جاء «الطاغوت» في ثماني آيات، من سور مختلفة، والمعنى واحد.
من غير شك أن «الطاغوت» من «الطغيان» وهو الشرّ، والكفر، وتجاوز الحدّ في البغي.
غير أن «الطاغوت» ، وإن تضمن هذه الدلالات فهو بناء خاص، وهو يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وإن قيل: طواغيت.
وهو نظير رغبوت، ورحموت، وجبروت، ولاهوت، وناسوت، وملكوت ونحو هذا.
وهو مصدر من المصادر القديمة، التي استقرينا منها جملة من طريق السّماع.
ولا أريد أن أقول إنها مقلوبة على فعلوت، والأصل «طغيوت» كما ذهب أهل اللغة فليس ذلك بمهمّ.
وقالوا: الطاغوت الشيطان.
وعندي أن هذا البناء الغريب القديم، يصح أن يتّخذ في وضع المصطلح الجديد، وذلك أن أهل المصطلحات من الغربيين، يلتمسون الأبنية الغريبة إذا ما جدّت لهم حاجة لمصطلح جديد، ليكون الوزن الغريب مميزا له خاصا به. ٨- وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) .
وقرئ: أو لم يروا، ويتفيّئوا بالياء والتاء.
والتفيّؤ: الظلّ بالعشي، وتفيّؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار، وابتعاث الأشياء ظلالها.
أقول: عرفنا أن الفيء بالعشيّ، والظلّ بالغداة. وقد امّحى الفرق في العربية المعاصرة.
وداخرون أي: متصاغرون منقادون، على أنّ الدخور من صفات العقلاء.
٩- وقال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [الآية ٦٦] .
ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف من الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكباش.
وجبّة أسناد، وثوب أفواف.
وقد تعجب أن يدرج سيبوبه «الأنعام» ، مع هذه الأسماء التي جاءت مفردة في استعمالهم، وأنت تقرأ قوله تعالى:
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) .
стр. 1157
وإذا كان الضمير في قوله تعالى:
مِمَّا فِي بُطُونِهِ، في الآية قد حملهم على جعل «الانعام» مفردة، وإدراجها مع ثوب أكباش، وجبّة أسناد وغيرها، فماذا يقولون في قوله تعالى:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) [المؤمنون] ١٠- وقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) .
قوله تعالى: يُسْتَعْتَبُونَ أي:
يسترضون، أي: لا يقال لهم أرضوا ربّكم، لأن الاخرة ليست بدار عمل.
١١- وقال تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) .
الكلام على الذين كفروا، أي: أنهم ألقوا الاستسلام لأمر الله وحكمه، بعد الإباء والاستكبار في الدنيا.
وهذا من معاني «السلم» مقيّدا بهذه الآية، وهو نظير «الإسلام» بمعنى الخضوع والانقياد والاستسلام.
١٢- وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [الآية ٩٢] .
أي: ولا تكونوا في نقض الأيمان، كالمرأة التي أنحت على غزلها، بعد أن أحكمته وأبرمته، فجعلته أنكاثا، أي:
ما ينكث فتله، تتخذون الأيمان دخلا بينكم، أي: مفسدة ودغلا.
أقول: والدّخل والدّغل سواء.
١٣- وقال تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [الآية ١٠١] .
أقول: واستعمال «مكان» في فعل التبديل، ما زال معروفا حتى في العامّيّة الدارجة.
١٤- وقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [الآية ١١٢] .
أقول: وضرب الأمثال في القرآن على هذا النحو، من تصوير حالة يعرض فيها جملة أمور، ليتخذ منها العباد عبرة لهم.
ومن ذلك قوله تعالى:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤] .
стр. 1158
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [الآية ٧٦] .
وقوله تعالى في الآية ١١٢: بِأَنْعُمِ اللَّهِ الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.
١٥- وقال تعالى:
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً [الآية ١٢٠] . قوله تعالى: كانَ أُمَّةً فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده أمّة من الأمم، لكماله في جميع صفات الخير.
والثاني: أن يكون أمّة بمعنى مأموم، أي: يؤمّه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتمّ به كالرحلة والنّخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول.
стр. 1159
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النحل» «١»
قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [الآية ٨] بالنّصب.
أي: وجعل الله الخيل والبغال والحمير زينة..
وقال تعالى: وَمِنْها جائِرٌ [الآية ٩] أي: ومن السبيل لأنها مؤنثة في لغة الحجاز «٢» .
وقال تعالى: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [الآية ١٣] أي:
خلق لكم وبثّ لكم «٣» .
وقال تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [الآية ٣٠] فكانت «ماذا» بمنزلة «ما» وحدها.
وقال تعالى: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ [الآية ٢١] على التوكيد «٤» .
وقال سبحانه: إِنْ تَحْرِصْ [الآية ٣٧] لأنّها من «حرص» «يحرص» .
وإذا وقفت على يَتَفَيَّؤُا [الآية ٤٨] قلت «يتفيّأ» ، كما تقول بالعين «تتفّيع» جزما، وإن شئت أشممتها الرفع، ورمته، كما تفعل ذلك في «هذا حجر» .
وقال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) فذكّر، وهم
стр. 1160
غير الإنس، لأنه لما وصفهم سبحانه بالطاعة أشبهوا ما يعقل «١» ، وجعل اليمين للجماعة مثل وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: ٤٥] .
وقال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ [الآية ٤٩] يريد: من الدواب، واجتزأ بالواحد، كما تقول: «ما أتاني من رجل» أي: ما أتاني من الرجال مثله.
وقال تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ [الآية ٥٣] لأنّ «ما» بمنزلة «من» ، فجعل الخبر بالفاء.
وقال تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ [الآية ٥٥] .
وقال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [الآية ٦٧] ولم يقل «منها» لأنّ السياق أضمر «الشيء» كأنه «ومنها شيء تتّخذون منه سكرا» «٢» .
وقال تعالى: إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي [الآية ٦٨] على التأنيث في لغة أهل الحجاز. وغيرهم يقول «هو النّحل» وكذلك كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، نحو «البرّ» و «الشعير» هو في لغتهم مؤنّث «٣» .
وقال تعالى: ذُلُلًا [الآية ٦٩] وواحدها «الذلول» وجماعة «الذّلول» «الذلل» .
وقال تعالى: بَنِينَ وَحَفَدَةً [الآية ٧٢] وواحدهم «الحافد» .
وقال تعالى: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [الآية ٧٦] لأنّ «أينما» من حروف المجازاة.
وقال تعالى: رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً [الآية ٧٣] بجعل «الشيء» بدلا من «الّرزق» ، وهو في معنى «لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا» «٤» . وقال بعضهم: «الرّزق فعل يقع بالشيء» يريد: «لا يملكون أن يرزقوا شيئا» .
وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ [الآية ٩١] تقول: «أوفيت بالعهد»
стр. 1161
و «وفيت بالعهد» فإذا قلت «العهد» قلت «أوفيت العهد» بالألف «١» .
وقال تعالى: أَنْكاثاً [الآية ٩٢] وواحدها «النكث» .
قوله سبحانه: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [الآية ١٠٦] خبر لقوله تعالى وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ثم دخل معه قوله سبحانه مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فأخبر عنهم بخبر واحد، إذ كان ذلك يدل على المعنى «٢» .
وقال تعالى: مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً [الآية ٨١] وواحده:
«الكنّ» .
وقال جلّ شأنه: كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [الآية ١١١] ومعنى كلّ نفس: كلّ إنسان، وورد التأنيث لأن النفس تؤنّث وتذكّر. يقال «ما جاءتني نفس واحدة» و «ما جاءني نفس واحد» .
وقال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ [الآية ١١٦] بجعل لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ اسما للفعل، كأنّ السّياق «ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الْكَذِبَ هذا حَلالٌ [الآية ١١٦] .
وقال تعالى شاكِراً لِأَنْعُمِهِ [الآية ١٢١] وقال سبحانه فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [الآية ١١٢] بجمع «النّعمة» على «أنعم» كما قال جلّ شأنه: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ [الأحقاف: ١٥] فزعموا أنّه جمع «الشدّة» .
стр. 1162
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل» «١»
إن قيل: لم قدّمت الإراحة، وهي مؤخّرة في الواقع، على السروح، وهو مقدم في الواقع، في قوله تعالى:
حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) .
قلنا: لأنّ الأنعام، في وقت الإراحة، وهي ردها عشيّا الى المراح، تكون أجمل وأحسن، لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، متهادية في مشيها، يتبع بعضها بعضا، بخلاف وقت السروح، وهو إخراجها الى المرعى، فإنّ هذه الأمور كلّها تكون على ضدّ ذلك.
فإن قيل: قوله تعالى: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [الآية ٧] ، إن أريد به: لم تكونوا بالغيه عليها إلّا بشق الأنفس، فلا امتنان فيه وإن أريد به لم تكونوا بالغيه بدونها إلّا بشقّ الأنفس، فهم لا يبلغونه عليها أيضا إلّا بشق الأنفس، فما الحكمة في ذلك؟
قلنا: معناه وتحمل أثقالكم: أي أجسامكم وأمتعتكم معكم الى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بدونها، بأنفسكم من غير أمتعتكم إلّا بجهد ومشقة. فكيف لو حملتم أمتعتكم على ظهوركم؟ والمراد بالمشقة: المشقّة التي تنشأ من المشي، أو من المشي مع الحمل على الظهر لا مطلق مشقّة السفر، وهذا مخصوص بحال فقد الإبل، فظهرت الحكمة من ذلك.
