← Тафсир

Тафсир · id 21766

التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

Полный текст (4 363 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

صفة بعد صفة لمعتد لبيان انه لا ينفعه من الادلة العقلية والنقلية شى والجملة وما يكذب به معترضة. كَلَّا ردع عن التكذيب وعما قالوا وقال مقاتل معناه اى لا يومنون بَلْ سكته إضراب عن الردع ينفى قابلية قلوبهم عن درك الحق وتميزه من الباطل يسكت حفص هاهنا سكتة ويدغم غيره رانَ قال ابو بكر وحمزه والكسائي فتح الراء والباقون بتفخيمها عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ والرين الغلبة يقال ران الخمر على قلبه إذا غلب عليه سكره والمعنى غلب على قلوبهم ظلمت ما كانوا يكسبون من المعاصي حتى عمى قلوبهم عن التميز بين الحق والباطل عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء فى قلبه فان تاب وفزع واستغفر صقل قلبه منها وان زاد زادت حتى تعلو قلبه فذالكم الران الذي ذكر الله فى كتابه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون رواه البغوي وكذا اخرج احمد والترمذي وصححه واحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفى بعض الروايات ان العبد كلما أذنب ذنبا الحديث ولفظ المؤمن يدل على شدة السوداء قلب الكافر بطريق الاولى. كَلَّا ردع عن كسب المعاصي الموجبة للرين او هو بمعنى حقا لتحقيق الرين قال يريد انهم لا يصدقون إِنَّهُمْ اى الكفار عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ اى يوم الدين يوم يرى الله سبحانه المؤمنون لَمَحْجُوبُونَ ط لحجب ظلماتهم الناسبة عنهم فلا يرون الله سبحانه كما كانوا لا يرون الحق من الباطل فى الدنيا قال الحسن لو علم الزاهدون والعابدون انهم لا يرون ربهم لزهقت أنفسهم فى الدنيا سئل مالك عن هذه الاية فقال لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لاولياءه حتى رأوه وقال الشافعي فى الاية دلالة على ان اولياء الله يرون الله. ثُمَّ اى بعد كونهم محجوبين عن روية الله إِنَّهُمْ لَصالُوا اى لداخلوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ يقول لهم خزنة جهنم هذَا هذا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا ان التطفيف تكرير للاول ليعقب وعد الأبرار كما عقب وعيد الفجار اشعارا بأن التطفيف فجور كما ان الإيفاء برا وردع عن تكذيب العذاب او هو بمعنى حقا وقال مقاتل معناه لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قال بعض اهل المعاني هو علو وشرف بعد شرف ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء

стр. 4202

اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظ كعشرين وقال بعض المحققين هو منقول من جمع على وزن فعيل من العلو وقد مر حديث البراء المرفوع عليين فى السماء السابعة تحت العرش وفى الحديث البراء الطويل فى ذكر الموت المؤمنين والكفار ذكر فى نفس المؤمن انه يصعد بها حتى ينتهى بها الى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدى فى عليين وأعيدوا الأرض الحديث أخرجه احمد وابو داود والحاكم وغيرهم من طرق صحيحة وقال ابن عباس هو يعنى عليين لوح زبرجد خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها ومن هاهنا قالوا هو كتاب جامع الأعمال الخير من الملئكة ومومنى الثقلين وقال كعب وقتادة هو قائمة العرش اليمنى وقال عطاء عن ابن عباس هو الجنة وقال عطاء والضحاك هو سدرة المنتهى. وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ الكلام فيه كما مر فى نظيره. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ط صفة لكتاب كما كان ويل للمكذبين صفة هناك والمقربون قال البغوي يعنى الملائكة قلت وأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء ايضا فان هناك لعزها كما اخرج مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرواح الشهداء عند الله فى حواصل طير خضر تسرح فى انهار الجنة حيث شاءت تأوي الى قناديل تحت العرش وكذا روى سعيد بن منصور عن ابن عباس وتقى بن مخلد عن ابن ابى سعيد الخدري وروى ابو الشيخ عن انس قال يبعث الله شهداء من حواصل طير بيض كانوا فى قناديل معلقة بالعرش واخرج ابن مندة عن ابن شهاب بلاغا بلغني ان أرواح الشهداء كطير خضر المعلقة بالعرش تغدوا ثم ترجع الى رياض الجنة يأتى ربها كل يوم يسلم عليه واخرج ابن ابى حاتم عن ابى الدرداء قال هى يعنى أرواح الشهداء طائر خضر فى قناديل الحديث واخرج البخاري عن انس انه قال لما قتل حارثة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه جنان وانه فى الفردوس الأعلى وقال الله تعالى فى حبيب نجار قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى الاية ولا منافاة بين كونهم فى الجنة وكونهم تحت العرش فى قناديل لان العرش بمنزلة السماء للجنة قلت وهذا الحكم غير مختص بالشهداء فان الأنبياء والصديقين أعلى منهم منزلة وقد ورد فى الحديث بلفظ المؤمنين مطلقا اخرج مالك والنسائي بسند صحيح عن كعب بن مالك ان رسول الله ﷺ -

стр. 4203

قال انما نسمة المؤمن طاير المتعلقة فى شجرة الجنة حتى ترجع الى جسده يوم القيمة وكذا اخرج احمد والطبراني عن أم هانئ عنه صلى الله عليه واله وسلم قال يكون النسم طير التعلقه بالشجر حتى إذا كان يوم القيمة دخلت كل نفس فى جسده واخرج ابن عساكر عن أم بشر امرأة ابى معروف نحوه والمراد فى تلك الأحاديث الكاملين منهم كما يدل عليه قوله تعالى يشهده المقربون وقد ورد فى بعض الأحاديث ان مقر أرواح المؤمنين فى السماء السابعة ينظرون الى منازلهم فى الجنة أخرجه ابو نعيم بسند ضعيف عن ابى هريرة واخرج ايضا عن وهب بن منبه ان لله تعالى فى السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين وفى بعض الأحاديث إذا اخرج من الجسد كان بين السماء والأرض رواه سعيد بن منصور عن سلمان وروى ابن المبارك والحكيم الترمذي وابن ابى الدنيا وابن مندة عن سعيد بن المسيب عن سلمان أرواح المؤمنين فى برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر فى سجين وفى هذه الحديث حكاية عن حال المؤمنين على تفاوت درجاتهم قال الشعبي فى بحر الكلام الأرواح على اربعة أوجه أرواح الأنبياء تخرج من جسدها وتصير مثل صورتها المسك والكافور وتكون فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح الشهداء تخرج من جسدها ويكون فى أجواف طير خضر فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح المطيعين من المؤمنين يربص بالجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر فى الجنة وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والأرض فى الهواء واما أرواح الكفار فهى فى السجين فى جوف طير سود تحت الأرض السابعة قلت وما ذكر فى أرواح الأنبياء انها تصير فى مثل صورتها المسك والكافور يعنى ان لها أجسادا كالاجساد الإنسان وعبرها بالمسك لتطيب ريحها وعبر المجدد عن تلك الأجساد بالجسم الموهب ويكون ذلك للانبياء ولكمل اتباعهم الصديقين قبل الموت فان قيل بعض الأحاديث الصحاح تدل على ان أرواح المؤمنين حتى الأنبياء وأرواح الكفار كلها فى القبور كما ورد فى حديث البراء الطويل يقول الله تعالى فى حق المؤمنين اكتبوا كتاب عبدى فى عليين واعيدوه الى الأرض فانى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة اخرى فيعاد روجه فى جسده وكذا قال فى الكافر فيعاد روحه فى قبره قال ابن عبد البر هذا أصح ما قيل

стр. 4204

وقد راى النبي ﷺ موسى ﵇ فى قبره يصلى ليلة اسرى به وانه ﷺ قال من صلى على عند قبرى سمعته ومن صلى على غائبا بلغته فكيف تطبيق قلنا وجه التطبيق أن مقر أرواح المؤمنين فى عليين او فى السماء السابعة ونحو ذلك كما مر ومقر أرواح الكفار فى سجين ومع ذلك لكل روح منها اتصال لجسده فى قبره لا يدرك كنهه الا الله تعالى وبذلك الاتصال يصح ان يعرض على الإنسان المجموع المركب من الجسد والروح مقعده من الجنة او النار ويحس اللذة او الألم ويسمع سلام الزائر ويجيب المنكر والنكير ونحو ذلك بما ثبت بالكتاب والسنة كما ان جبرئيل مع كون مستقره من السموات كان يدنوا من النبي ﷺ حتى يضع يديه على فخذيه قال الشعبي فى بحر الكلام هى متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح ويتالم الأجساد منها كالشمس فى السماء ونورها فى الأرض والله تعالى اعلم. إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ مستأنفة. عَلَى الْأَرائِكِ اى على الاسرة فى الحجال حال من المستكن فى ظرف المستقر يَنْظُرُونَ حال بعد حال مترادف لما سبق او متداخل قال اكثر المفسرين يعنى ينظرون الى ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة وقال قتادة ينظرون الى أعدائهم كيف يعذبون فى النار قلت ينظرون الى ربهم ﵎ كما ان الكفار عن ربهم يومئذ لمحجوبون. تَعْرِفُ ايها المخاطب كذا قرأ الجمهور وقرأ ابو جعفر ويعقوب على المبنى للمفعول فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ بالرفع عند جعفر ويعقوب وبالنصب عند الجمهور النَّعِيمِ ج اى بجنة النعيم قال الحسن النضرة فى الوجه والسرور فى القلب. يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ اى جنة صافية طيبة بيضاء مَخْتُومٍ اى ممنوع من ان تمسه يد الى ان يفك ختامه الأبرار. خِتامُهُ مِسْكٌ ط قرأ الكسائي خاتمه بتقديم الالف على التاء على وزن عالم والباقون على وزن كتاب فى القاموس ختام ككتاب الطين يختم على الشيء والخاتم ما يوضع على الطينة والمراد بالقراءتين واحد اى مختوم او آنية بالمسك مكان الطين وكذا قال ابن زيد وقال ابن مسعود مختوم اى ممزوج ختامه اى اخر طعمه وعاقبته مسك فى القاموس والختام من كل شىء آخره وَفِي ذلِكَ الرحيق والنعيم فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ط التنافس مشتق من النفس او من النفيس ومعناه اختيار الشيء النفيس لنفسه بحيث ينفسه به اى يضن به على غيره وحاصل المعنى فليرغب

стр. 4205

الراغبون يعنى ان التنافس لا يليق على الامتعة الدنيوية لبخستها وقلتها ونفادها بل على النعم الاخروية فان قيل التنافس من الرذائل فكيف يكون مرغوبا فيه قلت انما هو من الرذائل إذا كان متعلقا بالأمور الدنيوية لانها غير مرضية لله تعالى ولانها يستلزم الإضرار بغيره إذا لامتعة الدنيوية فافدة قليلة إذا اختار لنفسه فات عن غيره بخلاف النعم الاخروية فانها مرضية لله تعالى ولا ينفد فايثارها لنفسه لا يضر بغيره. وَمِزاجُهُ اى يمزج به الرحيق مِنْ تَسْنِيمٍ قال البغوي شراب ينصب عليهم من علو فى غرفهم ومنازلهم قلت الظاهر انها تنصب من فوق العرش فان العرش بمنزلة السقف للجنة وقيل يجرى فى الهواء متسنما فينصب فى أواني اهل الجنة على قدر ملئها فاذا امتلئت امسك وهذا معنى قول قتادة واصل الكلمة من العلو يقال للشئ المرتفع سنام ومنه سنام البعير قال الضحاك هو شراب اسمه تسنيم وهو من اشرف اشربة الجنة قال ابن مسعود وابن عباس هو خالص للمقربين يشربونها صرفا ويمزج لساير اهل الجنة ثم فسره بقوله. عَيْناً منصوب على المدح او بتقدير اعنى او حال من تسنيم يَشْرَبُ بِهَا اى منها او بتضمين يلتذ صفة لعينا الْمُقَرَّبُونَ ط اى اصحاب كمالات النبوة بالاصالة او بالوراثة وهم الصديقون قال البغوي روى يوسف بن مهران عن ابن عباس انه سئل عن قوله من تسنيم قال هذا مما قال الله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين. إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعنى كفار قريش ابو جهل والوليد بن مغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مشركى مكة كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عمار وصهيب وخباب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين يَضْحَكُونَ استهزاء بهم. وَإِذا مَرُّوا اى المؤمنون بِهِمْ اى بالكفار يَتَغامَزُونَ اى الكفار يشيرون إليهم بالجفن والحواجب استهزاء والجملة الشرطية معطوفة على يضحكون خبر لكانوا وكذا الشرطيتين الأخريين. وَإِذَا انْقَلَبُوا اى الكفار إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ معجبين ملتذين بالسخرية منهم قرأ حفص فكهين بغير الف والباقون بالألف فاكهين. وَإِذا رَأَوْهُمْ يعنى الكفار المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ اى خدعهم محمد فضلوا عن دين ابائهم وتركوا اللذات لما يرجون فى الاخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال. وَما أُرْسِلُوا اى الكفار عَلَيْهِمْ

стр. 4206

على المؤمنين حافِظِينَ ط لاعمالهم ويشهدون برشدهم وصلاحهم جملة وما أرسلوا حال من فاعل قالوا. فَالْيَوْمَ اى يوم كون المؤمنين على الأرائك ينظرون الى الله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حين يرونهم فى السلاسل والاغلال فى النار قال البغوي قال ابو صالح وذلك انه يفتح للكفار فى النار ابوابها ويقال لهم اخرجوا فاذا رأوها مفتوحة اقبلوا إليها ليخرجوا والمؤمنون ينظرون إليهم فاذا انتهوا الى ابوابها غلقت دونهم يفعل بهم ذلك مرارا والمؤمنون يضحكون من الكفار كما كان الكفار يضحكون منهم فى الدنيا وقال كعب بين الجنة والنار كوى فاذا أراد المؤمن ان ينظر الى عدو له فى الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال الله تعالى فاطلع فراه فى سواء الجحيم فاذا اطلعوا من الجنة الى أعدائهم وهم يعذبون فى النار فضحكوا فذلك قوله تعالى هذه الاية واخرج البيهقي عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان المستهزئين بالناس يفتح لاحدهم باب من الجنة فيقال لاحدهم هلم فجيئ بكربه وغمه فاذا جاء اغلق دونه فما زال كذلك حتى ان أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له هلم فما يأتيه من الا يأس. عَلَى الْأَرائِكِ حال من فاعل يضحكون يَنْظُرُونَ اى الكفار فى النار حال مترادف او متداخل لما قبله-. هَلْ ثُوِّبَ اى جوزى الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ع اى جزاء ما كانوا يعملون من الاستهزاء والاستفهام للتقرير اى نعم والله اعلم بالصواب.

