قلنا: هو كلام جرى مجرى التعجّب من قولهم، لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله (ص) لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية فإذا جحدوا آياته ولم يعتدّوا بها، وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعا يتعجّب منه فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشدّ تصميمكم على كفركم.
فإن قيل: كيف المطابقة بين قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الآية ٣٣] وقوله سبحانه بعد ذلك في الآية نفسها: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ.
قلنا: فيه محذوف تقديره: أفمن هو رقيب على كل نفس صالحة وطالحة، يعلم ما كسبت من خير وشر، ويعدّ لكل جزاء، كمن ليس كذلك وهو الصنم؟ ثم ابتدأ السياق بقوله تعالى:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ أو تقديره: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحّدوه وجعلوا له شركاء، أو التقدير: أفمن كان بهذه الصفة يغفل عن أهل مكّة وأقوالهم وأفعالهم، وجعلوا لله شركاء. فإن قيل: كيف اتصل قوله تعالى في الآية نفسها: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ بما قبله، وهو قوله تعالى وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الآية ٣٦] .
قلنا: هو جواب للمنكرين، معناه:
قل إنما أمرت فيما أنزل اليّ بأن أعبد الله ولا أشرك به. فإنكارهم لبعضه إنكار لعبادة الله تعالى وتوحيده، كذا أجاب به الزمخشري، وفيه نظر.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أثبت لهم مكرا، ثم نفاه عنهم، بقوله تعالى في الآية نفسها: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً [الآية ٤٢] ؟
قلنا: معناه أن مكر الماكرين مخلوق له، ولا يصير إلا بإرادته فبهذه الجهة، صحت إضافة مكرهم إليه سبحانه. الثاني: أنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة الى مكره، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون، فيعكس مكرهم عليهم، فإثباته لهم باعتبار الكسب، ونفيه عنهم باعتبار الخلق.
стр. 1052
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الرّعد» «١»
قوله تعالى: أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الآية ٥] . و (جديد) استعارة. لأن أصله هاهنا مأخوذ من الجدّ، وهو القطع.
يقال: قد جدّ الثوب، فهو جديد بمعنى مجدود. إذا قطع من منسجه، أو قطع لاستعمال لابسه. والمراد، والله أعلم، إنّا لفي خلق جديد، أي قد فرغ من استئنافه، وأعيد الى موضع ثوابه وعقابه، فصار كالثوب الذي قطع «٢» منسجه بعد الفراغ من عمله.
وقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الآية ٦] . وهذه استعارة. والمراد بها مضيّ المثلاث، وهي «العقوبات» للأمم السالفة من قبلهم، وتقدّمها أمامها. وقولهم:
خلت الدار. أي مضى سكانها عنها.
وخلوا هم. أي مضوا عن الدار وتركوها. وقولهم: القرون الخالية، أي الماضية.
والعقوبات على الحقيقة لم تمض «٣» ، وإنما مضى المعاقبون بها.
فكأنهم ذكّروا بالعقوبات الواقعة قبلهم، ليعتبروا بها.
وقوله سبحانه:
стр. 1053
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [الآية ٨] . وهذه استعارة عجيبة. لأن حقيقة الغيض إنما يوصف بها الماء دون غيره. يقال: غاض الماء وغضته «١» ، ولكن النطفة لمّا كانت تسمّى ماء، جاز أن توصف الأرحام بأنها تغيضها في قرارتها، وتشتمل على نفاعاتها «٢» . فيكون ما غاضته من ذلك الماء سببا لزيادة، بأن يصير مضغة، ثم علقة ثم خلقة مصوّرة. فذلك معنى قوله تعالى: وَما تَزْدادُ. وقيل أيضا: معنى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ.
أي ما تنقص بإسقاط العلق، وإخراج الخلق. ومعنى: وَما تَزْدادُ أي ما تلده لتمام، وتؤدي خلقه على كمال.
فيكون الغيض هاهنا عبارة عن النقصان، والازدياد عبارة عن التمام.
وقوله سبحانه: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الآية ١٣] . وهذه استعارة. لأن التسبيح في الأصل تنزيه الله سبحانه عن شبه المخلوقات، وتبرئته من مدانس الأعمال، وقبائح الأفعال. وهذا لا يتأتّى من الرعد، الذي هو إصكاك أجرام السحاب بعضها ببعض.
فالمراد، والله أعلم، أنّ أصوات الرعود تقوى بها الدلالة على عظيم قدرة الله سبحانه، وبعده عن شبه الخليقة المقدّرة، وصفات البرية المدبّرة. إذ كان الرعد كما قلنا إنما تغلظ أصواته، وتعظم هزّاته على حسب تعاظم صفحات السحاب الممتدّة، وتراكم الغيوم المطبقة. وهي مع هذه الأحوال، من ثقل أجرامها، وتكاثف غمامها معلّقة بمناطات الهواء الرقيق، لولا دعائم القدرة وسماكها، وعلائق الجبريّة ومساكها، لما حمل عشر معشارها، ولا استقل ببعض أجزائها.
ومن عجيب أحواله أنه أيضا مع ما ذكرنا من تثاقل أردافه، وتعاظل «٣» التفافه ينفشّ «٤» انفشاش الهباء
стр. 1054
المتداعي، والغثاء المتلاشي. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
ومعنى تسبيح الرعد بحمده سبحانه:
دلالته على أفعاله التي يستحق بها الحمد، كما يقول القائل: هذه الدار تنطق بفناء أهلها. أي تدل على ذلك بخلاء ربوعها، وتهدّم عروشها.
وقد يجوز أن يكون معنى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أن الرعد يضطر الناس الى تسبيح الله سبحانه عند سماعه، فحسن وصفه بالتسبيح لأجل ذلك، إذ كان هو السبب فيه. وهذا معروف في كلامهم.
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) . وهذه استعارة. لأن أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلّل. إمّا باللسان الناطق عن الجملة أو بآثار الصنعة وعجائب الخلقة. ثم نقل فصار اسما لهذا العمل المخصوص الذي هو من أركان الصلاة، لأنه يدل على تذلّل الساجد لخالقه، بتطامن شخصه، وانحناء ظهره. وقد ذكر في بعض الأخبار أن جدنا جعفر «١» بن محمد ﵉ سئل عن العلّة فيما كلف الله سبحانه من أعمال الصلاة وسائر العبادات، فقال: أراد الله سبحانه بذلك إذلال الجبّارين. فإذا تمهّد ما ذكرنا، كان في ذكر «الضلال» فائدة حسنة، وهو أن الظل الذي هو في سجود الشخص وهو غير قائم بنفسه، إذا ظهرت فيه أعلام الخضوع للخالق تعالى، بما فيه من دلائل الحكمة وعجائب الصنعة، كان ذلك أعجب من ظهور هذه الحال في البنية القائمة بنفسها، والمعروفة بشخصها.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) . وهذه استعارة.
والمراد بضرب الأمثال، والله أعلم، معنيان: أحدهما أن يكون تعالى أراد
стр. 1055
بضربها تسييرها في البلاد، وإدارتها على ألسنة الناس. من قولهم: ضرب فلان في الأرض. إذا توغّل فيها وأبعد في أقاصيها. ويقوم قوله تعالى:
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) مقام قوله ضرب بها في البلاد.
والمعنى الآخر في ضرب المثل، أن يكون المراد به نصبه للنّاس بالشهرة، لتستدل عليه خواطرهم، كما تستدل على الشيء المنصوب نواظرهم. وذلك مأخوذ من قولهم: ضربت الخباء إذا نصبته، وأثبت طنبه «١» ، وأقمت عمده، ويكون قوله سبحانه: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ [الآية ١٧] . الى هذا الوجه. أي ينصب منارهما، ويوضح أعلامهما، ليعرف المكلّفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه.
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الآية ٣٣] وهذه استعارة. والمراد به أنه تعالى محص على كل نفس ما كسبت، ليجازيها به. وشاهد ذلك قوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران/ ٧٥] . أي ما دمت له مطالبا، ولأمره مراعيا، لا تمهله للحيلة، ولا تنظره للغيلة «٢» .
