وَتِلْكَ الكفارات حُدُودُ اللَّهِ ط يمتنع بها المكلف عن إتيان المحرمات من الظهار ونحوه او المعنى تلك الاحكام حدود الله لا يجوز تعديها وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يقبلون احكام الله تعالى ولا يمتنعون عن المحرمات ويتجاوزون عن حدوده عَذابٌ أَلِيمٌ وهو نظير قوله تعالى ومن كفر فان الله غنى عن العالمين. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما فان كلا من المتعادين فى حد غير حد الاخر والمعنى يضعون او يختارون حدودا غير حدودهما كُبِتُوا قال فى القاموس كبته يكبته صرعه وأخزاه وصرفه وكسره ورد العد وبغيظه إذ له المكت الممتلى غما كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الكفار الأمم الماضية وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ دالة على صدق الرسول ﷺ وَلِلْكافِرِينَ

стр. 3847

عَذابٌ مُهِينٌ يذهب عزهم وتكبرهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ منصوب بالظرف المستقر اعنى للكافرين او بمهين او باضمارا ذكر تعظيما لليوم جَمِيعاً تأكيد للضمير المنصوب فى يبعثهم او حال منه اى مجتمعين فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ط على رؤس الاشهاد تفضيحا لهم وتقريرا لعذابهم أَحْصاهُ اللَّهُ يعنى أحاط الله ما عملوا علما لم يغب منه شىء وَنَسُوهُ ط لكثرته او لتهاونهم به عند ارتكابه وانما يحفظ من الأمور ما يستعظم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ع لا يعزب عنه شىء. أَلَمْ تَرَ استفهام انكار بمعنى تعلم أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ط كليا وجزئيا ما يَكُونُ من كان التامة اى ما يقع مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ قرأ ابو جعفر تكون بتاء التأنيث نجوى والباقون بالياء لاجل الفصل بمن الزائدة والنجوى اسم مصدر كذا فى القاموس مشتق من النجوة وهى ما ارتفع من الأرض فان السرائر مرفوع الى الذهن لا يتيسر لكل أحد ان يطلع عليه والمعنى ما يقع من تناجى من الرجال ويجوز ان يقدر مضاف او باول نجرى بمتناجين ويجعل صفة لها إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ استثناء مفرغ حال من ثلثة يعنى فى حال من الأحوال إلا حال كون الله تعالى جاعلهم اربعة من حيث انه معهم معية غير متكيفة وشريكهم فى الاطلاع وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ تخصيص العددين اما لخصوص الواقعة فان الاية نزلت فى تناجى المنافقين او لان الله وترو الله يحب الوتر والثلاثة أول الأوتار التي يمكن فيها التشاور لان التشاور لا بد له غالبا من المتنازعين وواحد يتوسط بينهما ويرجح راى أحدهما والمتنازعين اما يكون من كل جانب واحدا فالمجموع ثلثة واما يكون جماعة وادنى الجماعات اثنان فالمجموع خمسة فذكر العددين وأشار الى غيرهما من الاعداد بقوله وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ يعنى اقل عددا من الثلاثة كالاثنين وَلا أَكْثَرَ من الثلاثة او من الخمسة كالاربعة والستة وما فوقها قرأ يعقوب بالرفع عطفا على محل نجوى قبل دخول من او محل ادنى ان جعلت لا لنفى الجنس إِلَّا هُوَ يعنى الله سبحانه مَعَهُمْ معية غير متكيفة مقتضية للاطلاع على ما يجرى بينهم أَيْنَ ما كانُوا ج فان علمه تعالى ليس لقرب المكاني حتى يتفاوت باختلاف الامكنة ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ط تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فانه تعالى هو الخالق للذات والصفات من العلوم وغيرها والمقلب للاحوال اخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل بن حبان قال كان بين اليهود وبين النبي ﷺ موادعة

