Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
والشتم وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ط لو للتمنى والجملة بيان الوداد والماضي فى جواب ان الشرطية وان كان يفيد معنى الاستقبال ولكن أورد صيغة الماضي للاشعار بانهم ودوا ذلك قبل كل شىء وان ودادهم حاصل بالفعل.
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ اى قرباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ ج الذين أشركوا والذين توالون المشركين لاجلهم يَوْمَ الْقِيامَةِ ج فيه رد لعذر الحاطب بن بلتعة ومن كان يعتذر بنحو ذلك يَفْصِلُ قرأ عاصم على البناء للفاعل من الثلاثي المجرد ونافع وابن كثير وابو عمرو على البناء للفاعل من باب التفعيل وابن عامر على البناء للمفعول منه بَيْنَكُمْ اى ليفرق الله بينكم حين يفر بعضكم من بعض لشدة الهول ويصير الأخلاء يومئذ اعداء الا المتقين او المعنى يفصل بينكم اى يدخل المؤمنين الجنة والمشركين النار فمالكم تتوالونهم اليوم وترفضون حق الله ونبيه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه.
قَدْ كانَتْ لَكُمْ ايها المؤمنون أُسْوَةٌ اسم لما يوتسى به اى اقتداء حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين متعلق بالظرف المستقر اعنى لكم الذي هو خبر او صفة ثانية لاسوة إِذْ قالُوا ظرف لخبر كان او خبر لكان لِقَوْمِهِمْ الكفار إِنَّا بُرَآؤُا جمع برىء كظريف وظرفاء مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام كَفَرْنا بِكُمْ الكفر بالحقيقة ضد الايمان لانه ستر الحق والنعمة لكن اطلق هاهنا للتبرى كما فى قوله تعالى ويوم القيامة يكفر بعضكم عن بعض وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فينقلب العداوة والبغضاء الفة ومحبة إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ قال البيضاوي وغيره استثناء من قوله أسوة حسنة وفيه إشكال فان أسوة نكرة لا يتيقن دخول المستثنى فيه حتى يكون متصلا ولا عدم دخوله حتى يكون منقطعا نظيره قوله تعالى لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا فالاولى ان يقال انه استثناء من محذوف تقديره اتبعوا اقوال ابراهيم الا قوله لابيه لاستغفرن لك كذا قال صاحب البحر المواج وعندى انه استثناء من قوله فى ابراهيم بتقدير المضاف تقديره قد كانت لكم أسوة حسنة فى قول ابراهيم الا قوله لابيه لاستغفرن لك ولعل هذا هو المراد من كلام البيضاوي فان استغفاره لابيه الكافر لا ينبغى فيه التأسي والاتباع وانما كان ذلك قبل النهى لموعدة وعدها إياه وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ط هذا من تمام المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء كل جزء منه وكلمة من زائدة وشىء فى محل النصب على المفعولية لا ملك رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا فى محل النصب بتقدير
стр. 3887
القول يعنى قال ابراهيم ومن معه ربنا عليك توكلنا وهو متصل بما قبل الاستثناء إذ هو امر من الله للمؤمنين تتميما لما وصّهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار تقديره قولوا ربنا عليك توكلنا وتركنا موالاة الكفار والاستنصار بهم وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ المرجع.
رَبَّنا كرّ النداء بربنا لتاكيد المناجاة والاستعطاف لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعنى لا تسلطهم علينا فيعذبونا فيواخذونا بذلك فتكون فتنة لهم اى سببا لعذابهم وقال الزجاج يعنى لا تظهرهم علينا فيظنوا انهم على الحق وقال مجاهد لا تعذبنا بايديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك وَاغْفِرْ لَنا ما فرط منا فان المعاصي قد يكون سببا لتسليط الكفار على المؤمنين رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يقدر أحد على إيصال الشر بمن يجيره ويتوكل عليه الْحَكِيمُ الحاكم العالم المقتدر على اجابة الدعاء.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فِيهِمْ اى فى ابراهيم ومن معه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تكرير لتاكيد الحث على التأسي ولذلك صدر بانفسهم لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ اى يرجوا لقاء الله وثوابه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ط اى يرجوا إتيان يوم القيامة وقوله لمن كان بدل من لكم وفيه ايماء الى ان الايمان يقتضى التأسي به ﵇ وتركه يوذن بسوء العقيدة ولذلك عقبه بقوله وَمَنْ يَتَوَلَّ عن تأسي الأنبياء ويوالى الكفار فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة وعن تأسي رسله وعن كل شىء وانما منفعة التأسي بالأنبياء راجع الى المتاسى الْحَمِيدُ ع لاوليائه ولاهل طاعة قال البغوي قال مقاتل فلما امر الله تعالى بعداوة الكفار دعادى المؤمنون اقربائهم وأظهروا لهم العداوة والبراءة علم الله تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك انزل الله بتسليتهم قوله.
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ يعنى كفار مكة مَوَدَّةً ط فانجز الله وعده قريبا فان الاية نزلت قبل الفتح كما ذكرنا وبعد الفتح اسلم كل من كان بمكة وصاروا اولياء الا من قتل منهم يوم الفتح كالحو يرث بن نفيد وغيره وسميناهم فى سورة النصر فان قيل كلمة الذين عاديتم عام تقتضى موالاة جميعهم وقد قتل منهم كافرا قلنا قد يطلق العام ويراد به الخاص مجازا ألم تسمع قولهم ما من عام إلا وقد خص منه البعض وقد يسند الفعل الى الكل مجازا لوجود المسند اليه فيهم كما فى قوله تعالى فكذبوه فعقروها وَاللَّهُ قَدِيرٌ ط على ذلك وعلى كل شىء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما فرط من موالاتهم قبل النهى ولما بقي من قلوبهم من ميل الرحم اخرج البخاري عن اسماء بنت ابى بكر قالت أتتني أمي راغبة فسالت النبي ﷺ أصلها قال نعم
стр. 3888
فانزل الله تعالى.
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الاية واخرج احمد والبزاز والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير قال قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها اسماء بنت ابى بكر وكان ابو بكر طلقها فى الجاهلية فقدمت بنتها بهدايا فابت اسماء ان تقبل منها او تدخلها منزلها حتى أرسلت الى عائشة ان سلى عن رسول الله ﷺ فاخبرته ان تقبل هداياها وتدخلها منزلها فانزل الله لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ اى تكرموهم وتحسنوا إليهم قولا وفعلا بدل من الذين بدل اشتمال اى لاينهكم الله عن مبرتهم وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ط اى تقضوا إليهم القسط والعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقال ابن عباس نزلت الاية فى خزاعة كانوا قد صالحوا النبي ﷺ ان لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فرخص الله تعالى فى مبرهم ومن هاهنا يظهر انه يجوز دفع الصدقة النافلة الى الذمي وقد مر المسألة فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى ليس عليك هداهم ومن ثم امر النبي ﷺ بإعطاء سارة مولاة ابى عمرو كما ذكرنا فى أول السورة والله اعلم.
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهم الرجال المشركون من اهل مكة بعضهم سعوا فى إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ج بدل من الموصول بدل اشتمال ومن هاهنا يظهران المنهي عنه انما هو موالاة اهل الحرب دون مبرتهم يشرط ان لا يضربا لمومنين وقد قال الله تعالى فى الأسارى من اهل الحرب امامنا بعد واما فداء والمن نوع من البر فعلى هذا يجوز دفع الصدقة النافلة لاهل الحرب ايضا ان لم يكن فى ذلك تقويتهم على الحرب وقد قال رسول الله ﷺ فى الكبد الحارة اجر رواه البيهقي بسند صحيح فى شعب الايمان عن سراقة بن مالك وروى عنه احمد بسند صحيح وابن ماجة بلفظ فى كل ذات كبد حرى اجر وكذا روى احمد عن ابن عمر اما دفع الزكوة الى الكفار فلا يجوز اجماعا وسند الإجماع حديث معاذ وفيه قد فرض عليهم صدقة توخذ من أغنيائهم فترد الى فقرائهم وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ اى اهل الحرب فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولا مفهوم لهذه الاية فانه لا يجوز موالاة اهل الذمة ايضا لعموم قوله تعالى لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء وقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء وقوله ﷺ المرء مع من أحب والله تعالى اعلم روى البخاري وكذا مسلم عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يخبر ان عن اصحاب رسول الله ﷺ -
стр. 3889
انهم قالوا كان فيما اشترط سهيل بن عمر على النبي ﷺ انه لا يأتيك منا أحد وان كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك وابى سهيل الا ذلك فكاتبه النبي ﷺ فرده يومئذ أبا جندل الى سهيل بن عمرو لم يأته أحد من الرجال إلا رده فى تلك المدة وان كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط ممن خرج الى رسول الله ﷺ يومئذ وهى عاتق فجاء أهلها يسئلون النبي ﷺ ان يرجعها إليهم فلم يرجعها لما انزل الله فيهن.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ج اى فاختبروهن بما غلب على ظنكم موافقة قلوبهن ألسنتهن فى الايمان فان الايمان صفة القلب ولا يعلم بما فى الصدور الا الله تعالى فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ علما يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالخلق وظهور الأمارات وسماه علما إيذانا بان الظن كالعلم فى وجواب العمل به فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى أزواجهن الْكُفَّارِ ط لانه لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ لحصول الفرقة بين الكافر والمسلمة وقد مر فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ انه يقع الفرقة بين المهاجرة وبين زوجها الكافر لمجرد الخروج من دار الحرب عند ابى حنيفة لاختلاف الدارين وعند الائمة الثلاثة بعد ثلث حيض من وقت إسلامه ان دخل بها والا فمن وقت إسلامها وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ط بتجديد النكاح لعدم جواز نكاح الكافر بالمسلمة وجاز ان يكون التكرير للتاكيد قال عروة فى الحديث السابق فاخبرتنى عائشة رض ان رسول الله ﷺ كان يمتحنهن هذه الاية يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الى قوله غفور رحيم قال عروة قالت عائشة رض فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله ﷺ قد بايعناك كلاما يكلمها به والله ما مست يده يد امرأة قط فى المبايعة ما بايعهن الا بقوله وقال البغوي قال ابن عباس اقبل رسول الله ﷺ معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركوا مكة على ان ما أتاه من اهل مكة رده إليهم ومن اتى اهل مكة من اصحاب رسول الله ﷺ لم يردوه اليه وكتبوا عليه كتابا وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحارث الا سلميه مسلمة بعد الفراغ من الكتاب فاقبل زوجها مسافر من بنى مخزوم وقيل صيفى بن الراهب فى طلبها وكان كافرا فقال يا محمد اردد علىّ امراتى فانك قد شرطت ان ترد علينا من أتاك منا وهذا طينة الكتاب ولم تجف بعد فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مهاجرات من دار الكفر الى دار الإسلام فامتحنوهن قال ابن عباس امتحانهن ان نستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن ارض الى ارض ولا لحدث أحدثته ولا التماس
стр. 3890
للدنيا ولاخرجت الا رغبة فى الإسلام وحبا لله ولرسوله ﷺ فاستحلفها رسول الله ﷺ على ذلك فحلفت فلم يردها واعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها فتزوجها عمر وكان يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطى أزواجهن مهورهن واخرج الطبراني بسند ضعيف عن عبد الله بن ابى احمد قال هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط فى الهدنة فخرج أخواها عمارة والوليد بن عقبة حتى قد ما رسول الله ﷺ وكلماه فى أم كلثوم ان يردها إليهم فنقض الله العهد بينه وبين المشركين فى النساء خاصة ومنع ان يردون الى المشركين فانزل الله اية الامتحان واخرج ابن ابى حاتم عن يزيد بن ابى حبيب انه بلغه انها نزلت فى اميمة بنت بشر او امرأة ابى حسان بن الدحداحة واخرج عن مقاتل ان امرأة تسمى سعيدة كانت تحت صيفى بن الراهب وهو مشرك جاءت زمن الهدنة فقالوا ردها علينا واخرج ابن جرير عن الزهري انها نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية كان صالحهم انه من أتاه منهم رد إليهم فلما جاءت النساء نزلت هذه الاية وَآتُوهُمْ الضمير عايد الى الكفار والمراد أزواجهن ما أَنْفَقُوا عليهن يعنى المهور التي دفعوا إليهن وذلك لان الصلح كان جرى على ردهن فلما تعذر ردهن لو رود النهى عنه لزم رد مهورهن فلو راى الامام مصلحة على صلح مثل ما صالح النبي ﷺ بالحديبية وجب رد مهر مهاجرة جاءت من الكفار قال البغوي قال الزهري ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش يوم الحديبية لامسك النساء لم يرد الصداق وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد والله تعالى اعلم وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ اى المهاجرات وان كان لهن ازواج فى دار الحرب لوقوع الفرقة بينهم وبينهن والاية تدل على عدم اشتراط مضى العدة كما هو فى مذهب ابى حنيفة رح خلافا لصاحبه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن شرط إيتاء المهر فى نكاحهن إيذانا بان اعطى أزواجهن الكفار لا يقوم مقام المهر
اخرج ابن ابى منيع من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال اسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته فى المشركين فانزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوا قرأ ابو عمر ويعقوب بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الافعال بِعِصَمِ جمع عصمة وهو ما اعتصم به من عقد الموالات والنكاح ونحو ذلك الْكَوافِرِ جمع الكافرة نهى الله سبحانه عن المقام على نكاح المشركات قال البغوي قال الزهري فلما نزلت هذه الاية طلق عمر بن الخطاب امرأتين بمكة مشركتين قرينة بنت ابى امية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن ابى سفيان وهما
стр. 3891
على شركهما بمكة والاخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جردل الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها ابو جهيم بن حذافة ابن غانم وهما على شركهما وكانت اروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله فهاجر طلحة وهى على دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها فى الإسلام خالد بن سعد بن العاص بن امية قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة ابى العاص بن الربيع أسلمت ولحقت بالنبي ﷺ واقام ابو العاص بمكة مشركا ثم اتى المدينة واسلم فردها على رسول الله ﷺ وَسْئَلُوا ايها المسلمون ما أَنْفَقْتُمْ من مهر امرأة منكم لحقت بالمشركين مرتدة إذا منعوها ممن تزوجها منهم وَلْيَسْئَلُوا اى الكفار من مهور أزواجهم المهاجرات ما أَنْفَقُوا ط ممن تزوجها منكم ذلِكُمْ اى جميع ما ذكر فى الاية حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ استيناف او حال من الحكم على حذف الضمير او جعل الحكم حاكما على المبالغة والضمير فى يحكم عايد اليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يشرع ما يعلم خيرا لكم وما تقتضيه الحكمة قال البغوي فى قول الزهري فلما نزلت هذه الاية أقر المؤمنون بحكم الله وادوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم وابى المشركون ان يقروا بحكم الله فبما أمروا من أداء نفقات المسلمين فانزل الله.
