← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

ليس مما يتكلم به المجانين بل القران ذكر عام لا يدركه ولا يناطاه الا من كان من أكمل الناس وامتنهم رأيا قال شيخى وامامى مولانا يعقوب الكرخي رض يحتمل ان يكون الضمير هو راجعا الى النبي ﷺ اى ما هو اى النبي الا ذكرا اى مذكرا للعالمين على طريق زيد عدل عن حنظلة قال لقينى ابو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قلت فكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كانا راى عين فاذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافينا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا قال ابو بكر انا لنلقى مثل هذا فانطلقت انا وابو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت نافق حنظلة يا رسول الله قال رسول الله ﷺ وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كان رأى عين فاذا خرجنا من عندك عافينا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيدي لو تدومون على ما تكونون عندى فى الذكر لصافحتكم الملئكة على فرشكم وفى طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلث مرات رواه مسلم- (فائده) وهذه علامة اولياء الله تعالى ان الله يذكر برويتهم وذكرهم وقد ورد فى بعض الاخبار المرفوعة ان النبي ﷺ سئل من اولياء الله تعالى قال الذين إذا رأوا ذكر الله ويروى عن النبي ﷺ قال الله تعالى ان أوليائي من عبادى الذين يذكرون بذكرى واذكر بذكرهم والله تعالى اعلم- (فائده) قال الحسن دواء إصابة العين ان يقرأ الإنسان وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ الاية والله تعالى اعلم بالصواب.

стр. 4027

سورة الحاقّة مكّيّة وهى اثنان وخمسون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ اى القيامة لانها حق وثابت وقوعها لا ريب فيه او لانها يحق فيها الأمور اى يعرف حقيقتها او لانها يحق الجزاء على الأعمال يقال حق عليه الشيء إذا وجب قال الله تعالى حقت عليه كلمة العذاب على الكافرين والاسناد مجازى مبتداء وخبره. مَا الْحَاقَّةُ والرابط المظهر فى مقام المضمر والاستفهام لتفخم شانها والتهويل. وَما أَدْراكَ ما مبتدأ وادراك خبره والاستفهام للانكار مَا الْحَاقَّةُ جملة الاستفهامية للتهويل مفعول لادراك معنى الاية الحاقة ما هى اى شى عظيم الهول انك لا تعلم كنهها فانها أعظم من ان يبلغها ادراك أحد. كَذَّبَتْ ثَمُودُ قوم صالح ﵇ وَعادٌ هود ﵇ بِالْقارِعَةِ اى بالساعة التي تقرع الناس بالاقراع والإحرام بالانفطار والانتثار وهى القيامة التي مر ذكرها بلفظ الحاقة فههنا وضع المظهر موضع المضمر بلفظ مرادف لما سبق مع زيادة فى وصف شدتها بيانا لذلك الزيادة والجملة خبر للحاقة الاولى بعد خبر او الجملتان السابقتان معترضتان للتهويل او هذه الجملة مستانفة موكدة بعنوان المبتدا الاولى اى تحققها وثبوتها فان مضمون هذه الجملة مع ما عطف عليها ان إنكارها وتكذيبها يوجب الهلاك والاستيصال. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ اما تفصيل لما أجمل والجملة معطوفة على كذبت الفاء للسببية تقديره كذبت ثمود وعاد بالقارعة فاهلكوا بسبب تكذيبها اما ثمود فاهلكوا بالطاغية اى بالصيحة التي جاوزت مقادير الصياح فاهلكتهم كذا قال قتادة وهو الصحيح وذلك ان جبرئيل ﵇ صاح صيحة واحدة فهلكوا جميعا وقيل أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شىء فى الأرض فتقطفت قلوبهم فى صدورهم وقيل الطاغية مصدر كالعافية بمعنى الطغيان اى اهلكوا لطغيانهم من التكذيب وقتل الناقة

стр. 4028

وغير ذلك وقيل المراد بالطاغية قذار بن سالف عاقر ناقة صالح والتاء للمبالغة او الجماعة التي اتفقت على عقر الناقة وبعثت قذارا لعقرها فانها كانت سبب هلاكهم وذلك ان الله تعالى بعث صالحا الى ثمود فدعاهم الى الله تعالى فابوا وطلبوا منه ان يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة واشاروا الى صخرة اية حتى يؤمنوا به فدعا صالح ربه فخرجت منها ناقة عظمة مسافة ما بين جنبيها مائة وعشرون ذراعا عشراء وولدت فى الحال ولدا مثلها فلم يومنوا وقالوا هذا من سحره فجعل الله تعالى تلك الناقة نقمة لهم حيث كانوا قليل الماء فكانت الناقة تشرب ماءهم يوما وتترك الماء لهم يوما وكذا الكلاء فاجمع جماعة منهم على قتلها فبعثوا أشقى الناس وهو قذار بن سالف فعقروا الناقة وعتوا عن امر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين فقال صالح تمتعوا فى داركم بعد قتلها ثلثة ايام تصفر وجوهكم فى اليوم الاول وتحمر فى اليوم الثاني وتسود فى الثالث ويصبحكم العذاب فى الرابع فكان كذلك وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين كان لم يغنوا فيها لكن هذه التأويلات اى القول بان المراد طاغة المصدر او عاقر الناقة لا يصاعده العطف باما فى قوله تعالى. وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ فان فيه الباء للاستعانة فلا بد ان يكون فيما قبله ايضا كذلك حتى يكون الجملتان تفصيلا لجمل صَرْصَرٍ شديد البرد او شديد الصوت كذا فى القاموس عاتِيَةٍ تجاوزه عن الحد فى الشدة والبرودة قال فى القاموس عتى استكبر وجاوز الحد فهو عات-. سَخَّرَها اى سلطها الله سبحانه بقدرته استيناف او صفة جئ به لنفى ما يتوهم من انها كانت من اتصالات فلكية ونحو ذلك عَلَيْهِمْ اى على عاد سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ من صبيحة الأربعاء الى غروب الشمس من الأربعاء الاخر قال وهب فى الأيام التي تسميها العرب الأيام العجوز ذات برد ورياح شديد سميت عجوزا لانها عجز الشتاء الى آخره وقيل سميت بذلك لان عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعها الريح فقتلها فى اليوم الثامن نزول العذاب وانقطع العذاب حُسُوماً حال من مفعول سخر بمعنى متتابعات جمع حاسم من حسام الكي وهو ان يتتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ كذا قال مجاهد وقتادة او نحسات كما فى قوله تعالى فى ايام نحسات اى حسمت كل خير واستأصله من أصله كذا قال عطية

стр. 4029

او قاطعات قطعن دابرهم كذا قال الزجاج والنضر بن شميل ويجوز ان يكون مصدرا منصوبا على العلية او على المصدرية من فعل مقدر اى يحسمهم حسوما فَتَرَى اى المخاطب الغير المعين حكاية عن الحال الماضية الْقَوْمَ اى عادا فِيها اى فى تلك الليالى والأيام او فى بينهما صَرْعى جمع صريع بمعنى مصروع مفعول ثان لترى ان كان من روية القلب والا فهو حال من المفعول كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ اصول نَخْلٍ خاوِيَةٍ متاكلة الأجواف جملة كانهم حال بعد حال مفرد ولذلك وايضا لكونها مصدرة بكان ترك الواو. فَهَلْ تَرى استفهام تقرير اى حمل المخاطب على الإقرار لَهُمْ اى لعاد مِنْ باقِيَةٍ وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قرأ ابو عمرو الكسائي بكسر القاف وفتح الباء بمعنى الجانب اى من معه من جنوده واتباعه والباقون بفتح القاف وسكون الباء اى من تقدمه من الأمم الكافرة وَالْمُؤْتَفِكاتُ اى قرى قوم لوط قلبت عليهم من افك بمعنى قلب والمراد بها أهلها او المعنى الأمم الذين ايتفكوا يعنى قوم لوط بِالْخاطِئَةِ بالخطاء والمعصية يعنى الشرك او بفعلة او افعال خاطئة ذات خطاء. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ يعنى عصى فرعون موسى ﵇ وكل أمته كافرة نبيها عطف تفسيرى على جاء فَأَخَذَهُمْ معطوف على ما سبق والفاء للسببية أَخْذَةً رابِيَةً زائدة فى الشدة على كل اخذة مفعول مطلق لبيان النوع. إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ اى جاوز حده حتى على كل شىء وارتفع فوقه فى زمن نوح ﵇ لما ظرف متعلق بما بعده حَمَلْناكُمْ اى حملنا ابائكم وأنتم فى أصلابكم فِي الْجارِيَةِ فى سفينة نوح ﵇ جارية فى الماء. لِنَجْعَلَها السفينة او الفعلة وهى إنجاء المؤمنين الذين فى السفينة مع طغيان الماء وتجاوزه عن حده لَكُمْ تَذْكِرَةً عبرة وعظة لدلالتها على قدرة الصانع وحكمته وكمال قهره ورحمته وَتَعِيَها اى تحفظها وتعقلها وتتفكر فيها قرأ الجمهور بكسر العين وفتح الياء وروى عن ابن كثير باختلاس العين قال صاحب التيسير لا يصح ذلك أُذُنٌ قرأ نافع اذن بالتخفيف والجمهور بالضمتين واعِيَةٌ الوعى صفة القلب والنفس وانما أسند الى الاذن مجازا للتسبب او المراد اصحاب اذن واع حذف المضاف وأجرى على المضاف اليه ما كان يجرى على المضاف والتنكير فى واعية للدلالة على قلتها وان من هذا شانه فهو مع قلته

стр. 4030

سبب الانجاء الجم الغفير وادامة نسلهم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان هذه القلوب اوعية فخيرها أوعاها روى الطبراني ثم لما بالغ فى تهويل القيامة وذكر مال المكذبين بها عاد الى شرحها فقال. فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال الصور قرن ينفخ فيه روى الترمذي وابو داود والدارمي نَفْخَةٌ واحِدَةٌ احسن اسناد الفعل الى المصدر لتقييده حسن تذكيره للفصل والمراد بها نفخة الصعق واختلفوا فى عدد النفخات فقيل ثلث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث لقوله تعالى ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض الا من شاء الله وكل أتوه داخرين ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات والأرض الا من شاء الله ن ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون واختار هذا القول ابن العربي وكذا ورد صريحا فى حديث طويل عن ابى هريرة بلفظة فينفخ فيه ثلث نفخات الاولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين روى ابن جرير فى تفسيره والطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وغيرهم وقيل بل نفختان فقط ونفخة الفزع نفخة الصعق لان الامرين متلازمان اى فزعوا فزعا ماتوا عنه وهذا القول صححه القرطبي واستدل بانه استثنى فى نفخة الفزع كما استثنى فى نفخة الصعق فدل على انهما واحد فى اكثر الأحاديث ذكر اثنتين فقط وما بينهما أربعون عاما والحديث الطويل فى اسناده من تكلم فيه واختلف الناس فى تصحيحه فصححه ابن العربي والقرطبي وضعفه البيهقي وعبد الحق ومدار هذا الحديث على اسمعيل بن رافع قاضى المدينة وقد تكلم فيه قال السيوطي فى بعض سياقه نكارة وقد قيل انه جمعه من طرق وأماكن متفرقة مساقة سياقا واحدا والله تعالى اعلم والمراد بالظرف اعنى قوله تعالى إذا نفخ الزمان الطويل الذي سماه الله تعالى فى كتابه بالحاقة والقارعة والقيامة والواقعة وغيرها من الأسماء الكثيرة وابتداء ذلك الزمان النفخة الاولى وانتهائه دخول اهل الجنة الجنة واهل النار النار اخرج ابن عساكر عن زياد ابن مخراق قال سال الحجاج عكرمة مولى ابن عباس عن يوم القيامة أمن الدنيا هو او من الاخرة قال صدر ذلك من الدنيا وآخره من الاخرة فعلى هذا جاز اضافة ذلك الزمان الى النفخ فى الصور النفخة الاولى والى كل ما وقع فى ذلك اليوم من الصعق والنشور والحساب والشقاق السموات وانتشار الكواكب ودخول الجنة والنار وغير ذلك فقوله تعالى إذا نفخ فى الصور نفخة واحدة بيان

