← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

في حياة المسلمين، من مجرّد أن يكون نظاما سياسيّا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم على أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها ممثّلة للجماعة. والتأمّل في صفات المؤمنين، يوحي بأن الإسلام دين القيم، دين يهتم بالجوهر لا بالعرض، وبتكوين النفس البشرية لا بالقيم الزائلة. فما قيم الجماعة المؤمنة؟ إنها الإيمان، والتوكل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والشورى الشاملة، والإنفاق ممّا رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو والإصلاح والصبر. وبهذه القيم تحوّل العرب من أشتات مختلفين إلى أمّة متماسكة، متراحمة مؤمنة بالله مستقيمة على هداه وتعاليمه، فوطّأ الله لهم أكناف الأرض، وصاروا خير أمة أخرجت للناس. وبعد تقرير صفة المؤمنين، وما ينتظرهم من عون وإنعام تعرض الآيات في الصفحة المقابلة، صورة الظالمين الضّالّين، وما ينتظرهم من ذلّ وخسران في يوم القيامة: يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. وفي ظل هذا المشهد، نجد القرآن الكريم، يدعو الناس إلى إنقاذ أنفسهم من مثل هذا الموقف، قبل فوات الأوان: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الآية ٤٧] . ويمضي سياق السورة حتى ختامها، يدور حول محور الوحي والرسالة، وأثرهما في صفات المؤمنين، مع بعض الاستطراد إلى وصف الكافرين، وبيان صفات الله الخالق الوهّاب، القابض الباسط، قال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) . ويعود السياق في نهاية السورة، إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته. وهناك ارتباط ظاهر بين الحديث عن

стр. 1927

الوحي في القسم الأول من السورة، والحديث عن صفات المؤمنين، ودلائل الإيمان في القسم الثاني منها فإنّ الهداية والإيمان من آثار الوحي، وبركات الرسالة أي أن القسم الثاني، وهو السلوك، مترتّب عن القسم الأول، وهو العقيدة والوحي.

стр. 1928

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشورى» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «الشّورى» بعد سورة «فصّلت» ، ونزلت سورة «فصلت» بعد الإسراء، وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الشورى» في هذا التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وتبلغ آياتها ثلاثا وخمسين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: بيان اتفاق الرّسل على شرع الإسلام من أوّلهم إلى آخرهم، وإنذار من يخالفه بعذاب الدنيا والآخرة، وتبشير من يؤمن به بحسن الثواب فيهما. وبهذا تتّفق، هي والسورة السابقة، في ما جاء فيهما من الترهيب والترغيب، مع ما فيها من أخذهم بشيء من طريق الدليل، وهذا هو وجه المناسبة بين السورتين. اتفاق الرّسل على شرع الإسلام الآيات [١- ٥٣] قال الله تعالى: حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) فمهّد لذلك بأن الذي يوحي إلى الرسول (ص) وإلى الرسل قبله، إله واحد، هو العزيز الحكيم وذكر ما ذكر من سعة ملكه سبحانه، وعلوّه وعظمته ﷻ ،

стр. 1929

وأنّ السماوات تكاد تتفطّر من خشيته، والملائكة يسبّحون بحمده وهدّد من يتخذ من دونه أولياء بأنه رقيب عليهم، وسيحاسبهم على شركهم ثم ذكر سبحانه أنه أوحى إليه قرآنا عربيا لينذر به أهل مكة، ومن حولهم بعذاب يوم القيامة، وهو اليوم الذي يجتمعون فيه، فيكون فريق منهم في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله تعالى، لجعلهم أمّة واحدة، ولكن مشيئته، سبحانه، اقتضت أن يدخل من يشاء في رحمته، وأن يحرم من يشاء منها ومن يحرمه منها لا يمكن أن يدخله فيها، ما يتخذه من وليّ أو نصير ثم أنكر عليهم أن يتّخذوا من دونه أولياء لا يمكنهم نصرهم: لأنه سبحانه هو الوليّ وحده وذكر أن ما اختلفوا فيه من ذلك، فحكمه إليه في يوم القيامة، وليس لأحد من خلقه الحكم فيه، بل يجب تفويض كل شيء إليه، لأنه فاطر السماوات والأرض إلى غير هذا مما استدلّ به على وجوب تفويض الأمر إليه. ثم انتقل السياق من ذلك التمهيد إلى المقصود، وهو أنه سبحانه شرع لهم، من الدين، ما وصّى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى (ع) وذلك ما اتفقت عليه شرائعهم، من الإيمان بالله واليوم الآخر، ونحوهما مما لا اختلاف فيه بينهم. وذكر السياق توبيخ المشركين أن يستبعدوا ما يدعوهم الله إليه من هذا الدين، الذي اتفق الرسل عليه، ثم ذكر أنّ أتباع أولئك الرّسل لم يتفرّقوا في ذلك الدين إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا حكم الله بتأخير الفصل بينهم إلى يوم القيامة، لفصل بينهم في الدنيا ثم أمر الله سبحانه النبي (ص) أن يستمر في دعوته إلى هذا الدين، فلا يتّبع أهواءهم المتفرّقة، ولا يؤمن ببعض الكتاب دون بعض. وليعدل بينهم في الحكم لأنّ إلهه وإلههم واحد، وكلّ واحد مسؤول عن عمله، والله هو الذي سيحكم بينهم، ثم ذكر أن الذين يحاجّون في دين الله من بعد اتفاق أولئك الرسل عليه، حجّتهم داحضة، وعليهم غضب منه ﷻ ، ولهم عذاب شديد وأنه، سبحانه، أنزل الكتاب بهذا الدين الحق، وأنزل الميزان، وهو العقل الذي يميّز بين الحق والباطل، فلا عذر لهم في تباطئهم عن الإيمان به، ولعلّ السّاعة تفاجئهم وهم على كفرهم، فيندمون حينما لا ينفع الندم ثم ذكر

