ملائكة مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح ومنهم من يؤمن على الدعاء ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى فى حفرته وقال البغوي قال ابن عباس هم الملائكة الذين وكلوا بامور عرفهم الله العمل بها قال عبد الرحمن بن سابط يدبر الأمر فى الدنيا اربعة جبرئيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل اما جبرئيل فوكل بالرياح والجنود واما ميكائيل فوكل بالمطر والنبات واما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس واما اسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم قال قتادة. غير بجمعيتها غير المدبرات بالنجوم فانها تنزع من أفق الى أفق ثم تغيب وتنشط من أفق الى أفق اى تذهب وقال الله تعالى فيها كل فلك يسبحون وتسبق بعضها على بعض فى السير وهذا قول ضعيف فانه لا فرق حينئذ بين النزع والنشط والسبح ولا وجه لذكر شىء واحد اربع مرات والفرق بين النزع والنشط بان حركتها من المشرق الى المغرب قسرية فتغرب بالنزع غرقا وحركاتها من برج الى برج طبعية ملايمة فسمت بالنشط مبنى على مذهب الفلاسفة القائلين بانطباق السموات بعضها على بعض حتى يتصور القصر والثابت من الشرع ان مسافة ما بين السماء الى السماء خمسمائة عام وذكر فى تاويل هذه الاية وجوه اخر بناء على احتمال العقل من غير نقل من السلف قال البيضاوي هى صفات للنفوس الفاضلة حال المفارقة فانها تنزع من الأبدان نزعا شديدا من إغراق النازع فى القوس فتنشط الى عالم الملكوت وتسبح فيه وتستبق فى خطاير القدس حتى يصير لشرفها وقوتها من المدبرات او حال سلوكها فانها تنزع عن الشهوات وتنشط الى عالم القدس فتسبح فى مراتب الارتقاء فتسبق الى الكمالات حتى تصير من الكمالات او صفات انفس الغزاة اى أيديهم بنزع القسي بإغراق السهم وينشطون بالسهم للرحى ويسبحون فى البر والبحر فيسبقون الى حرب العدو فيدبرون أمرها او صفات خيلهم فانها تنزع فى أعنتها وتغرق فى عرقها والاعنة أطول أعناقها ويخرج من دار الإسلام الى دار الكفر وتسبح فى جريها وتسبق الى العدو فتدبر امر الظفر والله تعالى اعلم.
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ متعلق بجواب القسم المحذوف يعنى لتبعثن ولتحاسبين يوم ترجف الراجفة وظرفية ذلك اليوم باعتبار اجزائها فان مقدار ذلك اليوم خمسين الف سنة من النفخة الاولى الى دخول الجنة او النار اخرج البيهقي عن مجاهد فى قوله تعالى ترجف الراجفة فقال ترجف الأرض والجبال وهى الزلزلة
стр. 4167
تتبعها الرادفة قال دكتا دكة واحدة.
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ فى موضع الحال من فاعل ترجف والمراد بالراجفة النفخة الاولى وبالرادفة النفخة الثانية كذا اخرج البيهقي عن ابن عباس وانما سميت الاولى بالراجفة لانها توقع الزلزلة فيحرك بها كل شىء ويموت منها الخلائق والثانية بالرادفة لانها رديفة الاولى اخرج ابن المبارك من مرسل الحسن بين النفختين أربعون سنة الاولى يميت الله بها كل ميت قال الحليمي اتفقت الروايات على ان بين النفختين أربعون سنة وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا بريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شى الا يبلى الا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة واخرج ابن ابى داود فى البعث عن ابى هريرة عن النبي ﷺ نحوه وفيه بين النفختين أربعون عاما والاول أصح واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس يسيل واد من ماء فيما بين النفختين ومقدار ما بينهما أربعون فينبت كل خلق بلى من انسان او حيوان ودابه ولو مر عليهم مار قد عرفهم قيل ذلك على وجه الأرض لعرفهم فتنبتون ثم يرسل الأرواح فيزوج بالأجساد فذلك قول الله تعالى.
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ.
قُلُوبٌ مبتداء يَوْمَئِذٍ متعلق بفعل يدل عليه واجِفَةٌ خبر اى مضطربه اضطرابا شديدا مستعار من الواجف بمعنى سريع السير.
أَبْصارُها اى أبصار أصحابها خاشِعَةٌ ذليلة من الخوف الجملة خبر بعد خبر لقلوب او صفة لواجفة.
يَقُولُونَ تعليل لواجف قلوبهم وخشوع أبصارهم يعنى يلحقهم الاضطراب والزلزلة انهم ينكرون البعث ويقولون فى الدنيا هذا القول أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ الاستفهام للانكار يعنى كنا مردودين قرأ ابو جعفر انا بحذف همزة الاستفهام لفظا وإرادته معنى فِي الْحافِرَةِ اى فى الحيوة الاولى يعنى حيوة بعد الموت يقال رجع فلان فى الحافرة يعنى طريقه التي جاء فيها فحفرها اى اثر فيها بمشيته كقولهم عيشة راضية او على تشبيه القابل ما يقابل وقال ابن زيد الحافرة النار.
أَإِذا كُنَّا عِظاماً قرأ نافع والكسائي ويعقوب والحمزة وعامر إذا كنا بغير همزة الاستفهام والباقون بالهمزة للانكار بعد الإنكار للتاكيد والظرف متعلق بمحذوف تقديره انبعث إذا كنا ويحتمل ان يكون متعلقا بمردودون نَخِرَةً يابسة قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي
стр. 4168
بالألف ناخرة والباقون بغير الف اخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال لما نزل قوله تعالى يقولونء إنا لمردودون فى الحافرة قال كفار قريش لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن فنزل.
قالُوا عطف على يقولون او حال بتقدير قد من فاعل يقولون لكن نزول تلك الاية كما يدل عليه رواية سعيد بن منصور عن محمد بن كعب يابى على كونه حالا تِلْكَ اشارة الى الرجعة المفهوم من قولهء إنا لمردودون فى الحافرة مبتداء إِذاً اى كان كذلك اى كما يقول محمد شرط استغنى عن الجزاء لوقوعه فى وسط جملة تدل على الجزاء تقديره إذا كان كذلك فتلك الرجعة كَرَّةٌ رجعة خاسِرَةٌ اى ذات خسران وخاسر أصحابها والمعنى انها ان صحت فنحن خاسرون لتكذيبنا وهذا استهزاء منهم.
فَإِنَّما هِيَ اى النفخة الثانية زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فى الصحاح الزجر الطرد بالصوت يقال زجرته فانزجر ومنه هذه الاية فان الناس يطردون فى الأرض بصوت ينفخ فى الصور ثم يستعمل تارة فى الصوت كما فى قوله تعالى والزاجرات زجرا يعنى الملائكة التي زجرن السحاب بالصوت وتارة بالطرد كما فى قوله تعالى مجنون وازدجر يعنى طرد ومنع.
فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ الفاء للعطف وإذا للمفاجاة أضيفت الى جملة اسمية جعلها فى قوة الفعلية معطوفا على فعلية تقديره يقولون فى الدنيا كذا فيفاجئون وقت كونهم بالساهرة وجملة فانما هى زجرة واحدة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لبيان كون الرجفة التي أنكروها سهلة بينة عند الله تعالى استفهام اى قد اتيك الى غير مستصعبة والساهرة وجه الأرض يعنى إذا هم احياء بوجه الأرض وقيل هى ارض القيامة وقال قتادة هى جهنم.
هَلْ أَتاكَ استفهام تقرير اى قد اتيك حَدِيثُ مُوسى جملة معترضية تسلية النبي صلى الله عليه واله وسلم على تكذيب قومه وتهديدهم بأن يصيبهم مثل ما أصاب من كان أعظم منهم.
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ الظرف متعلق مفهوم حديث موسى اى هل اتيك الحديث المتعلق بموسى وقت نداء ربه إياه بِالْوادِ والباء بمعنى فى الْمُقَدَّسِ طُوىً قرأ الكوفيون بالتنوين ويكسرون نونها لالتقاء الساكنين بتأويل كونه علما للمكان وقيل هى كثنى من الطى مصدر لنودى او المقدس اى نودى ندائين او قدس مرتين وقرأ الباقون بغير تنوين لانه معدول تقديرى اى عن طاو واسم لواد فعدل عن الصرف او لانه علم لمونث بتأويل البقعة
стр. 4169
فهو عطف بيان للوادى واذهب بيان لنادى بتقدير القول اى قال.
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى قبيل الذهاب.
فَقُلْ عطف على اذهب هَلْ لَكَ ميل إِلى أَنْ تَزَكَّى قرأ اهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاء والباقون بالتخفيف بحذف احدى التاءين اى تسلم وتطهر من الشرك قال ابن عباس تشهد ان لا اله الا الله.
وَأَهْدِيَكَ أريك لسبيل إِلى رَبِّكَ اى معرفته وعبادته وتوحيده فَتَخْشى ج عقابه فتؤدى الواجبات وتترك المحرمات على ان أهديك والفاء للسببية فان الخشية مسبب للمعرفة والمعرفة مسبب للهداية.
فَأَراهُ معطوف على محذوف يعنى ذهب وبلغ فاراه الْآيَةَ على صدقه الْكُبْرى صلى اى المعجزات الباهرة العظيمة فى الدلالة على صدقه وافرادها لان كلها من حيث الدلالة كالاية الواحدة او المراد بها قلب العصى حية.
فَكَذَّبَ فرعون موسى وَعَصى الله ورسوله بعد ظهور صدقه بالمعجزات.
ثُمَّ أَدْبَرَ من ذلك المكان حين راى الثعبان مسرعا فى مشيه اليه يَسْعى صلى حال من فاعل أدبر او المعنى عن الايمان والطاعة حال كونه يسعى فى الفساد فى الأرض.
فَحَشَرَ جمع جنودا والسحرة فَنادى صلى فى مجمعه.
فَقالَ بيان لنادى والفاء للتفسير أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى صلى يعنى لا رب لكم فوقى او ان أعلى من كل من يلى أمركم وقيل أراد ان الأصنام ارباب وانا ربها وربكم.
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ط النكل فى اللغة الضعف والعجز ويقال لا يمنع الشيء عن الشيء ويعجزه عنه فيطلق على قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين والنكال اسم من التنكيل يقال نكلت به إذا فعلت به من عقاب الشديد ما يمنع غيره عن ارتكاب مثله فالنكال هاهنا اما صفة لمصدر محذوف مؤكد لما قبله اى اخذه الله أخذ أنكالا مانعا لمن أراه او سمعه ان يفعل مثله او اخذه الله نكله نكالا وإضافته اما بمعنى فى يغنى نكالا فى الاخرة بالإحراق وفى الدنيا بالاغراق كذا قال الحصن وقتادة او بمعنى اللام يعنى نكله نكالا للكلمة الاخرة وهى هذه قوله ما علمت لكم من اله غيرى وكان بينهما أربعون سنة كذا قال مجاهد وجماعة.
إِنَّ فِي ذلِكَ الاخذ والنكال لَعِبْرَةً موعظة لِمَنْ يَخْشى ط لمن كان من شانه الخشية صفة لعبرة ثم خاطب منكرى البعث على سبيل الالتفات واحتج عليهم على البعث وكونه تعالى قادرا عليه بما ظهر من قدرته
стр. 4170
فى إيجاد العالم فقال.
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ط مبتداء محذوف الخبر تقديره أنتم أشد خلقا أم السماء أشد خلقا منكم والاستفهام للتقرير والمراد بالسماء هى وما فيها بقرينة ذكر الأرض والجبال فى مقام التفصيل والحاصل ان السماء وما فيها أشد خلقا منكم البتة لانكم بعض ما فيها والكل أعظم وأشد من الجزء بالبداية والاعادة أهون من الله بَناها صفة للسماء اما على ان اللام زايدة على طريقة لقد امر على اللئيم يسبنى او على حذف الموصول اى التي بناها او جملة ثانية معطوفة على الاول بحرف مقدر ويحصل من القضيتين مادة البرهان تقديره ان الله بنى السماء التي هى أشد خلقا منكم وكل من هو قادر على بناءها قادر على إعادة ما هو أضعف منها.
رَفَعَ سَمْكَها السمك الارتفاع والمعنى جعل مقدار ارتفاعها من الأرض او جعل تحتها الذاهب فى العلو رفيعها والجملة بيان لجملة بناها او بدل اشتمال منه فَسَوَّاها عمد لها وجعلها مستوية بلا قطور.
وَأَغْطَشَ لَيْلَها اى جعلها ذا ظلمة يقال غطش الليل إذا اظلم أضاف الليل الى السماء لحدوثها بحركة الشمس المستقر فيها وَأَخْرَجَ ضُحاها اى ابرز ضوء شمسها وجعل النهار موجودا منها.