стр. 4207

سورة الانشقاق مكيّة وهى خمس وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ السماء مرفوع بفعل مقدر يفسره ما بعده. وَأَذِنَتْ اى استمعت وانقادت لِرَبِّها لامره بالانشقاق وَحُقَّتْ اى حق لها الانقياد وإذ الممكن لا يمكن منه الا الانقياد لما أراده الواجب جل شانه إذا هو فى نفسه لا يقتضى شيئا. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وزيدت فى سعتها قال المقاتل سويت كمد الأديم فلا يبقى فيها جبل ولا بناء اخرج الحاكم عن ابن عمرو قال إذا كان يوم القيامة مدت الأرض كالاديم وحشر الخلائق واخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي ﷺ تمد الأرض يوم القيمة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها الا موضع قدميه ثم ادعى أول الناس فاخر ساجدا فيوذن لى فاقول يا رب يا رب أخبرني هذا جبرئيل وهو عن يمين الرحمن والله ما راه جبرئيل قبلها قطانك أرسلته الى قال وجبرئيل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله صدق ثم يأذن الله لى فى الشفاعة فاقول يا رب عبادك أطراف الأرض فذلك المقام المحمود. وَأَلْقَتْ الأرض ما فِيها من الموتى والكنوز وَتَخَلَّتْ اى تكلفت فى خلوها عما فيها حتى لم يبق شىء فى بطنها. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها فى الإلقاء والتخلية وَحُقَّتْ ط جواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده اى يلاقى الإنسان ما كدح ويوتى كتابه اما بيمينه فينقلب مسرورا او بشماله فيدعوا ثبورا وتكرير إذا لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة اخرج ابو القاسم الختلي فى الديباج بسند حسن عن ابن عمر عن النبي ﷺ فى قوله تعالى إذا السماء انشقت الاية قال اما أول من ينشق عنه الأرض فاجلس جالسا فى قبرى فيفتح باب الى السماء بحيال رسى حتى انظر الى العرش ثم يفتح لى باب من تحتى حتى انظر الى الأرض السابعة حتى انظر الى الثرى ثم يفتح باب عن يمينى حتى انظر الى الجنة ومنازل أصحابي وان الأرض تحركت بي

стр. 4208

فقلت لها مالك أيتها لارض فقالت ان ربى أمرني أن القى ما فى جوفى وان أتخلى فاكون كما كنت ان لا شى فى ذلك قوله تعالى والقت ما فيها وتخلت واخرج ابن المنذر فى تفسيره عن ابن عباس فى قوله تعالى والقت ما فيها وتخلت قال سوارى الذهب وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن عطية يعنى ما فيها من الكنوز واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس والفريابي عن مجاهد أخرجت الأرض اثقالها قال الموتى. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ خطاب للجنس إِنَّكَ كادِحٌ اى كدح عمل الإنسان وجهده فى الأمر من خير او شر حتى يكدح ذلك فيه اى يوثر من كدحه إذا خدشه إِلى رَبِّكَ الى لقاء ربك يعنى الموت وما بعده يعنى انك جاهد فى العمل الى الموت كَدْحاً سعيا بليغا مصدر للتأكيد فَمُلاقِيهِ ج عطف على كادح والضمير اما راجع الى الكدح يعنى فملاقى كدحه يعنى جزاء ما عمل او الى الرب اى فملاقى ربك بعد الموت يوم يقوم الناس لرب العالمين او بحذف المضاف اى فملاقى حساب ربك وجملة يايها الإنسان مستأنفة للوعد والوعيد ولما بين الله سبحانه اولا بعض الناس ولقاء كل منهم كدحد اجمالا فصل ذلك بقوله. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ ديوان عمله بِيَمِينِهِ وهم المؤمنون. فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً روى البخاري بسنده عن ابن ابى مليكة ان عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه الا راجعت فيه حتى تعرفه وان النبي ﷺ قال من حوسب عذب قالت عائشة او ليس الله يقول فسوف يحاسب حسابا يسيرا قالت فقال انما ذلك العرض ولكن من نوقش فى الحساب يهلك واخرج احمد عن عائشة قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير قال اى ينظر فى كتابه فيتجاوز عنه انه من نوقشه فى الحساب يهلك واخرج احمد يومئذ هلك. وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ اخرج البيهقي عن مجاهد فى هذه الاية قال يجعل شماله وراء ظهره فياخذ بها كتابه قال ابن السابت بلوى يده اليسرى من صدره انى خلف ظهره. فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً والثبور الهلاك اى يتمنى الهلاك ويقول وا ثبوراه. وَيَصْلى قرأ عاصم وحمزة وابو عمرو بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية على البناء للمفعول اى يدخل سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ فى الدنيا مَسْرُوراً بالمال والجاه غافلا عن الاخرة غير خائف

стр. 4209

وهذا تعليل لقوله تعالى فسوف يدعوا ثبورا. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ج اى لن يرجع الى ربه للحساب والجزاء تكذيبا بالبعث تعليل للسرور. بَلى ج إيجاب للنفى اى بلى ليحورن إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ط فى موضع التعليل لاثبات الرجوع اى ليحورن وليعذبن لان الله بصير بما يعمل فلا يهمله بل ينتقم منه. فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ البيضاء بعد الحمرة. وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ اى جمعه الليل بعد ما كان منتشرا بالنهار من الدواب وروى منصور عن المجاهد الف واظلم عليه وقال سعيد بن جبير وما عمل فيه. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ اى اجتمع وثم نوره فى الليالى البيض افتعال من الوسق بمعنى الجمع. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ اما صفة بطبقا او حال من الضمير المرفوع فى لتركبن بمعنى مجاوز عن طبق او بمجاوزين له على اختلاف القراءتين قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح التاء اما على صيغة المخاطب الواحد المذكر خطابا للنبى ﷺ قال الشعبي ومجاهد يعنى لتركبن يا محمد سماء بعد سماء وقال الله تعالى وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سموات طباقا ففى هذه الاية بشارة للنبى صلى الله عليه واله وسلم بالمعراج والأحاديث الواردة فى قصة المعراج ذكرت فى سورة الأسرى وسورة النجم ويجوز ان يكون المراد انه يصعد درجة بعد درجة تتبع بعد رتبه فى القرب من الله والرفعة روى البخاري بسنده وعن ابن عباس قال لتركبن طبقا عن طبق حال بعد حال قال هذا نبيكم ﷺ واما على صيغة الواحد المؤنث والضمير حينئذ عايد الى السماء يعنى لتركبن السماء حالا بعد حال اخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن مسعود فى هذه الاية قال يعنى السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر واخرج البيهقي عنه قال السماء تكون الوانا تكون كالمهل وتكون وردة كالدهان وتكون واهية وتشق فيكون حالا بعد حال وقرأ الآخرون بضم الياء على صيغة جمع المخاطبين يعنى لتركبن ايها الناس حالا بعد حال وامرا بعد امر فى مواقف القيمة وقال مقاتل يعنى الموت ثم الحيوة وقال عطاء حالا فى الدنيا مرة فقيرا ومرة غنيا وقال عمرو ابن دينار عن ابن عباس يعنى الشدائد والأهوال والموت ثم البعث ثم العرض وقال عكرمة حالا بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ وقال ابو عبيدة لتركبن سنن من كان قبلكم روى الحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي ﷺ لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر

стр. 4210

وذراعا بذراع حتى لو ان أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم وحتى لو ان أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه وروى البخاري عن ابى سعيد الخدري نحوه. فَما لَهُمْ استفهام للانكار والتعجب متصل بما مر من الوعد والوعيد وجملة فلا اقسم معترضة قلت ويحتمل ان يكون هذه الجملة متصلة لقوله تعالى لتركبن طبقا عن طبق يعنى انقلابهم عن حال الى حال دليل على تحول الأحوال فما لهم لا يُؤْمِنُونَ حال من الضمير المجرور والعامل فيه معنى الفعل اى ما يصنعون. وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ط إذا متعلق بلا يسجدون والجملة الشرطية معطوفة على لا يومنون حال مرادف له وهذه الاية نزل على وجوب السجود حين استماع القرآن فانه ذم لمن سمع القران ولم يسجد فاما ان يكون المراد بالسجود الخضوع مجازا وهو الظاهر لاطلاق القران على كل اية وان لم يكن اية السجدة مع الإجماع على عدم وجوب السجود عند استماع القران مطلقا واما يكون المراد بالسجود سجود التلاوة واللام فى القران للعهد والمراد اية السجدة فحينئذ يكون حجة لابى حنيفة فى القول بوجوب التلاوة ولم يقل بالافتراض للشك فى التأويل ووقوع الخلاف فى المسألة والظاهر ان الوجوب لا يثبت بالشك بل بدليل ظنى يفيد الوجوب واحتج ابو حنيفة وصاحبيه بحديث ابى هريرة عن رسول الله ﷺ قال إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكى يقول يا ويله امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فابيت فلى النار رواه مسلم ووجه الاحتجاج ان الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاما ولم يعقبه بالإنكار كان دليلا على صحته واخرج ابن ابى شيبة فى مصنفه عن ابن عمر انه قال السجدة على من سمعها وعند جمهور الفقهاء والمحدثين سجود التلاوة سنة واحتجوا بحديث زيد بن ثابت قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد اخرجاه فى الصحيحين وأخرجه اصحاب السنن والدار قطنى وزاد ولم يسجد منا أحد قالت الحنفية هذا لا يدل على عدم وجوب السجدة لانه واقعة حال ويجوز ان يكون ترك السجود لكون القراءة فى وقت مكروه او على غير وضوء او لتبين انه غير واجب على الفور قلنا لو كان الترك لاحد هذه الأمور لبين ذلك ولئلا يلزم ترك بيان المجمل فى وقت الحاجة وبحديث عمر بن الخطاب انه قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه ثم قرأها يوم الجمعة الاخرى فتهيا الناس السجود وفقال على المنبر رسلكم الله لم يكبتها

стр. 4211

الا ان يشاء رواه البخاري ومالك فى المؤطا قال الشيخ ابن حجر زعم المزني انه من تعليقات البخاري وهم رواه البيهقي وابو نعيم قلت فى هذه الحديث حكاية عن الإجماع حيث لم ينكر أحد على قول عمر مع حضورهم لصلوة الجمعة وما ورد فى قول الشيطان امر ابن آدم بالسجود والظاهر ان المراد بالسجود هناك الجنس دون السجود المخصوص عند التلاوة كيف وانما امر الشيطان بالسجود لله تعالى متوجها الى آدم من غير سبق تلاوة اية (مسئلة) اختلف العلماء فى سجود المفضل فقال الجمهور بالسجود فى النجم وإذا السماء انشقت واقرأ فعندهم سجود القران اربعة عشر او خمسة عشر بناء على خلافهم فى الثاني سجدتى الحج وسجدة ص ويذكر هناك إنشاء الله تعالى وقال مالك فى رواية لا سجود فى المفصل محتجا بحديث ابن عباس انه صلى الله عليه واله وسلم لم يسجد فى شىء من المفصل منذ تحول الى المدينة رواه ابو داود وابو على ابن السكن من طريق ابى قدامة الحارث بن عبيد عن مطر عن عكرمة وابو قدامة ومطر قال الشيخ ابن حجرهما من رجال مسلم لكنهما مضعفان وقال ابن الجوزي قال احمد ابو قدامة مضطرب الحديث وقال يحيى ليس بشئ ولا يكتب حديثه وروى الطحاوي وغيره سئل ابى بن كعب هل فى المفصل سجدة قال لا لنا حديث ابى هريرة ان النبي ﷺ لم يسجد فى إذا السماء انشقت واقرأ انفرد بإخراجه مسلم وفى الصحيحين من طريق اخر عن ابى نافع قال صليت مع ابى هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فقلت ما هذا قال سجدت بها خلف ابى القاسم ﷺ فلا أزال اسجد هنا حتى ألقاه واسلام ابى هريرة كان سنة ست من الهجرة وحديث ابن عباس قال سجد رسول الله ﷺ فيها يعنى النجم والمشركون رواه البخاري ورواه الترمذي وصححه وحديث عمرو بن العاص ان رسول الله ﷺ قرأ خمس عشر سجدة فى القران منها ثلث فى المفصل وفى سورة الحج سجدتان رواه ابو داود وابن ماجة والدار قطنى والحاكم وحسنه المنذرى والنووي وضعفه عبد الحق وقال ابن الجوزي لا يعتمد عليه فيه محمد بن راشد كذبوه وحديث عبد الرحمن بن عوف قال رايت رسول الله ﷺ سجد فى إذا السماء انشقت عشر مرات رواه البزار (مسئلة) قال ابو حنيفة يجب السجدة على التالي والسامع سواء قصد سماع القران او لم يقصد لاطلاق الموجب اعنى الذم على ترك السجود فى هذه الاية وعند الجمهور لا يتاكد السجود

