يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
(١٥) .
ثم ذكر أنه تعالى إذا أراد أن يهلك قرية بذلك العذاب الذي يستعجلونه، أمر مترفيها ففسقوا فيها، فحقّ عليها العذاب فدمّرها تدميرا وأنه كم أهلك من القرون، بهذا الشكل من بعد نوح (ع) ، وأنه أعلم بذنوب عباده، فيقدّر لهم وقت عذابهم كما يريد وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) .
ثم ذكر أن من يريد العاجلة عجّل له فيها، ما يشاء من خير أو شر، لمن يريد. وليس لأحد أن يتعجّله في شيء، وأنّ من يريد الاخرة ويسعى لها، شكر له سعيه، وأنّه يمدّ كلّا منهما في الدنيا بعطائه، ولا يحظره عن أحد من عباده، وأنه يفضّل بعضهم على بعض في هذا العطاء، وستكون الاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.
ثم بيّن بعضا من شريعة القرآن، في الأصول والفروع والأخلاق، فنهى عن الشرك به، وأمر بالإحسان إلى الوالدين، وبإيتاء ذي القربي حقّه والمساكين وابن السبيل، ونهى عن التبذير في المال، وأمر بالاعتذار الحسن عند العجز عن الإحسان، إلى غير هذا من الأحكام التي ختمها بقوله تعالى: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) فختمها بالنهي عن الشرك كما ابتدأها به، وأتبعه بتوبيخهم على نوع خاص من شركهم، وهو زعمهم أن الملائكة بنات الله، فذكر أنه لا يصح أن يؤثرهم بالبنين، ويتّخذ من الملائكة إناثا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً (٤٠) .
ثم ذكر تعالى أنه صرّف في القرآن هذا التصريف من الكلام في الأصول والفروع والأخلاق، ليكون فيه موعظة للناس، ولكنّه لا يزيدهم إلّا نفورا وأمر النبي (ص) ، أن يذكر لهم دليلا على بطلان الشرك لا يمكنهم أن يماروا فيه، وهو أنه لو كان معه سبحانه آلهة لابتغوا سبيلا إلى منازعته، ثم نزّه سبحانه نفسه عمّا يزعمونه من أن له شركاء في ملكه، وذكر أنه هو الذي تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وأنه ما من شيء إلّا يسبّح بحمده، ولكنهم لا يفقهون تسبيحهم.
ثم ذكر أنه إذا قرأ القرآن جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعل على قلوبهم أكنّة أن
стр. 1192
يفقهوه، وفي آذانهم وقرا وأنّه إذا ذكره في القرآن، ولم يذكر آلهتهم فرّوا على أدبارهم نفورا، وأنه أعلم بحالهم حين يستمعون إليه وإذ هم نجوى إذ يقولون إن تتبعون إلّا رجلا مسحورا ثم ذكر ممّا يحملهم على زعم هذا فيه، أنّه يدعي أنهم يبعثون بعد أن يصيروا عظاما، ورفاتا خلقا جديدا وردّ عليهم، بأن الذي فطرهم المرة الاولى قادر على بعثهم ثم ذكر أنهم سينغضون رؤوسهم «١» ويقولون: متى هو؟ وأجابهم بأنه عسى أن يكون قريبا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) .
ثم أمر النبي (ص) بأن يأمرهم بأن يقولوا التي هي أحسن، من قولهم إنه رجل مسحور وذكر لهم أن الشيطان ينزغ بينهم ويزيّن لهم هذه الشتائم، وأنه سبحانه هو أعلم بهم، إن يشأ يرحمهم بالإيمان أو يعذبهم بالكفر، ولم يرسله وكيلا عليهم، حتى يضيقوا به ويشتموه، وأنه ﷻ أعلم بمن في السماوات والأرض، وقد فضّل بعض النبيين على بعض بمقتضى علمه، وآتى داود زبورا فلا يصحّ لهم أن يقولوا في النبي (ص) وفي قرآنه، مالا علم لهم به.
ثم أمرهم بأن يدعوا شركاءهم ليكشفوا عنهم ذلك الضرّ، الذي يتعجّلون به، فإنهم لا يملكون كشفه عنهم، ولا تحويله، لأنهم عبيد مثلهم، يبتغون إليه سبحانه الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه ثم ذكر أنه ما من قرية من قرى المكذّبين إلا هو مهلكها قبل يوم القيامة، أو معذّبها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا ثم أشار إلى أنه اختار لهم أن يعذّبهم بتسليط المؤمنين عليهم، ولا يهلكهم بآيات عذابه، فقال تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (٥٩) .
بيان حكمة الإسراء الآيات (٦٠- ٨١)
ثم قال تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي
стр. 1193
أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) فذكر سبحانه أنه وعده بالنصر عليهم، حينما أخبرهم بالإسراء فكذّبوه، وارتدّ كثير منهم، وأنه لم يجعل رؤيا الإسراء إلّا فتنة لهم فقد افتتنوا بها، كما افتتنوا بشجرة الزّقّوم الملعونة في القرآن، فقالوا: زعم محمد أن نار جهنم تحرق الحجر، ثم زعم أن في النار شجرة وهي تأكل الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر؟ ثم ذكر أنه يخوّفهم بذلك، فما يزيدهم إلّا طغيانا كبيرا.
ثم ذكر لهم قصة آدم مع الملائكة وإبليس، لأنها كانت للاختبار أيضا، ليتّعظوا في اختبارهم بالإسراء، بما حصل لإبليس حينما عصى أمر ربه من الطرد واللعن، ولا يقعوا في مثل ما وقع فيه بتكذيبها وقد ختمها بقوله لإبليس إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) .
ثم شرع السياق في أخذهم بالترغيب بعد الترهيب، فذكر سبحانه، أنه هو الذي يسوق السفن في البحر، ليبتغوا من فضله، وأنهم إذا مسّهم الضرّ في البحر وخافوا الغرق لا يلجئون إلّا إليه في كشفه عنهم، فإذا نجّاهم إلى البر يعرضون عنه ويكافرون بنعمته ولا يأمنون أن يخسف بهم جانب البر أو يرسل عليهم ريحا حاصبا، أو يعيدهم في البحر مرة أخرى فيغرقهم بسبب كفرهم ثم ذكر أنه كرّم بني آدم بنعمة العقل، وحملهم في البرّ والبحر، ورزقهم من الطيّبات، وفضّلهم على كثير من خلقه، وأنه سيبعثهم ويحاسبهم على ما أنعم به عليهم، فمن أوتي كتابه بيمينه، وهم الذين قاموا بحقّ هذه النعم، فإنهم يكافئون على ذلك ولا يظلمون فتيلا ومن لم يقم بحق هذه النعم، ولم ينظر بعقله في دنياه حتى صار فيها كالأعمى، فهو في الاخرة أعمى وأضلّ سبيلا.
ثم ذكر تعالى أن فتنة الإسراء، بلغ من شدّتها أنهم كادوا يفتنون النبي (ص) عمّا أوحي إليه من أمرها، ليفتري لهم غيره ولولا أن ثبّته سبحانه فيها، لقد كاد يركن إليهم شيئا قليلا ثم ذكر أنهم كادوا يحملونه على الخروج من مكّة، لشدّة استهزائهم به، ولو أنهم أخرجوه منها لأهلكهم كما أهلك من قبلهم من أخرجوا أنبياءهم من بينهم ثم أمره بأن يعرض عنهم ويقبل على
стр. 1194
عبادته، وإقامة الصلاة له في أوقاتها من فروض ونوافل، لينصره عليهم، ويبعثه مقاما محمودا يظهر فيه أمره عليهم وقد كان ذلك بالهجرة إلى المدينة، وكان الإسراء قبلها بسنة واحدة، ثم أمره أن يلجأ إليه في تهيئة ذلك المقام المحمود حتى يخرجه من مكّة مخرج صدق، ويدخله ذلك المقام المحمود مدخل صدق، وأن ينبئهم بقرب ذلك اليوم الذي يظهر فيه حقّه على باطلهم وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) .