وإذا لم يصح إطلاق صفة القيام على الله سبحانه حقيقة، فإن المراد بها قيام إحصائه على كل نفس بما كسبت، ليطالبها به، ويجازيها عنه بحسبه.
والقيام والدوام هاهنا بمعنى واحد.
والماء الدائم هو القائم الذي لا يجري.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [الآية ٤١] .
وهذه استعارة. وقد اختلف الناس في المراد بها، فقال قوم: معنى ذلك نقصان أرض المشركين، بفتحها على المسلمين. وقال آخرون: المراد بنقصانها موت أهلها، وقيل موت علمائها.
وعندي في ذلك قول آخر، وهو أن يكون المراد بنقص الأرض، والله
стр. 1056
أعلم، موت كرامها. وتكون الأطراف هاهنا جمع طرف. لا جمع طرف، والطّرف هو الشيء الكريم. ومنه سمّي الفرس طرفا، إذ كان كريما. وعلى ذلك قول أبي الهندي «١» الرياحي:
شربنا شربة من ذات عرق ... بأطراف الزجاج من العصير
أي بكرائم الزجاج. ولم يمض في هذا القول لأحد.
стр. 1057
سورة ابراهيم ١٤
стр. 1058
المبحث الأول أهداف سورة «إبراهيم» «١»
سورة إبراهيم سورة مكّيّة.
موضوعها الأساسي هو موضوع السور المكّيّة الغالب، وهو العقيدة في أصولها الكبيرة. وتشمل الرسالة والتوحيد والبعث والحساب والجزاء.
ولكن السياق في هذه السورة يسلك نهجا خاصا في عرض هذا الموضوع وحقائقه الأصلية، نهجا مفردا يميزها عن غيرها من السور، يميزها بجوها، وطريقة أدائها، والحقائق الكبرى التي تتضمنها، ولون هذه الحقائق التي قد لا تفترق موضوعيا عن مثيلاتها في السور الأخرى، ولكنها تعرض من زاوية خاصة. كما تختلف مساحتها في رقعة السورة وجوّها، فتزيد أطرافا وتنقص أطرافا. فيحسبها القارئ جديدة بما وقع فيها من تجديد، وذلك من الإعجاز القرآني في طريقة الأداء.
ويبدو أنه كان لأسلوب السورة من اسمها نصيب.. إبراهيم: أبو الأنبياء، المبارك، الشاكر، الأوّاب، المنيب.
وكل الظلال التي تخلعها هذه الصفات ملحوظة في جوّ السورة وفي الحقائق التي تبرزها، وفي طريقة الأداء، وفي التعبير والإيقاع.
ولقد تضمّنت السورة حقائق رئيسية عدّة في العقيدة، ولكن حقيقتين كبيرتين تظهران أكبر من غيرهما في سورة إبراهيم:
الحقيقة الأولى: وحدة الرسالة
стр. 1059
والرسل ووحدة دعوتهم. ووقفتهم أمّة واحدة في مواجهة الفرقة المكذّبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمنة.
والحقيقة الثانية: بيان نعمة الله على البشر وزيادة النعمة بالشكر ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران.
تبدأ السورة ببيان وظيفة الرسول وبيان هدف القرآن. وهذه الوظيفة هي هداية الناس، وإبطال عادات الجاهلية وقيمها. وإرساء معالم التوحيد والعدالة والمساواة. قال تعالى:
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) .
وتختم السورة بهذا المعنى وبالحقيقة الكبرى التي تتضمنها الرسالة، حقيقة التوحيد في قوله تعالى:
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) .
وفي أثناء السورة نجد أن موسى (ع) قد أرسل بمثل ما أرسل به محمد (ص) وللهدف نفسه، وهو إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية ٥] .
وتذكر السورة أن وظيفة الرسل عامة، هي بيان الحق وتوضيح طريق الهداية إلى الله، قال تعالى:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [الآية ٤] .
وتبين السورة أن الرسول بشر يوحى إليه، وأن بشريته هي التي تحدد وظيفته، فهو مبلّغ ومنذر وناصح ومبيّن ولكنه لا يملك أن يأتي بخارقة أو معجزة إلّا بإذن الله، وحين يشاء الله، لا حين يشاء هو أو قومه ولا يملك الرسول أن يهدي قومه أو يضلّهم:
فالهدى والضلال متعلّقان بسنّة الله التي اقتضتها مشيئته المطلقة. ولقد كانت بشرية الرسل موضع الاعتراض من الأقوام جميعهم في جاهليتهم.
والسورة هنا تحكي قولهم مجتمعين:
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) .
وتحكي ردّ رسلهم كذلك مجتمعين:
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ
стр. 1060
مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
(١١) .
ويتضمن السياق كذلك، أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور إنّما يكون بِإِذْنِ اللَّهِ.
وكلّ رسول يبين لقومه فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) .
وبهذا أو ذاك تتحدّد حقيقة الرسول، فتتحدّد وظيفته في نطاق هذه الحقيقة ولا تشتبه حقيقة الرسل البشرية وصفاتهم، بشيء من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها. وكذلك يتجرّد توحيد الله بلا ظل من مماثلة أو مشابهة، كذلك تتضمن السورة تحقّق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقّا، ويتحقق ذلك الوعد في الدنيا بالنصر والاستخلاف، وفي الآخرة بعذاب المكذّبين ونعيم المؤمنين.
ويصوّر السياق هذه الحقيقة الكبيرة في نهاية المعركة بين الرسل مجتمعين وقومهم مجتمعين.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) .
وحدة الرسالات السماوية في سورة إبراهيم
الظاهرة البارزة في سورة إبراهيم أنها تتحدث عن الرسل جميعا كأنهم أصحاب فكرة واحدة وهدف واحد، وكأن جواب قومهم كان جوابا موحّدا، في العصور والأحوال جميعها.
وتعرض السورة هذه الفكرة بطريقة فريدة في الأداء. لقد أبرزها سياق بعض السور الماضية في صورة توحيد الدعوة التي يجيء بها كل رسول، فيقول كلمته لقومه ويمضي ثم يجيء رسول ورسول. كلهم يقولون الكلمة ذاتها، ويلقون الرد ذاته ويصيب المكذّبين ما يصيبهم في الدنيا، وينظر بعضهم ويمهل إلى أجل في الأرض أو إلى أجل في يوم الحساب. ولكن السياق هناك، كان يعرض كل رسول في مشهد، كالشريط المتحرك منذ
стр. 1061
الرسالات الأولى، وأقرب مثل لهذا النسق سورة هود، فأما سورة إبراهيم- أبي الأنبياء- فتجمع الأنبياء كلهم في صف، وتجمع المكذّبين كلهم في صف، وتجري المعركة بينهم في الأرض، ثم لا تنتهي هنا، بل تتابع خطوتها كذلك في يوم الحساب.
ونبصر مشهد أمّة الرسل، وفرقة المكذبين في صعيد واحد على تباعد الزمان والمكان. فالزمان والمكان عرضان زائلان، أمّا الحقيقة الكبرى في هذا الكون- حقيقة الإيمان والكفر- فهي أضخم وأبرز من عرضي الزمان والمكان.
قال تعالى:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) .
فهاهنا تتجمّع الأجيال من لدن نوح (ع) ، وتتجمع الرسل ويتلاشى الزمان والمكان وتبرز الحقيقة الكبرى:
حقيقة الرسالة وهي واحدة واعتراضات المكذّبين وهي واحدة، وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة، وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة، وحقيقة الخيبة والخذلان للمتجبّرين وهي واحدة، وحقيقة العذاب الذي ينتظرهم هناك وهي واحدة.
ولا تنتهي المعركة بين الكفر والإيمان هنا، بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة فتبرز معالمها في مشاهد القيامة المتنوّعة التي تتضمنها السورة وهي تشير إلى أنها معركة واحدة تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة ولا انفصال بينهما، ولكن تكمل إحداهما الأخرى.