стр. 4212

على السامع ما لم يقصد السماع لحديث عثمن انه مر بعاص فقرأ اية السجدة يسجد معه عثمان فقال عثمن انما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عنه وذكره البخاري تعليقا وفى مصنف ابن ابى شيبة عن عثمان انما السجدة على من جلس لها وحديث ابن عباس انه قال انما السجدة لمن جلس لها رواه البيهقي وابن ابى شيبة (مسئلة) يجب السجود على السامع وان لم يسجد القاري عند ابى حنيفة لاطلاق الأمر وعند الجمهور لا يتاكد على السامع ما لم يسجد القاري لحديث زيد بن اسلم ان رجلا قرأ عند رسول الله ﷺ فسجد النبي ﷺ ثم قرأ اخر عنده السجدة فلم يسجد النبي ﷺ فقال سجدت لقراءة فلان ولم تسجد لقراءتى قال كنت اماما فلو سجدت سجدنا رواه ابو داود فى المراسيل عن زيد ابن اسلم ورواه ايضا زيد ابن اسلم عن عطاء بن يسار بلاغا وكذا روى الشافعي وقال البيهقي رواه قرة عن الزهري عن ابى هريرة وقرة ضعيف وعند البخاري معلقا عن ابن مسعود (مسئلة) قال ابو حنيفة يكره قراءة اية السجدة فيما يسر فيها القراءة من الصلاة ان كان اماما لا فيما يجهر بها ولا ان كان مفردا به قال احمد حتى قال ان اسر بها لا يسجد وعند الشافعي لا يكره مطلقا لحديث ابن عمر سجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى الظهر فراى أصحابه انه قرأ اية السجدة فسجدوا رواه ابو داود والطحاوي والحاكم (مسئلة) إذا سجد الامام سجدوا وكذا عند الشافعي مع قوله انها سنة وكذا قوله فى القنوت-. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ القران إضراب عن السجود عند استماع القران. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ بما يجمعون فى الصدور من الكفر والعداوة قال مجاهد بما يكتمون والجملة حال من فاعل يكذبون. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الفاء للسببية فان التكذيب سبب للتبشير وذكر التبشير مقام التنذير تهكم واستهزاء. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا منهم وتابوا عن الكفر ما لاستثناء متصل او منقطع بمعنى لكن الذين أمنوا غير مبشرين بالعذاب وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ غير مقطوع ولا منقوص او ممنون عليهم تعليل الاستثناء.

стр. 4213

سورة البروج مكيّة وهى اثنتان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ البرج الحصن سمى الحصن بها لظهوره يقال تبرجت المرأة اى ظهرت والظاهر ان فى السماء بيوتا سميت بالبروج قال عطية العوفى البروج اى القصور فيها الحرس ورد فى الصحيحين فى حديث المعراج ثم رفع الى البيت المعمور يعنى فى السماء السابعة بحذاء الكعبة وقد مر فى سورة المطففين قول وهب بن منبه ان لله فى السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء يجتمع فيها أرواح المؤمنين او المراد بالبروج أبواب السماء فان النوازل يخرج منها وتظهر وزعم العوام باتباع الفلاسفة ان السماء منقسم بالقسمة الوهمية الى اثنى عشر حصة سميت كل حصة منها ببرج يكون فيها الثوابت وينزلها السيارات وسموا البروج بالحمل والثور والجوزاء ونحوها نظرا الى هيئة الكواكب الثوابت على سورة الحمل والثور ونحو ذلك وهذا ليس بشئ لان مبنى ذلك على كون السموات متحركة دائما وكون الكواكب مرتكزة فيها وكل ذلك باطل والثابت من الكتاب والسنة ان الكواكب كل منها فى فلك يسبحون فليس فى السموات كواكب ثوابت حتى يسمى حصة من السماء برجا بحسب تلك الثوابت ولا يجوز ان يكون المراد فى كلام الله تعالى مصطلح الفلاسفة الكفرة فكيف الحصص الموهومة بالبروج التي اصل تركيبها الظهور والله تعالى اعلم وقيل المراد بالبروج عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها كذا قال الحسن ومجاهد وقتادة. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ اى يوم القيمة. وَشاهِدٍ اى يوم الجمعة او جنس شاهد يشهد بالحق- وَمَشْهُودٍ ط اى يوم عرفة او جنس ما شهد عليه شاهد صدق اقسم الله تعالى بهذه الأمور لتعظيمها روى احمد والترمذي عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اليوم الموعود يوم القيمة والمشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مومن يدعو الله فيها بخير الا استجاب له ولا يستعيذ من شر الا أعاذه منه قال الترمذي هذا حديث غريب لا يعرف الا من حديث موسى

стр. 4214

ابن عبيدة وهو يضعف وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابى مالك الأشعري نحوه وفيه يوم الجمعة خصه الله لنا والصلاة الوسطى صلوة العصر وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس الشاهد محمد ﷺ قال الله تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا والمشهود يوم القيمة قال الله تعالى ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ولكن هذا يلزم التكرار فى اليوم الموعود والمشهود وقيل الشاهد الحفظة والمشهود ابن ادعم وقال الحسين بن الفضل الشاهد هذه الامة والمشهود سائر الأمم قال الله تعالى جعلنكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس وقال سالم بن عبد الله سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى وشاهد ومشهود قال الشاهد هو الله تعالى والمشهود نحن بيانه وكفى بالله شهيدا وقيل الشاهد أعضاء بنى آدم قال الله تعالى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وقيل الشاهد الأنبياء والمشهود محمد ﷺ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الى قوله فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين قلت وعندى انه لو صح الحديث فى تاويل الاية فذاك والّا فلا وجه للتخصيص بل المقسم جنس شاهد يشهد بالحق وجنس الحق المشهود به قال الله تعالى شهد الله انه لا اله الا الله الا هو والملائكة وأولوا العلم فالشاهد هو الله تعالى والملائكة والحفظة منهم والأنبياء ومحمد صلى الله عليه واله وسلم والمؤمنون خصوصا امة محمد ﷺ خصوصا أولوا العلم منهم ومن يشهد بالحق الخصومات واقامة الحدود ومشهود هو كلمة التوحيد وصدق الأنبياء وتبليغهم واعمال بنى آدم وكل كلمة حق اشهد به شاهد صدق قال رسول الله ﷺ أكرموا الشهود فان الله يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم رواه الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس بسند ضعيف والله تعالى اعلم وجواب القسم قيل قوله تعالى. قُتِلَ اى لعن لكن هذا القول ضعيف لشذوذ جواب القسم بدون اللام والاولى ان يقال جواب القسم محذوف يدل عليه ما بعده يعنى اقسم ان كفار قريش ملعونون كما قيل وقال أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ عن صهيب ان رسول الله ﷺ قال كان ملك باليمن فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك انى قد كبرت فابعث الى غلاما اعلمه السحر فبعث الله غلاما يعلمه وكان فى طريقه راهب إذا سلك اليه وسمع كلامه فاعجبه فكان إذا اتى الساحر مر بالراهب فقعد اليه فاذا اتى الساحر ضربه وإذا رجع من عند الساحر فقعد الى الراهب وسمع كلامه فاذا اتى اهله ضربوه فشكى الى الراهب فقال إذا خشيت الساحر فقل حبسنى أهلي فاذا خشيت أهلك فقل حبسنى الساحر فبينما هو كذلك إذ اتى عليه دابة عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم اعلم

стр. 4215

ان الراهب أفضل أم الساحر فاخذ حجرا فقال اللهم ان كان امر الراهب أحب إليك من امر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس فرماها فقتلها فمضى الناس فاتى الراهب فأخبره فقال الراهب اى بنى أنت اليوم أفضل منى قد بلغ من أمرك ما ترى وانك ستبتلى فان ابتليت فلا تدل على فكان الغلام يبرء الأكمه والأبرص ويداوى الناس لسائر الأدواء فسمع جليس للملك وكان قد عمى فاتاه بهدايا كثيرة فقال انها لك ان أنت شفيتنى قال لا أشفي أحدا انما يشفى الله فان امنت بالله دعوت الله فشفاك فامن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس اليه كما كان يجلس فقال له الملك ومن رد عليك بصرك قال ربى قال ولك رب غيرى قال ربى وربك الله فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيئ بالغلام فقال له الملك اى بنى قد بلغ من سحرك ما يبرء الأكمه والأبرص وتفعل ما تفعل قال انى لا أشفي أحدا انما يشفى الله فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجئ بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعى ووضع المنشار فى مفرق راسه حتى وقع شقاه ثم جئ بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فابى فدفعه الى نفر من أصحابه فقال اذهبوا الى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فاذا بلغتم ذروته فان رجع عن دينه والا فاطرحوا فذهبوا به الجبل فقال اللهم اكفينهم بما شئت فرجعت بهم الجيل فسقطوا فجاء يمشى الى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله فدفعه الى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه فى قرقور فتوسطوا به البحر فان رجع عن دينه والا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفينهم بما شئت فانكفات بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى الى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك قال وما هو قال تجمع الناس فى صعيد واحد وتصلبنى على جذع ثم خذ سهما من كنانتى ثم ضع السهم فى كبد القوس وقل بسم الله رب الغلام ثم ارمنى فانك إذ فعلت ذلك قتلتنى فجمع الناس فى صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم فى كبد قوسه ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم فى صدغه فمات فقال الناس أمنا برب الغلام ثلثا فاتى الملك فقيل له رايت بما كنت تحذر قد نزل بك حذرك قد أمن الناس فامر بالأخدود بأفواه السكك فخدت واضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها او قيل لاقتحم قال فافعلوا حتى جاءت امرأة معها صبى لها فتقاعست ان تقع فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبري فانك على الحق رواه مسلم فى صحيحه و

стр. 4216

روى عطاء عن ابن عباس نحو هذه القصة وذكر انه كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل فى الفترة قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة وذكر اسم الغلام عبد الله بن تامر وذكر محمد بن اسحق عن وهب بن منبه القصة وذكر انه احرق اثنى عشر الفا ثم غلب ارباط على اليمين فخرج ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق فقال الكلبي ذو نواس قتل عبد الله بن تامر وقال محمد بن عبد الله بن ابى بكر ان جارية اختفرت فى زمن عمر بن الخطاب فوجد عبد الله بن تامر واضعا يده على ضربة فى راسه إذا بسطت يده عنها انبعث دما وإذا تركت ارتدت مكانها وفى يده خاتم من حديد فيه ربى الله فبلغ ذلك عمر فكتب ان العبد والخاتم على اى على الذي وجدتم عليه وقد روى فى اصحاب الأخدود روايات اخر، لا يوازى رواية المسلم فى القوة فلا يلتفت إليها. النَّارِ بدل اشتمال من الأخدود ذاتِ الْوَقُودِ وصف اى النار بالعظمة لكثرة الالتهاب واللام للجنس قال الربيع بن انس نجى الله المؤمنين الذين القوا فى النار بقبض أرواحهم قبل ان تمسهم النار وخرجت النار الى من على شفير الأخدود من الكفار فاحرقتهم. إِذْ هُمْ عَلَيْها اى على حافات الأخدود قُعُودٌ قال مجاهد كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود والظرف متعلق بقعود. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ من التعذيب شُهُودٌ اى حضور لم يكن هذا التعذيب منهم على غفلة او المعنى كان يشهد بعضهم لبعض عند الملك بانه لم يقصر فيما امر به او يشهدون على أنفسهم يوم القيمة حين يشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم والجملة اما معطوفة على هم عليها قعود او حال من فاعل قعود. وَما نَقَمُوا اى ما كره الكفار وما أنكروا مِنْهُمْ اى من المؤمنين إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا اى لايمانهم فعلى هذا مفعول له وصيغة المضارع بمعنى الماضي بقرينة نقموا اى لان أمنوا بِاللَّهِ يعنى ما كان منهم حسنا لذاته وكمالا وشرفا زعموه لفرط جهلهم وشقاوتهم عيبا منكرا موجبا للعذاب الْعَزِيزِ فى ملكه الغالب على كل شىء يخشى عذابه الْحَمِيدِ المحمود المنعم الذي يرجى ثوابه. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط وما فيهن لا اله غيره تقرير لحصر الخوف والرجاء عليه سبحانه وصف الله سبحانه نفسه بهذه الأوصاف لدلالته على كون المؤمنين محقين فى ايمانهم مستحقين للثواب وكون الكفار مبطلين ظالمين فيما فعلوا مستحقين اللعن والعذاب وَاللَّهُ