عود إلى بيان فضل القرآن الآيات (٨٢- ١١١)
ثم قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) ، فعاد السياق إلى الكلام على فضل القرآن، وذكر أنه سبحانه ينزّل منه ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ويزداد به الكافرون خسارا إلى خسارهم ثم بيّن سبب ذلك فيهم، وهو استكبارهم واغترارهم بأموالهم التي أنعم الله بها عليهم فذكر سبحانه أن شأن الكافر إذا أنعم عليه استكبر، وإذا مسّه الفقر بلغ به اليأس كل مبلغ ثم ذكر أن كلّا من المؤمنين والكافرين، يعمل من ذلك على شاكلته، وأنه سبحانه أعلم بمن هو أهدى سبيلا منهم ثم ذكر تعالى أنهم يسألون النبيّ (ص) عن الروح، وهو القرآن، ما دليله على أنه من عند الله؟
وأمره أن يجيبهم بأنه من أمره، وأن ما جاءهم به من العلم قليل بالنسبة إلى واسع علمه وأنه سبحانه لو شاء أن يأخذ هذا القليل وذهب بما أوحى إليه من القرآن لفعل، لأنه لا يريد به شيئا لنفسه، وإنما يريد مصلحتهم ثم بيّن لهم الدليل على أنه من عنده، وهو عجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله وذكر أنه تحدّاهم بذلك على وجوه كثيرة، فمن عشر سور إلى سورة واحدة، إلى التحدي به كلّه ولكنهم يأبون إلا كفورا، ويطلبون معجزات أخرى، كأن يفجّر لهم ينبوعا من الأرض، أو يكون له في واديهم جنّة من نخيل وعنب تجري فيها الأنهار، إلى غير هذا مما اقترحوه على وجه التعنّت والتحكّم، وقد أمره تعالى بأن يجيبهم بأنه ليس إلّا بشرا رسولا ثم ذكر أنهم لم يمنعهم من الايمان بالقرآن، إلّا استبعادهم أن يكون رسوله من البشر، وأمره أن يجيبهم بأنه لو
стр. 1195
كان في الأرض ملائكة، يمشون مطمئنين لنزل عليهم من السماء ملكا رسولا وبأنه قد شهد على صدقه بمعجزة القرآن، وكفى به شهيدا بينه وبينهم ثم ذكر أن الهداية والضلال بإرادته لا بالمعجزات، فإذا أراد هداية قوم هداهم، وإذا لم يرد هداية قوم، فلن يوجد لهم أولياء من دونه يهدونهم ويحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا بكما صمّا، مأواهم جهنّم، كلّما خبت زادهم سعيرا، ذلك لأنهم كفروا بمعجزة القرآن، وأنكروا ما جاء به من بعثهم ثم ذكر أنهم لو نظروا في خلق السماوات والأرض، لعلموا أنه قادر على أن يبعثهم، وأنه جعل لبعثهم أجلا لا ريب فيه، وإن كفروا به.
ثم ذكر أنهم لو ملكوا خزائن رحمته، وهي أعظم ممّا اقترحوه من تفجير الأرض وغيره لبخلوا بها، فلا فائدة من إجابتهم إلى ما اقترحوه عليه ثم ذكر أنه آتى موسى تسع آيات بيّنات مثل هذه الآيات، فلم يؤمن فرعون بها، وأراد أن يستفزّ بني إسرائيل من أرضه فأغرقه جلّت قدرته، ومن معه جميعا، وأسكن بني إسرائيل الأرض التي وعدهم بها.
ثم عاد السياق إلى تعظيم شأن القرآن، فذكر سبحانه أنه لم ينزّله إلّا بالحق وبالحق نزل، وأنه لم يرسله إلّا مبشّرا ونذيرا، فمن شاء آمن ومن لم يشأ لم يؤمن ثم ذكر أنه نزّله مفرّقا ليقرأه على الناس على مكث، وأن إيمانهم به وعدمه سواء، لأن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون ساجدين لأذقانهم ثم ختم السورة فأمرهم بأن يدعوه باسمه أو باسم الرحمن، أو غيرهما من أسمائه الحسنى ونهاه أن يجهر بصلاته أو يخافت بها، وأمره أن يبتغي بين ذلك سبيلا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) .
стр. 1196
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الإسراء» «١»
اعلم أن هذه السورة، والسّور الأربع التي بعدها، هي من قديم ما أنزل.
أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال، في بني إسرائيل، والكهف ومريم وطه والأنبياء: «من العتاق الأول، وهنّ من تلادي «٢» » وهذا وجه في ترتيبها، وهو اشتراكها في قدم النزول، وكونها مكّية، وكونها مشتملة على القصص.
وقد ظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل: أنه سبحانه، لمّا قال: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ في آخر النحل «٣» فسّر في هذه شريعة أهل السبت وشأنهم فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة، كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: «التوراة كلّها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل» «٤» . وذكر عصيانهم وفسادهم، وتخريب مسجدهم ثم ذكر استفزازهم للنبي (ص) ورغبتهم في إخراجه من المدينة، ثم ذكر سؤالهم إيّاه عن الروح، ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون، وأخبر أن استفزازهم للنبي (ص) ليخرجوه من المدينة هو وأصحابه، نظير ما وقع لهم مع فرعون لمّا استفزّهم، ووقع ذلك أيضا.
ولما كانت هذه السورة مصدّرة بقصة تخريب المسجد الأقصى، فقد أسري بالمصطفى إليه، تشريفا له بحلول ركابه الشريف.
стр. 1197
المبحث الرابع مكنونات سورة «الإسراء» «١»
١- بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [الآية ٥] .
قال ابن عبّاس وقتادة: بعث الله عليهم جالوت. أخرجه ابن أبي حاتم.
وفي «العجائب» للكرماني، قيل:
هم سنحاريب «٢» وجنوده «٣» . وقيل: العمالقة.
وقيل: قوم مؤمنون، بدليل إضافتهم إليه تعالى.
٢- فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ( [الآية ٧] .
стр. 1198
قال عطيّة ومجاهد: بعث عليهم في الاخرة بختنصّر. أخرجه ابن أبي حاتم.
٣- ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الآية ٥٦] .
قال ابن عبّاس: عيسى وأمه، وعزيز. أخرجه ابن أبي حاتم «١» .
٤- وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الآية ٦٠] .
قال ابن عباس: هي شجرة الزّقّوم أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٥- وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الآية ٧٣] نزلت في رجال من قريش، منهم:
أميّة بن خلف، وأبو جهل. أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس «٣» . ٦- وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ [الآية ٧٦] .
نزلت في اليهود كما أخرجه البيهقي في «الدلائل» ، من مرسل عبد الرحمن ابن غنم «٤» .
٧- مُدْخَلَ صِدْقٍ [الآية ٨٠] .
قال مطر الورّاق «٥» المدينة قال: و: مُخْرَجَ صِدْقٍ [الآية ٨٠] :
مكّة. أخرجه ابن أبي حاتم «٦» .
٨- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الآية ٨٥] .
أخرج الشيخان «٧» وغيرهما عن ابن مسعود: أنّ السائلين اليهود.
وأخرج التّرمذيّ «٨» عن ابن عبّاس:
أنّهم قريش.
стр. 1199
٩- وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا [الآية ٩٠] .
سمّى ابن عبّاس، من قائلي ذلك عبد الله بن أبي أميّة. أخرجه ابن أبي حاتم «١» .
١٠- تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الآية ١٠١] . قال ابن عبّاس: هي الطّوفان، والجراد، والقمّل، والضّفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنون «٢» ، ونقص من الثّمرات. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» وأخرج عن سعيد بن جبير، قال: كان بين كلّ آيتين من هذه التسع، ثلاثون يوما. وأخرج عن زيد بن أسلم، قال:
كانت في تسع سنين، في كل سنة آية.
стр. 1200
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الإسراء» «١»
١- قال تعالى: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [الآية ٥] قرئ: فحاسوا بالحاء المهملة، وليس هذا من باب الإبدال الذي يعرض لقرب مخارج الأصوات، كالعين والهمزة، والحاء، والهاء، والتاء، والثاء، والسين، والشين، وقد يكون لقرب صفة الصوت من صفة أخرى.
وعلى هذا، فإن «جاسوا» كلمة برأسها، و «حاسوا» كلمة أخرى، وإن اتّفق المعنى.
٢- وقال تعالى: وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) .
أي ليهلكوا كلّ شيء غلبوه واستولوا عليه «٢» .
٣- وقال تعالى:
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) يريد ب «الأوّابين» «التوّابين» .
وعن سعيد بن جبير: هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه، لا يريد بذلك إلّا الخير.
وعن سعيد بن المسيّب، الأوّاب:
الرجل كلّما أذنب بادر بالتوبة. ويجوز أن يكون هذا عامّا لكل من فرطت منه جناية ثمّ تاب منها، ويندرج فيه الجاني على أبويه، التائب من جنايته لوروده على أثره.
стр. 1201
أقول: وفي هذه الدلالات كلّها على التقائها، نلمح الفعل «آب» بمعنى رجع.
٤- وقال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) .
الخطء: هو الإثم، وقرئ الخطأ مثل الحذر، وخطاء بالفتح والكسر مع المد، والخطا بالفتح وحذف الهمزة.
أقول: والخطء: هو الاسم كالخطإ والخطاء.
٥- وقال تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الآية ٤٦] .
في هذه الآية، معنى المنع من الفقه، فكأنّه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه، والتقدير كراهة أن يفقهوه.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، فيه معنى المنع.
٦- وقال تعالى: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ [الآية ٥١] أي يحرّكون نحوك رؤوسهم تعجّبا واستهزاء.
ونغض الشيء ينغض نغضا، ونغوضا، ونغضانا، وتنغّض، وأنغض، بمعنى تحرّك واضطرب.
ونغضت أسناني، أي: قلقت وتحرّكت. ونغض فلان رأسه يتعدّى، ولا يتعدّى.
٧- وقال تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) .
وزبور والزّبور: الكتاب، وهو بمعنى مفعول، أي المزبور، والجمع زبر وزبرت الكتاب كتبته.
