← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

ان كان عنده ولبس من احسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله ان يركع فانصت إذا خرج الامام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها رواه ابو داود ورواه البغوي وقال قال ابو هريرة وزيادة ثلثة ايام لان الله تعالى يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وروى البخاري نحوه عن سلمان بغير زيادة ثلثة ايام وعن أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة اجر صيامها وقيامها رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الاول فالاول فاذا خرج الامام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنة ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ثم الذي يليه كالمهدى كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة رواه البغوي وفى الصحيحين نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ادخل الجنة وفيه اخرج منها ولا تقوم الساعة الا فى يوم الجمعة رواه مسلم وعنه قال قال رسول الله ﷺ ان فى الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسال الله فيها خيرا الا أعطاه إياه متفق عليه وزاد مسلم قال وهى ساعة خفيفة وفى رواية لهما قال ان فى الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلى يسال الله خيرا فيها الا أعطاه إياه وعن ابى موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فى شان ساعة الجمعة هى ما بين ان يجلس الامام الى ان يقضى الصلاة رواه مسلم وعن ابى هريرة قال خرجت الى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثنى عن التورية وحدثته عن رسول الله ﷺ فكان مما حدثته ان قلت قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه اهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة الا وهى مصيحة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة الا الجن والانس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئا الا أعطاه إياه قال كعب ذلك فى كل سنة يوم فقلت بل فى كل جمعة فقرأ كعب التورية فقال صدق رسول الله ﷺ قال ابو هريرة فلقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسى مع كعب الأحبار وما حدثته فى يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك فى كل سنة قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت له ثم قرأ كعب التورية فقال هى فى كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت اية ساعة هى قال

стр. 3922

ابو هريرة فقلت أخبرني ولا تضن على فقال عبد الله بن سلام هى اخر ساعة فى يوم الجمعة قال ابو هريرة فقلت له وكيف يكون اخر ساعة فى يوم الجمعة وقال رسول الله ﷺ لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى فيها وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام الم يقل رسول الله ﷺ من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو فى صلوة حتى يصلى قال ابو هريرة فقلت بلى قال فهو ذاك رواه مالك وابو داود والترمذي والنسائي وعن أوس بن أوس قال قال رسول الله ﷺ أن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فاكثروا على من الصلاة فان صلوتكم معروضة على قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلوتنا عليك وقد رمت قال ان الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والبيهقي وعن ابى لبابة عن ابن المنذر قال قال النبي ﷺ ان يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله آدم واهبط الله فيه آدم الى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا الا أعطاه ما لم يسال حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولاسماء ولا ارض ولا رياح ولا جبال ولا بحير الا وهى مشفق من يوم الجمعة رواه ابن ماجة وروى احمد عن سعد بن معاذ ان رجلا من الأنصار اتى النبي ﷺ فقال أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير قال فيه خمس خلال وساق الى اخر الحديث وعن ابى هريرة قال قيل لاى شىء سمى الجمعة قال ان فيها طبقت طينة أبيك أدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفى آخرها ثلث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له رواه احمد وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ أكثروا الصلاة علىّ يوم الجمعة فانه مشهود يشهده الملائكة وان أحدا لم يصل علىّ الا عرضت علىّ صلوته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء فبنى الله حى يرزق رواه ابن ماجة وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلم يموت يوم الجمعة او ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وليس اسناده بمتصل وعن انس قال كان رسول الله ﷺ يقول ليلة الجمعة ليلة أغر ويوم الجمعة يوم أزهر رواه البيهقي فى الدعوات الكبير (فائدة) ذكر الحافظ ابن حجر فى فتح الباري فى ساعة الجمعة بضعة وأربعين قولا واختار الجزري صاحب الحصن منها ما رواه مسلم من حديث ابى موسى هى ما بين ان يخرج الامام الى ان يقضى الصلاة واختار اكثر العلماء ما ذكر من حديث ابى هريرة عن عبد الله بن سلام هى اخر ساعة من يوم الجمعة

стр. 3923

وكذا روى النسائي وغيره من حديث جابر التمسوها اخر ساعة بعد العصر قال البيهقي كان النبي ﷺ يعلم هذه الساعة بعينها ثم انسيها كما انسى ليلة القدر روى ذلك ابن خزيمة فى صحيحه عن ابى سعيد قال سالنا عنها النبي ﷺ فقال انى علمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر قال الأثرم لا يخلو هذه الأحاديث من أحد وجهين اما ان يكون بعضها أصح من بعض واما ان يكون هذه الساعة منتقلة فى الأوقات المذكورة كما تنتقل ليلة القدر فى ليالى العشر الأخير قلت ويمكن الجمع بين حديثى ابى موسى وعبد الله بن سلام بان عبد الله بن سلام كان يحكى عن التورية ولم يكن فى زمن موسى ﵇ يصلى صلوة الجمعة بل كانوا يعظمون السبت ويصلون فيه فاذا لم يصل صلوة الجمعة فى قرية او بادية فالساعة فى حقهم اخر ساعة من الجمعة وإذا يصلى صلوة الجمعة فالساعة فى حقهم ساعة الصلاة كما يدل عليه حديث ابى موسى وليس غير هذين القولين قولا له سند معتمد عليه والله تعالى اعلم (فصل) عن ابى هريرة انه صلى الله تعالى عليه واله وسلم كان يقرأ فى الركعة الاولى من صلوة الجمعة سورة الجمعة وفى الركعة الثانية سورة المنافقين رواه مسلم وعن النعمان بن بشير قال كان النبي ﷺ يقرأ فى العيدين وفى الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية وربما اجتمعا فى يوم واحد فيقرء بهما رواه مسلم ولابى داود والنسائي وابن حبان من حديث سمرة انه ﷺ كان يقرأ فى صلوة الجمعة سبح اسم وهل أتاك حديث الغاشية وروى البغوي انه سئل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة على اثر سورة الجمعة فقال كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية وعن ابى سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين وله شاهد من حديث ابن عمر فى تفسير ابن مردوية (فصل) عن جابر مرفوعا لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه فى مقعده ولكن ليقل افسحوا رواه مسلم عن أرقم بن أرقم مرفوعا الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار فصيه رواه البيهقي وعن عبد الله بن عمر من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهر رواه ابو داود. فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ اى أديت صلوة الجمعة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ اى الرزق امر اباحة بعد المنع لاجل الصلاة قال ابن عباس ان شئت فاخرج وان شئت فاقعد وان شئت فصل الى العصر وقيل فانتشروا فى الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ فى الله أخرجه ابن جرير من حديث انس مرفوعا وابن مردوية عن ابن عباس موقوفا

стр. 3924

وقال البغوي قال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم فعلى هذه الأقوال الأمر للاستحباب وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً فى مجامع أحوالكم ولا تحصوا ذكره بالصلوة عن عمر بن الخطاب ان رسول الله ﷺ قال من دخل السوق فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحى ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شىء قد يركتب الله له الف الف حسنة ومحى عنه الف الف سيئة ورفع له الف الف درجة رواه الترمذي وقال غريب رواته ثقات الا أزهر بن سنان ففيه خلاف وعن عصمة قال قال رسول الله ﷺ أحب الأعمال الى الله سبحانه الحديث وابغض الأعمال الى الله التحريف قلنا يا رسول الله ما سبحانه قال يكون القوم يتحدثون والرجل يسبح قلنا يا رسول الله وما التحريف قال القوم يكونوا بخير فيسالهم الجار والصاحب فيقولون نحن بشر رواه الطبراني لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكى تفلحوا بخير الدارين اخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله قال كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذا قبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق الا اثنا عشر رجلا وقال ابن عباس فى رواية الكلبي لم يبق فى المسجد الا ثمانية رهط وفى صحيح ابى عوانة ان جابرا قال كنت فيمن بقي رواه الدار قطنى بلفظ فلم يبق الا أربعون رجلا واسناده ضعيف تفرد به على بن عاصم وخالف اصحاب حصين فيه وروى العقيلي من حديث جابر ايضا وزاد كان من الباقين ابو بكر وعمر وعثمن وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وابو عبيدة او عمار الشك من اسد بن عمر الراوي وبلال وابن مسعود وهؤلاء أحد عشر رجلا وجابر ثانى عشر فانزل الله تعالى. وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا اى تفرقوا إِلَيْها الجملة الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وفيها التفات من الخطاب الى الغيبة أفرد الضمير للتجارة برد الكناية إليها لانها المقصود فان المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير والترديد للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع ورويته واخرج ابن جرير عن جابر ايضا قال كان الجواري إذا نكحوا كانوا يموون بالكبر والمزامير ويتركون النبي ﷺ قائما على المنبر فينفضون إليها فنزلت قال صاحب لباب النقول فكانها نزلت فى الامرين معا قال ثم رايت ابن المنذر أخرجه عن جابر بقصة النكاح وقدوم العير معا من طريق واحد وانها نزلت فى الامرين فلله الحمد وعلى هذا فالوجه لافراد الضمير راجعا الى التجارة للدلالة على ان الانفضاض الى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما كان الانفضاض الى اللهو أول بذلك

стр. 3925

وقيل تقديره إذا راوا تجارة انفضوا إليها وإذا راوا لهوا انفضوا اليه وقال الحسن وابو مالك أصاب اهل المدينة جوع وغلا سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فلما راوه قاموا اليه بالبقيع خشوا ان يسبقوا اليه فلم يبق مع النبي ﷺ الارهط منهم ابو بكر وعمر رض فنزلت هذه الاية فقال رسول الله ﷺ والذي نفس محمد بيده لو نتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد سال بكم الوادي نارا وقال مقاتل بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ اقبل دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة فكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق الا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج اليه من دقيق ويرو غيره فنزل عند أحجار الزيت وهو مكان من سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج اليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل ان يسلم ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب فخرج اليه الناس فلم يبق فى المسجد الا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال رسول الله ﷺ كم بقي فى المسجد فقالوا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي ﷺ لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء فانزل الله هذه الاية وأراد باللهو الطبل قيل كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق وَتَرَكُوكَ قائِماً تخطب كذا صرح مسلم فى رواية انهم انفضوا وهو يخطب ورجحه البيهقي على رواية من روى وهو يصلى يجمع بينهما بان يراد من قال وهو يصلى يخطب مجازا وقد مر فيما سبق حديث كعب بن عجرة وقال علقمة سئل عبد الله كان النبي ﷺ قائما او قاعدا قال اما تقرأ وتركوك قائما وفى قصة انفضاض الناس فى حالة الخطبة وبقاء اثنى عشر رجلا دليل على جواز الجمعة باقل من أربعين رجلا واحتمال انه ﷺ لم يصل بهم الجمعة وصلى الظهر او انهم رجعوا الى النبي ﷺ بعد الانفضاض او اجتمع اليه رجال آخرون غيرهم فصلى بهم امر لا يقتضيه سياق القصة ولا دليل عليه ولو كان شىء من الاحتمالات المذكورة لنقل والله تعالى اعلم وليس فى القصة دليل على اشتراط اثنى عشر رجلا كما قال بعضهم كما انه لا دليل فى قصة اسعد بن زرارة انه صلى أول جمعة جمع بأربعين رجلا على اشتراط أربعين رجلا ولا فى صلوته ﷺ فى بنى سالم بن عمرو بماية رجل على اشتراط الماية والله تعالى اعلم (مسئله) لو شرع الامام الصلاة بعدد ينعقد بهم الجمعة على اختلاف الأقوال فذهب منهم واحد ولم يبق ذلك العدد قال ابو حنيفة رح ان ذهب قبل سجود الامام فى الركعة الاولى بطلت الجمعة ويستانف بالظهر وان ذهب بعد سجوده أتمها جمعة وقال مالك ان انفضوا بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وقال احمد ان انفضوا بعد إحرام أتمها جمعة وقال الشافعي رح فى أصح أقواله ان بقاء الأربعين

стр. 3926

الى اخر الصلاة شرط كما ان بقاء الوقت شرط الى اخر الصلاة ولو نقص من الأربعين واحد قبل أن يسلم الامام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا ظهرا وفى قول للشافعى أن بقي معه اثنان أتمها جمعة وفى قول له ان بقي واحد أتمها جمعة وعند المزني ان انفضوا بعد ما صلى بهم الامام ركعة أتمها جمعة وان لم يبق مع الامام واحد وان كان فى الركعة الاولى يتمها أربعا ان انتقص من أربعين واحد وقال زفران نفروا قبل القعده بطلت الجمعة واستأنف ظهرا (مسئله) إذا أدرك المسبوق مع الامام شيئا من الصلاة سواء أدرك قعدة او سجدة سهو أتمها جمعة عند ابى حنيفة رح وعند مالك والشافعي واحمد ان أدرك ركعة أدرك الجمعة وأتمها وان أدرك دونها أتمها ظهرا وقال طاؤس لا يدرك الجمعة ما لم يدرك الخطبتين والله تعالى اعلم قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي ﷺ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ فان ذلك محقق قوى محلا بخلاف ما يتوهمون من نفعها وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لانه يوجب الأرزاق فاياه فاسئلوا ومنه اطلبوا (مسئله) يستجب الإجمال فى طلب الرزق والاقتصاد ويكره الحرص وحب المال عن ابى حميدى الساعدي ان رسول الله ﷺ قال اجملوا فى طلب الدنيا فان كلكم ميسر لما كتب له رواه الحاكم وابو الشيخ وابن ماجة نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يا ايها الناس ان الغنى ليس عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس وان الله يؤتى عبده ما كتب له من الرزق فاجملوا فى الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم رواه ابو يعلى وسنده حسن واوله متفق عليه وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ ان الرزق ليطلب العبد كما يطلب الاجل رواه ابن حبان والبزاز والطبراني ولفظه ان الرزق ليطلب العبد اكثر مما يطلبه وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ لوفر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه رواه الطبراني فى الأوسط والصغير بسند حسن وعن سعد بن ابى وقاص يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفى رواه ابو عوانة وابن حبان وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله فى شىء ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منهم ومن اعطى الذلة فى نفسه طايعا غير مكره فليس منا رواه الطبراني وعن كعب بن مالك قال قال رسول الله ﷺ ما ذئبان جايعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف رواه الترمذي وصححه هو وابن حبان وعن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ يقول اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع رواه النسائي وهو عند مسلم والترمذي من حديث زيد بن أرقم عن انس قال قال رسول الله ﷺ لو كان لابن آدم واديان من مال لا تبغى إليهما ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب.