وتكمل الأمثال التي تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة إبراز معالم المعركة
стр. 1062
بين الفريقين، ونتائجها الأخيرة، مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة: شجرة النبوّة وشجرة الإيمان، وشجرة التوحيد والخير، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة: شجرة الباطل والتكذيب والشر والطغيان. فالتوحيد وكلمته: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
أصله ثابت موصول بالله وفرعه مرتفع إلى السماء ويؤتي ثماره كل حين بالصلاة والزكاة وسائر العبادات والأعمال النافعة في الدنيا والآخرة. أما شجرة الكفر فلا أصل لها تعتمد عليه، فهي تمثّل الباطل في الدنيا، والخيبة في الآخرة.
قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) .
المقطع الثاني من سورة إبراهيم
تنقسم سورة إبراهيم الى مقطعين متماسكي الحلقات:
المقطع الأول: يتضمّن بيان حقيقة الرسل، ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا والآخرة، ويعقب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، وقد تحدثنا عن هذا المقطع.
والمقطع الثاني: من سورة إبراهيم يتحدث عن نعم الله على البشر، والذين كفروا بهذه النعم وبطروا، والذين آمنوا بها وشكروا، ونموذجهم الأول هو ابراهيم (ع) ويصور مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله، في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجملها، وأحفلها بالحركة والحياة.
نعم الله
لقد عدّد الله سبحانه نعمه على البشر كافة، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم، برّهم وفاجرهم، طائعهم وعاصيهم وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل، أن يتيح للكافر
стр. 1063
والفاجر والعاصي نعمة في هذه الأرض كالمؤمن والبار والطائع، لعلّهم يشكرون: ويعرض هذه النعم في أضخم مجالي الكون وأبرزها، ويضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) .
وفي إرسال بعث الرسل نعمة تعدل تلك أو تربو عليها:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية ١] .
والنور أجلى نعم الله في الوجود، والنور هنا هو النور الأكبر، النور الذي يشرق به كيان الإنسان، ويشرق به الوجود في قلبه وحسه. وكذلك كانت وظيفة موسى (ع) في قومه، ووظيفة الرسل كما بينتها السورة. وفي قول الرسل مجتمعين:
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية ١٠] .
والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل نعمة النور، وهي منه قريب:
وفي هذا الجو يذكر وعد الله للرسل.
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ.
وهي نعمة. ويبرز السياق حقيقة زيادة النعمة بالشكر:
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) .
مع بيان أن الله غني عن الشكر وعن الشاكرين:
إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) .
ويقرر السياق، أن الإنسان في عمومه لا يشكر النعمة حق الشكر.
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) .
ولكن الذين يتدبّرون آيات الله،
стр. 1064
وتتفتح لها بصائرهم، يصبرون على البأساء ويشكرون على النعماء.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) .
ويتمثل الصبر والشكر في شخص إبراهيم (ع) حين يقف خاشعا، ويدعو ربه عند البيت الحرام، دعاء مخلصا، كله حمد وشكر، وصبر وإيمان:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) .
ولأن النعمة والشكر عليها والكفر بها، تطبع جو السورة فإن التعبيرات والتعليقات تجيء فيها متناسقة مع هذا الجو، في قوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) .
وقوله سبحانه:
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الآية ٦] .
وفي ردّ الأنبياء على اعتراض المكذّبين بأنهم بشر، يجيء قوله سبحانه:
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية ١١] .
فيبرز منة الله، تنسيقا للرد مع جوّ السورة كله، جو النعمة والمنّة والشكر والكفران وهكذا يتساوق التعبير اللفظي مع الفكرة العامة للسورة، على طريقة التناسق الفني في القرآن.
стр. 1065
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «إبراهيم» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة إبراهيم بعد سورة نوح، وهي من السور التي نزلت بمكّة بعد الإسراء، فيكون نزولها مثلها بعد الإسراء وقبيل الهجرة، وعلى هذا تكون من السور المكّيّة. وقيل إنها من السور المدنيّة، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي: اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد، ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء. إنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ، فيكون فيه فائدة عظيمة.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة إبراهيم (ع) بمكة فيها، وتبلغ آياتها اثنتين وخمسين آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة بيان الغرض من نزول القرآن، وهو هداية الناس بالترغيب في الثواب والترهيب من العقاب. وقد افتتحت هذه السورة ببيان هذا الغرض، ثم انتقل من هذا إلى بيان موافقة القرآن للكتب المنزلة قبله في هذا الغرض، ثم انتقل من هذا إلى تحذير مشركي مكة من تكذيبه بما حصل للمكذّبين قبلهم وبهذا ينقسم سياق هذه السورة إلى هذه الأقسام الثلاثة.
وقد جعلت بعد سورة الرّعد لأنها
стр. 1066
تشبهها في غرضها، وفي افتتاحها بالحروف التي افتتحت بها.
نزول القرآن للترغيب في الإيمان والتحذير من الكفر الآيات [١- ٣]
قال الله تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) ، فأقسم، بهذه الحروف، على أنه كتاب أنزله إليه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا هو طريق الترغيب. ثم حذر الذين يكفرون به من عذاب شديد. وهذا هو طريق الترهيب ثم ذكر سبحانه أن الذين يكفرون به هم الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) .
اتحاد الغرض من الكتب المنزلة الآيات [٤- ١٨]
ثم قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) فذكر أنّ إنزال القرآن لأجل هداية الناس هو شأن الكتب المنزلة قبله، وفصّل هذا الإجمال بما كان من إرسال موسى (ع) إلى بني إسرائيل لإخراجهم من الظلمات إلى النور، فذكّرهم بأيام العذاب التي مرت على الأمم قبلهم، وبنعمة الله عليهم إذ أنجاهم من آل فرعون، وأخبرهم بأنهم إن شكروا الله زادهم من نعمته، وإن كفروا به عاقبهم بشديد عذابه، وبأنهم إن يكفروا هم ومن في الأرض جميعا، فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) .
ثم ذكر جلّ وعلا، أن هذا كان أيضا شأن قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم، وأن رسلهم جاءتهم بالبينات فكفروا بهم، وشكّوا فيما يدعونهم إليه من الإيمان بالله وحده، وأن رسلهم ردّوا عليهم بأنه لا يصحّ الشكّ في الله سبحانه، وهو فاطر السماوات والأرض، إلى غير ذلك من الجدال الذي دار بينهم ثم ذكر أنهم لجئوا، بعد هذا الجدال، الى تهديد رسلهم بأن يخرجوهم من أرضهم أو يعودوا في ملّتهم، وأنه أوحى إلى رسلهم، أنه سيهلكهم ويسكنهم الأرض من بعدهم، ثم ذكر ما عاقبهم به في الدنيا
стр. 1067
والآخرة، وضرب مثلا لحبوط أعمالهم في الآخرة، فقال: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) .
ترهيب المشركين وترغيبهم الآيات [١٩- ٥٢]
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) فذكر في ترهيبهم أنه خلق السماوات والأرض بالحق، فهو قادر على أن يهلكهم كما أهلك أولئك الأقوام ويأتي بخلق غيرهم يؤمنون به، ثم ذكر ما يكون من إعادتهم بعد هلاكهم وبروزهم له، وما يكون من سؤال الضعفاء للمستكبرين أن يغنوا عنهم شيئا من عذابه، وما يجيب المستكبرون من أنه لا مفرّ منه جزعوا أو صبروا، وما يكون من تبرّؤ الشيطان منهم وإيقاعه اللوم عليهم لسماعهم لإغوائه وإعراضهم عن نصح الله لهم، ثم ذكر ما أعده للمؤمنين من جنات تجري من تحتها الأنهار، على سنّته في ذكر وعده بعد وعيده.