٨- وقال تعالى: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) .
والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرّمته عليّ، أي فضّلته، لم كرّمته عليّ، وأنا خير منه؟
ثم قال تعالى: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ، أي لأستأصلنّهم بالإغواء. وهذا من قولهم: احتنك الجراد الأرض، إذا جرّد ما عليها أكلا، وهو من الحنك.
٩- وقال تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الآية ٦٤] وقوله تعالى: وَأَجْلِبْ من الجلبة، وهي الصياح.
والمراد ب «الخيل» الخيّالة، أي الفرسان، ومنه قول النبي (ص) :
«يا خيل الله اركبي» .
стр. 1202
والرّجل: اسم جمع للرجال كالركب والصّحب، وقرئ، ورجلك.
على أن فعلا بمعنى فاعل، نحو:
تعب وتاعب.
ومعناه: وجمعك الرّجل، وتضمّ جيمه أيضا، فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وفطن وفطن.
١٠- وقال تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) .
أقول: والتبيع: المطالب.
ومنه قوله تعالى: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨] أي مطالبة، قال الشمّاخ [من بحر الوافر] :
يلوذ ثعالب الشرقين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع
ويقال: فلان على فلان تبيع بحقّه، أي مسيطر عليه، مطالب له بحقّه.
١١- وقال تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها [الآية: ٧٦] . وقوله تعالى لَيَسْتَفِزُّونَكَ، أي: ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم.
أقول: فزّ فلانا عن موضعه فزّا:
أزعجه.
واستفزّه: استخفّه وأخرجه من داره «١» وأزعجه، وأفزرته: أزعجته.
وللاستفزاز في العربية المعاصرة خصوصية دلالية، فهو التحريش والإيذاء، بقصد إثارة الخصم، ليقول شيئا أو يفعل يقال استفزّ القويّ الضعيف، بمعنى ظلمه واعتدى عليه من غير سبب، ليحمله على أن يفعل شيئا، فيحلّ عليه ظلمه واضطهاده.
١٢- وقال تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) .
وقوله تعالى: وَزَهَقَ الْباطِلُ أي:
كان مضمحلّا.
أقول: والفعل «زهق» في الآية من قولهم، كما أشرنا: «زهقت نفسه» إذا خرجت.
و «الزّهق» بمعنى خروج النفس، قد بقي شيء منه في الدارجة العراقية، يقال في هذه اللهجة العاميّة: فلان زهق (بإبدال القاف كافا ثقيلة) يريدون
стр. 1203
غضب غضبا شديدا، حتى خرج عن الحدّ وتجاوز في السلوك. وهذا الاستعمال الدارج ذو صلة أكيدة بالكلمة الفصيحة القديمة التي لم يبق لها أثر في الفصيحة الحديثة، اللهم إلّا ما كان قد أخذ من لغة القرآن، واستعمل على غرار الآية.
١٣- وقال تعالى: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) . والقبيل:
الكفيل بما تقول، شاهدا بصحّته. ١٤- وقال تعالى: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ... [الآية ٩٣] . المراد ب «الزّخرف» الذّهب.
أقول: كأنّ البيت مزخرف بالذهب.
١٥- وقال تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠) .
أي ضيّقا بخيلا.
أقول: في اللغة المعاصرة الأصل المزيد «قتّر» وهو مقتّر، أي بخيل ضيّق.
стр. 1204
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الإسراء» «١»
قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى [الآية ١] يقال «أسريت» و «سريت» .
وقال تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) أي، والله أعلم، قل يا محمّد سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وقل: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) .
وقال تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما [الآية ٥] و «الأولى» مثل «الكبرى» يتكلّم بها بالألف واللام، ولا يقال «هذه أولى» .
والإضافة تعاقب الألف واللام، فلذلك قال سبحانه أُولاهُما، كما تقول «هذه كبراهما» و «كبراهنّ» و «كبراهم عنده» . وقال تعالى: دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ [الآية ١١] بنصب «الدعاء» على الفعل، كما تقول «إنّك منطلق انطلاقا» «٢» .
قال تعالى: وَلا تَنْهَرْهُما [الآية ٢٣] ويقال: «نهره» و «انتهره» «ينتهره» .
قال تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً [الآية ٣١] من «خطئ» «يخطأ» تفسيره:
«أذنب» وليس في معنى: «أخطأ» لأن ما أخطأت فيه ما صنعته خطأ «خطئت» فيه ما صنعته عمدا، وهو الذنب. وقد يقول ناس من العرب: «خطئت» في معنى «أخطأت» «٣» قال امرؤ القيس [من الرجز وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائتين] :
стр. 1205
يا لهف نفسي «١» إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا
تالله لا يذهب شيخي باطلا وقال آخر «٢» من الكامل وهو الشاهد [الأربعون بعد المائتين] :
والنّاس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصّواب ولا يلام المرشد «٣»
وقال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) أُولئِكَ هذا، وأشباهه مذكّرا كان أو مؤنثا، تقول فيه «أولئك» . قال الشاعر «٤» [من الكامل وهو الشاهد الحادي والسبعون] :
ذمّي المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيّام «٥»
وهذا كثير. وقال تعالى: حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) فالفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: «إنك مشؤوم علينا» و «ميمون» وإنّما هو «شائم» و «يامن» ، لأنه من «شأمهم» و «يمنهم» و «الحجاب» هاهنا هو الساتر وقال سبحانه وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) (مستورا) «٦» .
وقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) فقال عُلُوًّا ولم يقل «تعاليا» كما قال وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) [المزّمّل] . قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الحادي والأربعون بعد المائتين] :
أنت الفداء لكعبة هدّمتها ... ونقرتها بيديك كلّ منقّر
стр. 1206
منع الحمام مقيله من سقفها ... ومن الحطيم فطار كلّ مطيّر «١»
وقال الاخر [من الرجز وهو الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين] :
يجري عليها أيّما إجراء
وقال الاخر «٢» [من الوافر وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين] :
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا
وقال تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الآية ٤٧] «النّجوى» فعلهم كما تقول: «هم قوم رضيّ» وإنّما «الرّضى» فعلهم.
وقال تعالى وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الآية ٥٣] بجعله جوابا للأمر «٣» .
وقال تعالى وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [الآية ٥٩] يقول «بها كان ظلمهم» «٤» و «المبصرة» البيّنة، كما تقول: «الموضحة» و «المبيّنة» .
وقال تعالى سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ [الآية ٧٧] أي: سننّاها سنّة «٥» .
كما قال رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الآية ٨٧] .
وقال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الآية ٧٨] أي، والله أعلم، وعليك قرآن الفجر «٦» .
وقال تعالى يَؤُساً (٨٣) من «يئس» .
وقال جلّ شأنه أَيًّا ما تَدْعُوا [الآية ١١٠] أي- والله أعلم- «أيّا تدعوا» .
وقال سبحانه وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ [الآية ٦٤] من «أجلبت» وهو في معنى «جلب» ، والموصولة من «جلب» «يجلب» .
стр. 1207
وقال تعالى أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الآية ١١٠] يقول: «أيّ الدّعائين تدعوا فله الأسماء الحسنى «١» . وقال سبحانه عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ [الآية ٧٩] وعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ [التحريم: ٨] يقال «عسى» من الله واجبة.
стр. 1208
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الإسراء» «١»
إن قيل: لم قال الله تعالى بِعَبْدِهِ [الآية ١] ولم يقل «بنبيّه» ، أو «برسوله» ، أو «بحبيبه» ، أو «بصفيّه» ، ونحو ذلك مع أن المقصود من ذلك الإسراء، تعظيمه وتبجيله؟
قلنا: إنّما سمّاه عبدا في أرفع مقاماته، وأجلّها، وهو هذا وقوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
(١٠) [النجم] كي لا تغلط فيه أمّته، وتضل به كما ضلّت أمة المسيح (ع) به، فدعته إلها. وقيل كي لا يتطرّق إليه العجب والكبر.
فإن قيل: الإسراء لا يكون إلّا بالليل، فما فائدة ذكر الليل؟
قلنا: فائدته أنه ذكر منكّرا ليدل على قصر الزمان الذي كان فيه الإسراء والرجوع، مع أنه كان من مكّة إلى بيت المقدس مسيرة أربعين ليلة، وذلك لأن التنكير يدل على البعضية، ويؤيده قراءة عبد الله وحذيفة، «الليل» : أي بعض الليل كقوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً [الآية ٧٩] فإنه أمر بالقيام في بعضه.
فإن قيل: أي حكمة في نقله (ص) ، من مكّة إلى بيت المقدس، ثم العروج به من بيت المقدس إلى السماء ولم لم يعرج به من مكة إلى السماء دفعة واحدة؟
قلنا لأن بيت المقدس محشر الخلائق، فأراد الله تعالى أن يطأها الرسول (ص) ، ليسهل على أمته يوم
стр. 1209
القيامة وقفهم عليها، ببركة أثر قدمه (ص) .
