الأولى: تعريف المدعوّ إليه، كما أشير إليه بصدرها وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرح به فيها وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى وهو الاخرة، كما أشير إليه بقوله:
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) .
والأخرى: تعريف أحوال المطيعين، كما أشار إليه بقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] .
وتعريف منازل الطريق، كما أشير إليه، بقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) .
стр. 37
المبحث الرابع مكنونات سورة «الفاتحة» «١»
١- مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) :
هو يوم القيامة. أخرجه ابن جرير «٢» وغيره من طريق الضحاك، عن ابن عباس.
٢- صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] :
هم النبيّون، والصّدّيقون، والشهداء والصالحون، كما فسّره في آية النساء «٣» .
٣- غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) :
الأول: اليهود. والثاني: النصارى.
كما أخرجه أحمد، وابن حبّان، والترمذي «٤» ، من حديث عدي بن
стр. 38
حاتم قال: قال رسول الله (ص) : «إنّ المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالّين هم النّصارى» .
وأخرجه ابن مردويه «١» من حديث أبي ذرّ.
стр. 39
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفاتحة» «١»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) تنتهي آيات هذه السورة بصوت النون أو الميم، مسبوقين بالياء، وفي ذلك ضرب من الإتقان في البناء، يحققه هذا النمط البديع من «النظم» . وإني لأميل مع القائلين: إن البسملة هي الآية الاولى في كلام الله، فيكون العدد سبع آيات.
إنّ «الفاتحة» هي أمّ القرآن، ومن أجل ذلك حفلت بالأفكار الكبرى، التي تميّز بها دين الله، أي الإسلام، وهي أنه- عزّ اسمه- ربّ العالمين، الرحمن الرحيم،. وهو وحده الذي يختصّ بالعبادة، وهو وحده المستعان، وفي هذه الآية الخامسة نجد «إيّاك» وقد قدّمت على الفعلين «نعبد» و «نستعين» .
وقد أشار أهل العلم إلى أن التقديم مؤذن بأنه، وحده، تقدّست أسماؤه، مخصوص بالعبادة، وهو المستعان لا يشاركه في ذلك غيره، وهذا كله مستفاد من هذه الطريقة في بناء الجملة، وما كان من «التقديم» الذي أشرنا إليه. وإني لأرى أن التقديم قد حقق أيضا غرضا أسلوبيا وهو الحفاظ على «النظم» ، الذي يوفره ورود الآي على الميم والنون في أواخر الفواصل.
وقد تحقّق ضرب من التساوق البديع
стр. 40
في تقديم «إيّاك» على الفعلين كما بيّنا، وفي ذلك كلّه اتّفاق في النّظم، يتحقق في جماع مواد هذه السورة: ثمّ ماذا؟
إن طول الآيات كلها قدر يكاد يكون متساويا في مادته وبهذا ضرب من التوافق والانسجام يخدم هذا البناء المتساوق في مادّته ومن أجل هذا يعمد أهل التلاوة إلى الوقوف على قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ في الآية السابعة وقفة قصيرة، ليتحقّق نمط من التساوي في طول الآي.
стр. 41
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفاتحة» «١»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) : «اسم» (في التسمية) صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك، لأن أصل الكلام «بالله» »
. وحذفت الألف من «بسم» من الخط تخفيفا لكثرة الاستعمال، واستغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط. فلو كتبت «باسم الرحمن» أو «باسم القاهر» لم تحذف الألف.
والألف في «اسم» ألف وصل، لأنك تقول: «سمّي» وحذفت لأنها ليست من اللفظ «٣» .
وقوله: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: ١٢] فهذا موصول لأنك تقول: «ثني عشر» . وقوله: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة: ٦٠] موصول: لأنك تقول: «ثنتي عشرة» ، وقال إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما [يس: ١٤] ، وقال: ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم: ٢٨] ، لأنك تقول في «اثنين» : «ثنين» وفي «امرئ» فتسقط الألف. وإنما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما أرادوا استئنافه فلم يصلوا إلى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الألف ليصلوا إلى الكلام
стр. 42
بها. فإذا اتصل (الكلام) بشيء قبله استغنى عن هذه الألف. وكذلك كل ألف كانت في أول فعل أو مصدر، وكان «يفعل» «١» من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل، نحو قوله:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا. لأنك تقول: (يهدي) فالياء مفتوحة.
وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة: ١٦ و ١٧٥] ، وقوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً [غافر: ٣٦] ، وقوله:
وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص] ، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلة في «اسم» ، و «اثنين» وما أشبهه لأنه لما سكن الحرف الذي في أول الفعل، جعلوا فيه هذه الألف ليصلوا إلى الكلام به إذا استأنفوا، أي: إذا ابتدءوا.
وكل هذه الألفات اللواتي في الفعل إذا استأنفتهنّ، أي إذا ابتدأت بهن، كنّ مكسورات، فإذا استأنفت، أي إذا ابتدأت، قلت: (اهدنا الصراط) و (ابن لي) و (اشتروا الضلالة) ، إلا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فإنك تضم أوله إذا استأنفت، تقول: (أركض برجلك) [ص: ٤٢] ، وتقول (أذكروا الله كثيرا) [الأنفال: ٤٥] ، وإنما ضمّت هذه الألف، إذا كان الحرف الثالث مضموما، لأنهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفا ساكنا، فثقل عليهم أن يكونوا في كسر ثم يصيروا إلى الضم، فأرادوا أن يكونا جميعا مضمومين إذا كان ذلك لا يغيّر المعنى.
وقالوا في بعض الكلام في «المنتن» : «منتن» . وإنما هي من «أنتن» فهو «منتن» ، مثل «أكرم» فهو «مكرم» .
فكسروا الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال «منتن» «٢» لضمة الميم وقد قالوا في «النّقد» «٣» : «النّقد»
стр. 43
فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم إلا فيما كان ثانيه أحد الأحرف الستة نحو «شعير» . والأحرف الستة هي: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء.
وما كان على «فعل» «١» مما هي في أوله هذه الألف الزائدة فاستئنافه، أي الابتداء به أيضا مضموم نحو: (اجتثّت من فوق الأرض) [إبراهيم: ٢٦] لأن أول «فعل» أبدا مضموم، والثالث من حروفها مضموم.
وما كان على «أفعل أنا» «٢» ، فهو مقطوع الألف وإن كان من الوصل، لأن «أفعل» فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في «يفعل» .
وفي كتاب الله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ، وأَنَا آتِيكَ بِهِ [النمل: ٣٩ و ٤٠] ووَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف: ٥٤] «٣» .
وما كان من نحو الألفات اللواتي ليس معهن اللام في أول «اسم» ، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ [ص: ٢٣] ، وقوله يا أَبانا [يوسف: ١١ و ١٧ و ٦٣ و ٦٥] ، وقوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) [المدّثّر] ، وقالَتْ إِحْداهُما [القصص: ٢٦] ، وحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ [المؤمنون: ٩٩] ، لأنها إذا صغّرت ثبتت الألف فيها، تقول في تصغير «إحدى» : «أحيدى» ، و «أحد» :
«أحيد» ، و «أبانا» : «أبينا» وكذلك «أبيان» و «أبيون» . وكذلك (الألف في قوله) مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة:
١٠٠] ، أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا [البقرة: ٢٤٦] ، لأنك تقول في «الأنصار» : «أنيصار» ، وفي «الأبناء» «أبيناء» و «أبينون» .
وما كان من الألفات في أول فعل أو مصدر، وكان «يفعل» من ذلك الفعل ياؤه مضمومة، فتلك الألف مقطوعة، تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: ٤] ، لأنك تقول: «ينزل» . فالياء مضمومة. ورَبَّنا آتِنا [البقرة:
стр. 44
٢٠٠] «١» ، تقطع لأن الياء مضمومة، لأنك تقول: «يؤتي» . وقال وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [البقرة: ٨٣] «٢» ووَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠] لأنك تقول:
«يؤتي» ، و «يحسن» . وقوله: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف:
٥٤] «٣» ، ووَ قالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) [يونس] «٤» ، فهذه موصولة لأنك تقول: «يأتي» ، فالياء مفتوحة، إنما الهمزة التي في قوله: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ همزة كانت من الأصل في موضع الفاء من الفعل، ألا ترى أنها ثابتة في «أتيت» وفي «أتى» لا تسقط.
وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: (آتنا) يكون من «آتى» و «آتاه الله» ، كما تقول: «ذهب» و «أذهبه الله ويكون على أعطنا» .
وقال: فَآتِهِمْ عَذاباً [الأعراف: ٣٨] على «فعل وأفعله» غيره.
وأما قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ فوصلت هذه الأسماء التي في أوائلها الألف واللام حتى ذهبت الألف في اللفظ.
وذلك لأن كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان، فالألف تذهب إذا اتصلت بكلام قبلها. وإذا استأنفتها كانت مفتوحة أبدا، لتفرق بينها وبين الألف التي تزاد مع غير اللام، ولأن الألف واللام هما حرف واحد ك «قد» ، و «بل» . وإنما تعرف زيادتهما بأن تروم ألفا ولا ما أخريين تدخلهما عليهما.
فإن لم تصل إلى ذلك عرفت أنهما زائدتان. ألا ترى أن قولك: «الحمد لله» وقولك: «العالمين» وقولك «التي» و «الذي» و «الله» لا تستطيع أن تدخل عليهنّ ألفا ولا ما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الألف، إلا أن توصل بألف الاستفهام فتترك مخففة، (و) لا يخفف فيها الهمزة إلا ناس من العرب قليل، وهو قوله آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس:
٥٩] وقوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) [النمل] وقوله آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس: ٩١] .
стр. 45
وإنما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. ألا ترى أنك لو قلت وأنت تستفهم: «الرجل قال كذا وكذا» فلم تمددها صارت مثل قولك «الرجل قال كذا وكذا» إذا أخبرت؟
وليس سائر ألفات الوصل هكذا.
قال أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) [الصافّات] ، وقال أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٨] . فهذه الألفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألفات استفهام، وألف الوصل التي كانت في «اصطفى» و «افترى» قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد (والفاء) بهذه الألف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ [ص] فقطع ألف «أتخذناهم» فإنما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لأنها إذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرئ هذا الحرف موصولا «١» ، وذلك أنهم حملوا قوله أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) [ص] على قوله ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) [ص] .
وما كان من اسم في أوله ألف ولام تقدر أن تدخل عليهما ألفا ولاما أخريين، فالألف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف، أي في ابتداء الكلام، على حالها في الاتصال، نحو قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩] «٢» لأنك لو قلت «الإله» فأدخلت عليها ألفا ولاما جاز ذلك.
«ألواح» و «إلهام» و «إلقاء» مقطوع كله، لأنه يجوز إدخال ألف ولام أخريين.
فأما «إلى» ، فمقطوعة ولا يجوز إدخال الألف واللام عليها لأنها ليست باسم، وإنما تدخل الألف واللام على الاسم.
ويدلك على أن الألف واللام في «إلى» ليستا بزائدتين، أنّك إنّما وجدت الألف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الأسماء، مثل «إلى» و «ألّا» .
ومع ذلك تكون ألف «إلى» مكسورة وألف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.
стр. 46
وأما قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ فرفعه على الابتداء. وذلك أن كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره إن كان هو إيّاه، فهو أيضا مرفوع، نحو قوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فإنما رفع المبتدأ ابتداؤك إياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم «١» ، [و] كما كانت «أنّ» تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر.
وقال بعضهم: «رفع المبتدأ خبره» وكلّ حسن، والأول أقيس.
وبعض العرب يقول (الحمد لله) «٢» فينصب على المصدر، وذلك أن أصل الكلام عنده على قوله «حمدا لله» يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، وكأنه جعله مكان «أحمد» حتى كأنه قال:
«أحمد حمدا» ثم أدخل الألف واللام على هذه.
وقد قال بعض العرب (الحمد لله) «٣» فكسره، وذلك أنه جعل بمنزلة الأسماء التي ليست بمتمكنة «٤» ، وذلك أن الأسماء التي ليست بمتمكّنة تحرّك أواخرها بحركة واحدة لا تزول علّتها، نحو «حيث» جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول «حوث» «٥» و «حيث» «٦» ضم وفتح.
ونحو «قبل» و «بعد» جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله ﵎:
стр. 47
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم: ٤] فهما مضمومتان إلا أن تضيفهما، فإذا أضفتهما صرفتهما. قال تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الحديد: ١٠] وكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [التوبة: ٦٩] ووَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] وقال مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الحديد: ٢٢] وذلك أن قوله أَنْ نَبْرَأَها اسم أضاف إليه (قبل) وقال مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ [يوسف: ١٠٠] وذلك أن قوله أَنْ نَزَغَ [يوسف: ١٠٠] اسم هو بمنزلة «النزغ» ، لأن «أن» الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف إليها «بعد» . وهذا في القرآن كثير.
ومن الأسماء ما ليس متمكّنا، قال الله : إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر: ٦٨] وها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران: ١١٩] مكسورة على كل حال.
فشبهوا «الحمد» وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الأسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا «يا زيد» . وفي كتاب الله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً [غافر: ٣٦] هو في موضع النصب، لأن الدعاء كله في موضع نصب، ولكن شبه بالأسماء التي ليست بمتمكّنة فترك على لفظ واحد، يقولون: «ذهب أمس بما فيه» «١» و «لقيته أمس يا فتى» «٢» ، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: «لقيته الأمس الأحدث» فجرّ أيضا، وفيه ألف ولام، وذلك لا يكاد يعرف.
وقال سبحانه: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) [النجم] ، وسمعنا من العرب من يقول: «هي اللات قالت ذلك» فجعلها تاء في السكوت، و «هي اللات فاعلم» جرّ في الموضعين. وقال بعضهم «من الآن إلى غد» فنصب لأنه اسم غير متمكن. وأما قوله: اللات فاعلم فهذه مثل «أمس» وأجود، لأن الألف واللام التي في «اللات» لا تسقطان وإن كانتا زائدتين، وأما ما سمعنا في «اللات والعزى» في السكت عليها ف «اللاة» «٣» لأنها هاء فصارت تاء
стр. 48
في الوصل وهي في تلك اللغة مثل «كان من «١» الأمر كيت وكيت» .
وكذلك «هيهات» في لغة من كسر. إلّا أنه يجوز في «هيهات» أن تكون «٢» جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في اللات «٣» ، لأن «اللات» و «كيت» لا يكون مثلهما جماعة، لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف، فإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد «٤» .
وزعموا أنّ من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: «يا ابني» فقطع. وقال قيس بن الخطيم «٥» (من الطويل وهو الشاهد الأول) :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين «٦»
وقال جميل «٧» (من الطويل وهو الشاهد الثاني) :
ألا لا أرى إثنين أكرم شيمة ... على حدثان الدهر منّي ومن جمل «٨»
وقال الراجز «٩» (وهو الشاهد الثالث) :
يا نفس صبرا كلّ حي لاق ... وكل إثنين إلى فراق
стр. 49
وهذا لا يكاد يعرف.
وأما قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) فإنه يجرّ، لأنه من صفة «الله» .
وقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ جر باللام كما انجرّ قوله:
رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) : لأنه من صفة قوله لِلَّهِ فإن قيل: «وكيف يكون جرّا وقد قال» :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ فلأنه، إذا قال في غير القرآن: «الحمد لما لك يوم الدين» ، فإنه ينبغي أن يقول: «إياه نعبد» ، فإنما هذا على الوحي. وذلك أن الله ﵎ خاطب النبي (ص) فقال: «قل يا محمد» : الْحَمْدُ لِلَّهِ وقل: «الحمد لما لك يوم الدين» وقل يا محمد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) .