فإن قيل: قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [الآية ٨] يقتضي حرمة أكل الخيل، كما
стр. 1163
اقتضاه في البغال والحمير، من حيث أنه لم ينصّ على منفعة أخرى فيها، غير الركوب والزينة، ومن حيث أن التعليل بعلّة يقتضي الانحصار فيها كقولك: فعلت هذا لكذا، فإنه يناقضه أن تكون فعلته لغيره، أو له مع غيره، إلّا إذا كان أحدهما جهة في الاخر.
قلنا: ينتقض بالحمل عليها والحراثة بها، فإن ذلك مباح مع أنه لم ينص عليه.
فإن قيل: إنّما ثبت ذلك بالقياس على الأنعام، فإنه منصوص عليه بقوله تعالى وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ [الآية ٥] ، والمراد به كل منفعة، معهودة منها عرفا، لا كلّ منفعة. فثبت مثل ذلك في الخيل والبغال والحمير.
قلنا: لو كان ثبوته فيها بالقياس في الأنعام، لثبت حلّ الأكل في الخيل بالقياس على ثبوته في الأنعام أيضا ولو ثبت حلّ الأكل في الخيل بالقياس، لثبت في البغال والحمير، كما ثبت الحمل والحراثة ثبوتا شاملا للكل بالقياس على ثبوته في الأنعام.
والجواب عن الجهة الثانية في أصل السؤال، أن هذه اللام ليست لام التعليل، بل لام التمكين، كقوله تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس:
٦٧، غافر: ٦١] ومع هذا يجوز في الليل غير السكون.
فإن قيل: لم قال الله تعالى في وصف ماء السماء يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [الآية ١١] ولم يقل كل الثمرات، مع أن كل الثمرات تنبت بماء السماء؟
قلنا: كل الثمرات لا تكون إلّا في الجنة، وإنما ينبت في الدينا بعض منها أنموذجا وتذكرة، فالتبعيض بهذا الاعتبار يكون المراد بالثمرات ما هو أعمّ من ثمرات الدنيا، ومن يجوّز زيادة «من» في الإثبات يحتمل أن يجعلها زائدة هنا.
فإن قيل: قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [الآية ١٧] ، المراد بمن لا يخلق الأصنام، بدليل قوله تعالى بعده: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ، فكيف جيء بمن المختصة بأولي العلم والعقل؟
قلنا: خاطبهم على معتقدهم، لأنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى
стр. 1164
أولي العلم، ونظير هذا قوله تعالى في الأصنام أيضا: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: ١٩٥] ، فأجرى عليهم ضمير أولي العلم والعقل لما قلناه ويرد على هذا الجواب أن يقال: إذا كان معتقدهم خطأ وباطلا، فالحكمة تقتضي أن ينزعوا عنه ويقلعوا، لا أن يبقوا عليه ويقرّوا في خطابهم على معتقدهم إيهاما لهم أنّ معتقدهم حقّ وصواب، وجوابه: أن الغرض من الخطاب الإفهام، ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم ومفهومهم فقال: أفمن يخلق كما لا يخلق، لاعتقدوا أنّ المراد من الثاني غير الأصنام من الجماد. الثاني: قال ابن الأنباري: إنما جاز ذلك، لأنّها ذكرت مع العالم، فغلب عليها حكمه في اقتضاء «من» ، كما في قول العرب: اشتبه عليّ الراكب، وجمله: فما أدري من ذا، ومن ذا.
فإن قيل: هذا إلزام للذين عبدوا الأصنام، وسمّوها آلهة تشبيها بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فظاهر الإلزام يقتضي أن يقال لهم:
أفمن لا يخلق كمن يخلق؟
قلنا: لما سوّوا بين الأصنام وخالقها ، في تسميتها باسمه، وعبادتها كعبادته، فقد سوّوا بينها وبين خالقها قطعا، فصحّ الإنكار بتقديم أيهما كان وإنما قدم في الإنكار عليهم ذكر الخالق، إمّا لأنه أشرف، أو لأنه هو المقصود الأصلي من هذا الكلام، تنزيها له وإجلالا وتعظيما.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في وصف الأصنام غَيْرُ أَحْياءٍ [الآية ٢١] بعد قوله تعالى: أَمُوتُ؟
قلنا: الحكمة فيه، إفادته أنها أموات لا يعقب موتها حياة، احترازا عن أموات يعقب موتها حياة. كالنطف والبيض والأجساد الميتة، وذلك أبلغ في موتها، كأنّ الكلام: أموات في الحال غير أحياء في المال. الثاني: أنه ليس وصفا لها بل لعبّادها، معناه:
وعبّادها غير أحياء القلوب. الثالث:
أنه إنما قال غَيْرُ أَحْياءٍ ليعلم أنه أراد أمواتا في الحال، لا أنها ستموت كما في قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزّمر] .
فإن قيل: لم عاب الأصنام وعبّادها بأنهم لا يعلمون وقت البعث، فقال تعالى: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
стр. 1165
يُبْعَثُونَ
(٢١) والمؤمنون الموحّدون كذلك؟
قلنا: معناه وما يشعر الأصنام متى يبعث عبّادها، فكيف تكون آلهة مع الجهل؟ أو معناه: وما يشعر عبّادها، وقت بعثهم لا مفصّلا ولا مجملا، لأنهم ينكرون البعث، بخلاف الموحّدين فإنهم يشعرون وقت بعثهم مجملا، أنه يوم القيامة، وإن لم يشعروه مفصّلا..
فإن قيل: قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) كيف يعترفون بأنه من عند الله تعالى، بالسؤال المعاد ضمن الجواب، ثم يقولون هو أساطير الأوّلين.
قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة الحجر في قوله تعالى وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) [الحجر] .
فإن قيل: لم قيل هنا لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ٢٥] وقال في موضع آخر: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] ؟ قلنا: معناه ومن أوزار إضلال الذين يضلّونهم، فيكون عليهم وزر كفرهم مباشرة، ووزر كفر من أضلّوهم تسبّبا، فقوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يعني أوزار الذنوب التي باشروها. وأما قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، فمعناه: وزر لا مدخل لها فيه، ولا تعلّق له بها مباشرة، ولا تسبّبا ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢] إلى قوله تعالى وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] .
فإن قيل: قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ [الآية ٤٠] ، يدل على أن المعدوم شيء، ويدل على ان خطاب المعدوم جائز والأول منتف عند أكثر العلماء، والثاني منتف بالإجماع؟
قلنا: أما تسميته شيئا، فمجاز باعتبار ما يؤول إليه، ونظيره قوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج] وقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزّمر] . وأما الثاني فإن هذا الخطاب تكوين، يظهر به أثر القدرة،
стр. 1166
فيمتنع أن يكون المخاطب به موجودا قبل الخطاب لأنه إنما يكون بالخطاب، فلا يسبقه، بخلاف خطاب الأمر والنهي.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ [الآية ٤٩] كيف لم يغلب العقلاء من الدواب على غيرهم، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [النّور:
٤٥] .
قلنا: لأنه أراد عموم كل دابة وشمولها، فجاء ب «ما» التي تعم النوعين وتشملهما، ولو جاء ب «من» لخّص العقلاء.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [الآية ٦١] يقتضي أنه لو أخذ الظالمين بظلمهم لأهلك غير الظالمين من الناس، ولأهلك جميع الدوابّ غير الناس ومؤاخذة البريء بسبب ظلم الظالم، لا يحسن بالحكيم؟
قلنا: المراد بالظلم هنا الكفر، وبالدابّة الظالمة الكافر، كذا قاله ابن عباس ﵄. وقيل معناه: لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء.
الثاني: يجوز أن يهلك الجميع بشؤم ظلم الظالمين، مبالغة في إعدام الظلم ونفي وجود أثره، حتى لا يوجد بعد ذلك من بقيّة الناس ظلم موجب للإهلاك، كما وجد من الذين أهلكهم بظلمهم ودليل جواز ذلك ما وجد في زمن نوح ﵇، فإنه أهلك بشؤم الظلم الواقع على قوم نوح جميع دواب الأرض، وما نجا إلّا من في السفينة، ولم يبق على ظهر الأرض دابة، ولذا قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥] ثم إذا فعل ذلك للحكمة والمصلحة التي اقتضت فعله، عوّض البريء في الاخرة ما هو خير وأبقى.
الثالث أن كل إنسان مكلّف، فهو ظالم إما لنفسه أو لغيره، لأنه لا يخلو عن ذنب صغير أو كبير، فلو أهلك الناس بذنوبهم لأهلك الدوابّ أيضا، لأنه إنما خلق الدواب لمصالح الناس، وإذا عدم الناس وقع استغناؤهم عن الدواب كلها.