стр. 1930

أن الذين لا يؤمنون بها يستعجلون بها على سبيل الاستهزاء، وأن الذين يؤمنون بها مشفقون أن تفاجئهم، وأنّه لا يؤخّرها إلّا لأنّه لطيف بعباده، يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. فمن كان يريد حرث الآخرة يزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا يؤته منها ويمهله ولا يعجّله، وما له في الآخرة من نصيب. ثم انتقل السياق إلى توبيخهم، على ما شرّعوا لأنفسهم من الشرك وإنكار البعث، ونحو ذلك، مما زيّنه لهم شركاؤهم من الشياطين وهدّدهم سبحانه بأنّه لولا حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لعجّل بالقضاء بينهم وأنذرهم بأن لهم عذابا أليما على ما شرعوه من ذلك لأنفسهم، وبشّر المؤمنين بروضات الجنات التي أعدّها جلّت قدرته لهم، وانتقل السياق من هذا إلى توبيخهم، على أن ينسبوا الى النبي (ص) افتراء هذا الدين عليه، وذكر سبحانه أنّه لو يشاء ختم على قلبه، وتولّى هو محو الباطل وإحقاق الحق بآياته ولكنّه أراد أن يعذرهم بإرساله إليهم، رحمة بهم، ليتوب عن شركه من يتوب فيقبل توبته، ويستجيب دعاء المؤمنين ويزيدهم من فضله ومن يستمرّ على كفره بعد ذلك، فلهم عذاب شديد في دنياهم وآخرتهم ثم ذكر أنه في رحمته بهم يرزقهم بقدر، لأنّه، لو بسط لهم الرزق، لبغوا في الأرض وبيّن أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه، فينزل الغيث عليهم من بعد يأسهم منه، وينشر عليهم رحمته. وقد ذكر بعد هذا آياته ونعمه عليهم، وذكر ما يصيبهم في دنياهم، أو في ما ينعم به عليهم، ليبيّن أن ذلك قد يكون بما كسبت أيديهم ثم ذكر سبحانه أن ما يعطونه من الرزق في الدنيا لا قيمة له، وأن ما عنده خير وأبقى للمؤمنين الذين يتوكّلون عليه، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ويعفون عند غضبهم، إلى غير هذا مما ذكره سبحانه من صفاتهم ثم انتقل السياق من هذا إلى وعيد من يضلّ عن ذلك الدين القديم، فذكر سبحانه أنهم حين يرون العذاب، يتمنّون أن يردّوا ليؤمنوا به، إلى غير هذا مما ذكره من أحوالهم. ثم ختم السورة بأمرهم أن يستجيبوا لربّهم فيما شرع لهم من ذلك الدين، من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له منه، ولا

стр. 1931

يكون لهم ملجأ من عذابه. فإن أعرضوا عن ذلك فليس على النبي (ص) شيء من إعراضهم، لأنه قام بما كلّف به من تبليغهم ثم ذكر السياق أن السبب في إعراضهم ما هم فيه من غرور وجهل. فإذا أصابتهم رحمة فرحوا بها وأبطرتهم، وإذا أصابتهم سيّئة بلغ الكفر مبلغه منهم ثم خطّأهم في غرورهم بما يملكون في دنياهم، لأن كلّ شيء ملك لله ﷻ ، وكل ما في أيدينا هبة منه وحده سبحانه يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً. ثم انتقل السياق من ذلك إلى إثبات ما أنكروه من الوحي، بأنه ما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا وحيا أو من وراء حجاب، أو بوساطة ملك، وأنّه تعالى أوحى إلى الرسول (ص) روحا من أمره، وما كان الرسول (ص) يدري قبله ما الكتاب ولا الإيمان، وأنّه يهدي من ذلك إلى صراط مستقيم صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) .

стр. 1932

المبحث الثالث مكنونات سورة «الشورى» «١» ١- يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً [الآية ٤٩] . قال البغوي «٢» : كلوط (ع) . ٢- وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) . قال: كإبراهيم (ع) لم يولد له أنثى. ٣- أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً [الآية ٥٠] . قال: كمحمّد (ص) ٤- وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً [الآية ٥٠] . قال: كيحيى وعيسى (ع) .

стр. 1933

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الشورى» «١» ١- قال تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا [الآية ٣٤] . أي: يهلكهنّ. أقول: آثرت أن أقف على هذا الفعل الذي لا نعرف منه في اللغة المعاصرة إلّا الوصف وهو «الموبقات» ، والموبقات في استعمال المعاصرين الأعمال الشائنة كالزّنى ونحوه. ٢- وقال تعالى: وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) . والنكير: الإنكار، أي: ما لكم من مخلّص من العذاب. والغالب في المصدر على «فعيل» أن يدل على صوت نحو الصريخ والعويل والهديل، وغير ذلك كثير.