стр. 4217

عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يجازى كلا على حسب ما عمل من خير او شر والجملة تذئيل او حال من مفعول يومنوا وجملة ما نقموا معترضة او حال من شهود. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا اى عذبوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الموصول شامل لاصحاب الأخدود وغيرهم سواء كانوا مؤمنين او كفارا والمؤمنون يعم المطروحين فى الأخدود وغيرهم ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا من تلك المعصية فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ فى الاخرة يعنى هم مستحقون العذاب بتعذيبهم وذلك لا ينافى المغفرة ان كانوا مؤمنين ويحتمل ان يكون المراد بالموصول الكفار فقط للملاحظة الحيثية فى المؤمنين يعنى الذين فتنوا المؤمنين لاجل ايمانهم وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ تأكيد لما سبق او المراد لهم عذاب الحريق فى الدنيا فان من الغالب انه من حفر بيرا لاخيه فقد وقع فيه وقد مر فى ما سبق انها خرجت النار الى من على شفر الأخدود من الكفار فاحترقتهم وان ذو نواس غرق فى البحر وجملة ان الذين فتنوا مستأنفة كانه قيل ما يفعل باصحاب الأخدود وأمثالهم. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ يصغر بالنسبة إليها الدنيا وما فيها. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ اى اخذه بعنف لَشَدِيدٌ لا يمكن مدافعته هذه الجملة متصلة بجملة ان الذين فتنوا كانها تعليل لها وجملة ان الذين أمنوا معترضة بينهما لذكر جزاء المؤمنين رديف الجزاء الكفار كما هو عادة الله تعالى فى المثال. إِنَّهُ اى ربك هُوَ يُبْدِئُ الخلق وَيُعِيدُ لا اله غيره حتى يمكنه دفع بطشه او المعنى يبدء البطش بالكفار فى الدنيا ويعيده فى الاخرة. وَهُوَ الْغَفُورُ لذنوب المؤمنين الْوَدُودُ المحب لمن أطاعه والمحبوب إليهم. ذُو الْعَرْشِ قال العرش مالكه القاهر على كل شىء الْمَجِيدُ قرأ حمزة والكسائي بالجر صفة للعرش ومجده وعظمته وكونه مطرحا لتجليات رحمانية مختصة به والباقون بالرفع على انه خبر بعد حبر لهو ومجده تعالى كونه عظيما فى ذاته وصفاته واجبا وجوده تاما قدرته وحكمته. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يعجزه شىء ولا يمنع عليه ما أراد خبر بعد خبر لهو او خبر مبتداء محذوف اى هو فعال لما يريد وجملة انه هو يبدء ويعيد إلخ معترضة مادحة لله تعالى يوضح ما يفعل بالمؤمنين من المغفرة والمودة وبالكافرين من انواع التعذيب. هَلْ أَتاكَ استفهام للتقرير بمعنى قد اتيك حَدِيثُ الْجُنُودِ الكافرة الذين يجندوا على الأنبياء. فِرْعَوْنَ بدل من الجنود وبحذف المضاف اى جنود فرعون وَثَمُودَ أمثالها انهم

стр. 4218

اهلكوا بالغرق او الصيحة او نحو ذلك ثم ادخلوا نارا واصبر على تكذيب قومك وحذرهم بمثل ما أصاب من كان من قبلهم أمثالهم فى الكفر. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من قومك اولى بنزول العذاب من الجنود الماضية والأمم الخالية فانهم سمعوا قصة السابقين وراوا اثار هلاكهم ومع ذلك هم فِي تَكْذِيبٍ عظيم للقران أشد من تكذيبهم مع انه معجز نظمه دون الكتب السابقة والتنكير للتعظيم وقيل بل هنا ليس للاضراب بل ابتدائية بمعنى لكن والجملة للاستدراك متصلة بجواب القسم وما بينهما معترضات وجه الاتصال انه لما اتضح جواب القسم بالقسم نشأ تصديق السامعين من الكفار فلدفع هذا الوهم استدرك وقال بل الذين كفروا اى لكن الذين كفروا فى تكذيب وقوله فى تكذيب ظرف اعتباري فان الصفة يعتبر محيطا بالموصوف بناء على المبالغة. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ط احاطة ذاتية بلا كيف مستكرما لقربه وقهرمانه فهو عالم بأحوالهم قادر على الانتقام منهم لا يمكن ان يفوتون والجملة معترضة للوعيد او حال من فاعل الظرف المستقر فى تكذيب. بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ كريم شريف عالى الطبقة فى الكتب وحيد معجز نظمه ومعناه والجملة معناه متصل بقوله بل الذين كفروا فى تكذيب يعنى ليس تكذيبهم على شايبة من الحق بل هو يعنى ما كذبوا به لا ينبغى ان يكذب به من له ادنى شعور فى النظم والمعنى. فِي لَوْحٍ اخرج الطبراني عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال ان الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء وصفحاتها من ياقوت حمراء قلمه نور وكتابته نور الله فى كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء روى البغوي بسند عن ابن عباس قال ان فى صدر اللوح لا اله الا الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن أمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله ادخله الجنة قال واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق الى المغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوت حمراء وقلمه نور وكتابه نور وكل شىء فيه مسطور وقيل أعلاه معقود بالعرش وأصله فى حجر ملك قال مقاتل اللوح المحفوظ عن يمين العرش مَحْفُوظٍ قرأ الجمهور بالجر على انه صفة لوح فانه محفوظ من الشياطين ومن الزيادة والنقصان ولذلك سمى باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب ومنه نسخ الكتاب وقرأ نافع بالرفع على انه صفة القران قال الله تعالى انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون فلا يجوز اى لا يمكن فيه الإلحاق لحفظه تعالى وايضا لاعجاز نظمه ولا التحريف ولا الحذف وقالت الروافض الحق بالقرآن ما ليس منه وحذف منه بقدر عشرة اجزاء من أربعين جزء فبقيت ثلثون جزء مغيرة محرفة فعليهم قوله تعالى بل الذين كفروا فى تكذيب لما بين دفتى المصحف والله من ورائهم محيط بل هو قران مجيد فى لوح محفوظ- والله تعالى اعلمه.

стр. 4219

سورة الطّارق مكيّة وهى سبع عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الكلبي اتى ابو طالب النبي ﷺ فاتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذا نحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا ففزع ابو طالب وقال اى شى هذا فقال رسول الله ﷺ هذا نجم رمى به وهو اية من آيات الله فعجب ابو طالب فانزل الله تعالى وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وهو فى الأصل لسانك الطريق واختص عرفا بالآتي ليلا ثم استعمل للبادى وفيه الإجمال هاهنا فسره فيما بعد. وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ فانه مجمل ويحتمل ان يكون الاستفهام لتعظيم امره فان فيه منافع كثيرة من طرد الشياطين وزينة السماء وتخويف العباد وغير ذلك وجملة ما الطارق فى محل المفعول الثاني لادريك ثم فسر المجمل فقال. النَّجْمُ اللام للجنس والمراد به جنس النجوم او جنس الشهب التي يرجم بها او للعهد والمراد به الثريا كذا قال ابن زيد والعرب تسميه النجم وقيل هو الزحل الثَّاقِبُ فمن قال المراد بالنجم الزحل قال انما سمى به لارتفاعه قال العرب للطاير إذ الحق ببطن السماء ارتفاعا قد ثقب وهذا لا يستقيم الأعلى قول الحكماء القائلين بكون الزحل فى السماء السابعة والظاهر ان المراد بالثاقب المعنى المتوهج كذا قال مجاهد كانه يثقب الظلام لضوئه فينفذ فيه. إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما بتشديد الميم بمعنى الا على لغة هذيل استثناء مفرغ فعلى هذا ان نافية والمعنى ماكل نفس كاينا على حال الأعلى حال ثبوت حافظ عليها والباقون بالتخفيف فعلى هذا ان مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشان محذوف فاصلة وما مزيدة يعنى انه كل نفس من البشر ثابت او ثبت عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصى عليها ما يكتب من خير او شر قال ابن عباس هم الحفظة من الملائكة وقيل حافظ يحفظها من الآفات فاذا استوفى رزقها وأجلها ماتت والمراد بحافظ الجنس حتى يصدق على الواحد والكثير فلا منافاة بين هذه الاية وقوله تعالى وان عليكم لحافظين بصيغة الجمع او المراد لحافظ هاهنا هو الله سبحانه والحفظة ان يحفظون بامره فيضاف فعلهم اليه تعالى والجملة على القراءتين

стр. 4220

جواب للقسم اخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة ان أبا اسد كان يقوم على الأديم فيقول يا معشر قريش من أذى النبي ﷺ عنه فله كذا ويقول ان محمدا يزعم ان خزنة جهنم تسعة عشر فانا أكفيكموهم وحدي عشرة واكفوني تسعة فنزلت. فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ط الفاء للسببية فان وجود الحفظة سبب لوجوب المراقبة على اعماله حتى يستدل به على صحة إعادة فيستوجب الايمان بالله ورسوله والإتيان بما امر به من الأعمال والانتهاء عما نهى عنه ومن ابتدائية وما استفهامية والجار والمجرور متعلق بخلق نايب مناب فاعله والجملة فى محل النصب بالمفعولية من النظر اى فى جواب هذا السؤال الحاصل بالنظر فقال. خُلِقَ مِنْ ماءٍ اى منى والمراد به الممزوج من المائين ماء الرجل وماء المرأة دافِقٍ صفة لماء أسند الدفق الى الماء مجازا او كما فى عيشة الراضية اى مرضية فهو فاعل بمعنى المفعول اى مدفوق والدفق هو الصب بمرة فالاسناد على الحقيقة. يَخْرُجُ صفة اخرى لماء مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ صلب الرجل اى ظهره قال فى الصراح الصلب الشديد باعتبار الشدة سمى الظهر صلبا وَالتَّرائِبِ ط اى ترائب المرأة فى القاموس الترائب عظام الصدر او ما ولى الترقوتين او ما بين الثديين والترقوتين او لربع أضلاع من يمين الصدر واربع من يسرته او لليدان والرجلان والعينان او موضع القلادة فى البيضاوي ان النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد بان يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها عند البيضتين والدماغ أعظم الأعضاء معونة لى توليدها لذلك تشيع وتسرع الفراط فى الجماع بالضعيفة وله خليفة وهو النخاع وهو فى الصلب وشعب كثيرة نازلة الى الترائب وهما اقرب الى اوعية المنى فلذلك خصا بالذكر. إِنَّهُ الضمير راجع الى الخالق المفهوم من قوله خلق من ماء عَلى رَجْعِهِ اى إعادته بعد الموت كذا قال قتادة لَقادِرٌ ط لامكان الاعادة فمن خلق اولا فلا يجوز إنكاره بعد ما اخبر به مخبر صادق شهد المعجزة على صدقة والجملة مستأنفة. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ متعلق برجعه او بمضمر دل عليه رجعه اى يبعث الإنسان يوم يظهر الخفايا من الأعمال والعقائد والنيات والضمائر يعنى يوم القيمة قال ابن عمر يبدئ الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا فى وجوه. فَما لَهُ اى للانسان المنكر للبعث والفاء جزاء لشرط مقدر تقديره فاذا رجع فما له مِنْ قُوَّةٍ منعة فى نفسه يمتنع بها من العذاب وَلا ناصِرٍ ط يعينه ويدفع عنه العذاب. وَالسَّماءِ قسم اخر معطوف على القسم السابقة ذاتِ الرَّجْعِ اى المطر سمى لانه يرجع كل عام ويتكرر الكواكب فيها الى موضع

стр. 4221

من السماء الذي يتحرك منها بعد يوم وليلة او بعد شهر او بعد سنة. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ اى الشق بالنبات والعيون ونحو ذلك وجواب القسم. إِنَّهُ اى القران لَقَوْلٌ فَصْلٌ فاصل بين الحق والباطل. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ باللعب والباطل بل هو جد كله فمن حقه يرتفع قاريه وسامعه من ان يلم بهزل او يتفكه بمزاح وان يخشع له القلب. إِنَّهُمْ اى اهل مكة يَكِيدُونَ النبي صلى الله عليه واله وسلم كَيْداً ويظهرون ما هم على خلافه او المعنى انهم يجيلون فى ابطال امر النبي صلى الله عليه واله وسلم واطفاء نور الحق حيلة. وَأَكِيدُ كَيْداً ج كيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون او المعنى اجزيهم فى الاخرة جزاء كيدهم وجملة انهم يكيدون كيدا مستانفة كانه فى جواب سائل فما شان منكرى البعث. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ ولا تشتغل بالانتقام منهم او لا تستعجل باهلاكهم بالدعاء عليهم وهذا منسوخ باية القتال على تقدير النهى عن الانتقام منهم أَمْهِلْهُمْ تأكيد لمهل والتأكيد مع تغير البناء لزيادة التسكين او التحسين فى اللفظ رُوَيْداً ع اى اروادا اى امهالا يسيرا او رويدا تصغير اى الارواد بحذف الزوائد ويسمى تصغير ترخيم مشتق من راودت الريح ترود رودا إذا تحركت حركة ضعيفة ولا يستعمل بها الا مصغرة قال ابن عباس هذا وعيد من الله قد أخذهم الله يوم بدر- والله تعالى اعلم.