стр. 4031

لابتداء ذلك الوقت وقوله تعالى فهو فى عيشة راضية الى آخره وقوله تعالى خذوه فغلوه الى آخره كلاهما بيان للانتهاء به. وَحُمِلَتِ اى رفعت الْأَرْضُ وَالْجِبالُ من أماكنها فَدُكَّتا اى الأرض والجبال دَكَّةً واحِدَةً الدك الدق والهدم كذا فى القاموس وقال الجوهري أصله الكسر كذا ذكر البغوي وقال الجوهري ايضا الدك الأرض اللينة السهلة قوله تعالى دكت الجبال دكّا اى جعلت بمنزلة الأرض اللينة والحاصل ان الأرض جعلنا مستوية دفعة واحدة لا ترى فيها عوجا ولا امتا واخرج البيهقي عن ابى بن كعب فى قوله تعالى وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة قال يصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين وذلك وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة وجزاء الشرط محذوف اى إذا نفخ فى الصور وحملت الأرض انقضت الدنيا وحقت الحاقة. فَيَوْمَئِذٍ ظرف لما بعده بدل من إذا نفخ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ اى الساعة المنتظرة التي وجب وقوعها بالكتاب والسنة او المعنى وقعت الأمور الواقعة الواجبة الوقوع من الحسنات والجزاء. وَانْشَقَّتِ السَّماءُ عطف على وقعت فَهِيَ اى السماء يَوْمَئِذٍ ظرف لما بعده واهِيَةٌ ضعيفة مسترخية ليست على الشدة والقوة التي كانت عليها قال الفراء وهيها تشققها وفى القاموس الوهي الشق فى الشيء يقال وهى إذا انشق واسترخى رباطها. وَالْمَلَكُ اى الجنس المتعارف بالملك عَلى أَرْجائِها اى جوانب السماء وأطرافها التي بقيت بعد الانشقاق وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ اضافة العرش الى الله تعالى لتعظيمه ولاختصاصه بتجلى مخصوصة فَوْقَهُمْ الضمير يعود الى الثمانية لتقدمها فى المرتبة او الى الملائكة الذين هم على ارجاء السماء يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ اى ثمانية أفلاك روى ابو داود والترمذي عن العباس بن عبد المطلب زعم انه كان جالسا فى البطحاء فى عصابة ورسول الله ﷺ جالس فيهم فمرت سحابة فنظروا إليها فقال رسول الله ﷺ ما تسمون هذه قالوا السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان قال هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض قالوا لا ندرى قال ان بعد ما بينهما اما واحدة او اثنان او ثلث وسبعون سنة والسماء التي فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء الى السماء ثم فوق ذلك ثمانية او عال بين

стр. 4032

اطلاقين ودركهن مثل ما بين سماء الى سماء ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما بين سماء الى سماء ثم الله فوق ذلك وروى البغوي هذا الحديث نحوه غير انه ذكر ما بين السماء والأرض وكذا ما بين كل سماء الى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكذا ما بين أعلى البحر وأسفله واطلاق الا وعال ودركهن واختلاف المسافة باختلاف اعتبار السائرين والله تعالى اعلم قال البغوي جاء فى الحديث انهم اليوم رابعة فاذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى باربعة أخروهم على صورة او عال ما بين إطلاقهم ودركهم كما بين سماء الى سماء وجاء فى الحديث ان الواحد منهم وجه رجل والاخر وجه اسدد والا خروجه ثور والا خروجه نسر وروى عن ابن عباس انه قال يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية اى ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم الا الله تعالى. يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ايها الناس كافة على الله تعالى للحساب وهذا بعد نفخة البعث والجملة مستانفة كانها فى جواب ما يفعل بنا ذلك اليوم لا تَخْفى قرأ الجمهور بالتاء نظرا الى تأنيث الفاعل وحمزة والكسائي بالياء للفصل مِنْكُمْ خافِيَةٌ اى فعله سريرة وجملة لا يخفى اما بدل اشتمال من تعرضون او حال من فاعله قال رسول الله ﷺ يعرض الناس يوم القيمة ثلث عرضات اما عرضان فجدال ومعاذير واما الثالثة فعند ذلك تظاهر الصحف فى الأيدي فاخذ بيمينه وأخذ بشماله رواه الترمذي عن ابى هريرة وابن ماجة عن ابى موسى الأشعري والبيهقي عن ابن مسعود قال الحكيم الترمذي الجدال للاعداء يجادلون لانهم لا يعرفون ربهم فيظنون انهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم والمعاذير لله تعالى يعتذر الى آدم وأنبيائه ويقيم حجة عندهم على الأعداء ثم يبعثهم الى النار واما العرضة الثالثة للمومنين وهو العرض الا ان يخلوبهم فيعاتب مزيد عتابه فى تلك الخلوة حتى يذوق الحياء والخجل ثم يغفر لهم ويرضى منهم. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وذلك هو المؤمن والجملة معطوفة على تعرضون تفصيل للعرض اى العرضة الثالثة فَيَقُولُ ذلك المؤمن تحجا بحج خبر لمن هاؤُمُ اسم لخذ يقال هاء يا رجل ويا رجلان ويا امرأة ويا امرأتان وهاؤم يا رجال وهاؤن يا نساء اقْرَؤُا كِتابِيَهْ تنازع الفعلان هاؤم واقرأوا فى مفعولية كتابيه فاعمل الثاني لقربه وحذف المفعول الاول ولو كان الأمر على العكس لقيل اقرؤوه والهاء فيه وفى حسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت فى الوقف ونسقط

стр. 4033

فى الوصل واستحب الوقف لثباتها فى الأيام الخالية ولذلك قرئ بإثباتها فى الوصل ايضا. إِنِّي ظَنَنْتُ اى علمت وأيقنت ولما كان اليقين بالحساب مستلزما للاتيان باعمال الصالحة كنى به عنه كانه قال انى عملت صالحا وانما لم يقل كذلك هضما لنفسه ولاجل ذلك عبر عن العلم بالظن استحقارا لنفسه عن دعوى العلم بحضرت ذى الجلال علام الغيوب قال البيضاوي لعله عبر عنه بالظن اشعارا بانه لا يقدح فى الاعتقاد الهجس فى النفس من الخطرات التي لا ينفك عنها العلوم النظرية أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ مفعول لظننت قائم مقام المفعولين اخرج ابن المبارك عن ابى عثمان النهدي قال ان المؤمن ليعطى كتابه فى ستر من الله تعالى فيقرأ سيئاته فيتغير لونه لم يقرأ حسناته فرجع عليه لونه ثم ينظر فاذا سيئاته قد بدلت حسنات فعند ذلك يقول هاؤم اقرأوا كتابيه. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ قال فى القاموس اى مرضية يقال رضيت لعيشة بالبناء للمفعول ولا يقال رضيت بالفتح على البناء الفاعل قال البيضاوي اى ذات رضاء على النسبة بالصيغة او جعل الفعل لها مجازا. فِي جَنَّةٍ متعلق بظرف مستقر قبله عالِيَةٍ رفيعة الرتبة عند الله تعالى من حيث القرب الذي كيف له او رفيعة المكان فانها فى السماء او رفيعة الدرجات والابنية والأشجار ولما كان رفعة الأشجار موهما لبعد الثمار وكونها غير سهل للاخذ عقبه الله تعالى بصفة اخرى بعد صفة فقال. قُطُوفُها اى ثمارها جمع قطف دانِيَةٌ قريبة بحيث يدون مناتنا ولها قائما وقاعدا او راقدا. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً اى أكلا هنيئا وشربا هنيئا والهنيء كل ما لا يلحق به مشقة ولا تعب وخامة او المعنى يهنئهم هنيئا وهذه الجملة بتقدير القول خبر بعد خبر بهو وجمع الضمير نظرا الى المعنى اى هو فى جنة وهم يقال لهم كلوا واشربوا او مستانفة فى جواب ما يقال لهم فيها بِما أَسْلَفْتُمْ متعلق بكلوا واشربوا على التنازع اى بما قدمتم من الأعمال الصالحة والسلف المتقدم من الشيء فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ الماضية من الأيام الدنيا فان الخالي فى الزمان والمكان ما لا يكون له مشاغل فهو من الزمان ما لم يبق اهله ويلزمه المضي والذهاب فيعبر عن الماضي بالخالي قال الله تعالى قد خلت من قبله الرسل. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ وهو الكافر يجعل شماله وراء ظهره فياخذ بها كتابه كذا اخرج البيهقي عن مجاهد قال ابن اسائب يلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه

стр. 4034

وقيل ينزع يده اليسرى من صدره الى خلف ظهره فَيَقُولُ لقبيح ما يرى فيه من الأعمال وسوء العاقبة يا لَيْتَنِي المنادى محذوف اى يا قوم ليتنى لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ جملة استفهامية فى محل المفعول للم أدر وجملة لم أوت مع ما عطف عليه خبر ليت. يا لَيْتَها الضمير عائد الى النفخة او الى غير مذكور اى يا قوم ليت الموتة التي فى الدنيا او الحالة التي كنت عليها من العدم بعد الوجود كانَتِ الْقاضِيَةَ القاطعة للحيوة مطلقا بحيث لم احيى بعدها قال قتادة يتمنى الموت ولم يكن عذره فى الدنيا شىء اكره من الموت ولما كانت جملة يا ليتنى متمنى عدم الحساب وإيتاء الكتاب وهو من حيث المعنى كناية عن تمنى عدم البعث وجملة يا ليتها كانت القاضية تمنى لعدم البعث صريحا فلاجل كون الجملتين متحدى المعنى معنى لم يعطف إحداهما على الاخرى وجعلت الثانية تاكيدا للأولى. ما أَغْنى عَنِّي ما نافية او استفهامية للانكار مفعول لاغنى مالِيَهْ اى مالى من المال والتبع. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ملكى وتسلطى عن الناس او حجة اللتي كنت أحج بها فى الدنيا قرأ حمزة عنى مالى وعنى سلطانى بحذف الهائين فى الوصل والباقون باثباتهما فى الحالين فيقول الله لخزنة جهنم. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ اى اجمعوا يديه الى عنقه. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ وكلمة ثم التفاوت ما بينهما فى الشدة وكذا فيما بعده وقدم المفعول للحصر اى لا تصلوه الا الجحيم وهى النار العظمى وكذا فى قوله تعالى. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ الفاء فى فاسلكوه زائدة لتحسين النظم وليست عاطفة حتى يلزم اجتماع العاطفتين ومعنى فاسلكوه اى أدخلوه فيها اخرج ابن ابى حاتم والبيهقي من طريق العوفى عن ابن عباس قال يسلك فى دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه واخرج ابن ابى حاتم عن طريق ابن جرير عنه قال السلسلة تدخل من استه ثم يخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد فى العود ثم يشوى قال نوف البكائى الشامي سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعا كل باع ابعد مما بينك وبين مكة وكان فى رحبة الكوفه أخرجه هناد وابن المبارك قال سفيان كل ذراع سبعون ذراعا قال الحسن الله اعلم اى ذراع هو قلت لعله أراد ذراع الملك من خزنة النار او ذراع الكافر فى النار وقد ورد فى الحديث فرأس الكافر فى النار مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلث رواه مسلم

стр. 4035

عن ابى هريرة مرفوعا واخرج احمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لو ان رصاصه هذه وأشار الى مثل الجمجمة أرسلت من السماء الى الأرض وهى مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أرسلت من راس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل ان يبلغ أصلها او قعرها واخرج ابن المبارك عن كعب قال ان حلقة من السلسلة مثل جميع حديد الدنيا واخرج ابو نعيم عن محمد بن المنكدر قال لو جمع حديد الدنيا كله ما خلى وما بقي ما عد لى حلقة من حلق جهنم. إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ استيناف لبيان سبب ذلك العذاب وذكر العظيم للاشعار بانه تعالى هو المستحق للعظمة فمن تعظم غيره استوجب العذاب عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى الكبرياء ردائى والعظمة إزاري فمن نازعنى واحدا منهما أدخلته النار رواه مسلم. وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ اى لا يحث على إطعامه فضلا ان يبذل من ماله ويجوز ان يكون ذكر الحض للاشعار بان تارك الحض بهذه المنزلة فكيف تارك الفعل وفيه دليل على ان الكفار يعذبون على فروع الأعمال ايضا ولعل تخصيص الامرين بالذكر لان أقبح القبائح الكفر بالله واشنع الشنائع البخل وقسوة القلب. فَلَيْسَ لَهُ الفاء للسببية الْيَوْمَ هاهُنا ظرفان للظرف المستقر- حَمِيمٌ قريب يحمه. وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ مستتنى مفرغ صفة للطعام ولا زائدة والقصر إضافي والغسلين غسالة اهل النار صديدهم فعلين من الغسل كذا اخرج ابن ابى حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال الغسلين صديد اهل النار وقال الضحاك والربيع شجر يأكله اهل النار وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن طريق مجاهد عن ابن عباس قال ما أدرى ما الغسلين ولكنى أظنه الزقوم. لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ مستثنى مفرغ فى محل الفاعل والجملة صفة لغسلين اى اصحاب الخطايا من خطى الرجل إذا تعمد الذنب لا من الخطاء ضد الصواب. فَلا أُقْسِمُ لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم او يقال لا زائدة ومعناه اقسم او المعنى فلا اى فليس كما يقول الكفار من ان محمدا ﷺ تقول القران على الله تعالى من نفسه وهو شاعر او كاهن ولا بعث ولا نشور اقسم بِما تُبْصِرُونَ بالبصر او البصيرة من المظاهر والمعالي لصفات الله تعالى سبحانه. وَما لا تُبْصِرُونَ