فإن قيل: لم قال تعالى مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ [الآية ٦٨] ولم يقل في الجبال وفي الشجر، والاستعمال. هو
стр. 1167
أن يقال: اتخذ فلان بيتا في الجبل أو في الصحراء أو نحو ذلك؟
قلنا: قال الزمخشري ﵀:
إنّما أتي بلفظة «من» ، لأنه أريد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر، ولا في كل مكان من الجبل والشجر. وأنا أقول: إنما ذكر بلفظ «من» لأنه أريد كون البيت بعض الجبل وبعض الشجر، كما نشاهد ونرى من بيوت النحل، لأنه يتخذ من طين أو عيدان في الجبل والشجر، كما تتخذ الطيور. فلو أتي بلفظة «في» لم تدل على هذا المعنى، ونظيره قوله تعالى وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الشعراء: ١٤٩] .
فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الآية ٧٢] وأزواجنا لسن من أنفسنا، لأنهن لو كنّ من أنفسنا لكنّ حراما علينا، فإن المتفرعة من الإنسان لا يحلّ له نكاحها؟
قلنا: المراد بهذا أنه خلق آدم ثم خلق منه حواء، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النساء: ١] . الثاني أنّ المراد من جنسكم، كما قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) ، فعبر بالواو والنون، وهما من خواص من يعقل؟
قلنا: كان فيمن يعبدونه من دون الله، من يعقل كالعزيز وعيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، فغلّبهم.
فإن قيل: لم أفرد في قوله تعالى:
ما لا يَمْلِكُ ثم جمع في قوله سبحانه وَلا يَسْتَطِيعُونَ؟
قلنا: أفرد نظرا للفظ «ما» ، وجمع نظرا إلى معناها، كما قال تعالى:
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الزخرف] أفرد الضمير نظرا إلى للفظ، وجمع الظهور نظرا إلى المعنى.
فإن قيل: ما الحكمة في نفي استطاعة الرزق بعد نفي ملكه والمعنى واحد، لأن نفي ملك الفعل، هو نفي استطاعته، والرزق هنا اسم مصدر بدليل إعماله في «شيئا» ؟
стр. 1168
قلنا ليس في «يستطيعون» ضمير مفعول هو الرزق، بل الاستطاعة منفية عنهم مطلقا، معناه لا يملكون أن يرزقوا، ولا استطاعة لهم أصلا في رزق أو غيره، لأنهم جماد. الثاني: أنه لو قدّر فيه ضمير مفعول على معنى ولا يستطيعونه، كان مفيدا أيضا، على اعتبار كون الرزق اسما للعين، لأن الإنسان يجوز أن يملك الشيء، ولكن يستطيع أن يملكه، بخلاف هؤلاء، فإنهم لا يملكون، ولا يستطيعون أن يملكوا.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى مَمْلُوكاً [الآية ٧٥] بعد قوله تعالى:
عَبْداً وما الحكمة في قوله سبحانه لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بعد قوله تعالى مَمْلُوكاً؟
قلنا: لفظ العبد يصلح للحرّ والمملوك، لأن الكل عبيد الله تعالى، قال الله تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: ٣٠] فقال «مملوكا» لتمييزه من الحرّ، وقال لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لتمييزه من المأذون والمكاتب، فإنّهما يقدران على التصرّف والاستقلال.
فإن قيل: المضروب به المثل اثنان، وهما المملوك والمرزوق رزقا حسنا، فظاهره أن يقال هل يستويان، فلم قال تعالى: يَسْتَوُونَ [الآية ٧٥] ؟
قلنا: لأنه أراد جنس المماليك وجنس المالكين، لا مملوكا ولا مالكا معيّنا. الثاني: أنه أجرى الاثنين مجرى الجمع. الثالث: أن «من» تقع على الجمع، ولقائل أن يقول على الوجه الثالث: يلزم منه أن يصير المعنى:
ضرب الله مثلا عبدا مملوكا، وجماعة مالكين هل يستوون، إنه لا يحسن مقابلة الفرد بالجمع في التمثيل.
فإن قيل: «أو» في الخير للشكّ، والشك على الله تعالى محال، فما معنى قوله تعالى: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [الآية ٧٧] ؟
قلنا: قيل «أو» هنا بمعنى «بل» كما في قوله تعالى إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات] . وقوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤] وقوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
(٩) [النّجم] ويرد على هذا أن «بل» للإضراب، والإضراب رجوع عن الإخبار، وهو على الله محال. وقيل هي بمعنى الواو في هذه الآيات. وقيل «أو» للشك في الكلّ،
стр. 1169
لكن بالنسبة إلينا لا إلى الله تعالى، وكذا في قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) يعني بالنسبة الى نظر النبي (ص) . وقال الزجّاج: ليس المراد، أنّ الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنّ المراد، وصف قدرة الله على سرعة الإتيان بها، متى شاء.
فإن قيل: لم قال تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [الآية ٨١] ، ولم يقل:
و «البرد» مع أن السرابيل، هي الثياب تلبس لدفع الحر والبرد، وهي مخلوقة لهما؟
قلنا: حذف ذكر أحدهما لدلالة ضدّه عليه، كما في قوله تعالى:
بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران: ٢٦] ولم يقل:
والشر، وكما قال الشاعر:
وما أدري إذا يمّمت أرضا أريد الخير أيّهما يليني أي أريد الخير لا الشر، أو أريد الخير وأحذر الشر.
فإن قيل: لم كان ذكر الخير والحرّ أولى من ذكر الشرّ والبرد؟
قلنا: لأن الخير مطلوب العباد من ربّهم، ومرغوبهم إليه أو لأنه اكثر وجودا في العالم من الشرّ وأما الحرّ فلأن الخطاب بالقرآن، أول ما وقع مع أهل الحجاز، والوقاية من الحر، أهمّ عندهم، لأنّ الحرّ في بلادهم أشدّ من البرد.
فإن قيل: لم قال الله تعالى يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) مع أنّهم كلّهم كافرون؟
قلنا: قال الزمخشري: الأحسن، أن المراد بالأكثر هنا الجمع، وفي هذا نظر لأنّ بعض الناس لا يجوّز اطلاق اسم البعض على الكل، لأنه ليس لازما له، بخلاف عكسه.
فإن قيل: ما فائدة قول المشركين عند رؤية الأصنام كما ورد في التنزيل:
رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [الآية ٨٦] والله تعالى عالم بذلك؟
قلنا: لما أنكروا الشرك بقولهم كما ورد في التنزيل: رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) [الأنعام] عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فكان جوابهم عند معاينة آلهتهم:
رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا [الآية ٨٦] أي قد أقررنا بعد الإنكار وصدّقنا بعد الكذب، طلبا للرحمة وفرارا من
стр. 1170
الغضب، فكان هذا القول على وجه الاعتراف منهم بالذنب، لا على وجه إعلام من لا يعلم. الثاني: أنهم لمّا عاينوا عظيم غضب الله تعالى، وعقوبته قالوا كما ورد في التنزيل: رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا رجاء أن يلزم الله الأصنام ذنوبهم، لأنهم كانوا يعتقدون لها العقل والتمييز، فيخفّ عنهم العذاب.
فإن قيل: لم قالت الأصنام للمشركين كما ورد في التنزيل: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) ، وكانوا صادقين في ما قالوا؟
قلنا: إنما قالت لهم ذلك لتظهر فضيحتهم، وذلك أنّ الأصنام كانت جمادا لا تعرف من يعبدها، فلم تعلم أنهم عبدوها في الدنيا، فظهرت فضيحتهم حيث عبدوا من لا يعلم بعبادتهم، ونظير هذا قوله تعالى:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) [مريم] .
فإن قيل: قوله تعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [الآية ٨٩] ، فإذا كان القرآن تبيانا لكل شيء من أمور الدين، فمن أين وقع بين الأئمّة في أحكام الشريعة هذا الخلاف الطويل العريض؟
قلنا: إنّما وقع الخلاف بين الأئمّة، لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبيّنا في القرآن نصّا، بل بعضه مبيّن وبعضه مستنبط بيانه منه بالنظر والاستدلال وطريق النظر والاستدلال مختلفة، فلذلك وقع الخلاف.
فإن قيل: كثير من أحكام الشريعة لم تعلم من القرآن نصّا ولا استنباطا كعدد ركعات الصلاة، ومقادير باقي الأعضاء، ومدّة السفر والمسح والحيض، ومقدار حدّ الشرب، ونصاب السرقة، وما أشبه ذلك ممّا يطول ذكره.
قلنا: القرآن تبيان لكل شيء من أمور الدين، لأنه نصّ على بعضها، وأحال على السّنّة في بعضها، في قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وقوله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) وأحال على الإجماع ايضا بقوله تعالى:
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:
١١٥] ، وأحال على القياس أيضا بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)
стр. 1171
[الحشر] ، والاعتبار النظر والاستدلال.
فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلّها مذكورة في القرآن، فصحّ كونه تبيانا لكل شيء.