وقد قرأها قوم (مالك) «١» نصب على الدعاء وذلك جائز، يجوز فيه النصب والجر، وقرأها قوم (ملك) «٢» إلّا أن «الملك» اسم ليس بمشتق من فعل نحو قولك: «ملك وملوك» وأما «المالك» فهو الفاعل كما تقول: «ملك فهو مالك» مثل «قهر فهو قاهر» .
وأما فتح نون الْعالَمِينَ، فإنها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة زائدة على حد التثنية أي على غرارها، فهي مفتوحة. وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عمّا كان عليه: نحو نون «مسلمين» و «صالحين» و «مؤمنين» .
فهذه النون زائدة لأنك تقول: «مسلم» و «صالح» فتذهب النون، وكذلك
стр. 50
«مؤمن» قد ذهبت النون الاخرة، وهي المفتوحة، وكذلك «بنون» . ألا ترى أنك إنما زدت على «مؤمن» واوا ونونا، وياء ونونا، وهو على حاله لم يتغيّر لفظه، كما لم يتغيّر في التثنية حين قلت «مؤمنان» و «مؤمنين» . إلّا أنك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وإنّما صارت هذه مفتوحة ليفرّق بينها وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا، قال تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ [المائدة: ٢٣] وقال أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما [يس: ١٤] والنون مكسورة.
وجعلت الياء للنصب والجرّ، نحو «العالمين» و «المتقين» فنصبهما وجرّهما سواء، كما جعلت نصب «الاثنين» وجرّهما سواء ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالألف.
وهذه النون تسقط في الإضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك، «بنوك» «ورأيت مسلميك» فليست هذه النون كنون «الشياطين» و «الدهاقين» و «المساكين» . لأن «الشياطين و «الدهاقين» و «المساكين» «١» نونها من الأصل ألا ترى أنك تقول: (الشيطان) و «شييطين» و «دهقان» «دهيقين» و «مساكين» و «مسيكين» فلا تسقط النون.
فأمّا «الذين» ، فنونها مفتوحة، لأنك تقول: «الذي» فتسقط النون لأنها زائدة، ولأنك تقول في رفعها:
«اللذون» لأن هذا اسم ليس بمتمكن مثل «الذي» . ألا ترى أن «الذي» على حال واحدة. إلا أن ناسا من العرب يقولون: «هم اللذون يقولون كذا وكذا» . جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لأن الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع وياء في النصب والجر وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في «الذي» لأنه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء «الذي» إذا أدخلت الياء التي للنصب، ولأنهما علامتان للإعراب، والياء في قول من قال «هم الذين» مثل حرف مفتوح أو مكسور بني عليه اسم وليس فيه
стр. 51
إعراب. ولكن يدلّك على أنه المفتوح أو المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجر لأنها علامة للإعراب.
وقد قال ناس من العرب «الشياطون» «١» لأنهم شبهوا هذه الياء التي كانت في «شياطين» إذا كانت بعدها نون، وكانت في جمع وقبلها كسرة، بياء الإعراب التي في الجمع.
فلما صاروا إلى الرفع أدخلوا الواو.
وهذا يشبه «هذا جحر ضبّ خرب» فافهم.
وأما قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الآية ٥] ولم يقل (أنت نعبد) فلأنّ هذا موضع نصب، والله أعلم. وإذ لم يجز، في موضع النصب على الكاف أو الهاء وما أشبه ذلك من الإضمار الذي يكون للنصب، جعل «إيّاك» أو «إيّاه» أو نحو ذلك ممّا يكون في موضع نصب. قال تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً [سبأ: ٢٤] لأنّ هذا موضع نصب، تقول: «إنّي أو زيدا منطلق» . وضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧] . هذا في موضع نصب.
كقولك: «ذهب القوم إلا زيدا» . (و) إنما صارت (إياك) في إِيَّاكَ نَعْبُدُ في موضع نصب من أجل (نعبد) وكذلك:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) «٢» أيضا.
وإذا كان موضع رفع جعلت فيه (أنت) و «أنتما» و «أنتم» و «هو» و «هي» وأشباه ذلك.
وأما قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) فبمعنى: «عرفنا» ، وأهل الحجاز يقولون: «هديته الطريق» أي: عرفته، وكذلك «هديته البيت» في لغتهم، وغيرهم يلحق به «إلى» ، ثم قال:
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] نصب على البدل. و (أنعمت) مقطوع الألف لأنك تقول «ينعم» فالياء مضمومة فافهم. وقوله:
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الآية ٧] هؤلاء صفة الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
стр. 52
لأن «الصراط» مضاف إليهم، فهم جر للإضافة. وأجريت عليهم «غير» «١» صفة أو بدلا. و «غير» و «مثل» قد تكونان من صفة المعرفة التي بالألف واللام، نحو قولك، «إنّي لأمرّ بالرجل غيرك وبالرجل مثلك فما يشتمني» ، و «غير» و «مثل» إنّما تكونان صفة للنكرة، ولكنهما قد احتيج إليهما في هذا الموضع فأجريتا صفة لما فيه الألف واللام. والبدل في «غير» أجود من الصفة، لأنّ «الذي» و «الذين» لا تفارقهما الألف واللام، وهما أشبه بالاسم المخصوص من «الرجل» وما أشبهه.
و «الصراط» فيه لغتان، السين والصاد، إلا أنّا نختار الصاد، لأنّ كتابتها على ذلك في جميع القرآن «٢» .
وقد قال العرب «هم فيها الجمّاء الغفير» فنصبوا، كأنهم لم يدخلوا الألف واللام، وإن كانوا قد أجروهما كما أجروا «مثلك» و «غيرك» كمجرى ما فيه الألف واللام، وإن لم يكونا في اللفظ. وإنما يكون وصفا للمعرفة التي تجيء في معنى النكرة. ألا ترى أنك إذا قلت: «إنّي لأمرّ بالرجل مثلك» إنما تريد «برجل مثلك» . لأنك لا تحدّد له رجلا بعينه ولا يجوز إذا حددت له ذلك، إلّا أن تجعله بدلا ولا يكون على الصفة. ألا ترى أنه لا يجوز «مررت بزيد مثلك» إلا على البدل.
ومثل ذلك: «إني لأمرّ بالرجل من أهل البصرة» ولو قلت: «إني لأمرّ بزيد من أهل البصرة» لم يجز إلا أن تجعله في موضع حال. فكذلك غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
стр. 53
وقد قرأ قوم (غير المغضوب عليهم) «١» جعلوه على الاستثناء الخارج من أول الكلام، ولذلك تفسير سنذكره إن شاء الله، وذلك أنه إذا استثنى شيئا ليس من أول الكلام في لغة أهل الحجاز فإنه ينصب [و] يقول «ما فيها أحد إلا حمارا» وغيرهم يقول: «هذا بمنزلة ما هو من الأول» فيرفع. فذا يجر غَيْرِ الْمَغْضُوبِ في لغته «٢» .
وإن شئت جعلت «غير» نصبا على حال وبها نكرة والأول معرفة. وإنما جرّ لتشبيه (الذي ب «الرجل» ) .
стр. 54
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفاتحة» «١»
إن قيل: الرحمن أبلغ في الوصف بالرحمة من الرحيم، بالنقل عن الزّجّاج وغيره، فلم قدّمه؟ وعادة العرب من صفات المدح الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالم نحرير، لأنّ ذكر الأعلى أولا ثمّ الأدنى لا يتجدّد فيه بذكر الأدنى فائدة، بخلاف عكسه؟
قلنا: قال الجوهري وغيره: إنهما بمعنى واحد كنديم وندمان، فعلى هذا لا يرد السؤال. وعلى القول الأول إنما قدّمه، لأن لفظ الله اسم خاص بالباري تعالى لا يسمّى به غيره، لا مفردا ولا مضافا فقدّمه، والرّحيم يوصف به غيره مفردا ومضافا فأخّره، والرحمن يوصف به غيره مضافا، ولا يوصف به مفردا إلا الله تعالى، فوسّطه.
قلنا: الواو لا تدل على الترتيب، أو المراد بهذه العبادة التوحيد، وهو مقدّم على أداء العبادات.