стр. 3927

سورة المنافقون مدنية وهى احدى عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج البخاري وغيره عن زيد بن أرقم قال سمعت عبد الله بن ابى يقول لاصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمى فذكر ذلك عمى لرسول الله ﷺ فدعانى النبي ﷺ فحدثته فارسل رسول الله ﷺ الى عبد الله بن ابى وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبنى وصدقه فاصابنى شىء لم يصبنى قط مثله فقال عمى ما أردت الا ان كذبك رسول الله ﷺ ومقتك فانزل الله إذا جاءك المنافقون فبعث الى رسول الله ﷺ فقرأها ثم قال ان الله صدقك وذكر محمد بن اسحق وغيره من اهل السير أن رسول الله ﷺ بلغه ان بنى المصطلق يجتمعون لحربه وقايدهم الحارث بن ضرار ابو جويرية زوج النبي ﷺ فلما سمع بهم رسول الله ﷺ استخلف على المدينة زيد بن الحارثة فيما قال محمد بن عمرو وابن سعد وقال ابن هشام أبا ذر الغفاري وخرج رسول الله ﷺ وقاد المسلمون ثلثين فرسا منه عشرة للمهاجرين منهما فرسان لرسول الله ﷺ وخرج مع رسول الله ﷺ بشر كثير من المنافقين ليصيبوا من عرض الدنيا فلقى رسول الله ﷺ بنى المصطلق على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قد يد الى الساحل وتهيا الحارث للحرب فصف رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فهادى فى الناس قولوا لا اله الا الله تمتعوا بها أنفسكم وأموالكم ففعل ذلك عمر قالوا فتراموا بالنبل وتزاحف الناس فاقتتلوا فهزم الله سبحانه بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله ﷺ أبنائهم ونسائهم وأموالهم فافاءها الله عليه فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جبجاه؟؟؟ وسنان بن وبرة الجهني حليف ابن عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا وضرب جهجاه سنانا فسال الدم فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين وأعان جهجاه رجل من المهاجرين يقال له جعال فاقبل جمع من الحنين وشهر السلاح حتى كادت ان يكون فتنة عظيمة فخرج رسول الله ﷺ فقال ما بال دعوى الجاهلية فاخبرها بالحال فقال دعوها فانها فتنة اى مذمومة فى الشرع ولينصر الرجل أخاه ظالما كان او مظلوما ان كان ظالما فلينهه فانه ناصر وان كان مظلوما

стр. 3928

فلينصره ثم ان جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت وجماعة من الأنصار فكلموا سنانا فترك حقه وكان عبد الله بن ابى بن سلول جالسا وعنده عشرة من المنافقين مالك وسويد وقاعس وو أوس بن قبطى وزيد بن الصلت وعبد الله بن نبيل ومعتب بن قشير وفى القوم زيد بن أرقم رض غلام حديث السن فقال ابن ابى افعلوها فقد نافرونا وتكاثرونا فى بلادنا والله ما مثلنا ومثلهم الا كما قال القائل سمن كلبك يا كلك أنا والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ ثم اقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بانفسكم اجللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم والله لو امسكتم من جعال ودونه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم وليتحولوا الى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينقضوا من حول محمد فقال زيد بن أرقم رض أنت والله الذليل القليل المبغض فى قومك ومحمد ﷺ فى عز من الرحمن ومودة من المسلمين فقال عبد الله بن ابى اسكت فانما كنت العب فمشى زيد بن أرقم الى رسول الله ﷺ فاخبره الخبر وكره رسول الله ﷺ خبره وتغير وجهه فقال يا غلام لعلك كذبت عليه فقال لا والله يا رسول الله لقد سمعت فقال لعله اخطأ سمعك فقال لا والله يا رسول الله قال لعله شبه عليك قال لا والله يا رسول الله وشاع فى العسكر قول ابن ابى وليس فى الناس حديث الا ما قال ابن ابى وجعل الرهط من الأنصار يلومون الغلام ويقولون عمدت الى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل وقد ظلمت وقطعت الرحم فقال زيد رض والله لقد سمعت ما قال والله ما كان فى الخزرج رجل أحب الى ابى من عبد الله بن ابى ولو سمعت هذه المقالة من ابى لنقلتها الى رسول الله ﷺ وانى لا رجو ان ينزل الله على نبيه ما يصدق حديثى فقال عمر بن الخطاب رض دعنى اضرب عنقه يا رسول الله وفى رواية قال عمر مر عباد بن بشيرا وقال محمد بن مسلمة فلياتك راسه قال رسول الله ﷺ فكيف يا عمر إذا يحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه ولكن اذن بالرحيل وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها فانه كان فى حر شديد ولم يكن يرتحل حتى يبرد ولم يشعر العسكر الا ورسول الله ﷺ قد طلع على ناقته القصوى فارتحل الناس وأرسل رسول الله ﷺ الى عبد الله بن ابى فاتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني فقال عبد الله والله الذي انزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وان زيد الكاذب وكان عبد الله فى قومه شريفا عظيما فقال من حضر من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى ان يكون الغلام او هم

стр. 3929

فى حديثه ولم يحفظ ما قاله فعذره النبي ﷺ وفشت الملامة من الأنصار لزيد رض وكذبوه فقال له عمه وكان زيد معه ما أردت الا ان كذبك رسول الله ﷺ والناس ومقتوك وكان زيد بسائر النبي ﷺ فاستحى بعد ذلك ان يدنوا من النبي ﷺ فلما استقبل رسول الله ﷺ وسار فكان أول من لقيه سعد بن عبادة ويقال أسيد بن حضير وبه جزم بن اسحق فقال السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته فقال ﵇ وعليك ورحمة الله وبركاته قال يا رسول الله قد رحلت فى ساعة منكرة لم تكن نزحل فيها فقال او لم يبلغك ما قال صاحبك قال اى صاحب يا رسول الله قال ابن ابى زعم انه ان رجع الى المدينة اخرج الأعز منها الأذل فقال فانت يا رسول الله تخرجه ان شئت فهو الأذل وأنت أعز والعزة لله ولك وللمؤمنين ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك وان قومه ينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي فدارب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه فجاء الله بك على هذا الحديث فلا يرى الا ان قد سلبته ملكه وبلغ عبد الله ابن ابى مقالة عمر بن الخطاب فجاء الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ان كنت تريد ان تقتل فيما بلغك عنه فمرنى به فو الله لاحملن إليك راسه قبل ان تقوم من مجلسك هذا والله لقد علمت الخزرج ما كان رجل فيها ابر بوالديه منى وانى لا خشى يا رسول الله ان تامر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى انظر الى قاتل ابى يمشى فى الناس فاقتله فاقتل مومنا بكافر فادخل النار وعفوك أفضل منك وأعظم فقال رسول الله ﷺ يا عبد الله ما أردت قتله وما أمرت به ونحسن صحبة ما كان بين أظهرنا فقال عبد الله يا رسول الله ان ابى كانت اهل هذه البحيرة قد اتقوا عليه ليتوجوه عليهم فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك ومعه قوم يطوفون به يذكرون أمورا قد غلب الله تعالى عليهم ثم سار رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى امسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم حتى اذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا ان وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما وانما فعل ذلك ليشغل الناس عما كان من قول ابن ابى ثم راح رسول الله ﷺ حتى نزل على ماء بالحجاز فوق البقيع يقال له البقعاء روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال قدم رسول الله ﷺ فلما كانت قربت المدينة فهاجت الريح تكاد تدفن الراكب فقال رسول الله ﷺ بعثت هذه الريح لموت منافق فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين قال محمد بن عمر ولما اخذتهم الريح قالوا لم تهج هذه الريح الا لامر قد حدث بالمدينة

стр. 3930

وانما بالمدينة الذراري والصبيان وكان بين النبي ﷺ وبن عيينة بن حصين مده وكان ذلك عند انقضائها فقال رسول الله ﷺ ليس عليكم منها بأس ما بالمدينة درب إلا ملك يحرسها وما كان يدخلها عدد حتى تأتوها ولكن قد مات الذي بالمدينة منافق عظيم النفاق ولذلك عصفت الريح وكان المنافقين بموته غيظ شديد وهو زيد بن رفاعة بن التابوت مات ذلك اليوم كان كهفا للمنافقين قال محمد بن عمر عن جابر كانت الريح أشد ما كانت قط الى ان زالت الشمس ثم سكنت اخر النهار وذكر اهل المدينة انهم وجدوا مثل ذلك الريح حتى دفن عدو الله ثم سكنت قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن ابى مات مات خليلك الذي من موته فتح للاسلام واهله زيد بن رفاعة بن التابوت قال يا ويلاء كان والله كان قال من أخبرك يا أبا وليد قال رسول الله ﷺ أخبرنا انه مات هذه الساعة فسقط فى يديه وانصرف كيبا حزينا قال محمد بن عمر من حديث ابن عمر انه فقدت ناقة رسول الله ﷺ القصوى من بين الإبل فجعل المسلمون يطلبونها من كل وجه فقال زيد بن الصلت وكان منافقا وهو فى جماعة والأنصار منهم عبادة ابن بشر بن وقس وأسيد بن حضير فقال اين يذهب هؤلاء فى كل وجه قالوا يطلبون ناقة رسول الله ﷺ قد ضلت قال أفلا يخبره الله تعالى بمكانها فانكر عليه القوم فقالوا قاتلك الله يا عدو الله نافقت ثم اقبل عليه أسيد بن حضير فقال فو الله لولا انى لا أدرى ما يوافق رسول الله ﷺ من ذلك لانفذت حصك بالرمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا فى نفسك قال خرجت لا طلب عرض الدنيا ولعمرى ان محمدا ليخبرنا بأعظم من شان الناقة يخبر عن امر السماء وتعودوا به جميعا فقالوا والله لا يكون منك سبيل ابدا ولا يظلنا وإياك أظل ابدا ولو علمنا ما فى نفسك ما صبحنا فوثب هاربا منهم ان يقعوا به ونبذوا متاعه فعمد الى رسول الله ﷺ فجلس معه فرارا من أصحابه متعوذا به وقد جاء رسول الله ﷺ جبرئيل بالوحى فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع ان رجلا من المنافقين قال ألا ضلت ناقة رسول الله ﷺ وقال لا يخبر الله بمكانها فلعمرى ان محمدا يخبرنا بأعظم من شان الناقة ولا يعلم الغيب الا الله وان الله سبحانه قد أخبرني بمكانها وانها فى الشعب مقابلكم قد تعلق زمامها بشجرة فاعمدوا نحوها فاتوا بها من حيث قال رسول الله ﷺ فلما نظر إليها سقط فى يده فقام سريعا الى رفقائه الذين كانوا معه فاذا رجله منبوذ وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه فقالوا له حين دنى لا تدن منا أكلمكم فدنى فقال أنشدكم الله هل اتى منكم أحد محمدا فاخبره بالذي قلت قالوا لا والله ولا قمنا

стр. 3931

من مجلسنا قال انى قد وجدت عند القوم ما تكلمت به وتكلم به رسول الله ﷺ فاخبرهم عما قال رسول الله ﷺ وانى كنت فى شك فى شان محمد فاشهد ان محمدا رسول الله فكانى لم اسلم الا اليوم قالوا له فاذهب الى رسول الله ﷺ يستغفر لك فذهب الى رسول الله ﷺ واستغفر له واعترف بذنبه ولما انتهى رسول الله ﷺ الى وادي العقيق تقدم عبد الله بن عبد الله بن ابى فجعل يتصفح الركاب حتى مر أبوه فاناخ به ثم وطى يد راحلته فقال أبوه ما تريد يا لكع قال والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله وتعلم أيهما الأعز من الأذل أنت او رسول الله ﷺ فمن مر به من المسلمين يسرع عبد الله ويمر غير ذلك فيقول تصنع هذا بأبيك حتى مر به رسول الله ﷺ فسال عنه فقيل عبد الله بن أبى يابى لابيه حتى تأذن له فمر رسول الله ﷺ وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه وابن ابى يقول لانا أذل من الصبيان لانا أذل من النساء فقال له رسول الله ﷺ خل عن أبيك فخلى عنه روى محمد بن عمر عن رافع بن خديج قال سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن ابى قبل ان ينزل فيه القران ايت رسول الله ﷺ يستغفر لك قال فرايت يلوى راسه معرضا يقول عبادة والله لينزلن الله تعالى فى لى راسك قرانا يصلى به قال فبينا رسول الله ﷺ يسير من يومه وزيد بن أرقم يعارض رسول الله ﷺ راحلته يريد وجهه فى السير إذا نزل عليه الوحى قال زيد ابن أرقم فما هو الا رسول الله ﷺ يأخذ البرحات ويعرق جبينه ويثقل يد راحلته عرفت ان رسول الله ﷺ يوحى اليه ورجوت ان ينزل الله لصدقى قال زيد فسرى عن رسول الله ﷺ فاخذ بأذني وانا على راحلتى حتى ارتفعت عن مقعدى ويرفعهما الى السماء وهو يقول وفت اذنك يا غلام وصدق الله حديثك ونزلت سورة المنافقين فى ابن ابى من أولها الى آخرها وحده وجعل بعد ذلك ابن ابى إذا حدث حدثا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه شانهم كيف ترى يا عمر قال انى والله لقد علمت لامر رسول الله ﷺ بركة أعظم من بركته فهذه الرواية تدل على ان سورة المنافقين نزلت فى السفر قبل حلول المدينة وقال البغوي فلما وافى رسول الله ﷺ بالمدينة قال زيد بن أرقم جلست فى البيت لما بي من الهم والحياء فانزل الله تعالى سورة المنافقين فى تصديق زيد وتكذيب عبد الله بن ابى فلما نزلت أخذ رسول الله ﷺ بإذن زيد وقال يا زيد ان الله صدقك واوفى بإذنك قالوا فلما نزلت الاية وبان كذب عبد الله بن ابى قيل له يا أبا خباب انه قد نزل فيك آي شداد فاذهب الى رسول الله ﷺ يستغفر لك فلوى راسه قال أمرتموني ان أومن

стр. 3932

فامنت فامرتمونى ان اعطى زكوة مالى فقد أعطيت فما بقي الا ان اسجد لمحمد فانزل الله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم الاية ولما دخل ابن ابى المدينة لم يلبث الا أياما قلائل حتى اشتكى ومات (فائده) كانت تلك الوقعة فى شعبان سنة ست كذا قال ابن اسحق وبه جزم خليفة بن خياط والطبري وقال قتادة وعروة كانت فى شعبان سنة خمس وفى ذلك الوقعة تزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن ابى ضرار روى محمد بن اسحق واحمد وابو داود ومحمد بن عمر عن عائشة قالت كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحدا لا أخذت بنفسه فبينا النبي ﷺ عندى على الماء إذ دخلت جويرية تساله فى كتابتها فو الله ما هو ان زيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ وعرفت انه سيرى منها مثل الذي رايت فقالت يا رسول الله انى امرأة مسلمة اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله وانا جويرية بنت الحارث بن ابى ضرار سيد قومه أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت فى سهم ثابت بن قيس ابن شماس وابن عمه فتخلصنى من ابن عمه يتخلدت بالمدينة فكاتبنى على ما لا طاقة لى ولا بد ان وما اكرينى الا انى رجوتك ﷺ فاعنى فى مكاتبتى فقال رسول الله ﷺ او خير من ذلك فقالت ما هو يا رسول الله قال أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك فقالت نعم يا رسول الله قد فعلت فارسل رسول الله ﷺ الى ثابت بن قيس فطلبها منه فقال ثابت هى لك بابى وأمي فادى رسول الله ﷺ ما كان من كتابتها وأعتقها وتزوجها وخرج الى الناس ورجال بنى المصطلق قد اقتسموا وملكوا وطى نسائهم فقال المسلمون اصهار رسول الله ﷺ فاعتقوا ما بايديهم من ذلك الشيء قالت عائشة فاغتق ماية اهل بيت بتزويج رسول الله ﷺ إياها فلا امرأة أعظم بركة على قومها منها روى محمد بن عمر عن حرام بن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت جويرية رايت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال كان القمر يسير من يثرب حتى وقع فى حجرى فكرهت ان أخبرها أحدا من الناس حتى قدم رسول الله ﷺ فلما سبينا رجوت الرؤيا فلما أعتقني وتزوجنى فو الله ما كلمت فى قومى حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت الا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر فحمدت الله ثم روى الحافظ بن عايد انه اقبل الحارث بن ابى ضرار ابو جويرية فى فدائها فلما كان بالعقيق نظر الى ابله التي يفدى بها ابنته فرغب فى بعيرين منها كانا من أفضلها تغيبهما فى شعب من شعاب العقيق ثم اقبل الى رسول الله ﷺ فقال يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فدائها فقال رسول الله ﷺ فاين البعيرين الذين غيبت بالعقيق يشعب كذا وكذا فقال الحارث اشهد انك رسول الله

стр. 3933

ولقد كان منى فى البعيرين وما اطلع على ذلك الا الله تعالى فاسلم وروى محمد بن عمر فكان ابو سعيد يقول فقدم علينا وافدهم فافتدوا الذرية والنساء ورجعوا الى بلادهم (فائده) فيما سبق من القصة ان النبي ﷺ دعاهم الى الإسلام قبل القتال وروى الشيخان عن ابن عون كتبت الى نافع اساله عن الدعاء قبل القتال فكتب الى انما كان ذلك فى أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بنى المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم الحديث وفيه حدثنى هذا الحديث عبد الله بن عمرو كان فى ذلك الجيش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ عبد الله بن ابى وأصحابه قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الشهادة اخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع ولذلك صدق الله سبحانه المشهود به وكذبهم فى الشهادة لعدم صدور ذلك الاخبار عن علم يقينى فقال وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ الله وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فى اخبارهم ان هذا القول صادر عن علمهم وإذعانهم حتى يصدق على هذا القول لفظ الشهادة هذا على تقدير كون كلمة تشهد اخبار او اما لو قيل انه إنشاء للشهادة فهو لا يحتمل الصدق والكذب والمشهود به اعنى قولهم انك لرسول الله كلام صادق البتة لا ريب فيه فمعنى قوله والله يشهد ان المنفقين لكاذبون انهم كاذبون فى زعمهم والله اعلم وزعم النظام من المعتزلة ان الصدق ما طابقته الاعتقاد والكذب ما لم يطابقه مستدلا بهذه الاية وليس كما قال. اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ يعنى حلفهم الكاذب او شهادتهم هذه فانها من ألفاظ الحلف جُنَّةً وقاية عن القتل والسبي والجملة صفة لكاذبون او مستانفة فَصَدُّوا صدودا اى اعرضوا وامتنعوا وصدوا صدا اى صرفوا ومنعوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى الدخول فى دين الإسلام إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من نفاقهم وصدهم. ذلِكَ الحال من النفاق واتخاذ الايمان جنة والصد بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم آمَنُوا ظاهرا عند المؤمنين ثُمَّ كَفَرُوا إذا خلو الى شياطينهم او أمنوا إذا رأو اية ثم كفروا إذا سمعوا من شياطينهم شبهة فَطُبِعَ عطف على كفروا يعنى طبع الله عَلى قُلُوبِهِمْ بحيث سلب عنها ادراك الحق فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ حقيقة الايمان الفاء للسببية. وَإِذا رَأَيْتَهُمْ عطف على اتخذوا تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ط لضخامتها وصباحتها وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ط فتحسب انه صدق قال ابن عباس كان ابن ابى جسيما فصيحا ذلق اللسان فاذا قال سمع النبي ﷺ قوله كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ قرأ ابو عمرو والكسائي وقنبل بسكون

стр. 3934

الشين على التخفيف او على انه كبدن جمع بدنة والباقون بضمها على وزن اسد مُسَنَّدَةٌ ط جملة التشبيه حال من الضمير المجرور فى قولهم اى يسمع لقولهم حال كونهم مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة الى الحيطان فى كونهم أشباحا خالية عن العلم والعرفان والعقل السليم يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ط اى واقعة عليهم لما فى قلوبهم من الرعب وقيل ذلك لكونهم على وجل من ان يظهر نفاقهم ويباح دمائهم فلا يسمعون صحة فى العسكر بان نادى منادا وانفلتت دابة او أنشدت ضالة الا ظنوا انه امر بقتلهم وأدركوا فعلى هذا عليهم مفعول ثان ليحسبون وجاز ان يكون عليهم ظرفا لغوا متعلقا بصيحة والمفعول الثاني هُمُ الْعَدُوُّ وعلى هذا الضمير راجع الى الكل وجمعه بالنظر الى الخبر لكن ترتب قوله فَاحْذَرْهُمْ يابى عن هذا التأويل بل هو قرينة على ان ضميرهم العدو راجع الى المنافقين يعنى هم الكاملون فى العداوة امر الله سبحانه بالحذر عنهم يعنى لا تصاحبهم ولا تامنهم لانه من خاف على نفسه كثيرا يكون كاملا فى العداوة لا يبالى بايصال الشر بمن يخاف منه قاتَلَهُمُ اى لعنهم اللَّهُ دعاء وطلب من ذاته ان يلعنهم وتعليم للمؤمنين ان يدعوا عليهم بذلك أَنَّى يُؤْفَكُونَ اى كيف يصرفون عن الحق اخرج ابن جرير وقتادة وابن المنذر عن عكرمة مثله وقد ذكرنا سابقا فى القصة انه قيل لعبد الله بن ابى لو أتيت النبي ﷺ فاستغفر لك فجعل يلوى راسه فنزلت. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ مجزوم على جواب الأمر لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا جزاء للشرط قرأ نافع ويعقوب بالتخفيف والباقون بالتشديد اشعارا بانهم فعلوها مرة بعد اخرى يعنى اعرضوا واعطفوا رُؤُسَهُمْ استكبارا عن ذلك وَرَأَيْتَهُمْ ايها الحاضر عند ذلك القول يَصُدُّونَ صدودا اى يعرضون عن الاستغفار وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن الاعتذار حال من فاعل يصدون اخرج ابن المنذر عن عروة ومجاهد وقتادة مثله انه لما نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال النبي ﷺ لا زيدن على سبعين فانزل الله تعالى. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ استغفرت مع ما عطف عليه بتأويل المصدر مبتداء وسواء خبره والمعنى استغفارك لهم وعدمه مستو عليهم وقوله لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ط بيان للاستواء واخرج ابن المنذر من طريق العوفى عن ابن عباس قال لما نزلت اية براءة قال النبي ﷺ اسمع ابى وقد رخص لى فيهم فو الله لاستغفرن اكثر من سبعين مرة لعل الله يغفر لهم فنزلت هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ

стр. 3935

الخارجين من مظنة الاستصلاح لانهما كهم فى الكفر والنفاق. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ للانصار تعليل لعدم الغفران لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يعنى جهجاه وأمثاله من فقراء المهاجرين حَتَّى يَنْفَضُّوا ط يتفرقوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ اى نعماء الجنة والمطر وتقدير الرزق وَالْأَرْضِ من الأرزاق وبيده ملكوت كل شىء لا يعطى أحد أحدا أشياء الا باذنه وتقديره ولا يمنعه الا بمشيته والجملة حال من فاعل يقولون وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ذلك لجهلهم بالله وقدرته ولو فقهوا لما قالوا مثل ذلك. يَقُولُونَ بدل من يقولون فيما سبق فان عدم الانفاق فى زعمهم موجب لضعف النبي ﷺ وضعفه سبب لخروجه من المدينة فكانه امتناعه من الانفاق إخراج أسند الله سبحانه هذا القول الى جميع المنافقين وان كان القائل منهم واحد وهو ابن ابى لرضا الباقين بهذا القول الخبيث لَئِنْ رَجَعْنا من سفرنا هذا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ لا لغيره الْعِزَّةُ الغلبة والقوة حقيقة حال من فاعل يقولون الثاني وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ باعزازه تعالى إياهم واظهار دينه ونصرهم على الأعداء وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ع ذلك لفرط جهلهم وغرورهم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ لا يشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ اى تدبيرها والاهتمام بها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ج قال المفسرون يعنى الصلوات الخمس واللفظ أعم من ذلك يشهل جميع العبادات وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاشتغال المانع من الذكر فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث باعوا الجليل الباقي بالحقير الفاني كان فيما سبق تشنيع المنافقين صريحا وفى هذه الاية وما بعده تعريض بتشنيعهم فان الاشتغال بالأموال والأولاد عن الصلاة وترك الزكوة وسوال تأخير الموت وتمنيه انما هو شان المنافقين لا ينبغى للمؤمنين التشبيه بهم فى شىء من ذلك. وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ عطف على لا تلهكم قال ابن عباس يريد زكوة الأموال مِنْ قَبْلِ ظرف لا نفقوا أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى يرى دلايله وحينئذ يوصى عن ابى هريرة قال قال رجل يا رسول الله اى الصدقة أعظم اجرا قال ان تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وقد كان لفلان متفق عليه فَيَقُولَ رَبِّ بعد الموت ان لم يتصدق فى الحيوة تحسرا لَوْلا اى هلا أَخَّرْتَنِي

стр. 3936

وقيل لا زائدة ولو للتمنى يعنى لو أخرتني اى أمهلتني فى الدنيا بتأخير الموت إِلى أَجَلٍ أمد قَرِيبٍ غير بعيد فَأَصَّدَّقَ أصله فاتصدق قلبت التاء بالصاد فادغمت منصوب على جواب التحضيض تقديره لولا كان منك تاخيرى فى الدنيا فتصدق منى وَأَكُنْ قرأ ابو عمرو أكون بالواو منصوبا عطفا على اصدق قالوا انما حذفت الواو فى رسم خط المصحف اختصارا والباقون بغير واو مجزوما على الرسم لتوهم الجزم فى اصدق على تقدير ترك الفاء فكانه عطف على موضع الفاء وما بعده مِنَ الصَّالِحِينَ اى من المؤمنين هذا قول مقاتل وجماعة قالوا أنزلت الاية فى المنافقين وقيل الاية نزلت فى المؤمنين والمراد بالصلاح إتيان الواجبات وترك المنهيات قال البغوي روى الضحاك وعطية عن ابن عباس قال ما من أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكوته وأطاق الحج ولم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت وقرأ هذه الاية وقال أكن من الصالحين أحج. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً اى يمهلها وان تمنى الجملة حال من فاعل فيقول ربّ لولا أخرتني والعائد وضع المظهر موضع المضمر إِذا جاءَ أَجَلُها وانتهى عمرها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فجاز عليه قرأ ابو بكر بالياء على الغيبة ليوافق ما قبله والباقون بالتاء للخطاب والله تعالى اعلم.

стр. 3937

سورة التّغابن مدنية وهى ثمانى عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قد مر تشريحها لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قدم الظرفان للدلالة على الحصر والجملة الظرفية حال من الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لان نسبة ذاته المقتضية للقدرة الى كل ممكن على السواء. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ط يعنى خلقكم الله تعالى ثم صار بعضكم كافرا وبعضكم مؤمنا يدل على ذلك فاء التعقيب كما فى قوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين الاية وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الايمان والكفر والطاعة والمعصية بَصِيرٌ فيجازيكم عليه ليس فى هذه الاية دليل للمعتزلة على ان الايمان والكفر ليسا بتقدير الله تعالى ولا مخلوقا له بل مخلوقا للعبد فان الأشياء كلها مقدرة فى الأزل قال الله تعالى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وافعال العباد التي فيه نوع اختيار للعبد حيث يسمى العبد كاسبا لها ويترتب عليها الثواب او العذاب كلها مخلوقة لله تعالى قال الله تعالى خلقكم وما تعملون هذا هو المذهب الصحيح الذي انعقد عليه اجماع الصحابة ومن بعدهم لا يجوز تاويل الآيات على خلاف هذا المذهب فانها مفضية الى النار قال الله تعالى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ عن انس بن مالك قال وكل الله بالرحم ملكا فيقول اى رب نطفة اى رب علقة اى رب مضغة فاذا أراد الله ان يقضى خلقها قال رب إذ كرام أنثى أشقى أم سعيد فما الرزق فما الاجل فيكتب كذلك فى بطن امه رواه البخاري وفى الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعا نحو ذلك وفى آخره فو الذي لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخلها وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة قال وعرشه على الماء وفى الباب أحاديث كثيرة وروى عن ابن عباس فى تفسير الاية انه قال ان الله خلق بنى آدم مؤمنا وكافرا ثم يعيدهم كما خلقهم مؤمنا وكافرا يعنى خلقهم مقدرا من بعضهم كفره موجها اليه ما يحمله عليه ومن بعضهم إيمانه موفقا لما يدعوه اليه روى البغوي عن ابن عباس عن ابى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا وقال

стр. 3938

الله تعالى ولا يلدوا الا فاجرا كفارا. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ متلبسا بالحكمة البالغة دالة على صانع حكيم وَصَوَّرَكُمْ ايها الناس فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ من ساير الحيوانات ظاهرا وباطنا وزينكم بأحسن أوصاف الكائنات صالحا للعلم والعقل والمعرفة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فلا تضيعوا استعدادكم باختيار الرذائل فتحشرون على أقبح الصور. يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ راى بالاسرار والمعتقدات التي فى الصدور ولا يخفى عليه ما يصلح ان يعلم كليا كان او جزئيا لان نسبته بكل شىء على السواء قدم ذكر القدرة على العلم لان دلالة المخلوقات على قدرة الخالق اولا وبالذات وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الانحاء وتكرير ذكر العلم بمنزلة تكرير الوعيد على إتيان ما يخالف امره ورضاه وقوله يعلم مع ما عطف عليه خبر ثالث لقوله هو فى هو الذي خلقكم. أَلَمْ يَأْتِكُمْ يا ايها الكفار نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ اى قبلكم قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط واصحاب الايكة وغيرهم فَذاقُوا عطف على كفروا والفاء للسببية وَبالَ أَمْرِهِمْ اى ضرر كفرهم فى الدنيا وأصله الثقل ومنه الوبيل للطعام الثقيل والوابل للمطر الثقيل وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فى الاخرة. ذلِكَ العذاب فى الدنيا والاخرة بِأَنَّهُ اى بسبب انه كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والدلائل الواضحة فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا البشر اسم جنس يطلق على الواحد والكثير ولما كان المراد هاهنا الجمع قال يهدوننا ولم يقل يهدينا استفهام للانكار أنكروا وتعجبوا من كون البشر رسلا من الله هداة اليه فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا عن التدبر فى المبينات وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن كل شىء فضلا عن طاعتهم وانما كان إرسال الرسل تفضلا ومنة من الله تعالى عليهم والراضي بالضرر لا يستحق النظر وَاللَّهُ غَنِيٌّ من كل شىء حَمِيدٌ فى نفسه لا يحتاج الى من يحمده. زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا تقديره انهم لن يبعثوا ان مع جملتها قائم مقام مفعول زعم والزعم ادعاء العلم قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ بيان لقوله بلى أكد الجواب بالقسم ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ من الخير والشر يعنى تحاسبون وتخبرون بأعمالكم وَذلِكَ البعث والحساب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لا مكان الموعود وكمال القدرة. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد تفريع على وجوب البعث وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا يعنى القران فانه باعجازه ظاهر الحقيقة بنفسه مظهر لغيره من الشرائع والاحكام

стр. 3939

والاخبار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مجاز عليكم. يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ الظرف لمضمون بما تعملون خبير يعنى مجازيكم فى ذلك اليوم او لقوله تعالى لتنبئون او مقدر باذكر قرأ يعقوب نجمعكم بصيغة المتكلم لِيَوْمِ الْجَمْعِ يعنى يوم القيامة يجمع فيه الملائكة والثقلان كلهم أولهم وآخرهم واللام للتعليل والمعنى يجمعكم لاجل ما يكون فى يوم الجمع من الحساب والجزاء ذلِكَ اليوم يَوْمُ التَّغابُنِ ط تفاعل من الغبن يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء فى الجنة مكان الأشقياء لو كانوا سعداء ولا عطاء المظلوم من حسنات الظالم عوض مظلمته مستعار من تغابن التجار اللام فيه للعهد يعنى يوم التغابن الحقيقي دون التغابن الدنيوي اخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جزير والحاكم وصححه عن ابى هريرة قال يرثون اى المؤمنون مساكنهم ومساكن إخوانهم يعنى الأشقياء التي أعدت لهم لو أطاعوا الله واخرج سعيد بن منصور وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية والبيهقي فى البعث بسند صحيح عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحد الا وله منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مات فدخل النار ورث اهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى أولئك هم الوارثون وفى الصحيحين من حديث انس ان العبد إذا وضع فى قبره أتاه ملكان فيقولان ما كنت تقول فى هذا الرجل محمد ﷺ فاما المؤمن فيقول اشهد انه عبد الله ورسوله فيقال له انظر الى مقعدك من النار قد أبدل الله به مقعدا من الجنة الحديث واخرج ابن ماجة عن انس قال قال رسول الله ﷺ من فرمن ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة وروى مسلم والترمذي عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال ان المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلوة وصيام وزكوة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فان قنت حساته قبل ان يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح فى النار وروى البخاري عنه عن النبي ﷺ قال من كان عنده مظلمة لاخيه فليحلله منها فى الدنيا فانه ليس ثمه دينار ولا درهم ان كان عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وفى حديث ابى هريرة مرفوعا عند الطبراني ما يوجد ثمه دوانق ولا قرار يط؟؟؟ ولكن حسنات هذا يدفع الى هذا الذي ظلمه وسيئات هذا الذي ظلمه يوضع عليه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ عملا صالِحاً

стр. 3940

يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ط قرأ نافع وابن عامر نكفر وندخل بالنون على التكلم والباقون بالياء التحتية على الغيبة وكذا فى سورة الطلاق يدخله ذلِكَ اى مجموع الامرين الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لانه جامع لدفع المضار وجلب المنفعة. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار كان الآيتين بيان التغابن وتفصيل له ان تفصيل لغاية الجمع المفهوم من يوم الجمعة تقسيم له. ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ من زائدة ومصيبة فى محل الرفع فاعل أصاب يعنى ما أصاب مصيبة أحدا من الناس بشئ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ط اى بتقديره وإرادته وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويصدق انه ما أصابه من مصيبة الا بإذن الله ويعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطيك وما أخطأك لم يكن ليصيبك يَهْدِ الله قَلْبَهُ ط اى يوفقه للصبر والرضا والتسليم عن ابن الديلمي قال أتيت ابى بن كعب فقلت له قد وقع فى نفسى شىء من القدر فحدثنى لعل الله يذهبه من قلبى فقال ان الله لو عذب اهل سمواته واهل ارضه عذبه وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا فى سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطيك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك قال ثم أتيت حذيفة بن اليماني فقال مثل ذلك ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثنى عن النبي ﷺ مثل ذلك رواه احمد وابو داود وابن ماجة وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ حتى القلوب وأحوالها. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ج عطف على قوله أمنوا بالله وما بينهما معترضات فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن طاعة الله ورسوله والفاء للسببية فان تبلغ الأمر بالايمان والطاعة سبب لقوله ان توليتم فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا محمد الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعنى توليكم لا يضر محمدا شيئا إذ ليس الواجب عليه الا التبليغ وقد بلغ وضرر التولي يعود عليكم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الجملة فى محل التعليل للامر بالايمان والطاعة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ عطف على أمنوا وأطيعوا او فيه التفات من الخطاب الى الغيبة تقديره أمنوا وأطيعوا الله وعليه فليتوكلوا قدم الظرف للحصر فان حصر الخير والشر كما كان بتقديره وجب حصر التوكل عليه دون غيره وغير الأسلوب للدلالة على ان الايمان يقتضى التوكل لما ذكرنا هذا على تقدير كون الظرف متعلقا بما بعده وجواز تقديم الظرف على الفاء الجزائية

стр. 3941

لتوسع فى الظرف والا فهو متعلق بفعل مقدر يفسره ما بعده وتقديره وان كنتم متوكلين على أحد فتوكلوا على الله فليتوكل المؤمنون عليه فحينئذ تكرير الأمر بالتوكل تأكيد او اشعار بان الايمان يقتضى التوكل اخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن ابن عباس أن رجالا من اهل مكة اسلموا فابوا أزواجهم وأولادهم ان يدعوهم يعنى للهجرة الى المدينة قال البغوي منعهم أزواجهم وأولادهم وقالوا صبرنا على إسلامكم ولا نصبر على فراقكم فاطاعوهم فتركوا الهجرة فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ حيث يشغلكم عن طاعة الله فَاحْذَرُوهُمْ ج ولا تامنهم غوايلهم وشرهم ولا تطيعوهم حتى تدعوا الهجرة قال ابن عباس فيما روى عنه الترمذي والحاكم ثم انهم لما أتوا المدينة وقدموا على رسول الله ﷺ راوا الناس قد فقهوا فى الدين فهموا ان يعاقبوهم يعنى الأزواج والأولاد والذين ثبطوهم عن الهجرة فانزل الله تعالى وَإِنْ تَعْفُوا منهم إذا اطلعتم على عداوة ولا تقاتلوهم بمثلها وَتَصْفَحُوا اى تعرضوا عن التوبيخ وَتَغْفِرُوا ذنوبهم وجملة ان تعفوا مع ما عطف عليه معطوفة على جملة ان من أزواجكم وأولادكم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعنى ان تعفوا وتغفروا يغفر الله لكم ويرحمكم اخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال نزلت سورة التغابن كلها بمكة الا هؤلاء الآيات يايها الذين أمنوا ان من أزواجكم وأولادكم نزلت فى عوف بن ملك الأشجعي كان ذا اهل وولد وكان إذا زاد الغزو بكوا اليه ورققوه فقالوا الى من تدعنا فرق ويقيم فنزلت هذه الاية وبقية الآيات الى اخر السورة بالمدينة ينى؟؟؟ انهم اعداء لكم يحملكم على ترك الطاعة والجهاد فاحذروهم ان تقبلوا منهم وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم يغفر الله ان الله غفور رحيم. َّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ يعنى ابتلاء من الله تعالى واختبار لكم فمن ادى حقوق الله تعالى وحقوق الناس مع كثرة العلائق والعوائق بعثه الله تعالى على منازل الأبرار وكان أفضل ممن أذى بلا عوايق ومن ثم راجع اهل السنة ان خواص البشر اعنى الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وعوامهم اعنى الأولياء والصلحاء أفضل من عوامهم إذ لا عايق للملائكة عن طاعة الله تعالى ومن شغله الأموال والأولاد عن طاعة الله تعالى وأداء الحقوق وبعثه على ارتكاب المعاصي وناول الحرام رده الله الى أسفل السافلين اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فاطلبوه واثروا محبته على محبة الأموال والأولاد والسعى لهم فائده ذكر الله سبحانه عداوة

стр. 3942

الأزواج والأولاد وأورد هناك من التبعيضية لان بعض الأزواج والأولاد ليسوا كذلك ولم يورد من التبعيضية فى كونهم فتنة واختبارا لانها لا يخلو عن اشتغال القلب وقد ذكرنا فى سورة الجمعة فى حديث بريدة نزوله ﷺ حين راى الحسن والحسين يمشيان ويعثران وحمله إياهما وقوله صدق الله انما أموالكم وأولادكم فتنة اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت اتقوا الله حق تقاته اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتفزحت جباههم فانزل الله تعالى تخفيفا للمسلمين. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ عطف على أمنوا وأطيعوا والفاء للسببية فان الايمان سبب للتقوى يعنى ابذلوا فى تقواه جهدكم وطاقتكم وَاسْمَعُوا مواعظه وَأَطِيعُوا أوامره وَأَنْفِقُوا أموالكم فى سبيله خالصة لوجهه خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ ط منصوب بفعل مقدر يعنى افعلوا ما هو خير لانفسكم من اموال وأولاد فهو تأكيد للحث على امتثال ما سبق من الأوامر او منصوب على المفعولية بانفقوا الخير المال كما فى قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خير الوصية او هو صفة لمصدر محذوف يعنى إنفاقا او خبر لكان المقدر جوابا للامر وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ سبق تفسيره فى سورة الحشر. إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ اما تقدير المضاف يعنى ان تقرضوا عباد الله والمراد به صرف المال فى طاعة الله ورجاء من الله تعالى الثواب والجزاء قَرْضاً حَسَناً يعنى مقرونا بالإخلاص وطيب النفس بريا من الريا والسمعة والمن والأذى منصوب على المصدرية يُضاعِفْهُ لَكُمْ اى يجعله لكم عشرا الى سبع مائة او اكثر قال الله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة ماية حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعف من التفعيل والباقون من المفاعلة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ببركة الانفاق جملة ان تقرضوا تعليل الأمر بالاتفاق وَاللَّهُ شَكُورٌ يعطى الجزيل بالقليل حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعنى لا يخفى عليه شىء مما غاب عن الناس وما يشاهدونه او ما هو موجود الان وما وجد قبل ذلك وما سيوجد ولم يوجد بعد الْعَزِيزُ الغالب تام القدرة والعلم الاخبار الخمسة محمولة على اسم الله تعالى وجاز ان يكون عالم الغيب والشهادة خبر المبتدأ المحذوف اعنى هو الْحَكِيمُ.

стр. 3943

سورة الطّلاق مدنية وهى اثنتا عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج الحاكم عن ابن عباس قال طلق عبد يزيد ابو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة مزينة فجاءت الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ما يغنى عنى الا ما يغنى هذه الشعرة فنزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال الذهبي الاسناد واه والخبر خطاء وعبد يزيد لم يدرك الإسلام واخرج ابن ابى حاتم من طريق قتادة عن انس قال طلق رسول الله ﷺ صفية فاتت أهلها فانزل الله تعالى هذه الاية فقيل لها راجعها فانها صوامة قوامة واخرج ابن جرير عن قتادة مرسلا وابن المنذر عن ابن سيرين مرسلا واخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل فى هذه الاية قال بلغنا انها نزلت فى عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن عمرو بن سعيد بن العاص والله تعالى اعلم قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ خص النداء بالنبي ﷺ وعم الخطاب بالحكم لانه امام امة فندائه كندائهم او لان الكلام معه والحكم يعمهم وقيل مجازة يا ايها النبي قل لامتك إذا طلقتم النساء اى أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له بمنزلة الشارع كما فى قوله تعالى إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وإذا قرأت القران فاستعذ بالله فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال الشافعية اللام بمعنى الوقت اى وقت عدتهن وأيده البغوي بانه كان ابن عباس وابن عمر على ان الطلاق فى الحيض حرام لحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض فى عهد رسول الله ﷺ فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدأ له ان يطلقها فليطلقها طاهرا قبل ان يمسها فتلك العدة التي أمرها الله ان يطلق بها النساء متفق عليه قال البغوي نزلت هذه الاية فى هذه القصة يعنى طلاق ابن عمر امرأته فى الحيض فيظهر بذلك ان العدة بالاطهار دون الحيضات والمراد بالقروء فى العدة الاطهار وقالت الحنفية اللام للوقت بمعنى فى غير معهود فى الاستعمال وسيلزم ذلك تقديم العدة الطلاق او مقارنته لاقتضائه وقوعه فى وقته بل اللام هاهنا للعاقبة على طريقة لدو للموت وابنوا للخراب يعنى طلقوهن حتى تعقبه العدة او اللام صلة لمحذوف والتقدير طلقوهن مستقبلات لعدتهن يقال فى التاريخ بإجماع اهل العربية خرجت لثلث يقين من رمضان وفى حديث ابن عمر المذكور فى رواية مسلم انه صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 3944

تلى إذا طلقتم النساء فيطلقوهن لقبل عدتهن ومعنى قراءة ابن عباس وابن عمرو طلقوهن فى قبل عدتهن اى فى استقبال عدتهن فظهر ان العدة بالحيضات دون الاطهار وقد مر الخلاف فى مسئلة العدة بالحيضات او الاطهار ومسئلة حرمة الطلاق فى الحيض فى سورة البقر (مسئله) اجمع العلماء ايضا على ان الطلاق فى الطهر الذي جامعها فيه حرام ايضا لقوله صلى الله تعالى عليه واله وسلم فيطلقها طاهرا قبل ان يمس وعلى انه لا يحرم طلاق امرأة حائض لم يدخل بها ولاطلاق صغيرة لم تحض ولا آيسة بعد ما جامعها لان الحرمة لتطويل العدة ولا عدة على غير المدخول بها وعدة الصغيرة والآئسة بالأشهر وذا لا يمتد بالطلاق بعد الجماع ايضا وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ يعنى اضبطوها بالحفظ وامكثوها ثلثة قروء كوامل لئلا يقع الرجعة بعد العدة او التزوج بزوج اخر قبل انقضاء العدة وكل ذلك لا يجوز وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ج فى تطويل العدة والإضرار بهن لا تُخْرِجُوهُنَّ اى المطلقات رجعيات كن او بوائن مِنْ بُيُوتِهِنَّ اى من مساكنهن فى وقت الطلاق وهى بيوت الأزواج حتى تنقضى عدتهن وَلا يَخْرُجْنَ باختيارهن ومن هذه الاية يثبت انه لا يجوز للمطلقة مطلقا رجعية كانت او بائنة الخروج من بيت الزوج ليلا ونهارا الا بضرورة فان الضرورة مستثناة فى العبادات وهى تبيح المحذورات والضرورة مثل انهدام البيت او خوف السرقة او عدم وجدان كراء البيت او ضيق المنزل عليهما او كون الزوج فاسقا والطلاق بائنا ولم يكن هناك قادر على حيلولة او نحو ذلك وقال احمد يجوز للمطلقة البائنة ان تخرج من بيتها فى حوايجها نهارا وعن الشافعي كالمذهبين قال البغوي ان كانت لها حاجة من بيع غزل او شراء قطن او نحو ذلك يجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا اجماعا احتجوا بحديث جابر قال طلقت خالته فارادت ان تجد نخلها فزجرها رجل ان تخرج فاتت النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم فقال بلى تجدى نخلك فانه عسى ان تصدقى او تفعلى معروفا رواه مسلم قال ابو حنيفة حديث الآحاد لا يعارض الاية القطعية غير انها تخرج فى ضرورة ملجئة اجماعا (مسئله) إذا لزمت العدة فى السفر فى غير موضع الاقامة ان لم يكن بينها وبين مصرها الذي خرجت منه مسيرة سفر رجعت وان كانت تلك فى كل جانب خيرت بين الرجوع والتوجه الى القصد سواء كان معها ولى او لا والرجوع اولى ليكون الاعتداء فى منزل الزوج وقيل يختار أقربها وان كانت هاهنا وبين مصرعا مسيرة سفر وبينها وبين المقصد اقل يتوجه الى المقصد وان كانت فى موضع الاقامة

стр. 3945

تعتد ثمه عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى وعند ابى يوسف رح ومحمد رح ان كان معها ولى جاز له الرجوع الى الوطن والمسير الى المقصد على التفصيل المذكور (مسئله) يجوز للمتوفى عنها زوجها فى العدة الخروج من بيت زوجها نهارا ولا يجوز ليلا وقال الشافعي يجوز مطلقا وقد مر المسألة فى سورة البقر قال البغوي ان رجالا استشهدوا بأحد فقالت نسائهم نستوحش فى بيوتنا فاذن لهن النبي ﷺ ان يتحدثن عند إحداهن فاذا كانت وقت النوم تلوى كل امرأة الى بيتها وذكر فى سورة البقر حديث اخت ابى سعيد الخدري قال لها النبي ﷺ فى عدة وفاة زوجها امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب اجله إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ط استثناء مفرغ فى محل الظرف اى لا تخرجوهن فى وقت من الأوقات الا وقت ان يأتين قال ابن عمرو السدى وابراهيم النخعي يجوز للفاحشة خروجها من بيتها قبل انقضاء العدة وبه أخذ ابو حنيفة رح قال ابن همام هذا أبدع واغرب يقال فى الخطابيات لا تزنى الا ان تكونى فاحشة ولا تشتم انك الا ان تكون قاطع رحم ونحوه وعلى هذا التأويل استثناء من الثاني وقال ابن مسعود الفاحشة الزنا فتخرج لاقامة الحد عليها ثم ترد الى منزلها وبه أخذ ابو يوسف قال ابن همام وهذا اظهر من جهة وضع اللفظ لان إلا غاية والشيء لا يكون غاية لنفسه وقال ابن عباس الفاحشة المبينة ان تبذوا على اهل زوجها فيحل إخراجها وكذا قال قتادة ان معناه ان يطلقها على نشوزها وعلى هذين التأويلين استثناء من الاول يعنى لا تخرجوهن وَتِلْكَ الاحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بان عرضها للعقاب لا تَدْرِي ايها الخاطب وجملة لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فى تاويل المفرد مفعول للاتدرى اى لا تدرى حدوث امر بعد ذلك تعليل لقوله احصوا العدة ولا تخرجوهن والمعنى لعل الله يحدث بعد بغضها وارادة فراقها والرغبة عنها فى قلب زوجها محبتها والرغبة فيها فتندمون على الطلاق وتريدون الرجعة. فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ الضمير راجع الى الرجعيات من المطلقات وذكر حكم خاص ببعض ما تناوله الصدر لا يبطل عموم الصدر كما فى قوله تعالى والمطلقات يتربّصن بانفسهن ثلثة قروء الى قوله بعولتهن أحق بردهن والمعنى قرين من انقضاء عدتهن فَأَمْسِكُوهُنَّ اى راجعوهن بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ فتبين منكم من غير ضرار بان يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة وَأَشْهِدُوا على الرجعة او الفرقة ذَوَيْ عَدْلٍ

стр. 3946

مِنْكُمْ تبريا عن الريبة وقطعا للتنازع والأمر بالإشهاد امر استحباب ولا يشترط الشهود للرجعة عند ابى حنيفة ومالك واحمد فى رواية وعند الشافعي فى أصح قوليه وفى قول للشافعى ورواية احمد يشترط الشهود للرجعة والأمر امر إيجاب قلنا ايضا الاشهاد على الطلاق ليس بواجب اجماعا فالامر للاستحباب كما فى قوله تعالى واشهدوا إذا تبايعتم ولا يمكن ان يكون الأمر للوجوب فى حق الرجعة وللاستحباب فى حق الفرقة والا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ ايها الشهود إذا دعيتم إليها لِلَّهِ اى خالصا لوجهه لا لغرض دنيوى ذلِكُمْ الذي ذكر يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ط فانه هو المنتفع به والمقصود تذكيره اخرج ابن مردوية من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال جاء عوف ابن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله ان ابني اسره العدو جزعت امه فما تأمرني قال أمرك وإياها ان تستكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله فقالت المرأة نعم ما أمرك فجعلا يكثران فغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها الى أبيه قال البغوي وهى اربعة آلاف شاه فنزلت ومن يتق الله الاية قال البغوي اتى عوف بن مالك النبي ﷺ فقال يا رسول الله اسرا العدو ابني وشكى اليه ايضا الفاقة فقال النبي ﷺ اتق الله واصبر واكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله ففعل الرجل ذلك فبينما هو فى بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فاصاب ابلا فجاء بها الى أبيه واخرج ابن جرير مثله عن سالم بن ابى الجعد والسدى وأخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود واخرج ايضا عن جابر قال نزلت فى رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال فذكر مثله واخرج الخطيب فى تاريخه من طريق جرير عن الضحاك عن ابن عباس وأخرجه الثعلبي من وجه اخر ضعيف وابن ابى حاتم من وجه اخر مرسل فقد صح الحديث بكثرة الشواهد فلا بأس بما قال الذهبي فى حديث جابر انه حديث منكر ومعنى الاية وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فى المصيبة والبلاء فيصبر ويترك الجزع وارتكاب المحرم يَجْعَلْ الله لَهُ مَخْرَجاً من ذلك البلاء والمصيبة. وَيَرْزُقْهُ بعد فقره رزقا حلالا مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ط كما رزق الأشجع عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من انزل به فاقة فانزلها لم يسد فاقته ومن نزلت به فاقة فانزلها بالله فيوشك الله ان يرزق عاجلا او أجلا رواه ابو داود والترمذي وصححه هو والحاكم الا انه قال او شك الله له بالغنى اما بموت

стр. 3947

عاجل او غنى وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من جاء او احتاج فكتمه الناس وأقضي به الى الله كان حقا على الله ان يفتح له قوت سنة من حلال (فائدة) قال البغوي قال مقاتل أصاب ابنه يعنى عوف بن مالك الأشجعي غنما ومتاعا ثم رجع الى أبيه فانطلق أبوه الى النبي ﷺ وأخبره الخبر وساله أيحل له ان يأكل ما اتى به ابنه فقال النبي ﷺ نعم فانزل الله تعالى هذه الاية (فائدة) اختار المجدد لجلب المنافع ودفع المضار الدينية والدنيوية إكثار لا حول ولا قوة الا بالله وعين فى مقدار الإكثار ان يقرأها فى كل يوم خمسمائة مرة ويصلى على النبي ﷺ قبله ماية مرة وبعده مايه مرة وقد قال رسول الله ﷺ من أنعم الله عليه نعمة فاراد بقاءها فليكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله رواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر وفى الصحيحين عن ابى مولى مرفوعا انها كنز من كنوز الجنة وفى رواية للنسائى من قال لا حول ولا قوة الا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم (مسئله) إذا دخل المسلم دار الحرب أسيرا او سارقا مختفيا بلا أمان واستولى على مال حربى بسرقتا وغصب او غير ذلك واحرزه بدار الإسلام ملكه ملكا حلالا وليس عليه إخراج الخمس وان وضع عنده حربى ماله امانة او دخل دار الحرب بامان تاجرا او سياحا واستولى على ما لهم واحرزه بدار الإسلام ملكه بملك حرام لاجل الغدر ونقض العهد ولا خمس عليه وان أخذ ما لهم عنوة فحكمه حكم الغنيمة يجب فيه الخمس والله تعالى اعلم قال البغوي قال عكرمة والشعبي والضحاك معنى الاية ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا الى الرجعة وقال ابن مسعود من يتق الله يجعل له مخرجا من كل شىء ضاق على الناس وقال ابو العالية مخرجا من شدة وقال الحسن مخرجا عما نهاه عنه قلت نظم الاية يطابق قصة الأشجعي ويفيد الحكم العام بحيث يناسب سياق السورة والجملة اعتراضية موكدة لما سبق يعنى من يتق الله من الرجال ولم يظلم على زوجة بالنشوز والعدوان إذا أراد الفراق لنشوزها او لغرض صحيح اخر ولم يطلق فى الحيض ولا قصد اضرارها بتطويل العدة وغير ذلك ولا أخرجها من المسكن ولم يتعد حدود الله يجعل له مخرجا من المعصية ومن سوء معاشرتها ويرزقه بدلا منها زوجة صالحة لم يخطر باله وكذا فى المرأة إذا اتقت الله فلم تظلم زوجها بالنشوز وطلب الطلاق بلا إضرار منه او صبرت على إيذائه يجعل لها مخرجا منه ويرزقها من الطعام ومن الرجال بعلا صالحا من وجه لا يخطر ببالها وتفيد حكما عاما لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما ومن ثم

стр. 3948

قال قال رسول الله ﷺ انى لاعلم اية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب رواه احمد وابن ماجة والدارمي من حديث ابى ذر وكذا روى ابن حبان فى صحيحه والحاكم وزاد فما زال ﵇ يقرأها ويعيدها وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ اى كافيه فيما يهمه عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ص يقول لو انكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا اخماصا وتروح بطانا رواه الترمذي وابن ماجة وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدخلون الجنة من أمتي سبعون الفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا تيطيرون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه وزاد فى رواية ولا يكتوون إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يبلغه على ما يريده ولا يفوته مراده لا يرد قضاءه قرأ حفص بالغ بالاضافة بغير تنوين وامره بالجر والباقون بالتنوين ونصب امره قال مسروق ان الله بالغ امره توكل عليه او لم يتوكل غير ان المتوكل عليه يكفر عنه سياته ويعظم له اجرا قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً اى تقديرا ومقدارا وفيه تقدير لما تقدم من تاقيت الطلاق بزمان والعدة والأمر بإحصائها وتمهيد لما سياتى من مقاذيرها او المعنى جعل لكل شىء من الشدة والرخاء أجلا ينتهى اليه لا يتاتى تغييره ولا يفيد الجزع فيه فهو بيان لوجوب التوكل ويناسب هذا التأويل قول مسروق واخرج ابن جرير واسحق بن راهويه والحاكم وغيرهم بسند صحيح عن ابى بن كعب قال لما نزلت الاية فى سورة البقر فى عدة النساء قالوا قد بقي عدد من النساء لم يذكرن الصغار والكبار وأولات الأحمال فانزلت. وَاللَّائِي مر اختلاف القراء فى سورة المجادلة يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مصدر ميمى بمعنى الحيض مِنْ نِسائِكُمْ يعنى اللاتي لا يرجون الحيض لكبرهن وقدرها بعض العلماء بخمس وخمسين سنة وبعضهم بستين سنة إِنِ ارْتَبْتُمْ اى شككتم فى عدتهن كان فى هذا الشرط اشارة الى ان عدة اللائي يئسن واللائي لم يحضن يمكن استنباطها من قوله تعالى والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء فان ثلثة قروء غالبا يوجد فى ثلثة أشهر فاذا لا يوجد القروء يجب رعاية زمان يوجد فيه غالبا القروء الثلاثة كما ان العلماء حكموا بالبلوغ بمضى خمسة عشر سنة او سبعة عشر سنة او نحو ذلك لعدم خلو هذا السن من البلوغ غالبا وكما ان الشرع اقام حولان الحول على المال فى وجوب الزكوة مقام النماء لوجود النماء غالبا فى الحول وله نظائر كثيرة مثل تقدير الا ياس بالسنين فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ الاية

стр. 3949

اخرج مقاتل فى تفسيره ان خلاد بن عمر بن الجموح سال النبي ﷺ عن عدة التي لا تحيض فنزلت هذه الاية وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ سواء كانت صغيرة او مراهقة او بالغة بالسن مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما سبق يعنى كذلك عدتهن ثلثة أشهر قوله واللّائي يئسن مع ما عطف عليه معطوف على مفهوم قوله تعالى طلقوهن لعدتهن واحصوا العدة فان الاضافة فى لعدتهن ولام التعريف فى العدة للعهد اى عدتهن المعهودة المعلومة من قوله تعالى والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء فدلت الاضافة واللام على ان عدة اللائي يحضن من المطلقات ثلثة حيض فعطف عليه هذه الاية مختصة بالمطلقات الحرائر اجماعا سواء كن رجعيات او بائنات او مختلعات مسلمات او كتابيات تحت مسلم واما الإماء قنات او مكاتبات او مدبرات فعدتهن إذا لم تكن من ذوات الأقراء فنصب عدة الحرائر اعنى شهرا ونصف شهر بالإجماع وقد ذكرنا فى سورة البقر طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان ولما كان الحيض والطلاق غير متجز كملنا والشهر متجز فصار شهرا ونصف شهر روى الشافعي ثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى ابى طلحة عن سلمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر قال ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الامة بحيضتين فان لم تكن تحيض فشهرين او شهرا ونصفا (مسئلة:) الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغ سن الإياس ذهب اكثر أهل العلم الى ان عدتها لا تنقضى حتى يعاودها الدم فيعتد ثلثة اقرأ او تبلغ سن الإياس فتعتد بثلاثة أشهر وهو قول عثمن وعلى وزيد بن ثابت وابن مسعود وبه قال عطاء واليه ذهب ابو حنيفة والشافعي ووجه هذا القول ظ فانها غير داخلة فى اللائي يئسن واللائي لم يحضن وحكى عن عمر انها يتربصن تسعة أشهر فان لم تحضن فى تلك المدة تعتد بثلاثة أشهر وهو قول مالك وقال الحسن تتربصن ستة فان لم تحضن تعتد بثلاثة أشهر (مسئله) ان حاضت المطلقة حيضتين ثم بلغ سن الإياس وانقطع دمها تستانف العدة بالشهور وان اعتدت الآئسة بالأشهر ثم رأت الدم بعد انقضائها او فى خلالها انتقض ما مضى من عدتها وظهر فساد نكاحها الكائن بعد تلك العدة هذا إذا رات الدم على العادة بان يكون الدم أسودا واحمر ولو رات اصفر او اخضر او تربية لا يكون حيضا الا إذا كانت عادتها قبل الإياس اصفر فرأته كذلك او علقا فرأته كذلك ان وقع الطلاق فى أول شهر اعتدت بالأشهر الهلالية اتفاقا وان وقع فى أثناء الشهر اعتبر كلها بالأيام فلا ينقضى عدتها الا بتسعين يوما عند

стр. 3950

ابى حنيفة وعند صاحبيه يكمل الاول ثلثين يوما والأخيران المتوسطان بالاهلة (مسئلة:) ليس حكم هذه الاية فى المتوفى عنها زوجها فان عدتها إذا لم تكن حاملا اربعة أشهر وعشر سواء كانت صغيرة او آيسة او شابة والداعي الى تخصيص حكم هذه الاية بالمطلقات دون المتوفى عنهن أزواجهن مع كون اللفظ عاما الإجماع وسند الإجماع ما ذكرنا فى سبب النزول من حديث ابى بن كعب قالوا قد بقي عدد من النساء لم يذكرن الصغائر والكبائر وأولات الأحمال فانزلت هذه الاية وقوله تعالى ان ارتبتم ولا شك ان عدة النساء لم يبق الا من قوله تعالى والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء بخلاف قوله تعالى والذين يتوفون منكم فانه عام شامل لجميع اقسام المتوفى عنهن أزواجهن لم يشذ منها شىء وايضا لا يحتمل تلك الاية الارتياب فان الارتياب انما يتصور فى ما ثبت بدليل ظنى وتلك الاية لعمومه يشتمل جميع اقسام المتوفى عنها زوجها قطعا يقينا فان قيل هذا الدليل كما يقتضى اختصاص هذه الاية بالمطلقات يقتضى ايضا ان يختص به ايضا قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ مع انه لم يقل به أحد فكيف ترك دليل الاختصاص هناك مع كون الجمل الثلث فى نسق واحد قلنا كان دليل التخصيص هاهنا الإجماع والا فحديث الآحاد ما لم يعتقد بالإجماع لا يصلح مخصصا للقطع عندنا والإجماع هناك على خلاف ذلك يعنى على شمول الأحمال أولات الأحمال المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن لابن علية وابن عباس رض قالا لا بد للمتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملة من الوضع والاربعة الأشهر وعشرا جمعا بين الآيتين احتياطا والجمهور على انه تنقضى عدتها بالوضع كذا روى مالك فى الموطأ عن ابن عمرو عن عمر بن الخطاب ولم يقل أحد ان الوضع فى حقها غير معتبر أصلا وفى موطاء مالك عن سليمان بن يسار ان عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف اختلفوا فى المرأة متنفس بعد زوجها بليال فقال ابو سلمة إذا وضعت ما فى بطنها فقد حلت وقال ابن عباس اخر اجلين فقال ابو هريرة انا مع ابن أخي يعنى أبا سلمة فارسلوا كريبا مولى ابن عباس الى أم سلمة زوج النبي ﷺ يسالها عن ذلك فاخبرهم انها قالت ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفات زوجها بليال فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال قد حللت فانكحى من شئت وفى الصحيحين حديث عمر بن عبد الله بن أرقم انه دخل على سبيعة بنت الحارث الاسلمية فسالها عن حديثها فاخبرته انها كانت تحت سعد بن خولة

стр. 3951

وهو من بنى عامر بن لوى وهو كان ممن شهد بدرا فتوفى عنها فى حجة الوداع وهى حامل فلم تنشب ان وضعت حملها فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها ابو السنابل بن يعكك رجل من بنى عبد الدار فقال مالى أراك متجملة لعلك ترجين النكاح والله ما أنت بناكحة حتى يمر عليك اربعة أشهر وعشر قالت فلما قال لى ذلك جمعت على ثيابى حين أمسيت فاتيت رسول الله ﷺ فسالته عن ذلك فافتانى انى قد حللت حين وضعت حملى وأمرني بالتزوج ان بدا لى وإذا ثبت ان قوله تعالى واو لان الأحمال شاملة للمتوفى عنها زوجها ايضا كما يدل عليه حديث ابى بن كعب قلت للنبى صلى الله تعالى عليه واله وسلم وأولات أحمال أجلهن ان يضعن حملهن للمر ثلاثا والمتوفى عنها زوجها فقال هى للمر ثلاثا والمتوفى عنها زوجها ولكن فيه المثنى بن صباح متروك قال الشافعي رحمه الله تعالى بان هذه الاية مخصصة لاية التربص اربعة أشهر وعشرا بناء على انه يجوز التخصيص بالمتراخي عنده قال البيضاوي المحافظة على عموم هذه الاية اولى من المحافظة على عموم قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا لان عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض والحكم معلل هاهنا بخلاف ثمه ولحديث سبيعة وقال ابو حنيفة هذه الاية ناسخة لحكم اية البقر مقدار ما يتناول عليه وهو المروي عن ابن مسعود واخرج البخاري عن ابن مسعود قال أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى يريد بالقصرى هذه السورة وبالطولى البقرة وفى رواية عنه انه قال من شاء باهلته ان سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولى واخرج ابو داود والنسائي وابن ماجة بلفظ من شاء لاعنته لا نزلت سورة النساء القصرى بعد الاربعة أشهر وعشرا واخرج البزاز بلفظ من شاء حالفته (مسئلة:) لا فرق بين عدة الحامل بين الحرة والامة لان الوضع لا يحتمل التجزى (مسئلة:) اما التوامين تنقضى عدتها بوضع آخرهما لان قوله تعالى حملهن يقتضى وضع تمام حملها وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فى أحكامه يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً يعنى يسهل عليه امر الدنيا والاخرة يوفقه للخير. ذلِكَ اى احكام المذكورة مبتداء خبره أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ط حال من امر الله والعامل فيه معنى أشير وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فى أحكامه فيراعى حقوقها يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ فان الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً بالمضاعفة. أَسْكِنُوهُنَّ متصل بقوله تعالى لا تخرجوهن مستانفة كانه فى جواب من قال اين تسكنهن والضمير راجع الى النساء المطلقات المذكورات فى أول السورة

стр. 3952

فهى تعم الرجعيات والبائنات الحرائر والإماء صغيرات كن او حائضات او آيسات مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ من زائدة والمعنى حيث سكنتم او للتبعيض والموصوف محذوف يعنى مكانا كاينا بعض المكان الذي سكنتم فيه وقيل من بمضى فى كما فى قوله تعالى من قبل ان تنزل التورية مِنْ وُجْدِكُمْ اى من وسعكم اى الذي تطيقونه وَلا تُضآرُّوهُنَّ فى السكنى لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ط فى المساكن ببعض الأسباب من إنزال لا يوافقها او شغل مكانها وغير ذلك فتلجوهن الى الخروج وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ج اعلم ان المطلقة الرجعية يستحق على زوجها النفقة والسكنى اجماعا ما دامت فى العدة فان كانت الدار ملكا للزوج يجب على الزوج ان يخرج عنها ويترك الدار مدة عدتها ان كان لا يريد الرجعة وان كان باجارة فعلى الزوج الاجرة واما المعتدة البائنة بالخلع او بالطلقات الثلث او باللعان او بالكنايات على مذهب ابى حنيفة فلها السكنى حاملا كانت او حائلا عند اكثر اهل العلم لعموم قوله تعالى أسكنوهن من غير فصل وروى عن ابن عباس والحسن والشعبي انه لا سكنى لها واختلفوا فى نفقها فذهب قوم الى انه لا نفقة لها الا ان تكون حاملا روى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن والشعبي وعطاء وبه قال الشافعي واحمد والحجة لهؤلاء مفهوم الشرط لهذه الاية وحديث فاطمة بنت قيس ان أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فارسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله مالك علينا من شىء فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة وأمرها ان تعتد فى بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشها أصحابي فاعتدى عند ابن أم مكتوم فانه رجل أعمى تضعين ثيابك فاذا حللت فاذنينى قالت فلما حللت ذكرت له ان معوية ابن سفيان وأبا جهم خطبانى فقال رسول الله ﷺ اما ابو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه واما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى اسامة بن زيد فكرهته ثم قال انكحى اسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به رواه مسلم وروى مسلم ايضا وقال فيه لا نفقة لك ولا سكنى ورواه ايضا وقال فيه ابن المغيرة خرج مع على بن ابى طالب فارسل الى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقية من تطليقها وعلى هذا يحمل رواية الثلث على انه أوقع واحدة فى تمام الثلث وامر لها الحارث بن هشام وعباس بن ربيعة بنفقة فسخطتها فقالا والله ليس لك نفقة الا ان تكونى حاملا فاتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما فقال لا نفقة لك وفى رواية لمسلم ان أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا ثم انطلق الى اليمن وقال لها اهله ليس لك علينا

стр. 3953

نفقة فانطلق خالد بن الوليد فى نفر فاتوا رسول الله ﷺ فى بيت ميمونة الحديث وقال ابو حنيفة لها نفقة حاملة كانت او لا بهذه الاية فان قوله تعالى من وجد متعلق بمحذوف والتقدير اسكتوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم لان قدر السكنى اتضح بقوله من حيث سكنتم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ولولا تقدير أنفقوا عليهن فلا فائدة لقوله من وجد وانما هو لبيان مقدار النفقة وبه جاءت قراءة ابن مسعود وهو حجة عند ابى حنيفة والمفهوم ليس بحجة عنده وفائدة التقييد بقوله وان كن أولات حمل التأكيد ودفع توهم عدم النفقة على المعتدة الحامل فى تمام الحمل لطولها وعدم الاقتصار على قدر ثلث حيض او ثلثة أشهر والجواب عن حديث فاطمة انه وانكانت مرويا بسند صحيح لكنه شاذ مردود غير مقبول رده السلف ومعارض ومضطرب اما الاضطراب فقد سمعت فى بعض الروايات انه طلقها وهو غائب وفى بعضها طلقها ثم سافر وفى بعضها انها ذهبت الى رسول الله ﷺ وسالته وفى بعضها ان خالد بن وليد ذهب فى سفر فسالوه ﷺ وفى بعض الروايات سمى الزوج أبا عمرو بن حفص وفى بعضها أبا حفص بن المغيرة اما الرد من السلف فقد طعن فى الحديث أكابر الصحابة ممن سنذكر مع انه ليس من عادتهم الطعن بسبب كون الراوي امرأة او أعرابيا فقد قبلوا حديث قريعة بنت مالك اخت أبا سعيد فى اعتداد المتوفى عنها زوجها فى بيت زوجها مع انها لا تعرف الا بهذا الحديث بخلاف فاطمة بنت قيس وقبل عمر خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي وأسوة من رد هذا الحديث عمر بن الخطاب روى مسلم فى صحيحه عن ابى اسحق قال كنت مع اسود ابن زيد جالسا فى المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس ان رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فاخذ الأسود من حصى فحصبه به فقال ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر لا نترك كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندرى حفظت أم نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة فعمر رد حديث فاطمة وبيّن ان سنة رسول الله ﷺ ان لها النفقة والسكنى وقول الصحابي من السنة كذا وقع فكيف إذا كان قايله عمر وهو اعلم بالسنن والشرائع وفيما روى الطحاوي والدار قطنى زيادة قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول مبتداء للمطلقة ثلثا النفقة واسكني وهذا صريح فى الرفع والمعارضة وقال سعيد بن منصور ثنا المعاوية ثنا الأعمش عن ابراهيم قال كان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال ما كنا نغير فى ديننا بشهادة امرأة وهذا شاهد

стр. 3954

على ان المعروف المشهور عندهم كان وجوب النفقة والسكنى ولمن رد حديثها عائشة وكانت اعلم الناس بأحوال النساء فقد كن يأتين الى منزلها ويستفتين من البنى ﷺ روى الشيخان فى الصحيحين عن عروة انه قال لعائشة الم ترى الى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت فقالت بئس ما صنعت فقلت الم تسمعى اى قول فاطمة فقالت اما انه لا خير لها فى ذكر ذلك وفى صحيح البخاري عن عائشة انها قالت لفاطمة الا تتقى الله تعالى فى قولها لا سكنى لها ولا نفقة وممن رد حديثها اسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ روى عبد الله بن صالح قال حدثنى الليث بن سعد حدثنى جعفر عن ابى هريرة عن ابى سلمة بن عبد الرحمن قال كان محمد بن اسامة يقول كان اسامة إذا اذكرت فاطمة شيئا من ذلك يعنى من انتقالها فى عدتها رماها بما فى يده انتهى هذا مع انه هو الذي تزوجها بامر رسول الله ﷺ وكان اعرف بالحال وهذا لم يكن الا لعلمه بان ذلك غلط او لعلم بخصوص سبب جواز انتقالها من اللسن او خيفة المكان قال ابن همام وقال الليث حدثنى عقيل عن ابن اشباب انا ابو سلمة بن عبد الرحمن فذكرت حديث فاطمة فانكر الناس عليها كانت تحدث من خروجها قبل ان تحل وممن رد حديثها مروان روى مسلم فى صحيحه ان مروان بعث إليها قبيصة بن ابى ذويب فسالها عن الحديث فحدثته به فقال مروان لم تسمع الحديث الا من امرأة سناخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها قال ابن همام والناس إذ ذاك هم الصحابة فهذا فى المعنى حكاية عن اجماع الصحابة ووصفه بالعصمة قال ابن همام من رد حديثها زيد بن ثابت ومن التابعين ابن المسيب وشريح والشعبي والحسن والأسود بن يزيد وممن بعدهم الثوري واحمد بن حنبل وخلق كثير ممن تبعهم فالحديث شاذ واما المعارضة فما ذكرنا من رفع عمرو فى معجم الطبراني بسنده عن ابراهيم ان ابن مسعود وعمر قالا المطلقة ثلثا لها السكنى والنفقة واخرج الدار قطنى عن حزب بن العالية عن ابى الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال المطلقة ثلثا لها السكنى والنفقة لكن ضعف رفعه ابن معين وقال الأشبه وقفه على جابر (فائدة) وقيل فى توجيه حديث فاطمة بنت قيس على تقدير صحته انها كانت تطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذرابة ولذا أخرجها رسول الله ﷺ من بيتها روى القاضي اسمعيل بسنده عن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس انما اخرجك هذا اللسان وقال سعيد بن المسيب تلك امرأة يعنى فاطمة بنت قيس فتنت الناس كانت لسنة فوضت على يد ابن أم مكتوم رواه ابو داود وقال سليمان بن يسار خروج فاطمة انما كان عن سوء الخلق رواه ابو داود

стр. 3955

عنه وكان هذا سببا لخروجها من بيتها واما سبب عدم نفقتها فلان زوجها كان غائبا ولم يترك مالا عند أحد سوى الشعير الذي بعث به إليها فطالبت هى من اهله على ما فى مسلم من طريق انه طلقها ثلثا ثم انطلق الى اليمن فقال لها اهله ليس لك علينا نفقة الحديث فكانه لذلك قال لها ﵊ لا نفقة لك ولا سكنى لانه لم يترك مالا عند أحد وليس يجب لك على اهله شىء فلا نفقة لك فلم تفهم فاطمة الغرض من كلام رسول الله ﷺ وجعلت تروى عدم النفقة مطلقا فوقع انكار الناس عليها (مسئلة:) المعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها اجماعا حاملا كانت او حائلا واختلفوا فى سكناها للشافعى رح فيه قولان أحدهما انه لا سكنى لها تعتد حيث تشاء وهو قول عائشة وابن عباس وعلى وبه قال الحسن والجمهور على ان لها السكنى وهو قول عمر وعثمن وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو به قال مالك وسفيان والثوري واحمد واسحق قلت وكذا قال ابو حنيفة رح لكنه يقول ان كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لان هذا انتقال بعذر والعبادات توثر فيها الاعذار فصارت كما إذا خافت سقوط المنزل او كانت فيها بأجر ولا تجد ما توويه ولا تخرج عما انتقلت اليه والحجة للجمهور حديث فريعة بنت مالك بن سنان اخت ابى سعيد الخدري وقد ذكرناه فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى والذين يتوفون منكم فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ اى المطلقات بعد وضع الحمل وتمام العدة أولادكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على رضاعهن ذكرنا فى سورة البقر أن إرضاع الولد واجب على الام لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن فان استاجر الرجل زوجة او معتدة لارضاع ولدها لا يجوز لانه أخذ الاجرة على فعل واجب عليها فلا يجوز وهذا كان يقتضى عدم جواز استيجار المطلقة بعد انقضاء العدة ايضا لكنا جوزنا ذلك بهذه الاية فظهر بهذه الاية ان وجوب الإرضاع على الام مقيد بوجوب رزقها على الأب بقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ففى حالة الزوجية والعدة بعد الطلاق أبوه قائم برزقها وفيما بعد العدة ليس عليه رزق فيقوم الاجرة وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ج خطاب للزوجين اى ليقبل بعضكم من بعض إذا امره الاخر بشئ معروف وما هو الأحسن ولا يقصد أحدهم إضرار الاخر قال الشافعي رح يعنى شاوروا

стр. 3956

وقال مقاتل بتراض الام والأب على اجر مسمى وقال البيضاوي وليامر بعضكم بعضا بجميل فى الإرضاع والاجر وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ ايها الأبوين اى لان عسر الإرضاع على الام فابت ان ترضع ولدها فليس للاب اجبارها عليه وعذرت قضاء لظن عجزها حين امتنعت عن الإرضاع مع وفور شفقتها فان كان الإرضاع غير متعسر عليها فى الواقع أتمت عند الله وان عسر على الأب إعطاء أجرتها وكانت ثمه من ترضعه بغير أجر أو بأجر اقل من اجر المثل لا يجبر على الأب فى إعطاء اجر المثل للام ويسترضع الأب من غيرها عند ابى حنيفة رح وهى رواية عن مالك رح وقول للشافعى رح وقال احمد رح يجبر على الأب فى إعطاء اجر المثل ولا يجوز للاب الإرضاع من غيرها وان وجد من ترضع بغير اجر وهى رواية عن مالك رح وقول للشافعى رح وهذه الاية حجة لابى حنيفة رح حيث قال الله تعالى فَسَتُرْضِعُ لَهُ اى للاب امرأة أُخْرى وفيه معاتبة للام على المعاسرة (مسئلة:) يشترط فى الإرضاع من غيرها ان يكون الإرضاع عند الام ما لم تنكح زوجا اخر غير محرم من الولد لان الحضانة لها لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان امرأة قالت يا رسول الله ﷺ ان ابني هذا كان بطني لها وعاء وثديى لها سقاء وحجرى لها حواء وان أباه طلقنى وأراد ان ينزعه منى فقال ﵊ أنت أحق به ما لم تنكحى رواه ابو داود والحاكم وصححه وفى موطاء مالك رح عن القاسم بن محمد قال كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم فارقها عمر فركب يوما الى قبا فوجد ابنه يلعب بفناء المسجد فاخذه بعضده ووضعه بين يديه على الدابة فادركته جدة الغلام فنازعته إياه فاقبلا حتى أتيا أبا بكر فقال خل بينه وبينها فما راجعه عمر كذا روى عبد الرزاق وروى البيهقي وزاد ثم قال ابو بكر سمعت رسول الله ﷺ قال لابوى والدة عن ولدها وروى ابن ابى شيبة قال ابو بكر مسحها وحجرها وريحها خير لها منك حتى يشب الصبى فيختار لنفسه (مسئلة:) ان طلبت الام اجر مثل ما تطلب غيرها فليس للاب ان يسترضع عن غيرها اجماعا. لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ط اى على قدر غناه وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ط على قدر طاقة (مسئلة:) اختلفوا فى ان نفقة الزوجات والمطلقات هل هى مقدرة بالشرع او معتبرة بحال الزوجين

стр. 3957

او بحال الزوج فقط فقال مالك واحمد وهى رواية عن ابى حنيفة واختارها صاحب الهداية انها غير مقدرة بالشرع بل مفوض الى الاجتهاد ويعتبر بحال الزوجين فيجب على الموسر للموسرة نفقة الموسرين وعلى المعسر للمعسرة اقل الكفايات حالا والباقي فى ذمته إذا قضى القاضي بنفقة المتوسط او رضيا بقدر وهذا القول يوخذ من هذه الاية لا تقتضى اعتبار حال الزوجة وتقتضى ان يكون على الموسر للفقيرة نفقة اليسار بقوله تعالى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ويقتضى ان يكون على الفقير بقدر طاقته ولا يكون شىء فى ذمته وان كانت زوجة موسرة لقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ط فانه تعليل لعدم وجوب الزيادة وهذا هو ظاهر الرواية من مذهب ابى حنيفة قال ابن همام على ظاهر الرواية يجب فى صورة إعسار الزوج ويسار الزوجة نفقة الإعسار لانها وان كانت موسرة لكنها لما تزوجت معسرا فقد رضيت بنفقة المعسرين وفى صورة يسار الزوج وإعسار الزوجة نفقة الموسر زوجه ومن قال انه يجب على المعسر للموسرة نفقة متوسطة اعتبار حال الزوج ثبت بالقران واعتبار حال الزوجة بحديث عائشة ان هذا بنت عتبة قالت يا رسول الله ان أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطنى ما يكفينى وولدي الا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه ويورد عليه انه حديث احاد لا يجوز به تغيير حكم ثبت بالقاطع وأفاد صاحب الهداية دفع هذا الإيراد بقوله نحن نقول بموجبه اى موجب القران انه مخاطب بقدر وسعه والباقي فى ذمته فان المفاد بالنص باعتبار حاله فى الانفاق ونحن نقول ان المعسر لا ينفق فوق وسعه وهو لا ينفى اعتبار حالها فى قدر ما يجب لها عليه فى ذمته والحديث أفاده فلا زيادة على النص لان موجبه تكليف بإخراج بقدر حاله والحديث أفاد اعتبار حالها فى قدر الواجب الا المخرج فيجتمعان بان يكون الواجب عليه اكثر فيما إذا كانت موسرة وهو معسر ويخرج قدر حاله فبالضرورة يبقى الباقي فى ذمته وأورد عليه انه ﷺ كان عالما بحال ابى سفيان لعله انه كان موسرا فلم ينص على حاله واطلق لها بان أخذ كفايتها وايضا ليس فى الحديث اعتبار حالها فان الكفاية تختلف ايضا وقوله ﵊ بالمعروف اشارة الى رعاية حاله وأخذها من مال ابى سفيان ما يكفيها وولدها لا يمكن الا إذا كان ابو سفيان مالكا لما يكفيها وولدها ففيه دليل واضح على انه كان موسرا مانعا

стр. 3958

لاجل الشح والله اعلم وقال الشافعي هى مقدرة بالشرع لادخل للاجتهاد فيها معتبرة بحال الزوج كما ينطق به الاية فعلى الموسر مدان وعلى المتوسط مد ونصف وعلى المعسر مد واحد ولا دليل فى الاية على التقدير (مسئلة:) اتفقوا على ان الزوجة إذا احتاجت الى خادم وجب اخدامها بشرط يسار الزوج وقال محمد يجب على المعسر ايضا نفقة خادم ثم اختلفوا فيما إذا احتاجت الى اكثر من خادم فقال ابو حنيفة ومحمد والشافعي واحمد لا يلزم الا خادم واحد وقال مالك فى المشهور عنه إذا احتاجت خادمين او ثلثة لزمه ذلك وقال ابو يوسف عليه نفقة خادمين فقط أحدهما لمصالح الداخل والاخر لمصالح الخارج والله تعالى اعلم ثم ذكر الله تعالى لتطييب قلوب المعسرين وعد اليسر سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً اى عاجلا او أجلا. وَكَأَيِّنْ بمعنى كم الخبرية مبتداء مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ اى عتى أهلها حذف المضاف وأسند الفعل الى المضاف اليه وكذا فى حاسبناها وعذبناها خبر كاين او صفة له والخبر أعد الله لهم يعنى كثير من اهل القرية طعنت وأعرضت اعراض العاتي المعاند عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً حاسبنا مع ما عطف عليه عطف على عتت يعنى حسابا بالاستقصاء والمناقشة وعدم العفو والتجاوز يعنى حاسبناها بعملها فى الدنيا وجزينها فى الدنيا او المراد استقصاء ذنوبهم وإثباتها فى صحف الحفظة وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً قرأ نافع وابو بكر بضم الكاف والباقون بالسكون يعنى منكرا فظيعا بالجوع والقحط والسيف والاسر والإهلاك. فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها اى عقوبة كفرها ومعاصيها فى الدنيا وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها فى القبر والاخرة خُسْراً لا ربح فيه أصلا حيث يعوض لهم بالجنة النار. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فى الاخرة عَذاباً شَدِيداً كذا قال مقاتل فى تاويل الاية وقيل فى الاية تقديم وتأخير ومجازها فعذبناها فى الدنيا بالجوع والقحط وساير البلاء وحاسبناها فى الاخرة حسابا شديدا وكان عاقبة أمرها خسرا وقال اكثر المفسرين المراد فى الكل حساب الاخرة وعذابها والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق وعلى هذين التأويلين لا يجوز الا ان يكون عتت خبرا من كاين فَاتَّقُوا اللَّهَ يعنى لا تطغوا ولا تعرضوا عن امر ربكم ورسله كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم والفاء للسببية فان الوعيد على الجفاء بسبب الاتقاء يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا بدل او نعت كاشفة فان مقتضى اللب الايمان والجملة الندائية معترضة للتنبيه قَدْ أَنْزَلَ

стр. 3959

اللَّهُ حال من فاعل فاتقوا او تعليل إِلَيْكُمْ ذِكْراً يعنى القران. رَسُولًا منصوب بفعل مقدر يعنى وأرسل رسولا او هو منصوب بالمصدر على المفعولية والمعنى انزل إليكم ذكر رسول او على البدلية بدل الكل من ذكر على انه بمعنى الرسالة او على حذف المضاف يعنى كتاب رسول او بدل اشتمال من الذكر بمعنى القران يعنى انزل ذكرا رسولا معه وقيل المراد بالذكر جبرئيل ﵇ لكثرة ذكره او لنزوله بالذكر وهو القران او لانه مذكور فى السموات او ذا ذكر اى شرف او محمد ﷺ لمواظبته على الذكر وتلاوة القران او تبليغه الذكر وعبر من إرساله بالانزال ترشيحا او لانه مسبب عن إنزال الوحى اليه وعلى هذين التأويلين رسولا بدل من ذكرا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ صفة للرسول على الحقيقة او للقران مجازا وجاز ان يكون حالا من اسم الله آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ اى الكفر والجهل إِلَى النُّورِ اى الايمان والفقه والأعمال الصالحة الموجبة للنور فى الاخرة والمراد بالموصول المؤمن بعد نزول القران الذين علم الله وقدر ايمانهم بعد الكفر وعلمهم بعد الجهل اى ليحصل لهم ما هم عليه الان من الايمان والأعمال الصالحة والعلوم الحقة وقوله ليخرج متعلق بانزل وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ط قرأ نافع وابن عامر فدخله بالنون على المتكلم والباقون بالياء على الغيبة وحّد ضمير ندخله وجمع خالدين حملا على لفظ من ومعناه قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً يعنى الجنة التي لا ينقطع نعيمها فيه تعظيم لما رزقوا. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ مبتداء وخبر وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ط يعنى سبعا عن ابى هريرة قال بينما نبى الله ﷺ جالس وأصحابه إذا اتى عليهم سحاب فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله اعلم قال هذا العنان هذه زوايا الأرض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله اعلم قال فانها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون ما بينكم وبينها قالوا الله ورسوله اعلم قال بينكم وبينها خمسمائة عام ثم قال هل تدرون ما فوقه ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال سماء ان بعد ما بينهما خمسمائة سنة ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات ما بين السماء والأرض

стр. 3960

ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال ان فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا الله ورسوله اعلم قال انها الأرض ثم قال هل تدرون ما تحت ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال ان تحتها ارض اخرى ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع ارضين بين كل ارضين خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو انكم وليتم بحبل الى الأرض السفلى الهبط على الله ثم قرأ هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم رواه احمد والترمذي وقد ذكرنا هذا الحديث وتحقيقه فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى فسوّهن سبع سموات قال قتادة فى كل ارض من ارضه وسماء من سمائه من خلقه وامر من امر وقضاء من قضاء وقد ورد فى بعض الأحاديث ان فى كل ارض آدم كادمكم ونوح كنوحكم وابراهيم كابراهيمكم وموسى كموسى ونبى كنبيّكم يعنى محمد ﷺ والله تعالى اعلم يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ اى يجرى امر الله وقضاءه بينهن وينفد حكمه فهن كلهن ولو صح حديث فى كل ارض آدم كادمكم فجاز ان يكون المعنى يتنزل بالوحى بينهن من السماء السابعة الى الأرض السابعة السفلى- لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً فلا يخفى عليه شىء وقوله لتعلموا علة لخلق او ليتنزل الأمر او لمقدر يعمها اى عمكم الخلق والتنزل لتعلموا الاية فان كلا منها يدل على كمال قدرته وعلمه وعلما منصوب على التميز من نسبة أحاط الى فاعله او مصدر من غير لفظه فمعنى أحاط بكل شىء علما علم كل شىء علما وجملة الله الذي خلق سبع سموت الاية تعليل لما سبق من قوله فاتّقوا الله.
следующие страницы →