стр. 1934

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الشورى» «١» قال تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الآية ١٣] . على التفسير كأنه سبحانه قال «هو أن أقيموا الدين» على البدل. وقال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الآية ١٥] أي: أمرت كي أعدل. وقال سبحانه: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الآية ٢٣] استثناء خارج. يريد، والله أعلم، إلّا أن أذكر مودة قرابتي. وأمّا يُبَشِّرُ [الآية ٢٣] من «بشّرته» و «أبشرته» ، وقال بعضهم «أبشره» خفيفة، فذا من «بشرت» «٢» وهو في الشعر. قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد السادس والستون بعد المائتين] : وقد أروح إلى الحانوت أبشره بالرّحل فوق ذرى العيرانة الأجد قال أبو الحسن «٣» «أنشدني يونس «٤» هذا البيت هكذا. لذلك ف (الذي يبشر) اسما للفعل كأنه «التبشير» ، كما قال تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر/ ٩٤] أي اصدع بالأمر. ولا يكون أن تضمر فيها الباء، وتحذفها لأنك لا

стр. 1935

تقول: «كلّم الذي مررت» وأنت تريد «به» . وقوله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٢٦] أي: استجاب فجعلوا الفاعلين. وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) . أمّا اللام التي في وَلَمَنْ صَبَرَ (٤٣) فلام الابتداء، وأمّا ذلك فمعناه، والله أعلم، إن ذلك منه لمن عزم الأمور. وقد تقول: «مررت بدار الذراع بدرهم» أي: «الذراع منها بدرهم» ، و «مررت ببرّ قفيز بدرهم» أي: «قفيز منه» وأمّا ابتداء «إنّ» في هذا الموضوع فكمثل قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة/ ٨] . وقال تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ (٤٥) [الآية ٤٥] بجعل (الطرف) العين كأنه سبحانه قال «ونظرهم من عين ضعيفة» ، والله أعلم. وقال يونس: إنّ مِنْ طَرْفٍ مثل: «بطرف» كما تقول العرب: «ضربته في السّيف» و «بالسّيف» «١» . وقال تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) لأن الله ﵎، يتولّى الأشياء دون خلقه يوم القيامة، وهو سبحانه في الدنيا قد جعل بعض الأمور إليهم، من الفقهاء والسلطان وأشباه ذلك «٢» .

стр. 1936

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الشورى» «١» قال سبحانه: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) . - ما الحكمة من قوله تعالى يُوحِي والوجه الظاهر أن يقال: «أوحى» ؟ إنما قال ذلك ليدل على أن إيحاء مثل القرآن الكريم من عادته سبحانه. وقال: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ١٦] . - الوجه المعهود ان يقال «حجتهم مدحوضة» ، أي ضعيفة وزالقة وزالّة وغير متماسكة، وأن يقال: «شبهتهم داحضة» ، فلم قال تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ. إنما قال تعالى: داحِضَةٌ ليكون أبلغ في ضعف سنادها، ووهاء عمادها، فكأنها هي المبطلة لنفسها من غير مبطل أبطلها، لظهور أعلام الكذب فيها، وقيام شواهد التهافت عليها. وإنما قال سبحانه: حُجَّتُهُمْ ولم يقل: «شبهتهم» لاعتقادهم أنّ ما أدلوا به حجّة، ولتسميتهم لها بذلك في حال النزاع والمناقلة. وقال جلّ من قائل: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) . - لم عبر سبحانه بالحرث عن نفع الدنيا ونفع الآخرة؟

стр. 1937

لأن حرث الآخرة والدنيا كدح الكادح لثواب الآجلة، وحطام العاجلة، وذلك لأن الحارث المزدرع إنّما يتوقع عاقبة حرثه فيجني ثمرة غراسه، ويفوز بعوائد ازدراعه، كما قال الشريف الرضي. ولم قال سبحانه: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [الآية ٢٠] ولم يقل، منه؟ إنما صح تأنيث الضمير لأن لفظة «حرث» في معرض الحذف، ويصح حلول ما بعدها محلها، فيكون الضمير عائدا على الجزء الثاني وهو «الدنيا» فكأنه سبحانه قال «من كان يريد الدنيا نؤته منها» ويدل عليه قول ابن مالك في منظومته: وربما أكسب ثان أوّلا ... تأنيثه إن كان حذف موهلا وكما في قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) [الأعراف] أي إن الله قريب. وقال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) . - ما هي كلمة الفصل التي منعت من القضاء بينهم؟ كلمة الفصل هي القضاء السابق، بتأجيل العقوبة لهذه الأمة، الى الآخرة، وهي الكلمة الواردة في [يونس/ ١٩] و [هود/ ١١٠] ، و [طه/ ١٢٩] : وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ. وقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الآية ٢٣] . - من هم هؤلاء وما هي مودتهم، وما معنى فِي الْقُرْبى؟ أما قوله تعالى فِي الْقُرْبى فمعناه أنهم جعلوا مكانا للمودّة ومقرّا لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة، ولي فيهم هوى وحبّ. وأما أهل القربى، فهم عليّ وأبناؤه الميامين ﵈، وفي ذلك تواترت الأحاديث عن الرسول (ص) نذكر بعضا منها تيمّنا، عن الكشاف، والصواعق المحرقة وغيرهما. روي أنه لما نزلت، قيل يا رسول الله: من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال هم علي وفاطمة وابناهما. وورد عنه (ص) أنّه قال: ألا ومن