وَالْأَرْضَ منصوب بفعل محذوف على شريطة التفسير يعنى ودحى الأرض بَعْدَ ذلِكَ اى بعد خلق السماء دَحاها بسطها للسكنى قال ابن عباس خلق الله الأرض بأقواتها فى يومين من غير ان يدحوها قبل السماء ثم استوى الى السماء فسويهن سبع سموات فى يومين بعد ذلك ثم دحى الأرض فى يومين بعد ذلك فخلقت الأرض وما فيها من شىء فى اربعة ايام وقيل معناه الأرض مع ذلك دحيها كقوله تعالى عتلّ بعد ذلك زنيم فى التفسير البيضاوي حمل كلمة بعد هاهنا على الحقيقة وقال فى قوله تعالى ثم استوى الى السماء ان ثم لتفاوة ما بين خلقتى السماء والأرض من الفصل كما فى قوله تعالى ثم كان من الذين أمنوا والتأويل الاول لكونه مستفادا من كلام السلف اولى.
أَخْرَجَ مِنْها اى من الأرض ماءَها ينفجر العيون فيها وَمَرْعاها ص كلائها تسمية الحال باسم المحل او مصدر بمعنى المفعول وجملة اخرج معطوفة على الأرض نظيره له.
وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً اى تمتيعا منصوب على العلية من دحى وارسى على سبيل التنازع لَكُمْ ايها الناس وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
стр. 4171
الفاء للسببية يعنى إذا ثبت البعث بأخبار الله تعالى بعد إمكانه وظهور قدرته سبحانه تعالى عليه بما ظهر من قدرته فى إيجاد العالم فاعلموا صفته وقت مجيئه وغيرها بالطامة الكبرى ليعلم بعض صفاته من عنوانه والطم فى اللغة الغلبة ويقال للبحر لانه يغلب كل شىء والطامة عند العرب الداهية التي لا يستطاع من ذلك سميت القيامة طامة لانها تطم الدواهي كلها وتغلبها ثم وصفها بالكبرى لمزيد تأكيدها فى الطم وإذا ظرف يتضمن معنى الشرط و.
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ بدل منه ما سَعى ما مصدرية او موصولة يعنى يرى اعماله عدد ما فى صحيفته وكان قد نسيها من قبل لفرط الغفلة او طول المدة.
وَبُرِّزَتِ عطف على يتذكر اى يوم يبرز يظهر الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى لكل من يرى قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فيظهر إليها الخلق اما الكفار فيدخلها واما المؤمن فيمرون من الصراط على ظهرها او المراد لمن يرى الكفار وجواب إذا قيل محذوف دل عليه يوم يتذكر والظاهر ان جوابه ما بعده من التفضل ولا ضرورة فى التقدير.
فَأَمَّا مَنْ طَغى اى جاوز الحد فى العصيان حتى كفر.
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا على الاخرة باتباع الشهوات وهواء النفس.
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى هى فصل او مبتداء واللام فى المأوى يدل على المضاف اليه عند الكوفيين اى ماواه وعند السيبويه والبصريين تقديره هى المأوى له عن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أحب دنياه اخر آخرته ومن أحب آخرته اخر بدنياه فاثروا ما يبقى على ما يغنى رواه احمد والبيهقي فى الشعب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره متفق عليه وعند مسلم حفت مكان حجبت وعنه ان الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم او متعلم رواه الترمذي وابن ماجه.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ اى مقامه يوم القيامة لحساب ربه وَنَهَى النَّفْسَ الامارة بالسوء عَنِ الْهَوى فى الصحاح الهوى ميل النفس مما يشتهيه قيل سمى به لانه يهوى صاحبه فى الدنيا الى كل داهية وفى الاخرة الى الهاوية والهوى الانهدار والسقوط عن علو اعلم ان الهوى راس المنهيات وأساس المحرمات قال ابو بكر الوراق ان الله لم يخلق خلقا أخبث من الهوى قلت وهو قبيح عقلا وشرعا اما عقلا فلان حقايق الأشياء كما هى فى نفس الأمر لا سيما حقائق المبدأ والمعاد وعواقب الأمور
стр. 4172
من الأخلاق والافعال وغيرها المستدعية لحسنها وقبحها مما لا يدرك غالبا بالرأي وان أدرك بعضها بالرأي فلا يليق بالوثوق ما لم يستفاد من علام الغيوب بتوسط الرسل ﵈ والا لما احتيج الى الرسل فتحصيل العقائد الصحيحة والعلم بالأعمال الحسنة والقبيحة والعمل بها وبالأخلاق الشريفة والرذيلة لا يتصور الا باتباع الرسل على خلاف الهوى واتباع الهوى يضاده واما شرعا فلان الله سبحانه قال وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وفى الصحاح العبودية اظهار التدلل والعبادة ابلغ منها وهى ضربان عبادة بالتسخير كما يدل عليه قوله تعالى ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وعبادة بالاختيار وهو مطلوبة من الثقلين فكما ان الأشياء كلها بالتسخير والاضطرار لا يتصور منه الا ما شاء الله وأراد فلا بد ان يكون كذلك بالاختيار لا يصدر منه شىء من افعال القلوب والجوارح وصفات النفس الا ما أراد الله وامر به بلا مدخل للهواء فيه وضده واتباع الهوى فهو ينافى العبودية فكل باطل قبيح منشعب من الهوى ومنبعث من الآراء الكاسدة قالت الكفار بناء على فساد رأيهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ابشرا منا واحدا نتبعه قالت المجسمة الباري موجود وكل موجود جسم متحيز وقالت المعتزلة وغيرهم لا يتصور عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والفساق مع اعترافهم بوجوب امتثال الرسول والقران وعلمهم بعذاب الاخرة وعلى مساوى الأخلاق والأعمال لم يثبتوا على الشرائع باتباع الهوى والشهوات فتركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات والمكروهات فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى الى بئس العبد عبد الهوى يضله رواه الترمذي والبيهقي عن اسماء بنت عميس وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرأ بنفسه وهى أشد هن رواه البيهقي عن ابى هريرة قلت والثلث كلها راجعة الى الهوى وان كان المراد فى الحديث بالهوى بعض افرادها (فائدة) ترك الهوى على مراتب أدناه اجتناب ما هو يخالف ظاهر النصوص واجماع السلف فى العقائد وبه يصير مسلما سنيا وأوسطه ما قال مقاتل ان يهم الرجل المعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ومن تمام هذه المرتبة ترك المشتبهات واجتناب عمالا بأس به حذرا
стр. 4173
عما به بأس قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من اتقى المشتبهات ويتر العرضه ودينه ومن وقع فى المشتهيات وقع فى المحرمات كراعى يرعى حول الحمى يوشك ان يواقع متفق عليه عن النعمان بن بشير وايضا من تمامه قصر دايرة المباح على بالابد منه وترك الهوى فى الفضول منها قال رسول الله ﷺ من الإسراف ان تأكل كل ما اشتهيت رواه ابن ماجه والبيهقي عن انس قال المجدد رض قال سيدنا قبلتنا الشيخ الاجل الشيخ بهاء والدين النقشبندي وجدت طريقا اقرب طرق الى الله سبحانه وهى المخالفة مع النفس يعنى مع زيادة الرعاية الشريعة والله تعالى اعلم وهاهنا تدقيق وهى ان المعصية منها ما هو ظاهر يمكن التحرز عنها مخالفة المقام لجانب ربه العلام ومنها ما هو أدق من دبيب النمل وذلك ما كان منها فى لباس الحسنات كالرياء او العجب وتزكية النفس المنهي عنها فى كثرة النوافل والطاعات وهذا من مزال الاقدام قال بعض الاكابرة لمريده يا بنى لا أخاف طرق الشيطان إليك من سبيل السيئات ولكن أخاف ان يطرق إليك من طريق الحسنات والتحفظ فى هذا المقام اتهام نفسه فى كل مأتى به والتضرع والاستغفار- (أبيات)
خالف النفس والشيطان واعصهما ... وان هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما ... فانت تعرف كيد الخصم والحكم
استغفر الله من قول بلا عمل ... لقد نسبت به نسلا لذى عقم
والحصين فى كل الحصين فى هذه المقام التشبث بذيل شيخ فإن فى الله باق به وان لا يفعل شيئا الا بامره واجازته ذكر الشيخ الامام يعقوب الكرخي رحمة الله عليه من بدأ حاله انه قال كنت نجارا فادركت فى نفسى تكاسلا وفى باطني شيئا من الظلمة فاردت ان أصوم أياما ليذهب ذلك فصمت وأصبحت عند الشيخ الامام الاجل بهاء الملة والدين النقشبندي فامر الشيخ بإحضار الطعام وقال لى كل فانه بئس العبد عبد هوى تضاله وقال ان الاكل أفضل من الصوم ان كان بهوى النفس ففهمت انه لا بد فى العبادة النافلة ايضا من اذن من الشيخ الفاني فى الله المستخلص عن الهوى قال قلت للشيخ بهاء الدين ان لم يوجد شيخ كذلك فماذا يفعل المرء قال فقال الشيخ ليستغفر الله كثيرا او يستغفر بعد كل صلوة عشرين مرة فانه قال رسول الله ﷺ انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله كل يوم مأية مرة وأعلى المراتب الانتهاء عن الهوى سلب الهوى عن نفسه بالكلية بحيث لا يكون له مراد ومطلب غير الله سبحانه وغير مراده ولتحصيل هذه المرتبة تكثير الصوفية تكرار لا اله الا الله بملاحظة
стр. 4174
لا مقصود الا الله قال المجدد رض ان العبد ما دام فى هوى نفسه فهو عبد نفسه مطيع الشيطان وهذه الدولة العظمى يعنى سلب الهوى بالكلية منوط بالولاية الخالصة ومربوط بالفناء والبقاء الأكملين قلت وفى هذه المرتبة يحصل للصوفى الرضاء بما قدر الله له وان كان خلاف طبعه وانه يدعو لدفع ضرر نزل به بناء على انه مامور بالدعاء او طلب العافية لا لاجل ضيق صدره من فقدان مراده وفى هذه المرتبة يكون عبد الله تعالى بالاختيار كما هو عبد الله بالتسخير والاضطرار وح لا يجد الشيطان اليه سبيلا الا نادر الان سبيله الى الإنسان غالبا يكون بتوسط لهوى الا ترى ان من هو محرور المزاج مغلوب الغضب يزين له الشيطان من اعماله القتل والظلم ونحو ذلك ومن هو مبرود المزاج ضعيف القلب يزين له الشيطان القرار من الزحف وترك الغيرة فى الحق والنفاق ونحو ذلك وقس على هذا فاذا أزال الهوى منه انسد طرق الشيطان اليه كلها وذلك مصداق قوله تعالى ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ومن هذا المقام قال شيخ الاجل يعقوب الكرخي ان الرجل لا يبلغ مبلغ الرجال حتى يخلص من الهوى وفى هذا المقام يطلق على العبد انه مومن حقيقى وهو المراد من قوله صلى الله عليه واله وسلم لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به رواه البغوي فى الشرح الستة وقال النووي فى اربعينه حديث صحيح.
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ليس له ماوى سواها اخرج ابن حاتم من طريق جبير عن الضحاك عن ابن عباس ان مشركى مكة سالوا النبي صلى الله عليه واله وسلم فقالوا متى تقوم الساعة استهزاء منهم فأنزل الله تعالى.
يَسْئَلُونَكَ اى كفار قريش عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ط اى متى قيامها مصدر من الراس بمعنى القيام والثبوت واخرج الحاكم وابن جرير عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يسال عن الساعة حتى انزل الله عليه يسالونك عن الساعة إلخ فانتهى واخرج الطبراني وابن جرير عن طارق بن شهاب قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت.
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ط احرج ابن حاتم عن عروة مثله والحاصل ان النبي ﷺ بشدة حرصه على جواب السائلين عن وقت قيامها كان يسال الله سبحانه عنها نزلت هذه الاية فظهران فى اخفائها حكمة وانه لا يرجى علمها فانتهى عن السؤال عنها وما فى فيم استفهامية للانكار
стр. 4175
ومن ذكريها بيان لما اى فى شىء أنت فى ذكر الساعة وبيان وقتها لا يجوز كذلك ولا يتصور لانك لا تعلمها ولا يجوز ان يعلم لحكمة فى اخفائها او المعنى فى اى شىء أنت حال كون ذلك الشيء من ذكر الساعة وبيان وقتها يعنى لست فى شىء من ذكرها وعلمها يعنى ليس شىء من علمها عندك يقال ليس فلان فى العلم من شىء يعنى ليس شىء من العلم عنده ويحتمل ان يكون فيم خبر مبتداء محذوف يعنى فيم هذا السؤال واى فايدة فيه ثم استأنف وقال أنت من ذكريها اى من علاماتها وموجب تذكرها فانك ختم الأنبياء عن انس قال قال رسول الله ﷺ بعثت انا والساعة كهاتين متفق عليه وعن المستورد بن شداد عن النبي ﷺ قال بعثت فى نفس الساعة فاسبقتها كما سبقت هذه هذه بإصبعيه السبابة والوسطى رواه الترمذي وقيل فيم أنت من ذكريها متصل بالسؤال يعنى يسئلونك عن الساعة أيان مرسها ويقولون واين أنت من ذكرانها وبيان وقتها فتذكر وقتها على التعيين.
إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ط يعنى مدة تقوم الساعة عند انقضائها مفوض الى ربك لا يعلمها غيره فهذه التعليل للانكار السابق جوابا للسوال وان كان من تتمة السؤال فهذا جواب.