وَإِنْ فاتَكُمْ اى ان سبقكم وانفلت منكم شَيْءٌ اى أحد مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فلحقت بهم مرتدة وإيقاع شىء موقع أحد للتحقير والمبالغة فى التعميم او المعنى شىء من مهور أزواجكم الى الكفار فلم يودوها اخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال نزلت هذه الاية فى أم الحكم بنت ابى سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفى ولم ترتد امرأة من قريش غيرها فَعاقَبْتُمْ قال البغوي قال المفسرون معناه غنمتم فاصبتم من الكفار عقبى وهى الغنيمة وقيل معناه ظفرتم وكانت العاقبة لكم وقيل معناه اجتمعوهم فى القتال بعقوبة حتى غنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مرتدات الى الكفار منكم من الغنائم التي صارت فى ايديكم من الكفار مِثْلَ ما أَنْفَقُوا اى مثل ما أنفق المؤمنون الذين ذهب أزواجهم مرتدات عليهن قال البغوي روى ابن عباس انه قال لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة رجعن الى الإسلام فاعطى رسول الله ﷺ أزواجهن مهورهن من الغنيمة أم الحكم بنت ابى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت ابى امية بن المغيرة اخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر ان يهاجر أبت وارتدت وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزى بن فضلة وتزوجها عمر بن عبد ود وهندة بنت ابى جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم بنت خردل كانت تحت
стр. 3892
عمر بن الخطاب وقال البيضاوي وفى تفسير الاية فعاقبتم اى فجاءت عقبتكم اى نوبتكم لاداء المهر شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء اخرى بامر يتعاقبون فيه كما يتعاقب فى الركوب وغيره فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من المهر المهاجرة ولا توتوا زوجها الكافر قلت والصحيح هو التفسير الاول قال البغوي اختلف القول فى ان أداء مهر من أسلمت أزواجهن هل كان واجبا او مندوبا وأصله ان الصلح هل كان وقع على رد النساء اولا فيه قولان أحدهما انه وقع على رد الرجال والنساء جميعا لما روى انه لا يأتيك منا أحد إلا رددته ثم صار الحكم فى رد النساء منسوخا بقوله تعالى فلا ترجعوهن الى الكفار فعلى هذا كان رد المهر واجبا عوضا عن المرأة ثانيهما ان الصلح لم يقع على رد النساء لما روى انه لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك إلا رددته ذلك لان الرجل لا يخشى عليه من الفتنة فى الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وانه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها الى المخرج فيه بإظهار كلمة الكفر تقية مع إخفاء الايمان فعلى هذا كان الرد مندوبا قلت والظاهر ان الصلح على رد الرجال والنساء جميعا ومن ثم إذا هاجرت نساء مؤمنات نزل قوله تعالى لا ترجعوهن الى الكفار ولولا ذلك فلم يكن وجه لارجاعهن الى الكفار ولا لنزول الحكم وان رد المهر كان واجبا كما يدل عليه صيغ الأمر وقوله تعالى ذلك حكم الله الاية وقوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فان الايمان يقتضى إتيان ما امر الله به فان قيل فعلى هذا يلزم نقض العهد وهو حرام وقلنا نسخت حرمة نقض العهد فى مادة مخصوصة بقوله تعالى لا ترجعوهن الى الكفار او تقول هذا من قبيل نبذ العهد على السؤال قال البغوي واختلفوا فى انه هل يجب العمل به اليوم فى رد المهور إذا شرط رد النساء فى معاقدة الكفار فقال يوم لا يجب وزعموا ان الاية منسوخة وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة قلت لا وجه لهذا القول ما لم يثبت بهذا الحكم ناسخ مثله فى القوة وقال قوم غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ حال من المؤمنات عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً متعلق بيبايعنك وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ على عادة الجاهلية فانهم كانوا يوادون البنات وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ اى بكذب يبهت السامع يَفْتَرِينَهُ اى يختلقته بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعنى لا يكون له مصداق تختلقه من عند أنفسها قبل قيد بهذا توبيخا وتخويفا بان الأيدي والأرجل يشهدون يوم القيامة بما صدر من اللسان من المعاصي
стр. 3893
فلا تفترين بين الشهود قيل المراد به ان تلتقط ولدا وتقول لزوجها هذا ولدي منك فهو البهتان بين الأيدي والأرجل لان الولد تحمله أمها فى بطنها بين يديها وتضعه من فرجها بين رجليها وصفه بصفة الولد الحقيقي واللفظ يعم كل بهتان وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعنى فى إتيان حسنة فامرهن بها او لانتهاء عن سيئة تنهاهن والتقييد بالمعروف مع ان الرسول ﷺ لا يأمر بالمعروف تنبيها على انه لا يجوز طاعة المخلوق فى معصية الخالق قال مجاهد المراد بالمعروف ان لا يخلو المرأة بالرجال وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمان بن زيد هو النهى عن النوح والدعاء بالويل وتحريق الثياب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه عند المصيبة ولا تحدث المرأة الرجال الا ذا محرم ولا تخلوا برجل غير ذى محرم ولا تسافر الا مع ذى محرم واخرج ابن الجرير والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أم سلمة ولا يعصينك فى معروف قال النوح روى البخاري عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا لا تشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد ان اجزيها فما قال لها النبي ﷺ شيئا فانطلقت ورجعت وبايعها وروى مسلم عن ابى مالك الأشعري قال قال رسول الله ﷺ اربع من أمتي من امر الجاهلية لا يتركونهن الفخر فى الاحساب والطعن فى الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النياحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال قطران ودرع من جرب وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعاء الجاهلية وروى ابو داود عن ابى سعيد الخدري قال لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة فَبايِعْهُنَّ بضمان الثواب على الوفاء بهذه الشروط جزاء لقوله إذا جاءك المؤمنات وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ عما مضى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يمحق ما سلف من العبد عصيانه رَحِيمٌ يوفق فيما يأتي روى البخاري عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الاية لا يشركن بالله شيئا قالت وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة الا امرأة يملكها وروى البغوي بسنده عن محمد بن المنكدر انه سمع اميمة بنت رقيقة تقول بايعت رسول الله ﷺ فى نسوة فقال فيما استطعتن واطقتن فقلت رسول الله ﷺ ارحم بنا من أنفسنا قلت يا رسول الله صافحنا فقال انى لا أصافح النساء انما قولى لامرأة كقوله لمائة امرأة قيل نزلت هذه الاية يوم الفتح وليس كك لما ذكرنا فى تفسير اية الامتحان حديث عائشة ان رسول الله ﷺ كان يمتحنهن
стр. 3894
بهذه الاية يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات الى قوله غفور رحيم واية الامتحان قد نزلت بعد صلح الحديبية ولكن النبي ﷺ يوم فتح مكة فرغ من بيعة الرجال وهو على الصفاء بايع النساء وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بامر رسول الله ﷺ يبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة ابى سفيان مقنعة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ﷺ ان يعرفها فقال رسول الله ﷺ أبايعكن على ان تشركن بالله شيئا فرفعت هند راسها فقالت والله انك لتاخذ امرا ما رايناك أخذته على الرجال وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي ﷺ ولا يسرقن فقالت هند ان أبا سفيان رجل شحيح وانى أصبت من ماله هناة فلا أدرى أتحل لى أم لا فقال ابو سفيان ما أصبت من شىء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال فضحك رسول الله ﷺ فقال لها وانك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال ولا تزنين فقالت هند او تزنى الحرة فقال ولا تقتلن أولادهن فقالت هند ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فانتم وهم اعلم وكان ابنها حنظلة بن
ابى سفيان قد قتل يوم بدر فضحك فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله ﷺ فقال ولا تأتين ببهتان يغترينه بين أيديهن وأرجلهن فقالت هند والله ان البهتان قبيح وما تأمرنا الا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال ولا يعصينك فى معروف قالت هند ما جلنا مجلسنا هذا ولى أنفسنا ان تعصينك فى شىء فاقر النسوة بما أخذ عليهن وانما خصت النساء فى البيعة بهذا التفصيل مع ان بيعة الرجال على الإسلام يشتمل انقياد رسول الله ﷺ فى جميع ما امر به لضعف عقلهن وقلة تفقههن لاستنباط التفصيل من الإجمال ولكثرة وقوع الأمور المذكورة من النساء الا ترى الى كثير من النساء المسلمات يعتقدن ما يستلزم الشرك ويسرقن كثيرا من اموال الأزواج ويقتلن أولادهن بالواد والزنا من النساء أقبح من الرجال غالبا لان فيه تفويت حق الزوج مع حق الله تعالى ونسبة أولاد الغير الى أزواجهن وايراثهن إياهم اموال الأزواج وانهن تأتين كثيرا بالبهتان والكذب ويكثرن اللعن ويكفرن العشير ويكثرن النياحة الدعاء بالويل وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك مالا يفعله الرجال غالبا فلذا خصهن بتفصيل هذه الشروط كما خص الرجال بشرط الجهاد الذي يختص به والله تعالى اعلم اخرج ابن المنذر من طريق ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة او سعيد عن ابن عباس قال كان عبد الله بن عمرو زيد بن الحارث يوادون رجالا من يهود فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعنى اليهود كما يدل عليه
стр. 3895
قول ابن عباس المذكور وكذا قال البغوي ان ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود اخبار المسلمين يتواصلونهم فيصيبون من ثمارهم فنهاهم الله تعالى عن ذلك وقيل المراد به عامة الكفار قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ ان كان المراد بهم اليهود فهم ليعلمهم يكون محمد ﷺ نبيا حقا مؤيدا بالمعجزات مكتوبا عندهم فى التورية وكفرهم به ﷺ عنادا وحسدا بتسلط الشيطان وما كتب الله عليهم الشقاوة يئسوا من نعماء الاخرة وعلموا يقينا انه لا حظ لهم فى الاخرة مع اعتقادهم بالاخرة ونعمائها فما أصبرهم على النار أعوذ بالله منها وان كان المراد به عامة الكفار فهم يئسوا من الاخرة بعدم ايمانهم بالغيب والثواب والعذاب كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ اى المشركين مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ان يبعثوا ويثابوا او ينالهم خيرا بينهم وعلى تقدير كون المراد بقوم غضب الله عليهم عامة الكفار وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ان الكفرا يسهم فالجار والمجرور ظرف لغو متعلق بيئس وقيل هو ظرف مستقر بيان للكفار حال منه والمعنى كما يئس الكفار الذين صاروا فى القبور من ان يكون لهم حظ وثواب فى الاخرة كذلك يئس اليهود من الاخرة حيا فى الدنيا كذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والله تعالى اعلم.
стр. 3896
سورة الصّف
مدنيّة وهى اربع عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال قعدنا نفرا من اصحاب رسول الله ﷺ فشداكرنا فقلنا لو نعلم اى الأعمال أحب الى الله لعلمناه فانزل الله تعالى
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قرأها علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها واخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه وذكر البغوي قول المفسرين ان المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال الى الله لعملنا وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فانزل الله تعالى ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين فانزل الله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون واخرج ابن جرير عن ابى صالح قال قالوا لو كنا نعلم اى الأعمال أحب الى الله وأفضل لعملنا فنزلت يايّها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة الاية فكرهوا الجهاد فنزلت يايّها الذين لم تقولون ما لا تفعلون واخرج ابن ابى حاتم من طريق على عن عباس نحوه واخرج ابن ابى حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس وابن جرير عن الضحاك قال أنزلت لم تقولون مالا تفعلون فى الرجل فى القتال ما لا يفعله من الضرب والطعن والقتل واخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل انها نزلت فى قوليهم يوم أحد وقال محمد بن كعب لما اخبر الله رسوله ﷺ ثواب شهداء بدر قالت الصحابة لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا خفروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الاية وقال ابن زيد نزلت فى المنافقين كانوا يعدون النصر للمومنين وهم كاذبون.
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ المقت أشد الغضب ونصبه على التميز من نسبة كبر الى فاعله وهو ان تقولوا وفيه دلالة على ان قولهم هذا مقت خالص كبير عند الله الذي يحقر دونه كل عظيم مبالغة فى المنع من ان يقولوا كذبا ما لا يفعلوه او يعدوا شيئا ثم لا يفوابه.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا اى مصطفين مصدر بمعنى الفاعل او وصف به مبالغة وجاز ان يكون صفا مصدر بفعل محذوف والجملة حال من فاعل يقاتلون تقديره يصفون فى أنفسهم صفا لا يزالون فى القتال عن أماكنهم كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ فى تراصهم من غير فرجة وبلا تحرك للفرار حال من المستكن فى الحال الاول والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.
وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بنى إسرائيل يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي
стр. 3897
بالعصيان والرمي بالادرة وهى نفخة فى الخصيتين وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ بما جئتكم بالمعجزات وانجيتكم من اهل فرعون يسومونكم سوء العذاب وجاوزت بكم البحر والعلم بالنبوة يوجب التعظيم ويمنع الإيذاء فَلَمَّا زاغُوا اى عدلوا عن الحق ولم يمتنعوا عن الإيذاء أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ صرفها عن قبول الحق والميل الى الصواب وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ هداية موصولة الى معرفة الحق او الجنة قال الزجاج لا يهدى من سبق فى علمه انه فاسق.
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ لعله لم يقل يا قوم كما قال موسى لانه لا نسب له فيهم إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ اى من قبلى مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسكن الياء ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي وفتحها الباقون ومصدقا ومبشرا حالان من ضمير انى رسول الله والعامل فيهما وفى الرسول من معنى الإرسال لا الجار والمجرور فانه ظرف لغوصلة للرسول فلا يعمل اسْمُهُ أَحْمَدُ وهو أحد اسمى رسول الله ﷺ افعل من الحمد يعنى اكثر حامدية لله تعالى من غيره والأنبياء كلهم حمادون واكثر محمودية من غيره من المخلوقات والأنبياء كلهم محمودون موصوفون بالخصال الحميدة وهو ﷺ اكثر مناقبا واجمع فضايلا ومحاسنا بها يستحق الحمد من غيره قال المجدد اسمه ﷺ أحمد له خصوصية بنشإ الروحانية ولذلك سماه عيسى بذلك الاسم قبل نشاء العنصرية بالجسمانية واسمه ﵇ محمد له خصوصية بنشاء الجسمانية وله ولايتان ولاية محمدية وهى المحبوبية الممتزجة بالمحبة وولاية احمدية وهى المحبوبية الخالصة فعلى هذا الاولى ان يقال اشتقاه من المحمودية والله تعالى اعلم ذكر عيسى ﵇ تصديقه بالأنبياء حتى يكون دليلا على صدق دعواة الرسالة فان الحق يطابق الحق والأنبياء شهداء بعضهم لبعض فذاك أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين الذي بشر به الأنبياء كلهم والتورية وغيرها من الكتب السماوية فَلَمَّا جاءَهُمْ عيسى او احمد ﷺ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرة من احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبالقران المعجز الباقي بمعنى الدهور والأزمان وشق القمر وغير ذلك ما لا يحصى والظرف متعلق بقوله تعالى قالُوا يعنى كفار بنى إسرائيل او كفار قريش وغيرهم هذا سِحْرٌ قرأ حمزة ساحر اشارة الى عيسى او محمد ﷺ وقرأ الباقون سحر اشارة الى ما جاء به المعجزات مُبِينٌ ظاهر.
وَمَنْ يعنى لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ نسبة الشريك والولد اليه وبان قالوا
стр. 3898
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ او قالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ او قال شريعة موسى شريعة موبدة الى يوم القيمة وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ الظاهر حقيقه المقتضى له خير الدارين فيضع موضع الاجابة الافتراء على الله ويكذب رسله ويسمى آياته سحرا حال من فاعل افترى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعنى من كان فى علمه القديم ظالما فالله لا يرشده الحق والى ما فيه فلاحه.
يُرِيدُونَ حال للقوم الظالمين او استيناف فى جواب قايل يقول ما شانهم لِيُطْفِؤُا ان يطفؤا واللام مزيدة لما فيه من معنى الارادة كما زيدت فى لا أبا لك لما فيه من معنى الاضافة او للتعليل والمفعول به محذوف اى يريدون الافتراء ليطفؤا نُورَ اللَّهِ اى دينه بِأَفْواهِهِمْ اى بمقالاتهم الكاذبة المفتراة كمن يريد ان يطفئ نور الشمس والقمر يطفه بفيه ففيه اشارة الى تمثيل لطيف وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ اى مبلغ غايته بنشره واعلائه قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالاضافة والباقون بالتنوين والنصب وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ كلمة لو متصلة للتسوية والجملة حال اى مستويا كراهة المشركين وعدمها يعنى انه تعالى لا يبالى فى إعلاء دينه كراهة المشركين.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ، محمدا ﷺ بِالْهُدى اى بما يهتدى به الناس الى الحق من القران والمعجزات الباهرة وَدِينِ الْحَقِّ اى دين الله وهو الملة الحنيفة البيضاء لِيُظْهِرَهُ بالسيف والحجة عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى جميع الأديان وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قد مر نظيره.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ قرأ ابن عامر بالتشديد من التفصيل للتكثير والباقون مخففا من الافعال مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ كما ان تجارة الدنيا تنجى من الفقر وعذاب الجوع ونحو ذلك اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت يايّها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم قال المسلمون لو علمنا ما هذه التجارة لاعطينا فيها الأموال والأهلين فنزل قوله تعالى.
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ بيان للتجارة يعنى هى الجمع بين الايمان وبين المجاهدة بالأموال والأنفس سمى تجارة لان فيه مبادلة الأموال والا نفس بنعيم الاخرة ورضوان الله ومبادلة الأهواء يعنى العقائد الباطلة بالعلوم الحقة المكنى عنها بالايمان وفيه مرابحة صريحة او رد لفظ الخبر والمراد به الأمر إيذانا بان هذا الشيء لا يترك واشعارا بمدح الصحابة بانهم معتادون بذاك ذلِكُمْ الجمع بين الايمان والمجاهدة خَيْرٌ لَكُمْ من الأهواء والأنفس والأموال إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شرط مستغن عن الجزاء بما مضى ان كنتم تعلمون كونه خيرا فاتوا به ولا تتركوه
стр. 3899
والمعنى ان كنتم تعلمون انه خير لكم كان حينئذ خيرا لكم حيث تحبون الايمان والجهاد وفوق كل شىء.
يَغْفِرْ لَكُمْ اى الله سبحانه ذُنُوبَكُمْ جواب للامر المدلول عليه بقوله تؤمنون وتجاهدون تقديره ان تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم او للاستفهام المدلول عليه للاستفهام المذكور تقديره هل تقبلون ان أدلكم ان تقبلوا يغفر لكم ولا يجوز ان يكون جوابا لهل أدلكم لان مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة الا ان يقال ان الدلالة سبب للعمل والعمل يوجب المغفرة فقد رتب المسبب على سبب السبب إيذانا بقوة سببية دلالته وإرشاده ﷺ للاهتداء بقوة تأثير نفسه الشريفة ووضوح امره بحيث لا يضل بعدها الا من هو أشقى الناس فى علم الله تعالى وأخبث الاستعداد وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً عطف الجزء على الكل فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ اى استقرار وثبات يقال عدن بمكان كذا اى استقر ومنه المعدن المستقر للجوهر قال القرطبي قيل الجنات سبع دار الحلال ودار السلام ودار الخلد وجنة عدن وجنة المأوى وجنة نعيم وجنة الفردوس وقيل اربع فقط كما يدل عليه قوله تعالى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ... وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وفى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن والاربعة كلها يوصف بالمأوى والخلد والعدن والسلام وهذا ما اختاره الحكيم اخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابن عمر قال خلق الله ﵎ أربعا بيده العرش وعدن والقلم وآدم ثم قال لكل شىء كن فكان واخرج ابن المبارك والطبراني وابو الشيخ والبيهقي عن عمران بن حصين وابى هريرة قال سئل رسول الله ﷺ عن هذه الاية وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قال قصر من اللؤلؤ فى ذلك القصر دارا من ياقوت حمراء فى كل دار سبعون بيتا من زمرد خضراء فى كل بيت سرير على كل سرير سبعون لو نأمن الطعام فى كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة ويعطى المؤمن فى كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك كله اجمع ذلِكَ المغفرة وإدخال الجنة الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يستحقر بالنسبة اليه كل فوز.
وَأُخْرى مرفوع على الابتداء والخبر محذوف اى ذلكم نعمة عاجلة او منصوب بإضمار يعطيكم او تحبون او مجرور عطف على تجارة يعنى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ وتجارة اخرى تُحِبُّونَها صفة لاخرى وفيه تعريض ان الناس يوثرون العاجل على الاجل نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ عاجل يعنى النصرة على قريش وفتح مكة او فتح خيبر وقال عطاء يريد فتح فارس والروم قلت والظاهر
стр. 3900
ان المراد جنس النصرة والفتح فانهما يترتبان على السعى والمجاهدة من العبد قال الله تعالى ولينصرن الله من ينصره فان كان اخرى مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف فقوله نصر وفتح بدل او بيان وجاز ان يكون اخرى مبتداء وهذا خبره وعلى قول النصب والخبر هذا خبر مبتداء محذوف اى هى نصر وفتح والجملة صفة لاخرى او استيناف وَبَشِّرِ ايها الرسول الْمُؤْمِنِينَ بما وعدهم عليها عاجلا واحدا عطف على محذوف تقديره قل يا محمد يايّها الذين أمنوا هل أدلكم وبشرهم او على تؤمنون فانه فى معنى الأمر كانه قال أمنوا وجاهدوا ايها المؤمنون وبشرهم ايها الرسول.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ اى أنصار دينه قرأ الكوفيون وابن عامر بالاضافة والحجازيون وابو عمرو بالتنوين ولام فى لله على ان المعنى كونوا بعض أنصار الله كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ تشبيه باعتبار المعنى والمراد قل يا محمد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى او كونوا أنصار الله كما كان الحواريون حين قال عيسى ابن مريم لِلْحَوارِيِّينَ قد مر تحقيق الحواريين فى سورة ال عمران مَنْ أَنْصارِي فتح الياء نافع وأسكنها الباقون اى جندى متوجها إِلَى اللَّهِ اى الى نصر دينه قالَ الْحَوارِيُّونَ وهم أول من أمن به وكانوا اثنا عشر رجلا كما مر هناك نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ اضافة الأنصار الى عيسى اضافة أحد المتشاركين الى الاخرى لما بينهما من الاختصاص والاضافة الى الله اى الى دينه اضافة الفاعل الى المفعول فَآمَنَتْ بعيسى طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ اسبقهم الى الايمان الحواريون وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ معهم فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بالحجة او بالحرب عَلى عَدُوِّهِمْ بعد رفع عيسى ﵇ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ غالبين قال البغوي قال ابن عباس لما رفع عيسى تفرق قومه ثلث فرق فرقة قالوا كان الله فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه الله وفرقة قالوا كان عبد الله ورسوله فرفعه اليه واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا ﷺ فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة وذلك قوله تعالى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا قال وروى المغيرة عن ابراهيم قال أصبحت حجة من أمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد ﷺ ان عيسى كلمة الله وروحه قلت لكن عطف قوله تعالى فَآمَنَتْ وقوله تعالى فَأَيَّدْنَا وفَأَصْبَحُوا على قوله قال الحواريون بكلمة الفاء التي للتعقيب بلا تراخ يدل على ان بعضهم كفر من بعض وتأيده الله تعالى للمؤمنين وظهورهم على الكافرين بعد قول الحواريين ذلك بلا مهلة والله تعالى اعلم.
стр. 3901
سورة الجمعة
مدنية وهى احدى عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ المنزه عما لا يليق الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فى ملكه وصنعه فان كل شىء يدل على وجوده وينزهه عما لا يليق بشانه وايضا كل شىء وان كان جمادا فله نوع من الحيوة والشعور فيقر بوحدانيته ويسبحه ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعنى العرب كان أكثرهم لا يكتبون ولا يقرون رَسُولًا مِنْهُمْ اى من جملتهم اميا مثلهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ تعالى مع كونه أميا لم يعهد منه قراءة ولا تعلما وَيُزَكِّيهِمْ يظهرهم من الشرك والخبائث وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ المعجز البليغ الذي لو اجتمع الانس والجن على ان يأتون بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وَالْحِكْمَةَ الشريعة الحكمة المطابقة بشرائع الأنبياء فى الأصول المشهود عليها بالكتب السماوية بالقبول وَإِنْ كانُوا يعنى وانهم يعنى العرب كانوا مِنْ قَبْلُ بعثته ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر بطلانه حيث يعهدون الحجارة ويأكلون الجيفة ويقولون ويعتقدون مالا يقبل العقل والنقل.
وَآخَرِينَ عطف على الضمير المنصوب فى يعلمهم اى ويعلم اما؟؟؟ آخرين مِنْهُمْ اى كائنين من جنس الأولين حيث يدينون بدينهم ويسلكون على طريقهم قال عكرمة ومقاتل هم التابعون وقال ابن زيدهم جميع من دخل فى الإسلام الى يوم القيمة وهى رواية ابن نجيح عن مجاهد وقال عمرو بن سعيد بن جبير وليث عن مجاهدهم العجم لحديث ابى هريرة قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال رجل من هؤلاء يا رسول الله فلم يراجعه رسول الله ﷺ حتى سال مرتين او ثلاثا قال فينا سلمان الفارسي قال فوضع النبي ﷺ يده على سلمان ثم قال لو كان الايمان عند الثريا لنا له رجال من هؤلاء متفق عليه وفى رواية عنه قال قال رسول الله ﷺ لو كان الدين عند الثريا لذهب اليه رجل او قال رجال من أبناء فارس حتى يتناولوه قلت هذا الحديث يدل على فضل رجال من العجم وانهم ممن أريد بهذه الاية ولا دليل على نفى خيرهم على ما يدل عليه عموم الاية ولعل المراد لقوله ﷺ رجال من هؤلاء أبناء فارس أكابر النقشبندية فانهم من ال بخارا وسمرقند ونحو ذلك وهم منتسبون فى الطريقة
стр. 3902
الى سلمان الفارسي فانهم ينتسبون الى جعفر الصادق عن القاسم بن محمد عن سلمان عن أبى بكر الصديق عن رسول الله ﷺ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ اى لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم وقيل لما يلحقوا بهم فى الفضل والثواب لان التابعين ومن بعدهم لا يدركون فضل الصحابة حيث قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه متفق عليه من حديث ابى سعيد ويرد على هذا التأويل ان المراد لو كان كذلك لورد بصيغة المضارع اى لا يلحقوا بهم فى المستقبل من الزمان دون الماضي فان لما يقتضى نفى اللحوق فى لماضى والتوقع فى المستقبل الا ان يقال الإيراد بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق وجودهم ونفى للحوق المستفاد من كلمة لا نظرا الى الأكثر وتوقع اللحوق نظرا الى بعض من يأتي بعدهم ولو بعد الف سنة فكانه اشارة الى المجدد الف ثانى وكمل خلفائه فانهم بلغوا بكمال متابعة النبي ﷺ ووراثته تبعا وطفيلا أقصى كمالاته واكتسبوا كمالات النبوة والرسالة واولى العزم والخلة والمحبة والمحبوبية التي لم يتحقق بعد الصدر الاول فاشتبهوا بالصحابة فصار مثل لامة المرهومة كمثل المطر لا يدرى اوله خيرا وآخره كما قال رسول الله ﷺ مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى اوله خير او آخره او كحديقة اطعم فوج منها عاما ونوج منها عاما لعل آخرها فوجا هى اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا رواه رزين وَهُوَ الْعَزِيزُ فى تمكينه رجلا اميا من ذلك الأمر العظيم الخارق للعادة وتائيده عليه الْحَكِيمُ فى اختياره وإياه من بين كافة البشر وتعليمه.