стр. 1938

مات على حبّ آل محمّد فتح له الى الجنة بابان ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشمّ رائحة الجنّة. يقول الإمام الشافعي ﵁: يا آل بيت رسول الله حبّكم ... فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم الفخر أنّكم ... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الآية ٢٥] . - ما موقع كلمة عَنْ هنا؟ كلمة عَنْ هنا بمعنى «من» أي من عباده، تقول أخذ فلان العلم عن فلان أي منه. وقال: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ [الآية ٢٩] . وقال جل وعلا: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) . - ما وجه نصب وَيَعْلَمَ مع أنّ ما قبلها مجزوم؟ إنّما كان النصب للعطف على تعليل محذوف، فكأنه سبحانه قال لينتقم منهم، وليعلم الذين يجادلون في آياتنا. وقال سبحانه: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الآية ٤٠] . - لم سمّي الجزاء سيئة وهو ليس بسيّئة؟ - ذلك من باب الازدواج، كما في قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة/ ١٩٤] . وقوله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل/ ١٢٦] . وقال: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الآية ٥١] . - ما المراد بالحجاب في هذه الآية الكريمة؟ المراد بالحجاب البعد والخفاء وعدم الظهور، والعرب تستعمل لفظ الحجاب في ما ذكرناه، فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه واستبطأ فطنته، بيني وبينك حجاب، وتقول للأمر الذي تستبعده وتستصعب طريقه، بيني وبينه حجاب وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك وعليه يكون معنى الآية: أنه تعالى لم يكلّم البشر إلّا وحيا بأن

стр. 1939

يخطر في قلوبهم، أو من وراء حجاب بأن ينصب لهم أدلّة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه، فيكون من حيث نصبه للدلالة على ذلك، والإرشاد إليه مخاطبا ومكلّما للعباد بما يدل عليه وجعله تعالى من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا، كما يسمع الخاطر، فالحجاب كناية عن الخفاء. وقال: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الآية ٥٢] . - ما المراد بالكتاب والإيمان في هذه الآية الكريمة؟ المراد بالكتاب القرآن، وبالإيمان التصديق بالله سبحانه وبرسوله معا، فالنبي (ص) مخاطب بالإيمان أي بالتصديق بالله وبرسالة نفسه، كما أنّ أمّته مخاطبة بتصديقه، ولا شكّ في أنّه، قبل البعث، لم يكن يعلم أنه رسول الله، وما علم ذلك إلا بالوحي، ويستقيم نفي الإيمان بالمعنى المركّب من التصديق بالله وبرسالة نفسه، وليس المراد بالإيمان التصديق بالله فقط. - ولم قال تعالى: مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ (٥٢) والوجه الظاهر أن يقال «وما الإيمان» ؟ تقدير الآية: ما كنت قبل البعث تدري ما الكتاب، ولا ما الإيمان.

стр. 1940

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الشورى» «١» في قوله تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا [الآية ١٣] استعارة. والمراد بإقامة الدين إعلان شعاره، وإعلاء مناره، والدّوام على اعتقاده، والثبات على العمل بواجباته. وقد مضى الكلام على نظائر هذه الاستعارة في ما تقدم. وفي قوله سبحانه: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ١٦] استعارة. و «الدحض» : الزّلق. فكأنه تعالى قال: حجّتهم ضعيفة غير ثابتة، وزالّة غير متماسكة، كالواطئ الذي تضعف قدمه، فيزلق عن مستوى الأرض، ولا يستمر على الوطء. وداحضة هاهنا بمعنى مدحوضة. وإذا نسب الفعل إليها في الدّحوض كان أبلغ في ضعف سنادها، ووهاء عمادها، فكأنها هي المبطلة لنفسها، من غير مبطل أبطلها، لظهور أعلام الكذب فيها، وقيام شواهد التهافت عليها. وأطلق تعالى اسم الحجّة عليها، وهي شبهة، لاعتقاد المدلي بها أنّها حجّة، وتسميته لها بذلك في حال النزاع والمناقلة. وأيضا، فإنّ المتكلّم بها، لمّا أوردها مورد الحجة، وأسلكها طريقها، وأقامها مقامها، جاز أن يطلق عليها اسمها. وفي قوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) استعارة. والمراد بحرث الآخرة والدنيا، كدح