стр. 3848

فكانوا إذا مر بهم رجل من اصحاب جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن انهم يتناجون بقتله او بما يكره وذكر البغوي نحوه وزاد وان المؤمنين حين يرونهم يتناجون كانوا يقولون ما نريهم الا وقد بلغتهم من إخواننا الذين خرجوا فى السرايا بقتل او موت او هزيمة فيقع ذلك فى قلوبهم فيحزنهم فلما طال ذلك وكثر شكوا الى رسول الله ﷺ فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى فلم ينتهوا فانزل الله تعالى. أَلَمْ تَرَ الم تنظرنا يا محمد إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى اى المناجاة ثُمَّ يَعُودُونَ مضارع بمعنى الماضي اى عادوا عطف على نهوا وإيراد صيغة المضارع لاستحضار صورة العود الشنيعة لِما نُهُوا عَنْهُ ولم ينتهوا يَتَناجَوْنَ عطف على يعودون قرأ حمزة يتنجون وهو يفتعلون من النجوى والباقون على وزن يتفاعلون بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ اى بما هو اثم عند الله وعدوان على المؤمنين وتواص بمعصية الرسول وكان نفس النجوى ايضا معصية للرسول فانه ﵊ نهاهم عنه اخرج احمد والبزاز بسند جيد عن ابن عمران اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ سام عليكم ثم يقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول فنزلت هذه الاية وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وهو قولهم السام عليكم والسام الموت وهم يوهمونه انهم يقولون السلام عليكم وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعنى فيما بينهم إذا خرجوا من عند النبي ﷺ او يقولون فى قلوبهم لَوْلا هلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ من التحية وانه ليس نبى ان كان نبيا لعذبنا الله به قال الله حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ج عذابا يَصْلَوْنَها ج حال من ضمير حسبهم فَبِئْسَ الْمَصِيرُ جهنم عن عائشة قالت استاذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقال السام عليكم فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال يا عائشة ان الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله قلت او لم تسمع ما قالوا قال قد قلت وعليكم وفى رواية عليكم ولم يذكر الواو متفق عليه وفى رواية البخاري قالت ان اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا السام عليكم قال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله ﷺ مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش قالت او لم تسمع ما قالوا قال او لم تسمعى ما قلت رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى وفى رواية لمسلم لا تكونى فاحشة فان الله لا يحب الفحش وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذ اسلم عليكم اليهود فانما يقول أحدهم السام عليكم فقل وعليك متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله ﷺ إذا سلم عليكم اهل الكتاب فقولوا وعليكم متفق عليه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل يعنى الذين

стр. 3849

أمنوا بألسنتهم دون قلوبهم وهم المنافقون وقال عطاء يريد الذين أمنوا بزعمهم إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كما يفعله اليهود وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ بأداء الفرائض والطاعات وما يتضمن خير المؤمنين وَالتَّقْوى ج اى الاحتراز من معصية الرسول وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيما تفعلون وتتركون فانه مجازيكم اخرج ابن جرير عن قتادة قال كان المنافقون يتناجون بينهم وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم فانزل الله تعالى. إِنَّمَا النَّجْوى الذي يأتونه لغيظ المؤمنين وحزنهم مِنَ الشَّيْطانِ فانه المزين لها وحاملهم عليها لِيَحْزُنَ متعلق بفعل محذوف تقديره يتناجون ليحزن او يزين الشيطان النجوى ليحزن او متعلق بالظرف المستقر يعنى كاين من الشيطان ليحزن الَّذِينَ آمَنُوا بتوهمهم لوصول مكروه وَلَيْسَ النجوى او الشيطان بِضارِّهِمْ اى المؤمنين شَيْئاً من الضرر- إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ط اى بقضائه ومشيته الجملة حال من فاعل الظرف المستقر وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الفاء فى فليتوكل جواب اما المحذوفة تقديره واما على الله فليتوكل المؤمنون ولا يبالوا بنجوهم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا كنتم ثلثة فلا تتناجى اثنان دون الثالث الا باذنه فان ذلك يحزنه رواه البغوي وروى احمد والشيخان والترمذي وصححه وابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعا إذا كنتم ثلثة فلا تتناجى رجلان دون الاخرى حتى يختلطوا بالناس فان ذلك يحزنه قال البغوي قال مقاتل بن حبان كان النبي ﷺ يكرم اهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء الناس منهم يوما وقد سبقوا الى المجلس فقاموا حيال النبي ﷺ فرد عليهم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون ان يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله قم يا فلان وأنت يا فلان فاقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من اهل بدر فشق ذلك من أقيم من مجلسه وعرف النبي ﷺ الكراهية فى وجوههم فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ الاية واخرج ابن ابى حاتم عنه انها أنزلت يوم جمعة وقد جاء ناس من اهل بدر فذكر نحوه وقال البغوي قال الكلبي نزلت فى ثابت بن قيس بن شماس وقد ذكر فى سورة الحجرات قصته واخرج ابن جرير عن قتادة قال كانوا إذا راوا من جائهم مقبلا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا توسعوا وليقسحوا بعضكم عن بعض من قولهم افسح عنى

