Полный текст (4 363 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
حديث ارايت ما يعمل الناس ويكدحون فيه شىء قضى عليهم ٢٧٠ حديث ان قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ٢٧٠ حديث اللهم انى أعوذ بك من العجز والكسل إلخ ٢٧١ اللهم ات نفسى تقويها إلخ ٢٧١ حديث أشقى الناس عاقر ناقة ثمود وابن آدم الذي قتل أخاه ٢٧٢
سورة اللّيل
حديث كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها او موبقها ٢٧٤ حديث اتق النار ولو بشق تمر حديث من ذكرت عنده فلم يصل على حديث ما منكم من ٢٧٤ أحد الا وقد كتب مقعده من النار او من الجنة اعملوا فكل ميسر لما خلق له ٢٧٥ الصحابة كلهم عدول لا يدخل أحد منهم فى النار الأحاديث الواردة فى مدح الصحابة ٢٧٧ مسئله المؤمن لا يخلد فى النار وان كان فاسقا ٢٧٨ مسئله ابو بكر أفضل الناس بعد الأنبياء حديث كنا فى زمن النبي ﷺ لا نعدل بابى بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان ٢٨٠
سورة الضّحى
حديث انا اهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا ٢٨٣ مسئله من استوى يوماه فهو مغبون ٢٨٣ حديث اذن لا ارضى وواحد من أمتي فى النار ٢٨٣ مسئله العروج والنزول وما يلحق الصوفي من الغم والحزن فى مقام النزول وفى هذا المقام سورة الضحى ٢٨٤ حديث ما أوذي أحد مثل ما أوذيت ٢٨٥ ما ورد فى القناعة وغنى النفس ٢٨٦ حديث خير بيت فيه يتيم يحسن اليه إلخ ٢٨٦ حديث اما انا وكافل اليتيم كهاتين ٢٨٧ حديث من كتم علما من اهله الجم يوم القيامة ٢٨٧ حديث الطاعم الشاكر له مثل اجر الصائم الصابر ٢٨٧ أحاديث لا يشكر الله من لا يشكر الناس ونحو ذلك ٢٨٧ مسئله يجب الشكر على نعمة الشكر ما هو ٢٨٨ مسئله تحديث النعمة شكر وما يشترط ٢٨٨ فصل فى التكبير من سورة الضحى الى الختم على قراءة ابن كثير ٢٨٨
سورة الم نشرح
ما ورد من الأحاديث فى شرح صدر رسول الله ﷺ ٢٩٠ مسئله شرح الصدر والإسلام الحقيقي ٢٩١ باصطلاح الصوفية قال الله تعالى إذا ذكرت ذكرت معى ٢٩٢
стр. 3992
اليسرين مع العسر فى مقام النزول ٢٩٤ حديث ليس يتحسر اهل الجنة الأعلى ساعة لم يذكروا الله فيها ٢٩٣ فائدة قراءة الم نشرح يويد فى النزول ٢٩٥
سورة والتين
حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة ٢٩٧ إذا عجز المؤمن عن العمل من الكبر او المرض او غير ذلك كتب له ما كان يعمل قبل ذلك ٢٩٨
سورة اقرأ
ذكر بدو نزول الوحى وخلوته ﷺ مجراء ٣٠١ شهرا او أربعين يوما مسئله البسملة ليس جزء من كل سورة ٣٠١ مسئله الصوفي يلزم اولا ذكر الاسم كى يهتدى به الى المسمى ٣٠٢ مسئله علوم العالمين بعض علوم الإنسان وأخص منه ولو من وجه لان العلم بكنه الذات علما حضوريا ٣٠٤ حديث اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ٣٠٩
سورة القدر
مسئله ليلة القدر منتقلة فى العشر الأواخر من رمضان الأحاديث الذي وردت فى تعين ليلة القدر ٣١٢ ما ورد فى فضل ليلة القدر ٣١٥
سورة لم يكن
خواص البشر أفضل من خواص الملائكة وعوام البشر اعنى الصالحين ارباب القلوب والنفوس الزاكية أفضل من عوام الملئكة ٣١٩ حديث ان الله يقول لاهل الجنة هل رضيتم الا أعطيكم أفضل من ذلك أحل عليكم رضوانى إلخ ٣١٩ مسئله رضا العبد عن الله تعالى على اقسام ترك الاعتراض والاعتقاد وبحسن مقضيه وكون مقضية محبوبا له وبلوغ العبد أقصى ما يتمناه ٣١٩ حديث قال ﵇ لابى ان الله أمرني ان اقرأ القران ٣٢٠
سوره إذا زلزلت
حديث يقول الله يوم القيمة لادم ابعث بعث النار ٣٢١ حديث يلقى الأرض أفلاذ كبدها فلا يأخذون منه شيئا ٣٢٢ حديث يوشك الفرات ان يحسر عن كنز من ذهب فيقتل الناس عليه ووجه الجمع بينهما ٣٢٢ حديث يشهد الأرض على كل بما عمل عليها ٣٢٢ حديث من تصدق بعدل تمر إلخ ٣٢٣
стр. 3993
حديث لا يحقرن من المعروف شيئا ٣٢٣ مسئله المؤمن المرتكب للكبائر غير التائب لا يخلد فى النار وبه تواترت الأحاديث ٣٢٤ حديث يخرج من النار من قال لا اله الا الله إلخ ونحو ذلك ٣٢٤ مسئله حسنات الكافر ليست بحسنات على الحقيقة ٣٢٤ مسئله يجوز مغفرة العاصي من غير توبة ٣٢٣ حديث والذي نفسى بيده ليغفر الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس ٣٢٥ مسئله يجوز ان يعذب الله المؤمن على صغيرة او كبيرة خلافا للمرجية ٣٢٥ ما ورد عن الأحاديث فى الاحتراز عن الصغائر وإياك والمحقرات من الذنوب ٣٢٥ ما ورد فى فضائل السورة ٣٢٦
سورة العاديات
مسئله الواجب ان لا يدفع الحاج من المزدلفة الا مصبحا ٣٢٧
سورة القارعة
ذكر الميزان وثقلها بعوضة ٣٣٠ حديث يوتى العبد فيوقف بين كفى الميزان ونادى الملك بانه سعيد او شقى مسئله من السعداء من لا يوذن عمله حديث تنصب الموازين فيوفون أجور الصلاة والصدقة والحج والشهادة فى سبيل الله بالميزان واهل النار لا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ٣٣١ قلت لعل المراد باهل البلاء اهل الشق من الصوفية ٣٣١ حديث بخ بخ بخمس ما أثقلهن إلخ ٣٣١ حديث يوضع الموازين فيوتى بالرجل فيتمائل به كفة سياته فيبعث الى النار ثم يوتى ببطاقته فيها لا اله الا الله فيترحج به كفة الحسنات قلت ذلك لمن يشاء الله تفضله ٣٣٢
سورة التكاثر
ما ورد من الأحاديث فى النهى عنه والأمر بالتواضع ٣٢٢ حديث على كنا نشك فى عذاب القبر حتى نزلت ٣٣٤ حديث ليس الخبر كالمعائنة ٣٣٥ ما ورد فى السؤال عن النعيم وان من النعيم ٣٣٥ النعال وشرب الماء البارد وأكل خبز البر ونحو ذلك ٣٣٥ حديث خيانة الرجل فى علمه أشد من خيانته فى ماله وان الله يسأ لكم عنه ٣٣٦
سورة العصر
стр. 3994
مسئله الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب وتركه خسران وما ورد من الأحاديث فى ذلك ٣٣٧
سورة الهمزة
حديث خط النبي ﷺ خطا مربعا فى الأمل والأجل ٣٣٩ حديث أوقد على النار الف سنة حتى احمرت إلخ ٣٣٩ حديث ان النار تأكل حتى إذا اطلعت افئدتهم إلخ ٣٣٩ حديث إذا بقي فى النار من تخلد جعلوا فى التوابيت ٣٤٠
سورة الفيل
قصة اصحاب الفيل على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض اهل العلم
سورة قريش
فصل فى فضائل قريش لا يلف قريش ٣٤٧ اما من كل سور
سورة ارايت
حديث سئل عن الذين هم عن صلوتهم ساهون قال اضاعة الوقت ٣٤٩ حديث من صلى يراى فقد أشرك حديث ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء والملح والنار ٣٥٠ حديث ذاك شيطان يقال له خسرت ٣٥٠ إذا احسسته فتعوذ بالله الحديث
سورة الكوثر
الأحاديث الواردة فى الكوثر ٣٥٢
سورة الكافرون
ما ورد فى فضائل السورة ٣٥٥
سورة النّصر
قصة فتح مكة ٣٥٦ حديث أتاكم اهل اليمن هم ارق افئدة وألين قلوبا للايمان إلخ ٣٦٥ حديث لاستغفر الله فى اليوم سبعين مرة ٣٦٦ مسئله سن تقديم التسبيح والحمد والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم على الدعاء فى الاستغفار ٣٦٦ حديث كان يكثر قول سبحان الله وبحمده استغفره وأتوب اليه وكان يكثر ذلك فى ركوعه ٣٦٦
سوره تبّت
حديث ان أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم ٣٦٧
سورة الإخلاص
مسئله لا يشاركه تعالى أحد فى الوجود ٣٧٠ ولا فى صفة من الصفات ومعنى
стр. 3995
لا اله الا الله لا موجود الا هو مسئله لا يجوز البحث والتفتيش فى مسائل الذات والصفات وسائر المسائل الكلامية بعد الايمان بظاهر النصوص ٣٧١ مسئله ما هو مقصود لك فهو معبودك ومعنى لا اله الا الله لا مقصود الا الله ٣٧٢ مسئله حديث كذبنى ابن آدم وشتمنى إلخ فصل فى فضائل سورة الإخلاص
سورة الفلق
حديث لن تقرأ شيئا ابلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق ٣٧٨
سورة الناس
حديث لولا رجال ركع وأطفال رضع إلخ ٣٨٠ ما من آدمي الا وفى قلبه بيتان إلخ ٣٨٠ فصل فى فضائل المعوذتين ٣٨١ فصل فى فضائل القران وحسن الصوت والترتيل ٣٨٢ تمّت صلى الله تعالى على خير خلقه محمّد واله وأصحابه أجمعين بتصحيح: مولانا غلام نبى تونسوى الراجي الى مغفرة ربه القوى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠.
стр. 3996
سورة الملك
مكيّة وهى ثلثون اية نحمدك يا من لا اله الا أنت ونسبحك ونستعينك ونستغفرك ونشهد انك ملك الملك توتى الملك من نشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتزل من تشاء بيدك الخير انك على كل شىء قديره أنت ربنا ورب السموات والأرض ومن فيهن ونصلى ونسلم على رسولك وحبيبك سيدنا ومولانا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين وعلى عبادك الصالحين ربّ يسّر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وتمّم بالخير
تَبارَكَ مشتق من البركة بمعنى الزيادة المقتضى للكمال وعدم النقصان والمأخوذ فى اسماء الله تعالى وصفاته من معانى الألفاظ هو الغايات دون المبادي فهو من صيغ التكبير ويستلزمه التنزه عن صفات المخلوقين فانها لا تخلو عن النقصان الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ اليد من المتشابهات لتنزهه سبحانه عن الجارحة واوله المتأخرون بالقدرة والملك وهو السلطان على كل شىء والتصرف فى الأمور كلها وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اى على كل ما يشاء قَدِيرٌ لا يمكن لاحد دفع ما اراده فلا يجوز الخوف والرجاء الا منه تعالى ولما كانت هذه الاية بمنزلة الدعوى على وجوده تعالى وكمال صفاته وتنزيهه مستدعيا للبرهان عقبها بما يدل على ذلك من الآيات فى نفس المكلفين من خلق الموت والحيوة وفى خلق السموات بلا تفاوت وفطور وخلق الأرض وجعلها ذلولا وخلق ما فيها من الأرزاق والطير صافات وذكر فيها بين ذلك استطرادا عذاب الكفار الذين لم يسمعوا او لم يعقلوا البراهين والآيات وثواب الذين يخشون ربهم المنتفعين بالحجج والبينات فقال.