ذلِكَ اى بعثة محمد ﷺ وتعليمه وتزكية الضالين فَضْلُ اللَّهِ على محمد ﷺ حيث اصطفاه وجعله هاديا وعلى من اتبعه حيث هداهم وزكّهم به ﵇ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ عطائه ويقتضيه حكمته وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي يستحقر دونه كل نعمة.
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ علموها وكلفوا بالعمل بها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها اى لم يعملوا بما فيها ولم ينتفعوا بها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً كتبا من العلم يتعب فى حملها ولا ينتفع بها وجملة يحمل حال من الحمار والعامل فيه معنى المثل او صفة له إذ ليس المراد الحمار المعين نظيره ولقد امر على اللئيم يسبنى وهكذا كل عالم لا يعمل بعلمه قال رسول الله ﷺ اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع رواه بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وهم اليهود كذبوا بالقران وبايات التوراة الدالة على نبوة محمد ﷺ والمخصوص بالذم محذوف اى بئس مثل القوم المكذبين مثلهم او هو
стр. 3903
الموصول بحذف المضاف اى بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى وقت اختيارهم الظلم او لا يهدى من سبق فى علمه انه يكون ظالما.
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا اى تهودوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ فانهم كانوا يقولون نحن اولياء الله وأحباءه مِنْ دُونِ النَّاسِ يعنى محمدا ﷺ وأصحابه فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ اى ادعوه من دون الله تعالى على أنفسكم حتى تنقلوا من دار البلية الى دار الكرامة فان الموت جسر توصل الحبيب الى الحبيب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى زعمكم فتمنوه وقد ذكرنا مسئلة جواز تمنى الموت وعدمه فى صورة البقر فى مثل هذه الاية.
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فانهم يعلمون علما يقينا انهم استحقوا النار الكبرى بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي وتحريف آيات التورية الناطقة ببعث محمد ﷺ فكيف يتمنون الموت الموصلة الى النار فانهم احرص الناس على حيوة يود أحدهم لو يعمر الف سنة وأشد خوفا وفرارا من الموت وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيجازيهم على ما قدموا.
قُلْ يا محمد إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ايها اليهود اى تخافون أشد المخافة من ان يصيبكم فتوخذوا بأعمالكم ولا تجزون على تمنيه فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لا حق بكم لا محالة لا ينفعكم الفرار منه الجملة خبر ان ذكر الله سبحانه ان الموكدة فى الجملة مكررا لكمال التأكيد نظرا الى كمال إصرارهم على الكفر والمعاصي الذي كانه هو الدليل على شدة انكارهم الموت والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف كانه فرارهم يسرع لحوقه بهم فكانه سبب اللحوق وذلك ان الفرار من الموت موجب للغفلة عنه وفى الغفلة لا يظهر طول البقاء فى الدنيا ويظهر كانه الموت جاء سريعا ومن كان ذكر الموت مشتاقا له يشق عليه البقاء فى الدنيا وينتظر الموت غالبا فيظهر عليه طول الحيوة وبعد الموت لشدة اشتياقه وجاز ان يكون الخبر محذوفا والفاء للتعليل والتقدير ان الموت الذي تفرون منه لا ينفعكم الفرار منه فانه اى لانه ملقيكم البتة وحينئذ لا يلزم تكرار ان على حكم واحد وجاز ان يكون الموصول خبرا لان الفاء عاطفة يعطف على الخبر او على الجملة ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجازيكم عليه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ اى إذا اذن مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان لاذا وقيل من هاهنا بمعنى فى كما فى قوله تعالى أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ اى فى الأرض اختلف العلماء فى تسمية هذا اليوم بالجمعة
стр. 3904
مع الاتفاق على انه كان يسمى فى الجاهلية بالعروبة معناه اليوم البين المعظم من أعرب إذا بين قيل أول من سماه جمعة كعب بن لوى وهو أول من قال اما بعد كانت تجمع اليه قريش فى هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بانه من مولده ويأمرهم باتباعه والايمان به وينشد فى ذلك أبياتا منها قوله يا ليتنى شاهدا نجواء دعوته إذا قريش تبتغى الحق خذلانا وكان بنو اسمعيل يورخون ببناء الكعبة فلما مات كعب بن لوى ارخ الناس من موته حتى كان عام الفيل وهو مولد النبي ﷺ فارخ الناس منه الى ان هاجر النبي ﷺ وكان بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمسمائة وستون سنة كذا فى شرح خلاصة السير وقيل سمى بالجمعة لان الخلائق يجمع فيه كذا ذكر ابو حذيفة البخاري فى المبتدا عن ابن عباس واسناده ضعيف وقيل لانه جمع فيه خلق آدم ﵇ روى احمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان عن سلمان رض ان رسول الله ﷺ قال أتدري ما يوم الجمعة قلت الله ورسوله اعلم قالها ثلث مرأة قال فى الثالثة هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم الحديث وله شاهد عن ابى هريرة رواه ابن ابى حاتم موقوفا بإسناد قوى واحمد موقوفا بإسناد ضعيف قال الحافظ ابن حجر وهذا أصح ويليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بإسناد صحيح اليه فى قصة اجتماع الأنصار مع اسعد بن زرارة رض وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة صلى بهم وذكرهم فسموه يوم الجمعة وذلك قبل قدوم النبي ﷺ فقيل كان ذلك بإذن النبي ﷺ كما رواه الدار قطنى عن ابن عباس رض قال اذن رسول الله ﷺ ان يجمع فكتب الى مصعب بن عمير رض اما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسنتهم فاجمعوا فيه نساءكم وابناءكم فاذا مال النهار عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا الى الله بركعتين قال أول من جمع مصعب حتى قدم رسول الله ﷺ وفى سنده احمد بن محمد بن غالب الباهلي وهو متهم بالوضع قال الزهري والمعروف فى هذا المتن الإرسال وقيل كان ذلك باجتهاد الصحابة روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال جمع اهل المدينة قبل ان يقدمها رسول الله ﷺ وقبل ان ينزل الجمعة فقالت الأنصار ان لليهود يوما يجمعون فيه كل سبعة ايام وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوما نجمع فيه فنذكر الله ونصلى ونشكر فجعلوا يوم العروبة واجتمعوا الى اسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ وانزل الله بعد ذلك إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة قال الحافظ هذا وان كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن رواه ابو داود وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك رض عنه قال كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم النبي ﷺ المدينة اسعد بن زرارة الحديث
стр. 3905
او كان كعب إذا سمع نداء الجمعة ترحم لا سعد بن زرارة قال عبد الرحمن بن كعب قلت لكعب كم كنتم يومئذ قال أربعون فمرسل ابن سيرين يدل على ان أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد ولا يمنع ذلك ان يكون النبي ﷺ علم بالوحى وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها كما فى حديث ابن عباس والمرسل بعد ذلك ولذلك جمع بهم رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة- (قصّة) مقدم النبي ﷺ المدينة وأول جمعة صلى روى البخاري عن عائشة رض وابن سعد عن جماعة من الصحابة ان المسلمين بالمدينة لما سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة كانوا يخرجون إذا صلح الصبح الى الحرة ينتظرونه حتى تعليهم الشمس على الظلال ويوذيهم والظهيرة وذلك فى ايام حارة حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ حين دخلوا البيوت فاذا رجل من اليهود على أطم من اطامهم لامر ينظر اليه فنظر رسول الله ﷺ فنادى بأعلى صوته يا بنى قبيلة يعنى الأنصار هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثاء المسلمون فتلقوا رسول الله ﷺ ذلك يوم الاثنين لهلال ربيع الاول اى أول ليلة وفى رواية جرير
بن حازم عن ابى إسحاق لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول وفى رواية ابراهيم بن سعد عن ابن اسحق لاثنى عشر ليلة خلت وعند ابى سعيد لثلث عشرة من ربيع الاول قال الحافظ الأكثر انه قدم نهارا وقع فى رواية لمسلم ليلا ويجمع بان القدوم كان اخر الليل فدخل بها نهارا فنزل رسول الله ﷺ بهم قبا فى بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم وابو بكر حبيب بن اساف أحد بنى الحارث فصاح كلثوم بغلام له يا نجيع فقال رسول الله ﷺ نجحت يا أبا بكر وكان لكلثوم بن هدم بقبا مربد يعنى الموضع الذي يبسط فيه التمر ليجف فاخذه رسول الله ﷺ وبناه مسجدا فى الصحيح اقام رسول الله ﷺ فى بنى عمرو بن عوف وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وفى رواية عبد الرزاق بنى المسجد بنو عمرو بن عوف وفى الصحيح انه ﷺ اقام فيهم بضع عشر ليلة وفيه عن انس اقام فيهم اربع عشرة ليلة وقال ابن اسحق خمس ليال وقال ابن حبان اقام بها الثلثاء والارباع والخميس وخرج يوم الجمعة وقال ابن عباس وابن عقبة ثلث ليال فكانهما لم يعتد اليوم الخروج ولا الدخول وعن قوم من بنى عمرو بن عوف انه اقام اثنين وعشرين يوما روى احمد والشيخان عن ابى بكر وسعد بن منصور عن ابن الزبير وابن إسحاق عن عويمر بن ساعد وغيرهم ان رسول الله ﷺ أرسل الى بنى النجار وكانوا إخوانهم لان أم عبد المطلب كانت منهم فجاؤا متقلدين بالسيوف فقالوا لرسول الله ﷺ وأصحابه اركبوا امنين مطاعين وكان اليوم يوم الجمعة فركب رسول الله ﷺ ناقته القصوى والناس معه
стр. 3906
عن يمينه وشماله وخلفه منهم الراكب والماشي فاجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا يا رسول الله أخرجت حلالا أم تريد دارا خيرا من دارنا قال انى أمرت بقرية تأكل القرى فخلوها اى ناقة فانها مامورة فخرج رسول الله ﷺ من قبا يريد المدينة فتلقاه الناس يقولون الله اكبر جاء رسول الله ﷺ روى البيهقي عن عائشة جعل النساء والولائد والصبيان يقلن مطلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعى الله داع ايها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع- وروى احمد عن انس انه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة بعث الحبشة بحرا بها فرحا برسول الله ﷺ روى البخاري عن البراء قال ما رايت اهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله ﷺ فلم يمر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار الا قالوا هلم يا رسول الله اتى للفرد المنعة والثروة فيقول لهم خيرا ويدعوا ويقول انها مامورة خلوا سبيلها فمر ببني سالم فقام اليه عتبان بن مالك ونوفل بن عبد الله بن مالك وهو أخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انزل فينا العدد والعدة والحلقة ونحن اصحاب العصباء والحدائق والدرك يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا يلجأ إلينا فجعل رسول الله ﷺ يتبسم ويقول خلوا سبيلها فانها مامورة فقام اليه عبد الله بن الصامت وعباس بن فضلة فجعلا يقولان يا رسول الله ﷺ انزل فينا فيقول بارك الله عليكم انها مامورة فلما اتى مسجد بنى سالم وهو المسجد الذي فى الوادي وادي وانونا قال البغوي أدركته الجمعة فى بنى سالم بن عمرو بن عوف فى بطن واد لهم قد اتخذ اليوم فى ذلك مسجدا فصلاها فى ذلك الوادي قيل كانت أول جمعة صلاها فى المدينة وأول خطبة خطبها فى الإسلام وقيل انه كان يصلى فى مسجد قباء عند ابن سعد انه ﷺ لما صلى صلى معه الجمعة ماية نفس ثم أخذ رسول الله ﷺ عن يمين الطريق فمر ببني ساعدة فقال سعد بن عبادة والمنذر بن عمر وابو دجانة هلم يا رسول الله الى العز والثروة والقوة والجلد وسعد يقول يا رسول الله ليس من قومى اكثر غدقا ولاقم بير منى مع الثروة والجلد والعد وفيقول رسول الله ﷺ يا أبا ثابت خل سبيلها فانها مامورة فمضى واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وشبر بن سعد فقالا اين يا رسول الله لا تجاوزنا واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمر يقولان نحو ذلك فقال خلوا سبيلها فانها مامورة ثم مر
ببني عدى النجاري وهم أخواله فقال ابو سليط وصرفة بن ابى أنيس يا رسول الله نحن أخوالك هلم الى العدد والمنعة مع القرابة لا تجاوزنا الى غيرنا يا رسول الله ليس أحد من قومنا اولى بك لقرابتنا بك فقال خلوا سبيلها فانها مامورة فصارت حتى وازيت دار بنى عدى
стр. 3907