стр. 4036

ما لا يدركه الابصار والبصائر من مراتب الصفات والشئونات وذات الله سبحانه وقيل ما تبصرون الدنيا وما لا تبصرون الاخرة وقيل ما تبصرون وما لا تبصرون الأجسام والأرواح او الانس والجن والملائكة او النعم الظاهرة والباطنة وقيل ما تبصرون ما أظهره الله من العلم على خلقه من الملئكة والجن والانس وما لا تبصرون ما استأثر الله تعالى بعلمه فلم يطلع عليه أحد. إِنَّهُ يعنى القران لَقَوْلُ رَسُولٍ يبلغه من الله سبحانه لا يقول عن نفسه كَرِيمٍ على الله تعالى وهو محمد ﷺ او جبرئيل ﵇. وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ كما تزعمونه تارة قَلِيلًا ما منصوب على المصدرية او الظرفية وما زائدة لتاكيد القلة متعلق بما بعده- تُؤْمِنُونَ اى تومنون إيمانا قليلا او زمانا قليلا لما يظهر لكم صدقه وقلة ايمانهم المستدعى نفى الايمان كثيرا مبنى على العناد والتعنت فانهم لا يومنون ايمانا كاملا تعنتا وعناد الا غير وقيل أراد بالقليل نفى ايمانهم أصلا كقولك لمن لا يزورك فاما تأتينا أصلا والجملة معترضة لمذمة الكفار. وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ لا زائدة وما بعده معطوف على خبر ما هو قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ط ذكر الايمان مع نفى الشاعرية والتذكر مع عدم الكاهنية لان عدم مشابهة القران الشعر امر بين لا ينكرها الا معاند واما مباينته لكهانة فهو يظهر عند تذكر احوال الرسول ومعانى القران المنافية لاحوال الكهنة ومعانى أقوالهم قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يومنون ويذكرون بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. تَنْزِيلٌ مصدر بمعنى المفعول خبر مبتداء محذوف اى هو منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ على لسان جبرئيل جملة مستانفة فى جواب ما يقال فما هو. وَلَوْ تَقَوَّلَ اى لو افترى وتكلف وتصنع فى القول عَلَيْنا من غير وحي منا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ جمع أقولة من القول كالاضاحيك سمى بها الأقوال المفتراة. لَأَخَذْنا مِنْهُ اى من المفترى بِالْيَمِينِ متعلق باخذنا اى بيمينه لاذلاله او بيمينا وعلى التقدير الثاني من زائدة واليمين من المتشابهات وقد يأول بالقوة والقدرة لان قوة كل شىء فى يمينه قال ابن عباس لاخذناه بالقوة والقدرة ويحتمل ان يكون من فى قوله تعالى لاخذنا منه هو للسببية والضمير عائد الى التقول اى لاخذنا من أجل التقول بيمينه او يمينا. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ صلى وهو عرق فى القلب إذا انقطع مات صاحبه. فَما مِنْكُمْ

стр. 4037

من بيانية لاخذ ظرف مستقر حال منه مِنْ أَحَدٍ اسم ما ومن زائدة عَنْهُ اى عن القتل او المقتول المفترى متعلق لما بعده حاجِزِينَ جزما وحمله على أحد لعمومه معنى وجملة فما منكم معطوف على جزاء الشرط اى لاخذنا والشرطية معترضة بين المعطوف عليه وهو انه لقول رسول كريم والمعطوف اعنى. وَإِنَّهُ اى القران لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ لانهم هم المنتفعون- (فائدة) - ومقتضى هذه الاية قاله المجدد ان تلاوة القران سبب للترقى بعد فناء النفس وزوال العين والأثر فان التقوى لا يتصور الا بعد الفناء وكون القران تذكرة مختص بالمتقي يدل عليه لام التخصيص واما قبل الفناء فالتلاوة داخل فى عمل الأبرار دون المقربين المتقين عن رذائل النفس. وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ فنجازيهم على تكذيبهم وعدم تذكرهم به. وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ اى سبب للحسرة عَلَى الْكافِرِينَ حين يرون ثواب المؤمنين المتذكرين به. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ اليقين ازاحة الشك كذا فى القاموس وفى الصحاح اليقين من صفة العلم فوق المعرفة وحمله على القران من قبيل زيد عدل اى متيقن كمال اليقين كانه نفس اليقين يعنى ان القران لوضوحه وسطوع برهانه بحيث يتيقن به العاقل ولا يرتاب فيه والحق ضد الباطل قال صاحب البحر يعنى انه اليقين الحق لا اليقين الباطل الذي هو الجهل المركب فهو اضافة صفة الى موصوفه بالتجريد على طريقة جرد قطيفة فان قيل المراد باليقين هاهنا ما يجب ان يكون متيقنا للعاقل لوضوح امره وسطوع برهانه فاليقين بهذا المعنى هو الحق لا ما يعم اليقين الباطل الذي هو الجهل المركب فلا فائدة فى اضافة الحق اليه قلنا نعم لكن أضيف الحق اليه للتاكيد وزيادة التوضيح وقال البغوي الى نفسه لاختلاف اللفظين. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ع اى فسبح الله بذكر اسمه العظيم تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه وعن كل ما لا يليق به وشكرا له على ما اوحى إليك قيل معناه فصل بذكر ربك وامره وقيل الباء زائدة ولفظ الاسم مقحم ومعناه فسبح ربك العظيم عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت على رسول الله ﷺ فسبح باسم ربك العظيم قال اجعلوها فى ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال رسول الله ﷺ اجعلوها فى سجودكم رواه ابو داود وابن ماجه والدارمي وعن حذيفة انه صلى مع النبي ﷺ كان يقول فى ركوعه

стр. 4038

سبحان ربى العظيم وفى سجوده سبحان ربى الأعلى وما اتى اية رحمة الا وقف وسأل وما اتى على اية العذاب الا وقف وتعوذ رواه الترمذي وابو داود والدارمي قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجة الى نوله الأعلى وعن عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ إذا ركع أحدكم فقال فى ركوعه سبحان ربى العظيم ثلث مرات فقدتم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال فى سجوده سبحان ربى الأعلى ثلث مرات فقدتم سجوده وذلك أدناه رواه الترمذي وابو داود وابن ماجه وقال الترمذي ليس اسناده بمتصل لان عونا لم يلق ابن مسعود وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم متفق عليه وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة فى الجنة رواه الترمذي- (مسئله) تسبيحات الركوع والسجود سنة عند الجمهور وادنى الكمال ثلث تسبيحات وقال احمد واجب وكذا الخلاف فى تكبيرات انتقالات والتسميع والتحميد فى القومة دون رب اغفر لى فى الجلسة فلم يقل أحد بوجوبه احتج احمد بقوله ﵊ اجعلوها فى ركوعكم قال الأمر للوجوب وفى حديث ابن مسعود علق تمام الركوع به والجمهور يحملون الأمر على الندب- والله تعالى اعلم بالصواب تمت سورة الحاقة.

стр. 4039

سورة المعارج مكيّة وهى اربع وأربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ قرأ نافع وابن عامر سال بالألف ساكنة بدلا من الهمزة والباقون بهمزة وحمزة يجعلها فى الوقف بين بين سائِلٌ اخرج النسائي وابن ابى حاتم عن ابن عباس انه قال هو النضر ابن حارث قال اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن السدى قال وكان عذابه يوم بدر فالمراد بالسؤال على هذا الدعاء ويدل على ذلك تعديته بالباء ويحتمل ان يكون سال على قراءة نافع من السيلان والمعنى سال واد بعذاب ومعنى الفعل لتحقق وقوعه اما فى الدنيا وهو قتل بدر او فى الاخرة وهو عذاب النار قال البغوي سائل واد من اودية جهنم يروى ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم واخرج ابن المنذر عن الحسن قال نزلت سال سائل بعذاب واقع فقال الناس على من يقع العذاب فانزل الله على الكافرين ليس له دافع فح يكون السؤال للاستفهام فالباء ح فى قوله تعالى بِعَذابٍ بمعنى عن او يكون تعديته بالباء لتضمن سال معنى أهم واقِعٍ صفة لعذاب. لِلْكافِرينَ صفة اخرى لعذاب او صلة الواقع وان كان السؤال عمن يقع به العذاب كان جوابا ليس له دافع صفة اخرى للعذاب او هو فى حيز الجواب اى واقع للكافرين لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ من جهة الله لتعلق إرادته ذِي الْمَعارِجِ صفة لله تعالى اى ذى المصاعد قال سعيد بن جبير ذى الدرجات قلت وهى درجات القرب التي لا كيف لها التي تبلغ إليها الأنبياء والملئكة والأولياء ودرجات القبول يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح او المصاعد فى دار الثواب ودرجات الجنة عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ فى الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة منها تفجرا نهار الجنة الاربعة ومن فوقها يكون العرش فاذا سالتموا الله تعالى

стр. 4040

فاسئلوه الفردوس رواه الترمذي وعن ابى هريرة نحوه وفيه ما بين الدرجتين مائة عام وعن ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال ان اهل الجنة يتراوون اهل العرف من بينهم كما تراوون الكواكب الدري الغابر فى الأفق من المشرق او المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله ﷺ تلك ينال الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسى بيده رجال أمنوا بالله وصدقوا المرسلين متفق عليه وقال ابن مسعود ذى السموات سماها معارج لان الملائكة يعرج فيها وقال قتادة ذى الفواضل. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ قرأ الكسائي يعرج بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث والجملة صفة للمعارج على طريقة ولقد امر على اللئيم يسبنى والرابط محذوف اى تعرج فيها الملائكة والروح اليه والروح جبرئيل ﵇ وأفرده لفضله او أعظم خلق من الملائكة قلت ويحتمل ان يكون المراد بالروح روح البشر الذي هو من عالم الأمر فان أرواح البشر من الأولياء والأنبياء تعرج من خفض البعد والغفلة الى معارج القرب والحضرة إِلَيْهِ اى الى الله سبحانه او الى عرشه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ج الظرف متعلق بمحذوف دل عليه واقع اى يقع العذاب بهم فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة يعنى يوم القيامة كذا اخرج البيهقي عن عكرمة عن ابن عباس وقال يمان يوم القيامة فيه خمسين موطنا كل موطن الف سنة روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من صاحب كنز لا يؤدى زكوة الكنز الا احمى عليه فى نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة ثم يرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار وما من صاحب ابل لا يودى زكوتها الا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقركا وفرما كانت تستن عليه لا يفقد منها- فصيلا واحدا يطأ بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أوليها رد عليه أخريها فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار وما من صاحب غنم لا يودى زكوتها الأبطح له بقاع فرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلجاء ولا غضباء تنطحه بقرونها وتطأه باظلافها كما مر عليه أوليها رد عليه أخريها فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار واخرج احمد وابو يعلى وابن حبان والبيهقي بسند حسن عن ابى سعيد