стр. 4222

سورة الأعلى مكيّة وهى تسع عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى اى نزه اسم ربك عن الحاد فيه وإطلاقه على غيره او المعنى نزه تسمية ربك بان تذكره وأنت له معظم ولذكره محترم وان لا تسمية باسم من قبل نفسك بل سمى به نفسه فى كتابه او على لسان نبيه وقيل أريد بالاسم الذات المسماة كما فى قوله تعالى ما تعبدون من دونه الا اسماء سميتموها أنتم واباءكم اى مسميات وقيل لفظ الاسم مقحم والمعنى سبح ربك الأعلى قولا ونزهه عما يصفه الملحدون وهذا امر بالتسبيح قولا قال البغوي يعنى قل سبحان ربى الأعلى واليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين واحتج عليه البغوي بما رواه بسند عن ابن عباس ان النبي ﷺ قرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربى الأعلى وقال قوم امر بالتنزيه مطلقا قولا واعتقادا او عملا ولا وجه للتخصيص بالقول والحديث المذكور لا يصلح حجة للتخصيص بالقول بل التسبيح باللسان بمواطاة القلب أحد محتملاته وقول من غير مواطأ القلب لا يعتاد به قال البغوي قال ابن عباس سبح اى صل بامر ربك الأعلى فهو امر بالصلوة ويحتمل ان يكون امرا بالتسبيح باللسان فى الصلاة يدل عليه ما ذكرنا فى سورة الحاقة من حديث عقبة بن عامر اجعلوها فى سجودكم وحديث حذيفة كان رسول الله ﷺ يقول فى سجوده سبحان ربى الأعلى وحديث ابن مسعود وقد ذكرنا (مسئلة:) تسبيحات الركوع والسجود هناك فلا نعيدها وتوصيفه بالأعلى اشارة الى موجب التسبيح فان علو شانه عن ادراك العقول وكما قال قهرمانه واقتداره بمنع عن تسميته بشئ الا بما وصف به نفسه ويوجب تنزيهه عما وصف به الملحدون سبحانه ما أعظم شانه. الَّذِي خَلَقَ حذف المفعول للدلالة على العموم اى خلق كل شىء من الجواهر والاعراض وافعال العباد- فَسَوَّى اى جعل كل شىء متناسب الاجزاء غير متفاوت او المعنى سوى ما شاء تسويه بحيث لا يتطرق اليه تصور مما خلق لاجله من منفعة ومصلحة او المعنى سوى مجموع الخلق على ما يقتضيه النظام الجملي ومن ثم قالوا ليس فى الإمكان أبدع مما قد كان يعنى بحسب النظام. وَالَّذِي

стр. 4223

قَدَّرَ قرأ الكسائي بتخفيف الدال يعنى هو قادر على كل ممكن والباقون بالتشديد وقال البغوي هما بمعنى واحد اى قدر أجناس الأشياء وأنواعها واشخاصها ومقاديرها وصفاتها وافعالها وأرزاقها واجالها على ما يشاء عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال وكان عرشه على الماء رواه مسلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ كل شىء بقدر حتى العجز والكيس رواه مسلم فَهَدى الى ما خلق لاجله من خير او شر قال مجاهد هدى الإنسان سبيل الخير والشر والسعادة وهدى الحيوان لمراتعها وقال مقاتل والكلبي عرف الذكر كيف يأتي ذكر الأنثى وقيل خلق المنافع فى الأشياء وهدى الإنسان بوجه استخراجها منها وقال السدى قدر مدة الجنين فى الرحم ثم هدى للخروج من الرحم او المعنى فهدى من شاء هدايته وأضل من شاء ضلالته والتقدير فهدى وأضل لكن حذف وأضل اكتفاء لقوله يضل من يشاء ويهدى من يشاء. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى اى أنبت ما ترغاه الدواب. فَجَعَلَهُ بعد خضرته غُثاءً يابسا منفتتا أَحْوى ط اسود صفة لغثاء وقيل حال من مرعى اى أخرجه احوى من شدة حضرته كان النبي إذا نزل عليه جبرئيل يفرغ من اخر الاية حتى يتكلم رسول الله ﷺ باولها مخافة ان ينساها فانزل الله. سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى وفى اسناده جويبر ضعيف جدا وكذا قال مجاهد والكلبي وقال فلم ينس رسول الله ﷺ بعد ذلك شيئا يعنى سنجعلك قاريا بالهام القراءة كما أنزلنا عليك بلسان جبرئيل وقيل لا تنس والالف مزيد الفاصلة عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ تعاهدوا القران فو الذي نفسى بيده وهو أشد تفصيا من الإبل فى عقلها متفق عليه وفى الصحيحين عن ابن مسعود نحوه وعن ابن عمران رسول الله ﷺ قال انما مثل صاحب القران كمثل صاحب الإبل المعقلة ان عاهدها أمسكها وان أطلقها ذهبت متفق عليه وعن سعد بن مسعد قال قال رسول الله ﷺ ما من امرئ يقرأ القران ثم ينساه الا لقى الله يوم القيامة أجذم رواه ابو داود والدارمي. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ط ان ينساه والاستثناء مفرغ فى محل النصب والمراد على تاويل الجمهور كما هو الظاهر ما نسخ الله تلاوته وحكمه معا كما قال ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها والانساء نوع من النسخ وعلى هذا التأويل فى الاية المعجزة بوجهين فان عدم النسيان مطلقا مع ان النسيان مجبول فى الإنسان معجزة وفى الاخبار فيما يستقبل وقوعه كذلك معجزة اخرى واما على ما قيل ان لا ينسى تهى فمعنى الاستثناء ان معاهدة القرآن بقدر الطاقة البشرية واجب

стр. 4224

فان شاء الله نسيانه مع معاهدته فهو معذور له إِنَّهُ اى الله يَعْلَمُ الْجَهْرَ من القول والفعل وَما يَخْفى ط منهما اى يعلم السر والعلانية ويعلم جهرك بالقراءة مع جبرئيل وما دعاك اليه من مخافة النسيان. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى اى لوفقك ونهون عليك عمل الجنة ومنه القراءة على حسب ما انزل عليك وحفظه والعمل بمضمونه وفى الكلام قلب تقديره نيسر اليسرى لك وفيه مبالغة فان اليسرى كان مطلوبا للنبى ﷺ فجعل طالبا له ﷺ قلت وهذا هو شان المحبوبية الصرفة قال ابن عباس اليسرى عمل الخير وقيل معناه نوفقك للشريعة السمحة الحنيفية والجملة معطوفة على سنقرءك وجملة انه يعلم الجهر وما يخفى معترضة مادحة فذكر الفاء للسببية يعنى لما يسرنا لك القران والشريعة السمحة. فَذَكِّرْ به إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ط شرط مستغن عن الجزاء بما سبق قيل انما جاءت الشرطية بعد تكرير التذكير وحصول الياس عن البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله وما أنت عليهم بجبار وقيل ظاهره شرط ومعناه استبعاد لتأثير الذكرى فيهم وذم لهم وقيل التذكير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر انما يجب إذا ظن نفعه ولذلك امر بالاعراض عمن تولى وقيل شرط الجملة محذوف والمراد انه ذكر ان نفعت الذكرى او لم ينفع كما فى قوله سرابيل تقيكم الحر وأراد الحر والبرد جميعا ثم بعد ذلك من ينفعه فقال. سَيَذَّكَّرُ اى يتعظ وينفع بها مَنْ يَخْشى الله تعالى فانه يتامل فيها ويعمل بمضمونها مخافة عذاب الله تعالى. يَتَجَنَّبُهَا اى الذكرَْشْقَى اى الكافر فانه أشقى من الفاسق او الأشقى من الكفرة لتوغله فى الكفر واللام حينئذ للعهد قيل هو الوليد بن المغيرة او عتبة بن ربيعة. الَّذِي يَصْلَى اى يدخل النَّارَ الْكُبْرى ج اى نار جهنم او ما فى الدرك الأسفل منها انه. ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها فتستريح من العذاب وَلا يَحْيى ط حيوة طيبة عطف على يصلى بثم لان التأبيد فى العذاب أفزع من التصلى فهو متراخ عنه فى مراتب الشدة وفى فى الوجود ايضا. قَدْ أَفْلَحَ اى فاز مَنْ تَزَكَّى اى تطهر باطنه عن الشرك وظاهره عن النجاسة للصلوة وما له عن الخبث بالزكاة وقلبه من الاشتغال بذكر الله سبحانه ونفسه عن الرذائل وجوارحه عن خبث المعاصي من الزكوة كتصدق من الصدقة وجملة قد أفلح مستانفة كانه فى جواب من نجا منها. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ط اخرج البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال قد أفلح من تزكى قال من شهد ان لا اله الا الله وخلع الانداد وشهد انى

стр. 4225

رسول الله وذكر اسم ربه فصلى قال هى الصلاة الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها قالت الحنفية كبر لافتتاح الصلاة فصلى ومن ثم قالوا ان تكبيرة الافتتاح ليست ركنا من الصلاة بل هو شرط عملا بمقتضى الفاء العاطفة الدالة على المغايرة والتعقيب لا يقال عطف العام على الخاص جايز اجماعا مع كون العام مشتملا على الخاص فكذا عطف الكل على الجزء لانا نقول جواز عطف العام على الخاص لنكتة بلاغية وهى منعدمة فى عطف الكل على الجزء ولا نظير له فى الاستعمال فعلى هذا جوز وأبناء النافلة على الفريضة وعلى النافلة وروى عن ابى اليسر جواز بناء الفريضة على النافلة ايضا وجمهور الحنفية على منعه وكذا على منع بناء الفرض على الفرض قلت وكونه شرطا لا يقتضى جواز البناء الا ترى ان النية شرط ولا يجوز الصلاتان بنية واحدة والوضوء شرط وكان فى صدر الإسلام واجبا لكل صلوة غير ان بناء النفل على الفرض يجوز تبعا كمن صلى الظهر خمسا ناصيا وقعد للاخيرة ضم إليها السادسة وسجد للسهو والركعتان نافلة وقال الشافعي وغيره تكبيرة الإحرام ركن لانه يشترط له كسائر الأركان وهذا اية الركنية قالت الحنفية مراعاة الشرائط لما يتصل بها من القيام لا لنفسها ولذا قالوا لو تحرم حامل النجاسة او مكشوف العورة او قبل ظهور الزوال او متحرفا عن القبلة والقاها واستتر لعمل يسير وظهر الزوال واستقبل مع اخر الجزء من التحريمة جاز وذكر فى الكافي انها عند بعض أصحابنا ركن انتهى وهو ظاهر كلام الطحاوي فيجب على قول هؤلاء ان لا يصح هذا الفروع والله تعالى اعلم قلت ويحتمل ان يكون المراد بذكر اسم ربه الاذان والاقامة يعنى اذن واقام فصلى وحينئذ لا دليل على نفى ركنية تكبيرة الافتتاح وقيل تزكى اى تصدق للفطر وذكر اسم اى كبر يوم العيد فصلى صلوته كذا قال عطاء وقال ابن مسعود رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ثم قرأ هذه الاية وقال نافع كان ابن عمر إذا صلى الغداة يعنى يوم العيد قال يا نافع أخرجت الصدقة فان قلت نعم مضى الى المصلى وان قلت لا قال فالان فاخرج فانما نزلت هذه الاية فى هذا قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وهو قول ابو العالية وابن سيرين وقال بعضهم لا أدرى ما وجه هذا التأويل فان هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكوة ولا فطر قال البغوي يجوز ان يكون النزول سابقا عن الحكم قال الله تعالى وأنت حل بهذا البلد فان السورة مكية وظهر اثر الحل يوم الفتح وكذا نزل بمكة سيهزم الجمع ويولون الدبر قال عمر بن الخطاب لا أدرى اى جمع يهزم فلما كان يوم بدر رايت النبي ﷺ يثب فى الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر قلت سيهزم الجمع

