عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من اهل المشرق يريدون العمرة فقال اصحاب رسول الله ﷺ نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا فانزل الله تعالى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ قال البغوي قال ابن عباس وقتادة لا يحملنكم وقال الفراء لا يكسبنكم شنأن قوم اى قومكم من اهل مكة والشنآن مصدر بمعنى شدة البغض والعداوة أضيف الى المفعول او الفاعل قرأ ابن عامر وابو بكر بسكون النون الاولى والآخرون بفتحها وهما لغتان فى المصدر وجاز ان يكون نعتا على تقدير سكون النون بمعنى بغيض قوم فان المصادر أكثرها فعلان بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان وبالسكون فى النعت اكثر مثل السكران والندمان والرحمن أَنْ صَدُّوكُمْ قرأ ابن كثير وابو عمرو بكسر الهمزة على انه شرط معترض اغنى عن جوابه لا يجر منكم والباقون بفتح الهمزة بتقدير اللام اى لان صدوكم عن البيت عام الحديبية متعلق بشنأن قال البغوي قال محمد بن جرير هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية وكان الصدقة قد تقدم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا عليهم بالقتال وأخذ الأموال وهذا ثانى مفعولى يجر منكم فانه يتعدى الى واحد والى اثنين ككسب وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ اى على امتثال امر الله تعالى وَالتَّقْوى اى الانتهاء عما نهى عنه كى يتقى نفسه عن عذاب الله وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعنى لا تعاونوا على ارتكاب المنهيات ولا على الظلم لتشفى صدوركم بالانتقام عن النواس بن سمعان الأنصاري قال سئل رسول الله ﷺ عن البر والإثم قال البر حسن الخلق والإثم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس رواه مسلم فى صحيحه والبخاري فى الأدب والترمذي وعن ابى ثعلب قال قال رسول الله ﷺ البر ما سكنت اليه النفس واطمأن اليه القلب وان أفتاك المفتون رواه احمد قلت هذا الحديث خطاب لارباب النفوس المطمئنة والقلوب الزاكية وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد وخوف.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ هذا بيان لما يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروح على حتف انفه اخرج ابن مندة فى كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حيان بن ابجر عن أبيه عن جده حيان بن الجر قال كنا مع رسول الله ﷺ وانا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة فانزل الله تحريم الميتة فاكفأت القدر قلت انما ذكرت هذا الحديث فى هذا المقام تبعا
стр. 982
الباب «١» النقول فى اسباب النزول والصحيح ان كون هذه القصة عند نزول هذه الاية اية المائدة محال لان هذه الاية اخر اية الاحكام نزولا كما سنذكر وحرمة الميتة كانت قبل الهجرة نزلت بمكة فى سورة الانعام فلا يمكن من الصحابي طبخ لحم الميتة بعد ذلك فالظاهر ان القصّة عند نزول اية التحريم فى الانعام قل لا أجد فيما اوحى الى والله اعلم وَالدَّمُ اى المسفوح منه بالإجماع وهو السائل وكان اهل الجاهلية يصيونها فى الأمعاء ويشربونها وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ انما خص اللّحم بالذكر مع كونه نجسا بجميع اجزائه بالنص والإجماع لانه معظم المقصود من الحيوان وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والإهلال رفع الصوت وهو قولهم عند الذبح باسم اللّات والعزّى عن ابى الطفيل قال سئل على رضى الله عنه هل خصكم رسول الله ﷺ بشئ قال ما خصنا بشئ لم يعم به الناس الا ما فى قراب «٢» سيفى هذا فاخرج صحيفة فيها لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق «٣» منار الأرض وفى رواية بلفظ من غيّر منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثا رواه مسلم (مسئلة:) يكره ان يذكر مع اسم الله عند الذبح شيئا غيره موصولا لا معطوفا مثل ان يقول عند الذبح بسم الله اللهم تقبل من فلان لكن لا يحرم ونظيره بسم الله محمد رسول الله بالرفع وان ذكر موصولا على وجه العطف والشركة نحو ان يقول بسم الله واسم فلان او بسم الله ومحمد رسول الله بالجرّ يحرم الذبيحة لانه اهل بها لغير الله ولا بأس بان يقول قبل التسمية قبل ان يضجع الذبيحة او بعد الذبح كما روى انه ﷺ قال بعد الذبح اللهم تقبل هذا عن امة محمّد ﵇ ممن شهد لك بالوحدانية ولى بالبلاغ قد ذكر حرمة هذا الاربعة وما يتصل بها من المسائل فى سورة البقرة وَالْمُنْخَنِقَةُ التي ماتت بالخنق وَالْمَوْقُوذَةُ الوقذ الضرب الشديد وكانوا فى الجاهلية يقتلون البهيمة ضربا بعصا او حجر وَالْمُتَرَدِّيَةُ التي تردت اى سقطت من علو او فى بير فماتت بلا ذبح وَالنَّطِيحَةُ وهى التي نطحتها اخرى اى أصابتها بقرنها فماتت والتاء فيها للنقل من الوصفية الى الاسمية وَما أَكَلَ السَّبُعُ يعنى ما بقي «٤» من أكل السبع وماتت باكله بعضها وهذا يدل
стр. 983
على ان جوارح الصيد كالكلب والفهد والباز والصقر إذا أكلت مما اصطادته لا يحل أكله إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعنى ما أدركتم ذكوته من هذه الأشياء واصل التذكية الإتمام يقال ذكت النار إذا تمت اشتعالها والمراد هاهنا الذبح فانه إتمام للحيوة قال فى الصحاح ذكيت الشاة اى ذبحتها وحقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية لكن خصّ فى الشرع بابطال الحيوة على وجه دون وجه انتهى كلامه قلت يعنى ابطال الحيوة بالذبح او النحر فى الخلق واللبة فى حالة الاختيار مع ذكر اسم الله تعالى وحده عليه عن ابى هريرة قال بعث رسول الله ﷺ نوفل بن ورقا الخزاعي على جمل أورق يصيح فى فجاج منى الا ان الذكوة فى الحلق واللبة رواه ابن الجوزي من طريق الدارقطني- (مسئلة:) فاذا جرح السبع او أكل شيئا منه وأدركته حيا فذبحته يحل أكله وهو المراد بقوله تعالى الا ما ذكيتم واماما صار بجرح السبع الى حالة المذبوح فهو فى حكم الميتة فلا يكون حلالا وان ذبحته وكذلك المتردية والنطيحة والموقوذة إذا أدركتها حية قبل ان يصير الى حالة المذبوح فذبحتها يكون حلالا والاستثناء إذا وقع بعد امور متعاطفة يرجع الى الاخيرة فقط عند ابى حنيفة رح وانما عرف حكم ما أدركته حيا بعد الخنق والوقذ والنطح والتردي وذبحته بالمقايسة ولا يمكن إرجاع الاستثناء الى الجميع لان المنخنقة اسم لما مات بالخنق وكذا أخواتها فلا يشتمل ذلك ما أدركته حيا وذبحته فلا يجوز الاستثناء- (مسئلة:) عروق الذبح الحلقوم اعنى مجرى النفس والمري اعنى مجرى العلف والماء والودجان وهما مجرى الدم فقال مالك رح يجب قطع هذه الاربعة وهو أحد قولى احمد رح وقال الشافعي رح واحمد رح يجزى فى الذكوة قطع الحلقوم والمري وقال ابو حنيفة رح ان قطع ثلثا منها اى ثلث كان يحل الاكل وبه كان يقول ابو يوسف رح اولا ثم رجع فقال لا بد من قطع الحلقوم والمري واحد الودجين وبه قال محمد رح فى رواية وعنه انه يعتبر اكثر كل من الأربع وهو رواية عن ابى حنيفة رح لان كل فرد منها اصل بنفسه وللاكثر حكم الكل ولابى يوسف رح ان المقصود من قطع الودجين انهار الدم فينوب أحدهما عن الاخر واما الحلقوم فيخالف المري فلابد من قطعهما وقال ابو حنيفة رح الأكثر يقوم مقام الكل فى كثير من الاحكام واى ثلث قطع فقد قطع الأكثر منها وحصل ما هو المقصود وهو انهار الدم المسفوح- (مسئلة:) يجوز الذبح بكل ما ينهر الدم ويحصل القطع من زجاج او حجر او قصب او
стр. 984
غير ذلك إذا كان له حدة وكذا يجوز بالسن والظفر والقرن إذا كان منزوعا ذى حدة عند ابى حنيفة رح الا انه يكره كذا فى الهداية وقالت الأئمة الثلاثة لا يجوز بالسنّ والظفر والقرن ويكون ميتة عن رافع بن خديج قال قلت يا رسول الله ﷺ انا لاقوا العدو غدا وليست معنا مدى افنذبح بالقصب قال ما انهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر وساحدثك عنه اما السن فعظم واما الظفر فمدى الحبشة متفق عليه وعن كعب بن مالك انه كانت لنا غنم يرعى بسلع فابصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فسال النبي ﷺ فامره بأكلها رواه البخاري وعن عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله ﷺ ارايت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة «١» وشقة العصى قال امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله رواه ابو داود والنسائي وعن عطاء بن يسار عن رجل من بنى حارثة انه كان يرعى لقحه بشعب من شعاب أحد فراى بها الموت فلم يجد ما ينحرها به فاخذ وتدا فوجأ به من لبتها حتى اهراق دمها ثم اخبر رسول الله ﷺ فامره بأكلها رواه ابو داود ومالك وفى رواية فذكاها بشظاظ «٢» احتج ابو حنيفة رح فى الخلافية بعموم قوله ﷺ ما انهر فكل وقوله ﷺ امرر الدم بما شئت واحتج الائمة الثلاثة بقوله ﷺ ليس السن والظفر حيث استثنى مما انهر الدم
وأجاب ابو حنيفة رح بانه محمول على غير المنزوع فان الحبشة كانوا يذبحون بظفر غير منزوع والظاهر ان المراد بالسن فى الاستثناء ما ليس فيه حدة يدل عليه قوله ﷺ اما السن فعظم ولا يجوز بسن وظفر غير منزوعين اجماعا لانه يقتل بالثقل فيكون فى معنى المنخنقة- (مسئلة:) يستحب للذابح ان يحد شفرته لقوله ﷺ ان الله كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد بن أوس- (مسئلة:) لو رمى الى صيد فى الهواء فاصابه فسقط على الأرض ومات كان حلالا لان الوقوع على الأرض من ضرورته وان سقط فى الماء او على جبل او شجر ثم تردى منه فمات لا يحل أكله وهو من المتردية والذي مات بالغرق الا ان يكون السهم أصاب مذبحه
стр. 985
فى الهواء فيحل كيف ما وقع لان الذبح قد حصل بأصابة السهم المذبح وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قيل النصب جمع واحدها نصاب ككتب وكتاب وقيل هو واحد وجمعها أنصاب كعنق وأعناق وهو الشيء المنصوب قال مجاهد وقتادة كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة كان اهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون بها وليست هى بأصنام انما الأصنام هى الصورة المنقوشة وقال الآخرون هى الأصنام المنصوبة وقال قطرب على بمعنى اللام ومعناه ما ذبح لاجل النصب وقال ابن زيد ما ذبح على النصب وما اهل لغير الله به واحد قلت العطف يقتضى التغاير فالظاهر ما قيل انها كانت حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة وحرم عليكم وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ اى الاستسقام اى طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم بالأزلام وهى القداح التي لا ريش لها ولا نصل واحدها زلم بفتح الزاء وضمها وكانت ازلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط تكون عند «١» سادن الكعبة مكتوب على واحد منها نعم وعلى واحد لا وعلى واحد منكم وعلى واحد من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل وواحد غفل ليس عليه شىء فكانوا إذا أرادوا امرا من سفر او نكاح او ختان او غيره او اختلفوا فى نسب او اختلفوا فى تحمل عقل جاؤا الى هبل وكانت أعظم أصنام قريش بمكة وجاؤا بمائة درهم أعطوها صاحب القداح حتى يحيل القداح وو يقولون يا الهنا انا أردنا كذا كذا فان خرج نعم فعلوا وان خرج لا لم يفعلوا ذلك حولا ثم عادوا الى القداح ثانية وإذا جالوا على نسب فان خرج منكم كان وسيطا منهم وان خرج من غيركم كان حليفا وان خرج ملصق كان على منزلة لا نسب له ولا حلف وإذا اختلفوا فى عقل فمن خرج قدح العقل حمله وان خرج الغفل أجالوا ثانيا حتى يخرج مكتوب فنهى الله عن ذلك وحرمه وقال ذلِكُمْ فِسْقٌ قال سعيد بن جبير الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها وقال مجاهد كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها وقال الشعبي وغيره الأزلام للعرب والكعاب للعجم وقال سفيان بن وكيع هى الشطرنج قلت وكل شىء يطلب به علم الغيب على نحو هذا الطريق كعلم الرمل بضرب الكعاب واستخراج إشكال النقاط وما يقال بالفارسية فال نامه وكل ما يقامر بها فهو داخل فى الاستقسام بالأزلام عبارة او دلالة جلية او خفية والله اعلم وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ من تكهن او