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ الموصول مرفوع اما انه بدل من الموصول
стр. 3997
السابق واما خبر مبتداء محذوف اى هو او منصوب على المدح والحيوة من الصفات الله تعالى وهى صفة يستتبع العلم والقدرة والارادة وغيرها من صفات الكمال وقد استودعها الله تعالى فى الممكنات وخلقها فيها على حسب إرادته واستعداداتها فظهرت فى الممكنات على مراتب شتى ظهرت فى بعضها بحيث تستتبع المعرفة التي لا كيف لها بذات الله تعالى وصفاته وهى الامانة التي حملها الإنسان وأشفقن منها السموات والأرض والجبال وذلك بإلقاء نور من الله تعالى وهذا القسم من الحيوة وما يقابلها من الموت المستفاد من قوله تعالى أفمن كان ميتا فاحييناه وقوله ﵊ ان الله خلق خلقه فى ظلمة فالقى عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه احمد والترمذي وفى بعضها بحيث يستتبع الحس والحركة الحيوانية المعبر عنها وعما يقابلها بقوله تعالى كنتم أمواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم وفى بعضها لتستتبع النمو فقط المعبر عنها وعما يقابلها بقوله تعالى يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها اى يحيى نبات الأرض بعد يبسها وذلك القسمين من الحيوة ينفخ الروح الإنساني والحيواني والنباتي فى الأجسام وليس شىء من الاقسام الثلاثة المذكورة للحيوة فى الجمادات ولذا قال الله تعالى فى حق الأصنام أموات غير احياء ولكن الجمادات ايضا لا تخلو عن نوع من الحيوة كما يدل عليه قوله تعالى وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقد مر تفسيره فى سورة البقرة وهذا النوع من الحيوة لازم للوجود وقال الله تعالى وان من شىء الا يسبح بحمده والموت فى كل مرتبة من المراتب المذكورة عبارة عن عدم الحيوة او مطلقا او عدم الحيوة عما من شأنه انه يكون حيا فالتقابل بينهما اما تقابل العدم والملكة او الإيجاب والسلب فهى صفته عدمية مقتضاه الى الحقيقة الممكن مقدمة على الحيوة المستودعة من الله سبحانه كما يدل عليه ما تلونا من قوله تعالى او من كان ميتا فاحييناه وقوله تعالى كنتم أمواتا فاحييناكم ويحى الأرض بعد موتها وقوله تعالى كن فيكون ولاجل تقدم الموت على الحيوة فى كل مرتبة طبعا قدمت هاهنا على الحيوة ذكرا او لان افرغ فتقديمها فى الذكر مع الابتداء الأليق وقال بعض العلماء الموت صفة وجودية والتقابل بالتضاد فهى كيفية فى الأجسام مانعة من العلم والقدرة والحس والحركة ونحوها مستدلين بهذه الاية فان خلق الموت يقتضى وجوده والاعدام الاصلية
стр. 3998
غير مخلوقة قلنا بديهة العقل شاهدة انا لا نجد فى الأموات امرا منضما الى ذواتها بل امرا انتزاعيا ينتزع منها كما ينتزع العمى من الأعمى وبصيرة الكشف حاكمة بان الصفات الله تعالى نقايض متمايزة فى مرتبة العلم فنقيض الحيوة الموت ونقيض العلم الجهل ونقيض القدرة العجز ونقيض البصر العمى وهكذا هى اعدام اصلية تقررت فى مرتبة العلم بالاضافة الى نقايضها وبصبغ الله سبحانه وكمال قدرته انصبغت تلك الاعدام فى تلك المرتبة بصبغ نقايضها التي هى صفات الكمال وتلك مخلوطة فى مرتبة العلم سميت أعيانا ثابتة وانصباغها فى تلك المرتبة بصبغ الوجود هو الكون الاول والسبب للكون فى الخارج كما ذكرنا فى تفسير قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ فى سورة البقرة فالاعيان الثابتة ظلال للصفات والممكنات فى الخارج الظلي ظلال لها ومعنى كون الممكنات ظلال لها ان افاضة الوجود وتوابعه من المبدأ الفياض على الممكنات الموجودة فى الخارج ليست الا بتوسط تلك الأعيان الثابتة كما ان نور المصباح الذي فى الزجاجة ينبسط على الأشياء بتوسط الزجاجة وأشير الى ذلك فى تفسير قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ثم اعلم ان توسط الأعيان الثابتة بين الصفات والممكنات انما هو فى دار الدنيا واما فى الاخرة فسيكون افاضة الوجود وتوابعه من الصفات بلا توسط الأعيان وهذا هو الوجه لطويان الفناء على الممكنات فى الدنيا لا فى الاخرة آيات القران اعنى قوله تعالى كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ وقوله تعالى أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وأمثالها ناطقة بان الموت صفة للممكن مقدمة على الإيجاد فتاويل قوله تعالى خلق الموت اى أظهره بايجاد الحيوة او أظهره بازالة الحيوة او خلق الأموات بحيث ينتزع منها عدم الحيوة والخلق بمعنى التقدير
اى قدر الموت والحيوة (قال) البغوي قال عطاء عن ابن عباس يريد خلق الموت فى الدنيا والحيوة فى الاخرة قلت لعله أراد انه تعالى عبر الحيوة الدنيوية بالموت والحيوة الاخروية بالحياة قلت وذلك لما قلنا من كون الأعيان الثابتة مربيات لها فى الدنيا وكون الاعدام داخلة فى ماهياتها فكان الحيوة الدنيا لا يخلو من شائبة الموت ويصدق ان يقال إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ اى فى الحال وكذا كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ فان الحقيقة فى المشتق هو المعنى الحال وما كان او ما يؤل فهو مجازى والله تعالى اعلم وذهب جماعة الى ان الموت جسم ليس بعرض وانه مخلوق فى صورة كبش أملح والحياة فى صورة فرس أنثى واختاره السيوطي فى بدور السافرة ومبنى هذا القول
стр. 3999
ما ذكر البغوي اثر ابن عباس فى تفسير هذه الاية قال خلق الموت فى صورة كبش أملح لا يمر بشئ ولا يجد ريحه شيء الا مات وخلق الحياة فى صورة فرس بلقاء أنثى وهى التي كان جبرئيل والأنبياء يركبونها لا يمر بشئ ولا يجد ريحها شى الا حيى وهى التي أخذ السامري قبضة من اثرها فالقاها فى العجل فحيى قلت وهذا الأثر لا يدل على ان الموت جسم وليس بعرض وكذا الحياة بل يدل على ان من المخلوقات جسم على صورة كبش أملح يقال لها الموت وجسم على صورة فرس يقال لها الحياة لا يمران بشئ ولا يجد ريحها الا مات بالأولى وحيى بالثانية فالموت والحياة فى الحيوان ليس نفس ذلك الجسم بل اثر يترتب على مرورها ووجدان ريحها كما يترتب على اقتراب السموم ونحو ذلك وما ورد فى الصحيحين عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ إذا صار اهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادى منادى يا اهل الجنة لا موت ويا اهل النار لا موت فيزداد اهل الجنة فرحا اى فرحهم ويزداد اهل النار حزنا اى حزنهم وفيهما عن ابن سعيد قال قال رسول الله ﷺ يجاء بالموت يوم القيامة كانه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار الحديث الى قوله فيؤمر به فيذبح إلخ واخرج الحاكم وصححه وابن حبان عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يوتى بالموت فى صورة كبش أملح إلخ نحوه فمذهب السلف الوقوف عن الخوض فى معناه والايمان به وتفويض علمه الى الله تعالى كما فى سائر المتشابهات كذا نقل السيوطي عن الحكيم الترمذي والصوفية العلية لما ظهر لهم من العوالم عالم المثال وفيه مثال لكل جوهر وعرض بل للمجردات ايضا بل لله سبحانه ايضا مع كونه متاعال عن الشبه والمثال ذلك هو المحل لحديث رايت ابى على صورة امرد شاب قطط فى رجله نعلا الذهب وقد ينتقل الصورة المثالية من عالم المثال الى عالم الشهادة بكمال قدرته تعالى وقد اشتهر ذلك كرامة عن كثير من الأولياء ولعل الله تعالى يحضر الصورة المثالية للموت من عالم المثال فى الآخرة الى عالم الشهادة فيومر بذبحه حتى يظهر اهل الجنة والنار انه خلود ولا موت وهكذا التأويل فى حشر الإسلام والايمان والقرآن والأعمال والامانة والرحم وايام الدنيا كما نطق به الأحاديث الصحيحة التي لا يسع ذكرها المقام قال السيوطي فى البدور السافرة الأعمال والمعاني كلها مخلوقة ولها صورة عند الله تعالى وان كنا لا نشاهدها وقد نص ارباب الحقيقة على ان من انواع الكشف الوقوف
стр. 4000
على حقائق المعاني وادراك صورها بصور الأجسام والأحاديث شاهدة لذلك وهى كثيرة انتهى وهذا القول من السيوطي حكاية عن عالم المثال والله تعالى اعلم لِيَبْلُوَكُمْ اى ليعاملكم معاملة مختبر بالتكليف ايها المكلفون أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا الجملة مفعول ثان ليبلوكم يتضمن معنى يعلم وليس هذا من التعليق لتقدم المفعول الاول على الاستفهام ولو كان تعليقا لتقدم الاستفهام عليه وقال الفراء لم يوقع البلوى على اى ويليها إضمار كما يقول بلونكم لا نظر أيكم أطوع قال البغوي روى عن ابن عمر مرفوعا احسن عملا احسن عقلا وأورع من محارم الله واسرع فى طاعة الله وقوله تعالى ليبلوكم متعلق بخلق الموت والحيوة يعنى الحكمة فى خلق الموت والحيوة ظهور المطيع من العاصي فان الحيوة مدار التكليف به تحصيل القدرة الممكنة
والموت واعظ به يتعظ الزكي ومغتنم الفرصة لكسب الزاد للمعاد وانقلاب الأحوال من الحيوة والممات دليل على وجود الصانع الحكيم المختار وعن عمار بن ياسر مرفوعا كفى بالموت واعظا وكفى باليقين غنى رواه الطبراني ورواه الشافعي واحمد عن الربيع بن انس مرسلا كفى بالموت وهذا فى الدنيا مرغبا فى الاخرة وعن ابى هريرة بادروا بالأعمال سبعا ما تنظرون الا فقرا منسيا او غنى مطغيا او مرضا مفسدا او هرما مفتدا او موتا مجهرا والدجال فانه شر منتظر والساعة أدهى وامر رواه الترمذي والحاكم وصححه وروى احمد ومسلم عنه مرفوعا بادروا قبل ست طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض والدجال وخويصة أحدكم وامر العامة والمراد بخويصة أحدكم الموت وبامر العامة القيامة وعن ابى امامة عند البيهقي نحوه وَهُوَ الْعَزِيزُ فى انتقامه ممن عصا الْغَفُورُ لمن شاء.
الَّذِي خَلَقَ خبرا آخر لهو او صفة من الغفور او بدل من الموصول السابق سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً اى ذات طباق جمع طبق كحبل وحبال او طبقة كرحبة ورحاب او مصدر فعل محذوف اى طوبقت طباقا من طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق وصف للسبع او حال وقد ذكرنا فى سورة البقرة وما ورد فى السموات السبع وبعد ما بينهن ما تَرى يا محمد ﷺ او اى مخاطب كان وما نافية او استفهامية للانكار مفعول ترى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ الاضافة للعهد والمراد به ما ذكر من السموات السبع والاضافة الى الرحمن للتعظيم ولا يجوز ان يكون الاضافة لتعريف الجنس فان فى جنس الخلق تفاوتا فاحشا
стр. 4001
كما لا يخفى الا ان يقال المراد بالتفاوت فوت شىء مما ينبغى فيه وعدم التناسب فمقتضى العبارة انه ليس فى الإمكان أبدع مما كان يعنى باعتبار النظام الجملي مِنْ تَفاوُتٍ من زائدة او تبعيضية على تقدير كون ما نافية وبيانية على تقدير كونها استفهامية والجملة صفة للسبع او حال من فاعل خلق او مفعوله وضع المظهر يعنى لفظ الرحمن او لفظ خلق الرحمن موضع الضمير الرابط للتصريح على سبب عدم نقصانه فانه مستند الى من هو متنزه عن النقص متصف بالرحمة او مستأنفة فى جواب كيف خلقت قرأ حمزه والكسائي تفوت من التفعيل والباقون من التفاعل ومعناهما واحد كالتعهد والمتعاهد من الفوت فان كلا من المتفاوتين يفوت عنه بعض ما فى الاخر يعنى ليس اعوجاج ونقصان كما ترى فى ابنية البشر فَارْجِعِ الْبَصَرَ جواب شرط محذوف اى ان زعمت ان يظهر التفاوت بتكرار البصر فارجع البصر هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ اى شقوق من فطرة إذا شقه ومن زائدة او تبعيضية والاستفهام للتقرير.
