← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة التحقيق] (بسم الله الرّحمن الرّحيم) تقديم يأتي في مقدمة اهتمامات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، نشر المفاهيم الصحيحة للثقافة الإسلامية، وتيسير الوصول إلى المصادر الأصلية للمعرفة الدينية التي تستند إلى القرآن الكريم، من حيث ضبط المصطلحات، وشرح المفردات، وتحليل المدلولات التي تعبّر عن الحقائق القرآنية الساطعة بدقة وأمانة. وفي هذا الإطار تأتي الموسوعة القرآنية التي تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهي عمل موسوعي جديد، يتناول خصائص السور القرآنية، على نحو يساعد في فهم آي الذكر الحكيم، والولوج إلى الآفاق الممتدة لعالم القرآن، كما يساعد في سبر أغوار معانيه السامية، والإلمام بقسمات مضيئة من مبناه الذي جمع البساطة إلى الإعجاز. ومضمون هذه الموسوعة، ماثل في أبواب تسمّى مباحث، تتناول، من كل سورة: أهدافها، وترابط الآيات فيها، وأسرار ترتيب ورودها بين السور الأخرى، ومكوّناتها، ولغة التنزيل العائدة إليها، ومعانيها اللغوية، ومعانيها المجازية، ومسائل متفرقة تواجه القارئ، عنوانها في الموسوعة: لكل سؤال جواب. وقد انتقيت موادّ هذه الموسوعة من أمّهات كتب التراث العربي الإسلامي، ومن المؤلفات الحديثة في علوم القرآن.

стр. 2

والجديد اللّافت في الموسوعة: أنها جمعت، في حيّز واحد، موضوعات قرآنية متفرّقة، تعوّدنا أن نطلبها في مراجع مختلفة، تندرج في ما يعرف ب علوم القرآن، وأن أوثق المراجع المتفق عليها، وأوفاها، قد اختيرت لها، فجاءت مباحثها مستوفية لموضوعاتها، محققة لأغراضها. وجانب آخر تكشفه لنا الموسوعة: أنّها جاءت تطبيقا واضحا لتسمية الدار التي تصدر عنها، دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وجاءت دعوة إلى التوحيد في زمن لم تظهر الحاجة فيه إلى التوحيد، في دنيا المسلمين، مثلما تظهر الآن، فكان لنا، من ذلك، سمة أخرى حملتنا على دعم هذا العمل ورعايته، ودفعتنا إلى المساهمة فيه بتقديمه إلى جمهور القراء. وفّقنا الله إلى ما فيه الخير والتقدم لأمتنا، وشدّ من أزر العاملين من أجل تعميق التقارب والترابط والتضامن بين المسلمين كافة. إنه سميع مجيب الدعاء. الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير يسعدنا أن نقدّم للقارئ هذا العمل القرآنيّ الموسوعيّ الجليل، الذي يغني عن مكتبة، ويوفّر معرفة بالكتاب المنزل تجعل المسلم أكثر وعيا لدينه، وأعمق إيمانا بمعتقده، ويتيح، للمسلمين، المنتمين إلى المذاهب المتنوعة، مزيدا من التفاهم، والسّير المبارك نحو تقارب منشود بلغ تطلّعنا إليه، وهجسنا بتحقيقه بين المسلمين: أننا جعلناه عنوانا لمؤسستنا، فسميناها دار التقريب بين المذاهب فغدا، بالتسمية، شعارا نرفعه ونعمل له. كما تتيح هذه المعرفة، لغير المسلمين، مزيدا من فهم الإسلام وأحكامه، يسهّل الحوار بين المسلمين من جهة، وأبناء الرسالات الأخرى، من جهة ثانية. إن الموسوعة القرآنية سفر نفيس، فريد في بابه، يسدّ ثغرة في المكتبة العربية الإسلامية، ويشكل حاجة للكاتب، والمثقف، واللغوي، والأستاذ، والطالب، وكلّ معنيّ بالإسلام. وقد أعدّها واحد من أبناء هذه الأمّة، يجمع إلى المعرفة التّقوى والذّوق العرفاني، ونعني به الأستاذ جعفر شرف الدين الذي ولّف بين الموضوعات، وصاغ منها منظومة متراصّة البنيان، وظيفتها الإبانة عن خصائص السور القرآنية وكان له ما أراد. وحين عقدت المؤسسة العزم على إصدار هذا العمل الموسوعي، كانت تعي جيّدا ثقل المهمّة التي ستضطلع بها، وسعة الجهد الذي ستبذله، ليأتي العمل

стр. 4

متطابقا مع اسمه، دالا على عنوانه. وعند ما قررنا نشر الموسوعة لم يكن العامل الرئيسي الذي استندنا إليه هو الكسب المادي، بل شعورنا بالمسؤولية إزاء الأمة، وضرورة مشاطرتها الهموم من خلال موقعنا، ومن طريق نشر ثقافة إسلامية رحبة الرؤية، متنوعة المشارب الصافية، تنزع إلى التوحّد في منهج من التغاير المفضي إلى التكامل. إن دار التقريب بين المذاهب، المتطلّعة إلى تحقيق الهدف المبيّن، لم تأل جهدا في إعطاء هذا العمل ما يستحق من علم وخبرة وعناية واهتمام. إن عملنا هذا قد استغرق، من الجهد والمكابدة، سنوات بذلنا فيها ما نستطيع، لنصدر أوّل موسوعة قرآنية تتسم بالشمول، والعمق، والوضوح. وبعد، فهذا ما استطعنا إنجازه وتقديمه، إلى المكتبة العربية الإسلامية في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها العرب والمسلمون. فإن كنّا قد نجحنا، كان ذلك بفضل الله ومنّه وإلّا، فإننا نحمد الله الذي أقدرنا على المحاولة، طامعين في ثواب لها وأجر. إننا، في كل حال، نسأله التوفيق والقبول والرّضا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. دار التقريب بين المذاهب الإسلامية

стр. 5

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) استهلال هذا عمل قلّ نظيره، يسدّ نقصا في المكتبة العربية- الإسلامية، انبرى له السّيد جعفر شرف الدين، فاختار موضوعاته، وألّف بينها، ثم صاغ من أشتاتها وحدة متراصّة، موضوعها العام: خصائص السّور القرآنية. ونحن، أمام غنى هذا العمل، وكثرة احتمالاته، وتنوّع مصادره، قد حزمنا أمرنا بمعيار قوامه: الدّلالة، والوضوح، واجتناب التّكرار. إننا، في مواضع من الموسوعة، اضطررنا إلى شيء من التصرّف لم يمسّ معه تناغم النص، واستدركنا به ما لم يلتفت إليه بعض المؤلفين الأجلّاء، فأدخلنا على نصوصهم قدرا من التعديل الموضح. وكلمة في السّياق المنهجي مضمونها: أنّنا ذيّلنا مدخل كل بحث بإشارة إلى مصدره، فصّلناها وكرّرناها، في كل مبحث من مباحث السّور، وكان ذلك، منّا، تسهيلا على القارئ، وتوفيرا لجهده. أمّا توثيقنا للسّور والآيات، فقد اعتمدنا فيه المنهج التالي: في كل مبحث من المباحث الثمانية التي تتناول كل سورة، ترد فئتان من الآيات: - آيات من سورة المبحث، وهي بطبيعتها وطبيعة البحث، أكثر عددا من سواها