стр. 986
استقسم او تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الى الدرجات العلى من الجنة يوم القيمة رواه البغوي وعن قبيصة قال قال رسول الله ﷺ «١» العيافة والطيرة «٢» والطرق من الجبت رواه ابو داود بسند صحيح والطرق الضرب بالحصى الْيَوْمَ لم يرد يوما بعينه وانما أراد الحاضر وما يتصل به من الازمنة الآتية وقيل أراد يوم نزولها يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ان يبطلوه او ان يغلبوا على اهله او ان يرجع عنه اهله بتحليل الخبائث وغيرها فَلا تَخْشَوْهُمْ ان يظهروا عليكم ويبطلوا دينكم وَاخْشَوْنِ اثبت الياء فى الوصل خاصة ابو عمرو وحذفها الباقون فى الحالين يعنى أخلصوا الخشية لى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على اصول الشرائع من الفرائض والواجبات والسنن والآداب والحلال والحرام والمكروه وموجبات الفساد لما له وجود شرعى كالصلوة والصوم والبيع ونحوها وقوانين الاجتهاد فيما لا نص فيه وجاز ان يكون المراد بإكمال الدّين بلوغه ﷺ فى معارج القرب الى مرتبة يغبطه الأولون والآخرون حتى غفر لكمال محبوبيته جميع ذنوب أمته حتى الدماء والمظالم عن عباس بن مرداس ان رسول الله ﷺ دعا لامته عشية عرفة بالمغفرة فاجيب انى قد غفرت لهم ما خلا المظالم فانى أخذ للمظلوم منه قال اى رب ان شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشيته فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فاجيب الى ما سأل قال فضحك رسول الله ﷺ او قال تبسم فقال ابو بكر وعمران هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي اضحكك اضحك الله سنّك قال ان عدو الله إبليس لما علم ان الله قد استجاب دعائى وغفر لامتى أخذ التراب فجعل يحثوه على راسه ويدعو بالويل والثبور فاضحكنى ما رأيت من جزعه رواه ابن ماجة والبيهقي فى كتاب البعث قال ابن عباس لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شىء من الفرائض والسنن والحدود والاحكام فان قيل يروى عن ابن عباس ان آية الربوا نزلت بعدها قلنا ان صح هذا فالمراد ان قوله تعالى فى اخر البقرة الذين يأكلون الربوا لا يقومون الى قوله تعالى يايها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا الآية نزلت بعد ذلك ولا شك ان حرمة الربوا كانت قبل نزول تلك الآية
стр. 987
وانما نزلت تلك الاية للتوبيخ وقد ورد فى حديث جابر عند مسلم فى قصة حجة الوداع قوله ﷺ وربوا الجاهلية موضوع وأول ربوا أضع من ربانا ربوا عباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله وقال سعيد بن جبير وقتادة أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك وقيل أظهرت دينكم على الأديان كلها وامنتكم من الأعداء- (فائدة) نزلت هذه الاية يوم الجمعة عرفة بعد العصر فى حجة الوداع والنبي ﷺ واقف بعرفة على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندقّ من ثقلها فنزلت روى الشيخان فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب ان رجلا من اليهود قال له يا امير المؤمنين اية فى كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود ما نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال ايّة اية قال اليوم أكملت لكم دينكم الاية قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة أشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيد النابل عيدين الجمعة وعرفة قال البغوي روى هارون بن عنترة عن أبيه قال لما نزلت هذه الآية بكى عمر فقال له النبي ﷺ ما يبكيك يا عمر قال أبكاني انا كنا فى زيادة من ديننا فاما إذ أكمل فانه لم يكمل شىء الا نقص قال صدقت وكان هذه الاية نعى رسول الله ﷺ وعاش رسول الله ﷺ بعدها أحد وثمانين يوما ومات يوم الاثنين بعد ما زاغت الشمس لليتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة أحد عشر وكانت هجرته فى الثاني عشر منه وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعنى أنجزت وعدي بقولي ولاتم نعمتى عليكم وإتمام النعمة بالهداية والتوفيق وإكمال الدين وفتح مكة وهدم منار الجاهلية حتى حجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين وَرَضِيتُ اى اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ من بين الأديان دِيناً وهو الدين الصحيح عند الله لا غير روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قال جبرئيل قال الله تعالى هذا دين ارتضيه لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه والله اعلم فَمَنِ اضْطُرَّ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها من تعظيم الدين وذكر المنة على المؤمنين باكماله وكون ارتكابها فسقا يعنى من اضطر الى أكل شىء مما ذكر فِي مَخْمَصَةٍ وهى خلو البطن من الغذاء يقال رجل خميص البطن اى جائع غَيْرَ مُتَجانِفٍ اى مائل لِإِثْمٍ اى الى اثم بان يأكلها تلذذا او عجاوزا عن
стр. 988
حد الرخصة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقديره فاكله فان الله غفور رحيم يغفره قد ذكرنا هذا البحث وما يناسبه فى سورة البقرة روى البغوي بسنده عن ابى واقد الليثي ان رجلا قال يا رسول الله انا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى يحل لنا الميتة فقال ما لم تصطبحوا او تغتبقوا او تحتفؤا بها بقلا فشانكم بها الغبوق شراب اخر النهار مقابل الصبوح كذا فى النهاية واحتفى البقل اقتلعه من الأرض كذا فى القاموس والله اعلم روى الطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابى رافع قال جاء جبرئيل الى النبي ﷺ فاستاذن عليه فاذن له فابطأ فاخذ ردائه فخرج اليه وهو قائم بالباب فقال قد اذنّا لك فقال أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فنظروا فاذا فى بعض بيوتهم جرؤا فأمر أبا رافع لا يدع كلبا بالمدينة الا قتله فاتاه ناس فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الامّة التي أمرت بقتلها فنزلت.
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة وروى ابن جرير عن عكرمة ان رسول الله ﷺ بعث أبا رافع فى قتل الكلاب حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدى وسعد بن حتم وعويمر بن ساعدة فقالوا ماذا أحل لنا يا رسول الله فنزلت هذه الآية واخرج عن محمد بن كعب القرظي قال امر النبي ﷺ بقتل الكلاب فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الامّة فنزلت واخرج من طريق الشعبي ان عدى بن حاتم الطائي قال اتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب فلم يدرعا يقول حتى نزلت هذه الآية واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير ان عدى بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله ﷺ فقالا انا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وان كلاب آل دريح تصيد البقر والحمير والظباء وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت يسالونك ماذا أحل لهم يعنى من الانتفاع بالكلاب ومن الصيد الذي تصيدها الكلاب قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هذا زائد على قدر الجواب وسنذكر شرحه فيما بعد إنشاء الله تعالى والجواب قوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ عطف على الطيبات ان كانت ما موصولة والعائد محذوف والتقدير أحل لكم صيد ما علمتموه والجملة شرطية ان كانت ما شرطية وجواب الشرط فيما سيأتى اعنى فكلوا مِنَ الْجَوارِحِ بيان لما والمراد بها السباع من البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر وغيرها والبازي والصقر والشاهين وغيرها والجرح اما من الكسب يقال فلان جارحة اهله اى كاسبهم ومنه يقال للاعضاء الجوارح لانها
стр. 989
كاسبة للافعال وهذه السباع كاسبة لاربابها أقواتهم من الصيد واما من الجراحة فانها تجرح فى الصيد وبناء على هذا التأويل قال ابو حنيفة رح واحمد رح واكثر العلماء رح لا بد فى الصيد من الجرح فلو قتل الكلب الصيد من غير جرح بان صدمه او خنقه فمات لا يحل أكله وقال الشافعي رح فى أحد قوليه يحل ولا يشترط الجرح نظرا الى التأويل الاوّل قال صاحب الهداية لا تنافى بين التأويلين فى الاية وفى الجمع بين التأويلين أخذ باليقين فلا بد من اشتراط الجرح وفى الكفاية النهى إذا ورد فيه اختلاف المعاني فانكان بينهما تناف يثبت أحدهما بدليل توجب ترجيحه وان لم يكن بينهما تتاف يثبت الجميع أخذا باليقين كذا ذكر فخر الإسلام فان قيل فعلى هذا يلزم القول بعموم المشترك وهو خلاف مذهب ابى حنيفة رح قلنا عموم المشترك ان يريد المتكلم من لفظ مشترك كلا المعنيين جميعا كما يراد بالعام وان يحكم السامع بشمول الحكم لكلا المعنيين جميعا كما فى العام وهاهنا ليس كذلك بل نقول ان المراد عند الله تعالى من الجوارح أحدهما لكن لما لم يقم دليل قاطع على تعيين أحدهما ولا منافاة بينهما أخذنا بهما احتياطا واحتج الحنفية ايضا على اشتراط الجرح انه لا بد من الذكوة والذكوة الاضطراري الجرح فى اى موضع كان من البدن بانتساب ما وجد من الآلة اليه بالاستعمال وان كسر عضوا فقتله ففى رواية عن ابى حنيفة رح انه لا بأس باكله لانه جراحة باطنة فهى كالجراحة الظاهرة والصحيح من مذهبه انه لا يؤكل لان المعتبر جرح ينتهض سببا لانهار الدم ولا يحصل ذلك بالكسر فاشبه التخنيق قال رسول الله ﷺ ما انهر الدم وذكر اسم الله فكل وكذا يشترط الجرح فى الرمي اجماعا لحديث عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله انا نرمى بالمعراض قال كل ما خزق «١» وما أصاب بعرضه فقتله فانه وقيذ فلا تأكل متفق عليه (مسئلة:) يجوز الاصطياد بكل جارح من البهائم والطيور وعن ابى يوسف رح انه استثنى من ذلك الأسد والذئب لانها لا يعملان لغيرهما الأسد لعلو همته والذئب لخساسته والحق بهما البعض الحداءة لخساسة والخنزير مستثنى اجماعا لانه نجس العين لا يجوز الانتفاع به بوجه قلت لا وجه لاستثناء الأسد والذئب والحدأة من الجوارح والقول بانهما لا يعملان لغيرهما لا يضر فانهما حينئذ يخرجان من قوله تعالى ما علمتم وقال احمد لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم لحديث عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم
стр. 990
لولا ان الكلب امّة من الأمم لامرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم رواه ابو داود والترمذي والدارمي وعن جابر قال أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فانه شيطان رواه مسلم والجمهور على انه يحل صيده لعموم الآية والله اعلم- مُكَلِّبِينَ حال من الضمير المرفوع فى علمتم وفائدتها المبالغة فى التعليم والإغراء والمكلب الذي يغرى الكلاب على الصيد ويعلمها ويودبها مشتق من الكلب لان التأديب يكون فيه اكثر واثر او لان كل سبع يسمى كلبا فى القاموس الكلب كل سبع عقور وقال رسول الله ﷺ فى عتبة بن ابى لهب وقد كان يسبّ النبي ﷺ اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك فخرج فى قافلة يريد الشام فنزلوا منزلا فقال انى أخاف دعوة محمّد فحطّوا متاعهم حوله وقعدوا يحرسونه فجاء الأسد فانتزعه فذهب به أخرجه الحاكم فى المستدرك من حديث ابى نوفل بن ابى عقرب عن أبيه وقال صحيح الاسناد تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية او استيناف مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من طرق التأديب او مما علمكم ان تعلموها من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وان يمسك الصيد ولا يأكل منه ويعلم كونه معلما بتكرر ظهور اثار التعليم هذه منها ثلث مرات أسند الله سبحانه التعليم الى نفسه لان العلوم كلها التصورية والتصديقية البديهية والنظرية ملهمة من الله تعالى والعقل والفكر فى بعض الأمور سبب عادى والعلم بالنتيجة بعد العلم بالمقدمتين انما يحصل بفيضان من الله تعالى على مقتضى جرى العادة فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ اى الجوارح عَلَيْكُمْ يعنى مما لم تأكل منه وهذا التفسير مستفاد من حديث عدى بن حاتم قال قال لى رسول الله ﷺ إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان امسك فادركته حيا فاذبحه وان أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكله فانما امسك على نفسه الحديث متفق عليه وفى رواية بلفظ ما علمت من كلب او باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما اسكن عليك قلت وان قتل قال ان قتله ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكله فانما امسكه على نفسه رواه ابو داود والبيهقي من رواية مجالد عن الشعبي عنه وقال البيهقي تفرد مجالد بذكر الباز فيه وخالفه الحفاظ فهذه الآية بهذا التفسير المستفاد من الحديث حجة لابى حنيفة رح واحمد رح والشافعي رح فى أصح قوليه ان الكلب إذا أكل من الصيد لا يباح أكله قال البغوي وهو المروي
стр. 991
عن ابن عباس وهو قول عطاء وطاؤس والشعبي والثوري وابن المبارك قالوا اية كون الكلب معلّما ان لا يأكل ثلث مرات فاذا ترك الاكل ثلث مرات حل صيده فى الرابعة وفى رواية عن ابى حنيفة رح حل صيده فى الثالثة وقال مالك رح لا بأس بأكل الكلب من الصيد ويحل أكله وهو أحد قولى الشافعي رح قال البغوي وهو المروي عن ابن عمر وسلمان الفارسي وسعد بن ابى وقاص لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى النبي ﷺ يقال له ابو ثعلبة فقال يا رسول الله ان لى كلابا مكلبة فافتنى فى صيدها فقال ان كانت لك كلابا مكلبة فكل مما أمسكن عليك قال ذكىّ وغير ذكىّ قال ذكىّ وغير ذكىّ قال وان أكل منه قال وان كل منه رواه ابو داود قلت هذا الحديث أعله البيهقي وحديث عدى بن حاتم متفق على صحته والله اعلم قلت وهذه الاية بهذا التأويل وما رواه ابو داود برواية مجالد عن الشعبي من الحديث يقتضى اشتراط ترك الاكل فى سباع الطيور ايضا واليه ذهب بعض الفقهاء وقال ابو حنيفة رح لا يشترط ذلك فى السباع الطيور لان بدن الطيور لا يتحمل الضرب وبدن الكلاب يتحمله فيضرب ليتركه اخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل لان الكلب يستطيع ان تضربه والصقر لا يستطيع ان تضربه فان قيل هذا استدلال فى مقابلة نص الكتاب والسنة قلنا الكتاب ليس بظاهر الدلالة على اشتراط عدم الاكل فان الإمساك ضد الإرسال لا ضد الاكل
وانما اشترطنا عدم الاكل فى الكلب بحديث الصحيحين وما تفرد به مجالد لا يعتد به لمخالفة الحفاظ ومخالفة القياس والله اعلم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير عايد الى ما علمتم يعنى سموا عليه عند إرساله فيشترط التسمية عند إرسال الكلب والباز ونحوهما وكذا عند الرمي كما يشترط عند الذبح غير ان التسمية عند الذبح انما هو على المذبوح وفى الصيد على الآلة لان المقدور فى الاوّل الذبح وفى الثاني الرمي والإرسال دون الاصابة فيشترط عند فعل يقتدر عليه حتى لو اضجع شأة وسمّى وذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز ولو رمى الى صيد وسمى وأصاب صيدا غيره حل ولو اضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بأخرى أكل وان سمى على سهم ثم رمى بغيره لا يؤكل والتسمية على المذبوح هو الأصل وجواز التسمية على الآلة انما هو عند العجز عن الأصل فان أدرك مرسل للباز او الكلب بالتسمية او الرامي بالتسمية الصيد حيا وجب عليه ان يذكّيه ويذكر اسم الله عند الذبح ثانيا وان ترك تذكية حتى مات لم يؤكل وهذا إذا تمكن من ذبحه واما إذا وقع فى يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من
стр. 992
الحيوة فوق ما يكون فى المذبوح لم يؤكل عند ابى حنيفة رح وفى رواية عنه وعن ابى يوسف رح انه يحل وهو قول الشافعي رح لانه لم يقدر على الأصل وقال بعضهم ان لم يتمكن لفقد الآلة لم يؤكل وان لم يتمكن لضيق الوقت أكل عند ابى حنيفة رح خلافا للشافعى رح- (مسئلة:) ان ترك التسمية عامدا عند إرسال الكلب او السهم او عند الذبح او شاركه كلب غير معلم او كلب مجوسى او كلب لم يذكر اسم الله عليه عمدا لا يحل أكله لفوات شرط الحل فى هذه الاية ولقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ولحديث عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله أرسل كلبى فاجد معه كلب اخر قال فلا تأكل فانما سميت على كلبك ولم تسم على كلب اخر متفق عليه وعنه قال قال لى رسول الله ﷺ إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان امسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وان أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكل فانما امسك على نفسه فان وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فانك لا تدرى أيهما قتل وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فان غاب عنك يوما فلم تجد فيه الا اثر سهمك فكل ان شئت وان وجدته غريقا فى الماء فلا تأكل متفق عليه وعن ابى ثعلبة الخشني قال قال رسول الله ﷺ ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فادركت ذكوته فكل متفق عليه (مسئلة:) وكذا ان ترك التسمية ناسيا عند احمد ويحل عند ابى حنيفة رح وهو رواية عن احمد رح وبه قال مالك رح كذا فى كتب المالكية وعن احمد ان نسيها على الذبيحة حلت واما على الصيد فلا وعنه ان نسيها على السهم حلت واما على الكلب والفهد فلا وقال الشافعي رح وهو رواية عن مالك يحل مطلقا وبه قال ابو القاسم من المالكية سواء ترك التسمية عامدا او ناسيا على الذبيحة او على الصيد بالكلب او بالسهم بعد ان كان الكلب معلما والمكلب مسلما او كتابيا ويحرم بمشاركة الكلب غير المعلم وكلب المجوسي والحجة على حل متروك التسمية مطلقا حديث عائشة رض ان قوما قالوا للنبى ﷺ ان قوما يأتونا باللحم لا يدرى اذكر اسم الله أم لا فقال سموا أنتم وكلوا قالت وكانوا حديثى العهد بالكفر رواه البخاري وعن ابى هريرة قال سأل رجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ارايت الرجل منا يذبح وينسى ان يسمى الله فقال النبي ﷺ اسم الله فى فم كل مسلم رواه الدار قطنى وعن ابن عباس ان النبي ﷺ قال المسلم
стр. 993
ان نسى ان يسمى حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم لياكل رواه الدار قطنى وعن الصلت قال قال
رسول الله ﷺ ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله او لم يذكر رواه ابو داود فى المراسيل ورواه البيهقي من حديث ابن عباس موصولا وفى اسناده ضعف وقال البيهقي الأصح وقفه على ابن عباس والجواب ان الحديث الاوّل لا يدل على ترك التسمية والظاهر تسميتهم واما الثاني ففيه مروان بن سالم قال احمد ليس ثقة وقال النسائي والدار قطنى متروك واما الثالث ففيه معقل مجهول واما الرابع فمرسل ثم الحديث الثاني والثالث فى متروك التسمية ناسيا فليس فيهما حجة للشافعى رح والحديث الرابع نحمله على حالة النسيان قال صاحب الهداية وهذا القول من الشافعي رح يعنى يحل متروك التسمية عامدا مخالف للاجماع فانه لا خلاف فيمن كان قبله فى حرمة متروك التسمية عامدا وانما الخلاف بينهم فى متروك التسمية ناسيا فمن مذهب ابن عمر انه يحرم ومن مذهب على وابن عباس يحل بخلاف متروك التسمية عامدا ولهذا فأل ابو يوسف رح متروك التسمية عامد الا يسع فيه الاجتهاد ولو قصى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للاجماع- (مسئلة:) ما استأنس من الصيد فذكوته الذبح وما توحش من الإبل والبقر فذكوته العقر والجرح واما الشاة فاذا ندت فى الصحراء فذكوته العقر وان ندت فى المصر لا تحل بالعقر لانه يمكن أخذها فى المصر ومبنى الحكم على ان ذكوة الاضطرار انما يصار اليه عند العجز عن ذكوة الاختيار والعجز متحقق فيما توحش من النعم دون ما استأنس من الصيد وكذا ما تردى من النعم فى بير ووقع العجز عن ذكوته الاختيارية جاز فيه الذكوة الاضطرارية عند الجمهور وقال مالك لا يجوز ذكوة النعم الا فى الحلق واللبة لان توحشها نادر فلا عبرة به لنا حديث رافع بن خديج قال أصابنا نهب ابل فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه الله فقال رسول الله ﷺ ان لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فاذا غلبكم منها شىء فافعلوا به هكذا متفق عليه وعن ابى العشراء عن أبيه انه قال يا رسول الله اما يكون الذكوة الا فى الحلق واللبة فقال لو طعنت فى فخذها لاجزأ عنك رواه احمد واصحاب السنن الاربعة والدارمي وقال ابو داؤد هكذا ذكوة المتردى وقال الترمذي هذا فى الضرورة ورواه الحافظ ابو موسى فى مسند ابى العشراء بلفظ لو طعنت فى فخذها او شأكلتها وذكرت اسم الله لاجزأ عنك وقال الشافعي رح
стр. 994
تردى بعير فى بير فطعن فى شاكلته فسأل ابن عمر عن أكله فأمر به- (مسئلة:) إذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد ولا يؤكل العضو وقال الشافعي رح أكلا وان مات الصيد منه لانه مبان بذكاة اضطراري فيحل المبان والمبان منه ولنا عموم قوله ﷺ ما أبين من الحي فميت وَاتَّقُوا اللَّهَ فى محرماته إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيؤاخذكم بما جل ودق.