الثاني: أن بيت المقدس مجمع أرواح الأنبياء (ع) ، فأراد الله تعالى أن يشرّفهم بزيارته (ص) . الثالث: أنّه أسرى به إلى بيت المقدس، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يخبر به كفّار مكّة صبيحة تلك الليلة، فيدلّهم إخباره بذلك، مطابقا لما رأوا وشاهدوا، على صدقه في حديث الإسراء.
فإن قيل: لم قال الله تعالى بارَكْنا حَوْلَهُ [الآية ١] ولم يقل باركنا عليه أو باركنا فيه، مع أن البركة في المسجد تكون أكثر من خارج المسجد، وحوله خصوصا المسجد الأقصى؟
قلنا: أراد سبحانه البركة الدنيوية، بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة، وذلك حوله لا فيه. وقيل أراد البركة الدينية، فإنه مقرّ الأنبياء (ع) ، ومتعبّدهم ومهبط الوحي والملائكة، وإنما قال جلّ وعلا: بارَكْنا حَوْلَهُ لتكون بركته أعمّ وأشمل، فإنه أراد بما حوله ما أحاط به من أرض بلاد الشام، وما قاربه منها، وذلك أوسع من مقدار بيت المقدس ولأنه إذا كان هو الأصل، وقد بارك في لواحقه وتوابعه من البقاع، كان هو مباركا فيه بالطريق الأولى، بخلاف العكس. وقيل المراد البركة الدنيوية والدينية، ووجههما ما مرّ. وقيل المراد باركنا حوله، من بركة نشأت منه، فعمّت جميع الأرض، فإن مياه الأرض كلّها، أصل انفجارها من تحت الصخرة التي في بيت المقدس.
فإن قيل، ما وجه ارتباط قوله تعالى إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) بما قبله، ومناسبته له؟
قلنا: معناه لا تتّخذوا من دوني ربّا فتكونوا كافرين، ونوح كان عبدا شكورا، وأنتم ذرّية من آمن به، وحمل معه، فتأسّوا به في الشكر، كما تأسّى به آباؤكم.
فإن قيل لم قال الله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الآية ٧] ولم يقل: فعليها، كما قال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصّلت: ٤٦] ؟
قلنا: اللام هنا بمعنى على، كما في قوله تعالى وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات] وقوله تعالى يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ [الآية ١٠٧] وقيل معناه، فلها رجاء بالرحمة، أو فلها خلاص بالتوبة والاستغفار والصحيح، أن اللام هنا على بابها، لأنها للاختصاص وكل عامل مختص
стр. 1210
بجزاء عمله، حسنا كان أو سيّئا وقد سبق مثل هذا مستوفى في آخر سورة البقرة، في قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
فإن قيل: لم قال الله تعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [الآية ١٢] وقال في قصة مريم وعيسى (ع) وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) [الأنبياء] وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون:
٥٠] مع أن عيسى (ع) كان وحده آيات شتّى، حيث كلّم الناس في المهد، وكان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق الطير وغير ذلك وأمّه وحدها، كانت آية، حيث حملت من غير فحل؟
قلنا: إنّما أراد به الآية التي كانت مشتركة بينهما ولم تتم إلّا بهما، وهي ولادة ولد من غير فحل، بخلاف الليل والنهار والشمس والقمر. والثاني: أن فيه آية محذوفة، إيجازا واختصارا تقديره: وجعلناها آية وابنها آية، أي وجعلنا ابن مريم آية، وأمّه آية.
فإن قيل: لم قال الله تعالى وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الآية ١٢] والإبصار من صفات ما له حياة والمراد بآية النهار، إمّا الشمس وإمّا النهار نفسه وكلاهما غير مبصر؟
قلنا: المبصرة في اللغة بمعنى المضيئة، نقله الجوهري، وقال غيره معناه بيّنة واضحة ومنه قوله تعالى:
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الآية ٥٩] أي آية واضحة مضيئة، وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [النمل: ١٣] الثاني، معناه، مبصرا بها إن كانت الشمس، أو فيها، إن كانت النهار، ومنه قوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧] أي مبصرا فيه ونظيره قولهم، ليل نائم ونهار صائم: أي ينام ويصام فيه.
والثالث، أنه فعل رباعي منقول بالهمزة عن الثلاثي الذي هو بصر بالشيء: أي علم به، فهو بصير، أي عالم معناه:
أنه يجعلهم بصراء، فيكون أبصره بمعنى بصره، وعلى هذا حمل الأخفش قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [النمل: ١٣] أي تبصّرهم، فتجعلهم بصراء. الرابع، أن بعض الناس زعم أن الشمس حيوان له حياة وبصر وقدرة، وهو متحرك بإرادته امتثال أمر الله تعالى، كما يتحرّك الإنسان.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكر عدد السنين، مع أنه لو اقتصر على القول
стр. 1211
لتعلموا الحساب، دخل فيه عدد السنين، إذ هو من جملة الحساب؟
قلنا: العدد كله موضوع الحساب، كبدن الإنسان فإنه موضوع الطب، وأفعال المكلّفين موضوع الفقه، وموضوع كل علم مغاير له، وليس جزءا منه. كبدن الإنسان ليس جزءا من الطب، ولا أفعال المكلّفين جزءا من الفقه فكذا العدد، ليس جزءا من الحساب وإنما ذكر عدد السنين وقدّم على الحساب، لأن المقصود الأصلي من محو الليل وجعل آية النهار مبصرة، علم عدد الشهور والسنين، ثم يتفرّع من ذلك علم حساب التاريخ، وضرب المدد والآجال.
فإن قيل: لم قال الله تعالى كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) وقال في موضع آخر وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) [الأنبياء] ؟
قلنا: مواقف القيامة مختلفة، ففي موقف يكل الله، سبحانه، حسابهم إلى أنفسهم، وعلمه محيط به وفي موقف يحاسبهم، هو ﷻ . وقيل إنه سبحانه هو الذي يحاسبهم لا غيره، وقوله تعالى كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) ، أي يكفيك أنك شاهد على نفسك بذنوبها، عالم بذلك فهو توبيخ وتقريع، لا أنه تفويض لحساب العبد إلى نفسه. وقيل من يريد مناقشته في الحساب يحاسبه بنفسه، ومن يريد مسامحته فيه يكل حسابه إليه.
فإن قيل: قال تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] ويرد ما جاء في الأخبار، أن في يوم القيامة يؤخذ من حسنات المغتاب والمديون، ويزاد في حسنات ربّ الدّين والشخص الذي اغتيب، فإن لم تكن لهما حسنات يوضع عليهما من سيئات خصميهما، وكذلك جاء هذا في سائر المظالم؟
قلنا المراد من الآية، أنها لا تحمله اختيارا ردّا على الكافرين حيث قالوا للذين آمنوا، كما ورد في التنزيل اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢] ، والمراد من الخبر، أنها تحمله كرها، فلا تنافي وقد سبق هذا مرة في آخر سورة الأنعام.
فإن قيل: لم قال الله تعالى أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
[الآية ١٦] وقال في آية أخرى قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] .
قلنا: فيه إضمار تقديره أمرناهم بالطاعة ففسقوا. وقال الزّجّاج، ومثله
стр. 1212
قولهم أمرته فعصاني، وأمرته فخالفني، لا يفهم الأمر بالمعصية ولا الأمر بالمخالفة. الثاني: أن معناه كثّرنا مترفيها، يقال أمرته وآمرته بالمد والقصر يعني كثّرته وقد قرئ بهما، ومنه الحديث «خير المال مهرة مأمورة وسكّة مأبورة» ، أي كثيرة النتاج والنسل. والثالث أن معناه أمّرنا مترفيها بالتشديد، يقال أمّرت فلانا بمعنى أمرته: أي جعلته أميرا، فمعنى الآية سلطانهم بالإمارة، ويعزّز هذا الوجه قراءة من قرأ (أمّرنا) بالتشديد. وقال الزمخشري ﵀: لا يجوز أن يكون معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا، لأن حذف ما لا دليل عليه في اللفظ غير جائز، فكيف يقدّر حذف ما قام الدليل في اللفظ على نقيضه، وذلك لأن قوله تعالى فَفَسَقُوا
يدل على أن المأمور به المحذوف، هو الفسق، وهو كلام مستفيض، يقال أمرته فقام، وأمرته فقعد، وأمرته فقرأ لا يفهم منه، إلا أن المأمور به القيام والقعود والقراءة بخلاف قولهم أمرته فعصاني، وأمرته فخالفني حيث لا يكون المأمور به المحذوف المعصية والمخالفة لأن ذلك مناف للأمر، مناقض له ولا يكون ما يناقص الأمر وينافيه مأمورا به، فيكون المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه، ولا منويّ والمتكلم بمثل هذا، لا ينوي لأمره مأمورا به بل كأنه قال: كان منّي أمر، فلم تكن منه طاعة، أو كانت منه مخالفة كما تقول: مر زيدا يطعك، وكما تقول: فلان يأمر وينهى، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويضرّ وينفع فإنّك لا تنوي مفعولا.
فإن قيل: على هذا، حقيقة أمرهم بالفسق، أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون من الله، فلا يقال يقدّر الفسق محذوفا، ولا مأمورا به.