стр. 55
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفاتحة» «١»
قوله سبحانه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
استعارة على أحد التأويلين، لأنّ الصراط في أصل اللغة اسم للطريق.
وهو هاهنا كناية عن الدّين، لأن الدين مؤدّ إلى استيجاب الثواب واستدفاع العقاب، فهو كالنهج المسلوك إلى مظنّة «٢» النجاة والسلامة، ودار الأمن والإقامة. ولما جعل سبحانه الدّين، كالطريق القاصد، والمنهج الواضح، أقام إرشاده إليه ودلالته عليه، مقام الدليل يدل على السّمت «٣» ، والهادي الذي يهدي إلى القصد، فقال سبحانه:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) .
والتأويل الثاني في الصراط، يخرج الكلام عن حيّز الاستعارة، وهو أن يكون المراد به المجاز المسلوك الى الجنّة والنّار، على ما جاءت به الأخبار فكأنهم سألوه سبحانه توفيقهم منجاته «٤» ومأمنه.
стр. 56
سورة البقرة ٢
стр. 57
المبحث الأول أهداف سورة «البقرة» «١»
سورة البقرة أطول سورة في القرآن الكريم. لقد استغرقت جزءين ونصفا من ثلاثين جزءا يتكوّن منها القرآن.
ولذلك كان الرجل إذا حفظ سورة البقرة عظم في عيون المسلمين. وهي أول سورة نزلت بالمدينة، وعدد آياتها (٢٨٦) آية وعدد كلماتها ٦١٢١ كلمة.
قصة التسمية
سمّيت سورة البقرة بهذا الاسم لأنّها انفردت بذكر حادثة قتل وقعت في بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ وكان للبقرة، وهي الحيوان المعروف الذي اتّخذ بنو إسرائيل من نوعه إلها في وقت مّا يعبدونه من دون الله، كان لها شأن إلهيّ عجيب في هذه الحادثة.
لقد وقعت الجناية وقتل القتيل واختلف أهل الحي الذي وقعت الجناية بينهم في: من يكون القاتل. وأخذ كلّ يدفع الجناية عن نفسه ويتّهم بها غيره، وفيهم من يعلم عين الجاني ويكتم أمره.
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) .
وترافع القوم إلى موسى ﵇ ليحكم في هذه الجناية التي خفي مرتكبها.
سأل موسى ربّه، فأمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل بلسانها، فيحيا، فيخبر بقاتله. وبسبب ما طبع عليه بنو إسرائيل من العناد في تنفيذ الأوامر فقد وقفوا كالسّاخرين أو الهازئين من الأمر
стр. 58
بذبح البقرة في هذا المقام، حتى لقد قالوا لموسى كما ورد في التنزيل:
أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟ [الآية ٦٧] .
وما كان لنبيّ الله أن يسخر أو يهزأ، ولكنّها القلوب الملتوية تنصرف عن الحق وتعاند في قبوله، فسألوه عن البقرة:
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ [الآية ٦٨] ما لَوْنُها [الآية ٦٩] .
وأكثروا من السؤال وشدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، وسألوا موسى، ما هذه البقرة: أكما عهدنا هذا الجنس من الحيوان، أم هي خلق آخر تفرّد بمزيّة، واختصّ بإعجاز؟ فأوضح الله سبيلهم وبيّن أنّها بقرة لا مسنّة ولا فتيّة بل هي وسط بين ذلك، فليفعلوا ما يؤمرون.
وبيّن الله لهم أنّها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ النّاظرين وقال:
بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها [الآية ٧١] .
وأخيرا وبعد حيرة ومشقّة عثروا عليها.
كانت البقرة ملكا لشيخ كبير فقير، وكان عبدا صالحا زاهدا فلم يترك من المال سوى بقرة واحدة كان يأخذها إلى المرعى ثم يتوجه إلى بارئه بقلب خالص ونفس ثابتة فيقول: اللهم إنّي استودعتك إيّاها لا بني حتّى يكبر. وما زال الرجل يترقرق في صدره هذا الأمل القوي بنور الله حتى مات.
وبقيت البقرة لابنه اليتيم. واستمرّ اليتيم، يرعى البقرة، يحدوه شعاع من الأمل ورثه من الصالحات الباقيات لأبيه.
ولما أمر الله بني إسرائيل بذبح البقرة، وشدّد عليهم في صفاتها ولونها وسنها، ووجد القوم أنّ هذه الصفات لا تنطبق إلّا على بقرة هذا اليتيم الذي بارك الله له فيها، اشتروها منه بمال وفير، وذبحوها، وضربت جثة القتيل ببعض أعضائها، فتمت إرادة الله، وحدثت المعجزة، وأحيا الله القتيل، ونطق باسم قاتله. قال تعالى:
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
(٧٣) .
ثم قست قلوب اليهود بعد أن شاهدوا هذه المعجزة فصارت قلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة. وبدل أن يهتدوا بهذه الآية إلى طريق الإيمان،
стр. 59
أشاحوا عن الحقّ وساروا في الضّلال، وقتلوا الأنبياء وحرّفوا كلام الله، ودبّروا الفتن والدسائس. وقد حذّرنا الله من كيدهم، وأمرنا ألّا نصغي إلى فتنتهم وتفرقتهم، وأن نأخذ الحذر منهم وأن نعدّ العدّة لمقاومتهم واستخلاص الحقوق المغتصبة من أيديهم. قال رسول الله (ص) : «لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيختبئ أحدهم «وراء» الحجر فيقول الحجر يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله» .
وفي قصة البقرة عبرة للمشدّدين فإنّ الله أمر بني إسرائيل بأن يذبحوا بقرة.
فلو بادروا إلى ذبح أيّ بقرة لأجزأتهم، ولكنهم تشدّدوا في تعرّف صفاتها، فكانوا كلّما طرحوا سؤالا زيدوا تشديدا حتّى صارت البقرة نادرة.
وفي الأثر: «لا تكونوا كبني إسرائيل شدّدوا فشدّد عليهم» .
وفي القرآن: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [الأعراف] .
الأهداف العامة لسورة البقرة
سورة البقرة من أجمع سور القرآن الكريم، وقد اشتملت على الأهداف الآتية:
١- بيان أصول العقيدة وذكر أدلّة التوحيد ومبدأ خلق الإنسان.
٢- بيان أصناف الخلائق أمام هداية القرآن. وقد ذكرت أنّهم أصناف ثلاثة:
المؤمنون، والكافرون، والمنافقون.
٣- تعرضت السورة لتاريخ اليهود الطويل، وناقشتهم في عقيدتهم، وذكّرتهم بنعم الله على أسلافهم، وبما أصاب هؤلاء الأسلاف حينما التوت عقولهم عن تلقي دعوة الحق من أنبيائهم السابقين، وارتكبوا من صنوف العناد والتكذيب والمخالفة. واقرأ في ذلك قوله تعالى في السورة.
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) .
إلى آخر آية البر في منتصف السورة تقريبا وهي:
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الآية ١٧٧] .
وهذا الغرض من أغراض السورة استدعاه جوار المسلمين لليهود في المدينة.
٤- والنصف الأخير من سورة البقرة اشتمل على التشريع الإسلامي الذي
стр. 60
اقتضاه تكوّن المسلمين جماعة متميزة عن غيرها، في عبادتها ومعاملاتها وعاداتها.
وقد ذكرت السورة من ذلك القصاص في القتل العمد، وذكرت الصيام والوصية والاعتكاف، والتحذير من أكل أموال الناس بالباطل. وذكرت الأهلّة وأنّها جعلت ليعتمد الناس عليها في أوقات العبادة والزراعة غيرها، وذكرت الحجّ والعمرة، وذكرت القتال وسببه الذي يدعو إليه، وغايته التي ينتهي إليها. وذكرت الخمر والميسر واليتامى، وحكم مصاهرة المشركين وذكرت حيض النساء والتطهر منه والطلاق والعدّة والخلع والرّضاع. وذكرت الأيمان وكفّارة الحنث فيها، وذكرت الإنفاق في سبيل الله، وذكرت البيع والربا، وذكرت طرق الاستيثاق في الديون بالكتابة والاستشهاد والرهن. ويبدأ هذا السياق من قوله تعالى بعد آية البر:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الآية ١٧٨] .