فإن قيل: لم وحّدت القدم، ونكّرت، في قوله تعالى فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [الآية ٩٤] ولم يقل القدم أو الأقدام، وهو أشدّ مناسبة لجمع الأيمان؟
قلنا: وحّدت ونكّرت في قوله تعالى، لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة على طريق الجنة، فكيف بأقدام كثيرة؟
فإن قيل: «من» تتناول الذكر والأنثى لغة، ويؤيده قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ [الأنعام: ١٦٠] وقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] وقوله تعالى:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) [الزلزلة] وقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] ونظائره كثيرة، فلم قال تعالى هنا:
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [الآية ٩٧] ؟
قلنا: إنما صرح بذكر النوعين هنا، لسبب اقتضى ذلك وهو أن النساء قلن: «ذكر الله تعالى الرجال في القرآن بخير، ولم يذكر النساء بخير، فلو كان فينا خير لذكرنا به» . فأنزل الله تعالى:
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: ٣٥] الآية، وأنزل مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الآية ٩٧] فذهب عن النساء وهم تخصيصهنّ عن العموميّات.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [الآية ٩٧] وقد رأينا كثيرا من الصلحاء والأتقياء، قطعوا أعمارهم في المصائب والمحن وأنواع البلايا باعتبار الأمثل، فالأمثل، إلى الأنبياء؟
قلنا: المراد بالحياة الطيّبة الحياة في القناعة. وقيل في الرزق الحلال. وقيل في رزق يوم بيوم. وقيل التوفيق للطاعات. وقيل في حلاوة الطاعات.
وقيل في الرضا بالقضاء. وقيل المراد به الحياة في القبر، كما قال تعالى:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران] وقيل المراد به الحياة في الدار الاخرة، وهي الحياة الحقيقية، لأنها حياة لا موت بعدها، دائمة في النعيم المقيم، والظاهر أنّ المراد به الحياة في الدنيا، لقوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ [الآية ٩٧] فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ
стр. 1172
الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[النساء: ١٣٤] كما قال تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [آل عمران: ١٤٨] .
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) وكثير من الصحابة وغيرهم، كانوا كافرين فهداهم الله تعالى الى الإيمان؟
قلنا: المراد من هذا، الكافرون، الذين علم الله تعالى أنهم يموتون على الكفر ويؤيده ما بعد ذلك من الآيتين.
فإن قيل: ما معنى إضافة النفس الى النفس في قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [الآية ١١١] والنفس ليس لها نفس أخرى؟
قلنا: النفس اسم للروح وللجوهر القائم بذاته، المتعلّق بالجسم تعلّق التدبير. وقيل هي اسم لجملة الإنسان، لقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] وقوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:
٤٥] . والنفس أيضا اسم لعين الشيء وذاته، كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة: أي عينهما وذاتهما، فالمراد بالنفس الأولى الإنسان، وبالثانية ذاته، فكأنه يوم يأتي كل إنسان يجادل عن نفسه: أي ذاته لا يهمّه شأن غيره، كلّ يقول نفسي نفسي، فاختلف معنى النفسين.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [الآية ١١٢] والإذاقة لا تناسب اللباس، وإنّما تناسبه الكسوة؟
قلنا: الإذاقة تناسب المستعار له وهو الجوع، من حيث أنّ الجوع يقتضي الأكل فيقتضي الذوق وإن كانت لا تناسب المستعار وهو اللباس والكسوة تناسب المستعار وهو اللباس، ولا تناسب المستعار له وهو الجوع وكلاهما من دقائق علم البيان، يسمى الأول تجريد الاستعارة، والثاني ترشيح الاستعارة فجاء القرآن العزيز في هذه الآية بتجريد الاستعارة، وقد ذكرنا تمام هذا في كتابنا «روضة الفصاحة» ، ولباس الجوع والخوف، استعارة لما يظهر على أهل القرية من أثر الجوع والخوف، من الصفرة والنحول كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى [الأعراف: ٢٦] استعير اللباس لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. وقيل إن فيه إضمارا تقديره: فأذاقها الله طعم الجوع وكساها لباس الخوف.
стр. 1173
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل» «١»
قوله سبحانه: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية ٢] هذه استعارة: لأن المراد بالروح، هاهنا، الوحي الذي يتضمن إحياء الخلق، والبيان عن الحقّ. ومثل ذلك قوله سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] ومثله قوله سبحانه في المسيح (ع) : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١] فسمّاه تعالى روحا على هذا المعنى، لأنّ به حياة أمته، وبقاء شريعته.
فأما قوله سبحانه: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السّجدة: ٩] فإنما أراد بذلك الروح التي خلقها ليحيي عباده بها، وأضافها الى نفسه كما أضاف الأرض الى نفسه، إذ يقول تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء: ٩٧] .
وكان أبو الفتح عثمان بن جنّي ﵀ يقول: معنى قولهم في القسم:
«لعمر الله ما قلت ذلك، ولأفعلن ذلك» ، إنما يريدون به القسم بحياة يحيي الله بها، لا حياة يحيى بها، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. فكان المقسم إذا أقسم بهذه الحياة، دخل ما يخصه منها في جملة قسمه، وجرى ذلك مجرى قوله: لعمري. فيصير مقسما بحياته التي أحياه الله بها.
والعمر هاهنا هو العمر. ومعناه الحياة.
стр. 1174
وقوله سبحانه: إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [الآية ٧] استعارة على أحد التأويلين. وهو أن يكون المعنى: أنّكم لا تبلغون هذا البلد إلا بأنصاف أنفسكم، من عظم المشقّة، وبعد الشّقّة، لأن الشّق أحد قسمي الشيء. ومنه قولهم: شقيق النفس أي قسيمها، فكأنه من الامتزاج بها شقّ منها. وعلى ذلك قول الشاعر:
من بني عامر لها نصف قلبي قسمة مثلما يشقّ الرّداء فأمّا من حمل قوله تعالى: إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ على أنّ معناه المشقّة والنصب والكدّ والدأب، فإن الكلام، على قوله، يكون حقيقة، ويخرج عن حدّ الاستعارة. كأنه، سبحانه، قال:
إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلّا بمشقة الأنفس.
وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [الآية ٩] وهذه استعارة. لأن الجائر هو الضالّ نفسه.
يقال: جار عن الطريق. إذا ضلّ عن نهجه، وخرج عن سمته. ولكنهم لمّا قالوا: طريق قاصد، أي مقصد فيه، جاز أن يقولوا: طريق جائر أي يجار فيه. وقوله سبحانه: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ٢٥] . وهذه استعارة لأنّ الأوزار على الحقيقة هي الأثقال، واحدها وزر. والمراد بها هاهنا الخطايا والآثام، لأنها تجري مجرى الأثقال التي تقطع المتون، وتنقض الظهور.
وفي معنى ذلك قولهم: فلان خفيف الظهر. وصفوه بقلة العدد والعيال، أو بقلة الذنوب والآثام.
وقوله سبحانه: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [الآية ٢٦] وهذه استعارة.
لأن الإتيان هاهنا ليس يراد به الحضور عن غيبة، والقرب بعد مسافة. وإنّما ذلك كقول القائل: أتيت من جهة فلان. أى جاءني المكروه من قبله.
وأتي فلان من مأمنه، أي ورد عليه الخوف من طريق الأمن، والضرّ من مكان النفع.
وقوله سبحانه: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [الآية ٢٨] . وهذه استعارة. وليس هناك شيء يلقى على الحقيقة. وإنما المراد بذلك طلب المسالمة عن ذلّ واستكانة، والتماس وشفاعة. لأنّ من كلامهم أن يقول القائل: ألقى إليّ فلان بيده. أي خضع
стр. 1175
لي، وسلّم لأمري. وقد يجوز أيضا أن يكون معنى فَأَلْقَوُا السَّلَمَ: أي استسلموا وسلّموا. فكانوا كمن طرح آلة المقارعة، ونزع شكّة المحاربة.
وفي معنى ذلك قوله سبحانه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] أي لا تستسلموا لها، وتوقعوا نفوسكم فيها.
وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) .
وهذه استعارة. لأنه ليس هناك شيء على الحقيقة يؤمر، ولا قول يسمع.
وإنّما هذا القول عبارة عن تحقيق الإرادة وشرعة وجود المراد، من غير معاناة ولا مشقّة، فهو إخبار عن نفاذ قدرته تعالى. فإذا أراد أمرا كان لوقته، من غير أن يبطئ إيجاده، أو يتقاعس إنفاذه. وذلك بمنزلة قول أحدنا: «كن» في خفة اللفظ به، وسرعة التعبير عنه، من غير كلفة تلحقه، ولا مشقة تعترضه.
وقيل إن معنى قوله سبحانه:
كُنْ، علامة للملائكة يدلّهم بها، عند سماعهم لها، على أنه سيحدث كذا، ويفعل كذا، من محكمات التقدير، ومبرمات التدبير. وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [الآية ٤٨] . وهذه استعارة.
لأن المراد بها رجوع الظلال من موضع الى موضع. والظلال على الحقيقة لا تتفيأ ولا تنقل، وإنما ترد الشمس عليها، ثم ترجع إلى ما كانت عليه، بعد أن تزول الشمس عنها، والشمس هي المتنقلة عليها، والظلال قائمة بحالها.
وقوله تعالى في صفة النحل العسّالة: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [الآية ٦٩] . وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله تعالى:
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا، على قول من جعل ذللا حالا للسّبل، لا حالا للنحل. والذّلل: جمع ذلول، وهي الطرق الموطّأة للقدم، السهلة على الحافر والمنسم، تشبيها لها بالإبل الذلل، وهي التي قد عوّدت الترحل، وألفت المسير.