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ط يعنى لم تبعث لبيان وقت الساعة انما بعثت لتنذر منها من يخشى شدايدها حتى تجتنب من موجباتها من يخشى لانه هو المنتفع الشدائد والعلم بوقوع الساعة قطعا يكفى للانذار ولا حاجة فيه الى بيان وقت وقوعها وتخصيص من يخشى لانه هو المنتفع بالإنذار وهذه الجملة تأكيد لما سبق من التعليل لانكار السؤال.
كَأَنَّهُمْ اى الناس يَوْمَ يَرَوْنَها اى الساعة والظرف متعلق بمعنى التشبيه المفهوم من كان لَمْ يَلْبَثُوا خبر كان اى لم يلبثوا فى الدنيا والقبور زمانا إِلَّا عَشِيَّةً اى عشية يوم واحد أَوْ ضُحاها امال حمزة والكسائي اواخر هذه السورة من قوله تعالى هل اتيك حديث موسى الى آخرها الا دحيها فان حمزة فتحها وورش ما ليس فيه هاؤ الف بين بين وغيرها بالفتح الا ذكريها فبين بين وابو عمرو ما فيه راء امال وغيرها بين بين والباقون بالفتح كلها اى ضحى تلك العشية أضيف الضحى الى العشية لملابسة اجتماعها فى يوم واحد يعنى انهم يزعمون مدة لبثهم فى الدنيا والقبور لكونها متناهية ولانقضائها وانعدامها كان لم يكن ولعدم تناهى زمان للعذاب ولشدة ذلك العذاب زمان قصير جدا نظيره قوله تعالى لبثنا يوما او بعض يوم وهذه الاية كانه جواب لسوالهم عن وقت مجيئها يعنى ان قيام الساعة قريب جدا.
стр. 4176
سورة عبس
مكيّة وهى اثنتان وأربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكر البغوي ان ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بنى عامر ابن لوى اتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يناجى عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وابى وامية ابني خلف يدعوهم الى الله يرجوا إسلامهم فقال ابن أم مكتوم يا رسول الله اقرئنى وعلمنى مما علمك الله فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدرى انه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية فى وجهه ﷺ لقطع كلامه وقال فى نفسه يقول هؤلاء الصناديد انما اتباعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه واعرض عنه واقبل على القوم الذين كان يكلمهم فانزل الله تعالى
عَبَسَ محمد اى كلح وَتَوَلَّى اعرض وجهه.
أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ومحله النصب على انه مفعول لاحد الفعلين على التنازع او لان جاءه الأعمى وهو ابن أم مكتوم المذكور كذا اخرج الترمذي والحاكم عن عائشة وفيه قال ابن أم مكتوم أترى عما أقوله بأسا قال رسول الله ﷺ لا واخرج مثله عن انس وكذا روى ابن ابى حاتم عن ابن عباس وفيه فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا راه يكرمه ويقول مرحبا بمن عاتبتى فيه ربى ويقول له هل لك من حاجة وفيما روى الترمذي والحاكم عن عائشة ان النبي ﷺ استخلفه على المدينة مرتين فى غزوتين غزاهما وذكر الأعمى فى الاية اشعار بعذره فى الاقدام على قطع كلام النبي ﷺ .
وَما يُدْرِيكَ ما نافية او استفهامية للانكار ومعناه النفي يعنى أنت ما أدريت بحاله واى شىء يجعلك داريا بحاله وفيه ايماء إلى العذر فى حق النبي ﷺ يعنى انك لو كنت عالما بحال الأعمى لم تعرض عنه مقبلا على غيره وفى الاية إجلال للنبى ﷺ بوجوه أحدها انه ذكر موجب الإنكار والاعراض عنه فى بدأ الكلام بلفظ الغيبة ولم يسند ذلك الفعل اليه بالتخاطب إيهاما بان من صدر ذلك الفعل كانه غيره وليس من شأنه ان يصدر منه مثله وتوجيه ذلك
стр. 4177
ان الأعمال انما هى بالنيات وما كانت فى نية النبي ﷺ الاعراض عنه مطلقا بل كان غرضه ان هذا الرجل مؤمن لا يضره التأخير فى تعليمه ولا يخاف منه التولي والانحراف وان صناديد قريش عند الاعراض عنهم يذهبون ولا ينظرون ولو انهم أمنوا لا من معهم خلق كثير وتساع كلمة الله فبهذا الغرض كانه لم يصدر عن النبي ﷺ التولي عن الأعمى وان وجد منه صورة التولي وثانيها انه ذكر الإيماء الى الاعتذار منه ﷺ بانك لم تكن تعلم والا لما صدر عنك ذلك وثالثها الالتفات اليه من الغيبة الى التخاطب أينا ساله دفعا للايحاش وإقبالا عليه دفعا لتوهم الاعراض ورابعها اسناد موجب العذر اليه ﷺ بالتخاطب تصريحا بكونه معذورا فيما صدر عنه لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أصله يتزكى اى يتطهر بكماله من الشرك الجلى والخفي ورزائل النفس وهوائها وتعلق القلب بغير الله سبحانه وذهاب الغفلة عن سائر لطايف عالم الأمر وزوال صولة كل عنصر من عناصر عالم الخلق بفيض صحبة النبي ﷺ وبركة أنفاسه الشريفة واقتباس أنواره الظاهرة والباطنة.
أَوْ يَذَّكَّرُ أصله يتذكر اى يشتغل بما يذكر الله سبحانه ويزيد حضوره ويفيد خشيته من عذابه ورجاء ثوابه فَتَنْفَعَهُ قرأ عاصم بالنصب على جواب لعل والباقون بالرفع عطفا على يذكر الذِّكْرى فى الصحاح الذكرى كثرة الذكر وهو ابلغ من الذكر لقوله تعالى لعله يزكى اشعار الى غاية منازل الأبرار وقوله او يذكر اشارة الى بداية حال الأخيار ولم يذكر هاهنا حال المقربين الصديقين لان المقام مقام الانانية واما المقربون فملاك أمرهم على الاجتباء وذلك بالاصالة مختص بالأنبياء وبالوراثة والطفيل لمن شاء الله تعالى من الأصفياء وكلمة او بين لمنع الخلو دون الجمع كما فى قوله جالس الحسن او ابن سيرين والجملة معترضة لما ذكرنا من الفوائد والبيان صلوح الأعمى للخطاب وفيه تعريض بان صناديد قريش ليسوا بأهل للخطاب وفيه تعريض لا يرجى ما يقصد منهم كمن يقرا مسئلة لمن لا يفهمها وعنده اخر قابل لفهمها فيقال بل هذا يفهم ما تقول وقيل ضمير لعله راجع الى الكافر يعنى انك تطمع منه تزكى او تذكر وما يدريك ان ما تطمع فيه كاين وعلى هذا جملة لعله يزكى مفعول ثان ليدريك والله تعالى اعلم.
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى قال ابن عباس استغنى عن الله وعن الايمان بماله من المال.
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد
стр. 4178
بإدغام التاء التفعل فى الصاد والباقون بالتخفيف بحذف احدى التاءين وأصله يتصدى اى تعرض له وتقبل عليه كيلا يفوت منه التزكى والتطهر.
وَما عَلَيْكَ بأس فى أَلَّا يَزَّكَّى ط حتى يبعثك الحرص على إسلامه الى الاعراض عمن اسلم انما عليك البلاغ ويحتمل ان يكون لا زائدة والا يزكى اسم ما عليك خبره والمعنى انه ليس الواجب عليك تزكية انما عليك البلاغ والجملة فاعل تصدى او معترضة.
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى حال اى ساعيا طالبا لما عندك من الخير.
وَهُوَ يَخْشى الله حال مرادف يسعى او متداخل.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ج امال حمزة والكسائي او اخر الآيات من أول السورة الى هاهنا وورش بين بين الا ذكرى فاما لها والباقون بالفتح اى تتشاغل الى غيره الجملتين تفصيل لما أجمل فى عبس وتولى وبيان لما عليه العتاب وهو إهمال الطالب وبذل الجهد فى الغافل مع ان الاولى عكس ذلك.
كَلَّا ردع عما فعل اى لا نفعل مثل ذلك ابدا إِنَّها اى القرآن انث الضمير لتأنيث خبره او بتأويل الآيات تَذْكِرَةٌ ج عظة وموجب لذكر الله سبحانه.
فَمَنْ شاءَ الاتعاظ وذكره تعالى ذَكَرَهُ حفظه اى القرآن والجملة معترضة تعليق الذكر بالمشية تخيير صيغة وتوبيخ للمعرضين عنه وثناء للمشتغلين به معنى.
فِي صُحُفٍ اى مثبة مكتوبة فيها صفة لتذكرة او خبر ثان لان او خبر مبتداء محذوف اى هى فى صحف والمراد بالصحف اللوح المحفوظ او صحف ينسخها الملائكة من اللوح او صحف الأنبياء بدليل قوله تعالى وانه لفى الزبر الأولين ان هذا لفى الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى او المصاحف التي كتبها الصحابة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم مُكَرَّمَةٍ عند الله.
مَرْفُوعَةٍ القدر عند الله سبحانه وقيل مرفوعة فى السماء السابعة مُطَهَّرَةٍ منزهة عن مس الجنب والحائض والنفساء والمحدث.
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ جمع سافر بمعنى كاتب ومنه يقال الكتاب سفر وجمعه اسفار كذا قال ابن عباس ومجاهد فالمراد بهم الملائكة الكرام الكاتبون او الأنبياء او كتبة الوحى وقال الآخرون هم الرسل جمع سفير بمعنى الرسل يقال سفير القوم للذى يسعى بينهم للصلح فالمراد هم الرسل من الملائكة ومن المبشر قلت وكذا اكتبه الوحى وعلماء الامة فان كل منهم سفير بين الرسول وبين الامة قال رسول الله ﷺ الذي يقرؤن القران وهو ماهر به مع السفرة الكرام الأبرار والذي يقرأه وينتفع فيه وهو عليه شاق له اجر ان رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها
стр. 4179
يعنى له أجران اجر القراءة واجر المشقة وبهذا يظهران للماهر أجور غير متناهية.
كِرامٍ على الله منعطفين على المؤمنين يكملونهم ويستغفرون لهم بَرَرَةٍ ط أتقياء صفة بعد صفة لسفرة هكذا ينبغى شان العلماء.
قُتِلَ الْإِنْسانُ اى لعن ما أَكْفَرَهُ دعاء عليه باشنع الدعوات وتعجب من افراطه فى الكفر بعد هجوم الدواعي على التشكر والايمان وهذا الكلام مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ اخرج ابن المنذر عن عكرمة وكذا قال مقاتل انها نزلت فى عتبة بن ابى لهب قال كفرت برب النجم قلت وقصة ذلك على ما فى السير انه كان النبي صلى الله عليه واله وسلم زوّجه ابنة أم كلثوم وزوّج أخيه عتبة أختها ﵉ فلما نزلت تبّت يدا ابى لهب وتبّ قال ابو لهب راسى من راسكما حرام ان لم تطلقا ابنتي محمد فطلقا لهما ولم يبنيا بهما وجاء عتبة حين فارق أم كلثوم عند النبي ﷺ وقال كفرت بدينك وفارقتك ابنتك وسطا عليه وشق قميص النبي صلى الله عليه واله وسلم قال النبي ﷺ اما انى أسأل الله ان يسلط عليك كلبا من كلابه وكان خارجا الى الشام تاجرا مع نفر من قريش حتى نزّلوا مكانا من الشام (يقال له الزوراء) ليلا فطاف بهم الأسد تلك الليلة عتبة يقول يا ويل فانى أخاف دعوة محمد فجمعوا حمالهم فعرشوا العتبة فى أعلاها وناموا حوله فقيل ان الأسد انصرف عنهم حتى ناموا وعتبة فى وسطهم ثم اقبل الأسد يتخطاهم ويتفشمهم حتى أخذ برأس عتبة فقدعه قلت واما عتبة ومعيتيب ابني ابى لهب فقد اسلم بعد ذلك وكان من التائبين مع النبي صلى الله عليه واله وسلم يوم حنين.
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ط بيان لموجبات الايمان والشكر وذكر مبدأ خلقه لكونها اسبق النعم وضمير الفاعل راجعا الى مذكور تقديرا يعنى من اى شىء خلقه الله الاستفهام للتقرير الى حمل المخاطب على الإقرار بانه خلقه الله من نطفة بيان لما وهذا الوجه أوقع فى الذهن وفيه تحقير ينافى التكبر.
مِنْ نُطْفَةٍ ط متعلق بمحذوف اى خلق الله من نطفة بيان لما أبهم ثم بين ما اعترض عليه من الأحوال من مبدأ خلقه الى منتهاه فقال خَلَقَهُ أوجده فى الرحم من نطفة تاما فَقَدَّرَهُ اى كتب باذنه ملك الموكل اربع كلمات مقدرة مقادير عمله واجله ورزقه وسعادته او شقاوته كما ذكرنا فى سورة المرسلات حديث ابن مسعود المتفق عليه وهذا التأويل اولى مما ذكره المفسرون بان معناه هاهنا لا يصلح من الأعضاء والاشكال او قدره أطوارا
стр. 4180
من نطفة الى ان تم خلقه.