стр. 4226

صيغة الاستقبال فلا محذور فى نزوله سابقا واما هنا فقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى صيغة لا يتصور الحكاية عن شىء من قبل وجوده وقيل المراد بالصلوة هاهنا الدعاء فان من سنة الدعا الثناء على الله اولا وآخرا عن فضالة قال بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل وصلى فقال اللهم اغفر لى وارحمني قال رسول الله ﷺ عجلت ايها المصلى إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو اهله وصل على ثم ادعه قال ثم صلى رجل اخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ ايها المصلى ادع تجب رواه الترمذي وروى ابو داود والنسائي نحوه عن عبد الله بن مسعود قال كنت أصلي والنبي ﷺ وابو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم دعوت لنفسى فقال النبي ﷺ سل تعط سل تعط رواه الترمذي قال الشيخ الاجل يعقوب الكرخي رض ان فى الاية اشارة الى منازل السلوك الاول التوبة والتزكية بقوله قد أفلح من تزكى والثاني المداومة بالذكر اللساني والقلبي والروحي والسرى بقوله وذكر اسم ربه والثالث بالمشاهدات بقوله فصلى فان الصلاة معراج المؤمنين قال رسول الله ﷺ جعلت قرة عينى فى الصلاة رواه احمد والنسائي والحاكم والبيهقي قلت وايضا فى عطف الذكر على التزكى بالواو وعطف الصلاة عليه بالفاء اشارة الى ما ذكر المجدد رض من الترتيب فى اذكار الطريقة حيث عين للمبتدى الذكر باسم الذات او النفي والإثبات فى أثناء تزكية النفس وقال ان الصلاة لا تقيد فائدة تامة الا بعد تزكية النفس وفى التجليات الذاتية والترقي هناك بالصلوة والله تعالى اعلم. بَلْ تُؤْثِرُونَ قرأ ابو عمرو بالياء على الغيبة والضمير عائد الى الأشقياء والباقون بالتاء على الخطاب لهم على سبيل الالتفات او على إضمار قل جملة بل توثرون على محذوف اى وهم يعنى الأشقياء لا يزكون وأنتم ايها الأشقياء لا تزكون ولا تذكرون اسم ربكم ولا يصلون بل توترون الْحَياةَ الدُّنْيا على الحيوة الاخرى. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ فان نعمها فلذات بالذات خال عن الغوائل وأجل نعمها الروبة والوصال ورضوان الله ذى الجلال وَأَبْقى اى الانقطاع لها بخلاف الدنيا وهذه الجملة حال من فاعل توثرون. إِنَّ هذا يعنى ما ذكر من قوله تعالى قد أفلح من تزكى الى اخر اربع آيات لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى اى الكتب السماوية على الأنبياء والماضين فانه جامع امور الديانة وخلاصة الكتب كلها. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ع بدل بعض تخصيص بعد التعميم امال حمزة والكسائي اواخر السورة وورش بين بين.

стр. 4227

وامال ابو عمرو الذكرى واليسرى وما عداها بين بين والباقون بالفتح اخرج البزار عن ابن عباس قال لما نزلت ان هذا لفى الصحف الاولى قال النبي ﷺ كان هذا وكل هذا فى صحف ابراهيم وموسى وقيل هذا فى ان هذا اشارة الى ما فى السورة كلها واستدل بعض الحنفية بهذه الاية على جواز قراءة القران فى الصلاة بالفارسية لان الله سبحانه امر بقراءة ما تيسر من القران ثم قال ان هذا لفى الصحف الاولى وقال انه لفى زبر الأولين ولم يكن فى الصحف الاولى بهذا النظم بل بالمعنى قلت هذا ليس بشى فان القرآن اسم للنظم والمعنى جميعا لقوله تعالى قرانا عربيا غير ذى عوج وقوله تعالى فاتوا بسورة من مثله يغنى فى النظم فانه هو المعجز فى كل سورة غالبا ولذا جاز مس المحدث والجنب وقراءة الجنب والحائض ترجمة القران بالفارسية والاشارة الى المعنى فى هذه الاية وكذا إرجاع الضمير الى القران من حيث المعنى مجاز الا يستلزم كون القران اسما للمعنى فقط والله تعالى اعلم عن على قال كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة سبح اسم ربك الأعلى رواه احمد وعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقرأ فى الركعتين يوتر بعدهما سبح اسم ربك الأعلى وقل يايها الكافرون وفى الوتر بقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وفى حديث ابى بن كعب عند ابى داود والترمذي وحديث ابن عباس عند ابى داود والنسائي واحمد وابن ماجة وقال وإذا صلى الوتر ثلثا يقرأ فى الاولى سبح اسم ربك الأعلى وفى الثانية قل يايها الكافرون وفى الثالث قل هو الله أحد وعن النعمان بن بشير قال كان النبي ﷺ يقرأ فى العيدين والجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل اتيك حديث الغاشية رواه مسلم وروى ابو داود والنسائي وابن حبان من حديث سمرة انه ﷺ كان يقرأ فى صلوة الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل اتيك حديث الغاشية- (فائده) فى هذه السورة تأثير عظيم فى العروج كما ان فى سورة الم نشرح تأثير قوى فى النزول كذا قال المجدد رض- والله تعالى اعلم.

стр. 4228

سورة الغاشية مكيّة وهى ست وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ استفهام تقرير اى قد اتيك حَدِيثُ الْغاشِيَةِ اى الساعة التي تغشى كل شىء بالشدائد والأهوال وقيل المراد بالغاشية النار قال الله تعالى وتغشى وجوههم النار لكن تعقيبها بذكر الكفار والمؤمنين بقوله وجوه يومئذ يدل على صحة التأويل الاول. وُجُوهٌ تنوينه للتكثير او عوض عن المضاف اليه اى وجوه كثيرة او وجوه الكفار فصح جعلها مبتداء لانه مخصصة او فى قوة المعرفة والمراد بها اصحاب وجوه حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه وأعرب باعرابه واجرى عليه من الاخبار ما كانت جارية على المضاف يَوْمَئِذٍ متعلق بغاشية اى يوم إذا كانت الغاشية وجوه خاشِعَةٌ ذليلة من الحزن والهوان. عامِلَةٌ ناصِبَةٌ يعنى فى النار والنصب التعب قال الحسن لم تعمل لله فى الدنيا فاعملها وأنصبها فى النار بمعالجة السلاسل والاغلال وبه قال قتادة وهو رواية العوفى عن ابن عباس قال ابن مسعود يخوض فى النار كما يخوض الإبل فى الوحل وقال الكلبي يجرون على وجوههم فى النار وقال الضحاك يرتقى جبلا من حديد فى النار وقيل معناه الذين عملوا ونصبوا فى الدنيا على غير دين حق من عبده الأوثان وكفار اهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم لا يقبل الله منهم اجتهادا فى ضلالته يدخلون النار يوم القيمة وهو قول سعيد بن جبير وزيد بن اسلم رواه عطاء عن ابن عباس وقال عكرمة والسدى عاملة فى الدنيا بالمعاصي ناصبة فى الاخرة فى النار. تَصْلى قرأ ابو عمرو ابو بكر تصلى بضم التاء والباقون بفتح التاء ناراً حامِيَةً قال ابن عباس قد حميت فهى تتلظى على اعداء الله. تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ط اخرج ابن ابى حاتم عن السدى انه قال يعنى ما انتهى حرها فلا يكون فوقه حروا خرج البيهقي عن الحسن انه قال كانت العرب يقول للشئ إذا انتهى حره حتى لا يكون شيئا أحر منه قد انى حره فقال الله سبحانه من عين آنية يقال قد أوقدت عليها فى جهنم منذ خلقت يانى حرها قال المفسرون

стр. 4229

وردوا الى جهنم ورودا عطاشا فسقوا من عين آنية لو وقعت منها قطرة على الجبال الدنيا لذابت. لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ اخرج عبد الله بن احمد من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الضريع شىء يكون فى النار شبه الشوك امر من الصبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار إذا اطعم صاحبه لا يدخل البطن ولا يرتفع الى الفم فسقى بين ذلك لا يسمن ولا يغنى من جوع واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال هو الزقوم واخرج الترمذي والبيهقي عن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ يلقى على اهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب وقد مر فيما قبل وقال مجاهد وعكرمة وقتادة نبت ذو شوكة لا لحى بالأرض تسميه قريش الشبرق فاذا هاج العود تسميه الضريع هو أخبث طعام قال الكلبي لا يقربه دابة إذا يبس وقال ابن ابى زيدا ما فى الدنيا فان الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق وهو فى الاخرة شوك من نار قال المفسرون لما نزلت هذه الاية قال المشركون ان إبلنا يسمن من الضريع وكذا فى ذلك فان الإبل انما يرعاه ما دام رطبا وسيما شدقا فاذا يبس لا يأكله شىء فانزل الله تعالى. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ صفة ضريع والمقصود من الطعام أحد الامرين والمراد ايضا فى ليس لهم طعام الا من ضريع او شبه لا يسمن او يغنى من جوع كما فى قوله تعالى وما محمد الا رسول يعنى ليس كاهنا او شاعرا ونحو ذلك مما ينافى الرسالة والمراد هاهنا بعض من الكفار لا يكون طعامهم الا من ضريع ويكون الضريع والزقوم طعام غيرهم من الكفار. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ كثيرة او وجوه المؤمنين يعنى أصحابها مبتداء وما بعد اخبار ناعِمَةٌ منتعمة ذات بهجة. لِسَعْيِها فى الدنيا فى طاعة الله متعلق بقوله راضِيَةٌ فى الاخرة لما رأت ثوابها. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ المحل والقدر. لا تَسْمَعُ قرأ ابن كثير وابو عمرو بالياء المضمومة على البناء للمفعول الواحد المذكر فِيها لاغِيَةً ط بالرفع على انه مسند اليه والتأنيث غير حقيقى وقرأ نافع ذلك الا انه قرأ لا تسمع بالتاء التأنيث المسند اليه والباقون بالتاء المفتوحة على البناء للفاعل والضمير للمؤنث راجع الى وجوه او للخطاب مع النبي ﷺ والمخاطب غير معين وقرأ لاغية بالنصب على المفعولية يعنى لا تسمع لغوا او باطلا او كلمة ذات لغو المراد نفسا تلغوا فان كلام اهل الجنة للذكر والحكمة اخرج البيهقي فى هذه الاية قال لا تسمع صفة لجنة بعد صفة وكذا الجملة بعدها. فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ

стр. 4230

لا يقطع جريانها والتنكير للتعظيم اخرج ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ انهار الجنة تفجر من جبل مسك. فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ رفيعة السمك والقدر اخرج البيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى سرر مصفوفة واخرج احمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ فى قوله تعالى وفرش مرفوعة قال ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض ولفظ الترمذي ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة قال الترمذي قال بعض اهل العلم فى تفسيره معناه ان الفرش فى الدرجات كما بين السماء والأرض اخرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة فى قوله تعالى وفرش مرفوعة قال لو ان أعلاها سقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفا واخرج الطبراني عنه مرفوعا لو طرح منها فراش من أعلاها لهوى الى قرارها مائة خريف قال البغوي قال ابن عباس الواح السرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجئ أهلها فاذا أراد ان يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم يرتفع الى مواضعها. وَأَكْوابٌ جمع كوب اخرج هناد عن مجاهد قال التي ليست لها اذن يعنى لا عروة له مَوْضُوعَةٌ على حافة العيون معدة للشرب. وَنَمارِقُ جمع نمرقة بالفتح والضم مَصْفُوفَةٌ بعضها الى جنب بعضها أينما أراد ان يجلس جلس واستند. وَزَرابِيُّ بسط عريضه فاخرة جمع زربية مَبْثُوثَةٌ ط مبسوطة او متفرقة فى المجالس اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن قتادة قال لما نعت الله ما فى الجنة عجب من ذلك اهل الضلالة فكذبوه فأنزل الله تعالى. أَفَلا يَنْظُرُونَ قال صاحب المدارك لما انزل الله فيها سرر مرفوعة إلخ وفسره النبي ﷺ بان ارتفاع السرائر كذا والأكواب الموضوعة لا تدخل فى حساب الخلق لكثرتها وطول النمارق كذا وعرض الزرابي كذا أنكر الكفار وقالوا كيف يصعد على تلك السرر وكيف يكثر الأكواب هذه الكثرة وطول النمارق هذا الطول وبسط الزرابي هذا الانبساط ولم تشاهد ذلك فى الدنيا قال الله تعالى أفلا ينظرون نظر اعتبار الاستفهام للتوبيخ والفاء للعطف والمعطوف عليه محذوف تقديره أتعجبون ويغفلون أفلا ينظرون. إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وقفه طويلة ثم يبرك لركوب ثم تقوم فكذا سرر يطأطأ للمومنين كما يطأطأ الإبل. وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ رفعا بعيدا ونجومها تكثر هذه الكثيرة فلا يدخل فى حساب الخلق فكذا الأكواب. وَإِلَى الْجِبالِ