الْيَوْمَ يعنى الان عند كمال الدين الى يوم القيامة إذ لا نسخ بعد الإكمال أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ كرره للتأكيد ولفظ الطيبات ضد الخبائث مجمل التحق الأحاديث النبوية البينة للطيبات والخبائث بيانا له ثم قيس على موارد النصوص أشباهها والأصل فيه ان ما ورد النص بكونه حلالا ظهرانه طيب وما ورد النص بكونه حراما ظهر كونه خبيثا وما ورد الأمر بقتله وسماه خبيثا فاسقا فهو خبيث حرام كما روى عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال خمس لا جناح على من قتلهن فى الحرم والإحرام الفارة والغراب والحداة والعقرب والكلب العقور متفق عليه وعن عائشة عنه ﷺ قال خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفارة والكلب العقور والحدأة متفق عليه وعن ابى هريرة فى الحية ما سالمنا هم منذ حاربناهم ومن ترك شيئا منهم خيفة فليس منا رواه ابو داود وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثارهن فليس منى رواه ابو داود والنسائي وما لم يرد النص فيه يقاس اما على الطيّبات بجامع استطابة الطبائع السليمة من العرب واما على الخبائث بجامع استقذار الطبائع السليمة منهم وكانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعون يكرهون ما يأكل الجيف أخرجه ابن ابى شيبة من طريق ابراهيم النخعي ولذا قال جمهور العلماء لا يؤكل من الدواب والطيور ما يأكل الجيف والنهى عن قتل حيوان لا يدل على حرمته ولا على كراهته ما لم يدل عليه دليل اخر عند الائمة الثلاثة وعند الشافعي رح يدل على تحريمه فلا يحرم الهدهد والطاووس عند الثلاثة خلافا للشافعى رح- (مسئلة:) كل حيوان ذى ناب من السباع كالاسد والذئب والنمر والفهد والكلب والهرة وذى مخلب من الطير كالصقر والباز والحدأة ونحوها فاكله حرام عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم شىء من ذلك لقوله تعالى قل لا أجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الآية وهذا هو الأصل لمالك فى جميع مسائل الباب قلنا هذه الآية تدل على عدم وجدان الحرمة
стр. 995
حالة نزول هذه الاية لا بعد ذلك وسنذكر البحث عن الآية فى موضعها إنشاء الله تعالى وقد ظهر حرمة غير المذكورات فى الآية بعد ذلك بنصوص صحيحة تلقته الامة بالقبول منها حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كل ذى ناب من السباع فاكله حرام رواه مسلم وعن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ عن كل ذى ناب من السباع وذى مخلب من الطير رواه مسلم قال ابن عبد البر مجمع على صحته وكذا روى عبد الله بن احمد فى زيادات المسند من حديث على وفى اسناده علة وروى احمد نحوه من حديث جابر وعن جابر ان النبي ﷺ نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها رواه ابو داود والترمذي (مسئلة:) الضبع والثعلب حرام عند ابى حنيفة رح مكروه عند مالك رح كسائر السباع وقال الشافعي رح واحمد رح يحلهما وفى رواية عن احمد رح لا يحل الثعلب قال صاحب الهداية هما من السباع وفى الكفاية ان لهما نابان يقاتلان بانيا بهما فلا يؤكلان كالذئب احتج الشافعي رح بحديث جابر انه سئل عن الضبع اصيد هى قال نعم قيل أيؤكل قال نعم قيل أسمعته من رسول الله ﷺ قال نعم رواه الشافعي رح واصحاب السنن غير ابى داود والبيهقي وصححه البخاري والترمذي وغيرهما وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن ابى عمارة ووثقه ابو ذرعة والنسائي وقال الشافعي رح وما يباع لحم الضباع الّا بين الصفا والمروة ورواه ابو داود بلفظ سالت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم قلت كونه صيدا وجزائه بكبش فى الإحرام لا يقتضى حله فانه يجب على المحرم الجزاء بقتل صيد حرم لحمه والصيد هو الحيوان المتوحش الممتنع بالطبع وحديث حل الضبع لا يقوى قوة حديث حرمة السباع وعند التعارض الترجيح للمحرم على المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ كما بين فى الأصول واماما رواه
الترمذي من حديث خزيمة بن جرير او يأكل الضبع أحد فضعيف لا تفاقهم على ضعف عبد الكريم بن امية والراوي عنه امية بن مسلم- (مسئلة:) يحرم حشرات الأرض مثل الفار والوزغ وغيرها عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم لما ذكرنا لنا حديث أم شريك ان رسول الله ﷺ امر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على ابراهيم متفق عليه وعن سعد رض بن ابى وقاص ان رسول الله ﷺ امر بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه مسلم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال من قتل وزغا فى أول ضربة كتبت له مائة حسنة
стр. 996
وفى الثانية دون ذلك وفى الثالثة دون ذلك رواه مسلم وسبق فى الحديث الأمر بقتل الفارة فى الحل والحرم وتسميته فاسقة فيحرم الحشرات كلها استدلالا بالوزغ والفارة ومنها القنفذ وهو حلال عند مالك رح والشافعي رح وقال ابو حنيفة رح بتحريمه لانه من الحشرات ولما روى ابو داود من حديث عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن القنفذ فقرأ هذه الآية قل لا أجد فيما اوحى الىّ الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة رضى الله عنه يقول ذكر القنفذ عند رسول الله ﷺ فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر ان كان النبي ﷺ قاله فهو كما قاله قال البيهقي فيه ضعف ولم يرو الا بهذا الاسناد- (مسئلة:) يحرم الضب واليربوع عند ابى حنيفة رح وعند مالك رح والشافعي رح هما حلالان وقال احمد الضبّ حلال وفى اليربوع عنه روايتان احتجوا على حل الضب بحديث ابن عمر رض قال قال رسول الله ﷺ الضب لست أكله ولا احرمه متفق عليه وعن ابن عباس رض ان خالد بن الوليد أخبره انه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة وهى خالته وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبا محنوذا «١» فقدمت الضب لرسول الله ﷺ فرفع رسول الله ﷺ عن الضب فقال خالد احرام الضب يا رسول الله قال لا ولكن لم يكن بأرض قومى فاجدنى إعافة قال خالد فاجتررته فاكلته ورسول الله ﷺ ينظر الى متفق عليه قال ابو حنيفة رح الضب من الحشرات وهذا استدلال فى مقابلة النصّ الصحيح الصريح وذكر فى الهداية ان النّبى ﷺ نهى «٢» عائشة حين سألت عن أكل الضب ولا اعرف ذلك الحديث- (مسئلة:) يحلّ أكل الجراد ميتا على كل حال وقال مالك رح لا يؤكل منه ما مات على حتف انفه من غير سبب يضع به يعنى يكره احتج الجمهور بحديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أحلت لنا ميتتان والدمان فاما الميتتان فالجراد والحوت
стр. 997
واما الدمان فالكبد والطحال رواه الشافعي واحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن زيد بن اسلم عن أبيه عنه وعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك ورواه الدارقطني عن زيد بن اسلم موقوفا على ابن عمر فقال وهو أصح وكذا صحح الموقوف ابو ذرعة وابو حاتم وأخرجه الخطيب من رواية مسور بن الصلت عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابى سعيد الخدري والمسور قد كذبه احمد بن حنبل وقال ابن حبان يروى عن الثقات الموضوعات (مسئلة:) يحرم أكل لحوم الحمر الاهلية والبغال عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره لنا حديث ابى ثعلبة قال حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الاهلية متفق عليه وفى رواية عن احمد رح امر عبد الرحمن بن عوف ينادى بالناس ان لحوم الحمر الانسية لا تحل لمن شهد انى رسول الله وعن جابر انه ﷺ نهى عن لحوم الحمر الاهلية وأذن فى الخيل متفق عليه وعنه قال حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر الحمر الانسية ولحوم البغال وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير رواه الترمذي وقال حديث غريب ورواه احمد بلفظ حرم رسول الله ﷺ الحمر الانسية ولحوم الثعالب وكل ذى ناب من السباع وذى مخلب من الطير وعنه قال أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر رواه الترمذي وصححه والنسائي وعن ابى هريرة رض ان رسول الله ﷺ حرم يوم خيبر كل ذى ناب من السباع والحمر الانسية رواه احمد وعن البراء بن عازب قال أصبنا يوم خيبر حمرا فاذا ينادى منادى رسول الله ﷺ ان اكفئوا القدور متفق عليه وعن على رضى الله عنه ان النبىّ ﷺ نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية متفق عليه وفى الباب حديث ابى سليط وانس وابن عباس وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن ابى اوفى وخالد بن الوليد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والمقدام بن معد يكرب وعمرو بن دينار- (مسئلة:) يحل أكل لحوم الخيل عند الجمهور وبه قال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله وقال ابو حنيفة ومالك رحمهما الله يكره ثم قيل الكراهة عند ابى حنيفة رح كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه قال صاحب الهداية الاول أصح احتج الجمهور لما مر من حديث جابر اذن فى الخيل وحديث اسماء «١» قال نحرنا فى عهد رسول الله ﷺ فرسا فاكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه
стр. 998
زاد احمد فيه نحن واهل بيته احتج ابو حنيفة رح بقوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال خرج مخرج الامتنان والاكل من أعلى منافعها والحكيم لا يترك الامتنان بالأعلى ويمن بالأدنى وبحديث خالد بن الوليد عن النبىّ ﷺ انه قال حرام لحوم الحمر الاهلية وخيلها وفى لفظ نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير رواه احمد برواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام عن خالد قال احمد هذا حديث منكر وقال موسى ابن هارون لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه الا بجده وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف قال ابن الجوزي وفى بعض ألفاظ هذا الحديث ان رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر قال الواقدي انما اسلم خالد بعد خيبر والله اعلم- (مسئلة:) يكره عند ابى حنيفة رح ابن عرس فانه من سباع الهوام- (مسئلة:) يكره عند الائمة الثلاثة أكل الرخم والبغاث لانهما يأكلان الجيف والأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغراب وكذا النسر وكذا كل ما يأكل الجيف ولا ياس بغراب الزرع لانه يأكل الحب وليس من سباع الطير ولا بأس بأكل العقعق لانه يخلط فاشبه الدجاجة وعن ابى يوسف رح انه يكره لان غالب أكله الجيف- (مسئلة:) يحرم أكل الجلّالة وبيضها ولبنها عند احمد رح ما لم يحبس فانكان طائرا فثلثة ايام وان كان من الإبل فاربعين يوما والبقر ثلثين والغنم سبعة والدجاجة ثلثة وفى رواية كلها ثلثة وعند الائمة الثلاثة يكره تحريما ان ظهر النتن فى لحمها او لبنها وتحبس حتى تزول رائحة النجاسة عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ فى لبن الشاة الجلالة رواه احمد وعن ابن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة «١» وألبانها رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وعن عبد الله بن عمر وقال نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة ان يؤكل لحمها ولا يشرب ألبانها ولا يركبها الناس حتى ينقضه أربعين ليلة رواه البيهقي والدارقطني وفيه إسماعيل بن ابراهيم ابن مهاجر عن أبيه قال ابن الجوزي هو وأبوه ضعيفان ورواه احمد وابو داود والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ نهى عن لحوم الحمر الاهلية وعن الجلالة وعن ركوبها-
стр. 999