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ إضمار على شريطة التفسير معطوف على قدر يعنى سهل طريق خروجه من بطن امه كذا قال السدى والمقاتل او المعنى سهل له طريق الحق وسبيل الوصول الى الله تعالى ببعث الرسل وإنزال الكتاب ليتم عليه الحجة نظيره قوله تعالى امّا من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى واما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى او المعنى سهل له الحيوة الدنيا وما يتوقف عليه فان الدنيا سبيل اما الى الجنة واما الى النار وليست بدار القرار قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كن فى الدنيا كانك غريب او عابر سبيل رواه البخاري من حديث ابن عمرو رواه احمد والترمذي وابن ماجة ورادوا وعد نفسك من اصحاب القبور ويناسب هذا التأويل قوله.
ثُمَّ أَماتَهُ عد الاماتة من النعم لكونها موصلة الى دار القرار قال رسول الله ﷺ تحفة المؤمن الموت رواه الطبراني والحاكم والبيهقي فى الشعب وابو نعيم فى الحلية من حديث ابن عمرو اما كونه سبيلا الى النار فلفساد اختياره ولا جبر بالكلية قال رسول الله ﷺ قيل لى سيد بنى دار او وضع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضى عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد فقال فالله السيد ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة رواه الدارمي من حديث ربيعة الجرسى والبخاري عن جابر نحوه فَأَقْبَرَهُ اى امر الناس بجعل الميت فى القبر صيانة عن السباع وهذا نعمة اخرى صبت أكرم الإنسان ولم يجعله كساير الحيوانات جيفة ملقاة.
ثُمَّ إِذا شاءَ الله بعثه من القبر أَنْشَرَهُ أحياه بعد الموتة فان من هو قادر على خلقه قادر على نشره من القبر وقد اخبر بذلك على لسان رسله ولولا البعث والجزاء لصار الشاكر كالكافر وذلك قبيح.
كَلَّا ردع عما عليه الكافر من الإنكار والكفران مع تلك الدلائل الموجبة للايمان والنعماء المستوجبة للشكر لَمَّا يَقْضِ اى بعد ما علم تلك النعم الجليلة والدلائل الواضحة لم يقض الى الان ما أَمَرَهُ الله من الايمان والنعماء المستوجبة لشكر المنعم.
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ عطف على مفهوم ما سبق اى لينظر اولا الى نفسه من مبدأ خلقه الى منتهاه وما أنعم عليه وفيه فينظر إِلى طَعامِهِ كيف خلقناه ومتعناه به.
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ المطر من السماء
стр. 4181
قرأ الكوفيون بفتح همزة انا على انه بدل اشتمال للطعام لبيان كيفية خلقه والباقون بالكسر على الاستيناف صَبًّا مفعول مطلق للتاكيد.
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا بإخراج شطأ الزرع من الأرض او بالكراب وحينئذ اسناد الفعل الى الله اسناد الى السبب.
فَأَنْبَتْنا فِيها اى فى الأرض حَبًّا كالحنطة والشعير وغير ذلك.
وَعِنَباً وَقَضْباً يعنى الرطبة سميت بمصدر قضبه او اقطعه لانها يقضب مرة بعد اخرى وفى الصحاح القضب يستعمل فى البقل وفى القاموس القضب كل شجرة طالت وبسطت أغصانها.
وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وهى الحديقة المتكاثفة أشجارها كذا فى القاموس.
وَفاكِهَةً ما يراد بها التفكه فقط من الثمار ومن ثم قال الفقهاء من حلف لا يأكل فاكهة لا يحنث بأكل التمر والعنب والزيتون ولان العطف دليل المغايرة وكذا أكل ما يراد به الغذاء والدواء كالرمان وَأَبًّا اى كلاء ومرعى كذا فى القاموس.
مَتاعاً مفعول له لانبتنا لَكُمْ كالحب من الحنطة وغيرها وَلِأَنْعامِكُمْ كالاب.
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ فى القاموس الصاخة صيحة بضم شدتها والمراد بها نفخة الصور وفى الصحاح الصاخة الشدة الصوت ذى نطق وعلى هذا وصفت نفخة الصور بها مجازا لان الناس يصيحون بها وهذا الشرط محذوف الجزاء والجملة متصل لقوله تعالى انها تذكرة او بقوله قتل الإنسان ما اكفره فعلى الاول تقديره انها تذكرة وعظته فاذا جاءت الصاخة يختلف حال المتعظين بها وغير المتعظين وبيانه وجوه يومئذ إلخ ويحتمل حينئذ ان يكون جزاءه وجوه يومئذ إلخ وعلى الثاني تقديره قتل الإنسان ما اكفره فاذا جاءت الصاخة يرى جزاء كفرانه.
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ط لاشتغاله بشان نفسه وعلمه بانهم لا ينفعونهم او لبغضهم وكراهتهم لاجل كفرهم وسوء حالهم عن على رضى الله تعالى عنه قال سالت خديجة ولدين ماتا لها فى الجاهلية فقال رسول الله ﷺ هما فى النار فلما راى الكراهة فى وجهها قال لو رايت مكانهما لا بغضتهما الحديث رواه احمد وتأخير الأحب للمبالغة كانه قيل يفر المرء من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه والظرف اعنى يوم يفر بدل من إذا.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ اى من الناس يَوْمَئِذٍ متعلق بالظرف المستقر شَأْنٌ فاعل للظرف المستقر
стр. 4182
او مبتداء والظرف خبره يُغْنِيهِ ط اى يشغله عن شأن غيره صفة لشأن وهذا التعليل للفراء عن سودة زوج النبي صلى الله عليه واله وسلم قالت قال رسول الله ﷺ يبعث الله الناس حفاة عراة غرلا لقد الجسم العرق وبلغ شحوم الاذان فقلت يا رسول الله وا سوأتاه ينظر بعضنا الى بعض فقال قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه رواه الطبراني والبيهقي والبغوي وفى الصحيحين عن عائشة نحوه وفيه قالت عائشة الأمر منهم يومئذ أشد من ذلك يعنى من ان ينظر بعضهم الى بعض واخرج البيهقي عن ابن عباس نحوه.
وُجُوهٌ المؤمنين او وجوه كثيرة او وجوه منهم اى من الناس المفهوم من كل امرئ يَوْمَئِذٍ متعلق بما بعده مُسْفِرَةٌ اى مضية من اسفار الصبح.
ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ج وصفت الوجوه بصفة أصحابها مجازا.
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ متعلق بظرف مستقر بعده عَلَيْها ظرف مستقر غَبَرَةٌ فاعل الظرف او مبتداء اى استقر عليها غبار او كدورة والجملة خبر لوجوه.
تَرْهَقُها تعلوها وتغشاها قَتَرَةٌ اى سواد وظلمة قال ابن عباس تغشاها ذلة قال ابن زيد فرق بين الغبرة والقترة ان القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالماء والغبرة ما كان أسفل فى الأرض وجملة ترهقها صفة بغبرة او خبر بعد خبر بوجوه.
أُولئِكَ مبتداء يعنى الذين وجوههم عليها غبرة هُمُ ضمير الفصل الْكَفَرَةُ جمع كفر خبر الْفَجَرَةُ ع جمع فاجر صفة لكفرة او خبر والجملة مستانفة كانها جواب من اصحاب تلك الوجوه والفجور شق شر الدين والديانة وكماله فى الكفر- والله اعلم بالصواب.
стр. 4183
سورة كوّرت
مكية وهى تسع وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من سره ان ينظر الى يوم القيامة راى العين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت رواه احمد والترمذي وحسنه ورواه البغوي من غير ذكر إذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت
إِذَا الشَّمْسُ إذا شرطية والشمس مرفوعة بفعل شرط محذوف يفسره كُوِّرَتْ وكذا كل ما عطف عليه اى لغت فذهب ضوءه واظلمت اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس قال اظلمت واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا فى كتاب فى البحر والأحوال وابو الشيخ فى كتاب العظمة عنه فى تلك الآيات قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة فى البحر ويبعث الله ريحا دبورا فينفخه حتى يرجع نارا قال بعضهم إذا ألقيت الشمس فى البحر فيه انحمى وتنقلب نارا واخرج ابن ابى حاتم عن ابن ابى مريم ان النبي ﷺ قال فى قوله تعالى إذا الشمس كورت فى جهنم وإذ النجوم انكدرت قال انكدرت فى جهنم وكل من عبد من دون الله فهو فى جهنم الا ما كان من عيسى وامه قلت لعل التطبيق بين تكويرها فى البحر وفى جهنم ان البحر يصير نارا حميما لاهل النار واخرج البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال الشمس والقمر يكوران يوم القيمة واخرج البزار فى مسنده وزاد فى النار.
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ص اى انقضت وتناثرت من السماء وتساقطت الى الأرض يقال انكدر الطير اى أسقط قال الكلبي يمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم الا وقع.
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ص عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا.
وَإِذَا الْعِشارُ اى التوق اللاتي مر على حملها عشرة أشهر جمع عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة وهى النفيس اموال العرب يكونون ملازمى اذنابهن عُطِّلَتْ تركت بلا راع
стр. 4184
أهملها أهلها لما جاء اهوال يوم القيامة او المراد بالعشار السحايب عطلت عن المطر.
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ قال ابى بن كعب معناه اجتلت وماجت بعضها فى بعضها وقيل معناه جمعت بعد البعث للقصاص بين الدواب كما مر فى تفسير قوله تعالى يا ليتنى كنت ترابا وروى عكرمة عن ابن عباس حشرها موتها قال حشر كل شى الموت غير الجن والانس.
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ص قرأ ابن كثير وابو عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد قال ابن عباس أوقدت فصارت نارا تضطرم وهو قول ابى وقال الكلبي ملئت يقال المسجور المملو وقال مجاهد ومقاتل يعنى قحم بعضها فى بعض العذب والملح فصارت البحور كلها بحرا واحدا من الحميم لاهل النار وقال الحسن وقتادة يبست وذهب ماءها فلم يبق من الماء قطرة قلت والجمع بين الأقوال انه يجمع البحار كلها وملئت بحرا واحدا وكورت الشمس فيها فحينئذ تحمى البحر وتصير نارا ولم يبق من الماء قطرة بصيرورتها نارا وماء حميما لاهل النار واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن ابى بن كعب قال ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس فى أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت وفزعت الإنس والجن فتقول الجن للانس نحن ناتيكم بالخبر فانطلقوا الى البحر فاذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذا جاءت بهم ريح فاماتتهم وقال البغوي روى ابو العالية عنه فذكر نحوه غير ان فى رواية فانطلقوا الجن الى البحر فاذا هى نار تأجج فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة اى الأرض السابعة السفلى الى السماء العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فاماتتهم وعن ابن عباس ايضا قال هى اثنى عشر خصلة ست فى الدنيا ستة فى الاخرة وهى ما ذكر بعدها.
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ اخرج ابن ابى حاتم عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ فى هذه الاية الضرباء كل رجل مع قومه كانوا يعملون عمله وذلك بإذن الله ويقول وكنتم أزواجا ثلثة فأصحب الميمنة ما اصحب الميمنة واصحب المشئمة ما اصحب المشئمة والسابقون السابقون واخرج البيهقي من النعمان بن بشير قال سمعت عمر بن الخطاب يقول وإذا النفوس زوجت قال هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة او النار وسمعته يقول احشروا الذين ظلموا
стр. 4185
وأزواجهم قال ضربائهم واخرج سعيد بن منصور بلفظ يقرن الرجل الصالح مع الصالح فى الجنة ويقرن الرجل السوء مع السوء فى النار واخرج البيهقي عن ابن عباس قال احشروا الذين ظلموا وأزواجهم قال أشياعهم وقيل تزوجت النفوس باعمالها وقال عطاء ومقاتل زوجت النفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكفار بالشياطين وروى عن عكرمة قال إذا النفوس زوجت اى ردت الأرواح فى الأجساد.