стр. 3850

اى تنح فِي الْمَجالِسِ قرأ عاصم على صيغة الجمع بالألف والباقون المجلس بغير الف على التوحيد والمراد بالمجلس حينئذ الجنس او مجلس رسول الله ﷺ فانهم كانوا يتنافسون على القرب من النبي ويحرصون على استماع كلامه فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ج مجزوم فى جواب الأمر اى يوسع الله لكم فيما تريدون الوسعة من المكان والرزق والصدر ويوسع لكم الجنة روى البغوي بسنده عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا وروى ايضا من طريق الشافعي عن جابر بن عبد الله ان النبي ﷺ قال لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا وقال ابو العالية والقرظي والحسن هذا فى مجالس الحرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم فى الصف فيقول توسعوا فيابون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم فى الشهادة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قرأ نافع وابن عمرو وعاصم بخلاف عن ابى بكر بضم الشين فيها ويبتدون بهمزة الوصل والباقون بكسر الشين ويبتدون بكسر الهمزة والمعنى ارفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لاخوانكم وقال البغوي قال عكرمة والضحاك كان رجال يتناقلون عن الصلاة إذا نودى بها فانزل الله هذه الاية معناه إذا نودى للصلوة فانهضوا لها وقال مجاهد واكثر المفسرين معناه إذا قيل لكم انهضوا الى الصلاة والى الجهاد والى كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا يَرْفَعِ اللَّهُ مجزوم فى جواب الأمر الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالنصر وحسن الذكر ومهابتهم فى أعين الناس وغير ذلك فى الدنيا وايوائهم فى غرف الجنان فى الاخرة الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ العلماء منهم خاصة دَرَجاتٍ ط تميز من نسبة الرفع الى المفعول تقديره يرفع الله درجات الذين أمنوا فى الجنة بما جمعوا من العلم والعمل فان العمل إذا صدر من اهل العلم يوتى من الاجر ما لا يوتى غيره لانه يقتدى به دون الجاهل فله اجره واجر من يقتدى به من غير ان ينقص من أجورهم شيئا قال رسول الله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من بعده من غير ان ينقص من أجورهم شى الحديث رواه مسلم من حديث جرير قال ﵊ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينار او لا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد واصحاب السنن عن كثير بن قيس وسماه الترمذي قيس ابن كثير قال قال ﵊ فضل العالم على العابد كفضل الأعلى على أدناكم رواه الترمذي