стр. 1941

الكادح لثواب الآجلة، وحطام العاجلة، فهذا من التشبيه العجيب، والتمثيل المصيب. لأنّ الحارث المزدرع، إنّما يتوقع عاقبة حرثه، فيجني ثمرة غراسه، ويفوز بعوائد ازدراعه. وقيل معنى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أي نعطيه بالحسنة عشرا، إلى ما شئنا من الزيادة على ذلك. ومن عمل للدنيا دون الآخرة، أعطيناه نصيبا من الدّنيا دون الآخرة. وفي قوله سبحانه: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) استعارة. وليس المراد أن هناك رحمة كانت مطويّة فنشرت، وخفيّة فأظهرت. وإنما معنى الرحمة، هاهنا، الغيث المنزّل لإحياء الأرض، وإخراج النّبت. ونشره عبارة عن إظهار النفع به، وتعريف الخلق عواقب المصالح بموقعه. وفي قوله تعالى: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الآية ٤٥] استعارة. وقد أشرنا إليها فيما تقدّم، لمعنى جرّ إلى ذكرها. والمراد بذلك، أنّ نظرهم نظر الخائف الذليل، والمرتاب الظّنين. فهو لا ينظر إلا مسترقا، ولا يغضي إلا مشفقا. وهذا معنى قولهم: فلان لا يملأ عينيه من فلان. إذا وصفوه بعظم الهيبة له، وشدّة المخافة منه. فكأنّهم لا ينظرون بمتّسعات عيونهم، وإنّما ينظرون بشفافاتها «١» من ذلّهم ومخافتهم. وقد يجوز أن يكون الطّرف، هاهنا، بمعنى العين نفسها. فكأنه تعالى وصفهم بالنظر من عين ضعيفة، على المعنى الذي أشرنا إليه، أو يكون الطرف مصدر قولك: طرفت، أطرف، طرفا. إذا لحظت. فيكون المعنى أنّ لحظهم خفيّ، لأنّ نظرهم استراق، كما قلنا أوّلا، من عظيم الخيفة وتوقّع العقوبة.

стр. 1942

سورة الزّخرف

стр. 1943

المبحث الأول أهداف سورة «الزخرف» «١» سورة الزخرف سورة مكيّة نزلت بعد سورة «الشورى» . وقد نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين في مكّة بعد الإسراء وقبيل الهجرة، وقد سمّيت بسورة «الزخرف» ، لقوله تعالى فيها: وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) . أفكار السورة تعرض هذه السورة جانبا ممّا كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات، ومن جدال واعتراضات، وتعرض معها كيف كان القرآن الكريم يعالجها في النفوس، وكيف يقرّر في ثنايا علاجها حقائقه وقيمه في مواجهة الخرافات والوثنيات والقيم الجاهلة الزائفة، التي كانت قائمة في النفوس إذ ذاك، ولا يزال جانب منها قائما في النفوس في كلّ زمان ومكان. وقال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة «الشورى» هو: «بيان إثبات القرآن في اللوح المحفوظ، وإثبات الحجّة والبرهان على وجود الصانع، والردّ على عبّاد الأصنام الذين قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، والمنّة على الخليل إبراهيم (ع) بإبقاء كلمة التوحيد في عقبه، وبيان قسمة الأرزاق، والإخبار عن حسرة الكفار وندامتهم يوم القيامة، ومناظرة فرعون وموسى، ومجادلة عبد الله بن الزبعري للمؤمنين بحديث عيسى (ع) ، وادعاؤه أن

стр. 1944

الملائكة أحق بالعبادة من عيسى، ثم بيان شرف الموحّدين في القيامة، وعجز الكفار في جهنّم، وإثبات ألوهية الحق سبحانه في السماء والأرض، وأمر الرسول (ص) بالإعراض عن مكافأة الكفار» «١» في قوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) . فصول السورة إذا تأملنا سورة الزخرف، وجدنا أنّه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: ١- شبهات الكافرين يشمل الفصل الأول الآيات [١- ٢٥] . ويبدأ بالتنويه بشأن القرآن والوحي، وبيان أنّ من سنّة الله، ﷻ ، إرسال الرسل لهداية الناس وإرشادهم، ولكنّ البشرية قابلت الرسل بالاستهزاء والسخرية، فأهلك الله المكذّبين. والعجيب أن كفّار مكة كانوا يعترفون بوجود الله، ثم لا يرتّبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية، من توحيد الله وإخلاص التوجّه إليه، فكانوا يجعلون له شركاء يخصّونهم ببعض ما خلق من الأنعام. وفي هذه السورة تصحيح لهذه الانحرافات الاعتقادية، وردّ النفوس الى الفطرة، وإلى الحقائق الأولى فالأنعام من خلق الله، وهي طرف من آية الحياة، مرتبط بخلق السماوات والأرض جميعا، وقد خلقها الله وسخّرها للبشر ليذكروا نعمة ربهم عليهم ويشكروها، لا ليجعلوا له شركاء، ويشرعوا لأنفسهم في الأنعام ما لم يأمر به الله، بينما هم يعترفون بأن الله، ﷻ ، هو الخالق المبدع، ثم هم ينحرفون عن هذه الحقيقة، ويتّبعون الخرافات والأساطير: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) . وكانت الوثنية الجاهلية تقول: إنّ الملائكة بنات الله. ومع أنهم يكرهون مولد البنات لأنفسهم، فإنّهم كانوا يختارون لله البنات ويعبدونهنّ من

стр. 1945

دونه، ويقولون إنّنا نعبدهنّ بمشيئة الله ولو شاء ما عبدناهنّ. وكانت مجرد أسطورة ناشئة عن انحراف في العقيدة. وفي هذه السورة يناقشهم القرآن بمنطقهم هم، ويحاجّهم كذلك بمنطق الفطرة الواضح حول هذه الأسطورة التي لا تستند الى شيء على الإطلاق: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) . ثم يكشف القرآن الكريم عن سندهم الوحيد في اعتقاد هذه الأسطورة، وهو المحاكاة والتقليد، وهي صورة زريّة، تشبه صورة القطيع يمضي حيث هو، منساقا بدون تفكير. ثم يبيّن القرآن، أن طبيعة المعرضين عن الهدى واحدة، وحجّتهم مكرورة بدون تدبّر لما يلقى إليهم، ولو كان أهدى وأجدى، ومن ثمّ لا تكون عاقبتهم إلّا التدمير والتنكيل، انتقاما منهم وعقابا لهم: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) . ٢- مناقشة ومحاجة تشتمل الآيات [٢٦- ٥٦] على القسم الثاني من السورة، وهو استمرار لمناقشة قريش في دعاويها. فقد كانت قريش تقول: إنها من ذريّة إبراهيم (ع) - وهذا حق- وإنها على ملّة إبراهيم (ع) - وهذا ادّعاء باطل- فقد أعلن إبراهيم (ع) كلمة التوحيد قوية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، ومن أجلها هجر أباه وقومه، بعد أن تعرّض للقتل والتحريق، وعلى التوحيد قامت شريعة إبراهيم (ع) ، ثم أوصى بها ذريّته وعقبه، فلم يكن للشرك فيها أي خيط رفيع. وفي هذا القسم من السورة يردّهم