إلى ما قبل آخر السورة. وكان يتخلل كل ذلك- على طريقة القرآن- ما يدعو المؤمنين إلى التزام هذه الأحكام وعدم الاعتداء فيها، من قصص ووعد ووعيد، وإرشاد إلى سنن الله في الكون والجماعات، ثم تختم سورة البقرة ببيان عقيدة المؤمنين على نحو ما بدأت في بيان أوصاف المتقين.
ونجد في آخر السورة قوله تعالى:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) ومن ثم يتناسق البدء والختام وتتجمّع موضوعات السورة وأهدافها، ويؤكد آخرها أولها وتصير السورة كتلة واحدة، ينتفع المسلمون بها في تنظيم أحوالهم في العبادات والمعاملات.
وهي دعامة من دعائم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر قال تعالى:
стр. 61
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: ١١] .
أصناف الخلق أمام دعوة الإسلام
جهر ﵊ بدعوته في مكة. ولمّا يئس من انتشار الدعوة بمكة هاجر إلى المدينة. وهناك بنى مسجده واتخذه مقرّا لنشر الدعوة. وقد آمن به أهل المدينة ولقّبوا ب «الأنصار» ، وأصبحت للإسلام قوة جديدة ولم يبق بيت من بيوت المدينة إلا دخله الإسلام. ولما كانت سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة، استمرّ نزول آياتها بضع سنين، فقد عنيت بذكر أصناف الناس أمام دعوة الإسلام فقسّمتهم إلى ثلاثة أصناف.
الصنف الأول: المؤمنون، وقد وصفهم الله بخمس صفات هي:
الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، وإخراج الزكاة والصدقات، والإيمان بالكتب والرسل، واليقين الكامل بالحساب والجزاء.
وهم بهذه الصفات أهل لهداية الله، وللفلاح والرشاد.
الصنف الثاني: الكافرون، وقد وصفهم القرآن بأنّهم فقدوا الاستعداد لقبول الحق بسبب فساد فطرتهم، وإحكام الغشاوة على قلوبهم، وانسداد مسالك الفهم والإدراك في وجدانهم، وقد سمّاهم القرآن بالكافرين والفاسقين والخاسرين والضالّين.
هؤلاء الكفار سدّت عليهم منافذ الخير وسبل الهداية، وأعلنوا الكفر والعناد.
وهذان الصنفان كثيرا ما تحدث القرآن عنهما في سورة المكيّة وسوره المدنيّة، لأنّ الدعوة الإسلامية لم تخل في مرحلة من مراحلها من مؤمن بها، مصدق لها، كافر بها جاحد لآياتها.
الصنف الثالث: المنافقون، ووجود هذه الطائفة نشأ بعد الهجرة إلى المدينة ودخول الأنصار في الإسلام وظهور قوة المسلمين وبخاصة بعد غزوة بدر، فاضطر نفر من الكبراء أن يتظاهروا باعتناق الدين الجديد، ومن هؤلاء عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوّجوه ملكا عليهم قبيل وصول الإسلام إلى المدينة. وقد وصفتهم سورة البقرة بالنفاق والتلوّن وألقت عليهم الأضواء، وذكر المنافقون في سورة التوبة بصفات متعددة، منها
стр. 62
التخلف عن الجهاد والتظاهر بالإيمان، والتخلي عن تبعاته. ولا نكاد نجد سورة مدنية تخلو من ذكرهم، ولفت الأنظار إلى أوصافهم، وتحذير المؤمنين من كيدهم وخداعهم.
اليهود في المدينة
في ثنايا الحملة على المنافقين، الذين في قلوبهم مرض، نجد إشارة إلى شياطينهم. والظاهر من سياق سورة البقرة، ومن سياق الأحداث في السيرة، أنّها تعني اليهود الذين تضمنت السورة حملات شديدة عليهم. أما قصتهم أمام الإسلام في المدينة فيمكن تلخيصها بما يأتي:
كان لليهود مركز ممتاز في المدينة، بسبب أنهم أهل كتاب بين الأمّيين من العرب- الأوس والخزرج- وكان اليهود يثيرون الفرقة والخصام بين الأوس والخزرج، فلما جاء النبي (ص) إلى المدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، وقضى على الخلاف والنزاع بين الأوس والخزرج، بسبب أخوّة الإسلام ووحدة المسلمين.
وقد اشتد حقد اليهود وحسدهم للنبي (ص) . لقد حسدوه مرتين: مرة لأن الله اختاره رسولا من ولد إسماعيل، وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة.
على أنه كان هناك سبب آخر لعداوة اليهود للإسلام منذ الأيام الأولى، ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف، وإلا فعليهم أن يستجيبوا للدعوة الجديدة، ويذوبوا في المجتمع الإسلامي، وهما أمران- في تقديرهم- أحلاهما مر.
لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية موقف التكذيب والإنكار، رغم يقينهم بصدقها.
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) .
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) .
стр. 63
وقد استغرق الجزء الاول من سورة البقرة دعوة اليهود للدخول في دين الله مع تذكيرهم بعثراتهم وخطاياهم والتوائهم وتلبيسهم منذ أيام موسى ﵇.
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) .
стр. 64
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «البقرة» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة البقرة بعد سورة المطفّفين، وهي أوّل سورة نزلت بالمدينة، وأطول سورة في القرآن، فيكون نزولها فيما بين الهجرة وغزوة بدر.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لأنّ قصة بقرة بني إسرائيل ذكرت فيها، وتبلغ آياتها ستا وثمانين ومائتي آية.
الغرض منها وترتيبها
لما هاجر النبيّ (ص) إلى المدينة، أظهر له أحبار اليهود فيها العداوة بغيا وحسدا، ومال إليهم المنافقون من الأوس والخزرج، فكان أولئك الأحبار يسألونه ويتعنّتونه ويأتونه باللّبس ليلبسوا الحق بالباطل، فنزلت سورة البقرة في أولئك الأحبار وفي ما يسألون عنه، وفي أولئك المنافقين الذين مالوا إليهم، وفي ما نزل من أحكام العبادات والمعاملات بعد استقرار الإسلام بالمدينة، وبعد أن صار بها للمسلمين جماعة تحتاج إلى هذه الأحكام في أمر دينها ودنياها.
فيكون الغرض المقصود من هذه السورة الرد على أولئك الأحبار ومن مال إليهم من المنافقين، وبيان فساد ما شغبوا به في أمر القرآن، وفي أمر النّبيّ (ص) ، وقد جرّ هذا إلى ذكر كثير من أمورهم، بعضها جرى مجرى الترغيب، بعضها مجرى الترهيب، ثم
стр. 65
تخلص من هذا إلى بيان ما نزل على المسلمين في هذا العهد من الأحكام اللازمة لهم في عباداتهم ومعاملاتهم.
وقد ابتدأت هذه السورة بإثبات نزول القرآن من عند الله، ليكون تمهيدا لبيان فساد ذلك الشّغب الذي قام في امره وفي أمر النّبيّ (ص) ، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعد سورة الفاتحة، فضلا عن أنّها أطول سورة في القرآن.
دعوة تنزيل القرآن الآيات [١- ٢٢]
قال الله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) فذكر أنّ القرآن نزل قطعا من عنده، وأخذ في التنويه بشأنه، فذكر أنّه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، إلى غير هذا ممّا ذكره من أوصافهم، ثم ذكر مخالفيهم من أحبار اليهود والمنافقين، ووصف نفاق المنافقين من المشركين أشنع وصف، وضرب في شناعة أمرهم المثل بعد المثل، ثم أمرهم أن يعبدوه لأنّه هو الذي خلقهم والذين من قبلهم، وجعل لهم الأرض فراشا والسماء بناء وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) .