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ وهى الجارية المدفونة حية سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيودها اى يثقلها حتى تموت وكانت العرب تدفن البنات مخافة العار والفقر تبكيتا للوائدة كتبكيت النصارى بقوله تعالى يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين او يقال أسند الفعل الى الموؤدة محازا والمعنى سُئِلَتْ عنها كما فى قوله تعالى ان العهد كان مسئولا اى مسئولا عنه او المراد بالموؤدة الوائدة وقد يطلق المفعول بمعنى الفاعل كما فى قوله تعالى كان وعده ماتيا والمراد بالموءودة الموؤدة لهما كما فى قوله ﵇ الوائدة والموؤدة فى النار رواه ابو داود بسند حسن عن ابن مسعود قال وائدة هى القابلة والموؤدة لها هى الام ولا يمكن فى الحديث الا هذا التأويل- (فائده) الواد كبيرة لانه قتل النفس بغير حق وفى حكمه إسقاط الحمل بعد اربعة أشهر لتمام خلقة الجنين ونفخ الروح فى تلك المدة واقل منه وزرا إسقاط الحمل قبل اربعة أشهر لكنه حرام ولذلك تجب الغرة اجماعا فيما ضرب بطن امرأة حبلى فسقط جنينا كامل الخلقة او ناقصا إذ تصور فيها خلق آدمي هذا إذا انفصل ميتا واما إذا انفصل حيا فمات ففيه كمال دية الكبير عن ابى هريرة قال قضى رسول الله ﷺ فى جنين امرأة من بنى لحيان سقط بغرة عبدا وامة متفق عليه (مسئلة:) يجوز العزل عن الامة ولا يجوز عن الحرة الا بإذنها لكنه يكره مطلقا لما روى مسلم عن حذامة بنت وهب انهم سالوا رسول الله ﷺ عن العزل فقال رسول الله ﷺ ذلك الواد الخفي وهى وإذا الموؤدة سئلت ووجه الجواز حديث جابر كنا نعزل والقران ينزل متفق عليه وزاد مسلم فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا وفى رواية عنه ﷺ قال فى الامة اعزل عنها ان شئت فانه سيأتيها ما قدر لها وفى روايتها ما عليكم ان لا تفعلوا ما من نسمة كاينة الى يوم القيامة الا وهى كاينة متفق عليه ووجه الاحتياج
стр. 4186
الى الاذن فى الحرة حديث عمر بن الخطاب قال نهى رسول الله ﷺ ان يعزل عن الحرة الا بإذنها رواه ابن ماجة.
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ اى الموؤدة قرأ ابو جعفر بالتشديد المبالغة والجمهور بالتخفيف فى التاء.
وَإِذَا الصُّحُفُ صحف الأعمال نُشِرَتْ للحساب او فرقت بين أصحابها قراءة نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين والباقون بالتشديد للمبالغة فى النشر او لكثرة الصحف او شدة الطائر.
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قلعت وأزيلت كما تكشط الإهاب عن الذبيحة قلت والظاهر ان يكون هذا قبل نفخة الصعق حين كورت الشمس وانتشرت الكواكب او عند تلك النفخة ويحتمل ان يكون بين النفختين فتطوى السماء والأرض وتبدل السماء سماء اخر وتبدل الأرض غير الأرض قال القرظي جمع صاحب الإفصاح بين الاخبار فقال تبديل السموات والأرض تقع مرتين إحداهما تبديل صفاتها فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتنثر الكواكب وتخسف الشمس والقمر وتصير السماء كالمهل وتكشط عن الروس وتسير الجبال ويصير البحر نارا وعوج الأرض وينشق الى ان تصير الهيئة غير الهيئة ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض وتبدل السماء بسماء اخرى.
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ قرأ نافع وحفص وابن زكوان بتشديد العين والباقون بالتخفيف اى أوقدت إيقاد شديدا لاعداء الله تعالى.
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أدنيت للمتقين قال الله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مكرمة عامة فى الأسباط بمعاونة المقام اى كل نفس ما أَحْضَرَتْ ط اى ما فعلت من خير او شر وهذا جواب لاذا الشرطية فى إذا الشمس كورت وفيما عطف عليه والمراد بذلك الزمان الزمان المتسع الشامل لجميع ما ذكرهما قبل النفخة الاولى الى دخول الجنة.
فَلا أُقْسِمُ الكلام هاهنا كالكلام فى المفتتح «١» سورة القيامة والفاء يعنى لما أنزلنا عليكم الآيات فى شأن الساعة فاعلموا انه كلام الله غير متقول اقسم بِالْخُنَّسِ الخنوس الرجوع من منتهى السير الى مكان ابتدأ منه والمراد بها الكواكب الخمسة المسمات بالمتحيرة وهى عطارد والزهرة والمشترى والمريخ والزحل فانها ترى سيارة من المغرب
стр. 4187
الى المشرق ثم ترجع الى المغرب وقد ترى ساكنة ولذلك سميت متحيرة والسبب فى ذلك عند الهيئة انها مرتكزة فى أفلاك جزئية غير مجوفة تسمى تدويرات وللتدويرات حركات برأسها وحركات أعاليها على نسق أفلاكها من المغرب الى المشرق وحركات أسافلها على عكس ذلك فالكواكب إذا كان فى أعلى التدوير فتساعد الحركتين حركة التدوير وحركة الفلك الكلى يرى متحركا الى المشرق بسرعته وإذا كان فى أسفلها فلتراجم الحركتين او عدم التساعد قد يرى متحركا نحو المغرب وهو الرجوع والخنوس وقد يرى ساكنا واما عندنا فالكواكب كل منها فى فلك يسبحون على ما أراد الله سبحانه ولا امتناع لخرق السموات والتيامها فحركات الخمسة المتحيرة قد تكون نحو المشرق وقد تكون نحو المغرب وقد تكون بطيئة وقد تكون سريعة كما أراد الله تعالى وجرى به عادته وحركات ساير الكواكب جرت العادة بكونها دائما على نسق واحد وقال قتادة الخنس هى النجوم كلها تبدوا بالليل وتخنس بالنهار فتخفى فالمراد بالخنوس حينئذ الخفاء وهو لازم يعنى الرجوع وقيل خنوسها ان يغيب قلت وعلى هذا يكون الخنس والكنس مترادفين فلا وجه للتكرار.
الْجَوارِ فى الفلك الْكُنَّسِ والكنوس ان تأوي الأرنب والظبى فى مكانها والمراد هاهنا بالكنس اختفائها عند غروبها او عند المحاق قلت ويحتمل ان يقال المراد بمكانها مستقرها تحت العرش عن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين غربت الشمس أتدري اين تذهب قلت الله ورسوله اعلم قال فانها تذهب حتى نسجد تحت العرش الحديث.
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ قال الحسن اقبل بظلامه وقال أدبر وهو من الاضداد.
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ اى بدأ اوله وقبل امتد ضوئه وارتفع جواب القسم.
إِنَّهُ يعنى القران لَقَوْلُ رَسُولٍ من حيث انه رسول يعنى ليس بمتقول محمد ﵊ بل هو قول مرسل وهو الله سبحانه والمراد بالرسول جبرئيل او محمد ﷺ كَرِيمٍ على الله صفة رسول.
ذِي قُوَّةٍ ان المراد جبرئيل فمن قوته انه اقتلع قريات قوم لوط ومن الماء الأسود حملها على جناحه فرفعها الى السماء ثم قلبها وانه صاح صيحة بثمود فاصبحوا جاثمين وانه يهبط من السماء الى الأرض ويصعد فى اسرع من الطرف وان المراد به محمد صلى الله عليه واله وسلم فهو ذو قوة فى الجذب الى الله من الإرشاد لبث
стр. 4188
نوح ﵇ فى قومه الف سنة الا خمسين عاما وما أمن قوم الا قليل ولبث محمد صلى الله عليه واله وسلم فى أمته ثلثا وعشرين سنة وانتشر دينه فى الآفاق كان الناس يدخلون فى دين الله أفواجا وكان معه حجة الوداع ماية الف واربعة وعشرين الفا من الصحابة وانه صعد من السماء السابعة والى ما لم يستطع جبرئيل الصعود اليه ثم هبط الأرض فى اقل من ساعة وانه راى ربه ولم يستطع أحد غيره فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ اى الله سبحانه الظرف متعلق بما بعده مَكِينٍ ذى مكانة وجاه ومنزلة.
مُطاعٍ للعالمين قال الله تعالى من يطع الرّسول فقد أطاع الله ثَمَّ اى عند ذى العرش أَمِينٍ ط على الوحى والظرف اعنى ثمّ الظاهر انه متعلق بامين ويجوز ان يكون متعلق بمطاع يعنى مطاع فى الملاء الا على قال البغوي من إطاعة الملائكة إياه يعنى جبرئيل انهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﷺ وفتح خزنة الجنة ابوابها قلت وهذا بعينه إطاعة لمحمد صلى الله عليه واله وسلم ويحتمل ان يراد بالاطاعة ان الاحكام الالهية تنزل اولا عليه ثم بواسطته تصل تلك الاحكام الى غيره من الملائكة عن النواس بن سمعان قال قال رسول الله ﷺ إذا أراد الله ان يوحى بالأمر تكلم بالوحى أخذت السموات منه رجفة او قال رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فاذا سمع ذلك اهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع راسه جبرئيل فيكلمه الله وحيه بما أراد ثم يمر جبرئيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرئيل فيقول جبرئيل قال الحق وهو العلى الكبير قال فيقول كلهم مثل ما قال جبرئيل بالوحى حيث امره الله وهذا يدل على كون جبرئيل مطاعا واما كون محمد ﷺ مطاعا فى الملائكة فوجه ذلك ان الحقيقة المحمدية عند اهل التحقيق هو التعين الاول بفيوض الوجود ومراتب القرب ومنها مرتبة كونه يوحى اليه كليما لله لا يصل فى أحد الا بتوسط الحقيقة المحمدية وهذا امر كشفى ويشهد من النصوص قوله تعالى وما أرسلناك الا رحمة للعالمين وقوله ﵇ اما وزير اى فى السماء فجبرئيل وميكائيل ووزير اى فى الأرض ابو بكر وعمر فجبرئيل مطاع بالطريق الاولى.
وَما صاحِبُكُمْ يعنى محمد صلى الله عليه واله وسلم عطف على انه فهو ايضا جواب للقسم فان كان المراد بالرسل
стр. 4189
فيما سبق محمد ﷺ فوضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على انه صاحبكم منذ أربعين سنة قبل ذلك لم يظهر منه الا وفور العقل وكماله فالحكم فيه بِمَجْنُونٍ ج مكابرة او جنون ففى هذا الكلام رد لقول الكفار افترى على الله كذبا أم به جنة.
وَلَقَدْ رَآهُ الضمير المرفوع راجع الى صاحبكم محمد ﷺ بالاتفاق والضمير المنصوب اما راجع الى ذى العرش فعلى هذا قوله تعالى بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ج ظرف مستقر حال من الضمير المرفوع والمعنى انه راى محمد ذا العرش ليلة المعراج حال كون محمد بالأفق للعالم على منتهى السموات السبع قال البغوي روينا فى قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن انس قال دنى جبار رب العزة فتدلى كان حتى قاب قوسين او ادنى وهو رواية ابى سلمة عن ابن عباس وكذا قال الضحاك والقائلون بهذا القول اختلفوا فقال بعضهم جعل بصره فى فؤاده فراه بفؤاد استنباطا من قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما راى وهذا قول ابن عباس روى مسلم عن ابى العالية عنه ما كذب الفؤاد ما راى ولقد راه نزلة اخرى قال راه بفؤاده مرتين وذهب جماعة الى انه راه بعينه وهو قول انس والحسن وعكرمة قالوا راى محمد ربه وروى عكرمة عن ابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالروية وعن ابى ذر قال سالت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هل رايت ربك قال نورانى راه رواه مسلم قلت ويحتمل ان يراد بالأفق المبين والأفق الأعلى منتهى درجات سير السالكين ان أقصى حقايق العابدية وهى الحقيقة الاحمدية المعبر فيها بالمحبوبية الصرفة وراء ذلك مرتبة اللائعين ولا مساغ للسير والسلوك فى مرتبة اللاتعين والسير فى تلك المرتبة العليا السير النظري فحسب كذا قال المجدد رض وقال الجمهور المفسرين الضمير المنصوب راجع الى رسول كريم والمراد بالرسول جبرئيل قال قتادة ومجاهد الأفق المبين هو الأفق الأعلى من ناحية المشرق روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لجبرئيل انى أحب ان أراك فى صورتك التي تكون فيها فى السماء قال لن تقوى على ذلك قال بلى قال فاين تشاء ان اتخيل لك قال بالأبطح قال لا يسعنى قال فى منى قال لا يسعنى قال فبعرفات قال لا يسعنى ذلك قال بحراء قال ان يسعنى قواعده فخرج النبي ﷺ للوقت فاذا هو بجبرئيل قد اقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب
стр. 4190
وراسه فى السماء ورجلاه فى الأرض فلما راه النبي صلى الله عليه واله وسلم كبر وخر مغشيا عليه قال فتحول جبرئيل فى صورته فضمه الى صدره وقال يا محمد لا تخف فكيف لك لو رايت اسرافيل وراسه من تحت العرش ورجلاه فى تخوم الأرض السابعة وان العرش لعلى كاهله وانه ليتضاول أحيانا من مخافة الله حتى يصير مثل الصعو يعنى العصفور حتى ما يحمل عرش ربك الا عظمته ومن القائلين بهذا القول عائشة رضى الله عنها روى البخاري فى صحيحه وغيره انها كذب من فال راى محمد ربه مستدلة بقوله تعالى لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وقوله تعالى ما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء حجاب الاية والفقه فى الباب ان المثبتين للروية اولى من قولها وقوله تعالى لا تدركه الابصار لا ينفى الروية فى الاخرة اجماعا فكذا فى ليلة المعراج حين خرج النبي ﷺ فى الدنيا وراى الجنة والنار وما ذكر ابن عباس وعائشة قصة روية النبي صلى الله عليه واله وسلم جبرئيل على صورته حق لكن لا يستلزم ان يكون المراد بالآية تلك القصة كيف وسوق الكلام لبيان فضل رسول الله ﷺ وبيان كماله وروية جبرئيل وهو مفضول من النبي ﷺ بالإجماع ليست من الفضائل كيف وقوله عند ذى العرش مكين يدل على كمال قربه والترقي منه اثبات روية الله دون روية الجبرئيل ولو كان عند ذى العرش صفة جبرئيل وروية جبرئيل صفة محمد ﵊ يلزم الانعكاس الأمر فى الفضل والله تعالى اعلم.