стр. 3851

من حديث ابى امامة الباهلي عن عبد الله بن عمر ان رسول الله ﷺ من مجلسين فى مسجده فقال كلاهما على خير واحدهما أفضل من صاحبه اما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون اليه فان شاء أعطاهم وإنشاء منعهم اما هؤلاء فيتعمون الفقه او العلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل وانما بعثت معلما ثم جلس فيهم رواه الدارمي قال الحسن قرأ ابن مسعود هذه الاية وقال ايها الناس افهموا هذه الاية ولترغبكم فى العلم فان الله يقول يرفع الله المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات وفى هذه الاية اشارة الى ان النفر من اهل بدر مستحقون لما عوملوا من الإكرام والنبي ﷺ مصيب فيما امر وأولئك المؤمنون مثابون فيما ايتمروا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم عليه فيه ترغيب لمن عمل وتهديد لمن لم يمتثل الأمر واستكرهه اخرج ابن ابى حاتم عن طريق على بن ابى طلحة عن ابن عباس ان مسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه فاراد الله ان يخفف عن نبيه فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ اى إذا أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ الرسول صَدَقَةً ط قال البغوي قال مقاتل بن حبان نزلت فى الأغنياء وذلك انهم يأتون النبي ﷺ فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره النبي ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم وقال ابن عباس فى رواية ابن ابى حاتم انه لما نزلت هذه الاية صبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة قال البغوي انتهوا عن مناجاته فاما اهل العسرة فلم يجدوا شيئا واما اهل اليسرة فضنوا واشتد ذلك على اصحاب رسول الله ﷺ فنزلت الرخصة قال مجاهد نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه الا على رض تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة وكان على يقول اية فى كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلى ولا يعمل أحد بعدي وهى اية المناجاة وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه والحاكم فى المستدرك عن على رض ان فى كتاب الله اية فما عمل بها أحد غيرى كان بي دينارا فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وذكر فى المدارك عن على رض عنه قال كنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسالت رسول الله ﷺ عشر مسائل فاجابتنى عنها قلت يا رسول ما الوفا قال التوحيد وشهادة ان لا اله الا الله قلت ما الفساد قال الكفر بالله والشرك قلت ما الحق قال الإسلام والقران والولاية وإذا اهتبت إليك قلت ما الحيلة قال ترك الحيلة قلت ما علىّ قال طاعة الله ورسوله قلت وكيف ادعو الله قال بالصدق واليقين قلت وماذا أسأل قال العافيه قلت ما اصنع لنجاة نفسى قال كل حلالا

стр. 3852

وقل صدقا قلت ما السرور قال الجنة قلت ما الراحة قال لقاء الله فلما فرغت منها نزلت نسخها ذلِكَ التصدق خَيْرٌ لَكُمْ من حب المال وَأَطْهَرُ ط لذنوبكم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الصدقة لاجل الفقر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ رخص للفقراء وأجاز لهم المناجاة من غير تصدق كان هذه الجملة مخصص لما سبق من عموم الحكم واخرج الترمذي وحسنه عن على رض قال لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال لى النبي ﷺ ما ترى دينار قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال انك لزهيه فنزلت. أَأَشْفَقْتُمْ الاستفهام للتقرير والمعنى خفتم الفقر من أَنْ تُقَدِّمُوا او المعنى خفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ط ما جمع الصدقات لجمع المخاطبين او لكثرة التناجي قال على فيما روى الترمذي عنه فخفف الله عن هذه الاية فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا التصدق لاجل الفقر او البخل وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ تجاوز عنكم ولم يعاقبكم او المعنى رجع بكم عنها وخفف بنسخ الصدقة ورخص لكم ان لا تفعلوه وفيه اشعار بان اشفاقكم ذنب تجاوز الله عنه وإذ هنا بمعناه وقيل تقدير الكلام فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم تجاوز عنكم ونسخ الصدقة قال مقاتل بن حبان كان ذلك عشر ليال وقال الكلبي ما كانت الا ساعة من النهار- فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة ولا تهاونوا فى أدائها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى ساير الأوامر ودوموا عليها فان القيام بها كالجابر للتفريط فى ذلك وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ع ظاهرا وباطنا فيجازيكم عليه روى احمد والبزاز وابن جرير والطبراني والحاكم من حديث ابن عباس رض انه ﷺ كان فى حجرة من حجراته وفى رواية كان فى ظل حجرة وقد كان الظل يتقلص فقال يدخل عليكم رجل جبار وفى رواية قلبه قلب جبار وينظر بعيني الشيطان فاذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا ان طلع عليهم رجل ازرق اعور فدعاه رسول الله ﷺ فقال حين راه على ما تشتمتى أنت وأصحابك فقال ذرنى آتك فانطلق فدعاهم فحلفوا له ما قالوا وما فعلوا فانزل الله هذه الاية. أَلَمْ تَرَ اى تنظر استفهام للانكار وانكار النفي تقدير للاثبات إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ط والمراد بالموصول المنافقون وهم عبد الله ابن نبتل وأصحابه وبقوم غضب الله عليهم اليهود فهم والوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسراء النبي ﷺ -