стр. 4231

كَيْفَ نُصِبَتْ وقفه راسخة لا تميل مع طولها فكذا النمارق. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ سطحا مستويا بساطا واحدا فكذا الزرابي ويجوز ان يكون المعنى أفلا ينظرون الى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات الشاهد على كمال قدرة الخالق فيستدلوا به على اقتداره على البعث فيسمعوا الى اخبار مخبر الصادق الصدوق بشهادة المعجزات وليؤمنوا به ويستعدوا للغاية وتخصيص الإبل من المركبات والثلاثة من البسائط لان الخطاب للعرب والمراد انما يستدل به بما يكثر مشاهدته والعرب تكون فى البوادي ونظرهم فيها الى السماء والأرض والجبال والإبل وكان الإبل أعز أموالهم وهم لها اكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات وهى تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان من النسل والدر والحمل والركب والأكل بخلاف غيرها فقال أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت خلقا والأعلى كمال قدرته وحسن تدبيره حيث جعلها مع عظمها باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طويلة الأعناق ليناول الأوراق من الأشجار ولترعى كل نابت ويحتمل العطش الى عشرة فصاعدا ليتاتى بها قطع البوادي وقيل المراد بالإبل السحاب قال فى القاموس الإبل بكسرتين ويسكن بالمعروف السحاب الذي يحمل ماء المطر والله تعالى اعلم عن ابن عباس قال هل يقدر أحد ان يخلق مثل الإبل وليرفع مثل السماء وينصب مثل الجبال ويسطح مثل الأرض غبرى. فَذَكِّرْ لهم بالادلة ليتفكروا فيها ولتهتم إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ تعليل التذكير اى ليس عليك ان لم ينظروا ولم يذكروا انما أنت عليك البلاغ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ تأكيد لمضمون انما أنت مذكر قرأ هشام بمسيطر بالسين وحمزة بخلاف عنه فلاوين الصادة والباقون بالصاد خالصة اى لست بمسلط عليهم قايم وحافظ عليهم كما فى قوله تعالى لست عليهم بجبار. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى عن الايمان وكفر بالله استثناء منقطع بمعنى لكن والخبر محذوف يعنى لكن من تولى منهم وَكَفَرَ فالله مسلط قاهر عليه. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ط بالنار فى الاخرة وقيل استثناء متصل كانه أوعد بالجهاد فى الدنيا وعذاب النار فى الاخرة وقيل استثناء متصل من الضمير المنصوب المحذوف فى قوله تعالى فذكر يعنى فذكرهم الا من تولى منهم وكفر واخر طلبه بحيث انقطع طمعك فى إيمانه وما بينهما اعراض. إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم وتقديم الظرف لتشديد الوعيد يعنى ليس إيابهم الا الى جبار قهار مقتدر على الانتقام. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ع فتحاسبهم ويجازيهم على حسب غلوهم فى الكفر وعلى فى الأصل للوجوب واستعير هاهنا لتأكيد الوعيد إذ لا يجب على الله شىء فان الوجوب ينافى الالوهية- والله تعالى اعلم.

стр. 4232

سورة الفجر مكيّة وهى ثلثون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ اقسم الله تعالى بالفجر اى انفجار صبح كل يوم كذا روى ابو صالح عن ابن عباس وهو قول عكرمة وقال عطية هو صلوة الفجر وقال قتادة هو أول فجر المحرم ينفجر منه السنة وقال الضحاك فجر أول يوم من ذى الحجة لانه قرن به الليالى العشرة. وَلَيالٍ عَشْرٍ تنكير للتعظيم روى عن ابن عباس انها العشر الاول من ذى الحجة وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك والسدى والكلبي عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من ايام أحب الى الله ان يتعبد فيها من عشر ذى الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر رواه الترمذي وابن ماجة بسند ضعيف وقال ابو روق عن الضحاك هى العشر الاول من شهر رمضان وروى ابو ظبيان هى العشر الاخر من شهر رمضان وقد ذكرنا فضايل رمضان فى سورة البقرة وايضا فى العشر الأخير ليلة القدر وسنذكرها فى سورة ليلة القدر إنشاء الله تعالى وقال ايمان بن رباب هى العشر الاول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلوة الليل رواه مسلم. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قرأ حمزة والكسائي بكسر الواو والباقون بالفتح قيل الشفع الخلق قال الله تعالى وخلقناكم أزواجا والوتر الخالق الواحد روى ذلك عن ابى سعيد الخدري وهو قول عطية والعوفى وقال مجاهد ومسروق نحوه فقال الخلق كله شفع يعنى يقابل بعضها بعضا قال الله تعالى ومن كل شىء خلقنا زوجين الكفر والايمان والهدى والضلال والسعادة والشقاوة والليل والنهار والسماء والأرض والبر والبحر والشمس والقمر والجن والانس والذكر والأنثى والوتر هو الله أحد سئل أبو بكر عن الشفع والوتر قال الشفع تضاد أوصاف المخلوقين الحيوة والموت والعز والذل والعجز والقدرة والقوة والضعف والعلم والجهل والبصر والعمى والسمع وإليكم والكلام والسكوت والغنى والفقر والوتر انفراد صفات الله تعالى حيوة بلا موت وعز بلا ذل وقدرة بلا عجز

стр. 4233

وقوة بلا ضعف وعلم بلا جهل وكلام بلا سكوت وغنا بلا فقر وقال الحسن وابن زيد الشفع والوتر الخلق كله شفع ومنه وتر وروى قتادة عن الحسن قال هو العدد منه شفع ومنه وتر قال هى الصلاة منها شفع ومنها وتر روى ملك عن ابن حصين مرفوعا رواه احمد والترمذي وعن عبد الله بن زبير الشفع النفر الاول من الحج والوتر النفر الثاني قال الله تعالى فمن تعجل فى يومين فلا اثم عليه وقال مقاتل بن حيان الشفع الأيام والليالى والوتر يوم القيمة لا ليلة لها وقال الحسن الشفع درجات الجنة الثمان والوتر درجات النار لانها سبع كانه اقسم بالجنة والنار. وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ إذا سار وذهب كما قال والليل إذا أدبر وقال قتادة إذا جاء واقبل وانما قيد بذلك لما فى التعاقب من قوة الدالة على كمال القدرة ووفور النعمة المراد يسرى فيه من قولهم صلى المقام بمعنى صلى فيه وأراد بالليل كل ليلة وقال مجاهد وعكرمة هى ليلة مزدلفة قرأ ابن كثير يسرى بإثبات الياء وصلا ووقفا لانها لام الفعل فلا يحذف منه وقرأ نافع وابو عمرو بالياء وصلا وبالحذف وقفا والباقون بالحذف فى الحالين لوفاق روس الاى سئل الأخفش عن العلة فى سقوط الياء فقال الليل ما يسرى ولكن يسرى فيه فهو مصروف فلما صرف بحسبه صفة من الاعراب كقوله وما كانت أمك بغيا ولم يقل بغية لانه صرف عنه باغية. هَلْ فِي ذلِكَ اى فيما ذكرت قَسَمٌ التنكير للتعظيم مقنع ويكتفى فى القسم والاستفهام للتقرير والجملة الاستفهامية معترضة لتفخيم شأن المقسم به فانه من عجائب قدرة الله تعالى وبدايع حكمته لِذِي حِجْرٍ ص اى لذى عقل سمى العقل بذلك لانه يحجر صاحبه عن القبائح وجواب القسم ان ربك لبالمرصاد وما بينهما اعتراض جيئ لتاكيد الجواب او الجواب محذوف وهو لا هلكن هؤلاء الكفار ان لم يومنوا كما أهلكنا عاد او ثمود يدل عليه ما بعده. أَلَمْ تَرَ استفهام لانكار النفي فهو للتقرير للاثبات وللتعجب والروية هنا لمعنى اليقين والجملة الاستفهامية بعده فى محل النصب بالمفعولية كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ كانوا أطول أعمارا وأشد قوى من هؤلاء الكفار يعنى اهلكهم وسلط عليهم ريحا دمرهم فكيف هؤلاء. إِرَمَ بدل او عطف بيان ومنع الصرف للعلمية والعجمية والتأنيث وانها اسم قبيلة من عاد كان فيهم الملك وكانوا يموت وكان فى الأصل اسما لابى قبيلة وهو ارم بن عاد بن سام بن نوح ﵇ وقال محمد بن اسحق هو جدعاء وهو عاد بن ارم بن سام بن نوح ﵇ وعلى هذا التقرير عاد سبط ارم وقال الكلبي ارم هو الذي يجتمع اليه نسب عاد

стр. 4234

وثمود واهل السواد واهل الجزيرة كان يقال عاد ارم وثمود ارم فاهلك الله عادا ثم ثمود وبقي اهل السواد والجزيرة فعلى هذا الأقوال ارم اسم امة قال مجاهد ثم وصف تلك الامه بقوله ذاتِ الْعِمادِ ص اى ذات العدد والطوال كذا قال ابن عباس يعنى كان طولهم مثل عماد قال مقاتل كان طولهم اثنى عشر ذراعا يعنى من ذراع النبي ﵇ وقيل اكثر من ذلك وقيل سمى تلك الامة بذلك لانهم كانوا اهل اعمدة وخيام وماشية سيارة فى الربيع فاذا أباح العود رجعوا الى منازلهم وكان اهل جنان وزروع ومنازلهم بوادي القرى وقيل سموا ذات عماد لبناء بعضهم فشدا عمدة ورفع بنائه يقال بناء شداد بن عاد على صفة لم يخلق فى الدنيا مثله وسار اليه فى قومه فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من السماء فاهلكتهم جميعا وقال سعيد بن المسيب ارم ذات العماد بلدة يقال لها دمشق وقال القرطبي هى الاسكندرية فتقدير الكلام عاد اهل ارم ذات العماد اى ذات البناء الرفيع وأساطين. الَّتِي صفة اخرى لارم سواء كانت بلدة او قبيلة لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها اى مثل ذلك الامة فى القامة والقوة او مثل تلك البلدة فى رفعة البناء والاستحكام والحسن إليها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ عطف على عاد الَّذِينَ جابُوا اى قطعوا الصَّخْرَ واحدتها صخرة وهى الحجر كانوا ينحتون بيوتا بِالْوادِ ص اى بواد القرى اثبت ياء الوادي فى الحالين البذي وكذا روى عن قنبل وفى الوصل فقط ورش وقنبل وحذف الباقون فى الحالين لموافقة روس الاى. وَفِرْعَوْنَ عطف على ثمود ذِي الْأَوْتادِ ص قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرطبي اى ذى البناء المحكم وقيل المراد باوتاد الملك الشديد الثابت يقول العرب هم فى العز ثابت الأوتاد ويريدون الدائم الشديد وقال عطية ذى الجنود والجوع الكثيرة وسميت الجنود الأوتاد لكثرة المضار التي كانوا يضربونها ويرتدونها فى أسفارهم وهى رواية عطية عن ابن عباس وقال مقاتل والكلبي الأوتاد جمع الوتد وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين اربعة أوتاد وشد كل يدو كل رجل الى سارية وتركه كذلك فى الهواء بين السماء والأرض حتى يموت وقال مجاهد ومقاتل بن حيان كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يمديديه ورجليه على الأرض بالأوتاد وقال السدى كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات وقال قتادة وعطاء كانت له أوتاد

стр. 4235

وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يدى روى البغوي بسنده عن ابن عباس ان فرعون سمى بذي الأوتاد لانه كانت له امرأة وهى امرأة خازنه حزقيل وكان مؤمنا وكتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هى ذات يوم يمشط رأس بنت فرعون إذ سقط للشطه من يدها فقالت تعس من كفر بالله فقالت بنت فرعون وهل لك من اله غير ابى فقالت الهى واله أبيك واله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت ودخلت على أبيها وهى تبكى فقال ما يبكيك فقالت الماشطة امرأة خازنك تزعم ان إلهك والهها واله السموات والأرض واحد لا شريك له فارسل إليها فسألها عن ذلك فقالت يوعدينى سبعين شهرا ما كفرت بالله وكانت لها ابنتان فجاء ابنتها الكبرى فذبحها على فيها وقال لها اكفر بالله والا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعا فقالت لو ذبحت من على الأرض على فى ما كفرت بالله فاتى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة فاطلق الله لسان ابنتها فتكلمت وهى من الاربعة الذين تكلموا أطفالا فقالت يا أماه لا تجزعى فان الله قد بنى لك بيتا فى الجنة أميري فانك تفضين الى رحمة الله وكرامته فذبحت فلم تلبث ان ماتت فاسكنها الله الجنة قال وبعث فى طلب زوجها حزقيل فلما تقدروا عليه فقيل لفرعون انه قد راى فى موضع كذا فى جبل كذا فبعث رجلين فى طلبه فلما انتهيا اليه وهو يصلى وثلثة صفوف من الوحوش خلفه يصلون فلما رأى ذلك انصرفا فقال حزقيل اللهم كتمت إيماني مأية سنة ولم يظهر على أحد فايما هذين الرجلين اظهر علىّ فعجل عقوبته فى الدنيا واجعل مصيره فى الاخرة الى النار فانصرف رجلان الى فرعون فاما أحدهما فاعتبروا من واما الاخر فاخبر فرعون بالقصة على رؤس الملأ فقال وهل كان معك غيرك قال نعم فلان فدعا به فقال أحق ما يقول هذا قال لا ما رايت مما قال شيئا فاعطاه فرعون وأجزل واما الاخر فقتله ثم صلبه وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بنى إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاهم فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت كيف يسعنى ان اصبر على ما يأتي فرعون وانا مسلمة وهو كافر فبينما هى كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها فقالت يا فرعون أنت اشر الخلق وأخبثه عمدت الى الماشطة فقتلتها فقال فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت ما بي جنون وان الهى والهها وإلهك واله السموات والأرض واحد لا شريك له فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل الى أبويها فدعاهما فقال لهما الا تريان ان الجنون الذي كان بالماشطة أصابها قالت أعوذ بالله