وَما هُوَ يعنى محمد صلى الله عليه واله وسلم عَلَى الْغَيْبِ اى على ما يخبره من ما يوحى اليه بِضَنِينٍ قرأ ابن كثير وابو عمرو الكسائي بظنين بالظاء اى ليس هو بمتهم يعنى لا يجوز ان يتهم والباقون بالضاد اى ليس هو ببخيل عن تبليغ ما يوحى اليه وتعليمه.
وَما هُوَ اى القران بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ اسرق سمعه فالقاه على وليه الكاهن رد لقول الكفار انه كاهن هذه الجملة وما عطف عليه من الجمل السابقة جواب للقسم معطوفات على انه لقول رسول كريم.
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ الفاء المسببة والاستفهام للانكار على ذهابهم الى الباطل فيما قالوا انه شاعر تقوله او مجنون او كاهن قال الزجاج اى طريق يسلكون أبين من هذه الطريقة التي بنيت لكم ثم بين ما هو كانه فى جواب سائل يقوله فما هو.
إِنْ هُوَ اى القرآن إِلَّا ذِكْرٌ فى القاموس الذكر بالكسر الحفظ للشئ كالتذكار
стр. 4191
والشيء الذي يجرى على اللسان والصيت والشتاء والشرف والصلاة والدعاء وكتاب فيه تفصيل الذين ووضع الملة والمعنى الأخير ظاهر هاهنا لا غبار عليه ويمكن الحمل على معان اخر ايضا فان القران ذكر الله وحفظ ما يجب حفظه وشىء ينبغى ان يكون جاريا على اللسان دايما او غالبا وثناء لله تعالى وصلوة له وشرف للانسان ودعاء له لِلْعالَمِينَ عموما لا النبي صلى الله عليه واله وسلم مبعوث الى كافة الأنام الانس والجن بل هو رحمة للعالمين وفيوض القران شامل للملائكة ايضا يدل عليه قوله تعالى بايدى سفرة كرام بررة وروى الحاكم فى المستدرك عن جابر انه قال لما نزلت سورة الانعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال لقد سبح هذه من الملائكة فسدو الأفق ثم خصه وقال.
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ اى القران لمن يتبع الحق ويستقيم عليه خصوصا من حيث انهم هم المنتفعون به بدل بعض من العالمين والاستقامة لفظ جامع لجميع الاحكام عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا اسئل عنه أحدا بعدك وفى رواية غيرك قال ﵊ قل امنت بالله ثم استقم رواه مسلم اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن سليمان بن يسار قال لما نزلت لمن شاء منكم ان يستقيم قال ابو جهل جعل الأمر إلينا ان شئنا استقمنا وان شئنا لم تستقم فانزل الله تعالى.
وَما تَشاؤُنَ الاستقامة على الحق إِلَّا وقت أَنْ يَشاءَ اللَّهُ شئكم واستقامتكم رَبُّ الْعالَمِينَ ع فانه رب كل شىء وخالق كل شىء من الأعيان والاعراض وافعال العباد وغير ذلك حتى مشيتكم فمن شاء الاستقامة واستقام فذلك من فضل الله ونعمه واخرج ابن ابى حاتم من طريق بقية عن عمر بن محمد عن زيد بن مسلم عن ابى هريرة مثل ما روى عن سليمان واخرج ابن المنذر من طريق سليمان عن القاسم بن مخيمرة نحوه والله اعلم بالصواب.
стр. 4192
سورة الانفطار
مكيّة وهى تسع عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ انشقت.
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ تساقطت متفرقة.
وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتح بعضها فى بعض واختلط العذب بالملح فصار الكل بحرا واحدا.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قلب ترابها واخرج موتاها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ط جواب إذا وهذا نظير ما مر فى إذا الشمس كورت الى قوله علمت قيل معناه ما قدمت من عمل صالح وسئ ما أخرت من سنة حسنة او سيئة والمعنى ما قدمت اى ضعت وما أخرت اى تركت من العمل وقيل ما قدمت من الصدقات وأخرت من الزكوة وقيل معناه بل قدمت الدنيا على الاخرة او بالعكس وقد مر نظيره قوله تعالى ينبّأ الإنسان بما قدم واخر.
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ اى ما خدعك وسوّل لك الباطل غرورا ملصقا بِرَبِّكَ موجبا للجرأة على عصيانه وترك ما امر به الْكَرِيمِ الصفوح جملة يايّها الإنسان معترضة ذكر توبيخا على الاساءة فى أعمالهم المفهوم من قوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت قال نزلت فى الوليد بن مغيرة كذا قال البغوي واخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة انها نزلت فى ابى بن خلف وقال الكلبي نزلت فى الاسيد بن كلده ضرب النبي ﷺ فلم يعاقب الله فانزل الله تعالى هذه الاية يقول ما الذي غرك بربك الكريم التجاوز عنك او لم يعاقبك عاجلا بكفرك وصفه بالكريم لانه منشأ غروره وبه يغره الشيطان فانه يقول له ان شئت فربك لا يعذب أحدا ولا يعاجل فى العقوبة وهو المعنى من قول مقاتل غره عفو الله حين لم يعاقبه فى امره وقال السدى غره رفق الله به والاستفهام للانكار ولا يجوز ذلك الغرور بكرمه وعدم تعجيله بالعقوبة ان تمحض لا يقتضى إهمال الظالم مطلقا وتسوية الموالي والمعادى فكيف قد انضم معه صفات اخر من القهر والانتقام وغيره وفيه مبالغة فى الإنكار على الكفر
стр. 4193
فان كثرة كرمه يقتضى ان يشكر ولا يكفر ويستدعى الجد فى الطاعة لا الانهماك فى عصيانه اغترارا بكرمه وقال بعض اهل الإشارة انما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كانه لقنه الإجابة حتى يقول غرنى كرم الكريم وهو المعنى مما قال يحيى بن معاذ لو إقامتي بين يديه فقال يا يحيى ما غرك بي قلت غرنى برك بي سابقا وآنفا وقال ابو بكر الوراق لو قال بي ما غرك بربك الكريم لقلت غرنى كرم الكريم قال ابن مسعود ما منكم من أحد الا يسخر الله به يوم القيامة فقال يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين قال عطاء تاويل الاية ما غرك بربك وقطعك وأشغلك عنه الى نفس بئس للظالمين بدلا حكى ان امرأة رفعت الى قاض ان زوجها نكح عليها امرأة اخرى فقال القاضي لا سبيل لك بالاعتراض عليه فان الله تعالى أباح للرجال ما طاب لهم من النساء مثنى وثلث ورباع فقال الضعيفة ايها القاضي لولا منعنى الحجاب والحياء لبرزت حسنى لك وسألتك بان من كان له فى الجمال والحسن مصاحبا مثلى هل يجوز له ان يشتغل عنه بغيره فسمع قولها رجل من اهل القلوب فصاح وخر مغشيا عليه فلما أفاق قال سمعت الهاتف يقول الم تسمع قول الضعيفة ولولا حجاب الكبرياء والعظمة لا برزت لكم من الجلال والجمال الذي لا يسعه المقابل وسألتكم انه من استطاع الاشتغال بمثلى فهل يجوز الاشتغال بغيري ومن مثلى واين يكون مثلى فليس يكون فاطلبنى تجدنى عن جابر قال قال رسول الله ﷺ إذا قام الرجل فى الصلاة اقبل الله بوجهه فاذا التفت قال يا ابن آدم الى من تلتفت الى من هو خير منى اقبل الى فاذا التفت الثانية قال مثل ذلك فاذا التفت الثالثة صرف الله ﵎ عنه وجهه رواه البزار.
الَّذِي خَلَقَكَ من تراب ثم من نطفة بعد ما لم يكن شيئا- فَسَوَّاكَ اى فجعلك بشرا سويا مستوى الخلق وتسويته جعل أعضائه سليمة معدة لمنافعها فَعَدَلَكَ قرأ الكوفيون بالتخفيف اى فصرفك وامالك الى اى صورة شاء او صرفك عن خلقه غيرك حتى تميزت وفارقت عن ساير الحيوانات او صرف طبعة بعض اجزائك الى بعض فكسر حرارة الصفراء ويبوستها ببرودة البلغم ورطوبته وبالعكس ويبوسة السوداء وبرودتها برطوبة الدم وحرارته حتى اعتدلت وصرت اعدل الحيوانات مزاجا وقرأ الباقون بالتشديد اى جعل بنيتك متناسبة الأعضاء لعدلته معدة لا يستعدها من القوى.
فِي أَيِّ صُورَةٍ
стр. 4194
ما مزيدة لتأكيد التنكير والتنكير للتكثير ما شاءَ صفة لصورة ركبك قال مجاهد والكلبي ومقاتل فى اى شبيه من اب او أم او خال او عم وحاء فى الحديث ان النطفة إذا استقرت فى الرحم احضر كل بينه وبين آدم ثم قرأ فى اى صورة ما شاء رَكَّبَكَ ط رواه ابن جرير والطبراني بسند ضعيف من طريق موسى بن على بن رباح عن أبيه عن جده عنه ﷺ قوله فى اى صورة اما متعلق بركبك او ظرف مستقر حال من مفعول ركبك وفيه معنى الشرط والجزاء والجملة بيان لعدلك ومن ثم لم يعطف الموصول مع صلاته صفة اخرى لربك مقررة للربوبية مبينة للكرم منبه على ان من قدر على ذلك اولا قدر عليه ثانيا موكدة للانكار والتوبيخ على الغرور والكفر فان من هذا شانه لا يجوز كفرانه.
كَلَّا ردع على الاغترار بكرم الله تعالى بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ لا بالإسلام او بالجزاء إضراب عن الاغترار بكرم الكريم يعنى ليس أمركم ايها الناس مقتصرا على الإقرار بل مع ذلك تكذبون بالدين ويحتمل ان يكون إضرابا عن مفهوم علمت نفس ما قدمت وأخرت اى ما قدمت من العصيان وأخرت من الطاعة فان حاصل المعنى انكم تعصون بل تكذبون.
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ اى والحال ان عليكم لَحافِظِينَ لاعمالكم وأقوالكم من الملائكة.
كِراماً على الله كاتِبِينَ صحف الأعمال للجزاء.
يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ من خير وشر عقب الحافظين بتلك الصفات تعظيما لهم وتنبيها على انه لا يفوت من علمهم شىء من الأعمال والأقوال فيه توبيخ على تكذيبهم وتحقيق لما يكذبون به وروى يتوقعون من التسامح والإهمال.
إِنَّ الْأَبْرارَ الذين بروا وصدقوا بايمانهم باجتنابهم عما نهى الله عنه من العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة وامتثالهم أوامره واخرج ابن عساكر فى تاريخه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال انما سماهم الله الأبرار لانهم بروا الآباء والأبناء لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ الذين شقوا ستر الدين والديانة بالكفر والمعاصي والفجور الشقي لَفِي جَحِيمٍ جملة ان الأبرار الى اخر السورة متصل بقوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت فان فى هذا الكلام بيان لا يعلم كل نفس من خير او شر عمله بإدراك جزائه روى ابن سليمان بن عبد الملك قال لابى حازم المدني ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك الى كتاب الله فانك تعلم
стр. 4195
مالك عند الله قال فاين أجد فى كتاب الله فقال عند قوله ان الأبرار لفى نعيم وان الفجار لفى حجيم قال سليمان فاين رحمة الله قال قريب من المحسنين انتهى.
يَصْلَوْنَها يدخلونها يَوْمَ الدِّينِ يوم الجزاء.
وَما هُمْ الضمير الى بعض الفجار اعنى الكفار او المراد بالفجار الكفار عَنْها اى عن الجحيم بِغائِبِينَ ط لخلودهم فيها او المعنى ما هم كانوا عنها غائبين قبل ذلك او كانوا يجدون سمومها فى القبور عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ان كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كان من اهل النار فمن اهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله اليه يوم القيمة متفق عليه وفى حديث البراء بن عاذب عن رسول الله ﷺ ذكر حال الكافر فى القبر يسال عن دينه فيقول هاه هاه لا أدرى فقال فينادى من السماء ان كذب فافرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا الى النار ثم عظم ذلك اليوم فقال.
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الاستفهام للتعجب والتوبيخ يعنى انه يوم عظيم البلاء شديد غاية الشدة لا تدرى عظمته وشدته حيث لا يدرك كنه امره دراية دار.
ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ط تأكيد للتفخيم.
