← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «إبراهيم» «١» قوله سبحانه: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وهذه استعارة. والمراد بها- والله أعلم- التذكير بأيام نقم الله التي أوقعها بالماضين، كعاد وثمود ومن جرى مجراهم. وهذا كقولنا: أيام العرب. وإنما تريد به الأيام التي كانت فيها الوقائع المشهورة والملاحم العظيمة. وقد يجوز أن تكون الأيام هاهنا عبارة عن أيام النعم، كما قلنا إنها عبارة عن أيام النقم. فيكون المعنى: فذكّرهم بالأيام التي أنعم الله فيها عليهم وعلى الماضين من آبائهم بوقم «٢» الأعداء، وكشف اللّأواء «٣» ، وإسباغ النعماء. ألا ترى أن أيام العرب التي هي عبارة عن الوقائع يكون فيها لبعضهم الظهور على بعض، فذلك من النّعم، وعلى بعضهم السوء والدائرة، وتلك من النقم؟ فالأيام إذن تذكرة لمن أراد التذكرة بالإنعام والانتقام. وقوله سبحانه: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [الآية ٩] وهذا استعارة، على وجه واحد من وجوه التأويلات التي حملت عليها هذه الآية. وذلك أنّ يكون المعنى ما ذهب إليه بعضهم من أنّ الأيدي هاهنا عبارة عن حجج الرسل ﵈،

стр. 1087

والبيّنات التي جاءوا بها قومهم، وأكدّوا بها شرعهم. لأن بذلك يتم لهم السلطان عليهم والتدبير لهم، وقد سمّوا السلطان يدا في كثير من المواضع، فقالوا: ما لفلان على فلان يد، أي سلطان. ويقولون: قد زالت يد فلان الأمير إذا عزل عن ولايته، بمعنى زال سلطانه عن رعيته. ويقولون: أخذت هذا الأمر باليد، أي بالسلطان. فالحجج التي جاء بها الأنبياء أممهم قد تسمّى أيديا على ما ذكرناه، فلما وصف الكفار على هذا التأويل بأنهم ردّوا أيدي الأنبياء- ﵈ في أفواههم، كان المراد بذلك ردّ حججهم من حيث جاءت، وطريق مجيئها أفواههم فكأنهم ردّوا عليهم أقوالهم، وكذّبوا دعواهم. وفي هذا التأويل بعد وتعسّف، إلا أننا ذكرناه لحاجتنا إليه، لمّا ذهبنا مذهب من حمل قوله سبحانه: بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ على الاستعارة لا على الحقيقة. فإذا حملت الآية على حقيقة الأيدي التي هي الجوارح كان المراد بها مختلفا فيه. فمن العلماء من قال: المراد بذلك أنهم كانوا يعضّون أناملهم تغيظا على الرسل ﵈، كما يفعل المغيظ المحنق، والواجم المفكّر. وقال بعضهم: المراد بذلك أن المشركين أومئوا إلى أفواه الأنبياء، بالتسكيت لهم، والقطع لكلامهم. وقال بعضهم: بل المراد بذلك ضرب من الهزء يفعله المجّان والسفهاء، إذا أرادوا الاستهزاء ببعض الناس، وقصدوا الوضع منه، والإزراء عليه. فيجعلون أصابعهم في أفواههم ويتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه وتجانسه، يستدل بها على قصد السخف، وتعمد الفحش. وهذا عندي بعيد من السداد، وغيره من الأقوال أولى منه بالاعتماد. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أن الكفار كانوا إذا بدأ عليهم الرسل بالكلام سدّوا بأيديهم أسماعهم دفعة، وأفواههم دفعة، إظهارا منهم لقلة الرغبة في سماع كلامهم وجواب مقالهم، ليدلّوهم- بهذا الفعل- على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال، ولا

стр. 1088

يجيبونهم عن سؤال، إذا قد أبهموا طريقي السماع والجواب، وهما الآذان والأفواه. وشاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح ﵇، يعني قومه: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) [نوح] فيكون معنى رد أيديهم في أفواههم على القول الذي قلنا، أن يمسكوا أفواههم بأكفهم، كما يفعل المظهر الامتناع عن الكلام. ويكون إنما ذكر تعالى ردّ الأيدي هاهنا- وهو يفيد فعل الشيء ثانيا بعد أن فعل أوّلا- لأنهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل ﵈. فوصفوا في هذه الآية بما قد سبق لهم مثله، وألف منهم فعله، فحسن ذكر الأيدي بالرد على الوجه الذي أومأنا إليه. وأيضا فقد يقول القائل لغيره: أردد إليك يدك. بمعنى اقبضها وكفّها. لا يريد غير ذلك. وقوله سبحانه: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) . وهذه استعارة. لأن المقام لا يضاف إلّا الى من يجوز عليه القيام. وذلك مستحيل على الله سبحانه، فإذن المراد به يوم القيامة، لأن الناس يقومون فيه للحساب، وعرض الأعمال على الثواب والعقاب، فقال سبحانه في صفة ذلك اليوم: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) [المطفّفين] . وإنما أضاف تعالى هذا المقام إلى نفسه في هذا الموضع، وفي قوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [الرحمن] لأن الحكم في ذلك اليوم له خالصا، لا يشاركه فيه حكم حاكم، ولا يحادّه أمر آمر. وقد يجوز أن يكون المقام هاهنا معنى آخر، وهو أن العرب تسمي المجامع التي تجتمع فيها لتدارس مفاخرها، وتذاكر مآثرها «مقامات» و «مقاوم» . فيجوز أن يكون المراد بالمقام هاهنا الموضع الذي يقصّ فيه سبحانه على بريّته محاسن أعمالهم، ومقابح أفعالهم، لاستحقاق ثوابه وعقابه، واستيجاب رحمته وعذابه. وقد يقولون: هذا مقام فلان ومقامته، على هذا الوجه، وإن لم يكن الإنسان المذكور في ذلك المكان قائما، بل كان قاعدا أو مضطجعا. ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى في قصة سليمان ﵇: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ

стр. 1089

مِنْ مَقامِكَ [النمل/ ٣٩] أي من مجلسك. سمّاه مقاما- مع ذكره أنّ سليمان ﵇ كان جالسا فيه- لأنه قال: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ. وإنما سمّاه مقاما، لأن القاعد إذا قام بعد قعوده ففيه يكون قيامه. وهذا من غرائب القرآن الكريم. وقوله سبحانه: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) فهذه استعارة. لأن المراد بذلك لو كان الموت الحقيقي ولم يكن «١» سبحانه ليقول: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، وإنما المعنى أن غواشي الكروب، وحوازب الأمور تطرقه من كل مطرق، وتطلع عليه من كل مطلع. وقد يوصف المغموم بالكرب، والمضغوط بالخطب بأنه في غمرات الموت، مبالغة في عظيم ما يغشاه، وأليم ما يلقاه. وقوله سبحانه: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [الآية ١٨] في هذه الآية استعارتان إحداهما قوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ «٢» . ... .... وقوله سبحانه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [الآية ٣٧] . وهذه من محاسن الاستعارة. وحقيقة الهويّ النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط. والمراد به هاهنا المبالغة في صفة الأفئدة بالنّزوع إلى المقيمين بذلك المكان. ولو قال سبحانه: تحنّ إليهم، لم يكن فيه من الفائدة ما في قوله سبحانه: تهوي إليهم، لأن الحنين قد يوصف به من هو مقيم في مكانه، والهوي يفيد انزعاج الهاوي من مستقرّه. وقوله تعالى: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وهذه استعارة. والمراد بها صفة قلوبهم بالخلوّ من عزائم الصبر والجلد، لعظيم الإشفاق والوجل. ومن عادة العرب أن يسمّوا الجبان يراعة جوفاء، أي ليس بين جوانحه قلب. وعلى ذلك قول جرير، يهجو قوما ويصفهم بالجبن:

стр. 1090

قل لخفيف القصبات الجوفان ... جيئوا بمثل عامر والعلهان «١» وإنما وصف الجبان بأنه لا قلب له، لأن القلب محل الشجاعة، وإذا نفي المحل فأولى أن ينتفي الحالّ فيه. وهذا على المبالغة في صفته بالجبن. ويسمون الشيء إذا كان خاليا «هواء» ، أي ليس فيه ما يشغله إلا الهواء. وعلى هذا قول الله سبحانه: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [القصص/ ١٠] أي خاليا من التجلّد، وعاطلا من التصبّر. وقيل أيضا: إن معنى ذلك أنّ أفئدتهم منحرفة لا تعي شيئا، للرعب الذي دخلها، والهول الذي استولى عليها. فهي كالهواء الرقيق في الانحراف، وبطلان الضبط والامتساك. وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) . وهذه استعارة على إحدى القراءتين. وهما: لتزول. بكسر اللام الأولى وفتح اللام الأخرى، ولتزول، بفتح اللام الأولى وضم الأخرى. وقرأنا بهذه القراءة للكسائي «٢» وحده، وقرأنا لبقية السبعة القراءة الأولى. فمعنى القراءة الأولى أن يكون موضع «إن» فيها موضع نعم، لأنها قد ترد بهذا المعنى مثقلة: كقوله: [إنّ وراكبها] «٣» . ويجوز أن ترد مخففة. لأنّ «إن» على أصلها قد تأتي مخففة ومثقلة. ويكون المعنى واحدا. وكذلك «أن» المفتوحة. قال الشاعر «٤» : أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص وأراد «أنّ كلانا» فخفف. فإذا تقرر ذلك صار تقدير الكلام في الآية:

стр. 1091

ونعم كان مكرهم لتزول منه الجبال. وقد وردت هذه اللام في موضع ليس، لأن الخفيفة فيه تحمل «١» . قال الفرّاء «٢» : سمعت العرب تقول: الكراء حينئذ لرخيص. ولم يقل: إنّ الكراء لرخيص. فيكون المراد: إنّ الجبال تزول من مكرهم استعظاما واستفظاعا، لو كانت ممّا يعقل الحال، ويقدر على الزوال. وهذه اللام هاهنا تومئ إلى معنى «تكاد» «٣» ...

стр. 1092

سورة الحجر ١٥

стр. 1093

المبحث الأول أهداف سورة «الحجر» «١» سورة الحجر سورة مكّيّة. ومحور هذه السورة الأول هو إبراز المصير المخيف الذي ينتظر الكافرين المكذّبين. وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل، سواء في ذلك القصة، ومشاهد الكون ومشاهد القيامة، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص، وتتخلله، وتعقّب عليه. وإذا كان جوّ سورة الرعد يذكر بجوّ سورة الأنعام، فإن جوّ هذه السورة، سورة الحجر، يذكّر بجوّ سورة الأعراف. لقد كان ابتداء سورة الأعراف بالإنذار ثم ورد فيها قصة آدم وإبليس، ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون في السماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، والرياح والسحاب، ويلي ذلك قصص قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى. وهنا، في سورة الحجر، يجيء الإنذار كذلك في مطلعها، ولكن ملفّعا بظلّ من التهويل: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) . ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون: السماء وما فيها من بروج، والأرض الممدودة، والرواسي

стр. 1094

الراسخة، والنبت الموزون والرياح اللواقح، والماء والسّقيا، والحياة والموت والحشر للجميع. يلي ذلك قصة آدم وإبليس، منتهية بمصير أتباعه ومصير المؤمنين. ومن ثمّ لمحات من قصص ابراهيم ولوط وشعيب وصالح ﵈، منظور فيها، إلى مصائر المكذّبين. ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى عدة جولات، أو عدة مقاطع يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا: تتضمن الجولة الأولى بيان سنّة الله تعالى التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب، مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفّع بالتهويل: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) . ومنهية بأن المكذّبين إنما يكذّبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان، وأنهم جميعا من طراز واحد: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) . وتعرض الجولة الثانية بعض آيات الله في الكون، في السماء وفي الأرض وما بينهما وقد قدرت بحكمة، وأنزلت بقدر، وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم، حيث يقول سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) . وتعرض الجولة الثالثة قصة البشرية، وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصلية، ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين، وذلك في خلق آدم (ع) من صلصال من حمأ مسنون، والنفخ من روح الله في هذا الطين. ثم غرور إبليس واستكباره وتولّيه الغاوين دون المخلصين. والجولة الرابعة في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح، مبدوءة بقول الله سبحانه: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) . ثم يتتابع القصص يجلو رحمة الله مع ابراهيم ولوط، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح. أما الجولة الخامسة والأخيرة، فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض الملتبس بالساعة