ثم ضرب، في ترغيبهم وترهيبهم، مثلا لحال المؤمنين وحالهم، فشبّه الإيمان به جلّ شأنه، بشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وثمرها دائم لا ينقطع. وشبّه الكفر به بشجرة خبيثة ليس لها أصل ولا عرق ولا ثمر ورتّب على ذلك أن صاحب الحال الثابت، يثبّته الله في الدنيا وفي الآخرة، وصاحب الحال الذي لا ثبات له يضلّه الله فلا يهتدي.
ثم ذكر تبديلهم نعمته عليهم بسكنى حرمه كفرا به، وجعلهم له أندادا ليضلّوا عن سبيله وأمرهم أمر تهديد أن يتمتّعوا بنعيم الدنيا فإن مصيرهم إلى النار، وأمر المؤمنين أن يخالفوهم في ذلك فيقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقهم من قبل أن يأتيهم يوم لا ينفعهم فيه إلّا ما قدمت أيديهم ثم ذكر من نعمه العامة عليهم وعلى غيرهم بعد تلك النعمة الخاصة، أن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، إلى غير هذا من نعمه التي لا تحصى ولا تعدّ، ولا
стр. 1068
يصحّ أن يقابلوها باتخاذ أنداد له، سبحانه.
ثم عاد السياق إلى ذكر تلك النعمة الخاصة فشرحها وبيّن كيف بدّلوا فيها فذكر أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكّة بلدا آمنا، وأن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، وأنه شكا لربه أنه أسكن ذريته من ابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع عند بيته المحرّم ليعبدوه فيه، وأنه سأله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم بالحجّ وغيره، إلى غير هذا ممّا حكاه عنه.
ثم عاد السياق إلى ترهيبهم، فذكر أنه سبحانه، ليس بغافل عمّا يفعلون، وأنه يؤخّر عذابهم ليوم تشخص فيه أبصارهم من شدته، وأنه إذا أتاهم يسألونه أن يؤخّرهم إلى أجل قريب ليجيبوا دعوته ويتّبعوا رسله، وأنه يجيبهم بتذكيرهم بأنهم كانوا يقسمون من قبل: ما لهم من زوال إلى حياة أخرى وبأنهم سكنوا في مساكن الذين كذّبوا قبلهم، وتبيّن لهم ما فعل بهم، فلم يعتبروا بما حصل لهم. ثم ذكر أنهم قد مكروا مكر أولئك الذين سكنوا في مساكنهم، وأنه ليس بغافل عن مكرهم ونهى النبي (ص) أن يظن أنه مخلف وعده بعذابهم ثم ذكر أنه سيأتي يوم تبدّل فيه الأرض غير الأرض، ويبرزون إليه مقرّنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار وأنه سبحانه يعيدهم في ذلك اليوم ليجزي كل نفس ما كسبت، إنه سريع الحساب هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) .
стр. 1069
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «إبراهيم» «١»
أقول: وجه وضعها بعد سورة الرّعد، أن قوله تعالى في مطلعها:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ [الآية ١] مناسب لقوله: في مقطع تلك: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد] . على أن المراد ب (من) هو: الله تعالى ﷻ .
وأيضا ففي الرعد: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ [الرعد/ ٣٢] . وذلك مجمل في أربعة مواضع: الرسل، والمستهزئين، وصفة الاستهزاء، والأخذ. وقد فصّلت الأربعة في قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ [الآية ٩] إلى قوله: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) .
стр. 1070
المبحث الرابع مكنونات سورة «إبراهيم» «١»
١- كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [الآية ٢٤] .
هي النّخلة «٢» .
٢- كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [الآية ٢٦] .
هي الحنظلة «٣» .
وقيل: الثوم. حكاه ابن عسكر.
٣- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [الآية ٢٨] . قال عليّ بن أبي طالب: هم كفّار قريش. أخرجه النّسائي «٤» . وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: هم قريش ومحمد النعمة.
٤- رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [الآية ٣٧] .
هو إسماعيل.
стр. 1071
٥- بِوادٍ [الآية ٣٧] .
هو مكّة «١» .
٦- وَلِوالِدَيَّ [الآية ٤١] .
تقدّم اسم أبيه في سورة الأنعام «٢» .
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: أبو إبراهيم: آزر وأمّه اسمها: مشاني وامرأته اسمها: سارة، وأمّ إسماعيل اسمها: هاجر وقيل: اسم أمّه نوفا، وقيل: ليوثا.
стр. 1072
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «إبراهيم» «١»
١- قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ [الآية ٦] .
قالوا: سامه الأمر سوما: كلّفه إيّاه، وقال الزجّاج: أولاه إيّاه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشرّ والظلم.
وجاء في كتاب العين: السّوم أن تجشّم إنسانا مشقّة، أو سوءا، أو ظلما.
أقول: وأصل السّوم من قولهم:
سامت الناقة سوما، والسّوم عرض السلعة على البيع، والسّوم في المبايعة.
غير أن ما في لغة التنزيل هو ضرب من المجاز اللطيف وهو من لطفه، كأنه يبتعد عن الأصل.
٢- وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [الآية ٧] .
قوله تعالى: تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ، أي: أذّن ربكم، ونظير تأذّن: توعّد وأوعد وتفضّل وأفضل.
أقول: الغالب في بناء «تفعّل» مجيئه لازما، نحو تكسّر، وتحطّم، وتستّر، وغيره كثير، وهو في هذا قد يأتي مطاوعا للمتعدي، نحو: هدمه فتهدّم.
غير أنه قد يأتي متعدّيا، وليس مجيئه متعدّيا من الندور، نحو تعلّم وتعجّل، وغير ذلك.
٣- وقال تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) .
أقول: والأصل «وعيدي» واجتزئ
стр. 1073
بالكسرة عن ياء المتكلم لأن «وعيدي» نهاية الآية التي يوقف عليها، فإذا وقف كان الوقف بالسكون، وطيّ الكسرة لأجل الوقف أسهل من طيّ المدّ الطويل الذي يكون بإثبات الياء.
وقد مر بنا شيء من هذا في آيات أخرى.
٤- وقال تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [الآية ٢١] .
أقول: جاء رسم «الضعفاء» في المصحف الشريف الضّعفاوء بواو قبل الهمزة، وهذا الرسم يشير إلى من يفخّم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.
ونظيره: علماؤا بنى إسرائيل (١٩٧) [الشعراء] .
وفي هذا فائدة، في أنّ رسم المصحف يهدي إلى فوائد تاريخية تتصل بأصوات القرآن، وكيف أعرب عنها لدى طائفة من أهل التلاوة.
٥- وقال تعالى: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) . أقول: المحيص هو المنجى والمهرب، والفعل حاص يحيص.
وهو اسم مكان أو مصدر كالمغيب والمشيب.
ومن المفيد أن نشير إلى أن الفعل من هذا الاسم لم يبق شيء منه في العربية المعاصرة، بل احتفظت به العاميّة في العراق ولا سيما في الحواضر، يقال: هو لا يحيص أو ما يحيص، أي: ما يتحرك وليس له أن يفلت.
٦- وقال تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) .
قال الزمخشري «١» :
أي: أن الناس يخرجون في ذلك اليوم أموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلا ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيرا منها وأما الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى:
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) [الليل] ، فلا
стр. 1074
يفعله إلّا المؤمنون الخلّص، فبعثوا عليه، ليأخذوا بدله، في يوم لا بيع فيه ولا خلال أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالّة، ولا بما ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات.
٧- وقال تعالى: رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [الآية ٣٧] .
وقوله تعالى: تَهْوِي إِلَيْهِمْ أي:
تسرع إليهم، وتطير نحوهم شوقا ونزاعا، كقول أبي كبير الهذلي:
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوي مخارمها هويّ الأجدل
وقرئ: تهوى إليهم، على البناء للمفعول.
أقول: واستعمال «تهوي» في الآية استعمال في المجاز، ذلك أنّ الأفئدة تميل وتجنح إليهم شوقا، وليس «الهويّ» على حقيقته، وهو السقوط.
والذي بقي من استعمال هذا الفعل، هو المعنى الحقيقي.