стр. 6

- آيات من سور أخرى، يستشهد بها للإيضاح، أو المقارنة، أو ما شابه. وفي عملية توثيق لآيات الفئتين والإحالة عليها، اعتمدنا منهجا من المفيد عرضه. ألف- آيات سورة المبحث: عند ما نكون في مبحث يتناول سورة بعينها من السور، سورة «النبأ» مثلا، وترد، في سياق المبحث، آيات من هذه السورة، فإننا نوردها دون أن نسمّي سورتها، مكتفين، من الإشارة إلى اسم السورة، بهلالين قرآنيّين مزهّرين نضع بينهما الآيات، بنصّها الكامل كانت أم بنصّها المجتزئ، من أوّلها كان الاجتزاء أو من آخرها. فإن كانت الآيات بنصها الكامل، أو بنصها المجتزئ المتضمّن خواتم الآيات، تلا كلّ آية رقمها، وكتب الرقم داخل الهلالين المزهّرين، نحو: - وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) - لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) وإن كانت بنصّها المجتزئ الذي لا يحوي خواتم الآيات، جعلنا رقمها خارج الهلالين مع ذكر «الآية» ، نحو: - رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ [الآية ٣٧] . باء- آيات السور الأخرى: عند ما ترد، في المبحث، آيات من سور أخرى، نورد هذه الآيات،

стр. 7

بالكيفيات المبيّنة في الفقرة «ألف» ، مع ذكر السورة التي تنتمي إليها كل آية. وهذه بعض الأمثلة: - إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) [القيامة]- وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) [المدّثّر] اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة/ ٢٥٥] . وبعد، فإننا نسأله، جلّ وعلا، أن يتقبّل عملنا قبولا حسنا، وأن يسدّد خطانا إلى ما نحبّ ونرضى إنه هو السميع العليم. أحمد حاطوم محمد توفيق أبو علي

стр. 8

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) مقدمة وإهداء الصلاة والسلام على خير خلقه، وخاتم رسله، وسيد أنبيائه، البشير النذير، السراج المنير، الطهر الطاهر، العلم الظاهر، المنصور المؤيد، المحمود، الأحمد، أبي القاسم محمد، وعلى آله الميامين، وأصحابه الطيّبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود] لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت/ ٤٢] ، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة] ، نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) [النحل] ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [القيامة] . ولهذا تميّز الكتاب المجيد بهذا الاسم المضيء، (القرآن) ، فكان له علما، يخفق في كل قلب، ويتردّد على كل لسان، يراود كل لبّ وجنان، بروح المعاني ومهجة البيان. فالقرآن مصدر القراءة، والقراءة مصدر المعرفة، والمعرفة مصدر الحضارة، والحضارة تاج الحياة. شغل القرآن المجيد على مر العصور والقرون، كبار العلماء في شتى علومهم وفنونهم، فاهتمّوا بحفظه، وتلاوته، وتجويده، وكتابته، وتنقيطه، ولغته، وتقعيد قواعده، وابتدعوا علوم البلاغة ليثبتوا بها إعجازه. وحفظوا لهجات

стр. 9

العرب، وضبطوا مخارج حروفها، لئلا تنطق التّاء طاء، والضّاد ظاء، والقاف كافا إلخ ... واستحدثوا ما سمّي بالإخفاء، والإقلاب، والإدغام. وقد ثبت، بما لا يقبل الشّكّ، أنّه، لولا القرآن لم تضبط لغة، ولا شعر بل لم يضبط النطق والكتابة بلغة الضاد. إنه القرآن. وكفى به حافظا للّغة العربية، وعلومها، محتضنا لتراثها، وتاريخها، وسدّا منيعا يعصمها من الزعازع. وها هي آياته البينات تنطق بهذه الآيات المعجزات المتحديات: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر] . بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) [البروج] . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء] . إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف] . إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) [الزخرف] . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٤) [فصلت] . قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر/ ٢٨] . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [هود] . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) [يونس] . وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) [البقرة] .

стр. 10

هذه الآيات البينات خطاب للناس أجمعين، ينطلق عبر ألف وأربعمائة سنة، بنبرة واثقة عالية: أن أتوا بمثل هذا القرآن، بعشر سور مثله، بسورة من مثله. ويتصاعد التحدي: أن ادعوا من استطعتم، ادعوا شهداءكم ليؤازروكم على الإتيان بمثل هذا القرآن، بعشر سور، بسورة واحدة، ولم لا تستطيعون وقد أنزله الله بلسان عربي مبين، وجعله قرآنا عربيّا غير ذي عوج؟ ويتنامى التحدي ويتكرر، ويعرض الحروف التي تتألف منها آيات القرآن وسوره. فهي ليست لغزا، ولا أحجية، ولا سرّا. إنها، بالتحديد، الأبجدية العربية من ألفها الى الياء. إنها اللغة التي تتخاطبون بها في ندواتكم ومجالسكم، وتنشدون بها في عكاظكم ومربدكم، وتتغنّون بها في رجزكم وحدائكم، في شعركم ونثركم. وتتغنى بها الركبان بعدكم، حتى لتكوننّ من المحفوظات ثم من المأثورات، ثم من المعلّقات. أليست من حروف الأبجدية: الألف والحاء والراء والسين والصاد والطاء والعين والكاف والميم والهاء والياء؟ ثم أليست هذه الأبجدية هي التي تكوّن بألفاظها القرآن: سورا وآيات. ثم أليست هذه الحروف هي التي افتتح الله سبحانه بها كثيرا من السّور، وأعلن أن هذا القرآن إنما كتب بهذه الحروف؟ فاقرأ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) [يوسف] . الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) [يونس] . الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود] . الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ابراهيم/ ١] . الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) [الحجر] . الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة] .