والاستعارة الأخرى قوله سبحانه:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ والمراد بذلك العسل. والعسل عند المحقّقين من العلماء غير خارج من
стр. 1176
بطون النحل، وإنما تنقله بأفواهها من مساقطه ومواقعه من أوراق الأشجار، وأضغاث النبات. لأنه يسقط كسقوط الندى في أماكن مخصوصة، وعلى أوصاف معلومة، والنحل ملهمة تتبّع تلك المساقط، وتعهد تلك المواقع، فتنقل العسل بأفواهها إلى كوّاراتها «١» ، والمواضع المعدّة لها. فقال سبحانه:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها والمراد من جهة بطونها. وجهة بطونها: أفواهها. وهذا من غوامض هذا البيان، وشرائف هذا الكلام.
وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وهذه استعارة.
والمراد بإلقاء القول- والله أعلم- إخراج الكلام مع ضرب من الخضوع والاستكانة والإسرار والخفية، كما قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] وفي هذا الكلام مفعول محذوف. فكأنه قال تعالى: «تلقون إليهم الأخبار بالمودة» . وهذا القول، نزل في قوم من المؤمنين، كانوا يجتمعون مع قوم من المنافقين، بأرحام تلفهم، وخلل «٢» تولد عنهم، فيتسقّطونهم ليعرفوا منهم أخبار النبي (ص) والمؤمنين، فنهوا عن مناقشتهم والاجتماع معهم. فكأنّ المعنى: تلقون إليهم الأسرار بالمودّة التي بينكم، على سبيل الإسرار والإخفاء.
وقد قيل إن المراد: تلقون إليهم المودّة، فقال تعالى: بالمودّة، كما قال سبحانه: وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) [المؤمنون] أي تنبت الدهن على أحد التأويلين، ونظير التأويل الأول قوله سبحانه في ذكر الشياطين: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) [الشعراء] أي يطلبون سماع الأخبار على وجه الاستخفاء والاستسرار، وهذا الوجه لا يصح في قوله تعالى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) لأنّ الحال، التي أخبر سبحانه بأن هذا يجري فيها، هي حال القيامة، وتلك حال لا يجوز
стр. 1177
فيها الاستسرار لقول، ولا الكتمان لسر، لأن السرائر مظهرة، والضمائر مصرحة «١» . وإنما المراد بهذا الكلام ما يقوله المعبودون لمن عبدهم من الأمة، إذ يقول سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [الآية ٨٦] فقال المعبودون لهم في الجواب عن ذلك: إنكم لكاذبون، أي في أنّا دعوناكم الى العبادة، أو في قولكم إنّنا آلهة. وقد يجوز أيضا أن يكون التكذيب من العابدين للمعبودين، فكأنّهم قالوا لهم: كذبتم في ادّعائكم، أنّكم تستحقون العبادة من دون الله تعالى. فلم يبق إذن إلا الوجه الأول في معنى إلقاء القول، وهو أن يكون على وجه الخضوع والضراعة، ويكون سبب هذه الاستكانة الخوف من الله سبحانه، لا خوف بعض الشركاء من بعض. ومثل ذلك قوله سبحانه، عقب هذه الآية: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [الآية ٨٧] أي استسلموا له عن ضرع ذلة، وانقطاع حيلة. ومن ذلك قولهم: ألقى فلان يد العاني. أي ذلّ ذلّ الأسير، وخضع خضوع المقهور.
وقوله سبحانه: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [الآية ٩٤] وهذه استعارة. لأن المراد بالقدم هاهنا الثبات في الدّين. ولما كان أصل الثبات في الشيء والاستقرار عليه، إنّما يكون بالقدم، حسن أن يعبر عن هذا المعنى بلفظ القدم، وكأنّ المراد بقوله تعالى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أي يضعف دينكم، ويضطرب يقينكم، فيكون كالقدم الزّالة، والقائمة المائدة.
وقوله سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الآية ١٠٢] وهذه استعارة. لأن المراد بذلك جبريل ﵇، والتقديس:
الطهارة، وإنما سمّي روح القدس، لأنّ حياة الدين وطهارة المؤمنين، إنّما تكون بما يحمله الى الأنبياء ﵈ من الأحكام والشرائع، والآداب والمصالح.
وقوله سبحانه:
стр. 1178
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) وهذه استعارة.
لأن المراد باللسان هاهنا جملة القرآن وطريقته، لا العضو المخصوص الذي يقع الكلام به. وذلك كما يقول العرب في القصيدة: هذه لسان فلان. أي قوله. قال شاعرهم:
لسان السّوء تهديها إلينا وحنت وما حسبتك أن تحينا «١» أي مقالة السوء. ومثل ذلك قول الاخر «٢» :
ندمت على لسان كان منّي وددت بأنّه في جوف عكم أي على قول سبق مني، لأن الندم إنما يكون على الفعال والكلام، لا على الأعضاء والأعيان.
وإنما سمّي القول لسانا، لأنه إنما يكون باللسان، ويصدر عن اللسان. وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وهذه استعارة. لأن حقيقة الذوق إنما تكون في المطاعم والمشارب، لا في الكسى والملابس. وإنما خرج هذا الكلام مخرج الخبر عن العقاب النازل بهم، والبلاء الشامل لهم. وقد عرف في لسانهم، أن يقولوا لمن عوقب على جريمة، أو أخذ بجريرة: ذق غبّ فعلك، واجن ثمرة جهلك. وإن كانت عقوبته ليست مما يحسّ بالطعم، ويدرك بالذوق. فكأنّه سبحانه لمّا شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة، حسن أن يقول تعالى:
فأذاقهم ذلك، أي أوجدهم مرارته، كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير،
стр. 1179
ووخامة الطعم الكريه. وإنّما قال سبحانه: لِباسَ الْجُوعِ ولم يقل:
طعم الجوع والخوف، لأنّ المراد بذلك- والله أعلم- وصف تلك الحال بالشمول لهم، والاشتمال عليهم، كاشتمال الملابس على الجلود، لأنّ ما يظهر منهم عن مضيض الجوع، وأليم الخوف، من سوء الأحوال، وشحوب الألوان، وضؤولة الأجسام، كاللباس الشامل لهم، والظاهر عليهم.
стр. 1180
سورة الإسراء
стр. 1181
المبحث الأول أهداف سورة «الإسراء» «١»
سورة الإسراء سورة مكّية، نزلت في السنة الحادية عشرة للبعثة قبل الهجرة بسنة وشهرين. وتسمّى سورة «الإسراء» ، نظرا لذكر الإسراء في صدرها، كما تسمّى سورة «بني إسرائيل» لأنها تحدّثت عنهم، وعن إفسادهم في الأرض، وعن عقوبة الله لهم على هذا الفساد.
وعدد آياتها ١١١ آية، وهي من أواخر ما نزل من السّور في مكّة، وقد تميّزت آياتها بالطول النسبي، وبسط الفكرة، والدعوة إلى التحلّي بالآداب ومكارم الأخلاق.
فسورة الإسراء اشتملت على خصائص السورة المكّية، ومن ناحية أخرى ظهرت فيها صفات من خصائص السورة المدنية، لأنها من أواخر ما نزل في مكّة فهي ممهّدة للعهد المدني، أو هي ممّا يشبه المدني، وهو مكّي.
الإسراء
بدأت سورة الإسراء بقوله تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) .
وخلاصة الإسراء: أن الله تعالى، أكرم رسوله محمدا (ص) ، بمعجزة إلهية، هي الانتقال به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالشام، ثم صعد إلى السماوات العلا، ورأى من كل سماء مقرّبيها، ورأى سدرة
стр. 1182
المنتهى، وجنة المأوى، وآيات ربّه الكبرى، ثم فرض الله سبحانه عليه الصلاة، لتكون صلة بين المخلوق والخالق، ورباطا بين الإنسان وربّه، وعاد (ص) إلى مكة قبل طلوع الفجر.
والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، رحلة مختارة من لدن اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى، من إبراهيم وإسماعيل (ع) إلى محمد خاتم النبيين (ص) ، وتربط بين الأماكن المقدّسة لديانات التوحيد جميعا.
وكأنّما أريد بهذه الرحلة العجيبة، إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدّسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتتضمّن أكبر من المعاني القريبة، التي تنكشف عنها للنظرة الاولى.
والإسراء آية صاحبتها آيات:
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا.
والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، في الوقت القصير، آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود، وتكشف عن نعم الله على الجنس البشري، الذي كرّمه الله وفضّله على كثير من خلقه، واصطفى من بينهم رسلا وأنبياء، يوحي إليهم ويخصّهم بالنبوّة والهداية، والمعجزات الباهرة.
هذا الإسراء آية من آيات الله. وهو نقلة عجيبة بالقياس إلى مألوف البشر، والمسجد الأقصى، هو طرف الرحلة، وهو قلب الأرض المقدّسة التي بارك الله حولها، بركات مادية ومعنوية، فحولها الأشجار والثمار، وإليها يتحرّك الحجيج، وقد زارها الأنبياء والمرسلون.
واتفق جمهور العلماء على أن الإسراء كان بالروح والجسد، يقظة لا مناما وذهب بعض العلماء إلى أن الإسراء كان بالروح فقط، وكان في النوم لا في اليقظة، لقوله تعالى في سورة الإسراء:
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الآية ٦٠] .
وقد رد جمهور العلماء بأن هذه الآية، تشير إلى رؤيا رآها النبي (ص) ليلة غزوة بدر الكبرى، قال تعالى:
стр. 1183
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا [الأنفال: ٤٣] .