стр. 4041

قال سئل رسول الله ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين الف سنة ما أطول هذا اليوم فقال والذي نفسى بيده انه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا قلت فعلى هذا التأويل لا تصادم بين هذه الاية وبين قوله تعالى فى تنزيل السجدة يدبّر الأمر من السماء الى الأرض ثم يعرج اليه فى يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون إذ معناه يحكم الله تعالى بالأمر وينزل به جبرئيل من السماء الى الأرض ثم يعرج اليه جبرئيل فى يوم من ايام الدنيا وكان قدر سيره الف سنة خمسمائة سنة نزوله وخمسمائة عروجه لان ما بين السماء والأرض خمسمائة عام يعنى لو سار تلك المسافة واحد من بنى آدم لم يقطعه الا فى الف سنة لكن الملائكة يقطعون فى يوم واحد بل فى ادنى زمان اخرج البيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى تعرج اليه فى يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون قال هذا فى الدنيا تعرج الملائكة فى يوم كان مقداره الف سنة وفى قوله تعالى فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة قال هذا يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين الف سنة وقيل المراد من الآيتين يوم القيامة يكون على بعضهم أطول وعلى بعضهم اقصر حتى يكون على المؤمنين أهون من الصلاة المكتوبة كما مر واخرج الحاكم والبيهقي عن ابى هريرة مرفوعا وموقوفا يكون على المؤمنين كمقدار ما بين الظهر والعصر وحينئذ معنى قوله تعالى يدبّر الأمر من السماء الى الأرض مدة ايام الدنيا ثم يعرج اى يرجع الأمر والتدبير اليه بعد فناء الدنيا وانقطاع امر الأمراء وحكم الحكام فى يوم كان مقداره الف سنة وقيل الظرف فى هذه الاية اعنى قوله تعالى فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة متعلق بيعرج كما هو متعلق فى سورة التنزيل ووجه الجمع بين الآيتين ان المراد فى اية سورة التنزيل انه يدبر الأمر من السماء الى الأرض ثم يعرج اليه من الأرض الى السماء فى يوم وقدر مسيره الف سنة لان ما بين السماء والأرض خمسمائة عام فصار نزوله وعروجه الف سنة والمراد فى هذه السورة مدة المسافة من منتهى الأرض السابعة الى منتهى أعلى السموات فوق السماء السابعة قال البغوي روى ليث عن مجاهد ان مقدار هذا خمسين الف سنة وقال محمد بن اسحق لو سار ابن آدم من الدنيا الى موضع العرش سيرا طبيعنا له سار خمسين الف سنة ومن هاهنا قالت الصوافية العلية ان فناء القلب الذي يحصل للصوفى بالجذب من الله تعالى بتوسط النبي ﷺ والمشائخ لو أراد

стр. 4042

واحد ان يحصله بالعبادات والرياضات من غير جذب من الشيخ فانما يحصل له فى زمان كان مقداره خمسين الف سنة وإذا لم يتصور بقاء أحد بل بقاء الدنيا الى هذه المدة ظهران الوصول الى الله تعالى من غير جذب منه تعالى بتوسط أحد من المشائخ كما هو المعتاد وبلا توسط روح رجل كما يكون لبعض الآيسين من الافراد محال والله المستعان. فَاصْبِرْ يا محمد على تكذيبهم صَبْراً جَمِيلًا لا يشعر به استعجال واضطراب وجزع والفاء للسببية متعلق بسال فان السؤال عن تعنت واستهزاء وذلك مما نضجر به فالمعنى فاصبر ولا نضجر عن سوالهم ولا تستعجل فى عقوبتهم او متعلق بسال على قراءة نافع او بمحذوف متعلق به فى يوم على معنى فاصبر فقد سال بهم العذاب وقرب وقوعه يقع. إِنَّهُمْ اى الكفار يَرَوْنَهُ اى العذاب بَعِيداً من الإمكان او مستبعدا فى العقل محتملا احتمالا ضعيفا. وَنَراهُ قَرِيباً فى الوقوع فان كل ما هو ات قريب والقرب فى الوقوع يستلزم على تقدير كونه متعلقا بمحذوف وان كان هو متعلقا بيعرج فهذا متعلق بمضمر دل عليه واقع. يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ المذاب من النحاس وغيره من الفلزات او دردى الزيت اخرج البيهقي عن ابن مسعود قال السماء يكون الوانا تكون كالمهل وتكون وردا كالدهان وتكون واهية تشقق فيكون حالا بعد حال. وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ اى كالصوف المصبوغ الوانا لان الجبال مختلفة الألوان فاذا بسطت وطيرت فى الهواء اشتبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً لا يسئل قريب لشدة ما يقع على نفسه معطوف على تكون أضيف اليه يوم بواسطة حرف العطف قرأ البراء عن ابن كثير لا يسال بضم الياء على بناء المفعول اى لا يطلب حميم من حميم او لا يسال منه حاله وهذا الاختلاف ليس فى المشهور ولم يذكره فى التيسير. يُبَصَّرُونَهُمْ ط اى يرونهم صفة لحميم او استيناف يدل على ان المانع من السؤال ليس الخفاء بل اما تشاغل كل عن السؤال عن غيره لشدة على نفسه او الغيبة عن السؤال بمشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده ونحو ذلك وجمع الضميرين لعموم الحميم لوقوعه نكرة فى حيز النفي قال البغوي ليس فى القيامة مخلوق الا وهو نصب عين صاحبه من الجن والانس فيكون للرجل أباه وأخاه وقرابته ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه وقيل معنى يبصرونهم يعترفونهم اما المؤمن فبياض الوجه

стр. 4043

واما الكافر فبسواد الوجه يَوَدُّ يتمنى الْمُجْرِمُ المشرك الجملة حال من فاعل يبصرونهم او من مفعوله والعائد وضع المظهر موضع الضمير او مستأنفة فى جواب ما يصنع المجرم يعنى ان المجرم يشتغل بنفسه عن غيره بحيث يتمنى ان يفتدى بأقرب الناس وأحبهم اليه فى الدنيا فضلا ان يهتم بحاله ويساله وعلى هذا قوله تعالى لا يسئل حميم حميما مختص بالكفار واما المؤمنون فيسالون احمامهم ويشفعون لهم وقد تواتر فى ذلك الأحاديث بالمعنى قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده ما منكم من أحد باشد منا شدة فى الحق قد تبين لكم من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لاخوانهم الذين فى النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا الحديث متفق عليه وفى حديث طويل عن ابى سعيد الخدري لَوْ يَفْتَدِي اى المجرم او المتمنى والجملة بيان للوداد مِنْ عَذابِ متعلق بيفتدى مضاف الى يَوْمِئِذٍ قرأه الجمهور مجرورا بالاضافة وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم لاكتسابه البناء من المضاف اليه بِبَنِيهِ مع ما عطف عليه متعلق بيفتدى. وَصاحِبَتِهِ زوجته وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ اى عشيرته الذين فصل عنهم الَّتِي تُؤْوِيهِ عند الشدائد. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من الثقلين والخلائق ثُمَّ يُنْجِيهِ ذلك الافتداء معطوف على يفتدى عطف بثم للاستبعاد. كَلَّا لا ينجيه من عذاب الله شىء ردع المجرم عن الوداد إِنَّها الضمير لغير مذكور وهى النار يدل عليه العذاب او ضمير مبهم يفسره لَظى وهو خبر او بدل او الضمير للقصة ولظى مبتداء وخبره ما بعده على تقدير كونه مرفوعا واللظى اللهب الخالص قال البغوي هو اسم من اسماء الجهنم وقيل هى الدركة الثانية سميت بذلك لانها تتلظى اى تتلهب امال الحمزة والكسائي لظى وللشوى وتولىّ وفاوعى وورش وابو عمر بين بين والباقون بالفتح. نَزَّاعَةً لِلشَّوى اى الأطراف اليدان والرجلان او جمع شواة وهى لجلدة الراس كذا قال مجاهد وروى ابراهيم بن مهاجر عنه اللحم دون العظام قال سعيد بن جبير عن ابن عباس العصب والعقب وقال الكلبي يأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان قرأ حفص عن عاصم نزاعة بالنصب على الاختصاص او الحال الموكدة مرادف او المنتقلة على ان لظى بمعنى ملتظية والباقون بالرفع. تَدْعُوا اى النار خبر بعد خبر لان او للظى مَنْ أَدْبَرَ عن الحق وَتَوَلَّى عن الطاعة فيقول النار الىّ يا مشرك الىّ يا منافق الىّ الىّ- قال ابن عباس يدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ثم يلتقطهم

стр. 4044

كما يلتقط الطير الحب. وَجَمَعَ المال فَأَوْعى اى جعله فى وعاء وامسكه ولم يود حق الله تعالى عنه. إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً حال مقدرة ان أريد اتصافه بالهلع بالفعل ومحققة ان أريد اشتماله على مبدأ تلك الصفة فانها من امور الجبلية التي هى من رذائل النفس المقتضى للاتصاف به بالقوة وجملة ان الإنسان فى محل التعليل لقوله أدبر إلخ والهلوع الحريص على ما لا يحل له رواه السدى عن ابى صالح عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير الشحيح وقال عكرمة الضجور وقال قتادة الجزوع وقال مقاتل ضيق القلب والهلع شدة الحرص وقلة الصبر وقال عطية عن ابن عباس تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً لا يصبر. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ المال مَنُوعاً لا ينفق فى سبيل الله ولا يشكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله ﷺ يهرم ابن آدم ويشب منه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر متفق عليه. إِلَّا الْمُصَلِّينَ اى المؤمنين الكاملين عبر بالمصلى عن المؤمن اى المؤمن الكامل كما عبر بالايمان عن الصلاة فى قوله تعالى ان الله لا يضيع ايمانكم فان الصلاة أعلى مقامات المؤمن وهى معراج المؤمن وعماد الدين قال المجدد حقيقة الصلاة فوق سائر المقامات التي يمكن حصولها للبشر والاستثناء متصل ان كان اللام فى الإنسان للجنس او للاستغراق فهو مفرد فى معنى الجمع او المعنى ان المجرم أدبر وتولى إلخ لان جنس الإنسان او كل فرد منه خلق مقدرا منه الهلع الا المؤمنين الكاملين الموصوفين بالصفات المذكورة الدالة على الاستغراق فى طاعة الله تعالى والإشفاق على الخلق والايمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وعدم إيثار العاجل على الاجل فانهم لم يخلقوا هلوعا بل خلقوا مقدرا منهم الصبر على الضراء والشكر على السراء الموجبين للاكرام فى الجنات روى مسلم عن حبيب قال قال رسول الله ﷺ عجبا لامر المؤمن ان امره كله له خير وليس ذلك لاحد الا المؤمن ان أصابته السراء شكر فكان خير اله وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا فعلى هذا التأويل وزان هذه الاية وزان قوله تعالى ان الإنسان لفى خسر الا الذين أمنوا إلخ ويجوز ان يكون الاستثناء منقطعا ان كان اللام فى الإنسان للعهد والمعنى ح المجرم الذي أدبر وتولى إلخ خلق هلوعا لكن المؤمن الموصوف بتلك الصفات

стр. 4045

لم يخلق كذلك بل خلق مستعدا للاكرام فى الجنات وعلى كلا التأويلين تدل هذه الاية على ان استعدادات الإنسان مختلفة فى اصل الخلقة كما قال به المجدد ان مبادى تعينات المؤمن جزئيات للاسم الهادي ومبادى تعينات الكفار جزئيات لاسم المضل وقال رسول الله ﷺ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ان الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم رواه مسلم وفى الباب أحاديث كثيرة جدا. الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ اى مقبلون فى الصلاة بقلوبهم الى الله تعالى وبأبصارهم الى موضع السجود دائما ما داموا فى الصلاة فهذا بمعنى ما أورد فى سورة المؤمنين الذين هم فى صلوتهم خاشعون فلا يلزم التكرار بقوله تعالى والذين هم على صلوتهم يحافظون إذ المراد بالدوام دوام الحضور بالمحافظة التحرز عن فواتها وفوات شرائطها وأركانها وآدابها روى البغوي بسنده عن ابى الخير انه قال سالنا عقبة بن عامر عن قول الله الذين هم على صلوتهم دائمون الذين يصلون ابدا قال لا ولكنه إذا صلى لا يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه وروى احمد وابو داود والنسائي والدارمي عن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ لا يزال الله مقبلا على العبد وهو فى صلوته ما لم يلتفت فاذا التفت انصرف عنه وروى البيهقي فى السنن الكبير عن انس ان النبي ﷺ قال يا انس اجعل بصرك حيث تسجد وروى الترمذي عنه قال قال رسول الله ﷺ الالتفات فى الصلاة هلكة (فائدة) فى جعل البصر حيث يسجد تأثير عظيم لدفع الخطرات وحضور القلب. وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ كالزكوة والصدقات الموظفة. لِلسَّائِلِ الذي يسال وَالْمَحْرُومِ الذي لا يسال فيحرم عن العطاء غالبا قوله للسائل إلخ صفة لحق بعد صفة. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ فان التصديق بيوم الدين لو كان على حقيقة لا يكون الإنسان جزوعا فى الشر بل صابرا تحسبا ولا منوعا فى الخير فتقف طالبا للثواب. وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ج خائفون على أنفسهم فان مقتضى التصديق والايمان الخوف والرجاء. إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ص لا يقدر على منعه أحد. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ

стр. 4046

قدم المفعول لرعاية الفواصل وزيدت اللام لتقوية عمل المشتق والفرج اسم سوئة الرجل والمرأة وحفظ الفرج عدم استعماله فيما يشتهيه. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ استثناء مفرغ وانما صح فى الإثبات لتضمن الحفظ معنى النفي وعلى صلة للحافظين من قولك احفظ على عنان فرسى اى يحفظون فروجهم على النساء الا على أزواجهم فهى حينئذ بمعنى من او حال اى حفظوها فى كافة الأحوال الا فى حال التزوج او التسرى ويحتمل ان يكون الاستثناء من فعل منفى مقدر دل عليه الحفظ اى يحفظون فروجهم لا يبذلونها على امرأة الا على أزواجهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ اى سرياتهم وانما قال ما بإجراء المماليك مجرى غير العقلاء فان الشرع ألحقهم بها عقابا على كفرهم فاجاز بيعهم واستخدامهم والمراد بها ملكت ايمانهم السرايا دون العبيد فانه لا يجوز للرجال إتيان العبد فى دبره لما بيّنا حرمته فى سورة البقرة بالسنة والقياس فى تفسير قوله تعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فان قيل كيف يقدم السنة والقياس على نص الكتاب الوارد هاهنا لعموم قوله تعالى ما ملكت ايمانهم العبيد والإماء قلنا ليس على هذا اجماعا فانه لا يجوز وطى امرأة فى حالة الحيض والظهار ولا وطى امة محرمة عليه بالرضاع فيجوز تخصيص هذا النص بخبر الآحاد والقياس ولا يجوز للمرأة الاستمتاع بفرج عبده فان كلمة على فى قوله تعالى على أزواجهم وكلمة ما التي هى لغير العقلاء تدلان على جواز استعمال المماليك استعمال المفترش لا على عكس ذلك فى وطى الامة دون تمكين العبد فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ج تعليل لمضمون الاستثناء فان عدم حفظ الفرج عن الزوجة والسرية وإتيانهن على وجه مشروع لا يلام عليه فانه مباح ضرورة ابقاء النسل وسياق الكلام يدل على ان الأصل فى الجماع الحرمة كما ذكرنا فى سورة البقرة وانما صح بشرائط من النكاح او ملك اليمين وعدم الجزئية والطهارة من الحيض والنفاس والإتيان فى محل الولد دون الدبر. فَمَنِ الفاء للسببية ابْتَغى اى طلب الإتيان وَراءَ ذلِكَ اى وراء الزوجات والسرايا فَأُولئِكَ المبتغين وراء ذلك هُمُ العادُونَ ج الكاملون فى العدوان حيث اتى بفعل حرام مع الكفاية بما أحل الله تعالى قال رسول الله ﷺ أيما رجل راى امرأة تعجبه فليقم الى اهله فان معها مثل الذي معها رواه الدارمي عن ابن مسعود (مسئلة:) وهذه الاية تدل على انه لا يجوز متعة النكاح فان المرأة لا تدخل بالمتعة فى الزوجات حتى ان القائلين بإباحتها لا يقولون بجريان التوارث بالمتعة وقال

стр. 4047

البغوي وفيه دليل على ان الاستمناء باليد حرام وهو قول العلماء قال ابن جريح سالت عطاء عنه فقال مكروه سمعت ان قوما يحشرون وأيديهم حبالى فاظن انهم هؤلاء وعن سعيد بن جبير قال عذب الله امّة كانوا يعبثون بمذاكيرهم قلت وفى الباب حديث انس رض قال قال رسول الله ﷺ ملعون من نكح يده رواه الأزدي فى الضعفاء وابن الجوزي من طريق الحسن بن عرفة فى جزئية المشهور بلفظ سبعة لا ينظر الله إليهم فذكر الناكح يده واسناده ضعيف. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ قرأ ابن كثير لاماناتهم هاهنا وفى المؤمنين بغير الف على التوحيد والباقون على الجمع وَعَهْدِهِمْ راعُونَ حافظون اى يحفظون الأمانات ويودونها الى أهلها فمنها ما هى بينه وبين الله تعالى كالصلوة والصوم والغسل من الجنابة وغير ذلك والفرائض الواجبة حقا لله تعالى ومن هذا الباب اضافة الكمالات من الوجود وتوابعها والنعماء الظاهرة والباطنة كله الى الله تعالى فيجب العلم والإقرار بانها كلها من عواردى الله المستودعة حتى يجد نفسه فقرا خاليا عنها حين وجودها كلابس ثوب العارية عارى فى الحقيقة فيعلم ان الكبرياء والعظمة رداء الله تعالى وإزاره لا يجوز لاحد التنازع فيه ويشكر عند وجود النعم ويصير عند سلبها ولا يجزع ومنها ما هى بين العباد كالودائع والبضائع والعواري فعلى العبد الوفاء لجميعها ويحفظون العهود التي عاهدوا الله تعالى يوم الميثاق وغير ذلك كما ان الله تعالى أخذ العهد من اهل الكتاب ان بينو نعت النبي ﷺ ولا يكتمونه والعهود التي عاهدوا فيما بينهم فى المعاملات والمعاشرات فابقاء كلها واجب روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة رض قال قال رسول الله ﷺ اية المنافق ثلث زاد مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم ثم اتفقا إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا ائتمن خان وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عهد غدر وإذا خاصم فجر وروى ابو داود عن عبد الله بن ابى الحسماء قال بايعت النبي ﷺ قبل ان يبعث وبقيت له بقية فوعدته ان اتيه بها فى مكانه فنسيت فذكرت بعد ثلث فاذا هو فى مكانه فقال لقد شققت على انا هاهنا منذ ثلث انتظرك. وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قرأ حفص عن عاصم ويعقوب بشهادات على الجمع والباقون بالإفراد قائِمُونَ اى يقومون فيها بالحق فلا يكتمونها ولا يغيرونها ولا يخافون لومة لائم سواء كانت الشهادة قط خالصا لله تعالى

стр. 4048

كالشهادة على التوحيد والرسالة وشهادة اهل الكتاب على ما فى التوراة من نعت النبي ﷺ والشهادة بهلال رمضان وبالحدود ونحو ذلك او كانت الشهادة حقا للعباد بالمداينات ونحوها على أنفسهم او الوالدين والأقربين. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ط اى يراعون أوقاتها وأركانها وسننها وآدابها ويحترزون عن فواتها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها اولا وآخرا بوجهين مختلفتين للدلالة على فضلها على غيرها من اركان الإسلام. أُولئِكَ اى أهلي هذه الصفات فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ع خبر لاولئك وفى جنات ظرف متعلق به قدم عليه لرعاية الفواصل. فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا الفاء للسببية وما استفهامية للتوبيخ مبتداء خبره ما بعده قال البغوي نزلت فى جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ يستمعون كلامه ويستهزؤن به ويكذبونه فقال الله تعالى توبيخا ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك ولا ينتفعون بما يستمعون منك قِبَلَكَ ظرف متعلق بما بعده مُهْطِعِينَ حال من الذين كفروا وعامله معنى الفعل اى ما يصنع الكافرون مهطعين قبلك اى مسرعين مقبلين إليك مادى أعناقهم ومدى النظر إليك متطلعين إليك كذا قال البغوي وفى القاموس هطع كمنع هطوعا وهطعا اسرع مقبلا خائفا واقبل يبصره على الشيء لا يقلع عنه واهطع مدعنقه وصوب راسه. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ متعلق بمهطعين عِزِينَ جماعات فى تفرقة واحدتها عزة كذا فى الصحاح وفى القاموس عزة كعدة العصبة من الناس. أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بلا ايمان وعمل صالح استفهام انكار ردا لقولهم مع زعمهم كون البعث مستحيلا لو كان كما يقول محمد لنكون فيها أفضل حظا منهم كما فى الدنيا. كَلَّا ط ردع من ذلك الطمع الباطل إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ استدلال بالنشأة الاولى على إمكان النشأة الثانية وبطلان دعوى استحالة البعث وتعليل لبطلان طمعهم فى دخول الجنة بلا ايمان والمعنى انا خلقناهم من نطفة مستقذرة ثم من علقة كذلك ثم من مضغة لا يقتضى شىء منها للاكرام ولا يناسب عالم القدس فمن لم يستكمل نفسه بالايمان والطاعة ولم يتخلق بالأخلاق المرضية لله سبحانه لم يستعد دخولها روى البغوي بسنده عن بسر بن حجاش قال قال رسول الله ﷺ ويصق يوما فى كفه ووضع عليها إصبعه فقال يقول الله ابن آدم انى تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك

стр. 4049

وعدلتك ومشيت بين يردين والأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقى قلت الصدق فانى او ان الصدق او المعنى انا خلقناهم من أجل ما تعملون حيث قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون اى ليعرفون فمن لم يستكمل نفسه بالعلم والعمل كيف يطمع منازل الكاملين. فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ يعنى مشارق الكواكب ومغاربها ومشرق الشمس والقمر كل يوم من ايام السنة ومغربها إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ اى نهلكهم وناتى بخلق أمثل منهم او نعطى محمدا ﷺ بدلكم من هو خير منكم وهم المؤمنون الأنصار لله ولرسوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ بمغلوبين ان أردنا ان نهلكهم معطوف على انا لقادرون وفى ذكره بوب المشارق والمغارب الاستدلال بقدرته تعالى على خلق السموات وما فيها من الشمس والقمر والكواكب واختلاف مشارق كل منها كل يوم ومغاربها على قدرته تعالى وعدم عجزه من تبديلهم عمن هم خير منهم. فَذَرْهُمْ الفاء للسببية يعنى إذا علمت قدرتنا على إهلاكهم فلا تهتم بهم فانما أردنا استدراجهم وتعذيبهم أشد العذاب يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا فى دنياهم الفعلان مجزومان على جواب الأمر حَتَّى يُلاقُوا متعلق بقوله ذرهم يعنى ذرهم كى يلاقوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ العذاب فيه. يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ اى القبور بدل من يومهم سِراعاً جمع سريع ككراما جمع كريم حال بما أسند اليه يخرجون كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ متعلق بما بعده اى يُوفِضُونَ اى يسرعون حال بعد حال قرأ ابن عامر وحفص بضم النون والباقون بفتح النون واسكان الصاد قال مقاتل والكسائي يعنى الى أوثانهم الذي كانوا يعبدونها من دون الله يعنى انهم كما كانوا يسرعون الى أوثانهم أيهم يستلمها اولا كذلك يسرعون من الأجداث الى المحشر ليرو جزاء أعمالهم وقال الكلبي الى علم وإرادته يعنى كما ان اهل العسكر يسرعون الى اعلامهم. خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ حال ايضا تَرْهَقُهُمْ تغشاهم ذِلَّةٌ ط القليل للخشوع او بيان له ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ فى الدنيا وينكرونها تأكيد لما سبق او استيناف- والله اعلم.

стр. 4050

سورة نوح مكّيّة وهى ثمان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ جئ بان فى ابتداء الكلام لاظهار الاهتمام وتقييد إرساله الى قومه يدل على انه ﵇ لم يكن مبعوثا الى الناس كافة كما يدل عليه حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فاينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة متفق عليه وحديث ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال فضلت على الأنبياء بست فذكر نحوه غير انه لم يذكر وأعطيت الشفاعة وذكر فيه وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبوة رواه مسلم أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ان مفسره لتضمن الإرسال معنى القول ويحتمل ان يكون مصدرية بمعنى بان قلنا له انذر لا بمعنى بان انذر قومك فانه يختبط ح الكلام بضمير الغيبة والخطاب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فى الاخرة والطوفان ان لم يؤمنوا. قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنذركم وأبين لكم. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ فلا تشركوا به شيئا وَأَطِيعُونِ فيما أمركم به من التوحيد والطاعة لله. يَغْفِرْ لَكُمْ مجزوم على جواب الأمر فان الايمان والطاعة سبب للمغفرة عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلا بايعك فبسط يمينه فقبضت يديه فقال مالك يا عمرو قلت أردت ان اشترط قال تشترط ماذا قلت ان يغفر لى قال اما علمت يا عمرو ان الإسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم وعن معاذ قال كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار ليس بينى وبينه الا مؤخرة الرحل فقال يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله قلت الله ورسوله اعلم قال فان حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا

стр. 4051

وحق العباد على الله ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا فقلت يا رسول الله أفلا ابشر به الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا متفق عليه وعن انس هذه القصة نحوه وفيه فاخبر بها معاذ عند موته تأثما متفق عليه مِنْ ذُنُوبِكُمْ من زائدة او للتبعيض اى بعض ذنوبكم يعنى ما هو حق الله تعالى وَيُؤَخِّرْكُمْ اى يعافيكم فلا يعاقبكم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ط هو أقصى ما قدر لكم بشرط الايمان والطاعة مسئله اعلم ان القضاء على نوعين قضاء مبرم ومعلق فالمعلق ما كتب فى اللوح المحفوظ ان فلانا ان أطاع الله تعالى عوفى الى مدة كذا مثلا وان عصى الله يرسل عليه الطوفان مثلا او غير ذلك وهذا النوع من القضاء يجوز تبديله بفقدان الشرط وهو معنى قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وعن سلمان الفارسي قال قال رسول الله ﷺ لا يرد القضاء الا الدعاء ولا يزيد فى العمر الا البر رواه الترمذي والمبرم وهو المراد بقوله تعالى لا تبديل لكلمات الله إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ اى الاجل الذي قدره الله تعالى إِذا جاءَ على الوجه المقدر به لا يُؤَخَّرُ فاما المبرم فلا يوخر قط اما المعلق فلا يوخران جاء على ما علق به فبادروا بالطاعات فى اوقات الامهال والتأخير قبل الاجل المبرم ولا ترتكبوا المعاصي الموجبة للتعذيب المفضية الى الاجل المعلق فان قيل مذهب اهل السنة ان الاجل واحد لا يزيد ولا ينقص حتى قالوا المقتول ميت بأجله وما ورد فى الحديث لا يزيد فى العمر الا البر تأويله عندهم ان البر يزيد بركات العمر بكثرة الثواب وما ذكرت يشبه مذهب المعتزلة قلنا ليس كذلك بل المعتزلة ينكرون القدر ويجعلون القاتلون خالقا لموت المقتول ما ذكرت هو مذهب اهل السنة فان معنى قولهم الاجل واحد لا يزيد ولا ينقص هو الاجل الثابت بالقضاء المبرم لا تبديل فيه لا يستقدمون ساعة ولا يستاخرون والمقتول ميت بأجله المبرم وان كان التعليق فى اللوح المحفوظ انه ان قتله فلان مات والا لم يمت لكنه المبرم فى القضاء انه يقتله فلان البتة وانه يموت فى ذلك الوقت بقتله البتة ولا يوجد شرط بقاءه بعد ذلك الوقت البتة فح لا حاجة الى تاويل الحديث عن ابى حزامة عن أبيه قال قلت يا رسول الله ﷺ ارايت رقى نسترقيها ودواء نتداوى بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هى من قدر الله رواه احمد والترمذي وابن ماجة يعنى ان الله تعالى قدر انه يتداوى فيحصل له الشفاء بالدواء لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعنى لو كنتم من اهل العلم

стр. 4052

والنظر لمصلحتهم وفيه انهم لانهماكهم فى الشهوات كانهم كانوا شاكين فى الموت قال ابن عباس بعث نوح وهو ابن أربعين وعاش بعد الطوفان ستين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابن مائة سنة وقيل ابن خمسين سنة وقيل مائتين وخمسين سنة وكان عمره الفا واربعمائة وخمسين سنة ولا شك فى انه لبث يدعوا قومه الف سنة الا خمسين عاما وروى الضحاك عن ابن عباس ان قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى يسقط فيلقونه فى لبد ويلقونه فى بيت انه قد مات فيخرج فى اليوم الثاني ويدعوهم الى الله وحكى محمد بن اسحق عن عبيد بن عمر الليثي انه بلغه انهم كانوا يبطشون بنوح ﵇ فيخنقونه حتى تغشى عليه فاذا أفاق قال رب اغفر لقومى فانهم لا يعلمون حتى إذا عادوا فى المعصية واشتد عليه منهم البلاء انتظر النجل فلا يأتي قرن الا كان أخبث من الذين قبلهم حتى كان الآخرون منهم ليقولن قد كان هذا مع ابائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا فح شكى الى الله و. قالَ وفى الكلام حذف اختصارا تقديره قال نوح كذا فكذبوه فلم يزل نوح على دعوتهم والقوم على إنكاره حتى قال نوح رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً اى دائما. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي قرأ الكوفيون دعائى بإسكان الياء والباقون بالفتح إِلَّا فِراراً عن الايمان والطاعة واسناد الزيادة الى الدعاء على السببية كقوله تعالى فزادتهم ايمانا زادتهم رجسا. وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ الى الايمان لِتَغْفِرَ لَهُمْ بسبب الايمان جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة- وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ يغطوا بها لئلا يروه وَأَصَرُّوا على الكفر والمعاصي وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً عظيما. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً منصوب على المصدرية لانه أحد نوعى الدعاء او صفة مصدر محذوف اى دعاء جهارا اى مجاهرا به او عن الحال بمعنى مجاهرا ثُمَّ إِنِّي قرأ الكوفيون وابن عامر بإسكان الياء والباقون بالفتح. أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً وكلمة ثم لتفاوت الوجوه فان الجهار اغلظ من الاسرار والجمع بينهما اغلظ من الافراد والتراخي بعضها عن بعض. فَقُلْتُ بيان لقوله دعوتهم وقال البغوي ان قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم

стр. 4053

أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت أولادهم وأموالهم ومواشيهم فحينئذ قال لهم نوح ﵇ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ط بالتوبة عن الكفر والندم عن المعاصي وتركها فيما يستقبل إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً للتائبين تعليل لقوله استغفروا. يُرْسِلِ السَّماءَ اى المطر تسمية الحال باسم المحل عَلَيْكُمْ مِدْراراً حال من السماء اى كثير دره ويستوى فى هذا البيان المذكر والمؤنث ويرسل مع ما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر بالاستغفار فدل على ان الاستغفار سبب للمطر وغير ذلك من النعم الدنيوية ودفع البلاء اما عموما او فى مادة مخصوصة حيث كان نزول البلاء نقمة الشوم المعاصي كما كان فى قوم نوح ﵇ وكما يدل عليه قوله تعالى ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ اما إذا كان ذلك نعمة لرفع الدرجات فلا كما كان بايوب ﵇ وغيره من الأنبياء وعن سعيد قال قال رسول الله ﷺ أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان فى دينه صلبا اشتده بلائه وان كان فى دينه رقة ابتلى حسب دينه فما يبرح البلاء بالعهد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة رواه احمد والبخاري والترمذي وابن ماجه ورواه البخاري فى التاريخ عن بعض ازواج النبي ﷺ بلفظ أشد الناس بلاء فى الدنيا نبى او صفى- روى الحاكم فى المستدرك وابن ماجه وعبد الرزاق عن ابى سعيد نحوه وفيه ولاحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء ويمكن ان يقال قحط المطر بلاء عام لا يتصور الا بشوم المعاصي من العوام فالاستغفار سبب للمطر عموما ومن ثم شرع الاستغفار فى الاستسقاء روى مطرف عن الشعبي ان عمر خرج يستسقى بالناس فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فقيل له سمعناك استسقيت فقال طلبت الغيث بمجارى السماء الذي يستنزل بها القطر ثم قرأ استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ قال عطاء يكثر أموالكم وأولادكم وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ بساتين وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ط يعنى كما كانت قبل تكذيب نوح ﵇. ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ج ما استفهامية مبتداء ولكم خبره وجملة لا ترجون حال من ضمير المخاطب والعامل معنى الفعل اى ما تصنعون لا ترجون ولله حال من وقارا قدم على ذى الحال لنكارته والوقار بمعنى العظمة اسم من التوقير بمعنى التعظيم

стр. 4054

قال ابن عباس ومجاهد رض لا ترون لله عظمة فى الرجاء بمعنى الاعتقاد عير عن الاعتقاد بالرجاء الذي يتبع ادنى الظن مبالغة وقال الكلبي معناه لا تخافون لله عظمة فالرجاء على هذا بمعنى الخوف وقال الحسن لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة وقال ابن كيسان ما لكم لا ترجون فى عبادة ان يثيبكم على توقيركم إياه جزاء ويحتمل ان يكون المعنى ما لكم لا ترجون فى عبادة الله تعظيمه إياكم ولله بيان للموقر. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً اى تارات حالا بعد حال حلقكم عناصر ثم مركبات اغذية للانسان ثم اخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم انشأكم خلقا اخر اى خلقا إنسانا بنفخ الروح فتبارك الله احسن الخالقين- ثم يميتكم ويقبركم ثم يعيدكم احياء تارة اخرى فيعظم المطيع منكم بالثواب ويعاقب العاصي والجملة حال من فاعل ترجون او من الله ثم اتبع ذكر آيات فى الأنفس بايات فى الآفاق فقال. أَلَمْ تَرَوْا مجاز عن التعجيب كَيْفَ استفهام للاستعظام حال عن الفاعل او المفعول من الجملة التالية قدم لاقتضاء صدر الكلام خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً بعضهن فوق بعض وبين كل من السافل وو العالي مسيرة خمسمائة سنة كما دل عليه الأحاديث وذكر فيما قبل. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً اى فى بعضهن وهى السماء الدنيا كما يقال نزل رسول الله ﷺ فى دور بنى النجار قال البغوي قال عبد الله بن عمرو ان الشمس والقمر وجوههما الى السموات وضوء الشمس والقمر فيهن يعنى كليهن واشعتهما الى الأرض ويروى هذا عن ابن عباس وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً مثلها به لانها تزيل الظلمة عما تقابله كما يريلها السراج عما حوله وانما مثل الشمس بالسراج مع كون السراج ادنى منها ضياء لظهور امر السراج فى أذهان السامعين وفقد ما يمثل به غيره ولعله فى قوله تعالى جعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا اشعار بان نور القمر مستفاد من الشمس فان النور انما يستفاد من السراج. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ كرر اسم الله تعالى ولم يكتف بالضمير التذاذا باسم المحبوب واظهار المقصودة اى انشأكم فاستعير الإنبات للانشاء لانه ادل على الحدوث مِنَ الْأَرْضِ بان خلق أباكم آدم منها او بانه خلقكم من النطف والنطف من الغذاء المنبت من الأرض نَباتاً مصدر من غير ما به نحو تبتل اليه وقيل اسم جعل موضع المصدر او هو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره والله

стр. 4055

أنبتكم فنبتم نباتا فاقتصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها مقبورين بعد الموت وَيُخْرِجُكُمْ بالحشر إِخْراجاً أكده بالمصدر كما أكد به الاول للدلالة على تحقيق البعث كالبدأ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً تنقلبون عليها. لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ع واسعة جمع فج ومن لتضمن الفعل معنى الاتخاذ. قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما امرتهم وهذه الجملة بمنزلة التأكيد لما سبق من قوله تعالى قال رب انى دعوت قومى ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائى الا فرارا إلخ قال مال الجملتين واحد إذ الفرار عن الدعاء وسد المسامع وتغطية الابصار هو عين العصيان او من موجباته ولذا لم يذكر العاطف بين قال وقال وانما كرر القول بالعصيان مع ذكره فيما سبق لان سوق الكلام الاول لبيان ادائه فريضة التبليغ على ابلغ الوجوه وسوق هذا الكلام ليكون تمهيدا للدعاء عليهم وَاتَّبَعُوا اى السفلة منهم مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً اى رؤسائهم البطرين باموالهم المغترين باولادهم بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم فى الاخرة قرأ نافع وعاصم وابن عامر ولده بفتح الواو واللام والباقون بضم الواو وسكون اللام على انه لغة كالحزن او جمع كالاسد. وَمَكَرُوا عطف على من لم يزده والضمير لمن وجمعه للمعنى او على اتبعوا مَكْراً كُبَّاراً ج هو أشد مبالغة فى الكبر من الكبار بلا تشديد وهو من الكبير يعنى مكروا مكرا كبيرا فى غاية الكبر وذلك احتيالهم فى الدين والمكر من الرؤساء تحريش الناس على أذى نوح والكفر بالله ومن السفلة القيام على انواع إيذائه. وَقالُوا اى قال بعضهم لبعض عطف على مكروا على الوجهين لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ اى عبادتها وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا قرأ نافع ودا بضم الواو والباقون بفتحها وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ج تخصيص بعد التعميم لزيادة الاهتمام قال البغوي قال محمد بن كعب هذه اسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم اتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم ماخذهم فى العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم لو صورتم صورهم كان انشط لكم وأشوق الى العبادة ففعلوه ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس ان الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فابتدأ عبادة الأوثان كان من ذلك وسميت تلك الصور بهذه الأسماء وقال عطاء