(مسئلة:) لا يؤكل من حيوان البحر الا السمك عند ابى حنيفة ﵀ وقال مالك ﵀ يؤكل كلها حتى السرطان والضفدع وكلب الماء وخنزيره لكنه كره الخنزير وحكى انه توقف فيه وقال احمد كلما يعيش ويولد فى البحر يحل أكله الا الضفدع والتمساح والكوسج ويحتاج عنده غير السمك الى الذبح كخنزير البحر وكلبه وانسانه واختلف اصحاب الشافعي رح فمنهم من قال مثل قول مالك ومنهم من قال مثل قول ابى حنيفة ﵀ ومنهم من قال كل ما له شبه فى البر لا يوكل فلا يوكل كلب الماء وخنزيره وانسانه وحيته وفارته وعقربه ويوكل ما سوى ذلك ومنهم من قال يؤكل غير التمساح والضفدع والحية والعقرب والسرطان والسلحفاة احتج مالك ﵀ ومن معه بعموم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر من غير فصل وقوله ﷺ فى البحر هو الطهور مائه والحل ميتته وأجيب بان المراد بالصيد الاصطياد بدليل قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فان المحرم هو اصطياد صيد البر فأما إذا صاد الحلال صيد البر بلا اعانة من المحرم ولا دلالة حل للمحرم أكله والمراد بالميتة هو السمك وقوله ﷺ ما من دابة فى البحر الا قد ذكاه الله لبنى آدم رواه الدارقطني من حديث جابر وروى عن عبد الله بن سرجس قوله ﷺ ذبح كل نون لبنى آدم قلنا النون هو السمكة وسوق الحديث لعدم الاحتياج الى ذبح السمكة لا لعموم حل ما فى البحر ويدل على حل بعض ما فى البحر سوى السمكة حديث جابر قال غزوت جيش الخبط وامر ابو عبيدة فجعنا جوعا شديدا فالقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له العنبر فاكلنا منه نصف شهر فاخذ ابو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته فلما قد منا ذكرنا للنبى ﷺ فقال كلوا رزقا أخرجه الله إليكم وأطعمونا ان كان معكم قال فارسلنا الى رسول الله ﷺ منه فاكله متفق عليه وقالت الحنفية لعل ذلك الحيوان من اقسام السمك كما يدل عليه لفظ الحوت والحجة على حرمة الضفدع ونحوه مما يستقذر الطبع السليم قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث وحديث عبد الرحمن بن عثمان قال ذكر طبيب عند رسول الله ﷺ دواء وذكر الضفدع يجعل فيه فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع رواه احمد وابو داود والنسائي والبيهقي قال البيهقي هو أقوى ما ورد فى النهى-
стр. 1000
(مسئلة:) ويكره أكل الطافي من السمك عند ابى حنيفة ﵀ ولا يكره عنه الجمهور احتجوا بما ذكرنا من حديث جابر فى العنبر وقوله ﷺ هو الحل ميتة قلنا ورد فى حديث جابر انه القى البحر حوتا ميتا ومعناه القى البحر حوتا فماتت بإلقائه وذلك حلال اتفاقا وميتة البحر ما لفظه البحر حتى يكون موته مضافا الى البحر لا ما مات فيه بلا آفة احتج الحنفية بحديث جابر عن النبي ﷺ قال إذا طفا فلا تأكله وإذا جزر عنه فكله وما كان على حافته فكله رواه الدارقطني من طريق ابى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن ابى الزبير عن جابر قال الدارقطني لم يسنده عن الثوري غير ابى احمد ورواه وكيع وعبد الرزاق ومومل وغيرهم موقوفا وكذلك روى ابو أيوب السجستاني وعبد الله بن عمرو ابن جريح وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن ابى الزبير موقوفا ولا يصح رفعه ورواه الدارقطني من طريق اخر بلفظ كلوا ما حسر عنه البحر وما القى وما وجدتموه ميتا او طافيا فوق الماء فلا تأكلوه قال الدارقطني تفرد به عبد العزيز عن وهب وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به قال احمد هو ضعيف والحديث ليس بصحيح وقال النسائي هو متروك وله طريق اخر رواه ابو داود عنه قال قال رسول الله ﷺ ما القى البحر او جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفى فلا تأكلوه وفى هذا الطريق اسمعيل بن امية وهو متروك قال ابو داود
رواه سفيان وأيوب وحماد عن ابى الزبير فوقفوه على جابر والله اعلم- (مسئلة:) حل أكل الأرنب اجماعا لحديث انس قال انفجنا أرنبا بمر الظهران فأخذتها فاتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث الى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها فقبله متفق عليه- (فائدة) أكل رسول الله ﷺ لحم الدجاج متفق عليه عن ابى موسى (فائدة) عن سفينة أكلت مع رسول الله ﷺ لحم الحبارى رواه ابو داود- وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ المراد بالطعام الذبائح لان سائر الاطعمة لا يختص حلها بالميتة وقوله تعالى الذين أوتوا الكتاب يشتمل اليهود والنصارى والصابئين ان كانوا يؤمنون بدين نبى ويقرءون بكتاب لا ان كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم حربيا كان الكتابي او ذميا عجميا كان او عربيا او تغلبيا به قال ابو حنيفة رحمه الله
стр. 1001
وقالت الائمة الثلاثة لا يحل ذبيحة نصارى العرب من بنى تغلب قال ابن الجوزي روى أصحابنا حديث ابن عباس ان النبي ﷺ نهى عن ذبايح نصارى العرب وروى ابن الجوزي بسنده عن على رضى الله عنه قال لا تأكلوا من ذبايح نصارى بنى تغلب فانهم لم يتمسكوا من النصرانية بشئ الا شربهم الخمر ورواه الشافعي ﵀ بسند صحيح عنه واخرج عبد الرزاق من طريق ابراهيم النخعي ان عليّا كان يكره ذبايح نصارى بنى تغلب ونسائهم قلت ولم يظهر لى صحة الحديث المرفوع فى الباب ولو صح فهو حديث احاد لا يصلح ناسخا للكتاب قال البغوي يريد الله سبحانه ذبايح اليهود والنصارى ومن دخل فى دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبىّ ﷺ واما من دخل فى دينهم بعد مبعث النبىّ ﷺ يعنى من غير اهل الإسلام فلا تحل ذبيحته قلت وهذا التقييد ليس بشئ عندنا قال صاحب الهداية لا يؤكل ذبيحة المرتد يعنى من كان مسلما ثم ارتد نعوذ بالله منها فصار يهوديا او نصرانيا او مجوسيا او وثنيا لا يوكل ذبيحته لانه لا ملة له لانه لا يقر على ما انتقل اليه بخلاف الكتابي إذا انتقل الى غير دينه لانه يقر عليه عندنا فيعتبر ما هو عليه عند الذبح لا ما قبله قال فى الكفاية حتى لو تمجس يهودى او نصرانى لا يحل صيده ولا ذبيحته بمنزلة ما لو كان مجوسيا فى الأصل وان تهود مجوسى او تنصر يوكل ذبيحته وصيده كما لو كان عليه فى الأصل لانه يقر على ما اعتقد عندنا- (مسئلة:) لو ذبح يهودى على اسم عزير ونصرانى على اسم عيسى لا يحل أكله عندنا قال فى الكفاية انما يحل ذبيحة الكتابي فيما إذا لم يذكر وقت الذبح اسم عزير او اسم المسيح واما إذا ذكر فلا يحل كما لا يحل ذبيحة المسلم إذا ذكر وقت الذبح اسم غير الله تعالى لقوله تعالى وما اهل به لغير الله فحال الكتابي فى ذلك لا يكون أعلى من حال المسلم وقال البغوي اختلف العلماء فى هذه المسألة قال ابن عمر لا يحل وذهب اكثر اهل العلم الى انه يحل وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا يحل فان الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وقال الحسن إذا ذبح اليهودي او النصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكله وإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك قلت والصحيح المختار عندنا هو القول الاوّل يعنى ذبايح الكتابي تاركا للتسمية عامدا او على غير اسم الله تعالى لا يؤكل ان علم ذلك يقينا او كان غالب
стр. 1002
حالهم ذلك وهو محمل النهى عن أكل ذبايح نصارى العرب ومحمل قول على رضى الله عنه لا تأكلوا من ذبايح نصارى بنى تغلب فانهم لم يتمسكوا من النصرانية بشئ الا بشربهم الخمر فلعل عليا رضى الله عنه علم من حالهم انهم لا يسمون الله عند الذبح او يذبحون على غير اسم الله تعالى فكذا حكم نصارى العجم ان كان عادتهم الذبح على غير اسم الله تعالى غالبا لا يؤكل ذبيحتهم ولا شك ان النصارى فى هذا الزمان لا يذبحون بل يقتلون بالوقد غالبا فلا يحل طعامهم وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فان قيل النبىّ ﷺ مبعوث الى كافة الناس بشريعة واحدة فما معنى لاختلاف الحل والحرمة بالنسبة
الى هؤلاء وهؤلاء- قلت معناه ان من الأشياء ما هو حلال على كافة الناس من غير شرط كحل ماء البحر ومنها ما هو مشروط حلها بشرائط كالصلوة مشروط جوازها بالوضوء وسائر العبادات مشروط إتيانها بالايمان بالله ورسوله واخلاص النية وأكل الأموال مشروط حلها بالملك او اذن من المالك فذبايح المؤمنين حلال على الكفار حتى لا يعذبون فى الاخرة بأكلها كما لا يعذبون بإتيان امور مباحة للعالمين إتيانها من غير شرط الايمان بخلاف ذبايح المجوس فانها كالميتة يحرم أكلها على سائر الناس فيعذب الكفّار بأكلها كما يعذبون بترك الايمان وترك سائر الواجبات المتوقفة على الايمان وإتيان المنهيات قال الله تعالى ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين الآية وفائدة هذا القول التفرقة بين ذبايح المسلمين ونسائهم فان ذبايح المسلمين حلال على كافة الناس من غير اشتراط الايمان بخلاف نسائهم فانه يشترط لحل مناكحتهم الايمان- قال الزجاج معناه حلال لكم ان تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين وعبّر البيضاوي ما قال الزجاج بعبارة أصح واصرح فقال فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوا منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك والسر فى هذا المقام ما ذكرنا ان حل أكل ذبايح المؤمنين غير مشروط بالايمان بخلاف حل نسائهم والله اعلم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ عطف على الطيبات او مبتدا خبره محذوف يعنى حل لكم والجملة معطوفة على قوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وما بينهما اعتراض قال البغوي اختلفوا فى معنى المحصنات فذهب اكثر العلماء الى ان المراد منهن الحرائر وأجاز وإنكاح كل حرة مؤمنة كانت او كتابية فاجرة كانت او عفيفة وهو قول مجاهد وقال
стр. 1003
هؤلاء لا يجوز نكاح الامة الكتابية لقوله تعالى فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات جوز نكاح الامة بشرط الايمان وذهب قوم الى ان المراد من المحصنات العفائف من الفريقين حرائركن او إماء وأجازوا نكاح الامة الكتابية وحرم البغايا من المؤمنات والكتابيات وهو قول الحسن وقال الشعبي إحصان الكتابية ان تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة قلت وقول البغوي هذا مبنى على اعتبار المفهوم المخالف وهو غير معتبر عند ابى حنيفة ﵀ ويقول بجواز نكاح الامة الكتابية الغير العفيفة ايضا لعموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وعند الشافعي رح المفهوم وان كان معتبرا لكنه غير معتبر فى قوله تعالى والمحصنات من المؤمنات حيث يجوز نكاح الامة المؤمنة الفاجرة ولذلك قال البيضاوي تخصيصهن بعث على ما هو اولى وإذا لم يعتبر فيه المفهوم فلا وجه لاعتباره فى قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب والله اعلم وعموم «١» هذه الاية يقتضى جواز نكاح الكتابية الحربية وعليه انعقد الإجماع وكان ابن عباس يقول لا يجوز نكاح الحربية والله اعلم وكان ابن عمر يمنع نكاح الكتابية مطلقا حرة كانت او امة ذمية او حربية لاندراجها فى المشركات قال الله تعالى قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وفسّر ابن عمر المحصنات فى الآية بالمسلمات وهذا التفسير غير صحيح فان تفسير المحصنات بالمسلمات ليس من اللغة وقد انعقد الإجماع على حل نكاح الحرة الكتابية وانما الخلاف فى الامة الكتابية كما ذكرنا فى سورة النساء لكنه يكره نكاح الكتابية مطلقا اجماعا لاستلزام النكاح مصاحبة الكافرة وموالاتها وتعريض الولد على التخلق بأخلاق الكفار لاجل مصاحبة الام وموانستها قال ابن همام نكح حذيفة وطلحة وكعب بن مالك كتابيات فغضب عمر رضى الله عنه فقالوا انطلق يا امير المؤمنين وهذه القصة تدل على جواز النكاح حتى يترتب عليه الطلاق وعلى كراهته- (فائدة) روى الخلاف بين ابى حنيفة ﵀ وصاحبيه رحمهما الله فى نكاح الصابيات جوزه ابو حنيفة ﵀ زعما منه انهم يؤمنون بزبور داود ﵇ فهم من اهل الكتاب وكذا من أمن بصحف ابراهيم وشيث ﵉ ولم يجوزه صاحباه زعما منهما انهم
стр. 1004
يعبدون الكواكب فهم من المشركين قال فى الهداية وهذا الخلاف محمول على اشتباه مذهبهم فكل أجاب على ما وقع عنده ولا خلاف فى الحقيقة- (مسئلة:) قال فى المستصفى قالوا هذا يعنى الحل إذا لم يعتقد النصراني المسيح الها واما إذا اعتقده فلا وفى مبسوط شيخ الإسلام ويجب ان لا يؤكل ذبايح اهل الكتاب إذا اعتقدوا ان المسيح اله وان عزيرا اله ولا يتزوج نسائهم قيل وعليه الفتوى ولكن بالنظر الى الدلائل ينبغى ان يحل الاكل والتزوج انتهى كلامه قال ابن همام وهو موافق لما فى رضاع مبسوط شيخ الإسلام فى ذبحة النصراني انه حلال مطلقا سواء قال بثالث ثلثه اولا وموافق لاطلاق الكتاب هنا قلت الظاهر ان المراد باهل الكتاب فى الاية موحد وهم بدليل قوله تعالى لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن والقول بان حكم حرمة نكاح المشركة منسوخ فى حق اهل الكتاب خاصة بهذه الاية بعيد جدا إذ لا فرق بين شرك وشرك وقوله تعالى قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصري المسيح ابن الله قد قيل ان القائل بذلك طائفتان من اليهود والنصارى انقرضوا كلهم قال ابن همام ويهود ديارنا مصرحون بالتنزيه عن ذلك والتوحيد واما النصارى فلم ار الا من يصرح بالابنية لعنهم الله وما ذكرنا من قول على رضى الله عنه فى منع أكل ذبيحة بنى تغلب ومناكحة نسائهم يؤيد ما قلنا والله اعلم إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن وتقييد الحل بإتيانها لتاكيد وجوبها والحث على الاولى وقيل المراد بإتيانها التزامها وذلك بالنكاح فكانه قال إذا نكحتموهن مُحْصِنِينَ اى مريدين تحصين الفروج بالنكاح غَيْرَ مُسافِحِينَ اى غير مضيعين الماء بالزنا باى مزنية كانت بلا تعيين مزنية وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ صديقات معينات تزنون بهن والخدن يقع على الذكر والأنثى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ اى بشرائع الإسلام فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ لان الايمان شرط لقبول الأعمال وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ قال ابن عباس خسر الثواب روى البخاري من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت سقطت قلادة لى بالبيداء ونحن داخلون المدينة فاناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى راسه فى حجرى راقداوا قبل ابو بكر فلكزنى لكزة «١» شديدة وقال حبست