أو تشير إلى رؤيا رآها النبي (ص) بدخول المسجد الحرام حاجّا معتمرا قبل صلح الحديبية، قال تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) [الفتح] .
واستدل الجمهور، بأن الله جعل الإسراء آية كبرى، وقال أَسْرى بِعَبْدِهِ والعبد مجموع الروح والجسد، ولو شاء لقال: «أسرى بروح عبده» .
ثم إن كفار مكّة أنكروا الإسراء، وارتدّ بعض ضعاف الإيمان بسبب الإسراء، ولو كان الإسراء مناما، لما أنكره كفّار مكّة، ولما ارتدّ بسببه ضعاف الإيمان، ولما تميّز أبو بكر الصديق ﵁، بتصديقه من بين سائر الناس.
وقد ركب الرسول (ص) البراق، وركوب البراق من خصائص الأجساد والإسراء في حقيقته معجزة إلهية، خاصة بالرسول الأمين ولا حرج على فضل الله، ولا حدود لقدرته، فهو سبحانه على كل شيء قدير، قال شوقي:
يتساءلون وأنت أطهر هيكل ... بالرّوح أم بالهيكل الإسراء
بهما سموت مطهّرا وكلاهما ... نور وروحانيّة وبهاء
وعد الله لبني إسرائيل
بدأت سورة الإسراء بالحديث عن الإسراء بالنبيّ الأمين والسورة في مجملها تتحدّث عن النبي (ص) وعن القرآن الذي نزل عليه، وموقف المشركين من هذا القرآن وفي خلال هذا الحديث، تستطرد إلى ذكر بني إسرائيل، والحديث عن ماضيهم وفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم، كأنّها تتوعّد كلّ مكذّب ومفسد بالعقاب العادل وفي هذا تهديد لكفار مكة، ولكلّ خارج على نطاق الإيمان وشريعة العدل، والنّظام الإلهي.
ويلاحظ أن وعيد الله لبني إسرائيل، على إفسادهم في الأرض مرّتين، لم يذكر في القرآن إلّا في صدر سورة الإسراء.
стр. 1184
وقد تعدّدت أقوال المفسّرين في بيان القوم الذين سلّطهم الله على اليهود، وذهب جمهور المفسرين إلى أن المسلّط عليهم في المرة الأولى هو بختنصر البابلي، وقد غزاهم سنة ٦٠٦ قبل الميلاد، ثم ساعدهم قورش ملك الفرس سنة ٥٢٦ قبل الميلاد، فعادوا لبلادهم وأعادوا بناء هيكلهم.
والمسلّط عليهم في المرة الثانية هم الرومان بقيادة تيطس سنة ٧٠ م، وقد كان إذلالهم في المرة الثانية أشدّ وأنكى، وقد تفرّق اليهود في البلاد بعد هزيمتهم الثانية، وأصبح تاريخهم ملحقا بتاريخ الممالك التي نزلوا فيها، ولم يرجع اليهود إلى فلسطين إلا في العصر الحديث.
وينبغي أن ندرك أن آيات سورة الإسراء، لا تحدّد تاريخا معيّنا لفساد اليهود، ولا قوما بأعيانهم سلّطهم الله عليهم، فإذا أردنا معرفة ذلك فلنرجع إلى التاريخ، لا لنحكّمه في فهم القرآن، ولكن لنستأنس به فقط.
وخلاصة الآيات التي تحدثت عن فساد اليهود ما يأتي:
١- أخبر الله تعالى أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين، وهذا الفساد معناه طغيان وعدوان منهم على عباد الله، وخروجهم على الطريق القويم.
٢- أخبر الله تعالى عنهم أنهم لمّا طغوا وبغوا، سلّط الله عليهم من ينتقم منهم.
٣- بعد الانتقام الأول، عادوا إلى الطريق الجادّة فانتصروا على أعدائهم، لكنّهم لم يلبثوا أن عادوا للفساد، فحقّ عليهم وعيد الله تعالى.
٤- سلّط الله سبحانه، عليهم في المرة الثانية، من أذلّهم وهدم هيكلهم، وقضى عليهم وعلى ملكهم.
٥- ذكر الله تعالى، أنه يشملهم برحمته إذا تابوا إليه، فإن عادوا للفساد عاد عليهم بالعقاب.
وقد عنيت سورة الإسراء، بالحديث عن مكارم الأخلاق.
فدعت إلى توحيد الله ﷻ ، وأمرت بالإحسان إلى الوالدين، وصلة الرحم، والعطف على الفقير والمساكين وابن السبيل ونهت عن التبذير، والقتل، والزنا، وتطفيف الكيل، وأكل مال اليتيم، والكبر، والبطر. وإذا قرأت الآيات ٢٣- ٣٩، رأيت دستورا أخلاقيا كريما، يأمر بالفضائل، ويحثّ
стр. 1185
على القيم، وينهى عن الرذائل، ويحذّر من المعاصي والموبقات.
وترى أن القرآن أعظم كتاب في التربية الأخلاقية والسلوكية، وهذه التربية هي التي صاغت المجتمع الإسلامي المحمّدي صياغة جديدة يسري في أوصال المجتمع العربي والإسلامي، فيهدم حطام الجاهلية وأوثانها، ويقيم على أشلائها دولة جيّدة، تؤمن بالله ورسوله، وتهتدي بكتابه الذي أنزله الله نورا وهدى.
فترى المسلم إمّا عابدا في مسجده، أو ساعيا إلى رزقه، أو مجاهدا في سبيل إعلاء كلمة الله. وجمعت المسلمين راية جديدة، شعارها الإخلاص، وعمادها الحب لله ورسوله، وقوّتها في تماسك المسلمين، وأخوّتهم وترابطهم وتساندهم، حتّى أصبحوا يدا واحدة كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضا.
أوهام المشركين، وحجج القرآن الكريم
في الآيات ٣٩- ٥٨: من سورة الإسراء، حديث عن أوهام الوثنية الجاهليّة، حول نسبة البنات والشركاء إلى الله.
وخلاصة ذلك، أنهم جعلوا الملائكة إناثا، ثم ادّعوا، كذبا وبهتانا، أنهنّ بنات الله ثم عبدوهنّ، فأخطأوا في الأمور الثلاثة خطأ عظيما.
ثم تحدّثت السورة عن البعث، واستبعاد الكافرين لوقوعه، وعن استقبالهم للقرآن، وتقوّلاتهم على الرسول (ص) ، وأمرت المؤمنين أن يقولوا قولا آخر، ويتكلّموا بالتي هي أحسن.
وفي الآيات ٥٩- ٧٢: بيّنت السورة، لماذا كانت معجزة محمد (ص) ، معجزة عقلية خالدة، ولم تكن معجزة مادية محدودة فقد كذّب الأوّلون بالخوارق فحقّ عليهم الهلاك اتّباعا لسنة الله كما تناولت الحديث عن الإسراء وحكمته، وأن الله جعله فتنة وامتحانا للناس، ليتميّز المؤمنون، وينكشف المنافقون ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس اللعين، وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرّية آدم.
يجيء هذا الطرف من القصة، كأنه كشف لعوامل الضلال، الذي يبدو من
стр. 1186
المشركين، ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم، في تكريم الإنسان، وتمييزه من المخلوقات جميعها، وتسخير الكون جميعه له، حتى يفكّر بعقله، ويؤمن بقلبه، فمن اهتدى، أخذ كتابه بيمينه يوم القيامة ومن عمي عن الحق في الدنيا، فهو في الاخرة أعمى وأضلّ سبيلا.
وفي الآيات ٧٣- ٨٨: تستعرض سورة الإسراء كيد المشركين للرسول (ص) ومحاولتهم فتنته عن بعض ما أنزل إليه، ومحاولة إخراجه من مكّة ثم تأمر النبي (ص) ، بأن يمضي في طريقه، يقرأ القرآن، ويؤدّي الصلاة، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه وتذكر رسالة القرآن بأنها شفاء لأمراض الجاهليّة، ورحمة بالجماعة الإسلامية.
وفي الآيات ٨٨- ١١١: نجد القسم الأخير من السورة، ويستمر الحديث في هذه الآيات عن نزول القرآن وإعجازه، بينما يطلب كفار مكّة خوارق مادية، يطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول (ص) بيت من زخرف، أو جنّة من نخيل وعنب، تتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا أو أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعا من الماء، أو أن يرقى هو في السماء، ثم يأتيهم بكتاب ملموس محسوس، فيه شهادة بأنه مرسل من عند الله.. إلى آخر هذه المقترحات، التي يمليها العنت والمكابرة، لا طلب الهدى والاقتناع.
ويردّ الله سبحانه على هذا كلّه، بأنّ ذلك خارج عن وظيفة الرسول، وطبيعة الرسالة.
فالرسول بشر يوحى إليه، وليس إلها يتحكّم في مظاهر الكون وقد سبق أن أعطى الله تعالى موسى (ع) معجزات مادية، فكذّب بها فرعون، وجحد نبوّة موسى فكانت العاقبة، أن أغرق الله فرعون ومن معه من المكذّبين.