يَوْمَ لا تَمْلِكُ قرأ ابن كثير وابو عمرو بالرفع على انه بدل من اليوم فى ما يوم الدين او خبر مبتداء محذوف اى هو والباقون بالنصب على انه بدل من اليوم فى يصلونها يوم الدين او متعلق بمحذوف اى يجزى الفريقان كذلك فى يوم لا تملك نفس او اذكر يوم لا تملك او هو مبنى على الفتح لاضافة الى غير التمكن ومحله الرفع نَفْسٌ اى أحد لِنَفْسٍ يعنى كافرة كذا قال مقاتل شَيْئاً ط من المنفعة- وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ع وحده لا يملك الله فى ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمر كما ملكهم فى الدنيا واما الاذن فى الشفاعة للمؤمنين فليس بتمليك او يقال الأمر يومئذ عيانا وفى زعم كل أحد كما كان الأمر كله لله فى الحقيقة وفى زعم اهل البصيرة والله اعلم بالصواب.
стр. 4196
سورة التطفيف
مكيّة وهى ستّ وثلثون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عن ابن عباس قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فانزل الله تعالى ويل للمطففين فاحسنوا الكيل بعد ذلك رواه الحاكم والنسائي وابن ماجة بسند صحيح وقال السدى قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يقال له ابو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالاخر فانزل الله تعالى
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ والطف الحقير والمراد بالمطففين ما بين بقوله.
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا اى أخذوا الكيل او اتزنوا ولم يذكره اكتفاء بذكر الوزن فى القرنية الثانية ولعل الكيل كان هو الغالب فى الاستعمال عَلَى النَّاسِ متعلق بقوله اكتالوا او بقوله يَسْتَوْفُونَ وقع على موضع من تقديره إذا اكتالوا من الناس يستوفون منهم للدلة على ان اكتيالهم لما لهم على الناس او ان اكتيالهم بتحامل فيهم عليهم قال الفراء من وعلى يتعاقبان فى هذه الموضع فاذا اكتلت عليك كانه قال أخذت ما عليك وإذا قال اكتلت منك فكأنه قال استوفيت منك.
وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ الضمير المنصوب راجع الى الناس اى كالوهم او وزنوهم حذف الجار وأوصل الفعل روى التقدير كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم مضاف اليه مقامه وليس تأكيد المتصل بالمنفصل إذ المقصود بيان اختلاف حالهم فى الاخذ والإعطاء لا فى المباشرة وعدمها وايضا يابى عنه الخط فانه يستدعى عن اثبات الف بعد الواو يُخْسِرُونَ ط اى ينقصون الكيل والوزن يقال خسر الميزان واخسره وسمى هذا العمل بالتطفيف لان ما يبخس فى الكيل والوزن لا يكون الا حقيرا وفيه ايماء الى ان بخس الحقير موجب للويل والعذاب فبخس الكثير بالطريق الاولى قال رسول الله ﷺ خمس بخمس ما نقض العهد قوم الا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما انزل الله الا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة الا فشا فيهم الموت ولا طففوا
стр. 4197
المكيال الا منعوا لنبات وأخذوا بالسنين ولامنعوا الزكوة الا حبس عنهم القطر رواه الحاكم من حديث بريدة ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه الطبراني من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الربوا فى قوم الأكثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق الا فشا فيهم الدم وماختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو رواه مالك موقوفا والختر الغدر قلت وقطع الرزق بالتطفيف قد يكون بجعله فقيرا لا يقدر على شىء يكون بمنع الرزق عنه مع قدرته عليه فلا يقدر الاكل منه فى حقه كما فى البقالين من ديارنا قال البغوي كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول اتق الله أوف الكيل والوزن فان المطففين يوقفون يوم القيمة حتى ان العرق ليلجمهم الى انصاف آذانهم.
أَلا يَظُنُّ ذكر الظن مكان اليقين ايماء الى ان من كان يظن ذلك ينبغى ان لا يرتكب موجبات تلك الشدائد فكيف من يستيقن والاستفهام للانكار وفيه تعجيب من مالهم وتوبيخ أُولئِكَ المطففين فاعل ليظن أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ قام مقام المفعولين ليظن.
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ متعلق مبعوثون وللتعليل اى لحساب يوم عظيم او بمعنى فى يوم عظيم وهو يوم القيمة عظمه لعظم ما يكون فيه اخرج ابن المبارك عن الحسن قال لقد مضى بين ايديكم أقوام لو ان أحدهم اتفق عدد هذا الحصى تخشى ان لا ينجوا من عظمة ذلك اليوم.
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ من القبور منصوب بمبعوثون على الظرفية او بدل من يوم عظيم وفتحه على البناء لاضافته الى غير متمكن لرب العلمين اى لحسابه وجزائه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال يوم يقوم النّاس لِرَبِّ الْعالَمِينَ ط اى حسابه وجزائه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال يوم يقوم النّاس لرب العالمين حين يغيب أحدهم فى رشحه الى انصاف اذنيه متفق عليه واخرج الحاكم مثله عن ابى سعيد الخدري وفى الصحيحين عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال يعرق الناس يوم القيمة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا ويلجمهم حتى آذانهم واخرج الطبراني وابو يعلى وابن حبان عن ابن عباس ان الكافر يلجم بعرقه يوم القيمة حتى يقول يا رب أرحني ولو الى النار واخرج الحاكم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان العرق ليلجم الرجل فى الموقف
стр. 4198
حتى يقول يا رب ارسالك لى الى النار أهون على مما أجد وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب واخرج البيهقي عن قتادة فى قوله تعالى يوم يقوم الناس لرب العلمين قال بلغني ان كعبا كان يقول يقومون مقدار ثلاثمائة عام واخرج مسلم عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله ﷺ يقول تدنوا الشمس يوم القيمة من الخلق حتى يكون منهم مقداد ميل قال سليم بن عامر فو الله ما أدرى ما يعنى بالميل أمساق الأرض أم الميل الذي يكحل به العين فيكون الناس على قدر أعمالهم فى العرق فمنهم من يكون الى كعبه ومنهم من يكون الى ركبته ومنهم من يكون الى حقوته ومنهم من يلجمه العرق الجاما وأشار رسول الله ﷺ بيده الى فيه واخرج احمد والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر نحوه واخرج احمد والطبراني عن ابى امامة الباهلي عنه ﷺ وفيه ويزاد فى حرها كذا وكذا تغلى منها الهوام كما تغلى القدور واخرج احمد والطبراني بسند جيد عن انس رفعه قال لم يلق ابن آدم شيئا منذ خلق الله أشد عليه من الموت وهو أهون مما بعده وانهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم حتى ان السفن لو أجريت لجرت واخرج البيهقي عن ابن عمر وقال يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجمهم الكافر العرق قبل الحساب قيل له فاين المؤمنون قال على كراسى من ذهب ويظلل عليهم الغمام واخرج هناد عن ابن مسعود نحو هذا كله وفيه ما طول ذلك اليوم عليهم اى على المؤمنين الا كساعته من نهار واخرج هناد وابن المبارك عن سلمان قال تدنى الشمس من رؤس الخلائق يوم القيمة قاب قوسين او قوسين ويعطى حر عشر سنين وليس أحد من الناس عليه يومئذ صحره الى خرقة ولا يرى عورة مومن ولا مؤمنة ولا يجد حرها مومن ولا مؤمنة واما الكافر فيطبخهم طبخا حتى يسمع لاجوافهم عق عق.
كَلَّا ردع عن التطفيف وتم الكلام وقال الحسن كلا ابتداء يتصل بما بعده بمعنى حقا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ يعنى صحف أعمالهم التي كتبتها الحفظة الكرام والمراد بالفجار الكفار لَفِي سِجِّينٍ مشتق من السجن بمعنى الحبس فى القاموس السجين كالسكين الحبس الدائم الشديد قال الأخفش فعيل من السجن كما يقال فسيق وشريب معناه لفى حبس شديد وقال عكرمة لفى سجين اى فى خساء وضلال لما كان كتاب الفجار اى ما فى الكتاب من الأعمال موجبا لكونهم فى الحبس والخساء والضلال أسند ذلك الى الكفار مجازا والظاهر من الأحاديث والآثار ان السجين اسم موضع فى كتاب الفجار كذا فى القاموس وكون الكتاب فى ذلك الموضع بان يوضع صحف أعمالهم هناك او يكتب هناك كتاب جامع الصحف
стр. 4199
اعمال الفجار من الثقلين ووجه تسمية ذلك الموضع بالسجين ان هناك يحبس أرواح الكفار أجمعين وذلك الموضع هو الأرض السابعة او تحت الأرض السابعة اخرج ابن مندة والطبراني وابو الشيخ عن حمزة بن حبيب مرسلا قال سئل رسول الله ﷺ عن أرواح المؤمنين فقال فى طير خضر تسرح فى الجنة حيث شاءت قالوا يا رسول الله وأرواح الكفار قال محبوسة فى سجين وروى ابن المبارك والحكيم الترمذي وابن ابى الدنيا وابن مندة عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال نفس الكافر فى سجين قال البغوي قال عبد الله بن عمر وقتادة ومجاهد والضحاك سجين هى الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار وقلت كذا اخرج ابن ابى الدنيا عن عبد الله بن عمر روى البغوي بسنده عن البراء قال قال رسول الله ﷺ سجين أسفل سبع ارضين وعلّيون فى السماء السابعة تحت العرش وقد ورد فى حديث طويل عن البراء بن عازب مرفوعا فى ذكر موت المؤمنين وموت الكفار فذكر فى الكفار انه لا يفتح لهم أبواب السماء فيقول الله اكتبوا كتابه فى سجين فى الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا الحديث اخرج احمد وغيره وذكر البغوي قول شبرمة بن عطاء جاء ابن عباس الى كعب الأحبار فقال أخبرني عن قول الله ان كتب الفجار لفى سجين فقال ان روح الفاجر يصعد بها الى السماء فتابى السماء ان تقبلها ثم تهبط بها الى الأرض فتابى الأرض ان تقبلها فتدخل تحت سبع ارضين حتى ينتهى بها الى سجين وهى موضع جند إبليس فيخرج لها من سجين من تحت جند إبليس رق فيرقم ويختم ويوضع تحت جند إبليس لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيمة وقال الكلبي هى صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السماء منها يجعل كتاب الفجار تحتها وروى عن ابن نجيح عن مجاهد قال سجين صخرة تحت الأرض السفلى تقلب فيجعل كتاب الفجار فيها وقال البغوي جاء فى الحديث الفلق جب فى جهنم مغطى والسجين جب فى جهنم مفتوح قلت ويمكن الجمع بينهما اعنى بين كون السجين تحت الأرض السابعة وكونه فى جهنم ان جهنم تحت الأرض السابعة السفلى اخرج ابو الشيخ فى العظمة والبيهقي من طريق ابى الزعراء عن عبد الله قال الجنة فى السماء السابعة والنار فى الأرض السابعة السفلى واخرج البيهقي فى الدلائل
стр. 4200
عن عبد الله بن سلام الجنة فى السماء والنار فى الأرض واخرج ابن جرير فى تفسيره عن معاذ قال سئل رسول الله ﷺ من اين يجاء بجهنم يوم القيمة قال لجاء بها من الأرض السابعة بها الف زمام لكل زمام سبعون الف ملك فاذا كانت من العباد على مسيرة الف سنة زفرت زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول رب نفسى نفسى.
وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ط تفخيم وتهويل قال الزجاج ليس ذلك مما كنت تعلمها أنت ولا قومك.
كِتابٌ مَرْقُومٌ ط اى مكتوم فيه أعمالهم ثبت عليهم كالرقم فى الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به او المعنى معلم يعلمه من راه انه عرف لا خير فيه وقيل معناه مختوم بلغة حمير قال البغوي ليس هذا تفسيرا للسجين بل هو بيان الكتاب المذكور ان كتب الفجار وقال البيضاوي هذا تفسير للسجين لقب به الكتاب لانه سبب للحبس فقال هذا ظرفية السجين الكتاب لكونه كتابا جامعا لكتب الفجار من الثقلين والظاهر ان السجين فيه مقر أرواح الكفار ومقر صحف أعمالهم وفى الكلام حذف مضاف اما اى فى السجين اى ما كتاب سجين او فى كتاب مرقوم اى محل كتاب مرقوم بالشر.
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالحق.
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ط صفة موضحة او ذامة او مخصصة او بدل من المكذبين وجملة ويل يومئذ إلخ معترضة للذم قلت ويحتمل ان يكون فى محل الرفع من مرقوم بمعنى رقم فيه ويل يومئذ إلخ او صفة الكتاب اى كتاب موجب للويل والتأويل الاول اظهر من حيث اللفظ وللاخيرين من حيث المعنى لان كونه كتابا مرقوما ليس من خصائص كتاب الفجار بل قيل مثل ذلك فى كتب الأبرار ايضا يتصور كونه جوابا لقوله ما سجين.
وَما يُكَذِّبُ بِهِ اى بيوم الدين إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ مجاوز عن الحد فى الجهل وتقليد الآباء الجهلة حتى أنكر قدرة الله على الاعادة أَثِيمٍ منهمك فى الشهوات اشتغل بها عما ورائها وحمله على الإنكار لما عداها.
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعنى القران شرط جزائه قالَ من فرط جهله وغفلته عن كونه معجزا او من غباوته واعراضه عن الحق تعنتا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ط خبر مبتداء محذوف اى هى والأساطير جمع اسطورا واسطارا او اسطر بمعنى الأحاديث التي لا نظام بها فى القاموس وفى الصراح أساطير الأولين اى شى كتبوه كذبا والجملة الشرطية
стр. 4201
صفة بعد صفة لمعتد لبيان انه لا ينفعه من الادلة العقلية والنقلية شى والجملة وما يكذب به معترضة.