الاستدلال على تنزيل القرآن الآيات [٢٣- ٢٥]
ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فأقام الدليل على تنزيل القرآن من عنده بتحدّيهم أن يأتوا بسورة من مثله، وأمرهم أن يدعوا في ذلك آلهتهم ليعينوهم على الإتيان به، ثمّ حذرهم من الاستمرار في الكفر بعد ذلك التحدّي، وبشّر المؤمنين بأنّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) .
الردّ على مقالة اليهود الأولى في القرآن الآيات [٢٦- ٩٠]
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، فردّ على مقالتهم الأولى، وذلك أنّه لما
стр. 66
ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وذكر النحل والنمل قال اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ وقال المنافقون: لا نعبد إلها يذكر هذه الأشياء. فردّ عليهم بأنّه لا يستحيي أن يضرب ذلك مثلا، وقد كانت العرب تضرب الأمثال بمثل هذا، فتقول: هو أحقر من ذرّة، وأجمع من نملة.
ثم ذكر أنّ المؤمنين يعلمون أنّه الحق من ربهم، وأنّ الكافرين ينكرون ويضلّون به، لأنهم فاسقون ينقضون ما أخذ عليهم من العهد لأول خلقهم أن يؤمنوا بما يأتيهم من هديه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من اتّباع دينه، ويفسدون في الأرض بالقتل والغصب والنهب وسائر أنواع الفساد، ثم أنكر على المنافقين منهم أن يكفروا به مع أنهم كانوا أمواتا فأحياهم إلخ، ومع أنّه هو الذي خلق لهم ما في الأرض جميعا إلخ.
ثم انتقل السّياق من هذا إلى ذكر قصة آدم ليمهّد بها إلى ذكر ما أخذه من العهد عليهم عند خلقهم، ولهذا ختمها بقوله: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) .
ثمّ انتقل السّياق من توبيخ المنافقين على كفرهم به إلى توبيخ اليهود الذين يزيّنون لهم هذا الكفر، ويؤثرونهم على النّبيّ (ص) وهو يدعو إلى الإيمان به، وفي هذا مشاركة لهم في كفرهم به، فأخذ يذكرهم بنعمته عليهم، ويأخذهم تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، ويذكر في هذا ما مضى من أحوالهم وأخبارهم، فأمرهم أولا أن يذكروا نعمته عليهم، وأن يفوا بالعهد الذي أخذه عليهم فلا يؤثروا من يكفر به على من يؤمن به، وأن يؤمنوا بالقرآن الذي نزل مصدّقا لما معهم، ونهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل بمثل تلك المقالة في إنكار ما ضربه مثلا من الذباب ونحوه، إلى غير هذا ممّا أمرهم به ونهاهم عنه.
ثم أمرهم سبحانه ثانيا أن يذكروا نعمته عليهم وتفضيله لهم على العالمين، وأن يتّقوا يوما لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا، وأخذ يذكّرهم ببعض نعمه عليهم وبعض ما مضى من أحوالهم وأخبارهم، فذكر أنّه نجاهم من آل فرعون، وكانوا يسومونهم سوء
стр. 67
العذاب من ذبح الأبناء واستحياء النساء، وأنّه فرق بهم البحر فأنجاهم وأغرق آل فرعون، وأنّه وعد موسى أربعين ليلة فعبدوا العجل من بعده فعفا عنهم، ولم يعاقبهم بما عاقب به من قبلهم، وأنّه أنزل على موسى التوراة لهدايتهم، وأنه أمرهم بقتل أنفسهم لعبادتهم العجل ثم نسخ ذلك الأمر رحمة بهم، وأنّهم قالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [الآية ٥٥] فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم. ثم بعثهم من بعد موتهم وظلّل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسّلوى، وأنه أمرهم أن يدخلوا بيت القدس على حالة مخصوصة فبدّلوا في ذلك وغيّروا، فأخذ من بدّل وغيّر بما أخذه به، وأنّ موسى استسقى لهم فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدد أسباطهم، وأنّهم لم يصبروا على طعام واحد في تيههم (المنّ والسلوى) فطلبوا منه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض بقلا وقثّاء وبصلا، فأمرهم بأن يهبطوا مصرا من الأمصار ليجيبهم إلى سؤالهم، وذكر أنّ مثل هذا ممّا ضربت به عليهم الذّلة والمسكنة، وممّا كان سببا في غضب الله عليهم، لأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيّين بغير الحق، ويرتكبون من العصيان والاعتداء ما ترتكبون، وقد استطرد من هذا إلى ذكر حسن جزائه لمن آمن به من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين، جمعا بين الوعد والوعيد، وذكرا للترغيب بعد الترهيب.
ثم عاد السياق فذكر أنّه سبحانه أخذ عليهم ميثاقهم أن يؤمنوا به، ورفع فوقهم الطور عند أخذه عليهم، فنقضوا ميثاقهم وكفروا به، ولولا فضله عليهم لأهلكهم بذلك كما أهلك من قبلهم، وذكر أنّهم يعلمون الذين اعتدوا منهم في السبت فمسخوا قردة جزاء لهم على اعتدائهم، وأنّ موسى ذكر لهم أنّ الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة فلم يبادروا إلى امتثال أمره، بل أخذوا يطلبون منه أن يسأل ربه ما هي؟ فأجابهم بأنّها بقرة لا فارض ولا بكر، ثم طلبوا منه أن يسأله ما لونها؟ فأجابهم بأنّها بقرة صفراء فاقع لونها، ثم طلبوا منه أن يسأله ثانيا ما هي؟ فأجابهم بأنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها، فذبحوها بعد كل هذا وما كادوا يفعلون. ثم ذكر بعد هذا معجزتها في النفس التي قتلوها ولم
стр. 68
يعرفوا قاتلها، وأنّ قلوبهم قست بعد هذه المعجزة، حتى صارت كالحجارة، أو أشد قسوة.
ثم ذكر أنّ مثل هؤلاء لا يصح للنّبيّ (ص) وأصحابه أن يطمعوا في إيمانهم، لأنهم في ذلك مثل أسلافهم.
فمنهم من يسمع بشارة التوراة بالنّبيّ (ص) ، ثم يحرفها من بعد ما عقلها وعرفها، وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا أنّ صاحبكم نبي، ولكن إليكم خاصّة. وإذا خلا بعضهم إلى بعض تعاتبوا على هذا الإقرار مع ما فيه من التحريف. ومنهم أمّيّون جهلاء لا يعلمون التوراة إلّا أمانيّ يمنّيهم بها أحبارهم، فيزعمون أنّ الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأنّ النار لا تمسّهم إلّا أياما معدودة بقدر أيام الخلق، وهي ستة أيام، ثم ردّ عليهم ذلك بأنّ من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فهو مخلّد في النار، ومن آمن وعمل صالحا فهو مخلّد في الجنّة. ثم ذكر لهم بعضا من سيئاتهم، وأنه أخذ عليهم ميثاقهم أن يخصوه بالعبادة ويحسنوا إلى الوالدين وذي القربى، إلى غير هذا بما أخذ ميثاقهم عليه، فتولّوا عنه إلّا قليلا منهم، وأنّه أخذ عليهم ميثاقهم ألّا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا فريقا منهم من ديارهم، فخالفوا هذا أيضا، ثم ذكر أنّ جزاء من يفعل ذلك إنّما هو الخزي في الدنيا، ويوم القيامة يردّ إلى عذاب أشدّ من عذاب دنياه.
ثم أخذ السياق يوبّخهم على كفرهم واعتيادهم له من قديمهم، فذكر أنّهم كانوا كلّما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا عليه، فرسولا يكذّبون ورسولا يقتلون. ثم ذكر أنّهم لما جاءهم القرآن أنكروه على عادتهم، مع أنّه جاء مصدّقا لما معهم، ومع أنّهم كانوا من قبله يستفتحون على مشركي العرب بالرسول المنتظر، فلمّا جاءهم ما كانوا ينتظرونه كفروا به حسدا أن يكون هناك رسول من غيرهم فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) .