قلنا: الفسق المحذوف المقدر، مجاز عن إترافهم وصب النعم عليهم صبّا، أفضى بهم إلى جعلها ذريعة إلى المعاصي، ووسيلة إلى اتّباع الشهوات فكأنهم أمروا بذلك، لمّا كان السبب في وجوده الإتراف، وفتح باب النعم.
فإن قيل: لم لا يكون ثبوت العلم، بأن الله لا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالطاعة والعدل والخير، دليلا على المراد أمرناهم بالطاعة ففسقوا.
قلنا: لو جاز مثل هذا الإضمار والتقدير، لكان المتكلّم مريدا من مخاطبه علم الغيب لأنه أضمر ما لا
стр. 1213
دلالة عليه في اللفظ، بل أبلغ، لأنه أضمر في اللفظ ما يناقضه وينافيه وهو قوله تعالى فَفَسَقُوا
فكأنه أظهر شيئا، وادّعى إضمار نقيضه، فكان صرف الأمر إلى ما ذكرنا من المجاز، هو الوجه هذا كله كلام الزمخشري، ولا أعلم أحدا من أئمّة التفسير صار إليه غيره ثم إنه أيّد فقال: ونظيره أمر «شاء» ، في أن مفعوله استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده تقول: لو شاء فلان لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك، تريد لو شاء الإحسان الأحسن، ولو شاء الإساءة إليك لأساء، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت فتعني، ولو شاء الإساءة لأحسن إليك، ولو شاء الإحسان لأساء إليك وتقول قد دلّت حال من أسدت إليه المشيئة، أنه من أهل الإحسان دائما، ومن أهل الإساءة دائما: فيترك الظاهر المنطوق به، ويضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة، لم تكن على سداد.
فإن قيل: على الوجه الأول، لو كان المضمر المحذوف الأمر بالطاعة كان مخصوصا بالمترفين، لأن أمر الله تعالى بالطاعة، عامّ للمترفين وغيرهم.
قلنا: أمر الله بالطاعة وإن كان عامّا، ولكن لمّا كان صلاح الأمراء والرؤساء وفسادهم، مستلزما لصلاح الرعيّة وفسادها غالبا خصّهم بالذكر. ويؤيد هذا ما جاء في الخبر «صلاح الوالي صلاح الرعيّة، وفساد الوالي فساد الرعيّة» .
فإن قيل: قوله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ [الآية ١٨] يدل على أن من لم يزهد في الدنيا ولم يتركها، كان من أهل النار، والأمر بخلافه.
قلنا: المراد من كان يريد بإسلامه وطاعته وعبادته الدنيا لا غير، ومثل هذا لا يكون إلّا كافرا أو منافقا ولهذا قال ابن جرير: هذه الآية لمن لا يؤمن بالمعاد، وأما من أراد من الدنيا قدر ما يتزوّد به إلى الاخرة، فكيف يكون مذموما مع أن الاستغناء عن الدنيا بالكلّيّة وعن جميع ما فيها، لا يتصوّر في حق البشر، ولو كانوا أنبياء، فعلم أن المراد ما قلنا.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) أي ممنوعا، ونحن نرى ونشاهد في الواقع، أن واحدا أعطاه قناطير مقنطرة، وآخر منعه العطاء حتى الحبّة؟
قلنا: المراد بالعطاء هنا الرزق، والله
стр. 1214
تعالى ساوى في ضمان الرزق وإيصاله، بين البرّ والفاجر والمطيع والعاصي، ولم يمنع الرزق عن العاصي بسبب عصيانه، فلا تفاوت بين العباد في أصل الرزق، وإنّما التفاوت بينهم في مقادير الإملاك.
فإن قيل: لم منع الله تعالى الكفّار التوفيق والهداية، ولم يمنعهم الرزق؟
قلنا: لأنه لو منعهم الرزق لهلكوا، وصار ذلك حجّة لهم يوم القيامة، بأن يقولوا لو أمهلتنا ورزقتنا، لبقينا أحياء فآمنّا. الثاني: أنه لو أهلكهم بمنع الرزق، لكان قد عاجلهم بالعقوبة، فيتعطّل معنى اسمه الحليم عن معناه لأن الحليم، هو الذي لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه. الثالث: أنّ منع الطعام والشراب من صفات البخلاء الأخسّاء، والله تعالى منزّه عن ذلك. وقيل إعطاء الرزق لجميع العبيد عدل، وعدل الله عامّ، وهبته التوفيق والهداية فضل، وإنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى عِنْدَكَ من قوله سبحانه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما [الآية ٢٣] ؟ قلنا: الحكمة أنهما يكبران في بيته وكنفه، ويكونان كلّا عليه لا كافل لهما غيره، وربما تولّى منهما من المشاق، ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الآية ٣٢] ولم يقل ولا تزنوا؟
قلنا: لو قال «ولا تزنوا» كان نهيا عن الزنى، لا عن مقدماته كاللمس والمعانقة والقبلة، ونحو ذلك ولمّا قال وَلا تَقْرَبُوا كان نهيا عنه وعن مقدّماته، لأن فعل المقدّمات قربان للزنى.
فإن قيل: الإشارة بقوله تعالى كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ [الآية ٣٨] على ماذا تعود؟
قلنا: الإشارة إلى كل ما هو منهيّ عنه، من جميع ما ذكر من قوله تعالى وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية ٢٣] إلى هذه الآية لا إلى جميع ما ذكر، فإن فيه حسنا وسيئا وقال أبو علي هو إشارة إلى قوله تعالى وَلا تَقْفُ [الآية ٣٦] وما بعده، لأنه لا حسن فيه.
فإن قيل: لم قال تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الآية ٤٤]
стр. 1215
فقوله جلّ شأنه وَمَنْ فِيهِنَّ يتناول أهل الأرضين كلّهم، والمراد به العموم كما هو مقتضى الصيغة، بدليل تأكيده بقوله تعالى بعده وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الآية ٤٤] ، والتسبيح هو التنزيه عن كل ما لا يليق بصفات جلاله وكماله، والكفّار يضيفون إليه الزوج والولد والشريك وغير ذلك، فأين تسبيحهم؟
قلنا: الضمير في قوله تعالى وَمَنْ فِيهِنَّ راجع إلى السماوات فقط.
الثاني: أنه راجع إلى السماوات والأرض، والمراد بقوله تعالى وَمَنْ فِيهِنَّ يعني من المؤمنين فيكون عامّا أريد به الخاصّ وعلى هذا يكون المراد بالتسبيح المسند إلى من فيهنّ، التسبيح بلسان المقال. ثالث: أن المراد به التسبيح بلسان الحال، حيث تدلّ على وجود الصانع، وعظيم قدرته، ونهاية حكمته فكأنها تنطق بذلك، وتنزّهه عمّا لا يجوز عليه، وما لا يليق به من السوء، ويؤيده قوله تعالى بعده: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الآية ٤٤] ، والتسبيح العامّ للموجودات جميعها، إنّما هو التسبيح بلسان الحال. فإن قيل: لو كان المراد هو التسبيح بلسان الحال، لما قال سبحانه وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الآية ٤٤] ، إلا أنّ التسبيح بلسان الحال مفقود لنا: أي مفهوم ومعلوم؟
قلنا: الخطاب بقوله تعالى وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ للكفّار، وهم مع تسبيحهم بلسان الحال، لا يفقهون تسبيح الموجودات على ما ذكرنا من التفسير لأنهم لمّا جعلوا لله شركاء وزوجا وولدا، دلّ ذلك على عدم فهمهم التسبيح والتنزيه للموجودات، وعدم إيضاح دلائل الوحدانيّة لأنّ الله تعالى طبع على قلوبهم.
فإن قيل: وَمَنْ فِيهِنَّ [الآية ٤٤] وهم الملائكة والثّقلان يسبّحون حقيقة، والسماوات والأرض والجمادات تسبّح مجازا، فكيف جمع بين إرادة الحقيقة والمجاز من لفظ واحد، وهو قوله تعالى: تُسَبِّحُ؟
قلنا التسبيح المجازي بلسان الحال، حاصل من الجميع، فيحمل عليه دفعا لما ذكرتم من المجاز.
فإن قيل: لم قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الآية ٥٢]
стр. 1216
والمستعمل الشائع دعاه فاستجاب لأمره أو بأمره: أي أجاب؟
قلنا: قال ابن عباس ﵄: المراد بقوله تعالى بِحَمْدِهِ بأمره. وقال سعيد بن جبير ﵁: إذا دعا الله الخلائق للبعث، يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون:
سبحانك اللهم وبحمدك وقال غيره وهم يقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده فعلى هذا تكون الباء بمعنى مع، كما في قوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] وقوله تعالى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الحجر: ٩٨] .