стр. 1095

وما بعدها من ثواب وعقاب، المتّصل بدعوة الرسول (ص) فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله، والشامل للبدء والمصير. الآيات الكونية في سورة الحجر عرضت سورة الحجر لألوان المكابرة والعناد التي يلجأ إليها الكافرون ثم انتقلت إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء فمشهد الأرض، فمشهد الرياح اللواقح بالماء، فمشهد الحياة والموت، فمشهد البعث والحشر. كل أولئك، آيات يكابر فيها المعاندون. قال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) . إنه الخط الأول في اللوحة العريضة، لوحة الكون العجيب الذي ينطق بآثار اليد المبدعة، ويشهد بالإعجاز، ويكشف عن دقة التنظيم والتقدير كما يكشف عن عظمة القدرة على هذا الخلق الكبير. والبروج قد تكون النجوم والكواكب بضخامتها، وقد تكون منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها بمدارها. وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة وشاهدة بالدقة، وشاهدة بالإبداع الجميل. قال تعالى: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) . وهي لفتة إلى جمال الكون، وبخاصة أن تلك السماء تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون، فليست الضخامة وحدها وليست الدقة وحدها، إنما هو الجمال الذي ينظم المظاهر جميعا، وينشأ من تناسقها جميعا. وإنّ نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة، وقد انتثرت فيها الكواكب، والنجوم توصوص بنورها ثم تبدو كأنّما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبّي دعوة من نجم بعيد، ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهموم كأنما يمسك أنفاسه حتى لا يوقظ الحالم السعيد. إن نظرة واحدة شاعرة، لكفيلة بإدراك الحقيقة في الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه، ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) .

стр. 1096

والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة، هو خط الأرض الممدودة أمام النظر، المبسوطة للخطو والسير، وما فيها من رواس وما فيها من نبت وأرزاق للناس، ولغيرهم من الأحياء. قال تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) . إن ظل الضخامة واضح في السياق، فالإشارة في الأرض إلى الرواسي، ويتجسّم ثقلها في التعبير بقوله سبحانه: وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ. وإلى النبات موصوفا بأنه (موزون) وهي كلمة ذات ثقل، وإن كان معناها أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير. والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس، فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو، وهذه الرواسي الملقاة على الأرض تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون، ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض، وهي الأرزاق المؤهّلة للعيش والحياة فيها، وهي كثيرة شتّى. وهذه الأرزاق، ككل شيء، مقدرة في علم الله تابعة لأمره ومشيئته، يصرّفها حيث يشاء وكما يريد، في الوقت الذي يريد، وفق سنّته التي ارتضاها وأجراها في الناس والأرزاق، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) . فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا، ولكن خزائن كلّ شيء مصادره وموارده عند الله سبحانه، في علاه، ينزله على الخلق في عوالمهم: بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) . فليس من شيء ينزل جزافا، وليس من شيء يتمّ اعتباطا، بل كلّ شيء يتم بحكمة العليم الخبير، وتقدير السميع البصير إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر] . قصة آدم في سور البقرة والأعراف والحجر ذكرت قصة آدم في القرآن مرتين من قبل، في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف، ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص في معرض خاص وفي جو خاص ومن ثم

стр. 1097

اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء. في سورة البقرة كانت نقطة التركيز استخلاف آدم (ع) في الأرض التي خلقها الله سبحانه للناس جميعا: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة/ ٣٠] . ومن ثم عرض الأسرار في هذا الاستخلاف، وبين قدرة الإنسان على الاستنباط والاستنتاج وتمتّعه بالإرادة والاختيار، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره، وسكنى آدم وزوجه الجنة وإذلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها، ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها بعد تزويده بهذه التجربة القاسية، واستغفاره وتوبة الله عليه. وفي سورة «الأعراف» ، كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها، وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها، حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولى، ففريق منهم يعود إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه، وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتّبع خطوات الشيطان العدوّ اللدود ... ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة، وإباء إبليس واستكباره، ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كلّه إلا شجرة واحدة، وهي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهما إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى. فأما هنا في سورة الحجر، فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصلية في كيان الإنسان. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم، وخلق الشيطان من قبل من نار السموم، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون، وطرد إبليس ولعنته وطلبه الانتظار إلى يوم البعث وإجابته، وفي هذه السورة، إشارة إلى أن إبليس الملعون قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله

стр. 1098

المخلصين، إنما سلطانه على من يدينون له، ولا يدينون لله وانتهى السياق بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل تبعا لنقطة التركيز فيه، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان. خلق الإنسان تفيد الآيات الواردة في سورة الحجر أن الإنسان قد خلق: مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) . والصلصال: هو الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت إذا نقر. والحمأ: هو الطين الذي تغيّر واسودّ من طول مجاورة الماء. المسنون: هو المصوّر أو المصبوب لييبس من سنّه إذا صبه، أي أن الإنسان مخلوق من طين يابس قد اختلط بالماء وصوّر على هيئة الإنسان ثم نفخ الله فيه من روحه فصار بشرا سويا. وتفيد آيات القرآن الأخرى، أن الله سبحانه خلق آدم (ع) من تراب ومن طين، ومن حمأ مسنون، ومن طين لازب، ومن صلصال كالفخّار، ومن عجل، ومن ماء مهين. قال مقاتل بن سليمان في تفسيره الكبير: «ويجمع بين هذه الآيات على أنها دليل على تدرّج الخلقة، فقد بدأ خلق آدم من أديم الأرض وهو التراب، ثم تحوّل التراب إلى طين، وتحوّل الطين إلى سلالة، ثم تغيّرت رائحة الطين فتحوّل إلى حمأ مسنون، ثم لصق فتحول الى طين لازب، ثم صار له صوت كصوت الفخّار، ثم نفخ فيه الروح فأراد أن ينهض قبل أن تتم الروح فيه فذلك قوله خلق الإنسان من عجل، ثم جعل ذريته من النطفة التي تنسل من الإنسان ومن الماء المهين وهو الضعيف» . الربع الأخير من سورة الحجر يتضمّن الربع الأخير من سورة الحجر نماذج من رحمة الله وعذابه ممثّلة في قصص إبراهيم (ع) وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط (ع) ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم. هذا القصص يساق بعد مقدمة، هي:

стр. 1099

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) . فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب، كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) . فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حلّ بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل. الحجر سميت هذه السورة الحجر، إشارة إلى أصحاب الحجر وهم قوم صالح (ع) . والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم، فقد نحتوها في الصخر، في ذلك الزمان البعيد، ممّا يدلّ على القوّة والحضارة: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) . وهم لم يكذّبوا سوى رسولهم صالح. ولكن صالحا ليس إلّا ممثّلا للرسل أجمعين، فلمّا كذّبه قومه قيل: إنّهم كذّبوا المرسلين، توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذّبين في كل أعصار التاريخ وفي كل جوانب الأرض، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام: وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) . وآية صالح (ع) كانت الناقة. ولكن الآيات في هذا الكون كثيرة، والآيات في هذه الأنفس كثيرة. وكلها معروضة للأنظار والأفكار. وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم الله. وقد أعرضوا عن آيات الله كلها. ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) . لقد اتّخذ قوم صالح بيوتا حصينة أمينة في صلب الجبال فأخذتهم الصيحة في وقت الصباح، وهم في ديارهم الحصينة آمنون، فإذا كل شيء

стр. 1100

ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين واهن، ولم يبق لهم ممّا جمعوا وكسبوا، وممّا بنوا ونحتوا شيء يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف. وهكذا تنتهي الحلقات الخاطفة من القصص في سورة الحجر محققة سنة الله تعالى في أخذ المكذّبين عند انقضاء الأجل المعلوم، فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط السابقة في تحقيق سنة الله سبحانه التي لا تتخلّف ولا تحيد. وفي ختام السورة ذكر للسنن العامة التي لا تتخلف والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنّة منها تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله وعلى الحقّ الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق. ومن ثمّ يعقب السياق في ختام السورة، ببيان هذا الحق الأكبر الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما، وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها، وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول (ص) وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها، ويبين أن الله ﷻ هو الخلاق لهذا الوجود ولكل ما فيه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) .

стр. 1101

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحجر» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الحجر بعد سورة يوسف، ونزلت سورة يوسف بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الحجر في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لذكر قصة أصحاب الحجر فيها، وهم ثمود قوم صالح (ع) . وتبلغ آياتها تسعا وتسعين آية. الغرض منها وترتيبها يقصد من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن مثل السور السابقة، ولكنه يأخذهم فيها بالترهيب والتحذير ممّا حصل للمكذّبين قبلهم، وقد افتتحت بهذه الدعوى ومجادلتهم فيها، ثم انتقل السياق من هذا إلى ترهيبهم بذكر أخبار المكذّبين قبلهم. ثم ختمت بما يناسب هذا الغرض المقصود منها. إثبات تنزيل القرآن الآيات [١- ٢٧] قال الله تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) فأقسم بهذه الحروف، على أن ما أنزله من آيات الكتاب والقرآن المبين، وحذرهم من تكذيبه بأنهم سيندمون عليه، ويودون لو كانوا مسلمين. ثم أمر النبي (ص) أن يدعهم في لهوهم حتى يأتي وقت عذابهم، وأخبره بأنه لم يهلك قرية من

стр. 1102

القرى إلا في أجل معلوم، لا تتقدّم عنه ولا تتأخّر. ثم ذكر استهزاءهم بالقرآن وأنهم قالوا عن النبي (ص) إنه لمجنون، لأنه يدّعي أنه آية على نبوته. ثم طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة إن كان من الصادقين. وقد ردّ عليهم النبي (ص) بأن الله لا ينزل الملائكة إلا بالعذاب، فإذا نزلوا به لا يمهلونهم، وبأنه سبحانه هو الذي نزّل القرآن وتولى حفظه مما حصل في الكتب المنزلة قبله، ثم ذكر تعالى للنبي (ص) أنه قد استهزئ بالرسل من قبله كما استهزئ به، ليصبر على استهزائهم به وطعنهم فيه، وأنه كذلك يسلك القرآن في قلوب المجرمين ليعاقبهم عليه كما عاقب المكذّبين الأولين، ثم رد عليهم بأنه لو فتح عليهم بابا من السماء فظلوا يعرجون فيه، لزعموا أن هذا سحر ولم يؤمنوا به. ثم انتقل السياق من هذا إلى إثبات قدرته ﷻ على ما يقترحون من الآيات، فذكر أنه سبحانه هو الذي جعل في السماء بروجا وزيّنها للناظرين إلخ، وأنه مدّ الأرض وألقى فيها رواسي وأنبت فيها من كلّ شيء موزون إلخ، وأنه أرسل الرياح لواقح فأنزل من السماء ماء فأسقاهموه وما هم له بخازنين إلخ، وأنه يحيي ويميت، وهو الوارث الباقي، وأنه يعلم المستقدمين منهم والمستأخرين: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) . ترهيب المشركين بأخبار المكذّبين قبلهم الآيات [٢٨- ٨٤] ثم قال تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) ، فذكر قصة آدم (ع) حين خلقه وأمر الملائكة بالسجود له، وأنّ إبليس كذّب وعصى فعوقب بما عوقب به من الطرد واللعن وقد سبقت هذه القصة في سورتي البقرة والأعراف ولكنها، هنا، تخالف ما سبق في سياقها وأسلوبها، وما فيها من زيادة ونقص. ثم ذكر قصة إبراهيم ولوط ﵉، وقد سبقت قصتهما في سورة هود وغيرها، والفرق بينها في هذه المواضع كالفرق السابق في قصة آدم (ع) . ثم ذكر قصة أصحاب الأيكة وهم

стр. 1103

قوم شعيب (ع) ، وقد سبقت قصتهم في سورة هود وغيرها، والفرق بينها في هذه المواضع كالفرق السابق في قصة آدم. ثم ذكر قصة أصحاب الحجر وهم قوم صالح (ع) ، وقد سبقت قصتهم في سورة هود وغيرها، والفرق بينها في هذه المواضع كالفرق السابق في قصة آدم وقد ذكر في آخرها، أنه أهلكهم بالصيحة مصبحين: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) . الخاتمة الآيات [٨٥- ٩٩] ثم قال تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) فذكر أنه لا بد من أن يعاقب أولئك المشركين كما عاقب أولئك الأولين، لأنه لم يخلق ما خلقه عبثا، ثم أمر النبي (ص) أن يصفح عن استهزائهم، وأخبره بأنه سبحانه هو الخلاق العليم ليفوّض أمره إليه، ثم نوّه بشأن القرآن الذي يكذّبون به، فذكر أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم، ونهاه أن يمدّ عينيه إلى أموالهم أو يحزن عليهم، وأمره أن يخفض جناحه لمن آمن به، وأن يخبرهم بأنه هو النذير المبين، كما أنزل من الإنذار على المقتسمين، وهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عنه، وجعلوا القرآن عضين بعضه سحر، وبعضه شعر، وبعضه أساطير الأولين، ثم أقسم أنه سيسألهم أجمعين عما كانوا يعملون، وأمره أن يجهر بما أمر أن يبلّغه لهم، وأن يعرض عنهم فلا يقابل استهزاءهم بمثله، ووعده أن يكفيه المستهزئين منهم ثم ذكر له أنه يعلم أن صدره يضيق بما يقولون في حقه، وأمره بما يشرح صدره ويصبره على أذاهم، فقال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) .

стр. 1104

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحجر» «١» أقول: تقدّمت الأوجه في اقترانها بالسورة السابقة. وإنما أخرت عنها لقصرها بالنسبة إليها، وهذا القسم من سور القرآن للمئين، فناسب تقديم الأطول، مع مناسبة ما ختمت به لبراعة الختام، وهو قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) . فإنه مفسر بالموت «٢» . وقد وقع ذلك في أواخر السور المقترنة. ففي آخر آل عمران: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) وفي آخر الطواسين: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) [القصص] وفي آخر ذوات (الر) : وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) [السجدة] . وفي آخر الحواميم: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف/ ٣٥] . ثم ظهر لي وجه اتصال أول هذه السورة بآخر سورة إبراهيم، فإنه تعالى لما قال هناك في وصف يوم القيامة: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) . قال هنا: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين

стр. 1105

الموحّدين قد أخرجوا منها، تمنّوا أن لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به «١» ، وذلك من تشابه الأطراف.

стр. 1106

المبحث الرابع مكنونات سورة «الحجر» «١» ١- لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ [الآية ٤٤] . قال عبد الرزاق «٢» : أخبرنا معمر «٣» ، عن الأعمش «٤» : أسماء أبواب جهنّم: الحطمة، والهاوية ولظى، وسقر، والجحيم، والسّعير، وجهنّم. وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس، وزاد في الهاوية: وهي أسفلها. ٢- لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) . قال الضّحّاك: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا- وهم كفّار العرب- وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣- وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ [الآية ٦٧] . هي سدوم «٥» .

стр. 1107

٤- سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الآية ٨٧] . قال الرسول (ص) : هي الفاتحة، أخرجه البخاري «١» وغيره. وقال ابن عباس: السبع الطّول «٢» . أخرجه الفريابي. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف ويونس. وقال سفيان، بعد الأعراف: وبراءة، والأنفال سورة واحدة، أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ٥- الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) . قال ابن عباس: اليهود والنصارى، أخرجه ابن أبي حاتم. ٦- الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) . قال سعيد بن جبير: هم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل السّهمي، وأبو زمعة، والحارث بن الطّلاطلة «٣» ، والأسود بن عبد يغوث. أخرجه ابن أبي حاتم «٤» وأخرج عن عكرمة مثله، وسمّى الحارث بن قيس السّهمي.

стр. 1108

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحجر» «١» ١- قال تعالى: ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) . أقول: عوملت «الأمة» في الآية على وجهين، الأول أنها مؤنث، بدلالة التاء في الفعل الذي يسبقها، والثاني جمع مذكّر، بدلالة الفعل بعدها «يستأخرون» . وهذا من باب مراعاة اللفظ أولا، ومراعاة المعنى ثانيا. ومثل هذا له نظائر في لغة القرآن. ٢- وقال تعالى: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) . «لو» ركّبت مع «لا» و «ما» لمعنيين: معنى امتناع الشيء لوجود غيره، ومعنى التحضيض، وأمّا «هل» فلم تركب إلّا مع «لا» وحدها للتحضيض، قال ابن مقبل: لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري والمعنى: هلّا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، ويعضدونك على إنذارك، كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) [الفرقان] . أقول: «لولا» و «لو ما» من أدوات التحضيض من مواد العربية القديمة، التي لا نشعر بوجودها في اللغة المعاصرة، ولا سيما «لو ما» . ٣- وقال تعالى: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) .

стр. 1109

وقوله تعالى: نَسْلُكُهُ من سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته إذا أدخلته فيها، ونظمته. وقرئ: نسلكه، للذكر، أي: مثل ذلك السلك، ونحو: نسلك الذكر في «قلوب المجرمين» على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذّبا مستهزئا به غير مقبول. أقول: على أننا نعرف السلك في عصرنا لضرب من الخيط المعدني، إلا أننا لا نعرف الفعل «سلك» المتعدّي بمعنى أدخل السلك «الخيط» في الإبرة، فالسلك في عصرنا غير السلك أي الخيط. فأما الفعل «سلك» في عصرنا فهو متعد وقاصر، فتقول من الأوّل سلكت السبيل المستقيم، ومن الثاني سلك الرجل سلوكا مقبولا. ٤- وقال تعالى: لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [الآية ١٥] . وقوله تعالى: سُكِّرَتْ أي: حيّرت أو حبست من الإبصار، من السّكر أو السّكر. وقرئ بالتخفيف «سكرت» بالتخفيف، أي حبست كما يحبس النهر من الجري، وقرئ: «سكرت» من السّكر، أي حارت كما يحار السكران. والذي قرأ بالتخفيف هو الحسن وفسرها: سحرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: معناها غطّيت وغشّيت، وقيل: معناها سدّت بالسحر. وقال أبو عمرو بن العلاء: سكّرت أبصارنا، مأخوذ من سكر الشراب، كأنّ العين لحقها ما يلحق شارب المسكر إذا سكر. وقال أبو عبيدة: سكّرت أبصار القوم إذا دير بهم وغشيهم كالسمادير فلم يبصروا، وقال الفرّاء: معناه حبست ومنعت من النظر. أقول: وقولهم: حبست من الإبصار من السّكر كما يحبس النهر من الجري، هو المعنى الكثير في هذه المادة، وما زال يقام لحبس مجرى صغير أو كبير يدعى «سكرا» في لهجة الفلاحين في جنوبي العراق. وقوله طائفة من العرب في عصرنا بلهجتهم الدارجة «سكّر الباب» أي سدّه وأغلقه.

стр. 1110

وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) . قالوا: «مسنون» بمعنى متغيّر. وقال الزمخشري: بمعنى مصوّر، كأنه أفرغ الحمأ، فصوّر منه تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر، صلصل. أقول: إن قول من قال: إن «المسنون» المتغيّر، كأنه أدرك أن «المسنون» جاءت عليه «السنون» فغيرته! ٦- وقال تعالى: قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) . الإنظار بمعنى الإمهال، وهذا يعني أن زيادة الهمزة أفادت خصوصية دلالية ليست في الأصل «نظر» . وجوابه على سؤال إبليس: قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) [الأعراف/ ١٥] . ٧- وقال تعالى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) . أريد أن أشير إلى أن كلمة «ضيف» من الأسماء التي تكون مفردا وجمعا، وهي في كلام الله قد وردت جمعا في آيات عدة. على أن من المفيد أن نشير إلى أن «الضيف» في العربية المعاصرة، يدل على الإفراد، وجمعه ضيوف وأضياف. ٨- وقال تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) . أريد ب «الغابرين» الباقين في المدينة، أي قضى أن يهلكها كما يهلك الآخرين من أهل المدينة. أقول والفعل غبر قد مرّ بنا، وأشرنا إليه بما فيه الكفاية، ولكننا عدنا ثانية لنشير إلى هذا المعنى وهو البقاء والمكوث. ٩- وقال تعالى: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) . أصحاب الأيكة هم قوم شعيب (ع) ، «وإنهما» يعني قوم لوط (ع) والأيكة. وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيبا كان مبعوثا إليهما، فلما ذكر الأيكة دلّ بذكرها على مدين فجاء بضميرهما. وقوله تعالى: لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)

стр. 1111

أي: لطريق واضح. والإمام اسم لما يؤتم به فسمي به الطريق، ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه، لأنه ممّا يؤتمّ به. أقول: دلالة الإمام معروفة، وهو الرجل الذي يؤتمّ به في الصلاة، أو من يتّخذ قائدا، ومرشدا، ودليلا، فصاحب المذهب، الذي يتمذهب به جماعة، إمام لهم، والخليفة إمام، والرئيس إمام. وكذلك يقال: المصحف الإمام، وهو المصحف الذي انتهى إليه عثمان بن عفان، ونسخت به كل المصاحف الأخرى. و «الكتاب» الإمام وصفا ونعتا على المدح ل «كتاب» سيبويه. ١٠- وقال تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) . أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له. والخطاب إلى الرسول (ص) أي: أنه قد أوتي النعمة العظمى، وهي القرآن العظيم فلا تمدّنّ عينيك إلى متاع الدنيا. أقول: ومدّ العين لمعنى طموح البصر من المجاز البديع، الذي قلّما يرد في نثر المعربين في عصرنا، ولعله موجود في مجازات اللهجة العامية في العراق. وأمر اللغة عجيب فقد تلقى من فرائدها ولآلئها ما هو في نثر العامة ولا تلقاه في الفصيح. وقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) استعارة جميلة، يراد بها أن يتواضع الرسول لمن معه من الفقراء المؤمنين وضعفائهم، وأن يطيب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء. ١١- وقال تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) . المقتسمون: هم أهل الكتاب الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) ، فقد كانوا يقتسمون القرآن استهزاء فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد ب «القرآن» ما يقرءونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم. وقوله تعالى: عِضِينَ أي: أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة «فعلة» من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء، قال رؤبة:

стр. 1112

وليس دين الله بالمعضيّ وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهتّه. أقول: وقد وردت «عضة» في كتب النحو في باب ما يجمع جمع مذكر سالما، وليس منه، وذلك جملة أسماء بعضها مؤنث وبعضها غير عاقل، وهي: مائة، وسنة، وفئة، وقلة، وكرة، ورئة، وابن، ووابل، وأرض، وعالم، وذو، وغير هذا. وهي في حقيقة الأمر جموع بالواو والنون، ولعلّها تدلّ على أن هذا الجمع كان عامّا قبل أن يتقيّد بالعلم المذكّر العاقل الخالي من التاء والتركيب، وصفة العلم المذكر العاقل الخالية من التاء، ولا من باب فعلان فعلى ... وعلى هذا، فما نجده في اللغة مما ليس فيه الشروط المطلوبة، فهو من البقايا اللغوية القديمة.

стр. 1113

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحجر» «١» في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا تدخل مع «ربّ» «٢» «ما» ليتكلّم بالفعل بعدها. وإن شئت جعلت (ما) بمنزلة «شيء» فكأنّك قلت: «وربّ شيء يودّ» أي «ربّ ودّ يودّه الذين كفروا» «٣» وفي قوله سبحانه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ [الآية ١٨] استثناء خارج كما قال «ما أشتكي إلا خيرا» يريد «أذكر خيرا» . وقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الآية ٢٢] . كأن الرياح لقحت لأن فيها خيرا، فقد لقحت بخير أي اتّصفت بالفاعليّة. وقال بعضهم «الرّياح تلقح السّحاب» فقد يدل على ذلك المعنى، لأنها إذا أنشأته وفيها خير، وصل ذلك إليه. وقوله تعالى: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي [الآية ٣٩] أي: «بإغوائك إيّاي» لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ [الآية ٣٩] على القسم كما تقول: «بالله لأفعلنّ» . وقوله تعالى: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) لأنه من «جزّأته» و «منهم» يعني: من الناس. وقوله تعالى: قالُوا لا تَوْجَلْ [الآية

стр. 1114

٥٣] من «وجل» «يوجل» وما كان على «فعل» ف «هو يفعل» تظهر فيه الواو ولا تذهب كما تذهب من «يزن» لأنّ «وزن» «فعل» وأمّا بنو تميم فيقولون: «تيجل» «١» لأنّهم يقولون في فعل «تفعل» فيكسرون التاء في «تفعل» والألف من «أفعل» والنون من «تفعل» ولا يكسرون الياء لأنّ الكسر من الياء، فاستثقلوا اجتماع ذلك. وقد كسروا الياء في باب «وجل» لأنّ الواو قد تحوّلت الى الياء مع التاء والنون والألف. فلو فتحوها استنكروا الواو، ولو فتحوا الياء لجاءت الواو، فكسروا الياء فقالوا «ييجل» ليكون الذي بعدها ياء إذ كانت الياء أخف مع الياء من الواو مع الياء، لأنه يفرّ الى الياء من الواو ولا يفرّ الى الواو من الياء. قال بعضهم (ييجل) فقلبها ياء وترك التي قبلها مفتوحة كراهة اجتماع الكسرة والياءين. وفي قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ [الآية ٦٦] «أنّ دابر» بدل من «الأمر» . وقوله سبحانه: قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ [الآية ٥٦] من «قنط يقنط» «٢» مثل «علم يعلم» وقال بعضهم «يقنط» مثل «يقتل» «٣» ، وقال بعضهم «يقنط» .. مثل «ينزل» «٤» . وقوله تعالى: إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ استثناء من المجرمين أي لا يدخلون في الاجرام. وفي قوله سبحانه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي [الآية ٧٢] يعني ب لَعَمْرُكَ- والله أعلم

стр. 1115

- و «وعيشك» يريد به العمر «٥» و «العمر» و «العمر» لغتان. وقوله تعالى: عِضِينَ (٩١) وهو من «الأعضاء» وواحده «العضة» مثل «العزين» واحده «العزة» . وقوله سبحانه: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) أي: عليّ دلالته. نحو قول العرب «عليّ الطريق الليلة» أي: علي دلالته.

стр. 1116

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجر» «١» إن قيل: لم قالوا كما ورد في التنزيل: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) . اعترفوا بنبوّته، إذ الذكر هو القرآن الذي نزل عليه، ثم وصفوه بالجنون؟ قلنا: إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية لا تصديقا واعترافا، كما روى القرآن الكريم أيضا، حكاية على لسان فرعون لقومه: قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) [الشعراء] ، وكما روى القرآن الكريم حكاية على لسان قوم شعيب (ع) : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) [هود] ونظائره كثيرة. الثاني: أن فيه إضمارا تقديره: يا أيها الذي تدّعي أنك نزل عليك الذكر. فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) والوارث هو الذي يتجدّد له الملك بعد فناء المورث، والله تعالى إذا مات الخلائق لم يتجدد له ملك، لأنه لم يزل مالكا للعالم بجميع ما فيه ومن فيه؟ قلنا: الوارث في اللغة عبارة عن الباقي بعد فناء غيره، سواء أتجدد له من بعده ملك أو لا، ولهذا يصحّ أن يقال لمن أخبر أن زيدا مات وترك ورثة: هل ترك لهم مالا أو لا؟ فيكون معنى الآية: ونحن الباقون بعد فناء الخلائق. الثاني أن الخلائق لمّا كانوا يعتقدون أنهم مالكون يسمون بذلك أيضا، إما مجازا أو خلافة عن الله تعالى، كالعبد المأذون المكاتب،

стр. 1117

ويدل عليه قوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [آل عمران/ ٢٦] فإذا مات الخلائق كلّهم سلمت الأملاك كلّها لله تعالى عن ذلك القدر من التعلّق، فبهذا الاعتبار كانت الوراثة، ونظير هذا قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر/ ١٦] والملك له سبحانه أزلا وأبدا. فإن قيل: قوله تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) دلّ على الشمول والاحاطة وأفاد التوكيد، فما الحكمة في قوله سبحانه: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) . قلنا: قال سيبويه والخليل: هو توكيد بعد توكيد، فيفيد زيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، ولا يكون تحصيل الحاصل بل تكون نسبة «أجمعون» كنسبة «كلّهم» إلى أصل الجملة. وقال المبرد: قوله تعالى: أَجْمَعُونَ يدل على اجتماعهم في زمان السجود، وكلهم يدل على حصول السجود من الكلّ، فكأنه قال: فسجد الملائكة كلّهم معا في زمان واحد. واختار ابن الأنباري هذا القول، واختار الزجّاج وأكثر الأئمة قول سيبويه، وقالوا: لو كان الأمر كما زعم المبرّد لكان «أجمعون» حالا لوجود حدّ الحال فيه وليس بحال لأنه مرفوع، ولأنه معرفة، كسائر ألفاظ التوكيد. فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله تعالى وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) بما قبله من قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي [الآية ٤٩] ؟ قلنا: لمّا أنزل الله نَبِّئْ عِبادِي ولم يعيّن أهل المغفرة وأهل العذاب، غلب الخوف على الصحابة ﵃، فأنزل الله تعالى بعد ذلك قصّة ضيف إبراهيم (ع) ليزول خوف الصحابة وتسكن قلوبهم فإنّ ضيف إبراهيم ﵇ جاءوا ببشارة للولي وهو ابراهيم، وبعقوبة للعدوّ، وهم قوم لوط (ع) وكذلك تنزل الآيتان المتقدّمتان على الولي والعدو لا على الولي وحده. ووجه الارتباط كذلك، أنّ العبد، وإن كان كثير الذنوب والخطايا، غير طامع في المغفرة، فانه لا يبعد أن يغفر الله تعالى له على يأسه، كما رزق إبراهيم الولد على يأسه، بعد ما شاخ وبلغ مائة سنة أو قريبا منها. فإن قيل: لم قال تعالى على لسان

стр. 1118

الملائكة قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) أي قضينا والقضاء لله تعالى لا لهم؟ قلنا: إسناد التقدير للملائكة مجاز، كما يقول خواصّ الملك: دبّرنا كذا وأمرنا بكذا ونهينا عن كذا، ويكون الفاعل لجميع ذلك هو الملك وليس هم، وإنما يظهرون بذلك مزيد قربهم واختصاصهم بالملك. فإن قيل لم قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) . وأصحاب الحجر قوم صالح، والحجر اسم واديهم أو مدينتهم على اختلاف القولين، وقوم صالح لم يرسل إليهم غير صالح فكيف يكذّبون المرسلين؟ قلنا: من كذّب رسولا واحدا فكأنما كذب الكل، لأن كل الرسل متفقون في دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى. فإن قيل: لم قال تعالى هنا فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) ، وقال في سورة الرحمن: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) ؟ قلنا الجواب عنه من وجهين: أحدهما قد ذكرناه في مثل هذا السؤال في سورة هود. والثاني أن المراد هنا، أنّهم يسألون سؤال توبيخ وهو سؤال: لم فعلتم؟ أو المراد: أنهم لا يسألون سؤال استعلام واستخبار وهو سؤال: هل فعلتم، أو يقال: إن في يوم القيامة مواقف، ففي بعضه يسألون، وفي بعضها لا يسألون، وتقدّم نظيره.