стр. 11

الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) [لقمان] . الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [السجدة] . المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد/ ١] . المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف] . حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) [غافر] . حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) [فصلت] . حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) [الجاثية] . حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) [الشورى] . طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) [النمل] . طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) [الشعراء] . طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) [القصص] . كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) [مريم] . بعد هذا الحشد من الآيات التي افتتح الله بها بضعا وعشرين سورة مباركة، واستهل الافتتاح بإعلان هوية اللغة التي نزل بها القرآن المجيد، وتسمية الحروف التي انتظمت بها آياته وسوره، أفليس حكما مطلقا بهذا الموضوع هذا الإعجاز الصاعق: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء] . وها قد مضى أربعة عشر قرنا، دون أن تتحرك جامعة أو مجمع أو جماعة للإتيان بآية من آياته، فضلا عن عشر سور أو سورة واحدة. ذلك أن إعجاز القرآن المجيد ليس بنظمه الفني، ولا بسمته

стр. 12

البلاغي، ولا بنهجه البياني فحسب، وإنما بدعوته الآخذة بالأعناق الى المحبة، والخير، والجمال، والمعرفة، والعلم، والعمل وإنما بعقله الكوني، وفكره العلمي، وسبقه الزمني. لقد تناول القرآن المجيد الإنسان نطفة، وعلقة، ومضغة، لحما وعظاما، وليدا ورضيعا وغلاما، شابّا وكهلا وشيخا، حيّا وميتا، دنيا وآخرة. وتناول الكون أرضا وسماء، بحارا وماء وأنهارا. وما في أعماق الأرض من معادن وخزائن، وما في صحرائها وأدغالها من إنسان وحيوان ومن طبيعة خاصة. وما في طبقات السماء من كواكب ونجوم وأجرام. وما في أعماق البحار من عوالم الحيوان والنبات والجماد والمحار. وتناول تعاون عناصر الكون هذه وتناغمها وانسجامها وتكاملها: الأرض مع السماء، والشمس مع القمر. وكلاهما مع الأرض والبشر والشجر، والماء والهواء. وكلّ منها مع الإنسان والطبيعة والبيئة والحياة. تناولها القرآن المجيد في شتّى سوره المباركات، وآلاف من آياته البينات بليلها ونهارها، بجبالها ووديانها، بظلامها ونورها، بظلّها وحرورها، بربيعها وخريفها، بصيفها والشتاء. وتناول الأديان برسلها ورسالاتها، بكتبها وأنبيائها، بتوراتها وإنجيلها، بزبورها ومزاميرها وقرآنها، بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، بنوح وهود وصالح، بداود وسليمان واليسع، بزكريا ويحيى ويونس، بموسى وهارون، بعيسى ومحمد، وهو (ص) خاتمهم وسيدهم وسيّد الخلق أجمعين. وأمر القرآن المجيد بالمعروف: محبة وصدقا وخيرا ... هجرة وجهادا وصبرا. ونهى عن المنكر: غيبة وافتراء وبهتانا، استعلاء واستكبارا وامتهانا. وفتح العقول والأبصار والأفئدة على العلم والعمل. فسبحان من علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم. قال تعالى في سورة الرحمن:

стр. 13

الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن] . واشترع الشرائع، وسن القوانين، ووضع الأنظمة، وأقرّ العرف. وصاغ أجلّ العبر وضرب أروع الأمثال وقصّ أحسن القصص. وبذلك لم يلامس كتاب إلهي أو بشريّ، في سحيق التاريخ وجديده، أعماق الروح وطمأنينة اليقين، كما لا مسهما القرآن المجيد. ولا استشهد في سبيل دعوته، ونشر كلمته، كما استشهد المسلمون الأولون ومن تبعهم بإحسان الى يومنا الحاضر. كما أنه لم يستشر في المقابل عنف كما استشرى عنف أعداء القرآن، حتى تعدّاه الى الناطقين بلغته، المنتسبين الى هويته. وما صمود القرآن المجيد أمام الدّعوات الهدّامة إلا آية من آياته، ومعجزة من معجزاته، لا يضارعها سوى آيات التحدي لنفس الناطقين بلغته، والصمت المطبق الذي لا يمكن أن يفسّر إلا بالعجز أمام إعجازه، والهزيمة أمام أبعاد إنجازه. وبذلك تجلّى عجز الإنسان في تدبيره وتفكيره أمام عظمة الله في قرآنه. وتجلّى نقص المخلوق، أمام كمال الخالق. وبدا القرآن رفيعا مترفعا، في حين بدت الكتب البشرية صغيرة صاغرة. وهذا ما كنت أحسّه، ويسري في عروقي، إبّان الصّبا وفي طور الشّباب، كلّما سمعت تلاوة الكلام المنزل، وأتاني، من قرآن الفجر، ضوء يوشّي الغبش المنداح من حولي، مع كل صبح جديد. وظلّ ذلك رجعا يتردّد في صدري، يراود مني سمعي والفؤاد، ويؤنسني في وحشتي، حتى تكوّن لي منه شيء كالنداء، هتف بي وألحّ، ثم دفعني إلى المكتبة الإسلامية دفعا رأيتني معه أبحث وأنقّب، أطلب المصادر القرآنية المتنوعة: من مصادر اللغة، إلى مصادر البيان، إلى مصادر النزول وأسبابه من

стр. 14

مصادر القدامى إلى مصادر المحدثين ... كل ذلك طلبته لأخرج منه بموسوعة تروي شيئا من غلّة العطاش إلى فهم الكلام المنزل، والولوج إلى دنياه. ووفّقني سبحانه في سعيي، فكان لي، ولقرّائي، شيء مما تطلعت إليه، وكان سفر متواضع قرّت به عيني، سمّيته الموسوعة القرآنية. أما طريقة إعداد موضوعاتها وتهيئة أبحاثها، وتحضير موادّها، فقد اعتمدت في ذلك ما يعتمده أصحاب دوائر المعارف، بفارق شكلي يتعلق بالاختصاصيين والباحثين المعتمدين لكتابة موادّها. فبدلا من أن نتوجه الى من نراهم مؤهّلين لهذه المهمات، بإعداد كلّ منهم المادة التي يكون الفارس في حلبتها- بدلا من أن نتوجه بذلك إلى هؤلاء الفرسان، كما يتوجه أصحاب الموسوعات، توجهنا إلى مؤلفاتهم في شتى الموضوعات، فعمدنا إلى اختيار عدة كتب لكل موضوع، ثم اعتمدنا كتابا منها، إذا كان مستوفيا لشروط المادة المطلوبة. وإلا فإننا نأخذ فصلا أو بحثا من عدة كتب، حتى إذا تكامل الموضوع اعتمدناه. وقد فرض عليّ جلال القرآن وقدسيّته أن أتبع في ترتيب خصائص السور المباركة، ترتيب هذه السور نفسه، من «الفاتحة» ورقمها: ١، حتى «الناس» ورقمها ١١٤. وإنني هنا أنوّه، بمن بذل جهده معي في توثيق مواد الموسوعة القرآنية وتنسيقها. إنها مديرة مكتبي ابنتي هدى علي الزائدي زادها الله هدى. وربّ ولد لك لم يخرج من صلبك، ولم تلده أم أولادك. وإنني لأرجو أن أفوز بمصداقية النية التي دفعتني للقيام بهذا العمل التوثيقي. وهي نيّة خالصة للقرآنيّين حقا، والإسلاميّين صدقا، وللناطقين بلغة الضاد حيّها دون مهجورها، وغضّها دون يابسها. وهي، من قبل ومن بعد، للقرآن وللإنسان. وهي أوّلا وآخرا، لمنزل القرآن، وبارئ الإنسان، وللقرآنيّ الأول، وللإنسان الأول، ذلك الذي هبط عليه القرآن نبيّا، للإسلام وللإنسان.