الردّ على مقالتهم الثانية الآيات [٩١- ٩٦]
ثم قال تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
стр. 69
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
(٩١) فذكر مقالتهم الثانية في القرآن، وهي زعمهم أنهم مأمورون ألّا يؤمنوا إلّا بما أنزل إليهم، وقد ردّ عليهم بأن القرآن أتى مصدّقا لما معهم، وبأنهم قتلوا أنبياءهم وقد أتوهم بما أنزل إليهم، وبأنّ موسى أتاهم بالتوراة فعبدوا العجل حين غاب عنهم أربعين يوما، وبأنه أخذ ميثاقهم أن يأخذوا ما أتاهم بقوة ويسمعوا له، فقالوا سمعنا وعصينا ولم ينزعوا عبادة العجل من قلوبهم، وبأنّهم لو كانوا هم المخصوصين بالآخرة حتى لا تكون رسالة في غيرهم لتمنّوا الموت استعجالا لثوابها، وهم لا يتمنّونه أبدا خوفا من سوء أعمالهم، وما يعلمه الله من كفرهم وظلمهم وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) .
الرد على مقالتهم الثالثة الآيات [٩٧- ١٠٥]
ثم قال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) فذكر مقالتهم الثالثة، وهي طعنهم في القرآن بأنّه نزل به جبريل وهو عدوهم، لأنّه ينزل بالشدة والقتال، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فردّ عليهم بأنّ جبريل إنّما نزّله بإذنه، وهدّدهم على هذه العداوة لله وملائكته، وذكر أنّه أنزل من ذلك آيات بيّنات لا يكفر بها إلّا الفاسقون، ثمّ وبّخهم على نقض عهدهم مع النّبي (ص) بطعنهم في القرآن، وعلى أنّهم ينبذونه وراء ظهورهم وهو مصدّق لما معهم، ويتبعون ما ينسبونه زورا إلى سليمان وهاروت وماروت من كتب السحر ونحوها، فيستعملونها في الأعمال السحرية كالتفريق بين الرجل وزوجه، ويتعلّمون منها ما يضرّهم ولا ينفعهم، ولو أنّهم آمنوا بالقرآن بدل الايمان بها لكان خيرا لهم، ثم حذّر المؤمنين من مشاركتهم في بعض كفرهم، وكانوا يقولون للنّبي (ص) :
(راعنا) إذا تلا عليهم شيئا من العلم ليتمهل عليهم، فأمروا أن يقولوا بدلها:
(انظرنا) ليخالفوهم في مقالتهم، ثم حذّر المؤمنين من اتباعهم في هذا أو
стр. 70
نحوه فقال: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) .
الرد على مقالتهم الرابعة الآيات [١٠٦- ١١٠]
ثم قال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) ، فذكر مقالتهم الرابعة في القرآن، وهي طعنهم في معجزته، وقول بعضهم للنّبي (ص) : يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء فقرأه، وفجّر لنا أنهارا، نتّبعك ونصدقك. فذكر لهم أنه سبحانه لا ينسخ آية من آيات الرسل أو ينسيها باية أخرى إلّا كانت الأخرى خيرا من الأولى أو مثلها، وأنّه هو الذي يتصرف في تلك الآيات كيف يشاء بما له من ملك السماوات والأرض، وأنّه لا شريك له في ذلك الملك، ثم وبّخهم وذكر أنهم يتعنّتون بسؤال هذه الآيات كما تعنت أسلافهم على موسى بسؤال مثلها، ثم حذّر المؤمنين من انخداعهم بتعنّتهم في ذلك، وذكر أنّهم يودّون به أن يردّوهم كفارا حسدا لهم على إيمانهم، وأمرهم أن يعفوا ويصفحوا حتى يأتيهم بأمره فيهم، إنّ الله على كل شيء قدير وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) .
الرد على مقالتهم الخامسة الآيات [١١١- ١١٧]
ثم قال تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) فذكر مقالتهم الخامسة، وهي قول اليهود والنصارى كما ورد في التنزيل: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لأنه لا دين إلّا دينهم. وقد ردّ عليهم بأنّ تلك أمانيّ لا دليل عليها، وبأنّ كل من آمن به وأحسن في عمله فله أجره عنده لو لم يكن يهوديا أو نصرانيا، وبأنّ كلّا من اليهود والنصارى يطعن في دين الاخر، ولا يسلّم بأنّه يدخل الجنّة، مع أنّهم جميعا يتلون التوراة، وبأنّ المشركين الذين لا علم عندهم يزعمون أيضا أنّ الاخرة لهم، وبأنّهم
стр. 71
يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعون في خرابها، ومثله لا يصح له أن يزعم أنّه لا يدخل الجنة غيره، وإنّما جزاؤه الخزي في الدنيا، وله في الاخرة عذاب عظيم. ثم ذكر أنّ له المشرق والمغرب، وأنّ الناس أينما يولّوا وجوههم فثمّ وجهه، فلا يصحّ أن يسعى في خراب المساجد لاختلاف قبلتها، كما فعل النصارى مع اليهود في بيت المقدس. ثمّ ذكر، إلى هذا، من قبائح النصارى، أنهم يزعمون أنّ لله ولدا، وهو من الكفر الذي لا يصحّ لصاحبه أن يطمع في دخول الجنة، وردّ عليهم هذا بأنّ له ما في السماوات والأرض كلّ له قانتون بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) .
الرد على مقالتهم السادسة الآيات [١١٨- ١٣٤]
ثم قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) فذكر مقالتهم السادسة، وهي قول بعضهم للنّبي (ص) : يا محمد، إن كنت رسولا من الله، كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتّى نسمع كلامه. وقد ردّ عليهم بأنّ هذا من التعنّت الذي يسلكه من جاء قبلهم مع رسلهم، وبأنه قد أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وليس عليه إلّا أن يبلّغه، ولا يسأل بعد هذا عن تعنّتهم وكفرهم، لأنّهم لا يرضون عنه حتى يتّبع ملتهم، ولأنّ الهدى هداه ولو شاء لهداهم، وبأنّ المنصفين منهم يؤمنون بما أنزل إليه، ويعرفون أنه الرسول المبشّر به. ولما كانت هذه شهادة منهم وفيها أكبر حجة عليهم، عاد السياق إلى تذكيرهم ثالثا بنعمته سبحانه عليهم وتفضيلهم على العالمين، وتخويفهم من يوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا ليحملهم على الإقرار بهذه الشهادة، ثم شرع في ذكر قصة إبراهيم وإسماعيل (ع) وبنائهما البيت بمكّة، إلى أن ذكر دعاء إبراهيم له أن يبعث في أهلها رسولا منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة، ليدلّهم على موضع البشارة به في كتبهم، ويحملهم على الإقرار بها كما أقرّ بها من آمن منهم. ثمّ ذكر لهم أنّ الملّة هي ملّة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلّا من سفه نفسه، وهي دين التوحيد الخالص الذي
стр. 72
أسلم فيه لرب العالمين، ووصّى بنيه به من بعده، وكذلك وصّى يعقوب بنيه به أيضا، ثمّ ختم ذلك بأنّ ما قصّه من أمرهم، وما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد لا يعود نفعه إلّا إليهم، ولا ينتفع اليهود والنصارى بانتسابهم إليهم لمخالفتهم لهم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) .
الرد على مقالتهم السابعة الآيات [١٣٥- ١٤١]
ثم قال تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) ، فذكر مقالتهم السابعة، وهي قول بعضهم للنّبيّ (ص) : ما الهدى إلّا ما نحن عليه، فاتّبعنا يا محمّد تهتد. وقد قالت النصارى مثل ذلك أيضا، فجمع مقال الفريقين ليرد عليهم جميعا، ثم ردّ عليهم بأمره (ص) أن يقول لهم: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي بل نتبع ملة إبراهيم الخالصة من الشرك الذي وقعوا فيه، وبأمره المسلمين أن يقولوا لهم:
آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ (١٣٦) ، فإن آمنوا بذلك ولم يفرقوا بين أحد من الأنبياء، فقد اهتدوا إلى الدين الذي يجمعهم، وإن لم يؤمنوا به فسيبقون على ما هم فيه من شقاق، وهذا الدين هو صبغة الله لا ما صارت إليه اليهودية والنصرانية، ثم أمر النّبيّ (ص) أن يذكر لهم أنّه إنّما يدعوهم إلى الإيمان بربهم، أفيحاجون فيه وهو ربهم جميعا، أم يقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، والله يعلم أنّهم لم يكونوا كذلك تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) .