стр. 1119

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجر» «١» قوله سبحانه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) . وهذه استعارة. والمراد بها صفتهم بالتردّد في غيهم، والتسكّع في ضلالهم. فشبّه تعالى المتلدّد «٢» في غمرات الغيّ، بالمتردّد في غمرات السّكر. وقوله سبحانه: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وهذه استعارة. والمراد بها: ألن كنفك لهم، ودم على لطفك بهم. وجعل سبحانه خفض الجناح، هاهنا، في مقابلة قول العرب إذا وصفوا الرجل بالحدّة عند الغضب: قد طار طيره، وقد هفا حلمه وقد طاش وقاره فإذا قيل: قد خفض جناحه، فإنما المراد به وصف الإنسان بلين الكنف، والكظم عند الغضب. وذلك ضد وصفه بطيرة المغضب، ونزوة المتوثّب. وقوله سبحانه: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) وهذه استعارة على أحد التأويلين. وهو أن يكون المعنى أنهم جعلوا القرآن أقساما مجزّأة، كالأعضاء المعضّاة «٣» فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وقيل: جعلوه أقساما، بأن قالوا هو سحر وكهانة وكذب وإحالة. وأما التأويل الآخر في معنى

стр. 1120

«عضين» فيخرج به اللفظ عن أن يكون مستعارا، وذلك أن يكون معناها على ما قاله بعض المفسّرين معنى الكذب. قال: وهو جمع عضة، كما كان في القول الأول، إلا أن العضة هاهنا معناها الكذب والزور، وفي القول الأول معناها التجزئة والتقسيم. وقد ذكر ثقات أهل اللغة في العضة وجوها. فقالوا العضة النميمة، والعضة الكذب، وجمعه عضون. مثل عزة وعزون، والعضة السّحر، والعاضه الساحر. وقد يجوز أن يكون جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) جمع عضة، من السحر. أي جعلوه سحرا وكهانة، كما قال سبحانه حاكيا عنهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) [المدّثّر] وإِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) ( [الأنعام، هود/ ٧، سبأ/ ٤٣، الصافات/ ١٥] . وقوله سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) . وهذه استعارة. لأن الصّدع على الحقيقة إنّما يصح في الأجسام لا في الخطاب والكلام. والفرق، والصدع، والفصل، في كلامهم بمعنى واحد. ومن ذلك قولهم للمصيب في كلامه: قد طبّق المفصل. ويقولون: فلان يفصل الخطاب. أي يصيب حقائقه، ويوضح غوامضه. فكأن المعنى في قوله سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي أظهر القول وبيّنه في الفرق بين الحق والباطل. من قولهم صدع الرّداء، إذا شقّه شقّا بيّنا ظاهرا. ومن ذلك صدع الزجاجة. إذا استطار فيها الشق، واستبان فيها الكسر. وإنما قال سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ولم يقل: فبلّغ ما تؤمر، لأن الصدع هاهنا أعمّ ظهورا وأشدّ تأثيرا. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك- والله أعلم- أن بالغ في إظهار أمرك، والدعاء إلى ربك، حتى يكون الدين في وضح الصبح، لا يشكّك نهجه، ولا يظلم فجه. مأخوذا ذلك من «١» «الصّديع» لشأنه ووضوح إعلانه.

стр. 1121

الفهرس سورة يونس المبحث الأول أهداف سورة «يونس» ٣ أهدافها الإجمالية ٣ الدرس الأول: مظاهر قدرة الله ٤ الدرس الثاني: الأدلة على وجود الله ٥ الدرس الثالث: قصص الأنبياء ٧ قصة نوح ٧ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يونس» ١١ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١١ الغرض منها وترتيبها ١١ إبطال شبههم على القرآن ١١ تحديهم بالقرآن ١٤ دعوتهم إلى تصديق القرآن بالترغيب والترهيب ١٥

стр. 1122

الخاتمة ١٧ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يونس» ١٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «يونس» ٢١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يونس» ٢٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يونس» ٣٣ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يونس» ٤١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يونس» ٤٩ سورة هود المبحث الأول أهداف سورة «هود» ٥٥ تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة ٥٥ عناصر الدعوة الإلهية ٥٥ ١- العقيدة والإيمان بالله ٥٧ ٢- إعجاز القرآن ٥٨ ٣- القصص في سورة «هود» ٦٠ قصة نوح (ع) ٦١ قصة هود ٦٢

стр. 1123

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «هود» ٦٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٦٥ الغرض منها وترتيبها ٦٥ إثبات تنزيل القرآن ٦٥ تثبيت النبي بالقصص على تكذيبهم ٦٧ الخاتمة ٦٩ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «هود» ٧١ المبحث الرابع مكنونات سورة «هود» ٧٣ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود» ٧٧ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «هود» ٨٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود» ٩١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «هود» ١٠٥ سورة يوسف المبحث الأول أهداف سورة «يوسف» ١١٧ قصة يوسف ١١٩

стр. 1124

يوسف بين إخوته وأبيه ١٢٠ رؤيا يوسف ١٢١ يوسف وامرأة العزيز ١٢٢ يوسف عزيز مصر ١٢٤ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يوسف» ١٢٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٢٧ الغرض منها وترتيبها ١٢٧ المقدمة ١٢٧ قصة يوسف (ع) ١٢٨ الخاتمة ١٣٢ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يوسف» ١٣٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «يوسف» ١٣٧ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يوسف» ١٤٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يوسف» ١٦١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يوسف» ١٦٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يوسف» ١٧٧

стр. 1125

سورة الرعد المبحث الأول أهداف سورة «الرعد» ١٨٥ موضوع السورة ١٨٥ مشاهد الكون في سورة الرعد ١٨٦ أدلة الألوهية في سورة الرعد ١٨٨ النصف الثاني من سورة الرعد ١٩٠ التناسق الفني في سورة الرعد ١٩٢ (المبحث الثاني) ترابط الآيات في سورة «الرعد» ١٩٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٩٥ الغرض منها وترتيبها ١٩٥ المقدمة ١٩٦ رد شبهتهم الأولى على القرآن ١٩٦ رد شبهتهم الثانية على القرآن ١٩٨ (المبحث الثالث) أسرار ترتيب سورة «الرعد» ٢٠١ المبحث الرابع مكنونات سورة «الرعد» ٢٠٣ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرعد» ٢٠٥ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرعد» ٢١١
следующие страницы →