стр. 15

ولا مندوحة لي، في ختام هذه المقدمة، من الإشادة بجهد كريم، كان له أبلغ الأثر في استقامة هذا العمل بهذه الكيفية التي آل إليها، وأعني به جهد الباحثين اللغويين، الأستاذ أحمد حاطوم والدكتور محمد توفيق أبو علي، اللذين راجعا هذه الموسوعة، فدقّقا في نصوصها، وحقّقا لفظها، وضبطا ما يحتاج إلى ضبط، من الحروف وعلامات الوقف وعدّلا، من ذلك وأضافا، ما يقتضي الإضافة والتعديل ووحّدا ما يتطلّب التوحيد من إشارات الإحالة، بالأرقام، وذكرا، حيث يلزم، أرقام الآيات التي لم تذكر أرقامها، وأسماء السّور التي لم تذكر أسماؤها، وتثبتا مما ذكر من الأسماء والأرقام، تثبّتهما من نصوص الآيات نفسها، وبذلا، في غير هذه الجوانب، من العناية ما يستحقان جزيل الشكر عليه. وإنني، وأنا أنهي هذا التقديم، أختتمه بإهداء هذا المجهود الى روح من بثّ في روحي روح الايمان: إلى روح الغائب عن عيني، الحاضر في فكري وقلبي، المالئ سمعي وبصري، أبي، نضّر الله ضريحه وأكرم مثواه. إنني أتشرف بإهدائه إليه، لا برّا به أبا ومربيّا وهاديا فحسب، وإنما لأنه كان: أول من فتح سمعي وبصري على قيام الصلاة، لدلوك الشمس، إلى غسق الليل، وقرآن الفجر. وأخلص من شرح صدري للحفاظ على الصلوات والصلاة الوسطى، والقيام لله قانتا. فإليك يا سيدي. يا من بسطت عليّ جناحيك، طفلا ويافعا، وزققتني المعرفة، فتّى وشابا، أهدي هذا الجهد. وقد عمّمتني السنون بوقار الشّيب. عسى أن يكون لك به قرّة عين. ولدك جعفر شرف الدين

стр. 16

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) مدخل للقرآن المجيد خصائص عامة، ولكل سورة من سوره الكريمة خصائص تنفرد بها. فمن خصائص القرآن الكريم تعدّد أسمائه المباركة، وصفاته الطيبة، وسماته المقدّسة فهو: القرآن الكريم، والفرقان العظيم، والكتاب المجيد، والنور المبين، والكتاب المكنون، والذكر الحكيم، والذكر المبارك، والصراط المستقيم، والعروة الوثقى، والحكمة البالغة، والقول الفصل، وأحسن الحديث، وصحف مكرّمة، وتنزيل رب العالمين، وبيان للناس، وبلاغ للناس وغيرها من الأسماء الشريفة، والنعوت المنيفة كالمثاني، والفصل، والمفصّل، والحكم، والحكمة، والحكيم، والمهدي، والبيان، والبرهان، والمبارك، والمجيد، والوحي، والرسالة، والإمام. والقرآن المجيد كنز، وإعجاز، ولغة، وبيان وتشريع، وتاريخ، وسير، وعبر، وقصص، وعلم، وعمل وقد اكتنزت بهذه المعطيات الأبكار: ١- سوره السبع الطوال وهي البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال. ٢- سوره المئون: المؤمنون، والأنبياء، والحجر، والكهف، والإسراء،

стр. 17

ويوسف، والنحل، وطه، والشعراء، والصافّات، وهود، ويونس. ٣- سوره المفصّلة: الحجرات، والبروج، والطارق، والبيّنة، والزّلزلة، والناس. ٤- المثاني وتطلق على السور البواقي جميعا، وهنّ: سور الممتحنات: الفتح، والحشر، والسجدة، والطلاق، والقلم، والحجرات، والملك، والتغابن، والمنافقون، والجمعة، والصّف، والجن، ونوح، والمجادلة، والممتحنة، والتحريم. وسور «ألم» : البقرة، وآل عمران، والأعراف، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وسور المسبّحات: الإسراء، والحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى. وسور «الحمد» : الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. وسورة «الر» : يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر. والسور «العتاق» «١» : الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء. وسور «العزائم» : السجدة، وفصّلت، والنجم، والعلق. وسور «قل» : الكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس. وسور «الطواسين» : الشعراء، والنمل، والقصص. والسورتان الزهراوان: البقرة، وآل عمران. والسورتان القرينتان: الأنفال، والتوبة «٢» .

стр. 18

وجميع سوره المباركة المائة والأربع عشرة سورة، وأحزابه الستون، وأجزاؤه الثلاثون وآياته المباركات البالغة ستة آلاف ومائتين وستّا وثلاثين آية «١» . هذه الآيات البيّنات موزّعة على عناوين موضوعية، هي: الأديان والأنبياء: ٢٠٦١ آية. الكون والدنيا: ٢٩٨٦ آية. الإنسان والأسرة: ٢٠٧٦ آية. التاريخ والسير والقصص والأمثال: ٣١٨٠ آية. العلم والعمل: ٢٣٦٧ آية. الأمر بالمعروف (الأخلاق والتشريع) : ٣١٩٤ آية. النهي عن المنكر (الأخلاق والتشريع) : ١٦٨٥ آية. وهنا يبرز سؤال: كيف تكون آيات القرآن المجيد ٦٢٣٦ آية، وقد بلغت بعد توزيعها على مواضيعها أضعافا مضاعفة؟ الجواب كامن في الآيات ذاتها، فربّ آية تناولت موضوعا واحدا، وآية تناولت موضوعين، وآية تناولت ثلاثة موضوعات أو أكثر. وبذلك، فإن عدد الموضوعات التي تناولتها آيات القرآن الكريم، تتعدى مجموع عدد آياته، فتصبح أضعافا كما رأينا في الأرقام السابقة. إنّ التّاريخ البشريّ كلّه، قديمه والمحدث، لم يعرف كتابا منزلا من عند الله، أو مؤلّفا من مؤلّفات البشر، قد نال ما ناله القرآن الكريم من اهتمام المسلمين والعرب، والمستعربين والمستشرقين فقد اهتموا به وبعلومه وفنونه بإعجازه الفكري والبلاغي والغيبي والعلمي، بتنوّع معطياته ومبتكراته. ويكفي في