стр. 4236

من ذلك انى اشهد ان ربى وربك رب السموات والأرض واحد لا شريك له فقال أبوها يا آسية الست من خير نساء عماليق وزوجك اله العماليق قالت أعوذ بالله من ذلك ان كان ما تقول حقا فقولا له ان يتوجنى تاجا تكون الشمس امامه والقمر خلفه والكواكب حوله فقال لهما فرعون اخرجا عنى فمدها بين اربعة أوتاد يعذبها ففتح الله لها بابا الى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله فقبض الله روحها وأسكنها فى الجنة انتهى وامرأة فرعون هذا هى التي منعت فرعون عن قتل موسى ﵇ حين التقطه آل فرعون من اليم وقد ألقيها أمها بإذن ربها حين خافت القتل على موسى وذكر القصة فى سورة القصص وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك عسى ان ينفعنا وقد نفعها الله به حيث امنت. الَّذِينَ مجرور صفة للمذكورين او منصوب على الذم او مرفوع خبر مبتداء محذوف اى هم الذين طَغَوْا اى جاوزوا فى الحد والعصيان فِي الْبِلادِ متعلق بطغوا-. فَأَكْثَرُوا عطف على طغوا فِيهَا اى فى البلاد الْفَسادَ بالكفر والظلم. فَصَبَّ عطف على طغوا والفاء للسببية عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ اى عذابا مختلطا بعضها ببعض فهى اضافة صفة الى موصوفها كاخلاق ثياب واصل السوط الخلط ومنه يقال السوط للحد لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض وشبه بالسوط ما حل بهم فى الدنيا من العذاب اشعارا بانه بالقياس الى ما أعد لهم فى الاخرة من العذاب كالسوط إذا قبس بالسيف وقال قتادة يعنى سوطا من العذاب صبه عليهم وقال اهل المعاني هذا على الاستعارة لان السوط عندهم غاية العذاب فالمعنى انه دفع العذاب بهم على ابلغ الوجوه دفعة واحدة كما يشير به الصب. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ط جواب للقسم او مقرر بجواب محذوف والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد وكونه بالمرصاد كناية من انه تعالى يريد من العباد الطاعة والسمع لاجل الاخرة فيترصد أعمالهم ويحيط علمه بها بحيث لا يفوته شىء منها كما لا يفوت ممن يرصد فى المرصاد من يمر بها يجازيهم عليها والإنسان غافل عن ذلك لابيهم الا لدنيا ولذاتها ولذلك عطف عليه قوله. فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ اى امتحنه بالغنى واليسرى حتى يظهر انه يشكر المنعم او يكفر والظرف متعلق بيقول فَأَكْرَمَهُ فى الدنيا بالجاه وَنَعَّمَهُ بالأموال والأزواج

стр. 4237

والأولاد وغير ذلك بيان للابتلاء فَيَقُولُ اخبر للانسان والفاء بمعنى الشرط فى افادته معلولية القول رَبِّي قرأ الكوفيون وابن عامر بسكون الياء والباقون بالفتح وكذا فى ربى أهانن أَكْرَمَنِ ط اى فضلنى بما أعطني اثبت الياء فى أكرمني وأهانني يعقوب والبزي وصلا ووقفا ونافع فى الوصل فقط وجر فيها ابو عمرو قياس قوله فى رؤس الآي يوجب حذفها فى الحالين قال ابو عمر الدالاني بذلك قرأت وبه أخذوا والباقون حذفها فى الحالين. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ اى امتحنه بالفقر حتى يظهر انه يصبر ويرجع الى الله تعالى او يحزع ويكفر من غير رجوع اليه تعالى فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ قرأ ابن عامر وابو جعفر قدر بالتشديد والباقون بالتخفيف فقيل اولى بمعنى قتر والثاني بمعنى أعطاه ما يكفيه وقيل معناهما واحد اى ضيق ولم يقل هاهنا اهانه وقدر عليه رزقه كما قال هناك فاكرمه ونعمه لان توسعته المال فى الدنيا تفضل يوجب الشكر وقد يكون موجبا للاكرام فى الاخرة ايضا عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لا حسد الأعلى اثنين رجل أتاه الله القران فهو يقوم به اناء الليل واناء النهار ورجل أتاه مالا فهو ينفق منه اناء الليل واناء النهار متفق عليه واما التقتير فلا يكون اهانة فقط فَيَقُولُ الإنسان رَبِّي أَهانَنِ ويقول ذلك لقصور نظره على الدنيا وانهماكه فيها قال الكلبي ومقاتل نزلت فى امية ابن خلف الجمحي الكافر والله تعالى اعلم. كَلَّا اى ليس الأمر كما يقول فان الغنى والنعماء الدنيوية قد يكون استدراجا من الله إذا لم يقترن بالشكر بل مع الشكر ايضا لا تقبل عند الله للغنى الشاكر على الفقير الصابر عند مصعب بن سعد قال راى سعد ان له فضلا على من دونه فقال رسول الله ﷺ هل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم رواه البخاري وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان فقراء المهاجرين اسبقون الأغنياء يوم القيمة الى الجنة بأربعين خريفا رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ونصف يوم رواه الترمذي والفقر والضعف إذا اقترن بالصبر والرضا يكون نعمة لا اهانة عن قتادة بن النعمان ان رسول الله ﷺ قال إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما بطل أحدكم تحمى سقيمه الماء رواه احمد والترمذي وفى الباب أحاديث كثيرة بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ بالنفقة ولا تحبون اليه مع ان الله تعالى

стр. 4238

أكرمكم بالغنى وقيل لا تعطونه حقه عطف على يقولون يعنى بل قولهم دال على انهماكهم فى الدنيا حيث لا يكرمون اليتيم قال مقاتل كان قدامة بن مظعون يتيما فى حجر امية بن خلف فكان يدفعه عنه حقه قرأ ابو عمرو لا يكرمون ولا يحضون ويأكلون ويحبون بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الإنسان نظرا الى معناه الجمعى من حيث كونه جنسا وما سبق من الضمائر المفردة راجع اليه نظرا الى لفظه والباقون الافعال الاربعة بالتاء الخطاب إليهم على سبيل الالتفات. وَلا تَحَاضُّونَ قرأ الكوفيون بالألف بعد الحاء من التفاعل بحذف أحد التاءين اى لا يحض بعضكم بعضا والباقون بغير الالف اى لا تحضون غيركم عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فضلا ان تطعموا من أموالكم. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ اى الميراث أصله الوارث أَكْلًا لَمًّا اى ذا لم اى جمع بين الحلال والحرام كانوا يأكلون مع أبضاعهم ابضاع ضعفاء من النساء والصبيان قال ابن زيد الاكل اللم الذي يأكل شيئا يجده لا يسال عنه إحلال أم حرام وقيل يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك. وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا اى كثيرا مع حرص وشره. كَلَّا ردع عما يفعلون وقال مقاتل اى لا يفعلون ما أمروا به او هو بمعنى حقا تحقيقا لما يذكر بعده من الوعيد ويخبر عنه تحسرهم حين لا ينفعهم الحسرة إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا اى زلزالا بعد زلزال حتى تنكسر ما عليها من الجبال والأشجار والابنية وصارت هباء منبثا. وَجاءَ رَبُّكَ عطف على دكت وهى من المتشابهات وقد ذكرنا ما فيها من القول السلف والخلف واصحاب القلوب فى سورة البقرة فى قوله تعالى ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام وَالْمَلَكُ اللام للجنس اى وجاءت الملائكة صَفًّا صَفًّا ج حال من الملك اى جاؤا يصفون صفا بعد صف اخرج ابن جرير وابن المبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة امر الله سبحانه السماء الدنيا فنشققت باهلها فتكون الملائكة على حافاتها حين يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفوا صفا دون صف ثم ينزل الملك الا على بجنبه اليسرى جهنم فاذا أراها اهل الأرض فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض الا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فرجعوا الى مكان الذي كانوا فيه وذلك قوله تعالى انى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين الاية وذلك قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وجئ يومئذ بجهنم وقوله تعالى يا معشر

стр. 4239

الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السموات والأرض الاية قوله تعالى وانشقت السماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها يعنى ما تشقق منها فبينما كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا الى الحساب. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ عطف على جاء اخرج مسلم والترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ يوتى بجهنم يومئذ لها سبعون الف زمام مع كل زمام سبعون الف ملك يجرونها واخرج ابن وهب فى كتاب الأهوال عن زيد بن اسلم قال اتى جبرئيل الى النبي ﷺ لتكسر الطرف فساله على رضى الله عنه فقال أتاني جبرئيل فقال لى كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ بما تقاد سبعين الف زمام تقاد سبعين الف ملك فبينما هم إذا خردت انفلتت من أيديهم فلولا انهم أدركوها لاحرقت من فى الجمع فاخذوها قال القرطبي يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه فيدار بأرض الحشر لا يبقى للجنة طريق الا الصراط واخرج ابو نعيم عن كعب قال إذا كان يوم القيامة فنزلت الملائكة فصاروا صفوفا فيقول الله لجبرئيل ايت بجهنم فياتى بها تقاد سبعين زماما حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مأية عام زفرت طارت بها افئدة الخلائق ثم زفرت الثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا جثى لركبته ثم تزفر الثالثة فبلغ القلوب الحناجر وتزيل العقول فيفزع كل امرؤ عمله حتى ابراهيم يقول بخلتي لا أسئلك الا نفسى ويقول موسى بمناجاتي لا أسألك الا نفسى وقال عيسى بما أكرمني لا أسألك الا نفسى ولا أسألك مريم التي ولدتني ومحمد ﷺ يقول أمتي أمتي لا أسئلك اليوم نفسى فيجيب ﷻ ان الأولياء من أمتك لا حوف عليهم ولا هم يحزنون فو عزتى لا قرن عينيك فى أمتك فقم تقف الملائكة بين يدى الله ينتظرون ما يومرون يَوْمَئِذٍ بدل من إذا دكت اى يوم إذا دكت الأرض وجئ بجهنم والعامل يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ الكافر الذي قال ربى أكرمن ربى أهانن على سراء الدنيا وضرائها جزاء بمعنى الشرط فى الظرف اى يتذكر معاضيه بتعظ ويتوب وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ط استفهام للانكار اى ليس له منفعة الذكر فان من شرط قبول التوبة الايمان بالغيب. يَقُولُ ذلك الإنسان تحسرا جملة مستانفة كانه فى جواب فما يصنع حين يتذكر يا لَيْتَنِي يعنى يقول يا ليتنى

стр. 4240

قَدَّمْتُ فى الدنيا أعمالا صالحا لِحَياتِي ج التي لا ينطلق إليها الموت او اللام بمعنى الوقت والمعنى يا ليتنى قدمت الأعمال الصالحة وقت حياتى فى الدنيا. فَيَوْمَئِذٍ عطف على يومئذ السابق والظرف متعلق بما بعده لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ منصوب بنزع الخافض اى كعذابه وكذا وثاقه أحد أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قرأ الكسائي ويعقوب لا يعذب ولا يوثق بفتح العين على البناء للمفعول اى لا يعذب أحد من الناس يعنى عصاة المؤمنين كعذاب ذلك الإنسان اى الكافر ان كان المراد بالأمم الجنس او المعنى لا يعذب أحد كعذاب ذلك الإنسان المعهود وهو امية بن خلف ولا يوثق أحد فى السلاسل والاغلال كوثاقه والباقون بكسر العين فيهما على البناء للفاعل وحينئذ الضمير المجرور فى عذابه ووثاقه اما راجع الى الله سبحانه والاضافة الى الفاعل اى لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيمة أحد سواه والأمر يومئذ كله لله اى والإنسان الكافر والاضافة اى المفعول اى لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه أحدا وعلى هذا التأويلات يومئذ متعلق بلا يعذب ولا يوثق على سبيل التنازع والمعنى لا يعذب أحد أحدا من الأزل الى الابد كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد أحدا من الأزل الى الابد كوثاق الله يومئذ فيومئذ وحينئذ متعلق بالمصدر اى عذابه وثاقه. يا أَيَّتُهَا بتقدير يقال جملة مستانفة كانه فى جواب السائل انما ذكر شان الكفر فما شان المؤمن فقال وتقديره يقال للمومنين يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ فى ذكر الله تعالى وطاعته كما تطمئن السمكة فى الماء وذلك الاطمينان لا يتصور الا بعد زوال صفاتها الرذائل الموجبة لكونه امارة بالسوء وزوال تلك الصفات لا يمكن الا بتجليات صفات الله الحميدة الحسناء وفنائها فيها وبقائها فتصير حينئذ مومنة ايمانا حقيقيا كما ان الكلب لا يمكن طهارته الا بوقوعه فى الملح وفنائه فيها وبقائه بصفات الملح حتى يصير حلالا طيبا. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ اى الى ذات البحت بلا حجب الأسماء والصفات راضِيَةً بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وبما قدر الله لها حال من فاعل ارجعي قال رسول الله ﷺ ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا متفق عليه وذاق طعم الايمان المراد به
следующие страницы →