стр. 3853

ما هُمْ يعنى المنافقين مِنْكُمْ فى الدين والولاية وَلا مِنْهُمْ اى اليهود جملة ما هم منكم حال من الموصول وَيَحْلِفُونَ عطف على تولوا عَلَى الْكَذِبِ وهو ادعاء الإسلام وَهُمْ يَعْلَمُونَ ج حال من فاعل يحلفون يعنى يحلفون عالمين بانهم كاذبون لا كمن يحلف خطاء زعما منه انه صادق فيما يقول قال السدى ومقاتل نزلت فى عبد الله المنافق كان يجالس رسول الله ﷺ ثم يرفع حديثه الى اليهود فبينما رسول الله ﷺ فى حجرة فذائر نحو حديث ابن عباس المذكور وفيه فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ط نوعا من العذاب متفاقما إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ج فى الماضي فتحزنوا على سوء العمل وأصروا عليه. اتَّخَذُوا جملة مستانفة او حال من فاعل يحلفون بتقدير قد أَيْمانَهُمْ الكاذبة جُنَّةً وقاية لدمائهم وأموالهم فَصَدُّوا الناس فى خلال امنهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن طاعته والايمان به وقيل المعنى فصدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وعيد ثان بوصف اخر بعذابهم او وعيد اخر بعذابهم فوق عذابهم الاول لكفرهم والثاني لصدهم كما فى قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب وقيل الاول عذاب القبر وهذا عذاب الاخرة. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ يوم القيمة أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ اى من عذابه شَيْئاً ط من الإغناء جملة لن تغنى صفة اخرى بعذاب بحذف الرابط تقديره لهم عذاب مهين لن تغنى عنهم فى دفعه أموالهم او مستانفة أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الظرف متعلق بقوله فلهم عذاب مهين فَيَحْلِفُونَ لَهُ اى لله تعالى يقولون والله ربنا ما كنا مشركين كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ انهم منكم وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ط من الحيلة للنجاة ويزعمون ان الايمان الكاذبة ترفع على الله كما تروح عليكم فى الدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ البالغون الغاية فى الكذب فانهم يكذبون مع عالم الغيب حيث لا ينفعهم الكذب. اسْتَحْوَذَ غلب واستولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ جملة مستانفة فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ط واغفلهم عند تعالى بحيث لا يخافون عذاب الله ولا يزعمون ان الله مجازيهم وانه يعلم سرهم وخفاياهم أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ط جنوده واتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ لانهم فوتوا حظهم وبدلوا نصيبهم من الجنة بالنار الموبدة وقد ورد فى الحديث الطويل عن ابى هريرة مرفوعا ان الكافر فى القبر يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر الى زهرتها