стр. 1946

الى هذه الحقيقة التاريخية، ليعرضوا عليها دعواهم التي يدّعون. ثم يحكي اعتراضهم على رسالة النبي (ص) وقولهم كما ورد في التنزيل لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) ، ويناقش قولتهم هذه، وما تنطوي عليه من خطأ في تقدير القيم الأصلية التي أقام الله عليها الحياة، والقيم الزائفة التي تتراءى لهم، وتصدّهم عن الحقّ والهدى. وعقب تقرير الحقيقة في هذه القضيّة، يطلعهم على عاقبة المعرضين عن ذكر الله، بعد أن يطلعهم على علّة هذا العمى، وهو من وسوسة الشيطان. ويلتفت السياق في نهاية هذا الدرس الى الرسول (ص) فيذكر تسلية الله تعالى له ومواساته إيّاه عن إعراضهم وعماهم، بأن الرسول (ص) ليس بهادي العمي أو مسمع الصّمّ، وسيلقون جزاءهم، سواء أشهد انتقام الله منهم، أم أخّره الله عنهم، ويوجّهه تعالى الى الاستمساك بما أوحى إليه فإنّه الحق الذي جاء به الرسل أجمعون فكلّهم جاءوا بكلمة التوحيد ثم يعرض، من قصة موسى (ع) ، حلقة تمثّل واقع العرب هذا مع رسولهم، وكأنّما هي نسخة مكررة تحوي الاعتراضات ذاتها التي يبدونها، وتحكي اعتزاز فرعون وملته بالقيم ذاتها، التي يعتز بها المشركون: المال، الملك، الجاه، السلطان، مظاهر البذخ. وقد بيّن القرآن الكريم، فيما سبق، أنّها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو شاء الله لأعطى هذه الأموال للكافر في الدنيا لهوانها على الله من جهة، ولأنّ هذا الكافر لا حظّ له في نعيم الآخرة، من جهة أخرى ولكنّ الله سبحانه لم يفعل ذلك خشية أن يفتن الناس، وهو العليم بضعفهم، ولولا خوف الفتنة لجعل للكافر بيوتا سقفها من فضة، وسلالمها من ذهب، بيوتا ذات أبواب كثيرة، وقصورا فيها سرر للاتكاء، وفيها زخرف للزينة ... رمزا لهوان هذه الفضة والذهب، والزخرف والمتاع، بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن. وهذا المتاع الزائل لا يتجاوز حدود الدنيا، ولكن الله يدّخر نعيم الآخرة للمتقين. ٣- من أساطير المشركين تشتمل الآيات [٥٧- ٨٩] على

стр. 1947

الدرس الأخير من سورة الزخرف، وفيها يستطرد السياق الى حكاية أساطير المشركين حول عبادة الملائكة، ويحكي حادثا من حوادث الجدل الذي كانوا يزاولونه، وهم يدافعون عن عقائدهم الواهية، لا بقصد الوصول الى الحق، ولكن مراء ومحالا. فلما قيل: إنكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم، وكان القصد هو أصنامهم التي جعلوها تماثيل للملائكة، ثم عبدوها بذاتها وقيل لهم إنّ كل عابد وما يعبد من دون الله في النار ... لما قيل لهم هذا، ضرب بعضهم المثل بعيسى بن مريم (ع) ، وقد عبده المنحرفون من قومه، أهو في النار؟ وكان هذا مجرد جدل، ومجرد مراء. ثم قالوا: إذا كان أهل الكتاب يعبدون عيسى (ع) ، وهو بشر، فنحن أهدى منهم إذ نعبد الملائكة وهم بنات الله، وكان هذا باطلا يقوم على باطل. وبهذه المناسبة، يذكر السياق طرفا من قصة عيسى بن مريم (ع) ، يكشف حقيقته وحقيقة دعوته، واختلاف قومه من قبله ومن بعده. ثم يهدّد المنحرفين عن سواء العقيدة جميعا بمجيء الساعة بغتة. وهنا يعرض مشهدا مطوّلا من مشاهد القيامة، يتضمّن صفحة من النعيم للمتّقين، وصفحة من العذاب الأليم للمجرمين، ثم يبيّن إحاطة الله سبحانه بجميع ما يصدر عنهم، وتسجيل ذلك عليهم. أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) . ثم تلطّف القرآن الكريم في تنزيه الله تعالى عمّا يصفون، فأمر النبي (ص) أن يذكر لهم أنّه لو كان للرحمن ولد، لكان النبي (ص) أوّل العابدين له، ولكن الله ﷻ منزّه عن اتّخاذ الولد، فهو سبحانه له الملكية المطلقة، للسماء والأرض، والدنيا والآخرة. ثم يواجههم القرآن الكريم بمنطق فطرتهم، فهم يؤمنون بالله، فكيف يصرفون عن الحق الذي تشهد به فطرتهم، ويحيدون عن مقتضاه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) . وفي ختام السورة يتبدّى اتجاه الرسول (ص) لربّه، يشكو إليه كفرهم، وعدم إيمانهم:

стр. 1948

وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) . ويجيب عليه سبحانه في رعاية، فيدعوه الى الصفح والإعراض، فسيلقون جزاءهم المحتوم: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) .