ابن النجار قامت اليه وجوههم ثم مضى حتى انتهى الى باب المسجد فبركت على باب مسجد النبي ﷺ فجعل جبار ابن صخر ينجسفها رجاء ان تقوم فلم يفعل فنزل رسول الله ﷺ فقال ﵊ اى بيوت أهلنا اقرب فقال ابو أيوب هذا المنزل إنشاء الله تعالى فنزل رسول الله ﷺ وقال اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين قال اربع مرات روى الطبراني عن ابن الزبير ينزل رسول الله ﷺ فى منزل ابى أيوب ونزل معه زيد بن حارثة قال ابن اسحق فى المبتدا وابن هشام فى التيجان ان بيت ابى أيوب الذي نزل فيه رسول الله ﷺ مقدمة المدينة بناه تبع الاول وكان معه اربعمائة أحبار فتعاقدوا على ان لا تخرجوا منها فسالهم تبع عن سر ذلك فقالوا انا نجد فى كتابنا ان نبيا اسمه محمد ﷺ هذه دار هجرته فنحن نقيم لعلنا نلقاه فاراد تبع الاقامة معهم ثم بدأ له فعمر لكل واحد من أولئك دارا او اشترى له جارية وزوجها منه وأعطاه ما لا جزيلا وكتب كتابا فيه إسلامه وفيه شهد على احمد انه رسول الله ﷺ بارى النسم فلولا عمرى الى عمره لكنت وزيرا او ابن عمرو ختم بالذهب ودفعه الى كبيرهم وساله ان يدفعه الى النبي ﷺ ان أدركه والا فمن أدركه من ولده وولد ولده وبنى للنبى ﷺ دارا لينزلها إذا قدم المدينة فدار الدار الى اعلائك الى ان صارت لابى أيوب وهو من ولد ذلك العالم واهل المدينة الذين نصروه من أولاد أولئك العلماء ويقال ان الكتاب الذي فيه الشعر كان عند ابى يوسف حتى دفعه الى رسول الله ﷺ وهو غريب فيما نزل رسول الله ﷺ الفاء فى بيته والله تعالى اعلم- (مسئلة) قيل المراد بهذا النداء فى الاية الاذان عند قعود الامام على المنبر للخطبة لحديث ابن يزيد قال كان النداء يوم الجمعة اوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي ﷺ وابى بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وتسميته ثالثا باعتداد الاقامة ثانيا فعلى هذا قيل السعى الى الجمعة وترك البيع ونحوه انما يجب بالنداء الثاني والصحيح ان السعى وترك البيع ونحوه يجب بالأذان الاول لعموم قوله تعالى إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة وصدقه على الاذان الاول ايضا فَاسْعَوْا يعنى فامضوا وكان عمر بن الخطاب يقرأ فامضوا وكذلك هى فى قراءة ابن مسعود وقال الحسن اما والله ما هو بالسعي عن الاقدام ولقد نهوا ان يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع وعن قتادة فى هذه الاية انه قال السعى ان تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال الله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ يعنى فلما مشى معه وقال الله تعالى وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ
стр. 3908
وقال الله تعالى ان سعيكم اى عملكم لشتى وقد نهى رسول الله ﷺ السعى بمعنى العدو عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ايتوها تمشون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا رواه الستة فى كتبهم وروى احمد وما فاتكم فاقضوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعنى الصلاة وقال سعيد بن المسيب هو موعظة الامام يعنى الخطبة وَذَرُوا الْبَيْعَ أراد ترك ما يشغل عن الصلاة والخطبة وانما خص البيع بالذكر لاشتغالهم غالبا بعد الزوال فى الأسواق بالبيع والشراء فلو عقد البيع فى الطريق وهو يمشى الى الجمعة لا بأس به ذلِكُمْ اى السعى الى الصلاة وترك ما يشغل عنه خَيْرٌ لَكُمْ من البيع والشراء وغير ذلك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مصالح أنفسكم شرط مستغن عن الجزاء بما مضى (مسئله) يحرم البيع عند أذان الجمعة اجماعا حيث يوجب الإثم وهل يصح انعقادا قال مالك واحمد لا ينعقد وقال ابو حنيفة والشافعي ينعقد وهذه المسألة مبنية على مسئلة اصولية فان النهى عن الافعال التي لا وجود
لها الا باعتبار الشرع كالصلوة فى الأرض المغصوبة والبيع ونحو ذلك بالشرط الفاسد يوجب القبح بغيره فيقتضى صحة العقد حتى يتحقق الابتلاء عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لا سيما فى البيع وقت النداء فان القبح هاهنا انما هو لامر مجاور لا فى صلب العقد أصلا فلا يكون البيع فاسدا ايضا كما يكون فاسدا بالشروط الفاسدة وعند اكثر الائمة يوجب القبح لذاته كما ان النهى عن الافعال الحسية كالزنا والسرقة يوجب القبح لذاته اتفاقا لانه الأصل فى المنهي عنه لكن الشافعي فى هذه المسألة وافق أبا حنيفة وقال صح البيع نظرا الى ان النهى انما هو لامر مجاور وهو الاشتغال عن الصلاة والله تعالى اعلم (فصل) اعلم ان الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع يكفر جاحدها اما الكتاب فهذه الاية امر فيها بالسعي ورتب الأمر بالسعي للذكر على النداء للصلوة فالظاهر ان المراد بالذكر الصلاة ويجوز ان يراد به الخطبة والاولى ان يراد به الخطبة والصلاة جميعا لصدقه عليها معا واما السنة فحديث ابى هريرة قال قال رسول الله نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد انهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم يعنى الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا له والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد متفق عليه وعن ابى عمرو ابى هريرة قالا سمعنا رسول الله ﷺ يقول على أعواد المنبر لينتهين أقوام على ودعهم الجمعات او ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم وعن ابن مسعود ان النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة
стр. 3909
لقد هممت ان امر رجلا يصلى بالناس ثم احرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم رواه مسلم وعن طارق بن شهاب قال قال رسول الله ﷺ الجمعة حق واجب على كل مسلم فى الجمعة الا على اربعة مملوك او امرأة او صبى او مريض رواه ابو داود وقال طارق راى النبي ﷺ ولم يسمع منه قلت فالحديث مرسل صحابى وهو حجة اتفاقا قال النووي الحديث صحيح على شرط الشيخين واخرج البيهقي من طريق البخاري عن تميم الداري قال الجمعة واجبة الأعلى صبى او مملوك او مسافر رواه الطبراني عن الحاكم وابن مردوية وزاد فيه المرأة والمريض وعن ابى جعد الضميري وكانت له صحبة عن النبي ﷺ قال من ترك ثلث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وحسنه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما وعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال من ترك الجمعة من غير عذر كتب منافقا فى كتاب لا يمجى ولا يبدل وفى بعض الروايات ثلثا رواه الشافعي ورواه ابو يعلى بلفظ من ترك ثلث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره ورجاله ثقات وعن جابر ان رسول الله ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فعليه الجمعة الا مريض او مسافر او المرأة او صبى او مملوك فمن استغنى بلهو او تجارة استغنى الله عنه والله غنى حميد رواه الدار قطنى فاجمع العلماء انه فرض على الأعيان وغلط من قال هى فرض كفاية (مسئله) لا يجب الجمعة على المسافر اجماعا وحكى عن الزهري والنخعي وجوبها على المسافر إذا سمع النداء ولا عبد ولا امرأة الا فى رواية عن احمد فى العبد خاصة وقال داود ويجب واختلفوا فى المكاتب والمأذون والعبد الذي حضر مع مولاه على باب المسجد لحفظ الدابة إذا لم تخل بالحفظ والحجة فى عدم وجوب الجمعة على العبد مطلقا ما مر فى الأحاديث من الاستثناء للمملوك (مسئله) لا تجب الجمعة على الأعمى إذا لم يجد قايدا إليها بالاتفاق فان وجده وجبت عليه عند مالك والشافعي واحمد وابى يوسف ومحمد وقال ابو حنيفة لا تجب احتج الجمهور بما مر من الأحاديث إذ ليس فيه استثناء الأعمى قلنا هو داخل فى المريض والمريض وكل من كان له عذر او خوف لا تجب عليه الجمعة اجماعا وكذلك الشيخ الكبير ومن كان متعهد المريض قالوا الأعمى إذا وجد قايدا صار قادرا كالبصير قلنا انه غير قادر بنفسه وقدرته بغيره لا يعتبر كالزمن إذا وجد من يحمله (مسئله) يجوز ترك الجمعة بعذر المطر والوحل روى البخاري فى الصحيح عن محمد بن سيرين قال قال ابن عباس لموذنه يوم
المطر إذا قلت اشهد ان
стр. 3910
محمد رسول الله فلا تقل حى على الصلاة فقل صلوا فى بيوتكم فكان الناس استنكروا فقال فعله من هو خير منى ان الجمعة عزيمة وانى كرهت ان أخرجكم فتمشوا فى الطين والدحض (مسئله) إذا حضر الجمعة عبدا ومسافر او امرأة او مريض صح عنه الجمعة وسقط عنه الظهر اجماعا (مسئله) تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين إذا لم يكن فيهم حرا ومقيم إذا كانوا فى مصر عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لا بالنساء والصبيان اجماعا وعند الثلاثة لا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين ولا يتم بهم العدد بل لا بد للجمعة أربعين أحرارا مقيمين او خمسين او ثلثة على اختلاف الأقوال واما المعذورون بالمرض او الخوف او المطر والأعمى او الزمانة فيتم بهم العدد اتفاقا لنا ان الجمعة واجبة على الرجال كلهم دون النساء اجماعا ودون الصبيان لكونهم غير مكلفين لعموم قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله ولكن رخص فى تركها العبيد والمسافرين واصحاب العذر فمن اتى منهم بالجمعة فقد اتى بالعزيمة فيصح جمعته كالمسافر إذا صام رمضان يتادى من صومه فرضه (مسئله) كره ظهر المعذور والمسبحون فى المصر بجماعة عند ابى حنيفة وقال مالك والشافعي واحمد انه لا يكره بل يسن وكذا من فاته الجمعة بلا عذر والله اعلم (مسئله) الخطبة شرط لانعقاد الجمعة اجماعا لقوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله إذ المراد به الخطبة ومن هاهنا قال ابو حنيفة لو اقتصر فى الخطبة على تسبيحة او تحميدة لكفى لان ذكر الله يعم الطويل والقصير ولا إجمال فيه وهذا الاستدلال ضعيف لاحتمال كون المراد بذكر الله الصلاة فالاولى ان يقال سند الإجماع على اشتراط الخطبة مواظبة النبي ﷺ كما نقل إلينا متواترا او مواظبته يقتضى اشتراط ذكر طويل يسمى فى العرب خطبة وبه قال ابو يوسف ومحمد ومالك والشافعي واحمد على انه لو كان المراد بذكر الله الخطبة فالاضافة للعهد والمعنى فاسعوا الى ذكر الله الذي يفعله النبي ﷺ فعلى هذا ايضا يشترط ان يكون ذكرا طويلا وما روى ان عثمان صعد المنبر فى أول جمعة وولى الخلافة قال الحمد لله فارتج عليه فقال ابو بكر وعمر كان يعد ان لهذا المقام مقالات وأنتم الى امام فعال أحوج منكم الى امام قوال وسياتيكم الخطب بعد واستغفر الله لى ولكم ونزل وصلى بهم ولم ينكر عليه أحد منهم فاهل الحديث لا يعرفونه والله اعلم (مسئلة) يجب عند الشافعي ومالك الخطبة قايما ويجب الجلسة بين الخطبتين عند الشافعي وقال ابو حنيفة واحمد لا يجب القيام فى الخطبة ولا الجلوس بينهما والدليل على الوجوب النقل المستفيض روى مسلم عن جابر بن سمرة انه راى رسول الله ﷺ يخطب قايما على المنبر ثم يجلس ثم يخطب قايما فقال جابر فمن أنبأك انه كان يخطب قاعدا فقد كذب فقد والله
стр. 3911
صليت معه اكثر من الفى صلوة وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس وروى مسلم عن جابر بن سمرة كانت للنبى ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القران ويذكر الناس عن ابن عمر قال كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة مرتين بينهما جلسة متفق عليه وروى مسلم عن كعب بن عجرة انه دخل المسجد يوم الجمعة وابن أم الحكم يخطب قاعدا فقال انظروا الى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى يقول وإذا رؤا تجارة او لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما احتج ابن همام بهذا الحديث ان القيام ليس بواجب حيث لم يحكم كعب ولا غيره بفساد صلوة ابن الحكم فعلم انه ليس بشرط عندهم والله تعالى اعلم (مسئله) سن ان يشتمل الخطبة على خمسة أشياء حمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ والوصية بالتقوى وقراءة القران والدعاء للمؤمنين والمؤمنات وكلها واجبة عند الشافعي ويشترط الطهارة فى الخطبتين على الراجح من مذهب الشافعي وعند الجمهور لا يشترط (مسئله) يشترط فى الخطبة حضور واحد عند ابى حنيفة لتحقيق معنى التخاطب وعند الشافعي وغيره لا يجوز للامام ان يبدئ بالخطبة قبل اجتماع العدد وهو الأربعون عند الشافعي او خمسون او ثلثة عند غيره فان نفر واحد منهم قبل افتتاح الصلاة لا يجوز ان يصلى الجمعة بل يصلى الظهر وان عادوا بعد قبل
طول الفصل بنى على ذلك الخطبة وبعد طوله استأنف الخطبة (مسئله) يحرم الكلام فى حال الخطبة لمن حضر الخطبة عند ابى حنيفة ومالك سواء سمع الخطبة او لا يسمع وقال احمد يحرم لمن يسمعها لا من لا يسمعها والمستحب الإنصات وقال الشافعي لا يحرم على من يسمع ايضا لكنه يكره وهل يحرم الكلام على الخاطب فقال ابو حنيفة يحرم الا ان يكون امر المعروف كقصة عمر مع عثمان كذا قال ابن همام وكذا قال الشافعي فى القديم وقال مالك رح جاز الكلام للمخاطب بما فيه مصلحة الصلاة نحو ان يزجر الداخلين عن تخطى الرقاب وان خاطب إنسانا بعينه جاز لذلك الإنسان ان يجيبه كما وقع فى قصة كلام عمر وهو يخطب مع عثمان وسنذكر الحديث فى مسئلة غسل الجمعة وقال احمد يجوز للمخاطب الكلام مطلقا وقد تعارضت الأحاديث فى الباب فى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت وروى احمد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا فهذين الحديثين يدلان على الحرمة وكذا قوله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون واما ما يدل على الإباحة فما روى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن كعب ان الرهط الذي بعثهم رسول الله ﷺ الى ابن ابى الحقيق