إن طريقة القرآن الكريم، هي طريقة الدعوة الهادفة المتأنّية، وقد نزل مفرّقا ليقرأه الرسول على قومه في هدوء وتؤدة، وليجيب عن أسئلة السائلين، وليكون كتاب الحياة، يحياها مع المؤمنين، يعلّمهم دينهم، ويردّ عنهم دعاوى أعدائهم، ويلفتهم إلى الكون وما فيه، حتّى يعبدوا الله ويسجدوا له
стр. 1187
عن خشوع ويقين. وتختم سورة الإسراء، بحمد الله وتنزيهه عن الولد والشريك في الملك، كما بدئت بتنزيه الله وتسبيحه ففي أوّل السورة:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
وفي آخر السورة:
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) .
من أسرار الإعجاز في سورة الإسراء
يقول الله تعالى في سورة الإسراء:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) .
لقد كانت هناك معركة فكرية ونفسية، بين القرآن والمشركين، ألصق المشركون فيها التّهم بالرسول (ص) فرموه بالسحر والجنون، وافتراء القرآن من عند نفسه، وقد نزلت سورة الإسراء في ذروة هذه المعركة واحتدامها، بعد أن مات أبو طالب عمّ الرسول، وماتت زوجته خديجة، فكان الإسراء تسرية للرسول الأمين، وكانت سورة الإسراء قلعة من حصون البيان والجدال بالحجة الدامغة والدليل الواضح.
إنّك تحسّ عند قراءة السورة نبضات حيّة، تصوّر عنف المشركين وضلال عقيدتهم، وتبرز أسلوب الدعوة الجديد، الذي يملك الحجّة على قضية الألوهيّة، ويسوق الأدلّة على قضيّته من سجلات التاريخ ومن واقع الكون ومشاهده، ومن التحدي بالقرآن، وتأكيد عجزهم عن الإتيان بمثله.
والقرآن في سياق حديثه، ينتقل من فن إلى فن، ومن وصف للإسراء إلى حديث عن تاريخ اليهود، إلى ردّ على دعوى المشركين، إلى ذكر قصص لآدم وإبليس، وفرعون، وموسى.
ويربط القرآن بين هذه الأفكار المتناثرة في الظاهر، برباط قوي متين، يؤكّد أنه كتاب الله.
وقد تعرّضت علوم السابقين للنقض والتعديل، ولم يبق كتاب منزّه عن النقض والعيب، إلّا هذا الكتاب.
وفي ختام هذا الحديث، يمكننا أن نرجع أهداف سورة الإسراء إلى الأمور الآتية:
стр. 1188
١- معجزة الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس.
٢- تاريخ بني إسرائيل، وإفسادهم في الأرض، وعقوبة الله لهم.
٣- جملة من الآداب، يجب على المسلمين أن يتحلّوا بها، حتى تظلّ رابطتهم قوية متماسكة.
٤- بيان أنّ كل ما في السماوات والأرض، مسبّح لله.
٥- الكلام على البعث، مع إقامة الأدلّة على إمكانه.
٦- الردّ على المشركين، الذين اتخذوا مع الله آلهة، من الأوثان والأصنام.
٧- الحكمة في عدم إنزال المعجزات التي اقترحوها، على محمد (ص) . ٨- قصص سجود الملائكة لآدم، وامتناع إبليس عن السجود.
٩- تعداد بعض نعم الله سبحانه.
١٠- طلب المشركين من الرسول (ص) أن يوافقهم في بعض معتقداتهم، وإلحافهم في ذلك.
١١- أمر النبي (ص) بإقامة الصلاة والتهجّد في الليل.
١٢- بيان إعجاز القرآن، وأنّ البشر يستحيل عليهم أن يأتوا بمثله.
١٣- قصص موسى مع فرعون.
١٤- الحكمة في إنزال القرآن منجّما.
١٥- تنزيه الله سبحانه، عن الولد والشريك والناصر والمعين.
стр. 1189
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الإسراء» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الإسراء بعد سورة القصص، وقد كانت حادثة الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة، فيكون نزول سورة الإسراء في هذه السنة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لابتدائها بقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وتبلغ آياتها إحدى عشرة ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة ثلاثة أمور:
أولها: إثبات حادثة الإسراء، وقد كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاستدعى هذا بيان فضل هذا المسجد، وذكر بعض من أخبار أهله. وثانيها: الموازنة بين كتابي المسجدين، القرآن والتوراة وقد استدعى هذا، ذكر بعض ما أتى به القرآن من الحكم والمواعظ. وثالثها:
بيان حكمة الإسراء من اختبار الناس به. وقد عاد السّياق، بعد هذا، إلى بيان فضل القرآن، فانتهى به الكلام في هذه السورة.
وقد ذكرت سورة الإسراء بعد سورة النحل، لأن الإسراء كان رمزا للهجرة إلى المدينة، وكان في الهجرة إليها تحقيق ما أنذروا به، من قرب عذابهم في أول سورة النحل.
стр. 1190
إثبات الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الآيات (١- ٨)
قال الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) فذكر تعالى أنّه أسرى بالنبي (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ليريه ما فيه من آياته ثم ذكر أنه أنزل التوراة على موسى شريعة لأهله من بني إسرائيل، وأنه قضى إليهم فيها، أنهم سيفسدون في أرضهم مرتين، ويخرجون على شريعتهم بعبادة الأوثان والأصنام، وأنه إذا جاءت المرة الأولى، بعث عليهم قوما ذوي بأس شديد، ليخرجوا ديارهم ويهدموا مسجدهم، وهم قوم بختنصّر ملك بابل، ثم ينقذهم منهم وينصرهم عليهم ويجعلهم أحسن حالا ممّا كانوا عليه قبل غزوهم فإذا جاءت المرة الثانية بعث عليهم قوما آخرين يخربون ديارهم ويهدمون مسجدهم كما هدم في المرة الأولى، وهم الروم الذين غزوهم وأخرجوهم من ديارهم، ثم التفت السياق إلى اليهود المعاصرين للنبي (ص) بقوله تعالى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) .
الموازنة بين كتابي المسجدين الآيات (٩- ٥٩)
ثم قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) فذكر أن القرآن يهدي إلى شريعة أقوم من التوراة، وأنه يبشّر المؤمنين بأن لهم أجرا كبيرا، وينذر الكافرين بأنّ لهم عذابا أليما ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون هذا العذاب، الذي ينذرهم به، استعجالهم للخير، وكان الإنسان عجولا واستدلّ على قدرته عليه، بأنه جعل الليل والنهار آيتين، فمحى آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، ليبتغوا أرزاقهم فيها، وليعلموا عدد السنين والحساب وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) ثم ذكر أن كلّ إنسان تحصى عليه أعماله في دنياه، ليحاسب عليها يوم القيامة، وأنّ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما
стр. 1191
يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
(١٥) .
ثم ذكر أنه تعالى إذا أراد أن يهلك قرية بذلك العذاب الذي يستعجلونه، أمر مترفيها ففسقوا فيها، فحقّ عليها العذاب فدمّرها تدميرا وأنه كم أهلك من القرون، بهذا الشكل من بعد نوح (ع) ، وأنه أعلم بذنوب عباده، فيقدّر لهم وقت عذابهم كما يريد وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) .
ثم ذكر أن من يريد العاجلة عجّل له فيها، ما يشاء من خير أو شر، لمن يريد. وليس لأحد أن يتعجّله في شيء، وأنّ من يريد الاخرة ويسعى لها، شكر له سعيه، وأنّه يمدّ كلّا منهما في الدنيا بعطائه، ولا يحظره عن أحد من عباده، وأنه يفضّل بعضهم على بعض في هذا العطاء، وستكون الاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.
ثم بيّن بعضا من شريعة القرآن، في الأصول والفروع والأخلاق، فنهى عن الشرك به، وأمر بالإحسان إلى الوالدين، وبإيتاء ذي القربي حقّه والمساكين وابن السبيل، ونهى عن التبذير في المال، وأمر بالاعتذار الحسن عند العجز عن الإحسان، إلى غير هذا من الأحكام التي ختمها بقوله تعالى: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) فختمها بالنهي عن الشرك كما ابتدأها به، وأتبعه بتوبيخهم على نوع خاص من شركهم، وهو زعمهم أن الملائكة بنات الله، فذكر أنه لا يصح أن يؤثرهم بالبنين، ويتّخذ من الملائكة إناثا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً (٤٠) .
ثم ذكر تعالى أنه صرّف في القرآن هذا التصريف من الكلام في الأصول والفروع والأخلاق، ليكون فيه موعظة للناس، ولكنّه لا يزيدهم إلّا نفورا وأمر النبي (ص) ، أن يذكر لهم دليلا على بطلان الشرك لا يمكنهم أن يماروا فيه، وهو أنه لو كان معه سبحانه آلهة لابتغوا سبيلا إلى منازعته، ثم نزّه سبحانه نفسه عمّا يزعمونه من أن له شركاء في ملكه، وذكر أنه هو الذي تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وأنه ما من شيء إلّا يسبّح بحمده، ولكنهم لا يفقهون تسبيحهم.
ثم ذكر أنه إذا قرأ القرآن جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعل على قلوبهم أكنّة أن
стр. 1192
يفقهوه، وفي آذانهم وقرا وأنّه إذا ذكره في القرآن، ولم يذكر آلهتهم فرّوا على أدبارهم نفورا، وأنه أعلم بحالهم حين يستمعون إليه وإذ هم نجوى إذ يقولون إن تتبعون إلّا رجلا مسحورا ثم ذكر ممّا يحملهم على زعم هذا فيه، أنّه يدعي أنهم يبعثون بعد أن يصيروا عظاما، ورفاتا خلقا جديدا وردّ عليهم، بأن الذي فطرهم المرة الاولى قادر على بعثهم ثم ذكر أنهم سينغضون رؤوسهم «١» ويقولون: متى هو؟ وأجابهم بأنه عسى أن يكون قريبا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) .