стр. 4056

عن ابن عباس رض صارت الأوثان التي كانت تعبد فى قوم نوح فى العرب بعده اما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل واما سواع فكانت لهذيل واما يغوث فكانت لمرو ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ واما يعوق فكانت لهمدان واما نسر فكانت لحمير لال ذى الكلاع فهذه اسماء رجال صالحين من اسلام قوم نوح فلما هلكوا اوحى الشيطان الى قومهم ان انصبوا الى مجالسهم التي كانوا يجلسون انصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك عبدت وروى عن ابن عباس رض ان تلك الأوثان رفنها الطوفان وطمها التراب فلم تزل مدمونة حتى أخرجها الشيطان لمشركى مكة. وَقَدْ أَضَلُّوا اى الأوثان او رؤساء قوم نوح كَثِيراً ج من الناس والاسناد الى الأوثان مجاز كما فى قوله تعالى رب انهن اضللن كثيرا من الناس حيث أضلهم الشيطان بسببها والجملة اما حال من فاعل قالوا او من مفعول لا تذرن واما معترضة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ اى الكافرين إِلَّا ضَلالًا اى هلاكا وضياعا كقوله تعالى إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ او المراد بالضلال عدم اهتدائهم الى ما أرادوا بمكرهم او الى مصالح دنياهم والجملة معطوفة على مقولة قال رب انهم عصونى يعنى قال نوح هذا القول فهو فى المعنى من قبيل عطف المفرد على المفرد لا عطف الإنشاء على الخبر. مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ على قراءة الجمهور وقرأ ابو عمر وخطاياهم ما مزيده للتاكيد والتفخيم ومن للسببية متعلق باغرقوا اى من أجل خطاياهم أُغْرِقُوا بالطوفان فَأُدْخِلُوا ناراً فى عالم البرزخ المسمى بالقبر فانه روضة من رياض الجنة او حفرة من حفرات النيران فهذه الاية دليل على اثبات عذاب القبر لان الفاء للتعقيب وصيغة ادخلوا للمضى خلافا للمعتزلة وغيرهم من اهل الهواء قالوا فى تاويل هذه الاية انه أورد بفاء التعقيب لعدم اعتداد لما بين الإغراق والإدخال او لان المسبب كالمتعقب للسبب وصيغة الماضي لان المتيقن كالواقع قلنا الأصل فى الكلام الحقيقة وهذه التأويلات حمل على المجاز فلا يجوز بلا دليل كيف وقد دلت من الأحاديث ما لا يحصى على عذاب القبر وانعقد عليه اجماع السلف عن انس قال قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه انه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقول ما كنت تقول فى هذا الرجل لمحمد ﷺ فاما المؤمن فيقول اشهد

стр. 4057

انه عبد الله ورسوله فيقال له انظر الى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيريهما جميعا واما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول فى هذا الرجل فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين متفق عليه وعن عائشة قالت ما رايت رسول الله ﷺ صلى صلوة الا تعوذ بالله من عذاب القبر متفق عليه وعن عثمان انه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة فلا تبكى وتبكى من هذا فقال ان رسول الله ﷺ قال ان القبر أول منزلة من منازل الاخرة فان نجا منه فما بعده أيسر منه وان لم ينج منه فما بعده أشد منه قال وقال رسول الله ﷺ ما رايت نظرا قط الا والقبر اقطع منه رواه الترمذي ابن ماجة وعن ابى سعيد قال قال رسول الله ﷺ يسلط على الكافر فى قبره تسعة وتسعين تنينا تنهسه وتلدغه حتى تقوم الساعة ولو ان تنينا منها نفخ فى الأرض ما أنبتت خضراء رواه الدارمي وروى الترمذي نحوه وقال سبعون بدل تسعة وتسعون وتنكير نارا للتعظيم او لان المراد نوع من النيران غير نار جهنم وجملة اغرقوا مع ما عطف عليه استيناف كانه فى جواب ما فعل لهم إذا شتكى نوح الى الله عصيانهم فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً اى لا يجد أحد منهم أحدا ينصرهم فان مقابلة الجمع بالجمع يقتضى انقسام الآحاد على الآحاد وأحد نكرة فى حيز النفي يعم والجملة تعريض لهم باتخاذ الهة من دون الله لا يقدر على نصرهم. وَقالَ نُوحٌ عطف على قال نوح رب انهم عصونى رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ اى ارض قومه واللام للعهد مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أحدا يسكن دارا وهو نكرة فى حيز النفي فيعم فيقال أصله ديوار ادغم الياء بالواو بعد قلبه ياء على طريقة سيد لافعال والا فكان دوارا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ تعليل للدعاء عليهم يُضِلُّوا اى يريدوا إضلال عِبادَكَ المؤمنين وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً قال محمد بن كعب ومقاتل والربيع انما قال نوح هذا الدعاء على قومه حين اخرج كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم ويئس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة وقيل تسعين سنة فاخبر الله نوحا ان هم لا يومنون ولا يلدون مؤمنا ولم يكن فيهم صبى وقت العذاب لان الله تعالى قال وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ولا يوجد التكذيب من الأطفال وبهذا يستدل على ان الطوفان لم يستغرق الأرض كلها بل قومه فقط كيلا يلزم التعذيب من غير تكذيب. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ كان اسم أبيه ملك بن منو شلخ واسم امه سمجار بنت أنوش وكانا مؤمنين وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ قرأ بفتح الياء حفص وهشام والباقون بالإسكان اى منزلى وقال الضحاك مسجدى وقيل سفينتى مُؤْمِناً قيل خرج بهذا إبليس فانه كان دخل فى سفينة وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ط الى يوم القيامة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ اى الكافرين إِلَّا تَباراً ع اى هلاكا واستجاب الله تعالى دعاءه.

стр. 4058

سورة الجن مكيّة وهى ثمان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ النفر من الثلاثة الى العشرة فقيل كانوا تسعة من جن نصيبين وقيل كانوا سبعة والجن أجسام ذات أرواح كالحيوان عاقلة كالانسان خفية عن أعين الناس ولذا سميت جنا خلقت من النار كما خلق آدم من طين قال الله تعالى والجان خلقناه من قبل من نار السموم تتصف بالذكورة والأنوثة وتتوالد والظاهر ان الشياطين قسم منهم بخلاف الملائكة فانهم لا يتصفون بالذكورة ولا بالانوثة ووجود الجن والشياطين والملائكة ثابت بالشرع وأنكره الفلاسفة وليست العقول العشرة التي اخترعها الفلاسفة من الملائكة من شى حيث يزعمونها مجردات بخلاف الملائكة فانها أجسام ذات أرواح والله تعالى اعلم وسوق هذا الكلام يقتضى ان النبي ﷺ لم ير الجن وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قراءته فاستمعوها فقص الله ذلك على رسوله فيما اوحى اليه اخرج الشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رض قال ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رايهم ولكنه انطلق مع طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فقالوا ما هذا الا بشى قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا هذا الذي حدث فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامه لى رسول الله ﷺ وهو بنخلة يصلى بأصحابه صلوة الفجر فلما سمعوا القران استمعوا له فقالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا الى قومهم فقالوا يا قومنا انا سمعنا قرانا عجبا إلخ فانزل الله تعالى على نبيه قل اوحى الى قول الجن وقال اكثر المفسرين لما مات ابو طالب خرج رسول الله ﷺ وحده الى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه فروى محمد بن اسحق عن يزيد بن زياد عن محمد للقرظى انه قال لما انتهى رسول الله ﷺ الى الطائف عمد الى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادت ثقيف واشرافهم وهم اخوة ثلثة عبد يا ليل ومسعود وحبيب بنو عمير وعند أحدهم امرأة من قريش

стр. 4059

من بنى جمح فجلس إليهم فدعاهم الى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة ان كان أرسلك الله وقال الاخر اما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله ما أكلمك ابدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله فلا ينبغى لى ان أكلمك فقام رسول الله ﷺ وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّى وكره رسول الله ﷺ ان يبلغ قومه فيزيد ذلك فى تجرئهم عليه فلم يفعلوا واغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس والجره الى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه فعمد الى ظل جنة من عتب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله ﷺ تلك المرأة من بنى جمح فقال لها ماذا لقينا من احمانك فلما اطمئن رسول الله ﷺ قال اللهم انى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهو انى على الناس وأنت ارحم الراحمين وأنت رب المستضعفين فانت ربى الى من تكلنى الى بعيد يتجّهمنى الى او الى عدو ملكته امرى ان لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك او يحل علىّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك فلما رأه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه فى ذلك الطبق ثم اذهب به الى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم اقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ فلما وضع ومد رسول الله ﷺ يده قال باسم الله ثم أكل فنظر عداس الى وجهه فقال والله ان هذا الكلام ما يقول اهل هذه البلدة قال رسول الله ﷺ من اى البلاد أنت يا عداس وما دينك قال انا نصرانى وانا رجل من اهل نينوى فقال رسول الله ﷺ أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال وما يدريك يونس بن متى قال رسول الله ﷺ ذلك أخي كان نبيا وانا نبى فاكب عداس على رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم فقبل راسه ويديه وقدميه قال فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه اما غلامك فقد أفسده عليك فلما جائهما عداس قالا له ويلك يا عداس ما لك تقبل راس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما على الأرض خير من

стр. 4060

هذا الرجل فقد أخبرني بامر ما يعلمه الا نبى فقال ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه ثم ان رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعا الى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا قام بنخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلوته ولوا الى قومهم منذرين قد أمنوا وأجابوا لما سمعو فقص الله سبحانه تعالى خبرهم عليه واخرج ابن الجوزي فى كتاب الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال كنت فى ناحية وزاعا وإذا رايت مدينة من حجر منقور فى وسطها قصر من حجارة تأويه الجن فدخلت فاذا شيخ عظيم الخلق يصلى الى الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبى من طرارة جبته فسلمت عليه فرد على السلام وقال يا سهل ان الأبدان لا يخلق الثياب وانما يخلقها روايح الذنوب ومطاعم السحت وان هذه الجبة على منذ سبع مائة سنة لقيت بها عيسى ومحمدا ﵉ فامنت بهما فقلت له ومن أنت قال من الذين نزلت فيهم قل اوحى الى نفر من الجن وقال جماعه بل امر رسول الله ﷺ ان ينذر الجن ويدعوهم الى الله يقرأ عليهم القران فصرفوا اليه نفر من الجن من نينوى وجمعهم له فقال رسول الله ﷺ انى أمرت ان اقرأ على الجن الليلة فايكم يتبعنى فاطرقوا ثم استتبعهم فاتبعه عبد الله بن مسعود رض قال عبد الله ولم يحضر معنا غيرى فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل بنى الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط الى خطا ثم أمرني ان اجلس فيه وقال لا يخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القران فجعلت ارى مثل النسور تهوى وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبى الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم وغشيته اسودة كثيرة حالت بينى وبينه حتى ما اسمع صوته ثم طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب الذاهبين ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر فانطلق الى فقال أنمت قلت لا والله يا رسول الله ولقد هممت مرارا ان استغيث بالناس حتى سمعتك تقرع بعصاك تقول اجلسوا قال لو خرجت لم أمن عليك ان يتخطفك بعضهم ثم قال رأيت شيئا قلت نعم رأيت رجلا اسود مشتفرى ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألونى المتاع والمتاع الزاد فمنعتهم لكل عظم عايل وروث وبعرة فقال يا رسول الله يقذرها الناس فنهى رسول الله ﷺ ان يستنجى بالعظم والروث قال فقلت يا رسول الله وما يغنى ذلك عنهم قال انهم لا يجدون عظما الا وجدوا عليه لحمه يوم يوكل ولا روثة الا وجدوا فيها حبها يوم