стр. 3912
بخيبر ليقتلوه فقدموا على رسول الله ﷺ وهو قائم على المنبر يوم الجمعة فقال لهم حين رائهم افلحت الوجوه فقالوا أفلح وجهك يا رسول الله قال أقتلتموه قالوا نعم فدعى بالسيف الذي قتل به وهو قائم على المنبر فسله فقال أجل هذا طعامه فى ذباب سيفه الحديث قال البيهقي مرسل جيد وروى عن عروة نحوه ثم روى من طريق ابن عبد الله بن انس عن أبيه قال بعثني رسول الله ﷺ الى ابن ابى الحقيق نحوه وروى مسلم من حديث ابى رفاعة العدوى قال انتهيت الى النبي ﷺ وهو يخطب فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه قال فاقبل على وترك خطبة وجعل يعلمنى ثم اثم الخطبة وروى اصحاب السنن الاربعة وابن الخزيمة والحاكم من حديث بريدة قال كان النبي ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمر ان يمشيان ويعثران فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعها بين يديه ثم قال صدق الله ورسوله انما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم اصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما وروى ابو داود عن جابر قال لما استوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر قال اجلسوا فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد فراه رسول الله ﷺ فقال تعال يا عبد الله ابن مسعود عن انس ان رجلا دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال متى الساعة فاومى الناس اليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام فقال النبي ﷺ ماذا اعددت لها قال حب الله ورسوله قال انك مع من أحببت رواه احمد والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وعن انس بينما النبي ﷺ يوم الجمعة فقام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال فذكر حديث الاستسقاء متفق عليه قال الشافعي رح تعارض الأحاديث يقتضى الكراهة فى المستمع وقال ابو حنيفة أحاديث الآحاد لا يصادم قوله تعالى فاستمعوا له وانصتوا لا سيما إذا تعارضت فقال بالتحريم وذلك أحوط وقال احمد رح الاية والأحاديث لا يدل على تحريم الكلام للمخاطب والله تعالى اعلم (مسئله) لا بأس بالكلام قبل الخطبة وبعد الفراغ لحديث انس قال كان رسول الله ﷺ ينزل من المنبر يوم الجمعة فيكلم الرجل فى الحاجة فيكلم ثم يقدم الى مصلاه رواه احمد وقال ابو حنيفة رح يكره مطلقا محتجا بالآثار اخرج ابن ابى شيبة عن على وابن عباس وابن عمر كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام (مسئله) إذا جاء رجل والامام يخطب يصلى ركعتين عند الجمهور وينجوز فيهما وقال ابو حنيفة رح لا يصلى لما ذكرنا اثر على وابن عباس وابن عمرو نحو ذلك عن عروة والزهري ولقوله ﷺ إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت قالوا هذا الحديث بدلالة النص يمنع عن الصلاة
стр. 3913
وتحية المسجد لان المنع عن الأمر بالمعروف وهو أعلى من سنة الجمعة
وتحية المسجد منع عنهما بالطريق الأعلى واولى ويرد عليه ان الأمر بالمعروف ان كان ذلك المعروف امرا واجبا فهو اولى من السنة واما إذا كان المعروف مستحبا فليس اولى من السنة والسكوت حين استماع الخطبة غير واجب عند الشافعي فكيف يحتج عليه بدلالة النص وللجمهور حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين ويتجوز فيهما متفق عليه وفى لفظ مسلم جاء سليك العطفانى يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس فقال له يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما وفى الباب عن ابى سعيد لابن حبان وغيره واخرج الطبراني عن ابى ذر انه اتى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقعد فقال رسول الله ﷺ هل ركعت فقال لا قال قم فاركع ركعتين وأجاب ابن همام بان الدار قطنى روى فى سننه عن انس قال رجل دخل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ قم فاركع ركعتين وامسك عن الخطبة حتى فرغ عن صلوته ثم قال أسنده عبيد بن محمد العبدى قولهم فبه ثم اخرج عن احمد بن حنبل ثنا معتمر عن أبيه قال جاء رجل الحديث وفيه ثم انتظروه حتى صلى قال وهذا المرسل وهو الصواب قال ابن همام والمرسل حجة قلت لو صح المرسل فهو واقعة حال لا يعارض اطلاق قوله ﷺ إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليركع وايضا لا يجوز الصلاة عند ابى حنيفة رح بعد خروج الامام مطلقا ولو بعد الفراغ عن الخطبة فعلى تقدير الصلاة حين سكت رسول الله صامم ايضا لا يطابق الحديث مذهب ابى حنيفة رح والله تعالى اعلم (مسئله) اتفقوا على انه لا يجوز الجمعة فى الصحراء الا عند ابى حنيفة رح فى فناء المصر قال حيث له حكم المصر وعلى ان الجماعة شرط فى الجمعة وذلك ماخوذ من لفظ الجمعة واختلفوا فى موضع يقام فيه الجمعة وفى عدد الجماعة الذين ينعقد بهم الجمعة فقال الشافعي واحمد واسحق كل قرية استوطنها أربعون رجلا أحرارا عاقلين بالغين لا يظعنون عنها شيئا ولا ضيفا الا ظعن حاجة يجب عليهم اقامة الجمعة ولا تنعقد الجمعة باقل من أربعين رجلا على هذه الصفة وقال مالك القرية إذا كانت بيوتها متصلة وفيها مسجد وسوق يجب فيها الجمعة ويعتبر فى انعقاد الجمعة عدد الغبراء بهم قرية عادة وقال ابو حنيفة رح لا يصح الجمعة الا فى مصر جامع والمصر هو كل بلد فيها سكك وأسواق ولها رساتيق ووال ينصف المظلوم من الظالم اى بقيد على الانصاف وان كان جابر او عالم يرجع اليه فى الحوادث وقيل ما لا يسع اكبر مساجده اهله مصر والحجة لاشتراط المصر رواه ابن ابى شيبة موقوفا عن على رض لا جمعة ولا تشريق ولا صلوة فطر ولا اضحى الا فى مصر جامع او مدينة عظيمة صححه
стр. 3914
ابن حزم وضعفه احمد ويمكن الاحتجاج لاشتراط المصر وعدم جوازه فى القرى ان اهل العوالي كانوا يصلون الجمعة مع النبي ﷺ كما فى الصحيح واهل قبا كانوا يصلون معه كذا روى ابن ماجة وابن خزيمة واخرج الترمذي من طريق رجل من اهل قبا من لبيه قال أمرنا النبي ﷺ ان نشهد الجمعة من قباء روى البيهقي ان اهل ذى الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة ولم ينقل عن الصحابة انهم حين فتحوا البلاد واستغلوا بنصب المنابر والجمع الا فى الأمصار دون القرى ولو كان لنقل وصلوته ﷺ أول جمعة فى بنى عمرو بن سليم يدل على جواز الجمعة فى قرية قريبة من المصر كما يجوز ان يصلى الجمعة فى اى ناحية من نواحى المصر فكذا يجوز فى فناء المصر والله تعالى اعلم ومحصل الكلام ان قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله ليس على إطلاقه اجماعا حيث لا يجوز فى البراري ولا فى كل قرية بل فى بعضها فقدره شافعى رح وغيره وقرية مخصوصة كما ذكرنا وقدر ابو حنيفة بالمصر والمصر أخص فاذا صلى الجمعة فى المصر صح الجمعة وسقط الظهر عن الذمة اجماعا وإذا صلى فى قربة دون المصر يقع الشك فى صحة الجمعة ووجوبها وسقوط الظهر فلا يجب الجمعة بالشك ولا بسقط الظهر الثابت فى الذمة يقينا بالشك والله اعلم وما روى الطبراني
وابن عدى عنه ﷺ انه قال الجمعة واجبة على كل قرية فيها امام وان لم يكونوا الا اربعة وفى رواية الا ثلثة فليس مما يجوز به الاحتجاج لانه من رواية الحكم بن عبد الله ومن رواية الوليد بن محمد كلاهما عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قال الدار قطنى لا يصح هذا عن الزهري وكل من رواه عنه متروك الوليد والحكم متروكان قال احمد أحاديث الحكم كلها موضوعة وفى سند الحكم مسلمة بن على قال يحيى ليس بشئ وقال النسائي متروك وكذا حديث جابر ابن عبد الله مضت السنة ان فى كل أربعين فما فوق ذلك جمعة واضحى وفطر فى سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن قال احمد اضرب على أحاديثه فانها كذب او قال موضوعة وكذا حديث ابى امامة الجمعة على خمسين رجلا وليس على ما دون الخمسين جمعة رواه الطبراني وفى اسناده جعفر بن الزبير وهو متروك وهيياج من نظام وهو متروك ايضا ورواه البيهقي وفى سنده النحاش وهو واه ايضا واما حديث ابن عباس أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله ﷺ بجواثا قرية بالبحرين رواه البخاري فلا يدل على جواز الجمعة فى كل قرية فان اسم القرية يشتمل المصر وغيره قال الله تعالى لولا انزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم يعنى مكة وطائف ولا شك ان مكة مصر وفى الصحاح ان جواثا حصن بالبحرين فهى مصر إذ لا يخلو الحصن عن حاكم عليهم وعالم وفى المبسوط انها مدينة بالبحرين ولما لم يروا عددا
стр. 3915
معينا للجماعة شرطا للجمعة فى حديث صالح للاحتجاج قال الحسن وابو ثور تنعقد الجمعة باثنين لان اثنين فما فوقه جماعة وقال ابو يوسف ومحمد والأوزاعي ينعقد بثلاثة إذا كان فيهم دال وقال ابو حنيفة رح اربعة لان قوله تعالى فاسعوا يقتضى ثلثة وقوله الى ذكر الله يقتضى ذاكرا فذلك اربعة قلت وهذا الاستدلال غير صحيح فان صيغة الجمع انما هو لكون الخطاب عامة لا لاشتراط عدد الجماعة وإلا لزم اشتراط الجماعة فى جميع المأمورات بقوله تعالى واقيموا الصلاة وأتوا الزكوة ونحو ذلك ويمكن ان يقال لا بد فى الجمعة فوق جماعة سائر الصلوات لاشتراط الجماعة فيها ولدلالة لفظ الجمعة عليه ولذا قيل الجمعة جامعة للجماعات واولى الجماعات فى الصلاة اثنان فلا بد ان يكون فى الجمعة ثلثة كما قال ابو يوسف رح ولما كان عند ابى حنيفة الجماعة شرطا والامام اخر قال لا بد ان يكون ثلثة سوى الامام والله تعالى اعلم (مسئله) الوالي او اذنه شرط بصحة الجمعة عند ابى حنيفة رح خلافا لمالك والشافعي واحمد وليس على اشتراط السلطان او اذنه دليلا يعتمد عليه وقد روى مالك رح والشافعي رح عنه وابن حبان بسنده الى ابى عبيدة مولى بنى نظير قال شهدت العيد مع على وعثمان محصور قال الحافظ ابن حجران مدة الحصار كانت أربعون يوما وكان يصلى بهم تارة طلحة وتارة عبد الرحمن ابن عديس وتارة غيرهما قال ابن همام هذا وقعة حال فيجوز كونه عن اذنه كما يجوز كونه بغير اذنه فلا حجة فيه لفريق فيبقى قوله ﷺ من تركها وله امام جائرا وعادل الا فلا جمع الله شمله ولا بارك له فى امره الا ولا صلوة له رواه ابن ماجة وغيره حيث شرط فى لزومها الامام كما يفيده قيد الجملة الواقعة حالا قلت هذا حديث رواه ابن ماجة عن جابر مرفوعا وفيه عبد الله العدوى وهو واه وأخرجه البزار من وجه اخر وفيه على بن زيد بن الجدعان قال الدار قطنى ان الطريقين كلاهما غير ثابت وقال ابن عبد البر هذا الحديث واهي الاسناد (مسئله) وقت الظهر شرط لاداء الجمعة عند الجمهور لانها تنوب عن الظهر ويسقط فريضة الظهر بأداء الجمعة فلا يجب ما لم يجب الظهر وما لم يجب لا يقع من الفرض وقال احمد يجوز الجمعة قبل الزوال لحديث سهل بن سعد قال ما كنا نتغدى ولا تقيل الا بعد الجمعة وحديث سلمة بن اكوع كنا نصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم نرجع فلا نجد للحيطان فيئا نستظل الحديثان فى الصحيحين وحديث انس بن مالك قال كنا نصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم نرجع للقايلة رواه البخاري
والجواب ان نفى التغدي لا يستلزم كون الجمعة قبل الزوال والاستثناء مبنى على المجاز والمعنى لا نجد للحيطان فيئا نستظل عدم طول الظل بحيث يمشى فيه الراكب والماشي وذلك لا يكون فى أول الوقت ولنا من الأحاديث ما ذكرنا سابقا ان النبي ﷺ -
стр. 3916