стр. 19

وصف ذلك أن نسجل لابن النديم، أحد كبار جهابذة التتبع لآثار المؤلّفين والمؤرّخين والعلماء والكتّاب والشّعراء، وتحديد أسماء السابقين إلى جمع القرآن المجيد، على عهد النبي (ص) وتعدادها في الصفحة [٤١] من كتابه «الفهرست» كما يلي: علي بن أبي طالب. سعد بن النعمان بن عمرو. أبو الدرداء عويمر بن زيد. معاذ بن جبل بن أوس. زيد بن ثابت بن زيد بن النعمان. أبيّ بن كعب بن قيس بن مالك بن امرئ القيس. عبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت بن الضّحّاك «١» . وإحصاء الكتب المؤلفة في علوم القرآن، من عصر النبيّ (ص) حتّى عصره، وعددها في الصفحتين [٥٠ و ٥٧] من كتابه «الفهرست» كما يلي: ١- الكتب المؤلّفة في نزول القرآن. ٢- الكتب المؤلّفة في قراءة القرآن. ٣- الكتب المؤلّفة في وجوه قراءات القرآن. ٤- الكتب المؤلّفة في لغات القرآن. ٥- الكتب المؤلّفة فيما اتفقت ألفاظه ومعانيه في القرآن. ٦- الكتب المؤلّفة في غريب القرآن.

стр. 20

٧- الكتب المؤلّفة في أحكام القرآن. ٨- الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن. ٩- الكتب المؤلّفة في ناسخ القرآن ومنسوخه. ١٠- الكتب المؤلّفة في أجزاء القرآن. ١١- الكتب المؤلّفة في عدد آي القرآن. ١٢- الكتب المؤلّفة في لامات القرآن. ١٣- الكتب المؤلّفة في النقط والشكل في القرآن. ١٤- الكتب المؤلّفة في الوقف والابتداء في القرآن. ١٥- الكتب المؤلّفة في وقف التمام. ١٦- الكتب المؤلّفة في مقطوع القرآن وموصوله. ١٧- الكتب المؤلّفة في معان شتى من القرآن. ١٨- الكتب المؤلّفة في تفسير القرآن. ١٩- الكتب المؤلّفة في اختلاف المصاحف «١» . و «فهرست» ابن النديم، من المصادر المهمّة، لمن يريد الوقوف على ثقافة حقبة القرون الأربعة الأولى للإسلام. ويعتبر الأول من نوعه، وهو عمدة في موضوع التراجم، وأصول التأليف في هذا المضمار. وهو على اعتدال حجمه يعدّ ذخيرة قيّمة. ولا يستطيع المتتبّع، بسهولة ويسر، أن يقف على إحصاء ما ألّفه العلماء والباحثون قديما وحديثا حول القرآن. ومن المؤلّفات الجديدة موسوعة قرآنية صدرت عن دار الرفاعي في الرياض، بعنوان: «معجم مصنّفات القرآن الكريم»

стр. 21

ويقع في سبعة مجلّدات من القطع الكبير، فهرس فيها مؤلّفه ما توصّل إليه من المؤلّفات المصنّفة في تفسير القرآن وعلومه. وصدر، قبله وبعده، كثير من المعاجم القرآنية في لبنان ومصر، وفي الجمهورية الإسلامية في إيران، وسورية. وإذا كان ابن النديم قد أحصى، في حدود سنة ٣٧٧ هـ، واحدا وعشرين نوعا من المؤلّفات القرآنية، لكلّ نوع فريق من المؤلفين، فكيف لنا أن نغطّي الحقبة التي تفصلنا عنه، إذا لم نتوفّر على التواصل مع التراث جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن. ويغوص الباحثون في كل عصر، كما حدث ويحدث، ويستخرجون اللؤلؤ من أصدافه، والمرجان من محاره، ثم يصوغونه لآلئ قرآنية مضيئة، تزين أعناق العصور الفكرية المزدهرة. وقد زيّنا بدورنا «معارف المكتبة القرآنية» بعقود منها، في هذه الموسوعة التي تعنى بخصائص السور القرآنية، بمجلدها الأول، هذا الذي تقرأه، والمجلدات اللاحقة إن شاء الله. وقد أوردنا منها ثماني خصائص كوّنت ثمانية مباحث، لأعلام السلف والخلف، وهي: ١- أهداف السورة ومقاصدها. ٢- ترابط الآيات في السورة. ٣- أسرار ترتيب السورة. ٤- مكنونات السورة. ٥- لغة التنزيل في السورة. ٦- المعاني اللغوية في السورة. ٧- لكل سؤال جواب في السورة. ٨- المعاني المجازية في السورة.

стр. 22

الجزء الأول سورة الفاتحة

стр. 23

المبحث الأول أهداف سورة «الفاتحة» «١» تسمّى «الفاتحة» لأنّ الله افتتح بها كتابه، ولأن المسلم يفتتح بها الصّلاة. وقيل لأنها أول سورة نزلت من السماء، فأول آيات نزلت من السماء هي الآيات الأولى من سورة «اقرأ» ، وأول سورة نزّلت من السماء هي سورة «الفاتحة» . وتسمّى «سورة الحمد» و «أمّ الكتاب» ، و «أمّا القرآن» ، لأنها أصل القرآن، أو لأنها أفضل سورة في القرآن، فقد اشتملت على أصول العقيدة وعلى الأهداف الأساسية للقرآن، ففيها الثناء على الله وتعظيمه ودعاؤه. وتسمّى «الشافية» لأن فيها شفاء ودواء. وتسمّى «الصلاة» ، قال النبي (ص) : «يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» . يبدأ المؤمن قراءة الفاتحة بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. وتعرف الجملة الأولى بالاستعاذة، وتعرف الثانية ب «التسمية» أو «البسملة» . وقد أمر الله بالاستعاذة عند أول كل قراءة، فقال في سورة النحل المكّيّة: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) [النحل] . وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة، لأن القرآن مصدر هداية، والشيطان مصدر ضلال فهو يقف للإنسان بالمرصاد