٨- وقال تعالى: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) . والإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئيّ، تديم النظر إليه لا تطرف.
و «مقنعي رؤوسهم» أي: رافعيها.
«وأفئدتهم هواء» ، أي: خلاء لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء، إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جرأة، قال حسان يهجو أبا سفيان:
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي ... فأنت مجوّف نخب هواء
فكون الأفئدة هواء أي: صفرا من الخير.
٩- وقال تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) .
«إن» هنا في الآية نافية، واللام مؤكّدة لها.
والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم.
وهذه الآية شاهد آخر في مجيء «إن» النافية التي أشرنا إليها، وبسطنا فيها القول.
стр. 1075
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «إبراهيم» «١»
قرئ قوله تعالى: يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [الآية ٣] بوصل الفعل ب «على» كما قالوا «ضربوه في السيف» يريدون «بالسيف» . وذلك أن هذه الحروف يوصل بها كلّها، وتحذف نحو قول العرب: «نزلت زيدا» تريد «نزلت عليه» .
وقال تعالى: مِنْ وَرائِهِ [الآية ١٦] أي: من أمامه. وإنما قال: وراء أي: أنه وراء ما هو فيه، كما تقول للرجل: «هذا من ورائك» أي: «سيأتي عليك» و «هو من وراء ما أنت فيه» لأنّ ما أنت فيه قد كان مثل ذلك، فهو وراؤه. وقال سبحانه: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف/ ٧٩] في هذا المعنى.
أي: كان وراء ما هم فيه «٢» .
وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ١٨] أي: «وممّا نقصّ عليكم مثل الذين كفروا» ثم فسّر سبحانه كما في قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرّعد/ ٣٥ ومحمّد/ ١٥] وهذا كثير.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [الآية ٢٢] وهذا استثناء خارج، كما تقول:
«ما ضربته إلّا أنّه أحمق» وهو الذي في معنى «لكنّ» .
وقال تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [الآية ٢٢] فتحت ياء الإضافة لأنّ قبلها ياء الجميع الساكنة التي كانت في
стр. 1076
«مصرخيّ» ، فلم يكن من حركتها بدّ لأنّ الكسر من الياء.
وقرأ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً [الآية ٢٤] منصوبة على ضَرَبَ كأنّ الكلام «وضرب الله كلمة طيّبة مثلا» .
وقال تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) وفي موضع آخر وَلا خُلَّةٌ [البقرة/ ٢٥٤] وإنّما «الخلال» لجماعة «الخلّة» كما تقول: «جلّة» و «جلال» ، و «قلّة» و «قلال» . وقال الشاعر [من المتقارب، وهو الشاهد الخامس والعشرون] :
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
ولو شيت جعلت «الخلال» مصدرا لأنها من «خاللت» مثل «قاتلت» ومصدر هذا لا يكون إلا «الفعال» أو «المفاعلة» .
وقال تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [الآية ٣٤] أي: آتاكم من كلّ شيء سألتموه شيئا» بإضمار الشيء، كما في قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل/ ٢٣] أي: «أوتيت من كلّ شيء في زمانها شيئا» »
قال بعضهم:
«إنما ذا على التكثير» نحو قولك: «هو يعلم كلّ شيء» و «أتاه كلّ الناس» وهو يعني بعضهم: وكذلك فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام/ ٤٤] . وقال بعضهم: «ليس من شيء إلّا وقد سأله بعض الناس، فقال تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي: «من كلّ ما سألتموه قد آتى بعضكم منه شيئا، وآتى آخر شيئا ممّا قد سأل» .
وكذلك قوله تعالى: إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ [الآية ٣٧] أي: «أسكنت من ذرّيّتي أناسا» «٢» ودخلت الباء على «واد» كما تقول: «هو بالبصرة» و «هو في البصرة» .
ونوّن بعضهم مِنْ كُلِّ [الآية ٣٤] «٣» فقرأ (من كلّ) ثم قال «لم
стр. 1077
تسألوه إيّاه» كما تقول: «قد سألتك من كلّ» و «قد جاءني من كلّ» لأن «كلّ» قد تفرد وحدها.
وقال تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [الآية ٢٥] ومثل ذلك أُكُلُها دائِمٌ [الرعد/ ٣٥] و «الأكل» هو: الطعام و «الأكل» هو: «الفعل» .
وقال تعالى: تَهْوِي إِلَيْهِمْ [الآية ٣٧] منصوب، زعموا أنه في التفسير «تهواهم» .
وقوله تعالى: مُهْطِعِينَ [الآية ٤٣] على الحال وكذلك مُقْنِعِي [الآية ٤٣] كأنّ السياق: «تشخص أبصارهم مهطعين» وجعل «الطرف» «١» للجماعة، كما في قوله سبحانه:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر] .
وقرئ قوله تعالى: مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [الآية ٤٧] بالإضافة الى الأول ونصب الآخر على الفعل، ولا يحسن أن نضيف إلى الآخر لأنه يفرق بين المضاف والمضاف إليه، وهذا لا يحسن. ولا بدّ من إضافته لأنه قد ألقى الألف، ولو كانت «مخلفا» نصبهما جميعا، وذلك جائز في الكلام. ومثله «هذا معطي زيد درهما» و «معط زيدا درهما» .
وواحد الْأَصْفادِ (٤٩) صفد.
стр. 1078
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «إبراهيم» «١»
إن قيل: قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [الآية ٤] هذا في حق غير النبي (ص) من الرسل مناسب، لأن غيره لم يبعث إلى الناس كافّة بل إلى قومه فقط، فأرسل بلسانهم ليفقهوا عنه الرسالة ولا تبقى لهم الحجّة بأنا لم نفهم رسالتك. فأما النبي (ص) فإنه بعث إلى الناس كافّة، قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف/ ١٥٨] ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ/ ٢٨] .
فإرساله بلسان قومه إن كان لقطع حجّة العرب، فالحجة باقية لغيرهم من أهل الألسن الباقية، وإن لم يكن لغير العرب حجّة، أن لو نزل القرآن بلسان غير العرب يكن للعرب الحجة.
قلنا: نزوله على النبي (ص) بلسان واحد كاف، لأن الترجمة لأهل بقية الألسن تغني عن نزوله لجميع الألسن، ويكفي التطويل كما جرى في القرآن العزيز. الثاني: أن نزوله بلسان واحد أبعد عن التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والخلاف. الثالث: أنه لو نزل بألسنة كل الناس وكان معجزا في كلّ واحد منها، وكلّم الرسول العربي كلّ أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها لكان ذلك أمرا قريبا من القسر والإلجاء وبعثة الرسل لم تبن على القسر والإلجاء، بل على التمكين من الاختيار، فلما كان نزوله بلسان واحد
стр. 1079
كافيا، كان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه وأفهم عنه.
فإن قيل: لم قال تعالى في سورة البقرة يُذَبِّحُونَ [الآية ٤٩] وفي سورة الأعراف يُقَتِّلُونَ [الآية ١٤١] بغير واو فيهما، وقال هنا وَيُذَبِّحُونَ [الآية ٦] بالواو، والقصة واحدة؟
قلنا: حيث حذف الواو جعل التذبيح والتقتيل تفسيرا للعذاب وبيانا له، وحيث أثبتها جعل التذبيح كأنه جنس آخر غير العذاب، لأنه أوفى على بقية أنواعه، وزاد عليها زيادة ظاهرة، فعلى هذا يكون إثبات الواو أبلغ.