كتب الى مصعب بن عمير اما بعد فانظر اليوم الذي يجهر فيه اليهود بالزبور فاجمعوا نساءكم وابناءكم فاذا مال النهار عن نظره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا الى الله بركعتين حديث انس ان النبي ﷺ كان يصلى الجمعة حين يميل الشمس رواه البخاري والترمذي وقال صحيح وحديث جابر بن عبد الله قال كنا نصلى الجمعة ثم تذهب الى حجالنا حين تزول الشمس رواه مسلم وحديث سلمة بن الأكوع كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس الحديث رواه مسلم وعن يوسف بن مالك قال قدم معاذ بن جبل على اهل مكة وهم يصلون الجمعة والفيء فى الحجر فقال لا تصلوا حتى تفئ الكعبة من وجهها رواه الشافعي (مسئله) لو شرع الجمعة فى الوقت وحدها حتى خرج الوقت أتمها ظهرا عند الشافعي رح وقال ابو حنيفة رح يبطل صلوته ويبتدى بالظهر لان الجمعة غير الظهر لا يجوز بناء أحدهما على الاخر وسقوط الظهر بالجمعة يثبت على خلاف القياس فيراعى فيه جميع ما ورد ومنها الوقت وقال مالك رح إذا لم يصل الجمعة حتى دخل وقت العصر صلى فيه الجمعة ما لم تغرب الشمس وان كان لا يفرغ الا بعد غروبها وهو قول احمد ومذهب مالك مبنى على وقت الضروري للظهر الى غروب الشمس كالعصر- (مسئله) يشترط عند ابى حنيفة رح لاداء الجمعة الاذن العام حتى لو ان واليا اغلق باب بلد وجمع بحشمه ومنع الناس من الدخول لا يصح الجمعة عنده خلافا لجمهور العلماء احتج ابن همام فى هذه المسألة باشارة قوله تعالى نودى للصلوة فان النداء يقتضى الاذن وهذا الاستدلال ضعيف فانه تعالى جعل النداء سببا لوجوب السعى الى الجمعة ولا يلزم منه كون النداء شرطا لادائها كما ان قوله تعالى إذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا يدل على وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القران لا على كون الاستماع والإنصات شرطا لجواز القراءة حتى لا يجوز قراءة الامام فى الصلاة والخطبة ان قرأ المقتدى والله تعالى اعلم قلت ويمكن الاستدلال على اشتراط الإعلان والاذن العام بما مران النبي ﷺ كتب الى مصعب بن عمير ليصلى بالناس الجمعة فى المدينة ولم يصل بنفسه الكريمة بمكة مع إمكان صلوته الجمعة بأصحابه فى بيته فذلك دليل على ان الإعلان والاذن العام شرط لاداء الجمعة ولم يكن ذلك مقدورا بمكة والله تعالى اعلم (مسئله) من كان مقيما فى قرية لا يقام فيها الجمعة او فى برية هل يجب عليهم حضور الجمعة بالمصر قال ابو حنيفة رح ومحمد رح لا يجب عليه الجمعة مطلقا وقال ابو يوسف رح والشافعي رح واحمد رح واسحق رح ان كان يبلغهم نداء مؤذن جهورى الصوت يوذن فى وقت تكون الأصوات هادنة والرياح يجب عليهم حضور الجمعة كذا قال مالك رح لكن حده بفرسخ وربيعة باربعة أميال وقال ابن همام قال بعض العلماء قدر ميل وقيل قدر ميلين ولم يجده
стр. 3917
الشافعي رح وعن احمد فى التحديد نحو قولهما والحجة بهذا القول عموم قوله تعالى إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا وقوله ﵇ انما الجمعة على من سمع النداء رواه ابو داود وغيره من عبد الله بن عمرو فى رواية بلفظ الجمعة على من سمع النداء وقال سعيد بن المسيب يجب الجمعة على من اواه الليل وقال الزهري يجب على من كان على ستة أميال وهى رواية عن مالك وفى رواية عن ابى يوسف يجب على ثلثة فراسخ قال فى البدائع هذا حسن ولعل هذين القولين تحديد لمن اواه الليل فانه من كان على ستة أميال او تسعة كان ذهابه ومجيئه اثنا عشرا وثمانية عشر ميلا وذلك مرحلة فان اثنى عشر ميلا ادنى المراحل غالبا وثمانية عشر أكثرهما والحجة لهذا القول حديث ابى هريرة عن النبي ﷺ الجمعة على من اواه الليل الى اهله رواه الترمذي والحديث غير قابل للاحتجاج قال احمد لما سمع هذا الحديث استغفر ربك وفى سنده حجاج بن نصير قال ابو حاتم الرازي تركوا حديثه يروى عن
معارك بن عباد وقال ابو حاتم أحاديثه منكرة وقال ابو درعة واهي الحديث يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري قال يحيى بن سعيد الشيباني كذبه فى مجلس وقال يحيى بن معين ليس بشئ لا يكتب حديثه والاحتجاج على وجوب الجمعة على من سمع النداء وعلى من اواه الليل بصلوة اهل العوالي مع النبي ﷺ وصلوة اهل قبا معه كما ذكرنا وبما روى البيهقي ان اهل ذى الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة لا يجوز لانه لا يدل على وجوب الجمعة عليهم والظاهر انهم كانوا يجمعون مع النبي ﷺ إحراز الفضيلة من غير وجوب واماما رواه الترمذي من طريق رجل من اهل قبا عن أبيه وكان من الصحابة قال أمرنا النبي ﷺ ان نشهد الجمعة من قبا ففيه رجل مجهول (مسئله) إذا وقع العيد يوم الجمعة قال احمد اخر حضور صلوة العيد عنا الجمعة ويصلون الظهر وقال عطاء يسقط الجمعة والظهر معا فى ذلك اليوم فلا صلوة بعد العيد الا العصر والأصح عند الشافعي رح ان من حضر العيد من اهل القرى جاز لهم ان ينصرفوا بعد العيد ويتركوا الجمعة واما اهل البد وفلا يسقط عنهم الجمعة وقال ابو حنيفة رح ومالك لا يسقط الجمعة بصلوة العيد عمن وجب عليه الجمعة أصلا واحتج احمد بحديث زيد بن أرقم قال رسول الله ﷺ العيد أول النهار ثم رخص فى الجمعة ثم قال من شاء ان يجمع الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لا يجوز ان يسقط بحديث احاد وكيف ينوب النافلة عن الفريضة وفى الباب عن ابن عمر اجتمع عيد ان على عهد رسول الله ﷺ فصلى بالناس ثم قال من شاء ان يأتي الجمعة فلياتها ومن شاء ان يتخلف فليتخلف وفيه مبدل بن على ضعيف وقبازة بن المفلس قال
стр. 3918
يحيى بن معين كذاب وحديث ابى هريرة نحوه وفيه بقية مدلس روى الحديثين ابن الجوزي (مسئله) من كان من اهل الجمعة وأراد السفر بعد الزوال لم يجز له الخروج الا إذا تمكن الجمعة فى طريقه او يتضرر تخلفه عن الرفقة وقبل الزوال جاز له السفر عند ابى حنيفة رح ومالك رح وقال الشافعي رح لا يجوز مطلقا وقال احمد رح لا يجوز الا ان يكون سفر جهاد واحتج من قال بعدم الجواز بحديث ابن عمر مرفوعا من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملئكة ان لا يصحب فى سفره وفيه ابن بهيعة ضعيف واحتج من جواز السفر لمن أراد الغزو بحديث ابن عباس انه ﷺ بعث عبد الله بن رواحة فى سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وتخلف هو ليصلى ويلحقهم فلما صلى قال له رسول الله ﷺ ما خلفك قال أردت ان أصلي معك وألحقهم فقال لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم رواه احمد والترمذي وأعله الترمذي بالانقطاع وقال البيهقي انفرد به الحجاج ابن ارطاة وهو ضعيف واحتج من قال بالجواز بما روى ابو داود فى المراسيل عن الزهري انه أراد ان يسافر يوم الجمعة ضحوة فقيل له فى ذلك فقال ان النبي ﷺ سافر يوم الجمعة وروى الشافعي من عمر انه راى رجلا عليه هيئة السفر فسمعه يقول لولا ان اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر اخرج فان الجمعة لا يحبس عن سفر وروى سعيد بن منصور ان أبا عبيد بن الجراح سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة قال ابو حنيفة رح الجمعة يجب بعد الزوال فلا يجوز الخروج بعد الوجوب ويجوز قبله يدل على ذلك حديث الزهري وابن عمرو الله تعالى اعلم (مسئله) لا يجوز فى بلدة وان عظم اكثر من جمعة واحده عند ابى حنيفة رح وبه قال الطحاوي رح وهو مذهب مالك رح والقول القديم للشافعى رح وكذا روى اصحاب الافلاء عن ابى يوسف رح انه لا يجوز فى مصر الا ان يكون فيه نهر كبير حتى يكون كمصرين ولذا كان يأمر بقطع الجسر تبعدا فان لم يكن فالجمعة لمن سبق فان صلوا معا فسدتا وعنه انه يجوز فى موضعين إذا كان المصر عظيما لا فى ثلثة وقال احمد إذا عظم البلد وكثر اهله كبغداد جاز فيه جمعتان وان لم يكن بهم حاجة الى اكثر من جمعة لم يجز وقيل ان البغداد كان فى الأصل قرى متفرقة فى كل قرية جمعة ثم اتصلت
العمارة بينها فبقيت الجمعة على حالها والراجح المتأخر من اقوال الشافعي رح ان البلد إذ اكبر وعسر اجتماع اهله فى موضع واحد جاز اقامة جمعة اخرى بل يجوز التعدد بحسب الحاجة وعن محمد بن الحسن انه يجوز تعددها مطلقا ورواه عن ابى حنيفة رح قال السرخسي رح الصحيح من مذهب ابى حنيفة رح جواز إقامتها فى مصر واحد فى مسجدين واكثر قال ابن همام وبه ناخذ لاطلاق لا جمعة الا فى مصر شرط المصر
стр. 3919
فاذا تحقق تحقق فى كل ناحية منها وجه رواية المنع انها سميت جمعة لاستدعائها استجماع الجماعات فهى جامعة لها قال الأثرم لاحمد اجمع جمعتين فى مصر قال لا اعلم أحدا فعله قال ابن المنذر لم يختلف الناس ان الجمعة لم يكن تصلى فى عهد النبي ﷺ وفى عهد الخلفاء الراشدين الا فى مسجد النبي ﷺ وفى تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم فى مسجد واحد من البيان بان الجمعة خلاف ساير الصلوات وانه لا يصلى الا فى مكان واحد ولا اعلم أحدا قال بتعدد الجمعة غير عطاء وذكر الخطيب فى تاريخ بغداد ان أول جمعة أحدثت فى الإسلام فى بلد مع قيام الجمعة القديمة فى ايام المعتم فى دار الخلافة من غير بناء مسجد لاقامة الجمعة وسبب ذلك خشية الخلفاء على أنفسهم فى المسجد العام وذلك فى سنة ثمانين ومائتين ثم بنى فى ايام المكتفي مسجد فجمعوا فيه وذكر ابن عساكر فى تاريخ دمشق ان عمر كتب الى ابى موسى والى عمرو بن العاص والى سعد بن ابى وقاص ان يتخذوا مسجدا جامعا ومساجد للقبائل فاذا كان يوم الجمعة انضموا الى المسجد الجامع فشهد الجمعة (فائدة) قال ابن همام إذا اشتبه على الناس وجود شرائط الجمعة ينبغى ان يصلى أربعا بعد الجمعة ينوى بها اخر فرض ظهر أدركت وقته ولم أود بعد فان لم يصح الجمعة وقعت ظهره فرضا وان صحت كانت نفلا (باب) ما ورد من الاخبار فى سنن الجمعة وفى ساعة الجمعة (مسئله) غسل يوم الجمعة سنة وحكى عن مالك وداود انه واجب لحديث ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه وحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا جاء أحدكم الى الجمعة فليغتسل متفق عليه والحديث مشهور بل متواتر عد ابو القاسم بن مندة من رواه عن نافع عن ابن عمر فبلغوا فوق ثلاثمائة وعد من رواه عن ابن عمر فبلغوا اربعة عشر صحابيا وأجيب بان الأمر للاستحباب ومعنى الوجوب اللزوم على وجه السنة بقرينة اقترانه بما لا يجب فيما رواه احمد من حديث ابى سعيد مرفوعا ان الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك وان يمس من الطيب ما يقدر عليه وفى الصحيحين عن عائشة كان الناس عمال أنفسهم فكانوا يروحون كهيئتهم فقيل لهم لو اغتسلوا والدليل على عدم وجوب الغسل حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فذلك أفضل رواه احمد واصحاب السنن وابن خزيمة وقال الترمذي حديث حسن ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلا وحديث ابى هريرة مرفوعا
стр. 3920
من توضأ فاحسن الوضوء ثم اتى الجمعة فاستمع وانصت غفر له ما بين الجمعة الى الجمعة وزيادة ثلثة ايام رواه مسلم ولا شك ان الأحاديث الدالة على عدم الوجوب ليست فى القوة مثل أحاديث الوجوب لكن عمل الصحابة واجماع الامة على عدم الوجوب يثبت ان أحاديث الوجوب اما منسوخة او ماولة روى الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمران عمر بينما هو قائم فى الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين فناداه عمر اية ساعة هذه قال انى شغلت فلم انقلب الى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على ان توضأت فقال والوضوء ايضا وقد علمت ان رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل قال ابن الجوزي والرجل عثمان ولم ينكر عمر على عثمان فى ترك الغسل ولم ينكر أحد فظهر ان الغسل سنة ليس بواجب وأحاديث التي يحتج بها للوجوب ماولة وليست بمنسوخة ولو كانت منسوخة لم يقل عمران رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل فان المنسوخ لا يحتج به فظهر ان الأمر للاستحباب والسنية والله تعالى اعلم (مسئله) سن يوم الجمعة اربع ركعات قبل الجمعة واربع بعدها عند ابى حنيفة رح وقال
ابو يوسف رح بعدها ست ركعات ومحمد قيل مع ابى يوسف ولا دليل على اربع قبل الجمعة الا عموم انه كان ﷺ يصلى إذا زالت الشمس أربعا ويقول هذه الساعة يفتح فيها أبواب السموات فاحب ان يصعد لى فيها عمل صالح رواه ابن ماجة عن ابى يوسف بإسناد حسن والقياس على الظهر وقد صح انه ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة رواه البخاري وابو داود والنسائي عن عائشة واما الصلاة بعد الجمعة فقد صح عن ابن عمران النبي ﷺ كان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين فى بيته رواه مالك والشيخان فى الصحيحين وابو داود والنسائي وفى سنن ابى داود عن ابن عمر انه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم يتقدم فيصلى أربعا وإذا كان بالمدينة فصلى الجمعة ثم رجع الى بيته فصلى ركعتين فقيل له كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك قال ابن همام فالظاهر ان السنة سنة غير ان ابن عمر لم يعلم كل ما كان يفعله النبي ﷺ بمكة فاذا كان مسافرا كان يصليها فى المسجد فيعلم ابن عمرو به قال ابو يوسف رح وابو حنيفة رح أخذا بما روى عن ابن مسعود انه كان يصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا قاله الترمذي فى الجامع واليه ذهب ابن المبارك والثوري وفى صحيح مسلم عن ابى هريرة عن النبي ﷺ إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها اربع ركعات والله تعالى اعلم (مسئله) عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب
стр. 3921