стр. 1005
الناس فى قلادة ثم ان النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الاية فقال أسيد ابن حضير لقد بارك الله للناس فيكم يا ال ابى بكر وهذه الرواية مصرحة بان النازل فى قصة قلادة عائشة هذه الاية فى المائدة دون اية النساء ويعلم ان هذه الاية اسبق نزولا من اية النساء والا لما عاتب ابو بكر عائشة بقوله انها حبست الناس لا على ماء ولا ماء معهم وما شكرها أسيد بن حضير وروى الطبراني عنها نحوه وفيه فانزل الله رخصة التيمم فقال ابو بكر انك لمباركة ومعنى إذا قمتم الى الصلاة اى إذا أردتم القيام الى الصلاة كقوله تعالى وإذا قرأت القران فاستعذ بالله عبر عن ارادة الفعل بالفعل المسبب عنها للايجاز والتنبيه على ان من أراد العبادة فليبادر إليها بحيث لا ينفك الارادة عن الفعل وظاهر الاية يوجب الوضوء على كل قائم الى الصلاة وان لم يكن محدثا والإجماع على خلافه وقد صح عن النبي ﷺ انه صلى يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه وكان يتوضأ عند كل صلوة فقال له عمر لقد صنعت شيئا اليوم لم تكن تصنعه قال عمد اصنعته يا عمر رواه مسلم واصحاب السنن الاربعة من حديث بريدة فاختلف العلماء فى تاويل هذه الاية فقال بعضهم الأمر فيه للوجوب وكان ذلك اوّل الأمر ثم نسخ ويدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة بن عامر غسيل الملائكة ان النبي ﷺ امر بالوضوء عند كل صلوة طاهرا او غير طاهر فلما شق ذلك عليه امر بالسواك لكل صلوة رواه احمد وابو داود وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما والحاكم فى المستدرك وقال بعضهم الأمر للندب والإجماع منعقد على كون الوضوء مسنونا مندوبا عند كل صلوة وان كان المصلى طاهرا ويدل على كونه مسنونا حديث انس قال كان النبىّ ﷺ يتوضأ عند كل صلوة الحديث رواه النسائي وصححه ويدل على كونه مندوبا حديث ابن عمر ان النبي ﷺ قال من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات رواه النسائي بإسناد ضعيف وقيل هذا الحكم وان كان مطلقا لفظا لكنه أريد به التقييد ومعناه إذا قمتم الى الصلاة محدثين يدل عليه قوله ﷺ لا يقبل الله صلوة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ رواه الشيخان فى الصحيحين وابو داود والترمذي عن ابى هريرة وقال زيد بن اسلم
стр. 1006
معنى الاية إذا قمتم الى الصلاة من النوم وقال بعضهم هذا اعلام من الله تعالى رسوله ان لا وضوء عليه الا إذا قام الى الصلاة دون غيرها من الأعمال فأذن له ان يفعل بعد الحدث ما شاء من الافعال غير الصلاة عن ابن عباس قال كنا عند النبي ﷺ فرجع من الغائط فأتى بطعام فقيل له الا تتوضأ فقال أريد ان أصلي فاتوضأ رواه البغوي- (فائدة) الوضوء كان واجبا قبل نزول هذه الاية كما يدل عليه ما روى البخاري فى شأن نزول الاية من قصة فقد قلادة عائشة ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء وقال ابن عبد البر معلوم عند جميع اهل المغازي انه ﷺ لم يصل منذ فرضت الصلاة الا بوضوء وكان فرض الوضوء مع فرض الصلاة والحكمة فى نزول اية الوضوء مع ما تقدم من العمل ليكون فرضه متلوا بالتنزيل قلت ولتمهيد التيمم والله اعلم فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الغسل إمرار الماء عليه ولا يشترط فيه الدلك عند الائمة الثلاثة خلافا لمالك رح وهو محجوج بإطلاق الكتاب والوجه اسم لعضو معلوم مشتق من المواجهة وحده من منأبت الشعر الى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا فمن ترك غسل ما بين اللحية والاذن لم يجز وضوئه عند الائمة الثلاثة خلافا لمالك ﵀ ويجب إيصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب واماما تحت اللحية فانكانت خفيفة يرى ما تحتها يجب غسله وان كانت كثيفة لا يرى البشرة من تحتها يسقط غسل البشرة فى الوضوء كما يسقط مسح الراس بالشعر النابت عليه- والدليل عليه اجماع الامة وفعل الرسول ﷺ انه ﷺ كان يغسل وجهه بغرفة واحدة رواه البخاري من حديث ابن عباس وكان رسول الله ﷺ كث اللحية
ذكره القاضي عياض وقرر ذلك فى أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة وفى مسلم من حديث جابر كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية قلت ولا يمكن إيصال الماء بغرفة واحدة الى تحت كل شعرة لمن كان كث اللحية ويجب غسل ظاهر اللحية كلها عوضا عن البشرة عند الجمهور كما فى مسح شعر الراس وبه قال ابو حنيفة ﵀ فى رواية قال فى الظهيرية وعليه الفتوى وقال فى البدائع ان ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه وفى رواية عنه يجب مسح ربع اللحية وفى رواية مسح ثلث اللحية وفى رواية لا يجب مسح اللحية ولا غسلها والحجة على وجوب غسل ظاهر اللحية كلها ان غسل البشرة
стр. 1007
سقط بالإجماع وسند الإجماع اما فعل النبي ﷺ انه كان يغسل وجهه بغرفة واما القياس على سقوط مسح الراس بالشعر النابت عليه ولا شك ان مستند الإجماع نصا كان او قياسا يدل على ان غسل ما تحت اللحية انما سقط لقيام الشعر مقامه ووجوب غسله بدلا عنه اما القياس فلان حكم الأصل ليس الا سقوط مسح الراس الى بدل وهو وجوب مسح الشعر فلابد ان يكون سقوط وظيفة الوجه اعنى الغسل ايضا الى بدل وهو وجوب غسل ما يستره من اللحية كيلا يلزم مزية الفرع على الأصل واما الحديث فايضا يدل على انه ﷺ كان يغسل وجهه بغرفة ولا شك انه كان يغسل اللحية فظهر ان الإجماع منعقد على قيام اللحية مقام الوجه وسقوط وظيفة الوجه الى بدل لا بلا بدل فثبت بذلك ان وظيفة الوجه وهو غسل تمامه ثابت فى بدله وهو اللحية والله اعلم- وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ اليد اسم لعضو معلوم من الأنامل الى الآباط ولما جعل المرافق غاية الغسل سقط ما ورائه اى العضد وبقي غسل المرافق واجبا عند الائمة الاربعة وجمهور العلماء وحكى عن الشعبي ومحمد بن جرير عدم وجوب غسل المرافق وبه قال زفر ﵀ لان كلمة الى للغاية والغاية تكون خارجة عن حكم المغيا كما فى أتموا الصيام الى الليل او لان مذهب المحققين من علمآء العربية انها موضوعة لمطلق الغاية واما دخولها فى الحكم او خروجها فلا دلالة لها عليه وانما يعلم من خارج ولا دليل هاهنا فلا يدخل بالشك قلنا بل هاهنا دليل على كون الغاية داخلا فى حكم المغيا وهو الإجماع قال الشافعي ﵀ فى الام لا اعلم مخالفا فى إيجاب دخول المرفقين فى الوضوء وما حكى عن الشعبي ومحمد بن جرير ان صح الرواية عنهما وكذا قول زفر ﵀ لا يرفع اجماع من قبلهم ومن بعدهم ولم يثبت عن مالك ﵀ خروج المرفقين صريحا وانما حكى عنه اشهب كلاما محتملا وسند الإجماع فعل رسول الله ﷺ وهو المبين لمجمل الكتاب روى الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان فى الوضوء فغسل يديه الى المرفقين حتى مس أطراف العضدين وقال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ وروى ايضا من حديث جابر كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه لكن اسناده ضعيف وروى البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر مرفوعا وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين وروى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد
стр. 1008
عن أبيه مرفوعا ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه ولم يرو عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة انهم تركوا غسل المرافق والكعاب فى الوضوء وذلك دليل واضح لمعرفة معنى الكتاب ومن ثم قال بعض المفسرين الى هاهنا فى الموضعين بمعنى مع كما فى قوله تعالى ويزدكم قوة الى قوتكم وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم وقوله تعالى من انصارى الى الله اى مع الله وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اختلف العلماء فى القدر الواجب من مسح الراس بهذه الاية فقال مالك واحمد ﵀ يجب مسح جميع الراس لان الراس اسم لعضو معلوم والباء زائدة فاذا أمرنا بالمسح يجب استيعابها كما يجب استيعاب الوجه بالمسح فى التيمم ويدل عليه استيعابه ﷺ روى عبد الله بن زيد ان رسول الله ﷺ مسح راسه بيديه
فاقبل بهما وأدبر بمقدم راسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردّهما الى المكان الذي بدأ منه متفق عليه وقال ابو حنيفة ﵀ والشافعي ﵀ الباء للالصاق لانه هو المعنى الحقيقي للباء اجمع عليه علماء العربية لا يصار عنه الا بدليل وهى تدخل على الوسائط غالبا والوسائط لا تقصد استيعابها ولذلك إذا دخلت على المحل دلت على ان الاستيعاب غير مراد ويدل على ذلك فعله ﷺ عن المغيرة بن شعبة ان رسول الله ﷺ توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة رواه مسلم وروى الشافعي ﵀ عن عطاء مرسلا ان رسول الله ﷺ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم راسه وهو مرسل اعتضد من وجه اخر روى موصولا أخرجه ابو داود من حديث انس وفى اسناده ابو معقل لا يعرف حاله واخرج سعيد بن منصور عن عثمان صفة الوضوء قال ومسح مقدم راسه وفيه خالد بن يزيد بن ابى مالك مختلف فيه قال الحافظ ابن حجر وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الراس قاله ابن المنذر وغيره ولم يصح عن أحد من الصحابة انكار ذلك قاله ابن حزم وأحاديث الاستيعاب محمولة على الاستحباب لا ينفى عدم جواز الاكتفاء على البعض ولما ثبت ان مسح جميع الراس غير مراد فقال الشافعي ﵀ فالمعنى وامسحوا بعض رءوسكم فالاية مطلق فيكفى من الرأس مسح شعرة او ثلث شعرات وقال ابو حنيفة ﵀ بل الآية مجملة لان جميع الراس غير مراد بدلالة كلمة الباء وأحاديث المسح على مقدم الراس ولا مطلق البعض من الراس
стр. 1009
اى بعض كان لان ذلك يحصل فى ضمن غسل الوجه ضرورة استيعاب الوجه وإذا كانت الآية مجملة التحق حديث المغيرة وما فى معناه بيانا لها فقلنا بوجوب مسح ربع الراس لان للراس اربعة جوانب مقدم الراس واحد منها وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب معطوف على ايديكم بقرينة ضرب الغاية لقوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ فان الغاية لا يضرب فى الممسوح كالراس وأعضاء التيمم انما يضرب للمغسولات وقرأ الباقون بالجر لاجل الجوار كما فى قوله تعالى انى أخاف عليكم عذاب يوم اليم بالجر فى اليم على الجوار مع انه صفة لعذاب وهو منصوب والقول بان جر الجوار أنكره اكثر النحاة ومن جوزه جوزه بشرط ان لا يتوسط حرف العطف وبشرط الا من من اللبس مدفوع إذا لا من من اللبس حاصل بذكر الغاية وانكار اكثر النحاة ممنوع وإنكاره مكابرة لوقوعه كثيرا فى القران وكلام البلغاء وذكر الامثلة يقتضى تطويلا لكن اختلف النحاة فى مجئ جر الجوار بتوسط حرف العطف فقيل لا يجئ لان العاطف يمنع التجاوز والحق انه يجوز بتوسط العاطف فان العاطف موضوع لتوكيد الوصل دون القطع قال ابن مالك وخالد الأزهري ان الواو يختص من بين سائر حروف العطف بأحد وعشرين حكما منها جواز جر الجوار فى المعطوف بها قلت ولو لم يكن على جواز جر الجوار بتوسط المعطوف بالواو دليل اخر فهذه الآية الدالة على وجوب غسل الرجلين بما ذكرنا من وجوه العطف على الأيدي وعدم جواز عطف الأرجل على الرؤوس وبما لحقه البيان من الأحاديث والإجماع كافية لاثبات جواز جر الجوار بتوسط الواو العاطفة والله اعلم وايضا المراد بالكعبين هو المرتفع من العظم عند ملتقى الساق والقدم كما سيجئ تحقيقه وفرضية مسح القدم الى الكعبين لم يقل به أحد وما قيل ان الكلام حينئذ يصير من قبيل ضربت زيدا وعمرا وأكرمت بكرا وخالدا على ارادة كون خالدا مضروبا عطفا على عمر الا مكرما باطل إذ لا قرينة هناك ولا مانع لعطف خالد على بكر والقول بان النصب مبنى على انه معطوف على محل الرؤوس او بنزع الخافض ساقط إذا الأصل فى المعرب العطف على اللفظ دون المحل وذكر الخافض ولا بد للعدول من الأصل وجه وقرينة وكذا لا يجوز القول بتقدير امسحوا فان تقدير الفعل الخاص لا يجوز من غير قرينة تدل على تعيينه ويشترط فى جميع تلك التأويلات الا من عن التباس المعنى المقصود بما يناقضه وكذا القول بان الواو بمعنى مع باطل لان المصاحبة فى اصل الفعل غير كافية فى المفعول معه
стр. 1010
بل لا بد من المعية فى الزمان او
المكان والمعية فى الزمان غير متصور فان الواجب اما الترتيب واما مطلق الفعل وبوجوب المسحين فى مكان واحد لم يقل أحد ولو فرض كونه معطوفا على الرءوس بتلك التوجيهات الركيكة فالباء الداخلة على الرءوس تدخل على الآلات غالبا وإذا تدخل على المحل لا يراد بها الاستيعاب تشبيها له بالآلة بل يكون للتبعيض ومن ثم ذهب اكثر الفقهاء الى فرضية مسح بعض الراس وتغير اسلوب الكلام فى المعطوف يقتضى ارادة الاستيعاب فى المعطوف والقائلون بمسح الرجلين لم يقل منهم أحد بفرضية استيعاب مسح الرجلين فوظيفة الأرجل الغسل وقالت الامامية وهو معطوف على رءوسكم وحقه الجر وللنصب ذكروا توجيهات ركيكة لنا ما روى ابن خزيمة وغيره من حديث عمرو بن عنبسة عنه ﷺ مطولا فى فضل الوضوء وذكر فيه ثم يغسل قدميه كما امره الله تعالى فهذه الحديث يدل على ان الله تعالى انما امر بالغسل وقد تواتر النقل عن النبي ﷺ وروى أحاديث غسل الرجلين رجال لا يمكن حصرهم ولا يحتمل تواطؤهم على الكذب ولم يرو عنه ﷺ المسح أصلا واجمع عليه الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك الا ما روى عن علىّ وابن عباس وانس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك هكذا قال الحافظ ابن حجر عن على رضى الله عنه انه قرأ وأرجلكم قال عاد الى الغسل رواه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن ابى حاتم وعن ابى عبد الرحمن السلمى قال قرأ الحسن والحسين وأرجلكم الى الكعبين فسمع على ذلك وكان يقضى بين الناس فقال وأرجلكم هذا من المقدم والمؤخر من الكلام أخرجه ابن جرير عن ابى عبد الرحمن وقال قال عبد الرحمن بن ابى ليلى اجمع اصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين رواه سعيد بن منصور واخرج ابن ابى شيبة عن الحكم قال مضت السنة من رسول الله ﷺ والمسلمين بغسل القدمين واخرج ابن جرير عن عطاء قال لم يجز أحد المسح على القدمين وادعى الطحاوي وابن حزم ان المسح منسوخ روى ابن جرير عن انس انه قال نزل القران بالمسح والسنة بالغسل وهذا القول يدل على ان ظاهر القران يدل على المسح لكن عمل رسول الله ﷺ كان الغسل ولا يمكن ذلك الا ان يكون المراد بالقران هو الغسل او كان حكم القران منسوخا ولنا ايضا حديث عبد الله بن عمر قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1011
فى سفرة سافرناها فادركنا وقد راهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا قال فنادى بأعلى صوته ويل للاعقاب من النار متفق عليه وروى عن ابى هريرة انه مر بقوم يتوضأون فقال اسبغوا الوضوء فانى سمعت أبا القاسم ﷺ يقول ويل للاعقاب من النار متفق عليه وقد روى ويل للاعقاب من النار جابر وعايشة واحتجوا بما رواه اويس بن ابى اويس قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه ثم قام الى الصلاة ورواه ابو داود وقال على نعليه وقدميه قلنا معناه مسح على نعليه اللتين عمت على قدميه فمسح عليهما كما يمسح على الخفين فان قيل قد رواه هيثم عن يعلى وقال فيه توضأ ومسح على رجليه قلنا قال احمد لم يسمع هيثم من يعلى وقد كان يدلس فلعله سمع عن بعض السفهاء ثم أسقط من البين او يقال معناه مسح على رجليه وهما فى الخفين والكلام فى الكعبين كالكلام فى المرافق وقد مر والكعب هو المرتفع من العظم عند ملتقى الساق والقدم هو الذي يعرفه اهل اللغة دون معقد الشراك ويدل على هذا إيراد لفظ التثنية فقال الكعبين ولم يقل الى الكعاب لان انقسام الآحاد على الآحاد انما يتصور عند مقابلة الجمع بالجمع دون التثنية بالجمع وإذا لم يمكن الانقسام وجب ان يكون فى كل رجل كعبان ومعقد الشراك فى كل رجل واحد- (مسئلة:) يجزى المسح على الخفين عن غسل الرجلين عند الجمهور إذا لبسهما على طهارة كاملة فى الحضر والسفر خلافا لمالك ﵀ فى الحضر واما السفر فالروايات الصحيحة عنه انه يجوز المسح ومنعت الامامية وابو بكر
بن داود المسح على الخفين مطلقا قال بعض المفسرين قراءة النصب يوجب غسل الرجلين عطفا على الأيدي وقراءة الجر يوجب مسحهما عطفا على رءوسكم ويحمل تلك القراءة على حالة كونهما فى الخفين «١» والقراءتان بمنزلة
стр. 1012
الآيتين يجوز ان يحمل أحدهما على المعنى الحقيقي والاخرى على المعنى المجازى الا ترى ان التركيب والتقدير فى احدى القرائتين يغائر التركيب والتقدير فى الاخرى ولولا هذا التأويل فالحجة للجمهور ان حديث جواز المسح على الخفين متواتر بالمعنى يجوز به نسخ الكتاب صرّح جمع من الحفاظ بان المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوز الثمانين منهم العشرة المبشرة وروى ابن ابى شيبة وغيره عن الحسن البصري حدثنى سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين قال ابو حنيفة ﵀ ما قلت بالمسح حتى جاءنى فيه مثل ضوء النهار وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين وقال احمد ليس فى قلبى من المسح شىء فيه أربعون حديثا عن اصحاب رسول الله ﷺ ما رفعوا وما وقفوا وذكر منها حديثين أحدهما حديث المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي ﷺ فى سفر فقال يا مغيرة خذ الاداوة فاخذتها فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عينى فقضى حاجته فصببت عليه فتوضأ وضوئه للصلوة ومسح على خفيه ثم صلى متفق عليه ولهذا الحديث طرق كثيرة روى عنه من نحو ستين طريقا وذكر ابن مندة منها خمسة وأربعين ثانيهما حديث جرير قال رايت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على الخفين قال ابراهيم وكان يعجبهم هذا الحديث لان اسلام جرير كان بعد نزول المائدة متفق عليه وقال ابن عبد البر المالكي لا اعلم روى عن أحد من الفقهاء إنكاره الا عن مالك مع ان الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكاره الا عن ابن عباس وعائشة وابى هريرة فاما ابن عباس وابو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد الحسان خلاف ذلك وموافقة ساير الصحابة واما عائشة ففى صحيح مسلم عن شريح بن هانى قال سالت عائشة عن المسح على الخفين قالت عليك بابن ابى طالب فاساله فانه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فسالناه فقال جعل رسول الله ﷺ ثلثة ايّام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه ابو داؤد والترمذي وابن حبان وروى الدارقطني عن عائشة اثبات المسح على الخفين وما قيل ان عليا ﵇ قال ما أبالي مسحت على الخفين او على ظهر حمارى باطل لا اصل له وما قيل ان عائشة قالت لان اقطع الرجل بالموسى أحب الىّ من ان امسح
стр. 1013
على الخفين باطل نص عليه الحفاظ.
(مسئلة:) مدة المسح على الخفين للمسافر ثلثة ايام ولياليها وللمقيم يوم وليلة لحديث ابى بكر أرخص للمسافر ثلثة ايّام وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه رواه الترمذي وصححه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والشافعي ﵀ وابن ابى شيبة والبيهقي والدارقطني ونقل البيهقي ان الشافعي ﵀ صححه وفى حديث المغيرة كما مرّ وفيه قلت يا رسول الله الا انزع خفيك قال دعهما فانى أدخلتهما وهما طاهرتان وثبت مدة المسح فى حديث على وصفوان بن عسال وعمرو بن الخطاب وعمرو بن ابى امية الضميري وابى هريرة وخزيمة بن ثابت ذكرها ابن الجوزي فى التحقيق وسردناها فى منار الاحكام فهى حجة على مالك حيث لا يوقت للمسافر ويمنع المقيم كما روى عنه (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء الترتيب ولا الموالاة عند ابى حنيفة ﵀ ويشترط الترتيب عند الائمة الثلاثة وكذا الموالاة عند مالك واحمد ﵀ والقول القديم للشافعى ﵀ لنا ان فى الاية ورد العطف بالواو وهى لمطلق الجمع دون الترتيب فهى لا تدل على الترتيب ولا على الموالاة وروى ان على بن ابى طالب قال ما أبالي باى أعضائي بدأت احتجوا بحديث ابى بن كعب وابن عمران رسول الله ﷺ دعا بوضوء فتوضأ مرة مرة فقال هذا وضوء من لم يتوضأ لم يقبل الله له صلوة ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من توضأ أعطاه الله كفلين من الاجر ثم توضأ ثلثا ثلثا فقال هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلى رواهما الدارقطني وجه الاحتجاج انه ﷺ لا يخلو من انه توضأ مرتبا متواليا اولا لا جايز انه لم يرتب ولم يوال والا لافترض ترك الترتيب والموالاة ولم يقل به أحد فثبت انه رتب ووالى فثبت انه لا يقبل الله الصلاة الا بهما والجواب عنه بوجوه أحدها من حيث السند ان الحديثين ضعيفان فى حديث ابى بن كعب زيد بن ابى الجواري قال يحيى ليس بشئ وقال ابو ذرعة واهي الحديث وعبد الله بن عوادة قال يحيى ليس بشئ وقال البخاري منكر الحديث وفى حديث ابن عمر المسيب بن واضح ضعيف ثانيها من حيث المتن بالنقض وذلك بان يقال لو صح الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الترتيب لوجب بهذا الحديث اما التيامن او عدمه والسواك او عدمه والاستنثار او عدمه لان فعله ﷺ لا يخلو عن أحد الضدين من هذه الأمور وثالثها وهو الحلّ
стр. 1014
ان المراد به الاكتفاء على مرة مرة ادنى مراتب الامتثال لا يقبل الله الصلاة الا به وقد يحتج على وجوب الترتيب بحديث عمرو بن عنبسة عن النبي ﷺ قال ما منكم أحد يقرب وضوئه ثم يمضمض ويستنشق ويستنثر إلا خرت خطايا فمه وخياشيمه مع الماء ثم يغسل وجهه إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه الى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء ثم يمسح راسه كما امره الله تعالى إلا خرت خطايا راسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه الى الكعبين كما امره الله تعالى إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء رواه مسلم وكذا روى عن ابى هريرة بلفظ ثم وهى للترتيب قلنا هذا الحديث حكاية عما يفعل المتوضي غالبا وبشارة له بالمغفرة ولا يدل على عدم جواز الصلاة عند فوات الترتيب بل لا يدل على عدم المغفرة عند فواته واحتجوا على وجوب الموالاة بان رجلا توضأ للصلوة فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فابصر النبي ﷺ فقال ارجع فاحسن وضوءك فرجع فتوضأ ثم صلى رواه من حديث عمر بن الخطاب واحمد وابو داود وغيرهما من حديث انس ولا حجة فيه لان معنى قوله ﷺ احسن وضوءك اى أتمم وضوءك بغسل هذا الموضع ولا يدل على الأمر باعادة الوضوء فان قيل روى احمد حديث عمر بلفظ امره ان يعيد الوضوء قلنا فيه ابن لهيعة ضعيف وكذا ما روى عن بعض ازواج النبي ﷺ ان رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلى وفى بعض ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم
يصيها الماء فامره ﵇ ان يعيد الوضوء ضعيف فيه بقية مدلس لا يصح حديثه ما لم يتابع عليه أحد ويدل على عدم اشتراط الموالاة ما رواه البخاري عن ميمونة فى صفة غسل رسول الله ﷺ قالت ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه وروى مالك عن نافع عن ابن عمر والشافعي ﵀ فى الام عن مالك ان ابن عمر توضأ فى سوق المدينة فدعى الى جنازة وقد بقي من وضوئه فرض الرجلين فذهب معهم الى المصلّى ثم مسح على الخفين ويذكر عن ابن عمر غسل القدمين بعد ما جف وضوئه والله اعلم- (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء النية عند ابى حنيفة ﵀ ويشترط عند الائمة الثلاثة لانه عبادة بالإجماع وكل عبادة يشترط له النية بالنصوص والإجماع
стр. 1015
قال الله تعالى وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال ﵇ انما الأعمال بالنيات قلنا الوضوء له اعتباران فباعتبار انه عبادة مكفرة للسيئات لا بد له من نية لما ذكرتم فان ثواب الأعمال انما هو بالنية وباعتبار انه مفتاح للصلوة وشرط من شروطها لا يشترط له النية كما لا يشترط لسائر شرائط الصلاة من ستر العورة وطهارة الاخباث وغيرها.