الرد على مقالتهم الثامنة الآيات [١٤٢- ١٧٧]
ثم قال تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) ، فذكر مقالتهم الثامنة، وهي قول بعضهم بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: يا محمد، ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك. وإنّما
стр. 73
يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأمر النّبي (ص) أن يردّ عليهم بأنّ المشرق والمغرب لله يولّي إليهما من يشاء، وبأنّه بهذه القبلة يجعلهم أمة وسطا بين أمم الشرك بالشرق، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى بالغرب، ليكونوا شهداء عليهم بعد تبليغهم دينهم، وبأنّه لم يعد بالقبلة إلى ما كانت عليه قبل الهجرة إلّا ليميّز بين المؤمنين الصادقين الذين يعلمون أنها الحق، والمنافقين الذين يبطنون الكفر ويتأثّرون بتلك المقالة، وبأنّ قبلة بيت المقدس لم تكن القبلة اللائقة بالمسلمين، ولهذا كان النّبي (ص) يقلّب وجهه بالدعاء لتحوّل قبلتهم إلى الكعبة والمنصفون من أهل الكتاب يعلمون أنها الحق من ربهم. أما غيرهم، فلا يؤمنون بها وإن أتا هم بكل آية عليها. غير أنّهم مختلفون في قبلتهم، فإذا اتّبع قبلة بعضهم أغضب غيرهم.
ثمّ ذكر أنّ لكل أمة قبلة هو مولّيها، فليستبق المسلمون إلى الخيرات من الأعمال الصالحة، لأنّها هي المقصود الأهمّ، وشأن القبلة دون شأنها. ثم أمره أن يولّي وجهه شطر المسجد في أي مكان كان لأنه الحق منه، وأمر المسلمين أن يتّبعوه في ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة، وكان اليهود يقولون: لم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتّى هديناه. وكان أكثر العرب يقولون: إنه كان يقول على ملة إبراهيم، والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.
ثم ذكر حكمة ثانية لذلك، وهي أن يتمّ عليهم نعمته بجعل كعبتهم قبلتهم، كما جعل رسولهم منهم، ثم أمرهم أن يقابلوا ذلك بذكره وشكره وأن يستعينوا على ذلك بالصبر والصلاة والجهاد في سبيله، فإذا أصابهم في ذلك شيء من الخوف والجوع ونحوهما، فليصبروا عليه ليكون لهم بشرى الصابرين، ثم ختم ذلك ببيان أن الصفا والمروة من شعائر الله بالمسجد الحرام الذي أمروا بالتوجّه إليه، وكان الأنصار من أهل المدينة كارهين أن يطوّفوا بينهما.
ولما انتهى السياق من الرد عليهم في ذلك، شرع في تهديدهم على كتمان ما جاء في التوراة من البشارة بالنّبيّ (ص) ، فذكر أنّ من يفعل ذلك منهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وأنّ من
стр. 74
تاب منهم عن الكتمان وآمن يقبل الله توبته، ومن أصرّ على الكفر استحقّ تلك اللعنة، ثم شرع يوبخ اليهود على انقيادهم لأولئك الأحبار الذين يكتمون عنهم ذلك، واتخاذهم أندادا من دون الله، فذكر سبحانه لهم أنّ إلههم واحد لا شريك له، وأنّ في خلق السماوات والأرض وغيرهما آيات دالّة على تفرّده بالألوهية، فلا يليق بهم أن يتّخذوا أحبارهم الذين يكتمون عليهم ذلك أندادا من دونه، فيحبّوهم كحبّه ولا يعصوهم في شيء. ولو يرون ما أعدّ لهم من العذاب لتدبّروا في أمرهم، لأنّهم حين يرونه تتقطع بهم الأسباب، ويتبرّأ المتبوعون من التابعين، فلا يمنعون عنهم شيئا من العذاب. ويودّ التابعون لو أنّ لهم كرّة إلى الدنيا لتبرءوا منهم كما تبّرأوا منهم، ثم أمرهم بعد هذا التحذير البالغ من أحبارهم أن يأكلوا ممّا في الأرض حلالا طيّبا، ولا يتّبعوا خطواتهم في ما يحرمون عليهم من الطيبات، لأنّهم يتّبعون بهذا خطوات الشيطان وهو أشدّ أعدائهم، ويقولون على الله ما لا يعلمون تقليدا لأحبارهم، ولكنّهم إذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله من حل تلك الطيبات، أبوا إلّا تقليد أولئك الأحبار، ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ومثل من يدعوهم إلى ذلك كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاء ونداء، ولا يفهم ممّا يدّعي به شيئا.
ثم ترك دعاءهم إلى ذلك لأنّه لا يرجى صلاحهم، وأمر المؤمنين بما أمر به أولئك المخالفين، وأن يشكروه على ما أحلّ من ذلك، وذكر لهم أنّه لم يحرّم عليهم إلّا الميتة والدم وما ذكر معهما، ثم عاد السياق إلى أولئك الأحبار فذكر أنّهم يكتمون ما أنزل الله من البشارة بالنّبي (ص) ، ويشترون بهذا ثمنا قليلا من دنياهم، وهددهم بأنهم يأكلون به نارا في بطونهم، وينالون به غضبه عليهم في أخراهم، إلى غير هذا ممّا ذكره في تهديدهم ثم ذكر أنّهم استحقوا ذلك بأنّه نزّل القرآن بالحق فلم يؤمنوا به، ووقعوا في ذلك الشغب والشقاق البعيد، وهو الذي جاء في تلك المقالات التي ردّت عليهم.
ثم ختم ذلك الجدال معهم بأنّ ما يتعلقون به من أمر القبلة لا يذكر فيما يجب من البرّ، ولكن البرّ من آمن بالله واليوم والاخر والملائكة والكتاب والنبيّين وآتى المال، على حبه، ذوي
стр. 75
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، إلى غير هذا من أنواع البرّ، ثم مدح من جمع ذلك كله فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .
حكم القصاص الآيتان [١٧٨- ١٧٩]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الآية ١٧٨] ، فشرع في بيان الأحكام التي أراد ذكرها في هذه السورة، وذلك بعد أن حاجّ اليهود، ومهّد لذلك بأنّ المهم هو ما جاء به القرآن من الأحكام، لا ما تعلّقوا به من أمر القبلة ونحوه، ولا شك أنّ في هذا ما تستشرف به النفس لبيانها، وتتطلّع إلى معرفة بعضها، وقد بدأ منها بحكم القصاص الذي يراد به حفظ النفس، وهو من أهم أغراض الشرائع. وقد كان اليهود يوجبون فيه القتل فقط، وكان العرب لا يقتصرون على قتل القاتل، فأتى الإسلام فيه بالقصاص العادل، وندب إلى أخذ الدّية والعفو عن القاتل، ثم ختمه بما في القصاص من الفوائد العظيمة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) .
حكم الوصية الآيات [١٨٠- ١٨٢]
ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) وكانوا قبل الإسلام يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة، فجعل الوصية لهم لأنّهم أولى بمال قريبهم. ثم حذّر من تبديل الوصية إلّا إذا كان فيها جنف أو إثم فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) .
حكم الصيام الآيات [١٨٣- ١٨٧]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) فذكر أنّه أوجب عليهم الصوم كما أوجبه على الذين من قبلهم، وأنه في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وأوجب الفدية على من لا يطيق الصوم فيه لمرض أو نحوه، وندب إلى إحيائه بالتكبير والذكر والدعاء، ثم ذكر أنه أحلّ لهم ليلة الصيام الرفث والأكل