стр. 24

في هذا الشأن على وجه خاص، فعلّمنا الله أن نتّقي كيده وشره بالاستعاذة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) : هي بداية مباركة لسور القرآن، ولكل عمل يعمله الإنسان، فيتجرد من حوله وقوته، ويبارك العمل باسم الله وبركة الله وقدرته. وقد تكلم المفسّرون كثيرا في معنى البسملة وفي علاقة بعض ألفاظها ببعض. قال بعضهم: معنى «بسم الله» : بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته. هذا تعليم من الله لعباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها حتى يكون الافتتاح ببركة اسمه جلّ وعزّ. وقال الإمام محمد عبده: إنها تعبير يقصد به الفاعل إعلان تجرّده من نسبة الفعل إليه، وأنه لولا من يعنون الفعل باسمه لما فعل، فهو له وبأمره وإقداره وتمكينه، فمعنى: «أفعل كذا باسم فلان» : أفعله معنونا باسمه ولولاه ما فعلته. قال الأستاذ الإمام: وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات، وأقربه ما يرى في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولا وعملا، باسم السلطان أو الخديوي فلان. الْحَمْدُ لِلَّهِ: الحمد هو الثناء بالجميل على واهب الجميل و «الله» علم على الذات الأقدس، واجب الوجود، ذي الجلال والإكرام. وهي جملة خبرية معناها: الشكر لله، وفيها عرفان لله بالفضل والمنّة، كما ورد في الأثر: «يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك» . وفي الفتوحات الإلهية: الْحَمْدُ لِلَّهِ: الشكر لله المعبود للخواصّ والعوامّ، المفزوع إليه في الأمور العظام، المرتفع عن الأوهام المحتجب عن الأفهام، الظاهر بصفاته وآلائه للأنام. رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) : الرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح والتربية. والمتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين، أي جميع الخلائق. قال في تفسير الجلالين: «أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدوابّ وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم يقال له عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك» . والله سبحانه لم يخلق الكون ليتركه

стр. 25

هملا، وإنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه، وكل العوالم تحفظ وتتعهد برعاية رب العالمين. والصلة بين الخالق والخلائق صلة دائمة ممتدة في كل وقت وفي كل حالة. لقد حكى القرآن عن عقائد المشركين، وصور التّخبّط الذي كان يحيط بالبشرية في الجاهلية. فمنهم من اتّخذ أصناما يعبدها من دون الله، ومنهم من جعل الالهة المتعددة رموزا للذات الإلهية، وقالوا كما ورد في التنزيل: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] . وقال القرآن عن جماعة من أهل الكتاب: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] . وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام، تعج بالأرباب المختلفة، بوصفها أربابا صغارا تقوم إلى جانب كبير الالهة كما يزعمون. جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار، يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة. والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يخبط في ظلمات وظنون لا يستقر منها على يقين. ومن ثمّ كانت عناية الإسلام الأولى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد التصوّر الذي يستقرّ عليه الضمير في أمر الله وصفاته، وعلاقته بالخلائق وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين. وكان من رحمة الله بالعباد إنقاذهم من الحيرة، وإخراجهم من الضلال إلى الهدى بهذا الدين الحنيف بما فيه من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق وسهولة ويسر، وتجاوب مع الفطرة. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: الرحمن: صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة، الرحيم: صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان وتعديهما إلى المنعم عليه. ونلاحظ أن كلمة الرحمن لم تذكر في القرآن، إلا وقد أجريت عليها الصفات، كما هو شأن أسماء الذات. قال تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) [الرحمن] ، الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) [طه] . أما

стр. 26

«الرحيم» ، فقد كثر استعمالها وصفا فعليا، وجاءت بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) [البقرة] ووَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) [الأحزاب] ووَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) [يونس] . كما جاءت الرحمة كثيرا على هذا الأسلوب وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الكهف: ١٦] . ف «الرحمن» : اسم الله يدل على قيام الرحمة بذاته سبحانه، و «الرحيم» صفة تدل على وصول هذه الرحمة إلى العباد. تقول: فلان غني بمعنى: أنه يملك المال، وفلان كريم بمعنى أنه ينقل المال إلى الآخرين. ورحمة الله لعباده لا حد لها، فهو الذي خلقهم وأوجدهم وسخّر لهم الكون كله وأمدّهم بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، ثم هو يفتح بابه للتائبين ويعطي السائلين، ويجيب دعاء الداعين. قال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) [البقرة] . إن واجبنا أن نغرس في أبنائنا محبة الله، وأن نعوّدهم عبادته حبّا له واعترافا بفضله وإحسانه، وذلك هو منهج الإسلام. فإن الله في الإسلام، لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء، كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها، كما تصوّرها أساطير الإغريق، ولا يدبّر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في العهد القديم، كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين. فالله، في الإسلام، رحمن رحيم، ليس مولعا بالانتقام والتعذيب. وبعض النّاس يحلوا لهم أن يصوّروا الإله منتقما جبّارا لا همّ له إلّا تعذيب الناس وإلقاؤهم في نار جهنم، وهي نغمة نابية عن روح الإسلام، غريبة عن نصوصه وتشريعاته السمحة. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) : أي أن الله هو المالك المتصرّف يوم القيامة، فالناس في الدنيا يملكون ويحكمون ويتصرفون، فإذا كان يوم القيامة وقف النّاس جميعا للحساب الصغير والكبير، السّوقة والأمير، الوزير والخفير، الملك والأجير، كل الناس قد وقفوا حفاة عراة مجرّدين من كل جاه أو

стр. 27

سلطان أو رتبة أو منزلة، وينادي الله سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فيكون الجواب: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) [غافر] . ويَوْمِ الدِّينِ وهو يوم الحساب والجزاء، قال ابن عباس: يَوْمِ الدِّينِ هو يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، إلّا من عفا عنه، فالأمر أمره. قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] . والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية، وأساس من أسس السعادة والنجاح للفرد والمجتمع. فالمؤمن، عند ما يتيقّن أن هناك يوما للجزاء والحساب يدفعه إيمانه إلى مراقبة الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه. ولهذا فإن التشريعات الإسلامية تتخذ طابعا مميّزا في التطبيق، فإن المؤمن ينفذها راغبا في ثواب الله راهبا لعقابه. أمّا التشريعات الواضعية، فإن تنفيذها مرتبط بالخوف من السلطة. وعند ما يتأكد الشخص من بعده عن أعين السلطة، فإن هذا يهوّن عليه ارتكاب المخالفة. أما القانون الإلهي، فإنه مرتبط بسلطة عليا لا تغيب ولا تختفي أبدا. إنها سلطة الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطّلع على الإنسان أينما كان وحيثما وجد. ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة] . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) : لا نعبد إلّا إيّاك ولا نستعين إلّا بك. فأنت المستحقّ للعبادة، وأنت نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) [الأنفال] . ومعنى العبادة خضوع لا يحدّ لعظمة لا تحد، وهي تدل على أقصى غايات التذلّل القلبي والحب النفسي، والفناء في جلال المعبود وجماله، فناء لا يدانيه فناء. هي سعادة المؤمن، بأنه يقف بين يدي الله خاشعا خاضعا عابدا متبتّلا،