فإن قيل: ما معنى التبعيض في قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية ١٠] ؟
قلنا: ما جاء هذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله تعالى في سورة نوح ﵇: لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية ٤] وقوله تعالى في سورة الأحقاف: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية ٣١] وقال تعالى في خطاب المؤمنين في سورة الصفّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الآية ١٠] إلى قوله تعالى من الآية نفسها: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصفّ/ ١٢] وقال تعالى في آخر سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وكذا باقي الآيات في خطاب الفريقين إذا تتبعتها، وما ذلك إلا للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوّى بين الفريقين في الوعد مع اختلاف رتبتهما، لا لأنه يغفر للكفّار مع بقائهم على الكفر بعض ذنوبهم والذي يؤيد ما ذكرناه من العلة، أنه في سورة نوح ﵇، وفي سورة الأحقاف، وعدهم مغفرة بعض الذنوب بشرط الإيمان مطلقا. وقيل معنى التبعيض أنه يغفر لهم ما بينهم وبينه، لا ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها. وقيل «من» زائدة.
فإن قيل: لم كرر تعالى الأمر بالتوكّل، ولم قال أوّلا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وقال ثانيا:
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ؟
قلنا: الأمر الأول لاستحداث التوكّل، والثاني لتثبيت المتوكّلين على ما استحدثوا من توكلهم فلهذا كرره،
стр. 1080
وقال أولا «المؤمنون» وثانيا «المتوكلون» .
فإن قيل: لم قالوا لرسلهم كما ورد في التنزيل: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الآية ١٣] والرسل لم يكونوا على ملّة الكفار قطّ والعود هو الرجوع إلى ما كان فيه الإنسان؟
قلنا: العود في كلام العرب يستعمل كثيرا بمعنى الصيرورة، يقولون: عاد فلان يكلّمني، وعاد لفلان مال وأشباه ذلك، ومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) [يس] . الثاني:
أنهم خاطبوا الرسل بذلك بناء على زعمهم الفاسد واعتقادهم أن الرسل كانوا أوّلا على ملل قومهم ثم انتقلوا عنها. الثالث: أنهم خاطبوا كل رسول ومن آمن به فغلّبوا في الخطاب الجماعة على الواحد، ونظير هذا السؤال ما سبق في سورة الأعراف من قوله تعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الآية ٨٨] وفي سورة يوسف (ع) من قوله تعالى: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [الآية ٣٧] .
فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ [الآية ٢١] .
قلنا: لما كان قول الضعفاء توبيخا وتقريعا وعتابا للذين استكبروا على استتباعهم إياهم واستغوائهم، أحالوا الذنب على الله تعالى في ضلالهم وإضلالهم، بقولهم كما ورد في التنزيل: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [الأنعام/ ١٤٨] ، لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل/ ٣٥] يقولون ذلك في الآخرة، كما كانوا يقولونه في الدنيا، كما حكى الله تعالى عن المنافقين: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة/ ١٨] . وقيل معنى جوابهم: لو هدانا الله في الآخرة طريق النجاة من العذاب، لهديناكم: أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، كما سلكنا بكم طريق الهلكة في الدنيا.
فإن قيل: كيف اتّصل وارتبط القول سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا [الآية ٢١] بما قبله؟
قلنا: اتصاله به من حيث إن عتاب الضعفاء للذين استكبروا كان جزعا مما هم فيه وقلقا من ألم العذاب، فقال
стр. 1081
لهم رؤساؤهم كما ورد في التنزيل سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين عليها في الدنيا، كأنهم قالوا للضعفاء: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة فيه كما لا فائدة في الصبر، فإن الأمر أعظم من ذلك وأعمّ.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ [الآية ٢٢] عبر عنه بلفظ الماضي، وذلك القول من الشيطان لم يقع بعد، وإنما هو مترقّب منتظر، يقوله يوم القيامة؟
قلنا: يجوز وضع المضارع موضع الماضي، ووضع الماضي موضع المضارع إذا أمن اللبس، قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة/ ١٠٢] أي ما تلت، وقال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [البقرة/ ٩١] . قال الحطيئة الشاعر:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالغدر
فقوله تعالى: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ نفي للّبس، وكذا قول الحطيئة «يوم يلقى ربه» ، وقوله تعالى: لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ لأن قضاء الأمر إنما يكون يوم القيامة.
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [الآية ٢٧] وقد رأينا كثيرا من الظالمين هداهم الله بالإسلام وبالتوبة وصاروا من الأتقياء؟
قلنا: معناه أنه لا يهديهم ماداموا مصرّين على الكفر والظلم، معرضين عن النظر والاستدلال. الثاني: أن المراد منه، الظالم الذي سبق له القضاء في الأزل، أنه يموت على الظلم فالله تعالى يثبته على الضلالة لخذلانه، كما يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت وهو كلمة التوحيد. الثالث أن معناه: أن يضل المشركين عن طريق الجنة يوم القيامة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [الآية ٣٠] والضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتّخاذ الأنداد وهي الأصنام، وإنّما عبدوها لتقرّ بهم إلى الله تعالى، كما حكى الله تعالى عنهم ذلك، بقوله:
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزّمر/ ٣] ؟
قلنا: قد شرحنا ذلك في سورة «يونس» ﵇، إذ قلنا هذه لام
стр. 1082
العاقبة والصيرورة، وليست لام الغرض، والمقصود كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص/ ٨] وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
وقول الآخر:
فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدّهر تبنى المساكن
والمعنى فيه أنهم لما أفضى بهم اتخاذ الأنداد إلى الضلال، أو الإضلال، صاروا كأنهم اتّخذوها لذلك وكذا الالتقاط والولادة والبناء، ونظائره كثيرة في القرآن العزيز، وفي كلام العرب.
فإن قيل: كيف طابق الأمر بإقامة الصلاة وإنفاق المال، وصف اليوم بأنه لا بيع فيه ولا خلال؟
قلنا: معناه قل لهم يقدّموا، من الصلوات والصدقة، متجرا يجدون ربحه يوم لا تنفعهم متاجر الدنيا من المعاوضات والصدقات التي يجلبونها بالهدايا والتحف، لتحصيل المنافع الدنيوية، فجاءت المطابقة.
فإن قيل: لم قال تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) أي لا صداقة، وفي يوم القيامة خلال، لقوله تعالى:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) [الزخرف] ولقوله (ص) «المرء مع من أحبّ» ؟
قلنا: لا خلال فيه لمن لم يقم الصلاة ولم يؤدّ الزكاة فأما المقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة فهم الأتقياء، وبينهم الخلال يوم القيامة لما تلونا من الآية.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) ؟ والمسخّر للإنسان هو الذي يكون في طاعته يصرفه كيف شاء في أمره ونهيه كالدابة والعبد والفلك، كما قال تعالى: وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا [الزخرف/ ١٣] وقال تعالى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف/ ٣٢] وقال تعالى:
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ [الآية ٣٢] ويقال فلان مسخّر لفلان إذا كان مطيعا له، وممتثلا لأوامره ونواهيه؟
قلنا: لما كان طلوعهما وغروبهما وتعاقب الليل والنهار لمنافعنا متّصلا مستمرّا، اتّصالا لا تنقطع علينا فيه المنفعة ولا تنخرم، سواء أشاءت هذه المخلوقات أم أبت، فقد أشبهت
стр. 1083
المسخّر المقهور في الدنيا كالعبد والفلك ونحوهما.
والثاني: أن معناه أنها مسخّرة لله لأجلنا ومنافعنا: فإضافة التسخير إلى الله تعالى: بمعنى أنه فاعل التسخير، وإضافة التسخير إلينا بمعنى عود نفع التسخير إلينا فصحّت الإضافتان.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [الآية ٣٤] والله تعالى لم يعطنا كل ما سألناه، ولا بعضا من كلّ فرد، ممّا سألناه؟
قلنا: معناه: وآتاكم بعضا من جميع ما سألتموه لا من كل فرد.
فإن قيل: لا يصح هذا المحمل لوجهين: أحدهما: أنه لا يحسن الامتنان به. الثاني: أنه لا يناسبه قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [الآية ٣٤] ؟
قلنا: إذا كان البعض الذي أعطانا هو الأكثر من جميع ما سألناه، وهو الأصلح والأنفع لنا في معاشنا ومعادنا، بالنسبة إلى البعض الذي منعه عنا لمصلحتنا أيضا، لا يحسن الامتنان به ويكون مناسبا لما بعده.