فإن قيل: لم أجمل ذكر الأنبياء كلهم بقوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الآية ٥٥] ثم خصّ داود بالذكر فقال تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) . قلنا: لأنه اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو:
الرسالة، والكتابة والخطابة، والخلافة، والملك، والقضاء، في زمن واحد قال الله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) [ص] وقال جلّ شأنه: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص: ٢٦] . الثاني: أنّ قوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الآية ٥٥] إشارة إلى تفضيل محمد (ص) ، وقوله سبحانه: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) دلالة على وجه تفضيله (ص) ، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأنّ أمّته خير الأمم لأنّ ذلك مكتوب في زبور داود (ع) ، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) [الأنبياء] يعني محمّدا (ص) وأمته.
فإن قيل: لم نكّر الزّبور هنا، وعرّفه في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء: ١٠٥] ؟
قلنا: يجوز أن يكون الزّبور من الأعلام التي تستعمل بالألف واللام، وبغيرهما، كالعبّاس والفضل والحسن والحسين ونحوها الثاني: أنه نكّره هنا لأنّه أراد: وآتينا داود بعض الزبور، وهي الكتاب. الثالث: أنّه نكّره لأنه أراد به، ما ذكر فيه رسول الله (ص) من الزبور، فسمى ذلك زبورا لأنه بعض الزبور، كما سمّى بعض القرآن قرآنا، فقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [الآية ١٠٦] وقال تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣] وأراد به سورة
стр. 1217
يوسف وقال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الآية ٧٨] أي القرآن المتلوّ في صلاة الفجر.
فإن قيل: قوله تعالى فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ [الآية ٥٦] مغن عن قوله تعالى وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) لأنهم إذا لم يستطيعوا كشف الضرّ لا يستطيعون تحويله، لأنّ تحويل الضّر نقله من محل، وإثباته في محل آخر، ومنه تحويل الفراش والمتاع وغيرهما، وكشف الضّرّ مجرّد إزالة، ومن لا يقدر على الإزالة وحدها، فكيف يقدر على الإزالة مع الإثبات؟ والمراد بالآية كشف الضر والمرض والقحط ونحوها؟
قلنا: التحويل له معنيان: أحدهما ما ذكرتم. والثاني التبديل، ومنه قولهم:
حوّلت القميص قباء، والفضة خاتما وأريد بالتبديل هنا الكشف، لأن في الكشف المنفي في الآية تبديلا فإن المرض متى كشف يبدّل بالصحة، والفقر متى كشف يبدّل بالغنى، والقحط متى كشف يبدّل بالخصب وكذا جميع الأضداد، فأطلق التبديل وأراد به الكشف، إلا أنه لم يرد به كشف الضّر لئلّا يلزم التكرار، بل أراد به مطلق الكشف الذي هو الإزالة، يعني فلا يستطيعون كشف الضّرّ عنكم، ولا كشفا ما، ولهذا لم يقل ولا تحويله. وهذا الجواب ممّا فتح الله علي به، من خزائن جوده ونظيره ما ذكرناه في سورة النحل، في قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) [النحل] .
فإن قيل: قوله تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [الآية ٥٩] . الآية فيها أسئلة:
أوّلها أنّ الله تعالى لا يمنعه عمّا يريده مانع، فإن أراد إرسال الآيات، فكيف يمنعه تكذيب الأمم الماضية؟ وإن لم يرد إرسالها، يكن وجود تكذيبهم وعدمه سواء، ويكن عدم الإرسال لعدم الإرادة. الثاني أن الإرسال يتعدّى بنفسه، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [نوح: ١] . فأيّ حاجة إلى الباء؟ الثالث: أن المراد بالآيات هنا، ما اقترحه أهل مكّة على رسول الله (ص) ، من جعل الصفا ذهبا، وإزالة جبال مكّة، ليتمكّنوا من الزراعة، وإنزال مكتوب من السماء، ونحو ذلك وهذه الآيات، ما أرسلت إلى الأوّلين، ولا شاهدوها فكيف
стр. 1218
كذّبوا بها؟ الرابع: أن تكذيب الأوّلين، لا يمنع إرسالها الى الآخرين، لجواز أن لا يكذّب الآخرون. الخامس: أيّ مناسبة وأيّ ارتباط بين صدر الآية وقوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الآية ٥٩] ؟ السادس: ما معنى وصف الناقة بالإبصار؟ السابع: أنّ الظلم يتعدّى بنفسه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
[النساء: ١١٠] . فأي حاجة إلى الباء فَظَلَمُوا بِها [الآية ٥٩] ، ولم لم يقل فظلموها يعني العقر والقتل، الثامن: أن قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ [الآية ٥٩] يدل على عدم الإرسال بها؟
قلنا: الجواب عن الأول، أن المنع مجاز عبّر به عن ترك الإرسال بالآيات، كأنه تعالى قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات، إلّا أن كذّب بها الأولون. وعن الثاني: أن الباء لتعدية الإرسال إلى المرسل به، لا إلى المرسل، لأن المرسل محذوف وهو الرسول، تقديره، وما منعنا أن نرسل الرسل بالآيات، والإرسال يتعدّى إلى المرسل بنفسه، وإلى المرسل به بالباء، وإلى المرسل إليه بإلى، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ [هود] . وعن الثالث: أنّ الضمير في قوله تعالى بِهَا [الآية ٥٩] ، عائد إلى جنس الآيات المقترحة، لا إلى هذه الآيات المقترحة، كأنّه تعالى قال: وما منعنا أن نرسل بالآيات المقترحة، إلّا تكذيب من قبلهم بالآيات المقترحة، يريد المائدة والناقة ونحوهما، ممّا اقترحه الأوّلون على أنبيائهم. وعن الرابع: أنّ سنة الله تعالى في عباده، أنّ من اقترح على الأنبياء آية، وأتوه بها فلم يؤمن، عجّل الله هلاكه والله تعالى لم يرد هلاك مشركي مكّة، لأنّه تعالى علم أنه يولد منهم من يؤمن، أو لأنه قضى وقدّر في سابق علمه، بقاء من بعث إليهم محمّد (ص) إلى يوم القيامة، فلو أرسل بالآيات التي اقترحوها، فلم يؤمنوا، لأهلكهم وحكمته اقتضت عدم إهلاكهم، فلذلك لم يرسلها فيصير معنى الآية: وما منعنا أن نرسل بالآيات المقترحة عليك، إلا أن كذّب بالآيات المقترحة الأوّلون، فأهلكوا، فربما كذّب بها قومك، فأهلكوا. وعن الخامس: أنه تعالى لما أخبر أن الأوّلين كذّبوا بالآيات المقترحة، عيّن منها واحدة
стр. 1219
وهي ناقة صالح ﵇، لأنّ آثار ديارهم المهلكة في بلاد العرب قريبة من حدودهم، يبصرها صادرهم وواردهم. وعن السادس: أنّ معنى مبصرة دالّة، كما يقال الدليل مرشدها وقيل مبصرا بها، كما يقال ليل نائم ونهار صائم أي ينام فيه ويصام فيه، وقيل معناه مبصرة، يعني أنها تبصّر الناس صحّة نبوّة صالح ﵇ ويعزّز هذا قراءة من قرأ (مبصرة) بفتح الميم والصاد: أي تبصرة. وقيل مبصرة صفة لآية محذوفة، تقديره: آية مبصرة: أي مضيئة بيّنة. وعن السابع:
أن الباء ليست لتعدية الظلم إلى الناقة، بل معناه: فظلموا أنفسهم بقتلها أو بسببها، وقيل الظلم هنا الكفر، فمعناه: فكفروا بها، فلمّا ضمن الظلم معنى الكفر عدّاه تعديته. وعن الثامن:
أنّ المراد بالآيات ثانيا العبر والدلالات، لا الآيات التي اقترحها أهل مكّة.
فإن قيل: لم قال تعالى وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الآية ٦٠] وليس في القران لعن شجرة ما؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن. الثاني: أنّ معناه: الملعون آكلوها وهم الكفرة. الثالث: أنّ الملعونة يعنى المذمومة، كذا قال ابن عبّاس ﵄، وهي مذمومة في القرآن، بقوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) [الدخان] . وبقوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) [الصافات] الرابع: أن العرب تقول لكل طعام مكروه أو ضار ملعون وفي القرآن الإخبار عن ضررها وكراهتها. الخامس: أن اللعن في اللغة، الطرد والإبعاد، والملعون هو المطرود عن رحمة الله تعالى المبعد، وهذه الشجرة مطرودة مبعدة، عن مكان رحمة الله تعالى وهو الجنة، لأنّها في قعر جهنّم، وهذا الإبعاد والطرد مذكوران في القرآن، بقوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) [الصافات] . وقال ابن الأنباري سمّيت ملعونة، لأنها مبعدة عن منازل أهل الفضل.
فإن قيل: لم خصّ أصحاب اليمين بقراءة كتبهم بقوله تعالى: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ [الآية ٧١] ولم خصّهم بنفي الظلم عنهم، بقوله تعالى:
стр. 1220
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) مع أن أصحاب الشمال يقرءون كتابهم ولا يظلمون أيضا؟
قلنا: إنما خصّ أصحاب اليمين بذكر القراءة، لأن أصحاب الشمال إلا رأوا ما في كتبهم من الفضائح والقبائح، أخذهم من الحياء والخجل والخوف ما يوجب حبسة اللسان، وتتعتع الكلام، والعجز عن إقامة الحروف، فتكون قراءتهم ك «لا قراءة» فأمّا أصحاب اليمين، فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرءون كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم، حتى يقول القارئ لأهل المحشر هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) [الحاقة] . وأمّا قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) فهو عائد إلى كلّ الناس، لا إلى أصحاب اليمين.