كَلَّا ردع عن التكذيب وعما قالوا وقال مقاتل معناه اى لا يومنون بَلْ سكته إضراب عن الردع ينفى قابلية قلوبهم عن درك الحق وتميزه من الباطل يسكت حفص هاهنا سكتة ويدغم غيره رانَ قال ابو بكر وحمزه والكسائي فتح الراء والباقون بتفخيمها عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ والرين الغلبة يقال ران الخمر على قلبه إذا غلب عليه سكره والمعنى غلب على قلوبهم ظلمت ما كانوا يكسبون من المعاصي حتى عمى قلوبهم عن التميز بين الحق والباطل عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء فى قلبه فان تاب وفزع واستغفر صقل قلبه منها وان زاد زادت حتى تعلو قلبه فذالكم الران الذي ذكر الله فى كتابه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون رواه البغوي وكذا اخرج احمد والترمذي وصححه واحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفى بعض الروايات ان العبد كلما أذنب ذنبا الحديث ولفظ المؤمن يدل على شدة السوداء قلب الكافر بطريق الاولى.
كَلَّا ردع عن كسب المعاصي الموجبة للرين او هو بمعنى حقا لتحقيق الرين قال يريد انهم لا يصدقون إِنَّهُمْ اى الكفار عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ اى يوم الدين يوم يرى الله سبحانه المؤمنون لَمَحْجُوبُونَ ط لحجب ظلماتهم الناسبة عنهم فلا يرون الله سبحانه كما كانوا لا يرون الحق من الباطل فى الدنيا قال الحسن لو علم الزاهدون والعابدون انهم لا يرون ربهم لزهقت أنفسهم فى الدنيا سئل مالك عن هذه الاية فقال لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لاولياءه حتى رأوه وقال الشافعي فى الاية دلالة على ان اولياء الله يرون الله.
ثُمَّ اى بعد كونهم محجوبين عن روية الله إِنَّهُمْ لَصالُوا اى لداخلوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ يقول لهم خزنة جهنم هذَا هذا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا ان التطفيف تكرير للاول ليعقب وعد الأبرار كما عقب وعيد الفجار اشعارا بأن التطفيف فجور كما ان الإيفاء برا وردع عن تكذيب العذاب او هو بمعنى حقا وقال مقاتل معناه لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قال بعض اهل المعاني هو علو وشرف بعد شرف ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء
стр. 4202
اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظ كعشرين وقال بعض المحققين هو منقول من جمع على وزن فعيل من العلو وقد مر حديث البراء المرفوع عليين فى السماء السابعة تحت العرش وفى الحديث البراء الطويل فى ذكر الموت المؤمنين والكفار ذكر فى نفس المؤمن انه يصعد بها حتى ينتهى بها الى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدى فى عليين وأعيدوا الأرض الحديث أخرجه احمد وابو داود والحاكم وغيرهم من طرق صحيحة وقال ابن عباس هو يعنى عليين لوح زبرجد خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها ومن هاهنا قالوا هو كتاب جامع الأعمال الخير من الملئكة ومومنى الثقلين وقال كعب وقتادة هو قائمة العرش اليمنى وقال عطاء عن ابن عباس هو الجنة وقال عطاء والضحاك هو سدرة المنتهى.
وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ الكلام فيه كما مر فى نظيره.
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ط صفة لكتاب كما كان ويل للمكذبين صفة هناك والمقربون قال البغوي يعنى الملائكة قلت وأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء ايضا فان هناك لعزها كما اخرج مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرواح الشهداء عند الله فى حواصل طير خضر تسرح فى انهار الجنة حيث شاءت تأوي الى قناديل تحت العرش وكذا روى سعيد بن منصور عن ابن عباس وتقى بن مخلد عن ابن ابى سعيد الخدري وروى ابو الشيخ عن انس قال يبعث الله شهداء من حواصل طير بيض كانوا فى قناديل معلقة بالعرش واخرج ابن مندة عن ابن شهاب بلاغا بلغني ان أرواح الشهداء كطير خضر المعلقة بالعرش تغدوا ثم ترجع الى رياض الجنة يأتى ربها كل يوم يسلم عليه واخرج ابن ابى حاتم عن ابى الدرداء قال هى يعنى أرواح الشهداء طائر خضر فى قناديل الحديث واخرج البخاري عن انس انه قال لما قتل حارثة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه جنان وانه فى الفردوس الأعلى وقال الله تعالى فى حبيب نجار قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى الاية ولا منافاة بين كونهم فى الجنة وكونهم تحت العرش فى قناديل لان العرش بمنزلة السماء للجنة قلت وهذا الحكم غير مختص بالشهداء فان الأنبياء والصديقين أعلى منهم منزلة وقد ورد فى الحديث بلفظ المؤمنين مطلقا اخرج مالك والنسائي بسند صحيح عن كعب بن مالك ان رسول الله ﷺ -
стр. 4203
قال انما نسمة المؤمن طاير المتعلقة فى شجرة الجنة حتى ترجع الى جسده يوم القيمة وكذا اخرج احمد والطبراني عن أم هانئ عنه صلى الله عليه واله وسلم قال يكون النسم طير التعلقه بالشجر حتى إذا كان يوم القيمة دخلت كل نفس فى جسده واخرج ابن عساكر عن أم بشر امرأة ابى معروف نحوه والمراد فى تلك الأحاديث الكاملين منهم كما يدل عليه قوله تعالى يشهده المقربون وقد ورد فى بعض الأحاديث ان مقر أرواح المؤمنين فى السماء السابعة ينظرون الى منازلهم فى الجنة أخرجه ابو نعيم بسند ضعيف عن ابى هريرة واخرج ايضا عن وهب بن منبه ان لله تعالى فى السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين وفى بعض الأحاديث إذا اخرج من الجسد كان بين السماء والأرض رواه سعيد بن منصور عن سلمان وروى ابن المبارك والحكيم الترمذي وابن ابى الدنيا وابن مندة عن سعيد بن المسيب عن سلمان أرواح المؤمنين فى برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر فى سجين وفى هذه الحديث حكاية عن حال المؤمنين على تفاوت درجاتهم قال الشعبي فى بحر الكلام الأرواح على اربعة أوجه أرواح الأنبياء تخرج من جسدها وتصير مثل صورتها المسك والكافور وتكون فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح الشهداء تخرج من جسدها ويكون فى أجواف طير خضر فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح المطيعين من المؤمنين يربص بالجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر فى الجنة وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والأرض فى الهواء واما أرواح الكفار فهى فى السجين فى جوف طير سود تحت الأرض السابعة قلت وما ذكر فى أرواح الأنبياء انها تصير فى مثل صورتها المسك والكافور يعنى ان لها أجسادا كالاجساد الإنسان وعبرها بالمسك لتطيب ريحها وعبر المجدد عن تلك الأجساد بالجسم الموهب ويكون ذلك للانبياء ولكمل اتباعهم الصديقين قبل الموت فان قيل بعض الأحاديث الصحاح تدل على ان أرواح المؤمنين حتى الأنبياء وأرواح الكفار كلها فى القبور كما ورد فى حديث البراء الطويل يقول الله تعالى فى حق المؤمنين اكتبوا كتاب عبدى فى عليين واعيدوه الى الأرض فانى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة اخرى فيعاد روجه فى جسده وكذا قال فى الكافر فيعاد روحه فى قبره قال ابن عبد البر هذا أصح ما قيل
стр. 4204
وقد راى النبي ﷺ موسى ﵇ فى قبره يصلى ليلة اسرى به وانه ﷺ قال من صلى على عند قبرى سمعته ومن صلى على غائبا بلغته فكيف تطبيق قلنا وجه التطبيق
أن مقر أرواح المؤمنين فى عليين او فى السماء السابعة ونحو ذلك كما مر ومقر أرواح الكفار فى سجين ومع ذلك لكل روح منها اتصال لجسده فى قبره لا يدرك كنهه الا الله تعالى وبذلك الاتصال يصح ان يعرض على الإنسان المجموع المركب من الجسد والروح مقعده من الجنة او النار ويحس اللذة او الألم ويسمع سلام الزائر ويجيب المنكر والنكير ونحو ذلك بما ثبت بالكتاب والسنة كما ان جبرئيل مع كون مستقره من السموات كان يدنوا من النبي ﷺ حتى يضع يديه على فخذيه قال الشعبي فى بحر الكلام هى متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح ويتالم الأجساد منها كالشمس فى السماء ونورها فى الأرض والله تعالى اعلم.
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ مستأنفة.
عَلَى الْأَرائِكِ اى على الاسرة فى الحجال حال من المستكن فى ظرف المستقر يَنْظُرُونَ حال بعد حال مترادف لما سبق او متداخل قال اكثر المفسرين يعنى ينظرون الى ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة وقال قتادة ينظرون الى أعدائهم كيف يعذبون فى النار قلت ينظرون الى ربهم ﵎ كما ان الكفار عن ربهم يومئذ لمحجوبون.
تَعْرِفُ ايها المخاطب كذا قرأ الجمهور وقرأ ابو جعفر ويعقوب على المبنى للمفعول فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ بالرفع عند جعفر ويعقوب وبالنصب عند الجمهور النَّعِيمِ ج اى بجنة النعيم قال الحسن النضرة فى الوجه والسرور فى القلب.
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ اى جنة صافية طيبة بيضاء مَخْتُومٍ اى ممنوع من ان تمسه يد الى ان يفك ختامه الأبرار.
خِتامُهُ مِسْكٌ ط قرأ الكسائي خاتمه بتقديم الالف على التاء على وزن عالم والباقون على وزن كتاب فى القاموس ختام ككتاب الطين يختم على الشيء والخاتم ما يوضع على الطينة والمراد بالقراءتين واحد اى مختوم او آنية بالمسك مكان الطين وكذا قال ابن زيد وقال ابن مسعود مختوم اى ممزوج ختامه اى اخر طعمه وعاقبته مسك فى القاموس والختام من كل شىء آخره وَفِي ذلِكَ الرحيق والنعيم فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ط التنافس مشتق من النفس او من النفيس ومعناه اختيار الشيء النفيس لنفسه بحيث ينفسه به اى يضن به على غيره وحاصل المعنى فليرغب
стр. 4205
الراغبون يعنى ان التنافس لا يليق على الامتعة الدنيوية لبخستها وقلتها ونفادها بل على النعم الاخروية فان قيل التنافس من الرذائل فكيف يكون مرغوبا فيه قلت انما هو من الرذائل إذا كان متعلقا بالأمور الدنيوية لانها غير مرضية لله تعالى ولانها يستلزم الإضرار بغيره إذا لامتعة الدنيوية فافدة قليلة إذا اختار لنفسه فات عن غيره بخلاف النعم الاخروية فانها مرضية لله تعالى ولا ينفد فايثارها لنفسه لا يضر بغيره.
وَمِزاجُهُ اى يمزج به الرحيق مِنْ تَسْنِيمٍ قال البغوي شراب ينصب عليهم من علو فى غرفهم ومنازلهم قلت الظاهر انها تنصب من فوق العرش فان العرش بمنزلة السقف للجنة وقيل يجرى فى الهواء متسنما فينصب فى أواني اهل الجنة على قدر ملئها فاذا امتلئت امسك وهذا معنى قول قتادة واصل الكلمة من العلو يقال للشئ المرتفع سنام ومنه سنام البعير قال الضحاك هو شراب اسمه تسنيم وهو من اشرف اشربة الجنة قال ابن مسعود وابن عباس هو خالص للمقربين يشربونها صرفا ويمزج لساير اهل الجنة ثم فسره بقوله.
عَيْناً منصوب على المدح او بتقدير اعنى او حال من تسنيم يَشْرَبُ بِهَا اى منها او بتضمين يلتذ صفة لعينا الْمُقَرَّبُونَ ط اى اصحاب كمالات النبوة بالاصالة او بالوراثة وهم الصديقون قال البغوي روى يوسف بن مهران عن ابن عباس انه سئل عن قوله من تسنيم قال هذا مما قال الله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين.
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعنى كفار قريش ابو جهل والوليد بن مغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مشركى مكة كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عمار وصهيب وخباب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين يَضْحَكُونَ استهزاء بهم.
وَإِذا مَرُّوا
اى المؤمنون بِهِمْ
اى بالكفار يَتَغامَزُونَ
اى الكفار يشيرون إليهم بالجفن والحواجب استهزاء والجملة الشرطية معطوفة على يضحكون خبر لكانوا وكذا الشرطيتين الأخريين.
وَإِذَا انْقَلَبُوا اى الكفار إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ معجبين ملتذين بالسخرية منهم قرأ حفص فكهين بغير الف والباقون بالألف فاكهين.
وَإِذا رَأَوْهُمْ يعنى الكفار المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ اى خدعهم محمد فضلوا عن دين ابائهم وتركوا اللذات لما يرجون فى الاخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال.
وَما أُرْسِلُوا اى الكفار عَلَيْهِمْ