ثم أمر النبي (ص) بأن يأمرهم بأن يقولوا التي هي أحسن، من قولهم إنه رجل مسحور وذكر لهم أن الشيطان ينزغ بينهم ويزيّن لهم هذه الشتائم، وأنه سبحانه هو أعلم بهم، إن يشأ يرحمهم بالإيمان أو يعذبهم بالكفر، ولم يرسله وكيلا عليهم، حتى يضيقوا به ويشتموه، وأنه ﷻ أعلم بمن في السماوات والأرض، وقد فضّل بعض النبيين على بعض بمقتضى علمه، وآتى داود زبورا فلا يصحّ لهم أن يقولوا في النبي (ص) وفي قرآنه، مالا علم لهم به.
ثم أمرهم بأن يدعوا شركاءهم ليكشفوا عنهم ذلك الضرّ، الذي يتعجّلون به، فإنهم لا يملكون كشفه عنهم، ولا تحويله، لأنهم عبيد مثلهم، يبتغون إليه سبحانه الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه ثم ذكر أنه ما من قرية من قرى المكذّبين إلا هو مهلكها قبل يوم القيامة، أو معذّبها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا ثم أشار إلى أنه اختار لهم أن يعذّبهم بتسليط المؤمنين عليهم، ولا يهلكهم بآيات عذابه، فقال تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (٥٩) .
بيان حكمة الإسراء الآيات (٦٠- ٨١)
ثم قال تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي
стр. 1193
أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) فذكر سبحانه أنه وعده بالنصر عليهم، حينما أخبرهم بالإسراء فكذّبوه، وارتدّ كثير منهم، وأنه لم يجعل رؤيا الإسراء إلّا فتنة لهم فقد افتتنوا بها، كما افتتنوا بشجرة الزّقّوم الملعونة في القرآن، فقالوا: زعم محمد أن نار جهنم تحرق الحجر، ثم زعم أن في النار شجرة وهي تأكل الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر؟ ثم ذكر أنه يخوّفهم بذلك، فما يزيدهم إلّا طغيانا كبيرا.
ثم ذكر لهم قصة آدم مع الملائكة وإبليس، لأنها كانت للاختبار أيضا، ليتّعظوا في اختبارهم بالإسراء، بما حصل لإبليس حينما عصى أمر ربه من الطرد واللعن، ولا يقعوا في مثل ما وقع فيه بتكذيبها وقد ختمها بقوله لإبليس إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) .
ثم شرع السياق في أخذهم بالترغيب بعد الترهيب، فذكر سبحانه، أنه هو الذي يسوق السفن في البحر، ليبتغوا من فضله، وأنهم إذا مسّهم الضرّ في البحر وخافوا الغرق لا يلجئون إلّا إليه في كشفه عنهم، فإذا نجّاهم إلى البر يعرضون عنه ويكافرون بنعمته ولا يأمنون أن يخسف بهم جانب البر أو يرسل عليهم ريحا حاصبا، أو يعيدهم في البحر مرة أخرى فيغرقهم بسبب كفرهم ثم ذكر أنه كرّم بني آدم بنعمة العقل، وحملهم في البرّ والبحر، ورزقهم من الطيّبات، وفضّلهم على كثير من خلقه، وأنه سيبعثهم ويحاسبهم على ما أنعم به عليهم، فمن أوتي كتابه بيمينه، وهم الذين قاموا بحقّ هذه النعم، فإنهم يكافئون على ذلك ولا يظلمون فتيلا ومن لم يقم بحق هذه النعم، ولم ينظر بعقله في دنياه حتى صار فيها كالأعمى، فهو في الاخرة أعمى وأضلّ سبيلا.
ثم ذكر تعالى أن فتنة الإسراء، بلغ من شدّتها أنهم كادوا يفتنون النبي (ص) عمّا أوحي إليه من أمرها، ليفتري لهم غيره ولولا أن ثبّته سبحانه فيها، لقد كاد يركن إليهم شيئا قليلا ثم ذكر أنهم كادوا يحملونه على الخروج من مكّة، لشدّة استهزائهم به، ولو أنهم أخرجوه منها لأهلكهم كما أهلك من قبلهم من أخرجوا أنبياءهم من بينهم ثم أمره بأن يعرض عنهم ويقبل على
стр. 1194
عبادته، وإقامة الصلاة له في أوقاتها من فروض ونوافل، لينصره عليهم، ويبعثه مقاما محمودا يظهر فيه أمره عليهم وقد كان ذلك بالهجرة إلى المدينة، وكان الإسراء قبلها بسنة واحدة، ثم أمره أن يلجأ إليه في تهيئة ذلك المقام المحمود حتى يخرجه من مكّة مخرج صدق، ويدخله ذلك المقام المحمود مدخل صدق، وأن ينبئهم بقرب ذلك اليوم الذي يظهر فيه حقّه على باطلهم وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) .
عود إلى بيان فضل القرآن الآيات (٨٢- ١١١)
ثم قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) ، فعاد السياق إلى الكلام على فضل القرآن، وذكر أنه سبحانه ينزّل منه ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ويزداد به الكافرون خسارا إلى خسارهم ثم بيّن سبب ذلك فيهم، وهو استكبارهم واغترارهم بأموالهم التي أنعم الله بها عليهم فذكر سبحانه أن شأن الكافر إذا أنعم عليه استكبر، وإذا مسّه الفقر بلغ به اليأس كل مبلغ ثم ذكر أن كلّا من المؤمنين والكافرين، يعمل من ذلك على شاكلته، وأنه سبحانه أعلم بمن هو أهدى سبيلا منهم ثم ذكر تعالى أنهم يسألون النبيّ (ص) عن الروح، وهو القرآن، ما دليله على أنه من عند الله؟
وأمره أن يجيبهم بأنه من أمره، وأن ما جاءهم به من العلم قليل بالنسبة إلى واسع علمه وأنه سبحانه لو شاء أن يأخذ هذا القليل وذهب بما أوحى إليه من القرآن لفعل، لأنه لا يريد به شيئا لنفسه، وإنما يريد مصلحتهم ثم بيّن لهم الدليل على أنه من عنده، وهو عجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله وذكر أنه تحدّاهم بذلك على وجوه كثيرة، فمن عشر سور إلى سورة واحدة، إلى التحدي به كلّه ولكنهم يأبون إلا كفورا، ويطلبون معجزات أخرى، كأن يفجّر لهم ينبوعا من الأرض، أو يكون له في واديهم جنّة من نخيل وعنب تجري فيها الأنهار، إلى غير هذا مما اقترحوه على وجه التعنّت والتحكّم، وقد أمره تعالى بأن يجيبهم بأنه ليس إلّا بشرا رسولا ثم ذكر أنهم لم يمنعهم من الايمان بالقرآن، إلّا استبعادهم أن يكون رسوله من البشر، وأمره أن يجيبهم بأنه لو
стр. 1195
كان في الأرض ملائكة، يمشون مطمئنين لنزل عليهم من السماء ملكا رسولا وبأنه قد شهد على صدقه بمعجزة القرآن، وكفى به شهيدا بينه وبينهم ثم ذكر أن الهداية والضلال بإرادته لا بالمعجزات، فإذا أراد هداية قوم هداهم، وإذا لم يرد هداية قوم، فلن يوجد لهم أولياء من دونه يهدونهم ويحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا بكما صمّا، مأواهم جهنّم، كلّما خبت زادهم سعيرا، ذلك لأنهم كفروا بمعجزة القرآن، وأنكروا ما جاء به من بعثهم ثم ذكر أنهم لو نظروا في خلق السماوات والأرض، لعلموا أنه قادر على أن يبعثهم، وأنه جعل لبعثهم أجلا لا ريب فيه، وإن كفروا به.
ثم ذكر أنهم لو ملكوا خزائن رحمته، وهي أعظم ممّا اقترحوه من تفجير الأرض وغيره لبخلوا بها، فلا فائدة من إجابتهم إلى ما اقترحوه عليه ثم ذكر أنه آتى موسى تسع آيات بيّنات مثل هذه الآيات، فلم يؤمن فرعون بها، وأراد أن يستفزّ بني إسرائيل من أرضه فأغرقه جلّت قدرته، ومن معه جميعا، وأسكن بني إسرائيل الأرض التي وعدهم بها.
ثم عاد السياق إلى تعظيم شأن القرآن، فذكر سبحانه أنه لم ينزّله إلّا بالحق وبالحق نزل، وأنه لم يرسله إلّا مبشّرا ونذيرا، فمن شاء آمن ومن لم يشأ لم يؤمن ثم ذكر أنه نزّله مفرّقا ليقرأه على الناس على مكث، وأن إيمانهم به وعدمه سواء، لأن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون ساجدين لأذقانهم ثم ختم السورة فأمرهم بأن يدعوه باسمه أو باسم الرحمن، أو غيرهما من أسمائه الحسنى ونهاه أن يجهر بصلاته أو يخافت بها، وأمره أن يبتغي بين ذلك سبيلا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) .