وجواب آخر: عن أصل السؤال: أنه يجوز أن يكون قد أعطى جميع السائلين بعضا من كل فرد ممّا سأله جميعهم، وبهذا المقدار يصح الإخبار في الآية، وإن لم يعط كلّ واحد من السائلين بعضا من كلّ فرد ممّا سأله وإيضاح ذلك أن يكون هذا قد أعطي شيئا ممّا سأله ذاك، وأعطي ذاك شيئا مما سأله هذا على ما اقتضته الحكمة والمصلحة في حقّهما كما أعطي النبي (ص) الرؤية ليلة المعراج، وهي مسؤول موسى ﵇، وما أشبه ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها والإحصاء والعدّ بمعنى واحد، كذا نقله الجوهري فيكون المعنى وإن تعدوا نعمة الله لا تعدوها، وهو متناقض كقولك: إن تر زيدا لا تبصره، إذ الرؤية والإبصار واحد؟
قلنا: بعض المفسّرين فسّر الإحصاء بالحصر، فإن صح ذلك لغة اندفع السؤال، ويؤيّد ذلك قول الزمخشري لا تحصوها: أي لا تحصروها ولا تطيقوا عدّها وبلوغ آخرها، وعلى القول الأول فيه إضمار تقديره: وإن تريدوا عد نعمة الله لا تعدوها.
стр. 1084
فإن قيل: لم قال تعالى: لا تُحْصُوها، وهو يوهم أن نعم الله غير متناهية، وكل نعمة ممتنّ بها علينا فهي مخلوقة، وكل مخلوق متناه؟
قلنا: لا نسلّم أنه يوهم أنها لا تتناهى، وذلك لأن المفهوم منه منحصر في أنّا لا نطيق عددها أو حصر عددها، ويجوز أن يكون الشيء متناهيا في نفسه، والإنسان لا يطيق عدده، كرمل القفار وقطر البحار وورق الأشجار، وما أشبه ذلك.
فإن قيل: لم قال إبراهيم ﵇ كما ورد في التنزيل وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) وعبادة الأصنام كفر، والأنبياء معصومون عن الكفر بإجماع الأمّة، فكيف حسن منه هذا السؤال؟
قلنا: إنّما سأل هذا السؤال في حالة خوف أذهله عن ذلك العلم. لأن الأنبياء (ع) أعلم الناس بالله تعالى، فيكونون أخوفهم منه، فيكون معذورا بسبب ذلك. وقيل إن في حكمة الله تعالى وعلمه، أن لا يبتلي نبيا من الأنبياء بالكفر، بشرط أن يكون متضرّعا إلى ربه طالبا منه ذلك فأجرى على لسانه هذا السؤال لتحقيق شرط العصمة.
فإن قيل: قال تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [الآية ٣٦] فجعل الأصنام مضلة والمضلّ ضار. وقال في موضع آخر: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس/ ١٨] ونظائره كثيرة، فكيف التوفيق بينهما؟
قلنا: إضافة الإضلال إليها مجاز بطريق المشابهة. ووجهه، أنهم، لمّا ضلوا بسببها، فكأنها أضلّتهم، كما يقال فتنتهم الدنيا وغرتهم: أي افتتنوا بسببها واغترّوا، ومثله قولهم: دواء مسهّل، وسيف قاطع، وطعام مشبع، وماء مرو، وما أشبه ذلك. ومعناه:
حصول هذه الآثار بسبب هذه الأشياء، وفاعل الآثار هو الله تعالى.
فإن قيل: لم قال تعالى: أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ [الآية ٣٧] ولم يقل أفئدة الناس، وقوله قلوب الناس أظهر استعمالا من قوله قلوبا من الناس؟
قلنا: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لو قال إبراهيم ﵇ في دعائه «أفئدة الناس» ، لحجّت جميع الملل وازدحم عليه الناس، حتى لم
стр. 1085
يبق لمؤمن فيه موضع، مع أن حج غير الموحّدين لا يفيد، والأفئدة هنا القلوب في قول الأكثرين، وقيل الجماعة من الناس.
فإن قيل: إذا كان الله تعالى قد ضمن رزق العباد، فلم سأل إبراهيم ﵇ الرزق لذرّيّته، فقال كما ورد في التنزيل: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [الآية ٣٧] ؟
قلنا: الله تعالى ضمن الرزق والقوت الذي لا بد للإنسان منه ما دام حيّا، ولم يضمن كونه ثمرا أو حبّا أو نوعا معينا فالسؤال كان لطلب الثمر عينا.
فإن قيل: قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [الآية ٣٩] شكر على نعمة الولد، فكيف يناسبه بعده في الآية نفسها: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) ؟
قلنا: لمّا كان قد دعا ربّه لطلب الولد بالقول: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) [الصافّات] فاستجاب له ناسب قوله بعد الشكر: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) أي لمجيبه من قولهم:
سمع الملك قول فلان إذا أجابه وقبله، ومنه قولهم في الصلاة «سمع الله لمن حمده» أي أجابه وأثابه.
فإن قيل: لم قال تعالى: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [نوح/ ٢٨] استغفر إبراهيم لوالديه وكانا كافرين، والاستغفار للكافرين لا يجوز، ولا يقال إن هذا موضع الاستثناء المذكور في قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [التوبة/ ١١٤] ، لأن المراد بذلك استغفاره لأبيه خاصة، بقوله وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) [الشعراء/ ٨٦] والموعدة التي وعدها إيّاه إنما كانت له خاصة، بقوله تعالى: قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [يوسف/ ٩٨] ولهذا قال الله تعالى:
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة/ ٤] ؟
قلنا: هذا الاستغفار لهما كان مشروطا بإيمانهما تقديرا، كأنه قال ولوالديّ إن آمنا. الثاني: أنه أراد بهما آدم وحوّاء صلوات الله عليهما، وقرأ ابن مسعود وأبي والنخعي والزهري ﵃ (ولولديّ) يعني إسماعيل وإسحاق، ويعضد هذه القراءة سبق ذكرهما، ولا إشكال على هذه القراءة، وقيل إن هذا الدعاء على القراءة المشهورة، وإلى ذلك أشير بقوله تعالى وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) [الشعراء] .
стр. 1086
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «إبراهيم» «١»
قوله سبحانه: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وهذه استعارة. والمراد بها- والله أعلم- التذكير بأيام نقم الله التي أوقعها بالماضين، كعاد وثمود ومن جرى مجراهم. وهذا كقولنا: أيام العرب. وإنما تريد به الأيام التي كانت فيها الوقائع المشهورة والملاحم العظيمة. وقد يجوز أن تكون الأيام هاهنا عبارة عن أيام النعم، كما قلنا إنها عبارة عن أيام النقم. فيكون المعنى:
فذكّرهم بالأيام التي أنعم الله فيها عليهم وعلى الماضين من آبائهم بوقم «٢» الأعداء، وكشف اللّأواء «٣» ، وإسباغ النعماء. ألا ترى أن أيام العرب التي هي عبارة عن الوقائع يكون فيها لبعضهم الظهور على بعض، فذلك من النّعم، وعلى بعضهم السوء والدائرة، وتلك من النقم؟ فالأيام إذن تذكرة لمن أراد التذكرة بالإنعام والانتقام.
وقوله سبحانه: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [الآية ٩] وهذا استعارة، على وجه واحد من وجوه التأويلات التي حملت عليها هذه الآية. وذلك أنّ يكون المعنى ما ذهب إليه بعضهم من أنّ الأيدي هاهنا عبارة عن حجج الرسل ﵈،
стр. 1087
والبيّنات التي جاءوا بها قومهم، وأكدّوا بها شرعهم. لأن بذلك يتم لهم السلطان عليهم والتدبير لهم، وقد سمّوا السلطان يدا في كثير من المواضع، فقالوا: ما لفلان على فلان يد، أي سلطان. ويقولون: قد زالت يد فلان الأمير إذا عزل عن ولايته، بمعنى زال سلطانه عن رعيته.