стр. 28

ذاكرا لآيات الله، معتزا بصلته بالله، مناجيا إلها سميعا بصيرا مجيبا. والعبادة لله تحرر المؤمن من كل عبودية لغير الله، لأنه يثق بأن الله هو الخالق الرازق المعطي المانع، وأن بيده الخلق والأمر، وأن أمره بين الكاف والنون: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] . وإذا صدقت عبودية المؤمن لله تحرّر من عبوديته لكل العبيد، فازداد عزّا بالله، وثقة به واعتمادا عليه، وصار سعيدا بحياته، راضيا عن سعيه، واثقا بأن هناك جزاء عادلا في الاخرة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة] . والمؤمن حين يقف بين يدي الله فيقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ، يحسّ سعادة أيّ سعادة، حيث يقف وهو المخلوق الضعيف ليخاطب الله القادر، بقوله: إياك نعبد. فأنا عابد في محرابك، مستعين بك في أموري كلها. قول عبد الله بن عباس، وابن جرير الطبري ١- عن ابن عباس، قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ إيّاك نوحّد ونرجو يا ربنا ونخاف، ووَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إيّاك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها. ٢- وقال الطبري: معنى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ: لك اللهم نخشع ونذلّ ونستكين إقرارا لك بالربوبية لا لغيرك. ومعنى وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إيّاك، وطاعتنا لك في أمورنا كلها- لا أحد سواك، إذا كان من يكفر بك يستعين في أموره بمعبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) : الصّراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وقد كثر كلام المفسرين في المراد بالصراط المستقيم. قال ابن عبّاس: الصّراط المستقيم، هو الإسلام. وقال الإمام علي: الصّراط المستقيم، هو كتاب الله تعالى

стр. 29

ذكره. وقال أبو العالية: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) الصراط هو الطريق، والمعنى وفّقنا إلى طريق رسول الله (ص) . وكلّ هذه الآراء تلتقي على أن معنى الصّراط المستقيم هو: جملة ما يوصل النّاس إلى سعادة الاخرة والدنيا من عقائد وآداب وأحكام من جهتي العلم والعمل. وهو سبيل الإسلام الذي ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، وو كل إلى محمد (ص) تبليغه وبيانه. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ: أي: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصّدّيقين والشهداء، والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك. أو هو طريق السعداء المهتدين الواصلين. قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) [النساء] . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: وهم الكافرون أو هم اليهود. وَلَا الضَّالِّينَ: وهم المنافقون الحائرون المتردّدون بين إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطن. طوائف الناس أما الحق: تعدّدت أقوال المفسرين في بيان معنى المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالين، والذي نراه: أن المنعم عليهم هم المؤمنون الصادقون والمغضوب عليهم هم الكافرون الجاحدون والضالّون: هم المنافقون الخائنون. ودليل ذلك ما ورد في أول سورة البقرة حيث ذكرت السورة أن النّاس أمام الحق ثلاثة أقسام: المؤمنون: وقد جرى الحديث عنهم عنهم في أربع آيات أولها:

стр. 30

الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) [البقرة] . والكافرون: وقد تحدثت عنهم السورة في آيتين من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) [البقرة] . والمنافقون: وقد تحدثت عنهم السورة في ثلاث عشرة آية تبدأ بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) [البقرة] . في أعقاب السورة جمع الله معاني القرآن في سورة الفاتحة، فقد اشتملت على تعظيم الله وحمده والثناء عليه، وهذا هو أصل العقيدة: الإيمان بالله والاعتقاد أن الله سبحانه، يتصف بكل كمال وينزّه عن كل نقص. ففي النصف الأول من الفاتحة ثناء على الله بما هو أهله. وفي النصف الثاني دعاء بالتوفيق والاستقامة على الصراط المستقيم. فكأن الفاتحة قسمان، قسم يتوجه العبد فيه بالثناء على الله، وقسم يدعو فيه ربه ويطلب لنفسه الصلاح والهدى. وقد ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) : «يقول تعالى قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله أثنى عليّ عبدي، فإذا قال مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) . قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» . ولعل هذا الحديث الصحيح، يوضح سر اختيار هذه السورة المباركة، ليقرأها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة، أو ما شاء الله أن يردّدها كلّما قام يدعوه في الصّلاة. فكأنها في الإسم «مجمّع أشعّة» تنير

стр. 31

بضوئها كل شيء، وتبسط نورها في المؤمن فيزداد يقينا وإيمانا. وهي نشيد إلهي يردده المؤمن معترفا لله بالفضل، شاكرا له جميل نعمه، مستهديا إيّاه إلى الصراط المستقيم. والنصف الأول من السورة يتعلق بالعقيدة والفكر، والنصف الثاني يتعلق بالسلوك والعمل. والمتتبع لأهداف القرآن الكريم، الواقف على مقاصده ومعارفه، يرى أنه جاء تفصيلا لما أجملته هذه السورة وحددته من صلاح العقيدة، واستقامة السلوك. قال تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء] . وقال (ص) : «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل» . وفي «صحيح البخاري» : أن سورة الفاتحة رقية من الداء، وشفاء من الأمراض، فكأنها شفاء حسي ومعنوي، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٨٢] .

стр. 32

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفاتحة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها اختلف العلماء في تاريخ نزول الفاتحة، فقيل إنها نزلت بمكة بعد سورة «المدّثّر» ، وهو قول أكثر العلماء. وقيل إنها نزلت بالمدينة، وهو قول مجاهد. وقيل إنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، وسبب ذلك، التنبيه إلى شرفها وفضلها. وإذا كانت قد نزلت بعد سورة «المدّثّر» ، فهي خامسة سور القرآن في النزول. وقد نزلت بذلك في مرتبتها كفاتحة للكتاب، بعد المناسبات التي اقتضت سبق السور الأربع لها. وبهذا تكون من السور التي نزلت بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لأن القرآن افتتح بها في مصحف عثمان، وهو المصحف الذي اعتمد على ترتيبه جمهور المسلمين، وتبلغ آياتها سبع آيات. الغرض منها وترتيبها نزلت هذه السورة لتكون من القرآن بمنزلة المقدمة للكتاب، لأن نظام التأليف يقضي بألا يفاجئ المؤلف قرّاء كتابه بمقصوده منه، بل يجب أن يبدأه على بصيرة به قبل الشروع فيه. وهذه المقدمة يجب أن تشتمل على ثلاثة أركان: أوّلها، افتتاحها باسم الله، والحمد

стр. 33

لله، والثناء عليه شكرا له على ذلك التأليف الذي هدى إليه. وثانيها، إظهار الخضوع له، وبيان أنه لا عون إلّا منه سبحانه. وثالثها، الالتجاء إليه بالدعاء لاستمداد ذلك العون. ويجب أن تشتمل، مع هذا، على ما يسمّى براعة الاستهلال، وهي أن يؤتى قبل الشروع في المقصود بما يشعر به، ليدرك القارئ الغرض من وضع الكتاب، ويكون على بصيرة به قبل الشروع فيه. وقد اشتملت هذه السورة على هذه الأركان الثلاثة. فجاء في أوّلها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ، فافتتحت باسم الله والثناء عليه بهذه الصفات التي تفرّد بها دون غيره. وقد كان العرب، في جاهليتهم يفتتحون كلامهم بقولهم: «باسمك اللهم» ، فاستبدل به القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) ، إشارة إلى أن عهد الإسلام عهد رحمة، وهو العهد الذي يجب أن يشمل العالم كله، ويكون خاتمة العهود كلها. وهذا هو ركنها الأول. ثم جاء فيها بعد ذلك ركنها الثاني بقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) وفي ذلك إقرار بأنه لا معبود غيره، ولا عون إلّا منه. ثم جاء ركنها الثالث بقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) . وفي ذلك براعة الاستهلال المطلوبة، لأنه يشير إلى أن المقصود بالقرآن وضع دين جديد للخلق، يشتمل على أحكام لا عوج فيها ولا انحراف، ويصلح ما أفسده النّاس في شرائع الله من قبل. ولا شك أن هذه الفاتحة، بهذا الشكل، لم يسبق إليها كتاب قبل القرآن. وقد صارت بعده قدوة تتبع، وسنّة تحتذى، وكفى ذلك دليلا على فضلها وحسن ترتيبها.

стр. 34

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفاتحة» «١» افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة، لأنّها جمعت مقاصد القرآن، ولذلك كان من أسمائها: أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والأساس «٢» . فصارت كالعنوان ببراعة الاستهلال. قال الحسن البصري: إن الله أودع علوم الكتاب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم المفصّل في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتاب المنزلة. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان «٣» . وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرره الزّمخشري، باشتمالها على الثناء على الله بما هو أهله، وعلى التعبّد، والأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد، وآيات القرآن لا تخرج عن هذه الأمور «٤» . قال الإمام فخر الدين: المقصود من القرآن كله، تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر. فقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) يدل على الإلهيات، وقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)

стр. 35

يدل على نفي الجبر، وعلى إثبات أنّ الكل بقضاء الله وقدره. وقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) ، إلى آخر السورة، يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوات، فقد اشتملت هذه السورة على المطالب الأربعة، التي هي المقصد الأعظم من القرآن «١» . وقال البيضاوي: هي مشتملة على الحكم النظرية، والأحكام العملية، التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء، ومنازل الأشقياء «٢» . وقال الطيبي: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين: أحدها: علم الأصول، ومعاقدة معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) ، ومعرفة المعاد، وهو المومى إليه بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . وثانيها: علم ما يحصل به الكمال، وهو علم الأخلاق. وأجلّه الوصول إلى الحضرة الصّمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية، وسلوك طريقة الاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) . قال: وجميع القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة، فإنّها بنيت على إجمال ما يحويه القرآن مفصّلا، فإنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن تتضمن ما سيق الكلام لأجله، ولهذا لا ينبغي أن يقيّد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق «٣» . وقال الغزالي في «خواصّ القرآن» : مقاصد القرآن ستة، ثلاثة مهمة، وثلاثة تتمة.

стр. 36

الأولى: تعريف المدعوّ إليه، كما أشير إليه بصدرها وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرح به فيها وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى وهو الاخرة، كما أشير إليه بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . والأخرى: تعريف أحوال المطيعين، كما أشار إليه بقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] . وتعريف منازل الطريق، كما أشير إليه، بقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) .

стр. 37

المبحث الرابع مكنونات سورة «الفاتحة» «١» ١- مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) : هو يوم القيامة. أخرجه ابن جرير «٢» وغيره من طريق الضحاك، عن ابن عباس. ٢- صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] : هم النبيّون، والصّدّيقون، والشهداء والصالحون، كما فسّره في آية النساء «٣» . ٣- غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) : الأول: اليهود. والثاني: النصارى. كما أخرجه أحمد، وابن حبّان، والترمذي «٤» ، من حديث عدي بن

стр. 38

حاتم قال: قال رسول الله (ص) : «إنّ المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالّين هم النّصارى» . وأخرجه ابن مردويه «١» من حديث أبي ذرّ.

стр. 39

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفاتحة» «١» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) تنتهي آيات هذه السورة بصوت النون أو الميم، مسبوقين بالياء، وفي ذلك ضرب من الإتقان في البناء، يحققه هذا النمط البديع من «النظم» . وإني لأميل مع القائلين: إن البسملة هي الآية الاولى في كلام الله، فيكون العدد سبع آيات. إنّ «الفاتحة» هي أمّ القرآن، ومن أجل ذلك حفلت بالأفكار الكبرى، التي تميّز بها دين الله، أي الإسلام، وهي أنه- عزّ اسمه- ربّ العالمين، الرحمن الرحيم،. وهو وحده الذي يختصّ بالعبادة، وهو وحده المستعان، وفي هذه الآية الخامسة نجد «إيّاك» وقد قدّمت على الفعلين «نعبد» و «نستعين» . وقد أشار أهل العلم إلى أن التقديم مؤذن بأنه، وحده، تقدّست أسماؤه، مخصوص بالعبادة، وهو المستعان لا يشاركه في ذلك غيره، وهذا كله مستفاد من هذه الطريقة في بناء الجملة، وما كان من «التقديم» الذي أشرنا إليه. وإني لأرى أن التقديم قد حقق أيضا غرضا أسلوبيا وهو الحفاظ على «النظم» ، الذي يوفره ورود الآي على الميم والنون في أواخر الفواصل. وقد تحقّق ضرب من التساوق البديع

стр. 40

في تقديم «إيّاك» على الفعلين كما بيّنا، وفي ذلك كلّه اتّفاق في النّظم، يتحقق في جماع مواد هذه السورة: ثمّ ماذا؟ إن طول الآيات كلها قدر يكاد يكون متساويا في مادته وبهذا ضرب من التوافق والانسجام يخدم هذا البناء المتساوق في مادّته ومن أجل هذا يعمد أهل التلاوة إلى الوقوف على قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ في الآية السابعة وقفة قصيرة، ليتحقّق نمط من التساوي في طول الآي.
следующие страницы →