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ عطف على فارجع والتثنية للتكثير اى كرة بعد كرة كما فى لبيك يَنْقَلِبْ مجزوم على جواب الأمر إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً اى بعيدا طريدا عن إصابة المطلوب مع الذل والصغار وَهُوَ حَسِيرٌ كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة حال بعد حال من فاعل ينقلب قال البغوي روى عن كعب السماء الدنيا موج مكفوف والثانية من درة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفراء نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء ومن السّماء السابعة الى الحجب السبعة صحارى من نور.
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا اى السفلى وهى القريبة من الأرض بِمَصابِيحَ اى الكواكب فانها مصابيح الظلم يهتدى بها الطرق وظاهر الاية تدل على ان الكواكب كلها مرتكزة فى السماء الدنيا وما زعمت الفلاسفة خذلهم الله امر لا دليل عليه واستدلالهم بتعدد حركاتها على تعدد أفلاكها لا يتم الا بعد ثبوت امتناع الخرق والالتيام على السموات وذلك جايز عقلا واجب شرعا وَجَعَلْناها اى المصابيح رُجُوماً لا يزولها من مكانها بل بانتقاض الشهب فيها لِلشَّياطِينِ إذا استرقوا السمع وَأَعْتَدْنا لَهُمْ فى الاخرة عَذابَ السَّعِيرِ النار الموقدة ولما تضمن ما سبق من الكلام ذكر الشياطين عقبهم ذكر عذاب الكفار لكون الشياطين من زمرة الكفار وكونهم اخوان الشياطين فقال.
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
стр. 4002
هى.
إِذا أُلْقُوا فِيها اى الذين كفروا فى جهنم سَمِعُوا لَها شَهِيقاً صوتا كصوت الحمار خارجا من النار نفسها او من الذين دخلوا فيها قبلهم او من أنفسهم لها حال من شهيقا قدم عليه لكونه نكرة وَهِيَ اى جهنم تَفُورُ تغلى كظيان المرجل اخرج هناد عن مجاهد تفور بهم كما تفور الجب القليل الماء كثيرا وهذا على سبيل الاستعارة.
تَكادُ جهنم تَمَيَّزُ اى تنشق مِنَ الْغَيْظِ متعلق بتميز والجملة حال من فاعل تفور وجملة وهى تفور حال من ضمير لها والمراد بالغيظ اما غيظ الله سبحانه او غيظ ملائكة العذاب او غيظ النار نفسها على اعداء الله تعالى ونسبة الغيظ الى النار اما بالمجاز على سبيل الاستعارة او بالحقيقة بعد اثبات الشعور لها كما أثبتناه فى الجمادات كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ جماعة من الكفار سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها توبيخا وتبكيتا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يخوفكم من عذاب الله جملة مستانفة فى جواب ما يقال لهم حين يلقون وكلما ظرف متعلق بسالهم والاستفهام للتقرير.
قالُوا حكاية عن الحال المستقبل وهى مستانفة ايضا كانه فى جواب ما يقولون حين يسألون كذلك بَلى مفعول قالوا قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فعيل صفة بمعنى الجمع او مصدر مقدر بمضاف اى اهل إنذار او منعوت به للمبالغة او صفة بمعنى الواحد والمعنى قالوا قد جاء الى كل منا نذير والجملة مقررة لمعنى بلى فَكَذَّبْنا النذير وفرطنا فى التكذيب حتى وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ج صلى فيه نفى للانزال والإرسال إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ الظاهر انه من كلام الكفار مبالغة فى تكذيبهم بالنسبة الى الضلال الكبير ويحتمل ان يكون من كلام الزبانية للكفار على ارادة القول والنذير ان كان بمعنى الواحد فالخطاب له ولامثاله على التغليب او اقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل.
وَقالُوا عطف على قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ كلام النذير سماع قبول من غير عناد فنؤمن بما ثبت بالادلة السمعية أَوْ نَعْقِلُ ويتفكر فى الآيات والدلائل العقلية الموجبة للايمان بالله تعالى والرسول وما جاء به وتقديم السمع على العقل لكون الادلة السمعية اولى بالاتباع واخرى باصابة الحق من الادلة العقلية والعقل غير كاف بالاستقلال والاية تدل على ان العقل السليم مطابق للوحى المنزل ويحتمل ان يكون كلمة او بمعنى الواو يعنى لو كنا نسمع كلام النذير ونعقل معناه فيتفكر فيه تفكر
стр. 4003
المستبصرين ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فى عددهم من جملتهم.
فَاعْتَرَفُوا معطوف على قالوا عطف تفسير بِذَنْبِهِمْ حين لا ينفعهم الاعتراف وهو اقرار عن معرفة والمراد بالذنب الكفر ولم يجمع لانه فى الأصل مصدر فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ منصوب على المصدر اى فاسحقهم الله سحقا اى ابعدهم من رحمته والتغير للايجاز والمبالغة قرأ الكسائي بضم الحاء والباقون بالسكون وهما لغتان مثل الرعب والرعب والجملة الدعائية معترضة.
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاقبوه بعد او غائبين عنه او عن أعين الناس لا كالمنافقين او بالمخفي منهم وهو قلوبهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يصغر بالنسبة اليه كل ما يخطر بالبال من اللذة والجملة معترضة ذكر الله سبحانه وعد المؤمنين فى مقابلة وعيد الكفار وجعل عنوانهم خشية الله اشعارا بان الخشية هى المقصود من الايمان قال رسول الله ﷺ راس الحكمة مخافته رواه الحكيم الترمذي عن ابن مسعود قال ابن عباس كان المشركون ينالون من رسول الله ﷺ فيما بينهم فيخبره جبرئيل ﵇ لو أسروا قولكم كيلا يسمع الله امر محمد فنزلت.
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ امر بمعنى الخبر يعنى هما سواء فى علم الله خطاب الى الكفار على الالتفات من الغيبة وفيه تهديد إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بالضمار قبل ان يتكلم لها سرا او جهرا فهو تعليل للتسوية.
أَلا يَعْلَمُ ما فى الصدور مَنْ خَلَقَ الصدور وما فيها وكل شىء او المعنى الا يعلم الله من خلقه الاستفهام للانكار وانكار النفي اثبات للعلم فهو تأكيد بما سبق وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ المتوصل علمه الى ما ظهر وما بطن حال من فاعل خلق ثم نبه الله تعالى على جهلهم ببيان بدايع صنعته الدالة على اتساع علمه وقدرته وعلى قبح صنعهم حيث كفروا فى مقابلة الانعام المقتضى للشكر.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سهلا لا يمنع المشي فيها كالناقة الذلول المنقادة فَامْشُوا فِي مَناكِبِها جوانبها ومنه منكب الرجل وقيل المراد بالمناكب الجبال وهذا مثل لفرط التذلل فان منكب البعير لا يطأ الراكب ولا يتذلل له فاذا جعل الأرض فى الذل بحيث يمكن المشي فى مناكبها لم يبق شىء لم يتذلل وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ والتمسوا من نعمة عطف على فامشوا
стр. 4004
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ المرجع فيسالكم عن شكر ما أنعم الله عليكم.
أَأَمِنْتُمْ قرأ قنبل النشور وأمنتم بقلب النشور وأمنتم بقلب همزة الاستفهام واوا فى الوصل ويمد بعد الواو مدة فى تقدير الف ولو وقف على النشور حقق الهمزة والكوفيون وابن ذكوان بتحقيق الهمزتين والباقون بتليين الثانية وهم على أصولهم فى إدخال الالف وعدمه مَنْ فِي السَّماءِ قال ابن عباس اى عذابه من فى السماء ان عصوا والمراد بمن فى السماء هو الله سبحانه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخر يقول من يدعونى فاستجيب له من يسالنى فاعطيته من يستغفر فاغفر له متفق عليه وفى رواية لمسلم ثم يبسط يديه ويقول من يعرض عير عدوم ولا ظلوم حتى يتفجر فالاية من المتشابهات لكونه تعالى منزها عن التمكين فى السماء فمذهب السلف السكوت وقول الصوفية كما ذكرنا فى تفسير قوله تعالى يأتيهم الله فى ظلل من الغمام وللمتاخرين تأويلات بان فى السماء امره وقضاءه او هو فيها على زعم العرب او المراد بالسماء الرفعة والعلو من حيث الرتبة دون المكان والاستفهام للانكار وقيل المراد بمن فى السماء الملائكة الموكلين على تدبير الأمور الذين هم بمنزلة الآلة الكاسبة لخسف الأرض وإرسال الحاصب أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل من بدل اشتمال فَإِذا هِيَ اى الأرض تَمُورُ تتحرك الجملة معطوفة على يخسف وإذا للمفاجات مضافة الى الجملة بعدها اى ففاجاء وقت كونها تضطرب وتتحرك.
أَمْ أَمِنْتُمْ أم منقطع بمعنى هل وهمزة الاستفهام للانكار مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً اى ريحا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط فَسَتَعْلَمُونَ معطوف على مضمون ما سبق اى أنذركم فستعلمون كَيْفَ نَذِيرِ اى إنذاري إذا شاهدتموه ولا ينفعكم العلم به قرأ ورش نذيرى وكذا نكيرى بإثبات الياء فيهما وصلا وحذفها فيهما وقفا والباقون بالحذف فى الحالين.
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جواب قسم محذوف فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري عليهم بانزال العذاب فيهم تسلية للرسول وتهديد للكفار والاستفهام للتعجب والتقرير والجملة الاستفهامية بتأويل الخبرية معطوفة على كذب يعنى كذبوا فعظم إنكاري عليهم وفى هذه الجملة التفات من الخطاب الى الغيبة.
أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة للاستفهام والواو للعطف على محذوف تقديره الم ينظروا ما خلقنا من السماء والأرض وغيرهما ولم يرو
стр. 4005
إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ الظرف متعلق بصافات وهى حال من الطير والمراد بالروية روية البصر بقرينة تعدية بالى يعنى باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها فانهن إذا بسطن ضغفن قوادمها وَيَقْبِضْنَ أجنحتها الى جنوبهن عطف على صافات وانما عدل من الاسم الى الفعل ليدل على الحدوث والتجدد فان الأصل فى الطيران انما هو بسط الاجنحة والقبض يحدث فى وقت بعد وقت الاستظهار به على التحرك ويحتمل العطف على محذوف اى يبسطن تارة ويقبضن اخرى ما يُمْسِكُهُنَّ فى الجو على خلاف الطبع إِلَّا الرَّحْمنُ والجملة حال من فاعل صافات إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب.
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أم متصلة لقوله تعالى او لم يروا على معنى الم ينظروا فى أمثال هذه الصنايع فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو الخسف وإرسال الحاصب أم لكم جند ينصركم من دون الرحمن ويدفع عنكم العذاب ان أرسل إليكم عذابه وقيل أم ابتدائية ليست بمتصلة ولا منقطعة بمعنى الهمزة وهل لئلا يلزم تكرار الاستفهام ومن استفهامية مبتداء وهذا خبره والموصول مع الصلة صفة او بدل منه وينصركم وصف لجند محمول على لفظه وانما ذكر اسم الاشارة والموصول مع انه يستفاد ذلك المعنى مع تركها من قوله أمن هو جند لكم إلخ لان فى ذكر المفصل بعد المبهم وقع عظيم فى القلب ويحتمل ان يكون هذا مبتداء والموصول مع الصلة خبره والجملة مفعول يقال محذوف تقديره أمن يقال هذا الذي هو جند لكم والمراد بالجند المشار اليه بهذا فى الاية وفيما بعدها الأصنام التي زعموها الهة يعنى تلك الأصنام لا يتصور منهم ان ينصروا ويرزقوا او المراد أعوانهم بعضهم لبعض إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ من الشيطان فانه يغرهم بان العذاب لا ينزل بهم من غير ما يعتمد عليه فيه التفات من الخطاب الى الغيبة.
أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بامساك المطر ومنع الأسباب المحصلة والموصولة إليكم او ابطال تأثيراتها والكلام فيه كالكلام فى أمن هذا الذي فيما سبق بَلْ لَجُّوا يعنى الكفار تمادوا فِي عُتُوٍّ إضلال وَنُفُورٍ تباعد عن الحق بفرط جهلهم وتنفر طباعهم عنه.
أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى الهمزة للاستفهام للتقرير اى حمل المخاطب
стр. 4006
على الإقرار بالحق والفاء زائدة ومن موصولة مبتداء واهدى خبره ومكبّا حال من فاعل يمشى والإكباب من الكب يقال كببته فاكب وهو من الغرائب كقشع الله السحاب فاقشع او المعنى مكبا نفسه على وجهه قال فى القاموس كبه قلبه وصرعه كاكبه وكببته فاكب وهو لازم ومتعدى وقيل معناه صار ذاكب اى يمشى ويعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعور طريقه واختلاف أجزائه أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا قائما مائلا من العناد عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مستوى الاجزاء او خبر من هاهنا محذوف اكتفاء على ما سبق فى المعطوف عليه فالواجب هاهنا الإقرار بان الماشي سويا على صراط مستقيم اهدى فكذلك المؤمن الذي يمشى على بصيرة على مسلك العقل والنقل اهدى من الكافر الذي لا يسمع ولا يعقل وكلمة اهدى لا يقتضى وجود اصل الهداية فى المفضل عليه تحقيقا بل يكفى وجوده فرضا وتقديرا قال قتادة من أكب على معاصى فى الدنيا يمشى مكبا على وجهه يوم القيمة والمؤمن يمشى يوم القيامة سويا اخرج الشيخان عن انس ان رسول الله ﷺ سئل كيف يحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي أمشاه على رجليه فى الدنيا قادر على ان يمشيه على وجهه يوم القيامة وروى ابو داود عن ابى هريرة نحوه وفى هذه الجملة تشنيع اخر على الكفار ولما كان قوله تعالى أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم وقوله تعالى أمن هذا الذي يرزقكم لانكار النصر والرزق من جندهم اقتضى السؤال بان يقال فمن ينصرنا ويرزقنا أجيب بقوله تعالى.
قُلْ انما ينصركم ويرزقكم هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ لتعرفوا ربك وتعبدوه وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ تسمعوا المواعظ وَالْأَبْصارَ لتنظروا صنايعه وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا وتعتبروا ولما كان السمع فى الأصل مصدر او المصدر لا يجمع ذكره بصيغة الافراد بخلاف البصر والفؤاد وايضا العلم الحاصل بالسمع نوع واحد وهو الصوت والحاصل بالبصر والفؤاد انواع مختلفة قَلِيلًا اى شكرا قليلا وزمانا قليلا ما زائدة لتأكيد القلة تَشْكُرُونَ والمراد بالقلة النفي راسا مجازا.
قُلْ كلمة قل زائدة أعيدت للتاكيد هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ بدل من هو الذي انشأكم وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ للجزاء حال مقدرة من فاعل ذرأكم فهذين الجملتين على طريقة جاء زيد وهو راكب.
وَيَقُولُونَ يعنى الكفار انكار الوعد واستبطائه مَتى هذَا الْوَعْدُ اى وعد الحشر إِنْ كُنْتُمْ ايها النبي والمؤمنون صادِقِينَ فى قولكم بالحشر فبينوا وقته.
стр. 4007
قُلْ مستانفة فى جواب ما أقول لهم فى الجواب إِنَّمَا الْعِلْمُ اى العلم بوقته عِنْدَ اللَّهِ لا يعلم غيره وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ والانذار يكفى له العلم بوقوع المحذر منه ولا يتوقف على العلم بوقته والجملتين بالعطف مقولة قل.
فَلَمَّا رَأَوْهُ اى الوعد بمعنى الموعود قال اكثر المفسرين المراد به العذاب فى الاخرة وقال مجاهد العذاب ببدر زُلْفَةً اى ذا زلفة وقرب منهم حال من ضمير المفعول ولما ظرف متعلق بقوله تعالى سِيئَتْ اى اسودت قبحت وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بروية العذاب وَقِيلَ هذَا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ اى تطلبون وتستعجلون من الدعاء او من الدعوى اى تدعون ان لا بعث.
قُلْ يا محمد ﷺ لمشركى مكة الذين يتمنون هلاككم أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ قرأ حمزة بإسكان الياء والباقون بالفتح اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي بإسكان الياء والباقون بالفتح أَوْ رَحِمَنا بتأخير آجالنا الاستفهام فى ارايتم للتقرير والروية بمعنى العلم معناه أخبروني والجملة الشرطية بعد افعال القلوب كالنفى والاستفهام يوجب التعليق فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ الاستفهام للانكار والجملة جزاء للشرط يعنى لا أحد يجيرهم والحاصل انه لا فائدة لكم فى هلاكنا حتى تطلبونه انما يفيدكم ان تتبعوا من يجيركم من عذاب الله ولا يتصور ذلك من الأصنام وقيل معناه ان أهلكني ومن معى يعنى المؤمنين يعذبهم الله بذنوبهم او رحمنا ويغفر لنا فنحن مع أيماننا خائفون عذاب الله لاجل ذنوبنا فان حكمه نافذ فينا فمن يجيركم من عذابه وأنتم كفار.
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ يعنى الذي ذكر فيما سبق دلائل وجوده وقدرته وسلطانه هو الرحمن الذي اعبده وأدعوكم اليه وهو مولى النعم كلها آمَنَّا بِهِ للعلم بذلك فيه تقرير بمضمون جملة هو الرحمن وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لوثوق عليه المبنى على الايمان به وتقديم الظرف تفيد الحصر المستفاد من هو الرحمن فهذه الجملة يقرر مضمون الجملتين السابقتين وهذه الاية بمنزلة النتيجة للبراهين السابقة ويترتب عليه الحكم بحال الفريقين المؤمنين والكافرين ولذا جاء بفاء السببية فى قوله تعالى فَسَتَعْلَمُونَ يوم الجزاء قرأ الكسائي بالياء والباقون بالتاء وتعلمون معلق بالجملة الاستفهامية الواقعة بعده اعنى مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
стр. 4008
نحن وأنتم وفيه تهديد وترهيب وكذا فى قوله تعالى.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ وزانه وزان قل ارايتم ان أهلكني الله الاية غَوْراً غايرا فى الأرض بحيث لا يناله الدلاء مصدر وصف به فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ مشتق من العين الجارية اى ماء جار او من العين الباصرة اى مرئى ظاهر سهل المأخذ فان بديهة العقل شاهد على ان هذه الأصنام لا تقدر على إتيانه بل لا يقدر عليه أحد الا الله سبحانه ويستحب للقارى ان يقول حين ختم هذه السورة الله رب العالمين قال الشيخ جلال الدين المحلى رحمة الله تعالى كذا ورد فى الحديث- (فصل) عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ان سورة من القران ثلثون اية شفعت لرجل حتى غفر له وهى تبارك الذي بيده الملك رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه ورواه البغوي بلفظ ان سورة من كتاب الله ما هى الا ثلثون اية شفعت لرجل فاخرجته يوم القيامة من النار وأدخلته الجنة وهى سورة تبارك وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ هى المانعة هى المنجية من عذاب الله رواه الترمذي وعن جابر ان النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك رواه احمد والترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح وعن خالد بن معدان قال بلغني فى الم تنزيل ومثله فى تبارك الذي ان رجلا كان يقرأهما ما يقرأ شيئا غيرهما وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه قالت رب اغفر له فانه كان يكثر قراءتى فشفعها الرب تعالى فيه وقال له اكتبوا له بكل خطيئه حسنة وارفعوا له درجة وقال ايضا انها تجادل عن صاحبها فى القبر تقول اللهم ان كنت من كتابك فشفعنى فيه وان لم أكن فى كتابك فامحنى عنه وانها تكون كالطير يجعل جناحها عليه فيشفع له فيمنعه من عذاب القبر وقال طاؤس فضلتا على كل سورة فى القرآن بستين حسنة رواه الدارمي تمت سورة الملك.
стр. 4009
سورة القلم
مكيّة وهى اثنتان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ن من الحروف المقطعة وقد مر البحث عنها فى أوائل سورة البقرة وقيل اسم للحوت والمراد به الجنس او البهموت وهو الذي عليه الأرض او الدوات فان بعض الحيتان يستخرج منه أشد سوادا من النفس يكتب به لكن كتابته بصورة الحروف قراءته بالسكون وصلا ووقفا يؤيد القول الاول ويابى عن غيره من الأقوال قرأ ابن عامر والكسائي ويعقوب بإخفاء النون اجراء للواو المنفصل كالمتصل والباقون بالإظهار وَالْقَلَمِ الواو للقسم والقلم هو الذي خط اللوح عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال ما اكتب قال اكتب القدر فكتب ما كان وما هو كائن الى الابد رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة قال وعرشه على الماء رواه مسلم قال البغوي هو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض ويحتمل ان يراد جنس القلم اقسم به لكثرة فوايده وَما يَسْطُرُونَ والضمير للقلم بالمعنى الاول على التعظيم او بالمعنى الثاني بارادة الجنس وأسند الفعل الى الآلة وأجريت مجرى اولى العلم بإقامتها مقامهم او لاصحابه على المعنى الثاني او بغير المذكور اى الحفظة الذين يكتبون اعمال بنى آدم او العلماء الذين يكتبون علوم الدين.
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اى ملتبسا بنعمة ربك من النبوة والمروة وكمال العقل والفهم وجلال الفضل وانواع المكارم والعلوم والعامل فى الحال معنى النفي وقيل مجنون والباء لا يمنع كونه عاملا فيما قبله لكونه زائدة لكنه ضعيف من حيث المعنى بِمَجْنُونٍ قال البغوي هذا جواب لقول الكفار يا ايها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون وكذا اخرج ابن المنذر عن ابن جريج وانما قالوا ذلك استبعادا منهم ما ادعاه النبي ﷺ من الرسالة من الله تعالى
стр. 4010
وما ارتكبه النبي ﷺ من مخالفة جميع الناس فى ايام العسرة واستيلاء ظلمة الكفر ولما كان هذا الاستبعاد منهم مستقرا قويا فى زعمهم أكدوا قولهم انك لمجنون بان ولام القسم وبناء على شدة انكارهم أكد الله سبحانه الجواب بالقسم وزيادة الباء فى خبر بالتاكيد النفي وفيه نفى المجنون عنه ﷺ بحال تلبسه بنعمة الله ليكون هذا القيد بمنزلة البينة والبرهان على النفي فانه من كان بهذه المثابة من العلم والعقل والفهم والكمال فالقول فيه بانه مجنون سفسطة لا يقول به الا من هو ابلد من الحمار وأحمق من ابن حنيفة الم تسمع ان الأتان سجدت الى الكعبة ثلثا حين ركبت حليمة مع النبي ﷺ عليها وقالت الأتان على ظهره خير النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين ﷺ كذا ذكر فى المواهب اللدنية فى حديث طويل فالكفار ابلد من الحمار.
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً على احتمال الأذى وتبليغ الرسالة والتنكير للتعظيم غَيْرَ مَمْنُونٍ اى مقطوع او ممنون به عليك من الناس فان الله يعطيك وعلى الناس منة منك والجملة معطوفة على جواب القسم او حال من أنت وكذلك قوله تعالى.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فانك تحتمل من قولك ما لا يحتمل امثالك قال رسول الله ﷺ وما أوذي أحد ما أوذيت فى الله رواه ابو نعيم فى الحلية عن انس وابن عساكر عن جابر نحوه وعن ابى هريرة قال يا رسول الله ادع على المشركين قال انى ما ابعث لعانا وانما بعثت رحمة رواه مسلم والكفار لما رموه ﷺ بالجنون والجنون لا يستحق اجرا او لا يكون له حق حسن فايراد هذين الجملتين على العطف والحال تأكيد لما سبق من نفى الجنون ورد لقول الكفار على ابلغ الوجوه قال ابن عباس ومجاهد خلق عظيم دين عظيم ولا دين أحب الى ولا ارضى عندى منه وهو دين الإسلام قال الحسن هو آداب القران سئلت عايشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت كان خلقه القران الست تقرأ القران قد أفلح المؤمنون إلخ رواه مسلم وأخرجه البخاري فى الأدب المفرد وقال قتادة هو ما كان يأتمر به من امر الله وينتهى عنه من ما نهى الله عنه يعنى انك على الخلق الذي أمرك الله به فى القران وقال جند الخلق العظيم ان لا يكون همته غيره تعالى فصل فى أخلاقه ﷺ عن البراء قال كان رسول الله ﷺ احسن الناس وجها أحسنه
стр. 4011
خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير عن انس قال خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لى ان قط وما قال لشئ صنعته لم صنعت ولا لشئ تركته لم تركت وكان رسول الله ﷺ احسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا ألين من كف رسول الله ﷺ ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ متفق عليه وعن انس ان امرأة كانت فى عقلها شيئا قالت يا رسول الله ان لى إليك حاجة فقال يا أم فلان اجلسي فى اى سلك المدينة شئت اجلس إليك فقعد إليها رسول الله ﷺ حتى قضت حاجتها رواه مسلم وعنه قال كانت الامة من إماء المدينة لياخذ بيد رسول الله ﷺ فينطلق به حيث شاءت رواه البخاري وعنه ان رسول الله ﷺ كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه ولم ير مقدما ركبتيه بين يدى جليس رواه الترمذي وعن عائشة قالت ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط الا ان يجاهد فى سبيل الله ولا ضرب خادما ولا امرأة ولا ينسل شيئا منه قط فينتقم من صاحبه الا ان ينهتك لشئ من محارم الله فينتقم لله رواه مسلم وعن انس قال كنت امشى مع رسول الله ﷺ يبرد نجرانى غليظ الحاشية فادركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد اثرت بها حاشية البرد من شدة جذبه ثم قال يا محمد ﷺ مولى من مال الله الذي عندك فالتفت اليه رسول الله ﷺ ثم ضحك ثم امر له بعطاء متفق عليه وعنه قال كان رسول الله ﷺ احسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس الحديث متفق عليه وعن جابر قال ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال لا متفق عليه وعن جبير بن مطعم بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ مقفله من حنين فعلقت الاعراب يسالونه حتى اضطروه الى سمرة فخطفت ردائه فوقف رسول الله ﷺ فقال أعطوني ردائى لو كان لى عدد هذا العصاة نعم لقسمته بينكم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا رواه البخاري وعن عائشة قالت لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا فى الأسواق ولا يجيز بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وفى الباب أحاديث لا تكاد تحصى فى فضل حسن الخلق عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ بعثت لاتمم حسن الخلق رواه احمد وفى الموطإ بلاغا وعن ابى الدرداء
стр. 4012
عن النبي ﷺ قال ان أثقل شىء يوضع فى الميزان للمومن يوم القيامة خلق حسن وان الله يبغض الفاحش البزي رواه الترمذي وقال حسن صحيح وروى ابو داود عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لاصحابه أتدرون ما اكثر ما يدخل الناس الجنة قالوا الله ورسوله اعلم قال فان اكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وعن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ان المؤمن ليدرك
بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار رواه ابو داود وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان من أحبكم الى أحسنكم أخلاقا رواه البخاري وفى الصحيحين بلفظ ان من خياركم أحسنكم أخلاقا وعن رجل من مزلة وعند البيهقي فى شعب الايمان وعن اسامة بن شريك فى شرح السنة قالوا يا رسول الله ما خير ما اعطى الإنسان قال الخلق الحسن وعن معاذ قال كان آخر ما وصّانى به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلى فى الفرزان قال يا معاذ احسن خلقك للناس رواه مالك.