ويقولون: أخذت هذا الأمر باليد، أي بالسلطان. فالحجج التي جاء بها الأنبياء أممهم قد تسمّى أيديا على ما ذكرناه، فلما وصف الكفار على هذا التأويل بأنهم ردّوا أيدي الأنبياء- ﵈ في أفواههم، كان المراد بذلك ردّ حججهم من حيث جاءت، وطريق مجيئها أفواههم فكأنهم ردّوا عليهم أقوالهم، وكذّبوا دعواهم.
وفي هذا التأويل بعد وتعسّف، إلا أننا ذكرناه لحاجتنا إليه، لمّا ذهبنا مذهب من حمل قوله سبحانه:
بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ على الاستعارة لا على الحقيقة.
فإذا حملت الآية على حقيقة الأيدي التي هي الجوارح كان المراد بها مختلفا فيه. فمن العلماء من قال: المراد بذلك أنهم كانوا يعضّون أناملهم تغيظا على الرسل ﵈، كما يفعل المغيظ المحنق، والواجم المفكّر.
وقال بعضهم: المراد بذلك أن المشركين أومئوا إلى أفواه الأنبياء، بالتسكيت لهم، والقطع لكلامهم.
وقال بعضهم: بل المراد بذلك ضرب من الهزء يفعله المجّان والسفهاء، إذا أرادوا الاستهزاء ببعض الناس، وقصدوا الوضع منه، والإزراء عليه. فيجعلون أصابعهم في أفواههم ويتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه وتجانسه، يستدل بها على قصد السخف، وتعمد الفحش. وهذا عندي بعيد من السداد، وغيره من الأقوال أولى منه بالاعتماد.
وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أن الكفار كانوا إذا بدأ عليهم الرسل بالكلام سدّوا بأيديهم أسماعهم دفعة، وأفواههم دفعة، إظهارا منهم لقلة الرغبة في سماع كلامهم وجواب مقالهم، ليدلّوهم- بهذا الفعل- على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال، ولا
стр. 1088
يجيبونهم عن سؤال، إذا قد أبهموا طريقي السماع والجواب، وهما الآذان والأفواه. وشاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح ﵇، يعني قومه: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) [نوح] فيكون معنى رد أيديهم في أفواههم على القول الذي قلنا، أن يمسكوا أفواههم بأكفهم، كما يفعل المظهر الامتناع عن الكلام. ويكون إنما ذكر تعالى ردّ الأيدي هاهنا- وهو يفيد فعل الشيء ثانيا بعد أن فعل أوّلا- لأنهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل ﵈. فوصفوا في هذه الآية بما قد سبق لهم مثله، وألف منهم فعله، فحسن ذكر الأيدي بالرد على الوجه الذي أومأنا إليه. وأيضا فقد يقول القائل لغيره: أردد إليك يدك.
بمعنى اقبضها وكفّها. لا يريد غير ذلك.
وقوله سبحانه: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) . وهذه استعارة. لأن المقام لا يضاف إلّا الى من يجوز عليه القيام. وذلك مستحيل على الله سبحانه، فإذن المراد به يوم القيامة، لأن الناس يقومون فيه للحساب، وعرض الأعمال على الثواب والعقاب، فقال سبحانه في صفة ذلك اليوم: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) [المطفّفين] .
وإنما أضاف تعالى هذا المقام إلى نفسه في هذا الموضع، وفي قوله:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [الرحمن] لأن الحكم في ذلك اليوم له خالصا، لا يشاركه فيه حكم حاكم، ولا يحادّه أمر آمر. وقد يجوز أن يكون المقام هاهنا معنى آخر، وهو أن العرب تسمي المجامع التي تجتمع فيها لتدارس مفاخرها، وتذاكر مآثرها «مقامات» و «مقاوم» . فيجوز أن يكون المراد بالمقام هاهنا الموضع الذي يقصّ فيه سبحانه على بريّته محاسن أعمالهم، ومقابح أفعالهم، لاستحقاق ثوابه وعقابه، واستيجاب رحمته وعذابه.
وقد يقولون: هذا مقام فلان ومقامته، على هذا الوجه، وإن لم يكن الإنسان المذكور في ذلك المكان قائما، بل كان قاعدا أو مضطجعا. ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى في قصة سليمان ﵇: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ
стр. 1089
مِنْ مَقامِكَ
[النمل/ ٣٩] أي من مجلسك. سمّاه مقاما- مع ذكره أنّ سليمان ﵇ كان جالسا فيه- لأنه قال: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ.
وإنما سمّاه مقاما، لأن القاعد إذا قام بعد قعوده ففيه يكون قيامه. وهذا من غرائب القرآن الكريم.
وقوله سبحانه: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) فهذه استعارة. لأن المراد بذلك لو كان الموت الحقيقي ولم يكن «١» سبحانه ليقول: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، وإنما المعنى أن غواشي الكروب، وحوازب الأمور تطرقه من كل مطرق، وتطلع عليه من كل مطلع.
وقد يوصف المغموم بالكرب، والمضغوط بالخطب بأنه في غمرات الموت، مبالغة في عظيم ما يغشاه، وأليم ما يلقاه.
وقوله سبحانه: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [الآية ١٨] في هذه الآية استعارتان إحداهما قوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ «٢» . ...
....
وقوله سبحانه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [الآية ٣٧] . وهذه من محاسن الاستعارة. وحقيقة الهويّ النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط.
والمراد به هاهنا المبالغة في صفة الأفئدة بالنّزوع إلى المقيمين بذلك المكان.
ولو قال سبحانه: تحنّ إليهم، لم يكن فيه من الفائدة ما في قوله سبحانه:
تهوي إليهم، لأن الحنين قد يوصف به من هو مقيم في مكانه، والهوي يفيد انزعاج الهاوي من مستقرّه.
وقوله تعالى: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وهذه استعارة.
والمراد بها صفة قلوبهم بالخلوّ من عزائم الصبر والجلد، لعظيم الإشفاق والوجل. ومن عادة العرب أن يسمّوا الجبان يراعة جوفاء، أي ليس بين جوانحه قلب.
وعلى ذلك قول جرير، يهجو قوما ويصفهم بالجبن:
стр. 1090
قل لخفيف القصبات الجوفان ... جيئوا بمثل عامر والعلهان «١»
وإنما وصف الجبان بأنه لا قلب له، لأن القلب محل الشجاعة، وإذا نفي المحل فأولى أن ينتفي الحالّ فيه.
وهذا على المبالغة في صفته بالجبن.
ويسمون الشيء إذا كان خاليا «هواء» ، أي ليس فيه ما يشغله إلا الهواء.
وعلى هذا قول الله سبحانه:
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [القصص/ ١٠] أي خاليا من التجلّد، وعاطلا من التصبّر. وقيل أيضا: إن معنى ذلك أنّ أفئدتهم منحرفة لا تعي شيئا، للرعب الذي دخلها، والهول الذي استولى عليها. فهي كالهواء الرقيق في الانحراف، وبطلان الضبط والامتساك.
وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) . وهذه استعارة على إحدى القراءتين. وهما:
لتزول. بكسر اللام الأولى وفتح اللام الأخرى، ولتزول، بفتح اللام الأولى وضم الأخرى. وقرأنا بهذه القراءة للكسائي «٢» وحده، وقرأنا لبقية السبعة القراءة الأولى.
فمعنى القراءة الأولى أن يكون موضع «إن» فيها موضع نعم، لأنها قد ترد بهذا المعنى مثقلة: كقوله: [إنّ وراكبها] «٣» .
ويجوز أن ترد مخففة. لأنّ «إن» على أصلها قد تأتي مخففة ومثقلة.
ويكون المعنى واحدا. وكذلك «أن» المفتوحة. قال الشاعر «٤» :
أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص
وأراد «أنّ كلانا» فخفف. فإذا تقرر ذلك صار تقدير الكلام في الآية: