← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21767

كتاب الله عز وجل ومكانته العظيمة

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (52 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث بالهدى والرحمة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وآله وصحبه، ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله سبحانه قد من على خلقه وخاصة المؤمن منهم بأن بعث فيهم رسوله الكريم ﷺ ، وأنزل معه أفضل كتبه وخاتمها، والمهيمن عليها، يقول الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) وفي [صحيح مسلم] من حديث عياض بن حمار

стр. 2

المجاشعي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان (١) » . . . الحديث. هذا الكتاب هو المهيمن على الكتب السابقة كلها، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) والمعنى: أنه عال ومرتفع على ما تقدمه من الكتب، وهو أمين عليها وحاكم وشاهد وقيم عليها.

стр. 3

يقول ابن جرير ﵀: (القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل) . اهـ. وكتاب الله له المكانة العظيمة في قلب كل مسلم، وهو أيضا عظيم في نفسه، كريم مجيد عزيز.

стр. 4

ونحن في هذه الرسالة نحب أن نعرض لهذا الموضوع بإشارات وتنبيهات؛ لعل الله أن ينفعنا بها وينفع بها إخواننا وأخواتنا من القراء، أو من بلغه هذا الكلام، إنه سميع مجيب. فأقول مستعينا بالله: القرآن: مصدر قرأ قرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٣) والكلام المقروء نفسه يسمى قرآنا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤) والقرآن كلام الله حقيقة، لفظه ومعناه من الله، أنزله على عبده محمد بن عبد الله ﷺ وحيا، فهو منزل غير مخلوق، يقول الله:

стр. 5

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) ويقول: ﴿حم﴾ (٣) ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤) ويقول: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥) ويقول: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، ﵏ جميعا. وقد سمى الله هذا الكتاب بأسماء كثيرة في كتابه، ووصفه كذلك بصفات كثيرة، وإنما يدل هذا على شرف هذا الكتاب وعظمته، فهو القرآن، والفرقان، والكتاب، والهدى، والنور، والشفاء، والبيان، والموعظة، والرحمة، والبصائر، والبلاغ، وهو العربي، والمبين، والكريم، والعظيم، والمجيد، والمبارك، والتنزيل، والصراط المستقيم، والذكر الحكيم، وهو حبل الله، وهو الذكرى، والتذكرة، والبشرى،

стр. 6

وهو المصدق لما بين يديه من الكتاب، وهو المهيمن عليها، وهو المثاني، وفيه تفصيل كل شيء وتبيان كل شيء، وهو الذي لا ريب فيه ولا عوج فيه، يقول الله: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿الم﴾ (٣) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٦) ويقول : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (٧) ويقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨)

стр. 7

ويقول -سبحانه-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ (٢) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (٣) ويقول عز من قائل سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٤) ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٥) ويقول : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٦) ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٧) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٨) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) وغير ذلك من الآيات كثير، فيها أسماء هذا الكتاب العظيم وصفاته، مما ينبيك عن عظيم قدره، وجليل شرفه، كيف والمتكلم به هو رب الأرباب - سبحانه - عالم الغيب والشهادة، القائل:

стр. 8

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ومما ينبغي أن يعلم: أن كل اسم أو صفة لهذا الكتاب العزيز فهو دال على معنى اختص به، ولولا خشية الإطالة لنبهنا على جملة تكون معينة على فهم ما بقي. هذا وإن مما اختص به هذا الكتاب الكريم أن الله سبحانه تكفل بحفظه، ولم يكل حفظه إلى أحد من خلقه، يقول -سبحانه-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) ويقول -سبحانه-: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٣) ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٤) ويقول ابن القيم ﵀: (فوصفه -سبحانه- بأنه محفوظ في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥) ووصف محله بالحفظ في هذه السورة – أي: البروج – فالله –سبحانه- حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل، وحفظ معانيه من التحريف، كما حفظ ألفاظه من التبديل، وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة

стр. 9

والنقصان، ومعانيه من التحريف والتغير) اهـ كتاب الله الكريم هو المنجي من الفتن، وهو أنيس المؤمن، ونور قلبه، وربيع صدره، وجلاء همه وغمه، كتاب الله نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى عبره، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (١) من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، هو الآية الكبرى والمعجزة العظمى التي أوتيها نبينا ﷺ ، حيث

стр. 10

يقول: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (١) » أخرجاه في [الصحيحين]

стр. 11

معجز في لفظه وبيانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) معجز في تيسير تلاوته وقرآنه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) معجز فيما حواه من قصص الماضين لنعتبر: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣) ويقول -سبحانه-:

стр. 12

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) معجز فيما حواه من عقائد وشرائع الدين؛ لنمثل: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢) ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥) معجز بما حواه من أخبار الغيب؛ لنؤمن ونسلم: ﴿الم﴾ (٦) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٧)

стр. 13

آية ظاهرة، وحجة باهرة من بعثة النبي ﷺ إلى أن يأذن الله برفعه، تحدى الله به أفصح الناس فلم يستطيعوا، بل تحدى به الجن والإنس مجتمعين فأعياهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) امتن الله به على نبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢) يهدي إلى الطريق القويم والمنهج المستقيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣)

стр. 14

هذا وإن لتلاوة هذا الكتاب أجرا عظيما، وفضلا كبيرا، يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (١) ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢) وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء (٣)

стр. 15

الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف (١) »

стр. 16

وصاحب القرآن هو المقدم في الدنيا والآخرة، وهم

стр. 17

أهل الإكرام والإجلال، فعن عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين (١) » أخرجه مسلم. وعن أبي مسعود الأنصاري البدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله (٢) » . . . الحديث، أخرجه مسلم. وقال ابن عباس ﵄: (كان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا) (٣) وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط (٤) » أخرجه أبو داود، وحسنه النووي.

стр. 18

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر (١) » متفق عليه. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فثوابه أعظم إن عمل به وأجره أكبر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران (٢) » أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري بنحوه. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة (٣)

стр. 19

شفيعا لأصحابه» أخرجه مسلم. وصاحب القرآن هو المقدم في أول منازل الآخرة، فعن جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: " أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد (١) » أخرجه البخاري. ولا يزال صاحب القرآن يترقى في منازل الجنة على قدر ما معه من القرآن، فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها (٢) » أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 20

ولا شك أن العناية بحفظ القرآن من أجل ما تنصرف إليه الهمم؛ لما في ذلك من الأجر العظيم، وقد كان وصف هذه الأمة في الكتب السابقة بأن أناجيلهم في

стр. 21

صدورهم وهكذا فإن الله سبحانه قد أخبر في كتابه: أن هذا الكتاب محفوظ في صدور الرجال، يقول الله -سبحانه-: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (٢) فأخبر سبحانه أنه في صدور العلماء محفوظ، وهذا يصدق الحديث القدسي الذي فيه: «.. إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء (٣) » . . . أخرجه مسلم، والمعنى: أن الماء لا يمحوه، إذ هو محفوظ في الصدور. وقد شبه النبي ﷺ من لم يحفظ شيئا من القرآن بالبيت الخرب، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول

стр. 22

الله ﷺ : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (١) » أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وقد تقدمت معنا الأحاديث الدالة على إكرام حامل القرآن وعظيم منزلته.

стр. 23

وحفظ القرآن مشروع للمسلم، والقدر الواجب عليه منه هو ما يحتاج إليه في تصحيح عبادته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة – فلا يجب على كل أحد، لكن يجب على العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه) اهـ

стр. 24

وإن مما ينبغي العناية به لمن أراد تلاوة القرآن وحفظه أمور: أولها: وجوب الإخلاص لله في العمل الذي يقدم عليه، وألا يكون مراده به حظا من الدنيا قريب حقير، فإن الله تعالى يقول:

стр. 25

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ويقول -سبحانه-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٣) ويقول -جل وعلا-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (٤) وفي [صحيح مسلم] من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، (٥)

стр. 26

وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» . . . الحديث. عياذا بالله من حالة السوء. قال ابن القيم ﵀ بعدما أورد هذا الحديث: (وسمعت شيخ الإسلام يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشر الناس من تشبه بهم من الكذابين، وادعى أنه منهم وليس منهم، فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والصديقون والمخلصون، وشر الناس من تشبه بهم، يوهم أنه منهم وليس منهم) اهـ ثانيا: ينبغي لمن أراد حفظ القرآن أن يكرره ويتعاهده حتى يتمكن من حفظه، والله تعالى إن علم من عبده الصدق يسر له طريق الحفظ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) ثالثا: من كان معه شيء من القرآن قد حفظه فليتعاهده

стр. 27

بالتكرار والمراجعة حتى لا يضيع منه، وليستعن على ذلك بالصلاة، فإن من قام بحزبه من القرآن لم ينسه. فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت (١) » متفق عليه. وزاد مسلم في رواية: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه (٢) » رابعا: مما يعين على حفظ القرآن مدارسته، وقد كان جبريل ﵇ يدارس رسول الله ﷺ القرآن في كل سنة مرة، إلا عام قبض فقد عارضه القرآن مرتين، ويقول الرسول ﷺ في فضل مدارسة القرآن: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده (٣) » . . . . الحديث

стр. 28

خامسا: ينبغي للمسلم ألا يغفل عن كتاب الله، وليجعل له فيه ختمة، وقد كان السلف لهم عادات في ختم كتاب الله، فمنهم من كان يختمه كل شهرين مرة، ومنهم من كان يختم كل شهر مرة، ومنهم من كان يختم كل عشر ليال، ومنهم من كان يختم في ثمان ليال، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، ومنهم من يختم في أقل من ذلك. والأفضل: أن يختم المسلم كل سبع؛ لفعل جمع من الصحابة حيث كانوا يحزبون القرآن إلى سبعة أحزاب، فعن أوس بن حذيفة قال: (سألت أصحاب رسول الله ﷺ : كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده) (١) رواه أبو داود. وحزب المفصل من سورة (ق) إلى آخر القرآن العظيم، ولأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «اقرأ القرآن في شهر " قلت: إني أجد قوة، قال: " فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك (٢) »

стр. 29

أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري. وأما من قرأه في أقل من ذلك فالغالب أنه يهذه هذا، ولا يفهم معاني ما يقرأ، وهذا لا ينبغي من المسلم، والنبي ﷺ قال – كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث (١) » أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح. فالسنة ألا يختم في أقل من ثلاث. والناس يختلفون في هذا، فمنهم من هو كثير العلم دقيق الفهم سريع القراءة قليل الشغل، فهذا يقرأ من القرآن أكثر ممن هو دونه في ذلك. وقد استحب جمع من السلف: أن تكون الختمة إما أول الليل أو أول النهار؛ لأجل أن الملائكة تصلي على من ختم بالليل حتى يصبح ومن ختم بالنهار حتى يمسي، روي ذلك موقوفا على سعد بن أبي وقاص ﵁،

стр. 30

وحسنه الدارمي عنه (١) سادسا: يجب على المسلم أن يسعى في تعلم ما يقرأ؛ حتى يكون على بينة وفهم لما يتلوه، فيحصل له التدبر والخشوع، إذ ليس المقصود من القراءة مجرد التلاوة، كلا، فإن من هذه حاله كان شبيها بحال أهل الكتاب الذين قال الله عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٢) يعني: ويقرءون الكتاب ولا يعلمون ما فيه (٣) وقد أمر الله بتدبر كتابه وفهمه في غير موضع من كتابه، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤) ويقول -سبحانه-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) وقد أنكر الله على من لم يتدبر كتابه، فقال -سبحانه-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٦) وقال أيضا:

стр. 31

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) والنبي ﷺ قد بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، يقول الله : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وهكذا التابعون أخذوا عن الصحابة، فهذا مجاهد ﵀ يقول: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأساله عنها؛ ولهذا قال الثوري ﵀: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. والمقصود: أن معاني كلام الله موجودة معلومة، وكثير منها مدون متداول ولله الحمد، وأعظم ما فسر به القرآن هو أن يفسر بالقرآن، فإنه من المعلوم أن هذا القرآن مثاني ومتشابه، يقول الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٣) ، والمعنى: أن بعضه يشبه بعضا ويفسر بعضه بعضا، وأن القصص تثنى فيه فيكون في هذا الموضع ما يفسر الموضع الآخر، وهكذا. وهذا – ولله الحمد – واضح، فإنه ما فسر كلام الله

стр. 32

بأوضح وأدل على المراد من كلام الله، إذ هو سبحانه المتكلم به، وهو الأعلم بمراده. وهذا النوع من التفسير اعتنى به السلف كثيرا، وهناك أمثلة كثيرة؛ لذلك يطول عدها. ثم بعد كلام الله يأتي تفسير القرآن بالسنة؛ إذ لا أعلم بمراد الله بعد الله من رسول الله ﷺ الذي نزل عليه القرآن وأمر ببيانه للناس. ثم يأتي أقوال الصحابة؛ إذ هم من عاصر التنزيل وأخذ عن الرسول ﷺ ، ثم أئمة التابعين. ومن ثم يؤخذ من أقوال المفسرين أقربها إلى ما في الكتاب والسنة أو أقوال الصحابة، فإن كان وإلا فأقربها إلى مقتضى اللغة العربية؛ إذ هي لغة القرآن. ومن المفسرين من يسلك مسلك الاجتهاد والاستنباط؛ فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر اجتهاده إذا كان عن علم. وينبغي التنبيه هنا: أن المسلم يحذر من أن يقول في كلام الله بغير علم، فلا يقل: هذه الآية تفسيرها كذا، وهو لا يعلم تفسيرها، فإن هذا إثم عظيم، وقول على الله بلا علم، وقد حرمه الله في كتابه:

стр. 33

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ثم إن تعلم هذا القرآن وتعليمه فرض كفاية على الأمة، إبقاء لعلم الكتاب فيها، ومن انتصب لهذا الأمر فهو خير هذه الأمة، يقول النبي ﷺ : «خيركم من علم القرآن وعلمه (٢) » أخرجه البخاري عن عثمان ﵁، وفي رواية: «خيركم أو أفضلكم (٣) » . . . الحديث. سابعا: يجب على من علم القرآن أن يعمل به؛ إذا هذا هو ثمرة العلم وهو المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وإلا فعلم بلا عمل لا ينفع صاحبه، بل يضره. وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) . وقد قص الله علينا خبر الذي علم شيئا من آيات الله ولم يعمل بها، ومثل له بأقبح مثال وأشنعه؛ تنفيرا من فعله وبيانا لقبحه، يقول -سبحانه-:

стр. 34

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال –سبحانه- عن اليهود: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) وأثنى على طائفة من أهل الكتاب؛ لأنها عملت بكتابها، يقول الله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (٤) أي: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه، كما قال ابن عباس ﵄: (ومن لم يعمل بالقرآن من هذه الأمة فإن القرآن قد يكون حجة عليه) . وقد أخبرنا نبينا محمد ﷺ عن عبادة أقوام وكثرة

стр. 35

صلاتهم وصيامهم وتلاوتهم، ومع ذلك آلوا إلى أسوأ حال؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق (١) » أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم بنحوه. وكان دأب السلف الصالح من الصحابة ﵃ فمن بعدهم الحرص على العمل بما علموا من القرآن أكثر من الحرص على حفظه بغير عمل به، يقول أبو عبد الرحمن السلمي ﵀: (حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن – كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ﵄ وغيرهما – أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا) .

стр. 36

أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ولفظه: (عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل) . ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، يقول أنس ﵁: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا، وجاء عند مالك في [الموطأ] : (أنه بلغه أن عبد الله بن عمر ﵄ مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها) . وهكذا فإنا نرى أولئك القوم الأفاضل همتهم منصرفة لتدبر معاني الكتاب والعمل به دون مجرد حفظ ألفاظه. ثامنا: أن يحذر المسلم من هجران القرآن، يقول الله

стр. 37

تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١) وقد ذكر ابن القيم ﵀ أنواعا لهجر القرآن منها: الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم. والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٢) ، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. انتهى المقصود من كلامه ﵀.

стр. 38

هذا ويشرع لقارئ القرآن آداب وأمور يمتثلها وهي: أولا: أن يكون حال قراءته كتاب الله على أكمل حال: متطهرا، متنظفا؛ احتراما لهذا الكتاب العزيز، والتطهر حال القراءة مستحب، ولا بأس بقراءة القرآن للمحدث؛ لأن «النبي ﷺ قام مرة من نومه فغسل وجهه وتلا عشر آيات من آخر آل عمران ولم يتوضأ (١) » ، وعمر بن الخطاب ﵁ كان في قوم وهم يقرءون القرآن فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، أتقرأ ولست على وضوء؟! فقال له عمر: من أفتاك بهذا؟ أمسيلمة؟! أخرجه مالك (٢) في [موطئه] . قال ابن عبد البر: (وفي هذا الحديث جواز قراءة القرآن طاهرا في غير المصحف لمن ليس على وضوء إن لم يكن جنبا، وعلى هذا جماعة أهل العلم لا يختلفون فيه إلا من شذ عن جماعتهم ممن هو محجوج بهم، وحسبك بعمر في جماعة الصحابة وهم السلف الصالح) ١هـ

стр. 39

وقد نقل الإجماع على جواز قراءة المحدث للقرآن: النووي وابن تيمية رحمهما الله. أما الجنب فإنه لا يقرأ القرآن حتى يغتسل؛ لحديث علي ﵁ قال «كان النبي ﷺ لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جنبا (١) » وأحاديث هذا الباب يشد بعضها بعضا، وبهذا قال أكثر الفقهاء، حتى إن ابن عبد البر ﵀ قال: (وقد شذ

стр. 40

داود عن الجماعة بإجازة قراءة القرآن للجنب) ١هـ (١) أما الحائض فالصحيح أنه يجوز لها من قراءته حال حيضها؛ لأنه لم يثبت في منعها من قراءته حال حيضها حديث، وأما قياسها على الجنب فلا يصح؛ لأن حدث الحائض يطول في الغالب ويخشى من نسيانها القرآن، أما حدث الجنب فلا يطول ومتى شاء رفعه بالاغتسال. أما مس المصحف فالصحيح أنه لا يمسه إلا طاهر من الحدثين الأكبر والأصغر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) ولأن في كتاب عمرو بن حزم: «وأن لا يمس القرآن إلا طاهر (٣) » قال ابن عبد البر ﵀: (وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل) ثم قال: (وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يسمه إلا طاهر) (٤) ١هـ.
следующие страницы →