الثاني: أنّه عائد إلى أصحاب اليمين خاصة، وإنما خصّهم بذلك، لأنّهم يعلمون أنهم لا يظلمون، ويعتقدون ذلك بخلاف أصحاب الشمال، فإنّهم يعتقدون أو يظنون أنهم يظلمون، يعضد هذا الوجه قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) [طه] .
فإن قيل لم قال موسى (ع) لفرعون كما ورد في التنزيل قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ يعنى الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الآية ١٠٢] يعني بيّنات وحججا واضحات وفرعون لم يعلم ذلك، لأنه لو علم ذلك، لم يقل لموسى ﵇ كما ورد في التنزيل إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) أي مخدوعا، أو قد سحرت، أو ساحرا، مفعول بمعنى فاعل على اختلاف الأقوال، بل كان يؤمن به وكيف يعلم ذلك، وقد طبع الله على قلبه وأضلّه، وحال بينه وبين الهدى والرشاد، ولهذا قرأ عليّ كرم الله وجهه لَقَدْ عَلِمْتَ [الآية ١٠٢] بضم التاء، وقال: والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى (ع) ، هو الذي علم.
واختار الكسائي وثعلب قراءة عليّ ﵁، ونصراها، بأنه لمّا نسبه إلى أنّه مسحور، أعلمه بصحّة عقله؟
قلنا: معناه لقد علمت، لو نظرت نظرا صحيحا إلى الحجّة والبرهان، ولكنّك معاند مكابر، تخشى فوات دعوى الإلهية لو صدقتني فكان فرعون ممن أضلّه الله على علم، ولهذا بلغ ابن عباس قراءة علي ﵁ ويمينه، فاحتج بقوله تعالى
стр. 1221
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل:
١٤] .
فإن قيل: لم قال موسى (ع) كما ورد في التنزيل وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) وموسى (ع) كان عالما بذلك، لا شكّ عنده فيه؟
قلنا: قال أكثر المفسرين الظن هنا بمعنى العلم، كما في قوله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة:
٤٦] وإنما أتي بلفظ الظنّ ليعارض ظنّ فرعون بظنّه، كأنّه قال: إن ظننتني مسحورا، فأنا أظنّك مثبورا، والمثبور الهالك والمصروف عن الخيرات، أو الملعون والخاسر.
فإن قيل: لم كرّر تعالى الإخبار بالخرور «١» ؟
قلنا: كرّره ليدل على تكرار الفعل منهم. الثاني: أنه كرّره لاختلاف الحالين، وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين، وفي حال كونهم باكين. الثالث: أنه أراد بالخرور الأول، الخرور في حالة سماع القرآن وقراءته وبالخرور الثاني، الخرور في سائر الحالات وباقيها.
стр. 1222
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الإسراء» «١»
في قوله سبحانه وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الآية ١٢] استعارتان إحداهما:
قوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ.
والآية العلامة. والمراد بمحوها- والله أعلم- على قول بعضهم أي جعلنا ظلمة الليل مشكلة، لا يفهم معناها، ولا يعلم فحواها، لما استأثر الله تعالى بعلمه من المصلحة المستسرّة في ذلك.
وحقيقة المحو طمس أثر الشيء.
من قولهم: محوت الكتاب. إذا طمست سطوره حتى يشكل على القارئ، ويخفى على الرائي. وقال قوم: آية الليل، القمر خاصة.
ومحوه: تصيير تلك الطمسة في صفحته، حتى نقص نوره عن نور الشمس، لما يعلم الله سبحانه من المصلحة في ذلك. وآية النهار الشمس. وقال آخرون: بل آيتا الليل والنهار ضوء هذا في الجملة، وظلمة هذا في الجملة. لأن الضوء علامة النهار، والظلمة علامة الليل، على ما قدمنا ذكره.
والاستعارة الأخرى قوله تعالى:
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً وفي ذلك وجهان: أحدهما أن يكون المراد، أنّا جعلناها مكشوفة القناع مبيّنة الإبصار،
стр. 1223
على خلاف آية الليل إذ جعلناها مشرجة «١» الغلاف، بهيمة الأطراف.
والوجه الاخر أن يكون معنى مبصرة، أي يبصر الناس فيها، ويهتدون بها كما تقدم قولنا في قولهم، نهار صائم، وليل نائم أي أهل هذا صيام، وأهل هذا نيام. وكما يقولون:
رجل مخبث: إذا كان أهله وولده خبثاء. ورجل مضعف: إذا كانت دوابه وظهوره ضعفاء. فعلى هذا يسمى النهار مبصرا، إذا كان أهله بصراء.
وقد مضى الكلام على مثل ذلك فيما تقدّم.
وقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الآية ١٣] وهذه استعارة. والمراد بالطائر هاهنا، والله أعلم، ما يعمله الإنسان من خير وشرّ، ونفع وضرّ. وذلك مأخوذ من زجر الطير على مذاهب العرب. لأنهم يتبرّكون بالطائر المتعرّض من ذات اليمين، ويتشاءمون بالطائر المتعرّض من ذات الشمال.
ومعنى ذلك أنه سبحانه يجعل عمل الإنسان من الخير والشر، كالطوق في عنقه، بإلزامه إيّاه، والحكم عليه به.
وقال بعضهم: معنى ذلك أنّا جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه على ما بيّناه له، وهديناه إليه. والعرب تقيم العنق والرقبة، مقام الإنسان نفسه. فيقولون لي في رقبة فلان دم، ولي في رقبته دين. أي عنده. وفلان أعتق رقبة، إذا أعتق عبدا أو أمة. ويقول الداعي في دعائه، اللهم أعتق رقبتي من النار وليس يريد العنق المخصوصة، وإنّما يريد الذات والجملة.
وجعل سبحانه الطائر مكان الدليل الذي يستدل به، على استحقاق الثواب والعقاب، على عادة العرب التي ذكرناها في التبرّك بالسانح، والتشاؤم بالبارح.
وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الآية ٢٤] وهذه استعارة عجيبة، وعبارة شريفة. والمراد بذلك الإخبات «٢» للوالدين، وإلانة القول لهما، والرفق واللطف بهما.
وخفض الجناح في كلامهم عبارة
стр. 1224
عن الخضوع والتذلّل، وهما ضد العلوّ والتعزّز. إذ كان الطائر إنّما يخفض جناحه إذا ترك الطيران، والطيران هو العلوّ والارتفاع. وقد يستعار ذلك لفرط الغضب والاستشاطة. فيقال قد طار فلان طيرة، إذا غضب واستشاط.
وقد أومأنا إلى هذا المعنى فيما تقدّم.
وإنّما قال سبحانه: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الآية ٢٤] ليبيّن تعالى أنّ سبب الذل لهما الرأفة والرحمة، لئلّا يقدّر أنه الهوان والضراعة. وهذا من الأغراض الشريفة، والأسرار اللطيفة.
وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الآية ٢٩] وهذه استعارة. وليس المراد بها اليد التي هي الجارحة على الحقيقة، وإنّما الكلام الأول كناية عن التقتير، والكلام الاخر كناية عن التبذير وكلاهما مذموم، حتى يقف كل منهما عند حدّه، ولا يجري إلّا إلى أمده.
وقد فسّر هذا قوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان] .
وقوله سبحانه: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الآية ٤٦] . وهذه استعارة لأنه ليس هناك على الحقيقة كنان على قلب، ولا وقر في سمع. وإنّما المراد أنهم، لاستثقالهم سماع القرآن عند أمر الله سبحانه نبيّه ﵇ بتلاوته على أسماعهم وإفراغه في آذانهم، كالذين على قلوبهم أكنّة دون علمه، وفي آذانهم وقر دون فهمه، وإن كانوا من قبل نفوسهم أتوا، وبسوء اختيارهم أخذوا ولو لم يكن الأمر كذلك، لما ذمّوا على اطّراحه، ولعذروا بالإضراب عن استماعه.
وقوله سبحانه: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الآية ٤٧] وهذه استعارة لأن النجوى مصدر كالتقوى. وإنّما وصفوا بالمصدر، لما في هذه الصفة من المبالغة في ذكر ما هم عليه، من كثرة تناجيهم، وإسرار المكايد بينهم. والصفة بالمصادر تدلّ على قوة الشيء الموصوف بذلك مثل قولهم: رجل رضا وقوم عدل. وما يجرى هذا المجرى.
وقوله سبحانه: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الآية ٥٩] . وهذه استعارة.
والمعنى: جعلنا الناقة آية مبصرة، أي
стр. 1225
مبصرة للعاشي «١» ومذكرة للنّاسي، ومظنّة لاعتبار المعتبر، وتفكّر المفكر.