فَسَتُبْصِرُ يا محمد والسين للتحقيق وَيُبْصِرُونَ اى الكفار يوم القيامة.
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أيكم مبتداء والباء زايدة والمفتون بمعنى المجنون خبره او المفتون مصدر بمعنى الجنون كالمعقول والمجلود مبتداء والخبر مقدم او المعنى باى الفريقين منكم الجنون بفريق المؤمنين او بفريق الكافرين فى أيهما من يستحق هذا الاسم والجملة الاستفهامية بتأويل المفرد مفعول للفعلين السابقين على سبيل التنازع والحاصل ان الجنون ليس بالكفار فانه لا شك ان مقتضى العقل انه من خبر بين الخبرين اختارا خبرهما ومن ابتلى ببليتين اختار أهونهما والمؤمنون اختاروا الاشتغال بالله سبحانه الجميل المتصف بجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص أنصار النافع وبذلوا همتهم فى ابتغاء مرضاته واجتنبوا موجبات سخطه واختاروا نعم الاخروية القوية الابدية على النعم الدنيوية الدنية الزائلة الكائنة كان لم تكن والكفار اختاروا الممكنات التي لا تضر ولا تنفع الا بإذن الله بل اختاروا للعبادة الحجارة وتركوا الله الواحد القهار القيام واختاروا الحظوظ العاجلة لا تدرك منها الا ما شاء الله على النعم الابدية واختاروا النار على الجنة.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ضمير فصل أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ متعلق بأعلم عَنْ سَبِيلِهِ فهم المجانين على الحقيقة فان مقتضى الجنون الضلال عن سبيل الحق وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
стр. 4013
الفائزين بكمال العقل الواصلين الى الجميل المطلق.
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ الفاء للسببية يعنى إذا ظهر انك على الهدى والمكذبين على الضلال فلا تطعهم.
وَدُّوا حال بتقدير قد من المكذبين لَوْ تُدْهِنُ لو للتمنى بيان للوداد والادهان اللين المشتق من الدهن فَيُدْهِنُونَ الفاء للعطف والتعقيب هى ودوا المداهنة من الجانبين لكن يحبون ان يكون ادهانهم بعد ادهانك او للسببية اى ودوا لو تدهن فهم يدهنون ودوا ادهانك فهم الان يدهنون طمعا فيه يعنى لو تلين لهم بترك نهيهم عن الشرك او توافقهم فى بعض الأمور أحيانا فينالونك بترك الطعن والموافقة فى بعض الأمور- (مسئله) وهذه الاية تدل على ان المداهنة فى امر الدين حرام.
وَلا تُطِعْ تخصيص بعد تعميم قال قتادة نزلت فى الوليد بن المغيرة واخرج المنذر عن الكلبي وابن ابى حاتم عن السدى نزلت فى الأخنس بن شريق وكذا ذكر البغوي قول عطاء وقال ابن ابى حاتم عن مجاهد نزلت فى الأسود بن عبد يغوث كُلَّ حَلَّافٍ لفظه كل ورد لتاكيد شمول النهى كل فرد بقرينة المقام فلا يدل على جواز إطاعة البعض والمراد بالحلاف كثير الحلف بالباطل وقد مر فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ مسئله ان الإكثار بالحلف مكروه مَهِينٍ حقير فعيل من المهانة بمعنى الحقارة وهى قلة الرأي والتميز.
هَمَّازٍ عياب مغتاب وقيل من يشير بعينه وحاجبه الى عيوب الناس مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ فعال للحديث على وجه السعاية.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يمنع الناس عن الخير من الايمان والانفاق والعمل الصالح مُعْتَدٍ متجاوز عن الحد فى الظلم أَثِيمٍ كثير الإثم.
عُتُلٍّ قال فى فى القاموس الأكول المنيع الجافي الغليظ بَعْدَ ذلِكَ الظرف متعلق بزنيم وكلمة بعد بمعنى مع او المعنى بعد ما عدت من رزائله زَنِيمٍ قال فى القاموس الزنيم المستلحق فى قوم ليس منهم والدعي وفيه ايضا الدعي كغنى من تبنيته والمتهم فى النسبة قال البيضاوي الزنيم ماخوذ من زنمتى الشاه وهما المتدليتان من اذنها وحلفها وكان الوليد بن مغيرة ادعاه أبوه بعد ثمانى عشر سنة من مولده والأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده فى زهرة قال البغوي فى الدنيا معصما فكان الناس ظلوما قال فذلك العقل الزنيم مرسل له شواهد روى عن عكرمة
стр. 4014
عن ابن عباس قال فى هذه الاية لعنت الله فلم يعرف حتى قيل زنيم فعرف وكان له زنمة فى عنقه يعرف بها واخرج ابن جرير عن ابن عباس قال نزل على النبي ﷺ ولا قطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم فلم نعرفه حتى نزل عليه بعد ذلك زنيم فعرفناه كان له زنمة كزنمة الشاة وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس انه قال يعرف بالشر كما يعرف الشاة بزنمتها قلت ولعله لما كان هذه الصفة اعنى كونه زنيما ادنى فى القبح من الرذائل المقدمة ذكره بقوله بعد ذلك زنيم والله تعالى اعلم عن الحارث بن وهب الخزاعي قال قال رسول الله ﷺ الا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف لو يقسم على الله لابره الا أخبركم باهل النار كل عتل جواظ متكبر رواه البغوي وروى ابو داود والطبراني عن الدرداء نحوه.
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ قرأ ابو جعفر وابن عامر وحمزة وابو بكر ويعقوب ان كان بهمزتين أحدهما للاستفهام ثم حمزة وابو بكر يخففان الهمزتين بلا مد وبمد الهمزتين الاولى ابو جعفر وابن عامر ويعقوب ويلينون الثانية وقرأ الآخرون بهمزة واحدة بلا استفهام وتقديره لان كان متعلق بالنهى فى لا تطع فالمعنى على تقدير عدم الاستفهام لا يكن منك إطاعة من كان هذا شانه لكونه ذا مال وبنين كما ان عادة الناس إطاعة اصحاب المال والثروة وعلى تقدير الاستفهام أتطيعه لكونه ذا مال وبنين فالاستفهام للانكار او متعلق بمدلول جملة بعده اى كفر وكذب القران لاجل الغنى تكبرا وبطرا والمعنى كان الغنى موجبا للشكر فكفر على عكس ما ينبغى.
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى شىء كتبوه كذبا من قصص الأولين فى القاموس الأساطير الأحاديث لا نظام لها إذا متعلق بقال اى قال ذلك ح.
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ على الالف كانه شبهه بالفيل والخنزير وانفه بالخرطوم جملة مستأنفة بالوعيد والتهديد قال الفراء المراد به الوجه فان بعض الشيء يعبر به عن الكل وقال ابو العاليه ومجاهد يسود وجهه فيجعل له علما فى الاخرة يعرف به وهو سواد الوجه وقال ابن عباس سخطه بالسيف وفعل ذلك يوم البدر.
إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعنى اهل مكة بالقحط والجوع لما دعى رسول الله ﷺ عليهم وقال اللهم اجعل عليهم سنين كسنى يوسف حتى أكلوا العظام والجيف جملة مستانفة فى جواب سوال مقدر اى ما فعل لهم حين كذبوا النبي ﷺ وقالوا مجنون كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ صفة مصدر محذوف
стр. 4015
والاضافة واللام للعهد اخرج ابن ابى حاتم عن ابن جريح ان أبا جهل قال يوم بدر خذوهم أخذا فاربطوهم فى الجبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزلت انا بلوناهم فى قدرتهم عليهم كما باونا اصحاب الجنة فى اقتدارهم عليهم روى محمد بن مروان عن الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس قال كان بستان اليمن يقال له الصروان دون صنعاء بفرسخين غرسه رجل صالح وكان يترك للمساكين إذ اصرموا تخلهم كل شىء تعداه المنجل فاذا طرح من فوق النخل الى البساط فكل شىء يسقط عن البساط يترك ذلك ايضا للمساكين وإذا حصدوا زرعهم فكل شىء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شىء ينتشره ايضا فلما مات الرجل ورثه ثلثة بنيه فقالوا والله ان المال لقليل وان العيال كثير وانما كان هذا الأمر يفعل إذا كان المال كثير او العيال قليلا فاذا قل المال وكثر العيال فانا لا نستطيع ان نفعل هذا فتحالفوا بينهم إِذْ أَقْسَمُوا اى حلفوا متعلق ببلونا لَيَصْرِمُنَّها جواب قسم اى ليقطعن ثمرها اى الجنة مُصْبِحِينَ داخلين فى الصباح قبل ان يعلم المساكين حال من فاعل ليصرمنها.
وَلا يَسْتَثْنُونَ حال من فاعل اقسموا اى اقسموا غبر مستثنين اى قائلين ان شاء الله وانما سماه استثناء لما فيه من الإخراج غير ان المخرج به خلاف المذكور والمخرج بالاستثناء عينه او لان افعل ان شاء الله ولا افعل الا ان شاء الله واحد ويحتمل ان يكون جملة لا يستثنون معطوفة على ليصر منها داخلة فى جواب القسم والمعنى ولا يستثنون حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم او يكون جملة مستانفة اى كان شانهم ذلك.
فَطافَ معطوف على اقسموا عَلَيْها على جنتهم طائِفٌ بلاء نازل بالليل وهو نار نزلت من السماء فاحرقتها مِنْ رَبِّكَ من ابتدائية وَهُمْ نائِمُونَ قال.
فَأَصْبَحَتْ الجنة كَالصَّرِيمِ اى كالبستان الذي صرم ثمارها بحيث لم يبق فيها شىء فعيل بمعنى المفعول او كالليل باحتراقها واسودادها او كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سمى بالصريم لان كلا منها ينصرم عن صاحبه اى ينقطع وقال الحسن اى صرم منها الخير فليس فيها شىء وقال ابن عباس كالرماد الأسود بلغة خزيمة والجملة معطوفة على فطاف.
فَتَنادَوْا اصحاب الجنة مُصْبِحِينَ الجملة معطوفة على أصحت.
أَنِ اغْدُوا ان مفسرة لفعل معناه القول اعنى تنادوا
стр. 4016
عَلى حَرْثِكُمْ متعلق باغدوا اى اخرجوا الى حرثكم وتعديته بعلى اما لتضمنه بمعنى الإقبال او لتشبيه الغدو للصرام الغدو الغدو المتضمن بمعنى الاستيلاء ويحتمل ان اغدوا ناقصة وعلى حرثكم خبره إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ قاطعين شرط استغنى عن الجزاء بما مضى.
فَانْطَلَقُوا اى اصحاب الجنة وَهُمْ يَتَخافَتُونَ اى يقولون بينهم سر او خفى وخفت وخفه بمعنى كتم.
أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا اى الجنة وان مفسرة لقوله تعالى يتخافتون فانه فى معنى القول الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ نهى للمسكين عن الدخول موكدا والمراد به المبالغة فى النهى عن تمكينه عن الدخول كقوله لا أتيتك هاهنا.
وَغَدَوْا عطف على انطلقوا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ على حرد متعلق بقادرين وهو خبر لغدوا او الجملة معطوفة على انطلقوا او الحرد فى اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب فقال الحسن والقتادة وابو العالية على جد وجهد وقال القرطبي ومجاهد وعكرمة على امر مجمع قد أسسوه بينهم وكل ذلك راجع الى المقصد وقال ابو عبيدة على منع المساكين وقول الشعبي وسفيان على غضب فى المساكين وقال ابن عباس على قدرة عند أنفسهم على جنتهم وثمارها.
فَلَمَّا رَأَوْها اى الجنة محترقة قالُوا لما ظرف متعلق بقالوا إِنَّا لَضَالُّونَ الطريق فليس هذا جنتنا وانا لمخطئون حيث منعنا المساكين وتركنا الاستثناء.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قد حرمنا خير الجنة.
قالَ أَوْسَطُهُمْ سنا او أعد لهم واعقلهم والجملة مستانفة أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ استفهام تقرير لَوْلا هلا تُسَبِّحُونَ اى تستثنون سمى الاستثناء تسبيحا لانه تعظيم لله تعالى واقرار بانه لا يقدر أحدكم على شىء الا بمشيته وقال ابو صالح كان استثناؤهم سبحان الله تعالى او هلا تسبحون الله وتشكروه على ما اعطاكم ولا تمنعوا المساكين فان الشكر صرف النعمة فى رضاء وقيل هلا تستغفرونه من فعلكم.
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا جملة مستأنفة نزهوا الله سبحانه من ان يكون ظالما فى ما فعل واقرار على أنفسهم بالظلم وقالوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ بمنع المساكين عن حقهم.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ عطف على قالوا يَتَلاوَمُونَ حال من فاعل اقبل ومفعوله على طريقة لقيه راكبين اى يلوم بعضهم بعضا فى منع المساكين حقوقهم.
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ جملة مستانفة اى أعطينا نعم الله فلم نشكرها
стр. 4017
كما شكر أبونا ولما ندموا على ما فعلوا وتابوا عنه وعزموا على الشكر والانفاق رجعوا على أنفسهم وقالوا رجاء.
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا جنة خَيْراً مِنْها من ذلك الجنة التي أحرقت إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ الى الانتهاء الرغبة او لتضمنها معنى الرجوع والجملة فى مقام التعليل للرجاء فان الرغبة الى الله تعالى يوجب الانعام قال البغوي قال ابن مسعود بلغني ان القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فابدلهم جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا.
كَذلِكَ خبر ما بعده مبتداء اى كما فعلنا باهل مكة واصحاب الجنة الْعَذابُ فى الدنيا على ترك الشكر وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ على الكفر والمعاصي وترك الشكر ومنع الزكوة أَكْبَرُ أشد وأبقى من عذاب الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شرط استغنى عن الجزاء بما مضى اى لو كانوا يعلمون العذاب ما فعلوا فعلهم.
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فى جوار القدس جَنَّاتِ النَّعِيمِ اى ليس فيها الا التنعيم الخالص جملة مستانفة سبقت الوعد للمتقين بعد وعيد المجرمين ولما قال المشركون من اهل مكة انا نعطى فى الاخرة على تقدير ثبوتها أفضل مما تعطون او مثله كما أعطينا فى الدنيا قال الله تعالى تكذيبا لهم.
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الاستفهام لانكار مساوات المجرمين بالمسلمين ويوجب انكار تفضيل المجرمين بالطريق الاولى والجملة معطوفة محذوف الا نفضل المسلمين المطيعين على المجرمين فنجعل المسلمين كالمجرمين.
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ كيف حال من فاعل تحكمون قدم عليه لاقتضائه صدر الكلام وتحكمون حال من معنى ما لكم تقديره ما تصنعون حال كونكم حاكمين كائنين على كيفية عجيبة مستبعدة جدا على خلاف العقل فان العقل يحكم ان المطيع يكون احسن حالا من العاصي وفيه التفات من الغيبة الى الخطاب.
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ نزل عند اللئام أم منقطعة بمعنى بل للاضراب من الحكم على وفق العقل والهمزة للانكار عن الدليل السمعي المنزل من السماء فِيهِ اى الكتاب تَدْرُسُونَ تقرءون.
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ اى فى ذلك الكتاب لَما تَخَيَّرُونَ ما تختارون لانفسكم وتشتهونه حذف أحد التاءين من تخيرون والجملة مفعول لتدرسون اما بتأويل القول اى تدرسون هذا القول او لانه كان فى الأصل ان مفتوحة فلما جيئت باللام على ما تخيرون كسرت ويحتمل ان يكون استينافا على سبيل الإنكار.
стр. 4018
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ فاعل لكم عَلَيْنا اى عهود مؤكدة بالايمان بالِغَةٌ متناهية فى التوكيد إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بمقدر فى لكم اى ثابتة لكم علينا الى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى تحكم بحكمكم فى ذلك اليوم او متعلق ببالغة اى ايمان تبلغ ذلك اليوم إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ جواب للقسم المفهوم من ذكر الايمان يعنى أم اقسمنا لكم ان لكم ما تحكمون.
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم زَعِيمٌ قائم يدعيه ويصححه فليقدرونه فقد نبه سبحانه فى هذه الآيات على نفى كل ما يمكن ان يثبت به من عقل او نقل يدل عليه لاستحقاق او وعدا وتقليد لمن يقدر على اثبات ما يدعيه ثم لما نفى تسوية الكفار بالمؤمنين من الله تعالى نفى ان يكون هذا من الشركاء الذين يشركونها مع الله تعالى بنفي الشركاء فقال.
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ تجعلهم مثل المؤمنين فى الاخرة فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ ويثبتوا كونهم شركاء الله تعالى مماثلا له فى العلم والقدرة والارادة والتكوين الفاء للسببية والأمر للتعجيز إِنْ كانُوا صادِقِينَ فى دعوتهم شرط مستغنى عن الجزاء بما معنى.
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ الظرف متعلق باذكر وكشف الساق عبارة عن نوغ من تجلياته سبحانه تعالى فى الموقف روى الشيخان فى الصحيحين وغيرهما عن ابى سعيد الخدري ان ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ﷺ نعم هل تضارون فى روية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون روية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون فى روية الله تعالى يوم القيامة الا كما تضارون فى روية أحدهما إذا كان يوم القيامة اذن موذن ليتبع كل امة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد بغير الله من الأصنام والأنصاب ان يتساقطون فى النار حتى إذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر وفى رواية غير اهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزير ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم الا ترون فيحشرون الى جهنم كانها سراب يحطم لبعضها بعضا فيتساقطون فى النار ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم فذكر كما ذكر فى اليهود وفى رواية مسعود عند الحاكم وصححه الدار قطنى وغيرهما انه يمثل لكل من يعبد غير الله ما كانوا يعبدون من الشمس والقمر والأوثان
стр. 4019
ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير وان كان يعبد المسيح شيطان المسيح فينطلقون معه الى جهنم وفى رواية عن ابى هريرة عند الطبراني وابى يعلى والبيهقي وغيرهم ان يجعل ملكا من الملائكة على صورة عزير وملكا من الملائكة على صورة عيسى بن مريم ويتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى ثم تقودهم الهتهم الى النار وهم الذين يقولون لو كان هؤلاء الهة ما وردوها وكل فيها خالدون رجعنا الى رواية الصحيحين حتى إذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين قال فماذا تنظرون يتبع كل امة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول انا ربكم فيقول نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين او ثلثا حتى ان بعضهم يكاد ان ينقلب فيقول هل بينكم وبينه اية لتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد من تلقاء نفسه الا اذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء الا جعل الله ظهره واحدة كلما أراد ان يسجد خر على قفاه ثم يضرب الجسر على جهنم وفى رواية قيل يا رسول الله ما الجسر قال وحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحكة تكون بنجد فيها شويكة يقال له السعدان وتحل الشفاعة ويقول الأنبياء اللهم سلم سلم فيمر المؤمنون كطرف العين وكالريح وكالطير وكاجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش فى نار جهنم حتى إذا أخلص المؤمنون من النار فو الذي نفسى بيده ما من أحد منكم باشد منا شدة فى الحق قد تبين لكم من المؤمنين لله لاخوانهم الذين فى النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم اخرجوا من عرفتم فيحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن امرتنا فيقول ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من خير فاخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال نصف دينار من خير فاخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من خير فاخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم ندر فيها خيرا فيقول شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق الا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقهم فى عمر من أفواه الجنة يقال له نهر الحيوة فيخرجون كما يخرج الحبة فى حميل السيل فيخرجون كاللؤلؤ فى رقابهم خواتم فيقول اهل الجنة عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه وقد وقع كشف الساق فى حديث ابن مسعود عند الحاكم وغيره
стр. 4020
وفى رواية عن ابى هريرة فى الصحيحين فياتيهم الله فى غير الصورة التي يعرفونها وقال اللالكائى فى السنة
والآجري فى كتاب الروية عن ابى موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فى دار الدنيا فيذهب كل قوم الى كل ما يعبدون ويبقى اهل التوحيد فيقال لهم وقد ذهب الناس فيقولون ان لنا ربا كنا نعبده فى الدنيا لم نره قال وتعرفونه إذا رايتموه فيقولون نعم فيقال لهم كيف تعرفونه ولم تروه قالوا انه لا شبه له فيكشف لهم عن الحجاب فينظرون الى الله تعالى فيخرون له سجدا ويبقى أقوام فى ظهورهم مثل صياصى البقر يريدون السجود فلا يستطيعون فيقول الله ﵎ ارفعوا رؤسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم بدلا من اليهود والنصارى وهذه الأحاديث تدل على ان لله سبحانه تجليات على انواع شتى منها تجليات صورته وذلك فى عالم المثال وليس هى روية فى الحقيقة كما رأى النبي ﷺ ربه فى المنام على صورة امرد شاب شطط فى رجليه نعلا الذهب وعند ذلك التجلي يقول القائلون فى الموقف نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا ومنها ما يكون على غير شبه ومثال فى الموقف وفيه شائبة من الظلية ولعل من هذا النوع ما أراد الله تعالى بقوله يكشف عن ساق فح راه المؤمنون الأبرار والفجار بلا حجاب كما ترون الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب والقمر ليلة البدر كما روينا من قبل ولا نصيب للكفار من هذا التجلي لقوله تعالى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقوله ﵇ حتى إذا لم يبق الا من كان يعبد الله من برو فاجراتاهم رب العالمين الحديث الى قوله فيكشف عن ساق والساق من المتشابهات كاليد والوجهة لا يعلم تأويله الا الله والراسخون فى العلم يقولون أمنا به ومنها ما يكون فى الجنة بلا شائبة الظلية المعبر عنها بقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وَيُدْعَوْنَ اى المؤمنون الأبرار والفجار الى السجود وهذه الدعوة إِلَى السُّجُودِ
ليس من باب التكليف إذ ليس الاخرة دار تكليف بل هى دعوة طبيعية تقتضيه افتقار الحقيقة الامكانية عند كشف سرادقات العظمة والجلال ما لم يمنع مانع فَلا يَسْتَطِيعُونَ اى العصاة منهم لصيرورة ظهرهم طبقة واحدة لما يحملون أوزارهم فالضمير راجع الى بعض المدعوين الى السجود دون الكل كما فى قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن بعد قوله والمطلقات وبدل على هذا الأحاديث المذكورة فالذين لا يستطيعون السجود هم المؤمنون
стр. 4021
الذين لم يكونوا مصلين أصلا او لم يكونوا مصلين بجماعة الا اتقاء كأهل الهواء من الروافض وغيرهم او كانوا يسجدون رياءا للناس من غير اخلاص فى العمل فان قيل قد ورد فى بعض طرق حديث ابى هريرة وغيره فاذا لم يبق الا المؤمنون وفيهم المنافقون جاءهم الله الحديث الى قوله فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون انه ربهم فيخرون ساجدين على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه ويجعل الله أصلابهم كصياصى البقر قلنا الظاهر بالمنافق هاهنا المنافق فى الأعمال وفروع العقائد دون المنافق فى اصول الاعتقادات إذ المنافق فى اصول الاعتقادات أولئك هم الكافرون حقا بل أشد كفراوهم فى الدرك الأسفل من النار وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فكيف يكون لهم ذلك الكرامة من روية الله تعالى وقد ورد فى الأحاديث لفظ المنافق فى حق العصاة حيث قال رسول الله ﷺ اربع من كن فيه منافق خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو فى الصحيحين عن ابى هريرة مرفوعا اية المنافق ثلث رواه مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم ثم اتفقا إذا حدث كذب وإذا وعد خاف وإذا ائتمن خان.
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ الخشوع صفة للذوات أسند الى الابصار تجوز الظهوره فيها تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ اى يلحقهم ذلة وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فى الدنيا فلم يسجدوا كما أمرهم الله بالإخلاص وَهُمْ سالِمُونَ عن كون ظهورهم طبقة واحدة حال من فاعل يدعون الثاني وقوله تعالى خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون كلها احوال من فاعل يدعون الاول وفى قوله تعالى وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون تعليل لعدم استطاعتهم على السجود فى الاخرة.
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ معطوف على الضمير المنصوب فى ذرنى او مفعول بِهذَا الْحَدِيثِ القران جملة فذرنى معترضة لوعيد الكفار وتسلية النبي ﷺ اى لا تغتم وكله الى فانى أكفيكه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الضمير المنصوب راجع الى من اعتبارا بمعناه الدرج طى الكتاب والثوب يقال للمطوى ورجى استعير الدرج للموت كما استعير الطى له كذا قال الجوهري وقال قوله تعالى سنستدرجهم قيل معناه سنطويهم طى الكتاب عبارة عن إغفالهم
стр. 4022
وقيل معناه ناخذهم درجة فدرجة وذلك ادنائهم من امسى شيئا فشيئا كالمراتى والمنان والحاصل سنأخذهم بالعذاب بتدريج وامهال مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ كيف يجئ العذاب بهم.
وَأُمْلِي لَهُمْ اى امهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ قوى لا يطاق دفعه جملة مستانفة والكيد المكر والحيلة واظهار خلاف ما أضمر من السوء فالكيد من الله الانتقام بصورة الانعام قال الجوهري فى قوله تعالى ان كيدى متين قال بعضهم أراد بالكيد العذاب والصحيح هو الاملاء والامهال يعنى ليس ما نعطيهم فى الدنيا من النعم تفضلا لهم على المؤمنين كما زعموا بل كيد واستدراج لهم (فائدة) من ارتكب المعصية فعوقب عليها بمصيبة فى الدنيا يرجى مغفرة ذنبه ومن ارتكب المعصية ثم يرى عليه ازدياد النعمة يخشى عليه المكر والاستدراج نعوذ بالله منه.
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على التبليغ أم منقطعة بمعنى بل والهمزة معطوفة على قوله تعالى أم لهم شركاء وما بينهما معترضات فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ فيعرضون عنك بلا حجة دفعا للغرامة الجملة الاسمية معطوفة بالفاء السببية على العقلية اى تسئلهم.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اى اللوح المحفوظ او المغيبات فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون جملة أم عندهم معطوفة على أم تسئلهم ذكر الله سبحانه فيما سبق نفى الدليل التحقيقى العقلي والسمعي والتقليد الذي يستدلون به العوام وذكر هاهنا نفى الكشف عن المغيبات والإلهام الذي هو سبب لحصول العلم للخواص من الأنبياء والملائكة وبعض الأولياء فان الله تعالى يكشف عليهم اللوح المحفوظ والمغيبات إذا شاء يعنى ليس شىء مما ذكرنا عندهم فما يحكمون به ليس الا باطلا لغوا.
فَاصْبِرْ يا محمد ﷺ على اذاهم فانهم لا يقولون ما يقولون الا بلا حجة لِحُكْمِ رَبِّكَ لقضائه بأخذ الكفار بالامهال والاستدراج ولا تضجر ولا تعجل وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ فى الضجر والاستعجال معطوف على فاصبر قال وهب ان يونس بن متى ﵇ كان عبدا صالحا وكان فى خلقه ضيق فلما حمل عليه أثقال النبوة تضح تحتها تفسح الربع تحت الحمل الثقيل يقذفها بين يديه ويخرج هاربا منها فلذلك أخرجه الله من اولى العزم وقال للنبى ﷺ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تكن كصاحب الحوت وقصته على ما ذكره ابن مسعود وسعيد بن جبير ووهب ان الله تعالى أرسله الى اهل نينوى من ارض الموصل وهم مائة الف
стр. 4023
او يزيدون فدعاهم الى الله تعالى فابوا فاخبرهم ان العذاب صبحهم الى ثلث فقالوا لم يحزب عليه كذبا فانظروا فان بات فيكم تلك الليلة فليس بشئ وان لم يبت فاعلموا ان العذاب مصبحكم فخرج يونس ﵇ فى جوف تلك الليلة من بينهم فلما أصبحوا لفشاهم العذاب فكان فوق رؤسهم على قدر ميل وغامت السماء غيما اسودها بل يدخن دخانا شديدا فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت سطوحهم فلما رأوا ذلك تيقنوا بالهلاك فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه فقذف الله فى قلوبهم التوبة فخرجوا الى الصعيد بانفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا الايمان والتوبة وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والانعام فحسن بعضهم الى بعض وعلت أصواتها وتضرعوا الى الله وقالوا أمنا بما جاء به يونس فرحمهم ربهم واستجاب دعائهم فكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم وذلك يوم عاشوراء وكان يونس قد خرج ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قبل فقال يونس ﵇ كيف ارجع الى قومى وقد كذبتم فانطلق فاتى البحر فاذا قوم يركبون سفينة فعرفوه فحملوه بغير اجر فوقعت السفينة لا ترجع ولا يتقدم فقالوا ان لسفينتنا لشانا قال يونس ﵇ قد عرفت شانها ركبها رجل ذو خطيئة قالوا ومن هو قال انا اقذفونى فى البحر قالوا ما كنا نطرحك من هاهنا حتى نفداك فى شانها فاستهموا فاعترفوا ثلث مرات فادحض سهمه والحوت عند رجل السفينة فاغرقاه منتظرا امر ربه فيه فقال يونس ﵇ انكم والله لتهلكن جميعا او لتطرحونى فيها فقذفوه فيه فانطلقوا وأخذته الحوت وفى رواية ابن عباس انه قال الملاحون حين احتبست السفينة هاهنا رجل عاص او عبد ابق هذا رسم السفينة ومن رسمنا ان نقرع فاقترعوا ثلثا ووقعت القرعة على يونس فالقى نفسه فى الماء فابتلعه الحوت وابتلع هذا الحوت حوت اخر اكبر منه اوحى الله تعالى الى الحوت انا لم نجعل يونس لك قوتا انما جعلنا بطنك حرزا ومسجد او فى رواية سجنا وروى ان اقام قبل القرعة وقال انا العبد العاصي الآبق فقالوا لا نلقينك يا رسول الله حتى نستاهم فوجب القرعة عليه فالقى نفسه فى الماء وروى فى القصة انه لما وصل الى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب وأراد ان يركب فقدم امرأته لتركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب ثم جاءت موجة اخرى وأخذت ابنه الأكبر
стр. 4024
وجاء ذئب وأخذ الابن الأصغر فريدا فجاء مركب اخر فركبه فاحتبست السفينة إلخ قال ابن مسعود وابتلعه الحوت فاهوى به الى قرار الأرض السابعة وكان فى بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى فنادى فى الظلمات ان لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين وذلك قوله تعالى إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ اى حملوا غيظا وغما لاجل الوقوع فى المعصية والتعب والظرف متعلق بمحذوف اى اذكر لا بالنهى لان ندائه سبحانه امر حسن لا يمكن ان يكون منهيا عنه وتقدير الكلام لا تكن كصاحب الحوت مستعجلا فى عقوبة الكفار واذكر إذ نادى بالتوبة وهو مكظوم حيث لم يكظم الغيظ الا لاستعجاله وعدم صبره.
لَوْلا امتناعية أَنْ تَدارَكَهُ فعل ماض بمعنى أدركه وحسن تذكير القول للفصل او مضارع منصوب بحذف تاء التفاعل حكاية عن الحال الماضي مبتداء بتأويل المصدر نِعْمَةٌ فاعل للفعل مِنْ رَبِّهِ صفة له اى رحمته وتوفيق التوبة وقبولها وخبر المبتدا محذوف تقديره لولا تدارك ونعمة ربه إياه موجود لَنُبِذَ جواب لولا بِالْعَراءِ اى الأرض الخالية عن الشجر والبناء وَهُوَ مَذْمُومٌ حال من فاعل نبذ يعتمد عليه الجواب ويتوجه النفي الى ذلك اى لولا الرحمة لنبذ مذموما على عدم التثبت والخروج من اظهر القوم بغير اذن من الله وترك الاولى يعد ذنبا بالنسبة الى الأنبياء لعظمة شانهم وان لم يكن ذنبا فى الحقيقة منافيا للعصمة لكن تداركه الرحمة لما نادى الله تعالى وتاب فنبذ بالعراء وهو سقيم كما فى سورة الصافات محمودا مرحوما وقع فى رواية العوفى وغيره عن ابن عباس قال كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة ونصفا من الأسباط وبقي سبطان ونصف فاوحى الله تعالى الى شعيا النبي ان اسر الى حزقيا الملك وقل له حتى يوجهه متينا قويا فانى القى فى قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بنى إسرائيل وكان فى مملكته خمسة من الأنبياء فدعى الملك يونس وامره ان يخرج فقال يونس هل أمرك الله باخراجى قال لا قال فهل سمانى قال لا قال فههنا غيرى أنبياء أقويا فالحوا عليه فخرج من بينهم مغاضبا فاتى بحر الروم فركبها الى اخر القصة.
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ ورد الوحى اليه فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ عطف على اجتباه اى جعله من الكاملين فى الصلاح بالعصمة من ان يقول ما تركه اولى لا بد للصوفى الصبر على إيذاء الخلق ولا يجوز له ان يدعو على من أنكره فان الله لم يأذن بالدعاء على الكفار وامر بالصبر
стр. 4025
فكيف على منكر الولي من المؤمنين والله اعلم قال البغوي أراد الكفار ان يصيبوا رسول الله ﷺ بالعين فنظر اليه قوم من قريش قالوا ما راينا مثله ومثل حججه وقيل كانت العين من بنى اسد حتى كانت الناقة والبقرة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول يا جارية خذى المكتل والدرهم فأتينا بشئ من لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر وقال الكلبي كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين او ثلثة ثم يرجع خبائه فتمر به الإبل والغنم فيقول لم ار كاليوم ابلا ولا غنما احسن من هذه فما يذهب قليلا الا يسقط منها طائفة وعدة فسال الكفار هذا الرجل ان يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل مثل ذلك فعصم الله نبيه وانزل.
وَإِنْ مخففة من المثقلة يدل عليه اللام فى الخبر يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ خبر يكاد قرأ نافع بفتح الياء من المجرد والباقون بالضم من الافعال وهما لغتان يقال زلقه يزلقه ازلاقا ومعناه ينفذ ذلك يقال زلق ألسنتهم إذا نفذ قال السدى يصيبونك بعيونهم وقيل يزلقونك وقال الكلبي يصرعونك بِأَبْصارِهِمْ متعلق بيزلقون وكذا قوله لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ عن جابر عن النبي ﷺ ان العين ليدخل الرجل القبر والجمل القدر أخرجه ابو نعيم فى الحلية وابن عدى عن ابى ذر نحوه رواه ابن عدى وفى الصحيحين وغيرهما عن ابى هريرة العين حق وعند احمد ومسلم عن ابن عباس العين حق ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا وفى رواية عن ابى هريرة العين حق يحضرها الشيطان وحسد ابن آدم وعن صبيد بن رفاعة ان اسماء بنت عميس قالت يا رسول الله ان بنى جعفر يصيبهم العين فاسترق لهم قال نعم فلو كان شىء يسبق القضاء يسبقه العين رواه البغوي والله تعالى اعلم وقال ابن قتيبة ليس الله يريد انهم يصيبونك بأعينهم كما نصيب العائن بعينه أراد انهم ينظرون إليك إذا قرأت القران نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك يقال نظر الى نظرا يكاد يصرعنى ونظيرا يكاد يأكلني كناية عن العداوة ويدل على صحة هذا المعنى تقييده بسماع القران فانهم كانوا عنه ذلك كارهين أشد الكراهة ويجدون اليه النظر بالبغضاء وَيَقُولُونَ إذ يسمعونه يقرأ القرآن إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ جملة يقولون معطوفة على معنى ان يكاد الذين كفروا.