ان كان عنده ولبس من احسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله ان يركع فانصت إذا خرج الامام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها رواه ابو داود ورواه البغوي وقال قال ابو هريرة وزيادة ثلثة ايام لان الله تعالى يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وروى البخاري نحوه عن سلمان بغير زيادة ثلثة ايام وعن أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة اجر صيامها وقيامها رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الاول فالاول فاذا خرج الامام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنة ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ثم الذي يليه كالمهدى كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة رواه البغوي وفى الصحيحين نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ادخل الجنة وفيه اخرج منها ولا تقوم الساعة الا فى يوم الجمعة رواه مسلم وعنه قال قال رسول الله ﷺ ان فى الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسال الله فيها خيرا الا أعطاه إياه متفق عليه وزاد مسلم قال وهى ساعة خفيفة وفى رواية لهما قال ان فى الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلى يسال الله خيرا فيها الا أعطاه إياه وعن ابى موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فى شان ساعة الجمعة هى ما بين ان يجلس الامام الى ان يقضى الصلاة رواه مسلم وعن ابى هريرة قال خرجت الى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثنى عن التورية وحدثته عن رسول الله ﷺ فكان مما حدثته ان قلت قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه اهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة الا وهى مصيحة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة الا الجن والانس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئا الا أعطاه إياه قال كعب ذلك فى كل سنة يوم فقلت بل فى كل جمعة فقرأ كعب التورية فقال صدق رسول الله ﷺ قال ابو هريرة فلقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسى مع كعب الأحبار وما حدثته فى يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك فى
كل سنة قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت له ثم قرأ كعب التورية فقال هى فى كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت اية ساعة هى قال
стр. 3922
ابو هريرة فقلت أخبرني ولا تضن على فقال عبد الله بن سلام هى اخر ساعة فى يوم الجمعة قال ابو هريرة فقلت له وكيف يكون اخر ساعة فى يوم الجمعة وقال رسول الله ﷺ لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى فيها وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام الم يقل رسول الله ﷺ من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو فى صلوة حتى يصلى قال ابو هريرة فقلت بلى قال فهو ذاك رواه مالك وابو داود والترمذي والنسائي وعن أوس بن أوس قال قال رسول الله ﷺ أن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فاكثروا على من الصلاة فان صلوتكم معروضة على قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلوتنا عليك وقد رمت قال ان الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والبيهقي وعن ابى لبابة عن ابن المنذر قال قال النبي ﷺ ان يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله آدم واهبط الله فيه آدم الى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا الا أعطاه ما لم يسال حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولاسماء ولا ارض ولا رياح ولا جبال ولا بحير الا وهى مشفق من يوم الجمعة رواه ابن ماجة وروى احمد عن سعد بن معاذ ان رجلا من الأنصار اتى النبي ﷺ فقال أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير قال فيه خمس خلال وساق الى اخر الحديث وعن ابى هريرة قال قيل لاى شىء سمى الجمعة قال ان فيها طبقت طينة أبيك أدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفى آخرها ثلث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له رواه احمد وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ أكثروا الصلاة علىّ يوم الجمعة فانه مشهود يشهده الملائكة وان أحدا لم يصل علىّ الا عرضت علىّ صلوته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء فبنى الله حى يرزق رواه ابن ماجة وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلم يموت يوم الجمعة او ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وليس اسناده بمتصل وعن انس قال كان رسول الله ﷺ يقول ليلة الجمعة ليلة أغر ويوم الجمعة يوم أزهر رواه البيهقي فى الدعوات الكبير (فائدة) ذكر الحافظ ابن حجر فى فتح الباري فى ساعة الجمعة بضعة وأربعين قولا واختار الجزري صاحب الحصن منها ما رواه مسلم من حديث ابى موسى هى ما بين ان يخرج الامام الى ان يقضى الصلاة واختار اكثر العلماء ما ذكر من حديث ابى هريرة عن عبد الله بن سلام هى اخر ساعة من يوم الجمعة
стр. 3923
وكذا روى النسائي وغيره من حديث جابر التمسوها اخر ساعة بعد العصر قال البيهقي كان النبي ﷺ يعلم هذه الساعة بعينها ثم انسيها كما انسى ليلة القدر روى ذلك ابن خزيمة فى صحيحه عن ابى سعيد قال سالنا عنها النبي ﷺ فقال انى علمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر قال الأثرم لا يخلو هذه الأحاديث من أحد وجهين اما ان يكون بعضها أصح من بعض واما ان يكون هذه الساعة منتقلة فى الأوقات المذكورة كما تنتقل ليلة القدر فى ليالى العشر الأخير قلت ويمكن الجمع بين حديثى ابى موسى وعبد الله بن سلام بان عبد الله بن سلام كان يحكى عن التورية ولم يكن فى زمن موسى ﵇ يصلى صلوة الجمعة بل كانوا يعظمون السبت ويصلون فيه فاذا لم يصل صلوة الجمعة فى قرية او بادية فالساعة فى حقهم اخر ساعة من الجمعة وإذا يصلى صلوة الجمعة فالساعة فى حقهم ساعة الصلاة كما يدل عليه حديث ابى موسى وليس غير هذين القولين قولا له سند
معتمد عليه والله تعالى اعلم (فصل) عن ابى هريرة انه صلى الله تعالى عليه واله وسلم كان يقرأ فى الركعة الاولى من صلوة الجمعة سورة الجمعة وفى الركعة الثانية سورة المنافقين رواه مسلم وعن النعمان بن بشير قال كان النبي ﷺ يقرأ فى العيدين وفى الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية وربما اجتمعا فى يوم واحد فيقرء بهما رواه مسلم ولابى داود والنسائي وابن حبان من حديث سمرة انه ﷺ كان يقرأ فى صلوة الجمعة سبح اسم وهل أتاك حديث الغاشية وروى البغوي انه سئل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة على اثر سورة الجمعة فقال كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية وعن ابى سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين وله شاهد من حديث ابن عمر فى تفسير ابن مردوية (فصل) عن جابر مرفوعا لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه فى مقعده ولكن ليقل افسحوا رواه مسلم عن أرقم بن أرقم مرفوعا الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار فصيه رواه البيهقي وعن عبد الله بن عمر من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهر رواه ابو داود.
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ اى أديت صلوة الجمعة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ اى الرزق امر اباحة بعد المنع لاجل الصلاة قال ابن عباس ان شئت فاخرج وان شئت فاقعد وان شئت فصل الى العصر وقيل فانتشروا فى الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ فى الله أخرجه ابن جرير من حديث انس مرفوعا وابن مردوية عن ابن عباس موقوفا
стр. 3924
وقال البغوي قال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم فعلى هذه الأقوال الأمر للاستحباب وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً فى مجامع أحوالكم ولا تحصوا ذكره بالصلوة عن عمر بن الخطاب ان رسول الله ﷺ قال من دخل السوق فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحى ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شىء قد يركتب الله له الف الف حسنة ومحى عنه الف الف سيئة ورفع له الف الف درجة رواه الترمذي وقال غريب رواته ثقات الا أزهر بن سنان ففيه خلاف وعن عصمة قال قال رسول الله ﷺ أحب الأعمال الى الله سبحانه الحديث وابغض الأعمال الى الله التحريف قلنا يا رسول الله ما سبحانه قال يكون القوم يتحدثون والرجل يسبح قلنا يا رسول الله وما التحريف قال القوم يكونوا بخير فيسالهم الجار والصاحب فيقولون نحن بشر رواه الطبراني لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكى تفلحوا بخير الدارين اخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله قال كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذا قبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق الا اثنا عشر رجلا وقال ابن عباس فى رواية الكلبي لم يبق فى المسجد الا ثمانية رهط وفى صحيح ابى عوانة ان جابرا قال كنت فيمن بقي رواه الدار قطنى بلفظ فلم يبق الا أربعون رجلا واسناده ضعيف تفرد به على بن عاصم وخالف اصحاب حصين فيه وروى العقيلي من حديث جابر ايضا وزاد كان من الباقين ابو بكر وعمر وعثمن وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وابو عبيدة او عمار الشك من اسد بن عمر الراوي وبلال وابن مسعود وهؤلاء أحد عشر رجلا وجابر ثانى عشر فانزل الله تعالى.
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا اى تفرقوا إِلَيْها الجملة الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وفيها التفات من الخطاب الى الغيبة أفرد الضمير للتجارة برد الكناية إليها لانها المقصود فان المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير والترديد للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع ورويته واخرج ابن جرير عن جابر ايضا قال كان الجواري إذا نكحوا كانوا يموون بالكبر والمزامير ويتركون النبي ﷺ قائما على المنبر فينفضون إليها فنزلت قال صاحب لباب النقول فكانها نزلت فى الامرين معا قال ثم رايت ابن المنذر أخرجه عن جابر بقصة النكاح وقدوم العير معا من طريق واحد وانها نزلت فى الامرين فلله الحمد وعلى هذا فالوجه لافراد الضمير راجعا الى التجارة للدلالة على ان الانفضاض الى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما كان الانفضاض الى اللهو أول بذلك
стр. 3925
وقيل تقديره إذا راوا تجارة انفضوا إليها وإذا راوا لهوا انفضوا اليه وقال الحسن وابو مالك أصاب اهل المدينة جوع وغلا سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فلما راوه قاموا اليه بالبقيع خشوا ان يسبقوا اليه فلم يبق مع النبي ﷺ الارهط منهم ابو بكر وعمر رض فنزلت هذه الاية فقال رسول الله ﷺ والذي نفس محمد بيده لو نتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد سال بكم الوادي نارا وقال مقاتل بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ اقبل دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة فكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق الا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج اليه من دقيق ويرو غيره فنزل عند أحجار الزيت وهو مكان من سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج اليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل ان يسلم ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب فخرج اليه الناس فلم يبق فى المسجد الا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال رسول الله ﷺ كم بقي فى المسجد فقالوا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي ﷺ لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء فانزل الله هذه الاية وأراد باللهو الطبل قيل كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق وَتَرَكُوكَ قائِماً تخطب كذا صرح مسلم فى رواية انهم انفضوا وهو يخطب ورجحه البيهقي على رواية من روى وهو يصلى يجمع بينهما بان يراد من قال وهو يصلى يخطب مجازا وقد مر فيما سبق حديث كعب بن عجرة وقال علقمة سئل عبد الله كان النبي ﷺ قائما او قاعدا قال اما تقرأ وتركوك قائما وفى قصة انفضاض الناس فى حالة الخطبة وبقاء اثنى عشر رجلا دليل على جواز الجمعة باقل من أربعين رجلا واحتمال انه ﷺ لم يصل بهم الجمعة وصلى الظهر او انهم رجعوا الى النبي ﷺ بعد الانفضاض او اجتمع اليه رجال آخرون غيرهم فصلى بهم امر لا يقتضيه سياق القصة ولا دليل عليه ولو كان شىء من الاحتمالات المذكورة لنقل والله تعالى اعلم وليس فى القصة دليل على اشتراط اثنى عشر رجلا كما قال بعضهم كما انه لا دليل فى قصة اسعد بن زرارة انه صلى أول جمعة جمع بأربعين رجلا على اشتراط أربعين رجلا ولا فى صلوته ﷺ فى بنى سالم بن عمرو بماية رجل على اشتراط الماية والله تعالى اعلم (مسئله) لو شرع الامام الصلاة بعدد ينعقد بهم الجمعة على اختلاف الأقوال فذهب منهم واحد ولم يبق ذلك العدد قال ابو حنيفة رح ان ذهب قبل سجود الامام فى الركعة الاولى بطلت الجمعة ويستانف بالظهر وان ذهب بعد سجوده أتمها جمعة وقال مالك ان انفضوا بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وقال احمد ان انفضوا بعد إحرام أتمها جمعة وقال الشافعي رح فى أصح أقواله ان بقاء الأربعين
следующие страницы →