لأن من عجائب تلك الناقة تمخّض الصخرة بها من غير حمل بطن، ولا فرع فحل. وأنها كانت تقاسم ثمود الورد فلها يوم، ولثمود يوم.
قال سبحانه: لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) [الشعراء] فإذا كان يومها شربت فيه الماء مثلما كانت ثمود تأخذ أشقاصها «٢» وزروعها، وأصرامها «٣» وشروبها. وهذا من صوادح العبر، وقوارع النذر.
وقال بعضهم يجوز أن يكون معنى «مبصرة» هاهنا أي ذات إبصار.
والتأويلان يؤولان إلى معنى واحد.
وقوله سبحانه عن إبليس:
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) وهذه استعارة على بعض التأويلات في هذه الآية. وهو أن يكون الاحتناك هاهنا افتعالا من الحنك. أي لأقودنّهم إلى المعاصي، كما تقاد الدابة بحنكها، غير ممتنعة على قائدها. وهي عبارة عن الاستيلاء عليهم، والامتلاك لتصرفهم، كما يمتلك الفارس تصرّف فرسه، بثني العنان تارة، وبكبح اللجام مرة.
وقال يعقوب «٤» في «إصلاح المنطق» يقال: حنك الدّابة يحنكها حنكا، إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلا يقودها به.
وقد احتنك الدّابة «٥» مثل حنكها إذا فعل بها ذلك.
وقال بعضهم عن قوله تعالى:
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي لألقينّ في أحناكهم حلاوة المعاصي، حتى يستلذّوها، ويرغبوا فيها ويطلبوها.
والقول الأول أحبّ إليّ.
وقال بعضهم: لأستأصلنّ ذريته
стр. 1226
بالغواية، ولأستقصين إهلاكهم بالضلال، لأن اتّباعهم غيّه وطاعتهم أمره، يؤولان بهم إلى موارد الهلاك، وعواقب البوار.
وقال الشاعر [بحر الرجز] :
نشكو إليك سنة قد أجحفت ... واحتنكت أموالنا وجلّفت «١»
أي أهلكت أموالنا.
ويقال احتنكه إذا استأصله. ومن ذلك قولهم: احتنك الجراد الأرض.
إذا أتى على نبتها.
وقيل أيضا: المراد بذلك، لأضيّقنّ عليهم مجاري الأنفاس من أحناكهم، بإيصال الوسوسة لهم، وتضاعف الإغواء عليهم. ويقال احتنك فلان فلانا إذا أخذ بمجرى النفس من حنكه.
فكان كالشّبا «٢» في مقلته والشّجا «٣» في مسعله. وقوله سبحانه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [الآية ٧٨] وهذه استعارة. لأن الدّالك، المائل في كلامهم. فكأنه سبحانه أمر بإقامة الصلاة عند ميل الشمس. فقيل عند ميلها للزوال، وقيل عند ميلها للغرب والشمس على الحقيقة لا تميل عن موضعها، ولا تزول عن مركزها، وإنّما تعلو أو تنخفض، وترتفع بارتفاع الفلك وانخفاضه، وسيره وحركاته.
وقوله سبحانه وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) .
وهذه استعارة. لأنهم يقولون:
زهقت نفس فلان إذا خرجت. ومنه قوله تعالى وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) [التوبة] فالمراد، والله أعلم، وهلك الباطل إنّ الباطل كان هلوكا، تشبيها له بمن فاضت نفسه، وانتقضت بنيته لأنّ الباطل لا مساك لذمائه، ولا سماك لبنائه.
стр. 1227
وقوله سبحانه: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [الآية ٨٤] وهذه استعارة، لأن الأولى أن يكون المراد هاهنا بالشاكلة، والله أعلم، الطريقة التي تشاكل أخلاق الإنسان، وتوافق طبيعته. وذلك مأخوذ من الشاكلة، وجمعها شواكل، وهي الطرق المتّسعة المتشعّبة عن المحجّة العظمى. فكأنّ الدّنيا هاهنا مشبّهة بالطريق الأعظم، وعادات الناس فيها وطبائعهم التي جبلوا عليها مشبّهة بالطرق المختلجة من ذلك الطريق، الذي هو المعمود، وإليه الرجوع.
وقال بعضهم: الشاكلة العلامة، وأنشد [بحر البسيط] :
بدت شواكل حبّ كنت تضمره ... في القلب أن هتفت في الدّار ورقاء
فكأنه تعالى قال: كلّ يعمل على الدلالة التي نصبت لاستدلاله، والأمارة التي رفعت لاهتدائه. وقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [الآية ١٠٠] وهذه استعارة، والمراد بالخزائن، هاهنا، المواضع التي جعلها الله ، جفنات لدرور الرزق ومنافع الخلق. وإلى تلك المواضع ترفع الأيدي عند السؤال، والرغبات، واستدرار الخير والبركات.
وقوله سبحانه: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الآية ١٠٦] وهذه استعارة، ومعنى فرقناه: أي بيّناه للناس بنصوع مصباحه وشدوخ أوضاحه، حتّى صار كمفرق الفرس في وضوح مخطّه «١» أو كفرق الصبح في بيان منبلجه.
وقال بعضهم: معنى فرقناه أي فصّلناه سورا وآيات. وذلك بمنزلة فرق الشعر وهو تمييز بعض من بعض، حتى يزول التباسه، ويتخلص التفافه.
стр. 1228
سورة الكهف ١٨
стр. 1229
المبحث الأول أهداف سورة «الكهف» «١»
سورة مكية المشهور بين العلماء أن سورة الكهف مكّية كلها، وأنها من السور التي نزلت جملة واحدة كما جاء في الخبر الذي أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، عن أنس، عن النبي (ص) إذ يقول: «نزلت سورة الكهف جملة» .
وقد روى ذلك أيضا عن بعض الصحابة، واختاره الداني، ومشى عليه أكثر أهل التفسير والمتكلّمين في علوم القرآن. وهناك روايات أخرى تخالف هذا المشهور فتقرر أن السورة مكّية إلا بعض آياتها، فإنّه مدني.
وفي المصحف الفؤادي المطبوع بمصر، سورة الكهف مكّية إلا الآية ٣٨، ومن الآية ٨٣ إلى الآية ١٠١ فكلّها مدنية، وآياتها ١١٠ نزلت بعد الغاشية.
وقال الفيروزآبادي: «السورة مكية بالاتفاق، وفيها إحدى عشرة آية مختلف فيها بين مكّيتها ومدنيّتها، وهي الآيات: ١٣، ٢٢، ٢٣، ٣٢، ٣٥، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٩، ٩٢، ١٠٣» .
وينبغي أن يعلم أن كثيرا ممّا ذكر أنه مدني فتضمنته سورة مكية، أو مكّي فتضمنته سورة مدنية، هو موضع خلاف بين العلماء لاختلاف الرواية فيه، أو لبناء الحكم فيه على اجتهاد واستنباط من القائل به وفي ذلك يقول ابن الحصار فيما نقله عنه السيوطي في الإتقان: «كل نوع من المكّي والمدني
стр. 1230
منه آيات مستثناة، إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل» .
القصص في سورة الكهف
القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة، ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف ، وبعدها قصة أصحاب الجنّتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس. وفي وسطها تجيء قصّة موسى مع العبد الصالح. وفي نهايتها قصة ذي القرنين. ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية، ومعظم ما يتبقّى من آيات السورة هو تعليق على القصص أو تعقيب عليه.
ويلتقي هذا القصص حول فكرة أساسية للقرآن، وهي إثبات أن البعث حق، وأن المؤمن يكافأ بحسن الجزاء، وأن الكافر يلقى جزاء عنته وكفره في الدنيا أو الاخرة.
قصة أصحاب الكهف
في قصة أصحاب الكهف يتجلّى صدق الإيمان، وقوة العقيدة، والإعراض عن كل ما ينافيها إعراضا عمليّا صارما، لا تردّد فيه ولا مواربة:
فتية رأوا قومهم في الضّلال يعمهون، وفي ظلمات الشرك يخبطون، لا حجّة لهم ولا سلطان على ما يزعمون، أحسوا في أنفسهم غيرة على الحق لم يستطيعوا معها أن يظلوا في هذه البيئة الضالة بأجسامهم، ولو خالفوها بقلوبهم، فتركوا أوطانهم وتركوا مصالحهم واعتزلوا قومهم وأهليهم، وخرجوا فارّين مجتنبين الشطط وأهل الشطط، وآثروا كهفا يأوون إليه في فجوة منه، لا يراهم فيه أحد، ولا يؤنسهم في وحشتهم إلّا كلبهم.
ذلك هو مغزى القصة الخلقي، وفيه ما فيه من إرشاد وإيحاء، وتمجيد لأخلاق الشرف والرجولة والثبات على العقيدة والتضحية في سبيلها.
أما المعنى العام الذي تتلاقى فيه القصة مع غرض السورة، فهو إثبات قدرة الله على مخالفة السنن التي ألفها الناس، وظنوا أنها مستعصية عليه جل شأنه، أن تبدّل أو تحوّل كما هي مستعصية على كلّ مخلوق وشتّان ما بين قدرة الخالق والمخلوقين، وهذا ما