وَما هُوَ اى القران إِلَّا ذِكْرٌ موعظة لِلْعالَمِينَ يعنى ما هو بمجنون والقران
стр. 4026
ليس مما يتكلم به المجانين بل القران ذكر عام لا يدركه ولا يناطاه الا من كان من أكمل الناس وامتنهم رأيا قال شيخى وامامى مولانا يعقوب الكرخي رض يحتمل ان يكون الضمير هو راجعا الى النبي ﷺ اى ما هو اى النبي الا ذكرا اى مذكرا للعالمين على طريق زيد عدل عن حنظلة قال لقينى ابو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قلت فكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كانا راى عين فاذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافينا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا قال ابو بكر انا لنلقى مثل هذا فانطلقت انا وابو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت نافق حنظلة يا رسول الله قال رسول الله ﷺ وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كان رأى عين فاذا خرجنا من عندك عافينا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيدي لو تدومون على ما تكونون عندى فى الذكر لصافحتكم الملئكة على فرشكم وفى طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلث مرات رواه مسلم- (فائده) وهذه علامة اولياء الله تعالى ان الله يذكر برويتهم وذكرهم وقد ورد فى بعض الاخبار المرفوعة ان النبي ﷺ سئل من اولياء الله تعالى قال الذين إذا رأوا ذكر الله ويروى عن النبي ﷺ قال الله تعالى ان أوليائي من عبادى الذين يذكرون بذكرى واذكر بذكرهم والله تعالى اعلم- (فائده) قال الحسن دواء إصابة العين ان يقرأ الإنسان وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ الاية والله تعالى اعلم بالصواب.
стр. 4027
سورة الحاقّة
مكّيّة وهى اثنان وخمسون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ اى القيامة لانها حق وثابت وقوعها لا ريب فيه او لانها يحق فيها الأمور اى يعرف حقيقتها او لانها يحق الجزاء على الأعمال يقال حق عليه الشيء إذا وجب قال الله تعالى حقت عليه كلمة العذاب على الكافرين والاسناد مجازى مبتداء وخبره.
مَا الْحَاقَّةُ والرابط المظهر فى مقام المضمر والاستفهام لتفخم شانها والتهويل.
وَما أَدْراكَ ما مبتدأ وادراك خبره والاستفهام للانكار مَا الْحَاقَّةُ جملة الاستفهامية للتهويل مفعول لادراك معنى الاية الحاقة ما هى اى شى عظيم الهول انك لا تعلم كنهها فانها أعظم من ان يبلغها ادراك أحد.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ قوم صالح ﵇ وَعادٌ هود ﵇ بِالْقارِعَةِ اى بالساعة التي تقرع الناس بالاقراع والإحرام بالانفطار والانتثار وهى القيامة التي مر ذكرها بلفظ الحاقة فههنا وضع المظهر موضع المضمر بلفظ مرادف لما سبق مع زيادة فى وصف شدتها بيانا لذلك الزيادة والجملة خبر للحاقة الاولى بعد خبر او الجملتان السابقتان معترضتان للتهويل او هذه الجملة مستانفة موكدة بعنوان المبتدا الاولى اى تحققها وثبوتها فان مضمون هذه الجملة مع ما عطف عليها ان إنكارها وتكذيبها يوجب الهلاك والاستيصال.
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ اما تفصيل لما أجمل والجملة معطوفة على كذبت الفاء للسببية تقديره كذبت ثمود وعاد بالقارعة فاهلكوا بسبب تكذيبها اما ثمود فاهلكوا بالطاغية اى بالصيحة التي جاوزت مقادير الصياح فاهلكتهم كذا قال قتادة وهو الصحيح وذلك ان جبرئيل ﵇ صاح صيحة واحدة فهلكوا جميعا وقيل أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شىء فى الأرض فتقطفت قلوبهم فى صدورهم وقيل الطاغية مصدر كالعافية بمعنى الطغيان اى اهلكوا لطغيانهم من التكذيب وقتل الناقة
стр. 4028
وغير ذلك وقيل المراد بالطاغية قذار بن سالف عاقر ناقة صالح والتاء للمبالغة او الجماعة التي اتفقت على عقر الناقة وبعثت قذارا لعقرها فانها كانت سبب هلاكهم وذلك ان الله تعالى بعث صالحا الى ثمود فدعاهم الى الله تعالى فابوا وطلبوا منه ان يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة واشاروا الى صخرة اية حتى يؤمنوا به فدعا صالح ربه فخرجت منها ناقة عظمة مسافة ما بين جنبيها مائة وعشرون ذراعا عشراء وولدت فى الحال ولدا مثلها فلم يومنوا وقالوا هذا من سحره فجعل الله تعالى تلك الناقة نقمة لهم حيث كانوا قليل الماء فكانت الناقة تشرب ماءهم يوما وتترك الماء لهم يوما وكذا الكلاء فاجمع جماعة منهم على قتلها فبعثوا أشقى الناس وهو قذار بن سالف فعقروا الناقة وعتوا عن امر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين فقال صالح تمتعوا فى داركم بعد قتلها ثلثة ايام تصفر وجوهكم فى اليوم الاول وتحمر فى اليوم الثاني وتسود فى الثالث ويصبحكم العذاب فى الرابع فكان كذلك وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين كان لم يغنوا فيها لكن هذه التأويلات اى القول بان المراد طاغة المصدر او عاقر الناقة لا يصاعده العطف باما فى قوله تعالى.
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ فان فيه الباء للاستعانة فلا بد ان يكون فيما قبله ايضا كذلك حتى يكون الجملتان تفصيلا لجمل صَرْصَرٍ شديد البرد او شديد الصوت كذا فى القاموس عاتِيَةٍ تجاوزه عن الحد فى الشدة والبرودة قال فى القاموس عتى استكبر وجاوز الحد فهو عات-.
سَخَّرَها اى سلطها الله سبحانه بقدرته استيناف او صفة جئ به لنفى ما يتوهم من انها كانت من اتصالات فلكية ونحو ذلك عَلَيْهِمْ اى على عاد سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ من صبيحة الأربعاء الى غروب الشمس من الأربعاء الاخر قال وهب فى الأيام التي تسميها العرب الأيام العجوز ذات برد ورياح شديد سميت عجوزا لانها عجز الشتاء الى آخره وقيل سميت بذلك لان عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعها الريح فقتلها فى اليوم الثامن نزول العذاب وانقطع العذاب حُسُوماً حال من مفعول سخر بمعنى متتابعات جمع حاسم من حسام الكي وهو ان يتتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ كذا قال مجاهد وقتادة او نحسات كما فى قوله تعالى فى ايام نحسات اى حسمت كل خير واستأصله من أصله كذا قال عطية
стр. 4029
او قاطعات قطعن دابرهم كذا قال الزجاج والنضر بن شميل ويجوز ان يكون مصدرا منصوبا على العلية او على المصدرية من فعل مقدر اى يحسمهم حسوما فَتَرَى اى المخاطب الغير المعين حكاية عن الحال الماضية الْقَوْمَ اى عادا فِيها اى فى تلك الليالى والأيام او فى بينهما صَرْعى جمع صريع بمعنى مصروع مفعول ثان لترى ان كان من روية القلب والا فهو حال من المفعول كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ اصول نَخْلٍ خاوِيَةٍ متاكلة الأجواف جملة كانهم حال بعد حال مفرد ولذلك وايضا لكونها مصدرة بكان ترك الواو.
فَهَلْ تَرى استفهام تقرير اى حمل المخاطب على الإقرار لَهُمْ اى لعاد مِنْ باقِيَةٍ وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قرأ ابو عمرو الكسائي بكسر القاف وفتح الباء بمعنى الجانب اى من معه من جنوده واتباعه والباقون بفتح القاف وسكون الباء اى من تقدمه من الأمم الكافرة وَالْمُؤْتَفِكاتُ اى قرى قوم لوط قلبت عليهم من افك بمعنى قلب والمراد بها أهلها او المعنى الأمم الذين ايتفكوا يعنى قوم لوط بِالْخاطِئَةِ بالخطاء والمعصية يعنى الشرك او بفعلة او افعال خاطئة ذات خطاء.
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ يعنى عصى فرعون موسى ﵇ وكل أمته كافرة نبيها عطف تفسيرى على جاء فَأَخَذَهُمْ معطوف على ما سبق والفاء للسببية أَخْذَةً رابِيَةً زائدة فى الشدة على كل اخذة مفعول مطلق لبيان النوع.
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ اى جاوز حده حتى على كل شىء وارتفع فوقه فى زمن نوح ﵇ لما ظرف متعلق بما بعده حَمَلْناكُمْ اى حملنا ابائكم وأنتم فى أصلابكم فِي الْجارِيَةِ فى سفينة نوح ﵇ جارية فى الماء.
لِنَجْعَلَها
السفينة او الفعلة وهى إنجاء المؤمنين الذين فى السفينة مع طغيان الماء وتجاوزه عن حده لَكُمْ تَذْكِرَةً
عبرة وعظة لدلالتها على قدرة الصانع وحكمته وكمال قهره ورحمته وَتَعِيَها
اى تحفظها وتعقلها وتتفكر فيها قرأ الجمهور بكسر العين وفتح الياء وروى عن ابن كثير باختلاس العين قال صاحب التيسير لا يصح ذلك أُذُنٌ
قرأ نافع اذن بالتخفيف والجمهور بالضمتين واعِيَةٌ
الوعى صفة القلب والنفس وانما أسند الى الاذن مجازا للتسبب او المراد اصحاب اذن واع حذف المضاف وأجرى على المضاف اليه ما كان يجرى على المضاف والتنكير فى واعية للدلالة على قلتها وان من هذا شانه فهو مع قلته
стр. 4030
سبب الانجاء الجم الغفير وادامة نسلهم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان هذه القلوب اوعية فخيرها أوعاها روى الطبراني ثم لما بالغ فى تهويل القيامة وذكر مال المكذبين بها عاد الى شرحها فقال.
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال الصور قرن ينفخ فيه روى الترمذي وابو داود والدارمي نَفْخَةٌ واحِدَةٌ احسن اسناد الفعل الى المصدر لتقييده حسن تذكيره للفصل والمراد بها نفخة الصعق واختلفوا فى عدد النفخات فقيل ثلث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث لقوله تعالى ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض الا من شاء الله وكل أتوه داخرين ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات والأرض الا من شاء الله ن ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون واختار هذا القول ابن العربي وكذا ورد صريحا فى حديث طويل عن ابى هريرة بلفظة فينفخ فيه ثلث نفخات الاولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين روى ابن جرير فى تفسيره والطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وغيرهم وقيل بل نفختان فقط ونفخة الفزع نفخة الصعق لان الامرين متلازمان اى فزعوا فزعا ماتوا عنه وهذا القول صححه القرطبي واستدل بانه استثنى فى نفخة الفزع كما استثنى فى نفخة الصعق فدل على انهما واحد فى اكثر الأحاديث ذكر اثنتين فقط وما بينهما أربعون عاما والحديث الطويل فى اسناده من تكلم فيه واختلف الناس فى تصحيحه فصححه ابن العربي والقرطبي وضعفه البيهقي وعبد الحق ومدار هذا الحديث على اسمعيل بن رافع قاضى المدينة وقد تكلم فيه قال السيوطي فى بعض سياقه نكارة وقد قيل انه جمعه من طرق وأماكن متفرقة مساقة سياقا واحدا والله تعالى اعلم والمراد بالظرف اعنى قوله تعالى إذا نفخ الزمان الطويل الذي سماه الله تعالى فى كتابه بالحاقة والقارعة والقيامة والواقعة وغيرها من الأسماء الكثيرة وابتداء ذلك الزمان النفخة الاولى وانتهائه دخول اهل الجنة الجنة واهل النار النار اخرج ابن عساكر عن زياد ابن مخراق قال سال الحجاج عكرمة مولى ابن عباس عن يوم القيامة أمن الدنيا هو او من الاخرة قال صدر ذلك من الدنيا وآخره من الاخرة فعلى هذا جاز اضافة ذلك الزمان الى النفخ فى الصور النفخة الاولى والى كل ما وقع فى ذلك اليوم من الصعق والنشور والحساب والشقاق السموات وانتشار الكواكب ودخول الجنة والنار وغير ذلك فقوله تعالى إذا نفخ فى الصور نفخة واحدة بيان
следующие страницы →