стр. 4061

أكلت فقلت يا رسول الله سمعت لغطا شديدا فقال ان الجن تدارت فى قتيل قتل منهم فتحاكموا الى فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول الله ﷺ ثم أتاني فقال هل معك ماء قلت يا رسول الله معى اداوة فيها بشئ من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ فقال تمرة طيبة وماء طهور وروى مسلم عن على بن محمد حدثنا اسمعيل بن ابراهيم عن داود عن عامر قال سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم ليلة الجن قال فقال علقمة انا سألت ابن مسعود عنه فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن قال كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة تفقدناه فالتمسناه فى الاودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل قال بشر ليلة بات بها قوم فقال أتاني داعى الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القران قال فأنطلق بنا فارانا اثارهم واثار نيرانهم قال الشعبي وسألوه الزاد وكانوا من جن جزيرة فقال رسول الله ﷺ لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى ايديكم او ما يكون فيه لحم وذلك بعرة علف دوابكم فقال رسول الله ﷺ فلا تستنجوا بهما فانهما طعام إخوانكم من الجن وروى عن ابن مسعود انه رأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه ما رايت من الجن ليلة الجن قلت والظاهر عندى ان استماع الجن القران من النبي ﷺ عامدا الى سوق عكاظ وقافلا من الطائف كان اولا وهو المحكي عنه بقوله تعالى قل اوحى الى واما ليلة الجن التي رواها ابن مسعود فكانت بعد ذلك قال البغوي فى تفسير سورة الأحقاف انه قال ابن عباس فاستجاب لهم اى تفر من الجن بعد ما استمعوا القران من النبي ﷺ بنخلة ورجعوا الى قومهم منذرين من قومهم سبعين رجلا من الجن فرجعوا الى رسول الله ﷺ فوافقوه فى البطحاء فقرأ عليهم القران وأمرهم ونهاهم وذكر الخفاجي انه قد دلت الأحاديث على ان وفادة الجن كانت ستة مرات وهذا يدل على انه صلى الله عليه واله وسلم كان مبعوثا الى الجن والانس جميعا وقال مقاتل لم يبعث قبله نبى الى الانس والجن والله تعالى اعلم فَقالُوا هؤلاء النفر من الجن حين رجعوا الى قومهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً بديعا مباينا لكلام المخلوق مصدر وصف به للمبالغة. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ الى الحق والصواب من التوحيد والإحسان الذي يقتضيه العقل والبرهان صفة اخرى للقران فَآمَنَّا بِهِ ط اى بالقران وَلَنْ نُشْرِكَ فى العبادة بِرَبِّنا أَحَداً من خلقه حيث نهى الله سبحانه عنه. وَأَنَّهُ الضمير عائد الى ربنا او للشان

стр. 4062

قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وشعبة بكسر الهمزة عطفا على مقولة قالوا يعنى انا سمعنا وهكذا فى أحد عشر موضعا غيره الى قوله وانا منا المسلمون وهذا ظاهر غير ان فى قوله تعالى وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن الاية التفات من المتكلم الى الغيبة وفى قوله تعالى وانهم ظنوا كما ظننتم التفات من الغيبة الى الخطاب وقرأ ابو جعفر وانه وانهم فى ثلثة مواضع بالفتح على انه استمع نفر بمعنى لوحى الى انه تعالى جد ربنا واوحى الى انه كان واوحى الى انهم ظنوا وفى تسعة مواضع الباقية بالكسر لما ذكرنا وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بفتح الهمزة فى المواضع كلها قال المفسرون فى توجيه هذه القراءات انه معطوف على انه استمع يعنى اوحى الى انه تعالى جد ربنا وهذا لا يستقيم الا الى الثلاثة الذي قرأها ابو جعفر بالفتح دون البواقي وقيل انه معطوف على حمل الجار والمجرور فى أمنا به يعنى صدقنا انه تعالى جد ربنا وهذا ايضا لا يستقيم الا فى بعض المواضع كما هو الظاهر ولولا هذه القراءة فى المتواترات لما احتجنا الى تكلفات فى توجيهها لكنها من المتواترات فوجب ارتكاب التكلفات والله تعالى اعلم تَعالى جَدُّ رَبِّنا الجملة خبر لان والعائد وضع المظهر موضع المضمر على تقدير كون الضمير عائدا الى تقديره انه تعالى جده فوضع المظهر موضع الضمير للتصريح على الربوبية فان الربوبية تقتضى ان يكون عظمته وشانه أعلى وارفع عن شان المربوبين ومعنى جد ربنا جلاله وعظمته كذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة ومنه قول انس كان الرجل إذا قرأ بقرة وال عمران- جد فينا اى عظم قدره وقال السدى جد ربنا امر ربنا وقال الحسن غنا ربنا وقال ابن عباس قدرة ربنا وقال الضحاك فعله وقال القرطبي آلاؤه ونعمائه على خلقه وقال الأخفش ملك ربنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً خبر بعد خبر لان كانه تأكيد وبيان للجزاء الاول يعنى تعالى جلاله عن اتخاذ الصاحبة والولد كما هو شان المربوبين كانهم سمعوا من القرآن ما ينههم على خطاء ما اعتقدوه من الشرك فى العبادة ونسبة الصاحبة والولد اليه تعالى. وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا جاهلنا قال قتادة ومجاهد هو إبليس وقيل المراد به مردة الجن عَلَى اللَّهِ شَطَطاً اى قولا ذا شطط وهو ابعد اى قولا بعيدا عن شانه والجور فى الحكم او التجاوز عن الحد فى القاموس شط عليه فى حكم جار فى سلعته جاوز القدر والحد وتباعد عن الحق اى كان يقول على الله تعالى ويحكم بالجور والتباعد عن الحق وهو نسبة الصاحبة والولد اليه تعالى. وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ

стр. 4063

الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً اعتذار عن اتباع بعضهم السفيه فى ذلك بظنهم انه لا يكذب على الله أحد وكذبا منصوب على المصدرية لانه نوع من القول او على المفعولية على انه مقولة تقول او على انه وصف لمحذوف اى قولا مكذوبا وقرأ ابو جعفر تقول بفتح الواو والتشديد وعلى هذا مصدر البتة لان التقول لا يكون الا كذبا وان بعد الظن مصدرية او مخففة ومعنى الآيتين على تقدير فتح همزة ان وكونها معطوفة على به فى أمنا به- انه تيقنا انه كان قول سفيهنا بعيدا عن الحق حوازا فى الحكم وان زعمنا بعدم كذب الجن كان باطلا فان قيل كان الجن قبل مبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم يقعدون من السماء مقاعد السمع فيستمعون كلام الملائكة من التسبيح وغير ذلك فما الوجه فى اتباعهم سفيههم وظنهم انهم لا يقولون كذبا وعدم ايمانهم مع استماعهم كلام الملائكة كثيرا وايمانهم لما سمعوا القران من النبي ﷺ مرة واحدة قلت الايمان امر وهبى لا يتصور وجوده فهذه تلقى الهداية من الله الهادي على الإطلاق وذلك التلقي لا يكون الا بواسطة يأخذ الفيض من الله تعالى لمناسبة المعنوية به تعالى بعلو استعداده ويفيض على العالمين لمناسبة بهم صورية وذلك الواسطة هى من الأنبياء ﵈ فان لهم مع الله مناسبة معنوية لاجل كون مبادى تعيناتهم ومربياتهم الصفات العاليات ولهم على قدر كمالهم فى مراتب النزول مناسبة صورية بالاسفلين واما الملاء الا على من الملائكة فلهم مناسبة مع الله كهيئة الأنبياء ولا مناسبة لهم بالاسفلين لكونهم متصاعدين مراتب غير محصلين كمالات النزول وكذلك لم يتاثر الجن منهم هداية ولا إيمانا وان سمعوا منهم كلمات الهداية وتأثروا من سفهاء الجن والشياطين لكمال المناسبة وكذا لم يتاثر من المكلفين من نوح ﵇ وغيره من الأنبياء الذين لم يبلغوا فى مراتب النزول غاية وتأثروا من سيد الأنبياء فانه كان هاديا لكمالات الفروع والأصول محدد الدرجات العروج والنزول لاجل ذلك بعثه الله تعالى الى الناس كافة بل الى الجن والانس عامة فاستنار بنور هدايته العالمين واستضاء بضوع إرشاده جماهير المكلفين الا من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله حيث لم يخلق فيه استعداد قبول الحق والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم وهذا معنى قول الشيخ الأكبر أنكروا دعوة نوح لما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمدا كان من القران صلى الله عليه وعلى اله وسلم وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وبارك وسلم.

стр. 4064

وَأَنَّهُ الضمير الشان كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم وابن ابى الشيخ عن كروم بن السائب الأنصاري قال خرجت مع ابى المدينة فى حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ فاوانا المبيت الى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فاخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي جارك فنادى منادى لا نراه يا سرحان أرسله فاتى الحمل يشتد حتى دخل فى الغنم ولم تصبه كدمته فانزل الله تعالى على رسوله بمكة وانه كان رجال من الانس الاية واخرج ابن سعد عن ابى رجاء العطاردي قال بعث رسول الله ﷺ وقد رعيت على أهلي وكفيت فبهتهم فلما بعث النبي ﷺ خرجنا هرابا فاتينا على قلاة من الأرض وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا انا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة فقال ذلك فقيل لنا انما السبيل لهذا الرجل شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله من أقربها أمن على دمه وماله فرجعنا فى الإسلام قال ابو رجاء انى لارى هذه الاية نزلت فى وفى أصحابي وانه كان رجال من الانس الاية واخرج الجزائفى فى كتاب هو هواتف الجن بسنده عن سعيد بن جبير ان رجلا من بنى تميم يقال له رافع بن عمير يحدث عن بدأ إسلامه قال اتى لاسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبنى النوم فنزلت على راحلتى وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومى فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن فرأيت فى منامى رجلا بيده حربة يريدان يضعها فى نحر ناقتى فانتبهت فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم ار شيأ فقلت هذا حلمهم ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتى فلم ار شيأ فاذا ناقتى ترعد ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرايت ناقتى تضطرب والتفت فاذا انا برجل شاب كالذى رايته فى المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرد عنها فبينما هما يتنازعان إذا طلعت ثلثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم فخذايها شئت فداء ناقة جا الانسى فقام الفتى فاخذ منها ثورا عظيما وانصرف ثم التفت الى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هو له فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي وو لا تعد بأحد من الجن فقد بطل أمرها قال فقلت له من محمد هذا قال نبى عربى لا شرقى ولا غربى بعث يوم الاثنين قلت فاين مسكنه قال يثرب ذات النخل فركبت راحلتى حين برق الصبح وجددت السير حتى أتيت المدينة فراتى رسول الله ﷺ فحدثنى بحديثي قبل ان اذكر له شيئا ودعانى الى الإسلام فاسلمت قال سعيد بن جبير وكنا نرى انه هو الذي انزل الله فيه وانه كان رجال

стр. 4065

من الانس يعوذون برجال من الجن فَزادُوهُمْ اى زاد الانس الجن باستعاذتهم بقادتهم رَهَقاً قال ابن عباس اثما وقال المجاهد طغيانا وقال مقاتل غيا وقال الحسن شرا وقال ابراهيم عظمة وذلك ان الجن كانوا يقولون سدنا الجن والانس او المعنى فزاد الجن الانس غيابان أضلوهم حتى استعاذوا بهم والرهق غشيان الشيء والمراد هاهنا غشيان المحارم والإثم وفى هذه الجملة ايضا اعتراف بسوء عقيدتهم فيما قيل. وَأَنَّهُمْ اى الانس ظَنُّوا ظنا كَما ظَنَنْتُمْ يا معشر الجن أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً بعد موته ان لن يبعث قائم مقام المفعولين يعنى نزل القران أمنوا بالغيب بعد فساد ظنهم فانتم ايضا ايها الجن أمنوا بالبعث كايمانهم قال ذلك بعضهم لبعض هذا على قراءة كسر ان واما على تقدير فتحها فهذه الجملة وما قبلها اعنى كان رجال إلخ معترضات من كلام الله تعالى معطوفتان على انه استمع يعنى اوحى الى هذين الامرين وتاويل الاية على هذا التقدير انهم اى الجن ظنوا كما ظننتم ايها الكفار من قريش مكة عدم البعث فلما نزل القران واستمع الجن أمنوا بالبعث فعليكم ايها الكفار ان تؤمنوا كما أمنوا. وَأَنَّا لَمَسْنَا أردنا المس السَّماءَ بعد مبعث النبي ﷺ والظاهر ان المراد بالسماء السحاب فان السماء يطلق على ما هو فوقك ويدل على هذا التأويل حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الملائكة تنزل فى العنان وهو السحاب فتذكر لامر الذي قضى فى السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتتوجه الى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم رواه البخاري فان قيل قد وقع فى بعض الاخبار بلفظ يدل على حقيقة السماء عن ابى هريرة رض ان النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم قال إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها فضعانا لقوله كانه سلسلة على صفوان فاذا فرغ عن قولهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الذي قال الحق وهو العلى الكبير فسمعها مسترقوا السمع هكذا بعضه فوق بعض ووضع سفيان بكفه ليستمع الكلمة فيلقها الى من تحته ثم يلقها الاخر الى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر او الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل ان يلقيها وربما ألقيها قبل ان يدركه فيكذب معه مائة كذبة الحديث رواه البخاري وفى حديث ابن عباس ربنا ﵎ إذا قضى امرا سبح حملة العرش ثم سبح اهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح اهل هذه السماء الدنيا ثم قال الذين يحملون العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم
следующие страницы →