стр. 3854

وما فيها فيقال له انظر الى ما صرفه الله عنك ثم يفرج له فرجة الى النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له هذا مقعدك رواه ابن ماجة وعنه قال قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مان فدخل النار ورث اهل الجنة منزلته فذلك قوله تعالى أولئك هم الوارثون. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ اى فى جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا يرى أحد أذل منهم. كَتَبَ اللَّهُ فى اللوح قضاء ثابتا لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي قرأ نافع وابن عامر بفتح الياء والباقون بالإسكان قوله لاغلبن جواب قسم محذوف او يقر لما كان كتب لافادة اللزوم بمعنى القسم أورد فى جواب اللام قال الزجاج غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب فهو غالب فى الحرب ومن لم يومر بالحرب فهو غالب بالحجة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لا يمتنع عنه ما يريد عَزِيزٌ لا يغلب عليه أحد. لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مفعول ثان لتجدلن كان بمعنى العلم وان كان بمعنى المصادفة فهو حال او صفة مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذه الاية تدل على ان ايمان المؤمن يفسد بموادة الكافرين وان المؤمن لا يوالى الكفار وان كان قريبه قيل نزلت الاية فى ابى حاطب بن بلتعة حين كتب الى اهل مكة وسياتى القصة فى سورة الممتحنة إنشاء الله تعالى واخرج ابن المنذر عن ابى جريج قال حدثنا ان أبا قحافة سب النبي ﷺ فصكه ابو بكر صكة فسقط فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال أفعلت يا أبا بكر فقال والله لو كان السيف قريبا منى لضربته به فنزلت لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ اخرج ابن ابى حاتم عن ابن شودة قال نزلت هذه الاية فى ابى عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم الهدر وأخرجه الطبراني والحاكم فى المستدرك بلفظ جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لابى عبيدة يوم بدر وجعل ابو عبيدة تحيد عنه فلما كثر قصده ابو عبيدة فقتله فنزلت وروى مقاتل بن حبان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود فى هذه الاية ولو كانوا ابائهم يعنى أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد أَوْ أَبْناءَهُمْ يعنى أبا بكر دعا ابنه يوم بدر الى البراز فقال دعنى يا رسول الله أكن فى الرعلة الاولى فقال له رسول الله ﷺ متعناه بنفسك يا أبا بكر أَوْ إِخْوانَهُمْ يعنى مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ط يعنى عمر قتل خاله العاص بن هشام ابن المغيرة يوم بدر وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة أُولئِكَ الذين لم يوادوهم كَتَبَ اى اثبت فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ اى التصديق فهى موقنة لا تدخل فيها الشك وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ اى بنور من عند الله وبنصره سمى بنصره إياهم روحالان أمرهم يحيى به وقال السدى يعنى بالايمان وقال الربيع يعنى بالقران وحججه وقيل برحمة منه وقيل أيدهم لجبرئيل وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﵃ بطاعة والجملة بتقدير قد حال من فاعل يدخلهم او من مفعوله وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه بحسبهم فى الاخرة او بما قضى الله تعالى عليهم فى الدنيا أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ وجنده وأنصار دينه يتبعون امره وينهون عما نهى عنه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بخير الدنيا والاخرة الآمنون من كل مرهوب

стр. 3855

فى الصحيحين عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رض سورة الحشر قال قل سورة النضير واخرج البخاري عنه ان سورة أنفال نزلت فى بدر وسورة الحشر نزلت فى بنى النضير. سورة الحشر مدنية وهى اربع وعشرون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بيان للموصول يعنى بنى النضير كانوا من أولاد هارون ﵇ مِنْ دِيارِهِمْ التي كانت لهم بالمدينة قال ابن اسحق كان اجلاء بنى نضير عند مرجع النبي ﷺ من أحد وفتح قريظة عند مرجعه عن الأحزاب وبينهما سنتان وسبب إخراجهم ان النبي ﷺ لما دخل المدينة صالح بنو النضير على ان لا تقاتلوه ولا تقاتلوهن معه فقبل ذلك رسول الله ﷺ منهم فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير والله النبي الذي وجدنا نعته فى التوراة لا ترد له راية فلما غزا أحد وانهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ﷺ والمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وركب كعب بن الأشرف من بنى النضير فى أربعين راكبا من اليهود الى مكة فاتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على ان يكون كلمتهم واحدة على محمد ودخل ابو سفيان فى أربعين من قريش وكعب فى أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة ثم رجع كعب وأصحابه الى المدينة فنزل جبرئيل فاخبر النبي ﷺ بما تعاقد عليه كعب وابو سفيان وامر النبي ﷺ بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلم ذكرنا قصة قتله فى سورة ال عمران فى قوله تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وكان النبي ﷺ اطلع منهم على خيانات منها انهم أرسلوا الى رسول الله ﷺ ان اخرج إلينا فى ثلثين من أصحابك وليخرج منا ثلثون حبرا حتى نلتقى بمكان نصف بيننا وبينك فسمعوا منك فان صدقوك وأمنوا بك أمنا بك كلنا فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله ﷺ فى ثلثين من أصحابه وخرج اليه ثلثون حبرا من يهود حتى إذا برزوا فى براز من الأرض قال بعضهم لبعض كيف تخلصون اليه ومعه ثلثون رجلا من أصحابه كلهم يحب ان يموت قبله فارسلوا اليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا اخرج فى ثلثة من أصحابك ويخرج إليك ثلثة من علمائنا فيسمعون منك فان صدقوك
следующие страницы →