(مسئلة:) لا يشترط للوضوء التسمية ولا المضمضة ولا الاستنشاق عند الجمهور وقال احمد كل ذلك واجب ركن للوضوء اما التسمية فلقوله ﷺ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه احمد وجماعة من الائمة من حديث كثير بن زيد عن رميح بن عبد الرحمن بن ابى سعيد الخدري عن أبيه عن جده ورواه الترمذي وجماعة من حديث سعيد بن زيد من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابى ثقال عن رباح عن جدته عن أبيها وروى احمد واصحاب السنن من حديث ابى هريرة من طريق يعقوب ابن سلمة عن أبيه عنه وفى بعض ألفاظه من توضأ وذكر اسم الله فانه طهر جسده كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يطهر الا موضع الوضوء رواه الدارقطني عنه وعن ابن مسعود وابن عمر ولحديث عائشة كان رسول الله ﷺ يقوم الى الوضوء فيسمى الله رواه الترمذي وابن ابى شيبة وابن عدى وحديث خصيف قال توضأ رجل عند رسول الله ﷺ ولم يسم فقال أعد وضوءك ثم توضأ ولم يسم فقال أعد وضوءك ثلث مرات ثم توضأ وسمى فقال الان خيرا أصبت وضوءك والجواب ان حديث خصيف موضوع لا اصل له وباقى الأحاديث كلها ضعاف قال ابو بكر الأثرم سمعت احمد بن حنبل يقول ليس فى هذا شىء يثبت وأحسنها حديث كثير بن زيد وكثير ضعيف وكذا عبد الرحمن بن حرملة قال ابو حاتم لا يحتج به ولينه البخاري وابو ثقال ورباح مجهولان وجدة رباح راوية هذا الحديث عن سعيد بن زيد لا يعرف اسمها ولا حالها وكذا قال ابو حاتم وابو ذرعة ويعقوب بن سلمة هو الليثي قال البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لابيه من ابى هريرة واما حديث عائشة ففى اسناده حارثة عن محمد وهو ضعيف قال الحافظ ابن حجر وفى الباب حديث على رواه ابن عدى وقال اسناده ليس بمستقيم وحديث انس رواه عبد الملك وهو شديد الضعف
стр. 1016
وحديث ابن عمر وفيه ابو بكر الداهر وهو متروك وحديث ابن مسعود وفيه يحيى بن هاشم الشمشاد متروك وروى مرسلا عن ابان وهو مرسل ضعيف فالحاصل ليس فى الباب حديث صحيح ومن ثم قال احمد لا امره بالاعادة فارجوا ان يجزيه الوضوء لكن احمد يقدم الحديث الضعيف على القياس لا سيما هذه الأحاديث بالاجتماع والاعتضاد تدل على ان لها أصلا واستدلوا ايضا على وجوب البسملة بحديث ابى هريرة مرفوعا كل امر ذى بال لم يبدأ ببسم الله فهو اجزم قلنا هذا الحديث لا يدل على الوجوب والا لكان الحمد ايضا واجبا لورود الحديث فيه ايضا بمعناه ثم هذه الأحاديث معارض بحديث ابى جهيم قال اقبل رسول الله ﷺ من نحو بيرجمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى اقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه متفق عليه فان هذا الحديث يدل على انه ﷺ كره ان يذكر لفظ السلام وهو من اسماء الله تعالى على غير طهر فذكر الله تعالى بالتسمية قبل الوضوء اولى بالكراهة ولو سلمنا أحاديث الأمر بالتسمية فهى محمولة على الندب والمراد نفى الوضوء على وجه الكمال واما المضمضة والاستنشاق فدليل وجوبهما حديث عائشة رضى الله عنها وابن عباس ان رسول الله ﷺ قال المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه او لا يتم الوضوء الا بهما وحديث ابى هريرة امر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني والجواب ان حديث عائشة فيه سليمان بن موسى قال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس بالقوى وحديث ابن عباس فيه جابر الجعفي كذبه أيوب السجستاني وزائدة وقال النسائي متروك واما حديث ابى هريرة فقال الدارقطني لم يسنده غير هدبة وداؤة بن المحبر عن حماد عن عمار بن ابى عمار عنه وغيرهما يرويه عن عمار مرسلا وأجاب ابن الجوزي بان هدبة ثقة اخرج عنه فى الصحيحين والرفع زيادة ومن الثقة مقبولة ثم المرسل ايضا حجة وقد يحتج على وجوب الاستنشاق بحديث ابى هريرة قال قال رسول الله
ﷺ إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ثم ليستنثر رواه مسلم وفى بعض طرقه فليجعل فى انفه ماء ثم ليستنثر متفق عليه قال ابن الجوزي قد روى نحوه عن عثمان بن عفان وسلمان بن قيس ومقدام بن معد يكرب
стр. 1017
وروى احمد وابو داؤد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا استنثروا مرتين بالغتين او ثلثا ولابى داؤد الطيالسي إذا توضأ أحدكم فليستنثر وليفعل ذلك مرتين او ثلثا واسناده حسن قلنا الأمر بالمضمضة والاستنشاق والاستنثار محمول على الاستحباب لا سيما عند اقترانه بالاستنثار الذي هو ليس بواجب اجماعا وقد روى عن ابى هريرة عن النبي ﷺ انه قال من توضأ فليستنثر من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج ثم على اصل ابى حنيفة ﵀ الأحاديث التي تدل على وجوب التسمية او المضمضة او الاستنشاق او غير ذلك فى الوضوء لو فرضنا صحتها لا يجوز بها الزيادة على الكتاب لان الزيادة على الكتاب عنده فى حكم النسخ لان مقتضى الآية صحة الصلاة عند الاقتصار على الأركان الاربعة ولا يجوز نسخ الكتاب بحديث الآحاد فلا يجوز الزيادة على الكتاب بحديث الآحاد والله اعلم- (فصل) وسنن الوضوء النية والبداية بغسل اليدين الى الرسغين ثلثا والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلثا ثلثا وتثليث غسل المغسولات ومسح كل الراس مرة والترتيب والموالاة لحديث عبد الله بن زيد قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا باناء فاكفأ منه على يديه فغسلهما ثلثا فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلثا فغسل وجهه ثلثا فغسل يديه الى المرفقين مرتين مرتين فمسح برأسه فاقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه الى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ متفق عليه وفى رواية فمضمض واستنشق واستنثر ثلثا بثلث غرفات وفى حديث على تمضمض ثلاثا واستنشق ثلثا وغسل وجهه ثلثا وذراعيه ثلثا ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه الى الكعبين ثم قام فاخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم ثم قال أحببت ان أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ رواه الترمذي والنسائي قال الدارقطني لم يرو عن رسول الله ﷺ انه توضأ وضوء لم يدع فيه أحدا من هذه الثلاثة يعنى النية والترتيب والموالاة وقال الشافعي ﵀ فى أحد قوليه واحمد ﵀ ان السنة مسح الراس ثلثا وقد صح من حديث عثمان وعلى وعبد الله بن زيد وسلمة ابن الأكوع وانس ومعاذ بن جبل وبراء بن عازب وعبد الله بن عمرو ابن عبّاس انه
стр. 1018
مسح راسه مرة احتجوا بحديث عثمان انه ﷺ توضأ ثلثا ثلثا رواه البخاري وحديث على مثله رواه الترمذي قلنا قوله توضأ ثلثا يعود الى تثليث ما يحصل به الوضاءة وهو الغسل قال ابو داؤد أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على ان مسح الراس مرة واحدة وما ورد فى بعض ألفاظ حديث على توضأ ومسح برأسه واذنيه ثلثا فنحمله على تثليث إمرار اليد من غير أخذ ماء جديد لكل مرة جمعا بين الأحاديث وحينئذ يعد المسح مرة واحدة كما ورد فى حديث عبد الله بن زيد مسح راسه بيديه فاقبل بهما وأدبر بمقدم راسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردهما الى المكان الذي بدأ منه والله اعلم- ومنها مسح الأذنين لحديث ابى امامة ان رسول الله ﷺ قال الأذنان من الراس وكان يمسح راسه مرة............ وكان يمسح الماقين رواه احمد واصحاب السنن والحديث يدل على المواظبة وحديث مقدام بن معد يكرب مرفوعا توضأ فادخل إصبعيه فى حجرى اذنيه رواه النسائي وابن ماجة وحديث على توضأ ومسح برأسه واذنيه ثلثا وقال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ فان قيل ليس فى كثير من الأحاديث ذكر الأذنين قلنا إذا ثبت المواظبة بحديث ابى امامة وعلى فعدم ذكر غيرهما لا ينتهض دليلا على النفي ولعل من لم يذكر مسح الأذنين اكتفى بذكر مسح الرأس بناء على قوله ﷺ الأذنان من الراس ومنها تخليل اللحية لحديث عثمان ان النبي ﷺ كان يخلل
لحيته رواه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وفى الباب حديث ابن عمر رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن ومنها ان يدلك عارضيه بعض الدلك لحديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ عرك عارضيه بعض العرك رواه ابن ماجة والدارقطني وصححه ابن السكن والحديث حسن- (فصل) ويستحب البداية بالتسمية لما ذكرنا من الأحاديث وحملناه على الندب والتيامن وكان القياس كونها سنة ولم يقل العلماء بسنيته لان مواظبته ﷺ كان على سبيل العادة دون العبادة لحديث عايشة قالت كان النبىّ ﷺ يحب التيامن ما استطاع فى شانه كله فى طهوره وترجله وتنعّله متفق عليه وقال ﵇ إذا توضأوا فابدءوا بميامنكم رواه احمد وابو داود
стр. 1019
وغيرهما وإذا فرغ من الوضوء يستحب ان يقول اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين- روى مسلم من حديث عقبة بن عامر عن عمر من توضأ فقال اشهد ان لا اله الا الله الى قوله رسوله فتحت له أبواب الجنة يدخلها من ايها شاء ورواه الترمذي من وجه اخر وزاد فيه اللهم اجعلنى إلخ او يقول سبحانك الله وبحمدك اشهد ان لا اله الّا أنت استغفرك وأتوب إليك ويصلى ركعتين رواه ابن ماجة من حديث انس والنسائي والحاكم من حديث ابى سعيد بلفظ من توضأ فقال سبحانك إلخ كتب فى رق ثم طبع بطابع فلم يكسر الى يوم القيامة وصحح النسائي الموقوف والمرفوع ضعيف لكن الموقوف له حكم الرفع- (مسئلة) السواك سنة مؤكدة فى نفسه روى البخاري من حديث انس مرفوعا أكثرت عليكم فى السواك ومسلم من حديث عائشة كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك والطبراني والبيهقي من حديث امّ سلمة ما زال جبرئيل يوصينى بالسواك حتى خشيت ان يدردنى «١» وورد نحوه من حديث سهل بن سعد وابى امامة وجبير بن مطعم وابى الطفيل وابن عبّاس والمطلب وعائشة وانس فى كتب الحديث وهذا يدل على كمال المواظبة خصوصا للمستيقظ فانه ﷺ كان إذا قام من النوم استاك متفق عليه ويستحب السواك عند كل صلوة قال ﵇ لولا ان أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلوة رواه مسلم وابو داود وعن عائشة مرفوعا فضل الصلاة التي يستاك بها على الصلاة التي لا يستاك بها سبعين ضعفا رواه احمد وابن خزيمة والحاكم وغيره وليست السواك من سنن الوضوء لانه روى عن عثمان وعلى وعبد الله ابن زيد وغيرهم فى صفة الوضوء أحاديث كثيرة لم يرو عنهم السواك كما روى المضمضة والاستنشاق والله اعلم وَإِنْ كُنْتُمْ وقت قيامكم الى الصلاة جُنُباً قد مر تفسيره فى سورة النساء فَاطَّهَّرُوا امر بالمبالغة فى التطهير فيجب غسل سائر البدن ويجب المضمضة والاستنشاق ايضا امتثالا للمبالغة بالتطهير فان باطن الفم والخيشوم ظاهر البدن من وجه إذا انفتح وباطنه إذا انضم فالحقنا فى الغسل
стр. 1020
بالظاهر رعاية للمبالغة وقال مالك والشافعي رحمهما الله هما سنتان فى الغسل ايضا كما فى الوضوء لحديث أم سلمة قالت قلت يا رسول الله انى امراة أشد ضفر راسى فانقضه لغسل «١» الجنابة قال لا انما يكفيك ان تحثى على راسك ثلث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين رواه مسلم قلنا انها سالت عن كيفية غسل الراس هل ينقض شعرها أم لا فورد جوابها من غير تعرض للمضمضة والاستنشاق نفيا ولا اثباتا فلا حجة فيه- (مسئلة:) ويجب ايضا إيصال الماء فى الغسل الى اصول شعر الراس على الرجل والمرأة وكذا غسل باطن اللحية خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله فى رواية له القياس على الوضوء وجه الفرق عندنا الأمر بالمبالغة فى التطهير فى الغسل دون الوضوء وقوله ﷺ انقوا البشر وحديث على سمعت رسول الله ﷺ يقول من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار قال على فمن ثم عاديت شعرى رواه ابو داؤد وابن ماجة واسناده صحيح وما قيل الصواب وقفه قلنا الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ثم الموقوف فى الباب له حكم الرفع لان عذاب الاخرة لا يدرك بالرأي وعن ابى ايّوب مرفوعا أداء الامانة غسل الجنابة فان تحت كل شعرة جنابة رواه ابن ماجه واسناده ضعيف وفى الصحيحين عن عائشة فى صفة غسله ﷺ ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها اصول شعره وعن عائشة ان اسماء سالت النبي ﷺ عن غسل المحيض فذكر الحديث وفيه فيدلك دلكا شديدا حتى يبلغ شؤن راسها رواه مسلم وفى الباب حديث ابى ذر إذا وجدت الماء فامسس بشرتك رواه احمد- (مسئلة:) ولا يجب الدلك عند الجمهور خلافا لمالك ﵀ لنا قوله تعالى