стр. 1949

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الزخرف» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «الزخرف» بعد سورة «الشورى» ، ونزلت سورة «الشورى» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الزخرف» ، في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى منها: وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وتبلغ آياتها تسعا وثمانين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة تنزيه الله تعالى عن الأولاد، وقد ذكر في السورة السابقة اتفاق الرسل على شريعة التوحيد، ولكنّ بعض أتباعهم أدخل عقيدة الولد في شرائعهم، فذكرت هذه السورة بعدها لتنزيه الله سبحانه عنها، وتبرئة هذه الشرائع منها هذا إلى ما فيها من أخذهم بالترهيب والترغيب وغيرهما مما تشبه به السورة السابقة أيضا. التمهيد لتنزيه الله سبحانه عن الأولاد الآيات [١- ١٤] قال الله تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) فمهّد لذلك بالتنويه بشأن ما يتلى عليهم فيه، وذكر سبحانه

стр. 1950

أنّه لا يصح أن يعرض عن إنذارهم لإسرافهم في شركهم، وأنه كم أرسل من نبي في الأولين، وأنهم كانوا أشدّ منهم بطشا، فلمّا استهزءوا بالرسل أهلكهم وجعلهم مثلا لمن بعدهم ثم انتقل السياق من ذلك الى إثبات ما ذكره من إسرافهم وعنادهم، فذكر سبحانه أنهم لو سئلوا: من خلق السماوات والأرض لقالوا: خلقهنّ العزيز العليم وذكر بعد هذا بعض ما أنعم به عليهم، ليعرفوا فضله، وينزّهوه عمّا لا يليق به، ويعتقدوا أنهم لا بد من رجوعهم إليه وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) . إبطال بنوة الملائكة الآيات [١٥- ٥٦] ثم قال تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) فذكر، جلّ وعلا، أنهم، بدل شكره سبحانه، وتنزيهه عمّا لا يليق به، قالوا عن الملائكة إنهم بناته، مع أنهم لا يرضون البنات لأنفسهم، وإذا بشّر أحدهم بما يضربه لله مثلا من البنات ظلّ وجهه مسودا من الحزن والغم ثم ذكر أنهم لا دليل لهم على عبادتها إلّا قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وقولهم: إنّا وجدنا آباءنا يعبدونهم ونحن مقتدون بهم وردّ عليهم بأنّ من قبلهم من المشركين ذكر مثل هذا لرسلهم، فلم يفدهم شيئا وانتقم الله منهم فأهلكهم ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم براءة إبراهيم (ع) ممّا يشركون، وهو الأب الأعلى لهم، والإمام الذي يجب أن يكون قدوتهم، وكان قومه يعبدون الكواكب وسكّانها من الملائكة، فتبرّأ من عبادتهم، وشرع دين التوحيد لذريّته، ليرجعوا إليه جيلا بعد جيل ثم ذكر تعالى أنه متّع العرب من ذرّيّته حين انصرفوا عن شرعه، الى تلك العبادة الباطلة، فأمهلهم وأمدّ لهم، إلى أن أرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل عليه القرآن ليدعوهم الى عبادته، فاستخفّوا به لأنه لم يكن من ذوي الرياسة فيهم، وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل عظيم من مكة أو الطائف وردّ عليهم سبحانه بأن ذلك فضله ورحمته يقسمهما كما يريد، وهو الذي قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، واقتضت حكمته أن يكون فيهم الأغنياء والفقراء لتنتظم بهذا أمور

стр. 1951

حياتهم، ورحمته خير من تلك الأموال التي يجعلونها مقياس الفضل بينهم. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر، لجعل لمن يكفر به بيوتا سقفها من فضة، إلى غير هذا من زخرف الدنيا وزينتها: وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) ثم ذكر تعالى أن ذلك من إغواء الشيطان الذي اتخذوه قرينا لهم، وأنّهم سيندمون على استماعهم له، حين يرجعون الى ربّهم، ويتمنّون أن لو كان بينهم وبينه بعد المشرقين ثم ذكر سبحانه للنبي (ص) استحكام الجهل فيهم، وأنهم لا ترجى هدايتهم، وأنه إن ذهب به قبلهم فإنه سينتقم منهم في آخرتهم، وإن أراه ما يوعدون من العذاب في دنياهم فهو مقتدر عليهم. ثم أمره أن يستمسك بما أوحي إليه من الإسلام والتوحيد وذكر أنه هو الدين الذي أرسل به الرسل قبله ثم خصّ موسى (ع) بالذكر من بينهم، لبقاء ظهور التوحيد في شريعته، أعظم من ظهوره في سواها فذكر ما كان من إرساله الى فرعون وقومه، وذكر ما كان من اغترار فرعون بملكه، واستهزائه بموسى (ع) لأنه لا يبلغ ما بلغه من المجد والسلطان في الحياة الدنيا، وأنه استخفّ قومه فأطاعوه فأغرقهم أجمعين: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) . إبطال بنوة عيسى الآيات [٥٧- ٨٩] ثم قال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) فذكر أنهم اعتمدوا على النصرانية في عبادتهم الملائكة، فقالوا إن النصارى عبدوا عيسى (ع) واتخذوه ولدا لله، والملائكة خير منه بزعمهم الباطل وردّ عليهم سبحانه بأن عيسى ما هو إلا عبد مثلهم، وأنه لو يشاء سبحانه لجعلهم خلفا في الأرض منهم، ولم يسكنهم السماوات التي جعلتهم يبالغون في أمرهم ثم ذكر أن عيسى (ع) إنما ولد من غير أب، ليكون علامة على الساعة، ونهاهم عن الشكّ فيها، وأمرهم أن يتّبعوه ولا يسمعوا للشيطان فيما يزيّن لهم من عبادة غيره ثم ذكر أن عيسى (ع) جاء بما جاء به غيره من الرسل، فأمر بتقوى الله وعبادته، ولكنّ أتباعه

стр. 1952

اختلفوا بعده الى أحزاب في شريعته، وزعموا أنه ابن له، ثم هدّدهم على هذا بعذاب يوم القيامة، وبيّن أنها توشك أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون، ويومئذ يعادي الأخلاء بعضهم بعضا إلا المتّقين ثم ذكر ما يحصل للمتّقين في ذلك اليوم، وذكر بعده ما يحصل للمجرمين فيه، الى أن ذكر في بيان استحقاقهم لما يحصل لهم: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) . ثم ختمت السورة بالتلطّف في إبطال اتّخاذ الأولاد له تعالى، فأمر الله نبيّه أن يذكر أنه لو كان لله سبحانه ولد، كما يزعمون باطلا، لكان أوّل العابدين سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) . وأمره أن يتركهم في لهوهم ولعبهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي ثبتت ألوهيته في السماء والأرض، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، ولا يملك الذين يدعون، من الملائكة ونحوهم، الشفاعة لأحد، إلّا من شهد بالحق، فلا يصحّ أن يكونوا مع هذا العجز أولادا له ثم استبعد منهم أن يذهبوا إلى عبادتهم، مع علمهم بأنه ﷻ ، هو الذي خلقهم ثم ذكر أن مثل هؤلاء قوم لا يؤمنون: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) .

стр. 1953

المبحث الثالث مكنونات سورة «الزخرف» «١» ١- وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) . قال الضّحّاك، عن ابن عباس: يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الله الثقفي من الطائف، أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج عن قتادة: وعروة بن مسعود «٢» . ومن طريق العوفي، عن ابن عباس: حبيب بن عمر بن عثمان «٣» الثقفي. وأخرج عن مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل الثّقفي من الطائف «٤» . ٢- أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الآية ٥١] . قال مجاهد: الإسكندرية. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣- وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا [الآية ٥٧] . الضارب له عبد الله بن الزّبعرى.

стр. 1954

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الزخرف» «١» ١- قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) . وقوله تعالى: مقرنين، أي: مطيقين، يقال: أقرن الشيء إذا أطاقه، قال ابن هرمة: وأقرنت ما حمّلتني ولقلّما ... يطاق احتمال الصدّ يا دعد والهجر أقول: ومع استعمالنا للفعل «قرن» و «قارن» فإننا لا نعرف «أقرن» ولا نعرف هذا الاستعمال في العربية المعاصرة. ٢- وقال تعالى: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا. والزخرف: زينة من كل شيء، والزخرف: الزينة والذهب. أقول: وقد خصّص الزخرف في لغتنا، فصارت دلالته على الأشكال المنسّقة، المتقابلة، والمتقاطعة، في حفر الخشب وقطعه، وكذلك في المعادن. ٣- وقال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً [الآية ٣٦] . وقرئ: ومن يعش بضم الشين وفتحها، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل: عشي. وإذا نظر نظر العشيّ ولا آفة به قيل: عشا، ونظيره: عرج، لمن به الآفة، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج. ٤- وقال تعالى: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) .

стр. 1955

وقرئ سَلَفاً: جمع سالف كخدم جمع خادم، و (سلفا) ، بضمتين، جمع سليف، أي: فريق قد سلف، و (سلفا) جمع سلفة أي ثلّة قد سلفت. والمعنى: فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفّار، يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم، ونزولهم به لإتيانهم بمثل أفعالهم. ٥- وقال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) . وقوله تعالى: يَصِدُّونَ، أي ترتفع لهم جلبة وضجيج، أي من الصديد وهو الجلبة، وقرئ: يصدّون من الصدود والتفسير واضح. ٦- وقال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) . وقوله تعالى: تُحْبَرُونَ، أي: تكرمون وتسرّون.

стр. 1956

المبحث الخامس المعاني الغوية في سورة «الزخرف» » قال تعالى: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) أي: «لأن كنتم» . وقال تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الآية ١٣] فتذكيره متعلّق ب ما تَرْكَبُونَ (١٢) و (ما) هو مذكر، كما تقول: «عندي من النساء ما يوافقك ويسرك» وقد تذكّر «الأنعام» وتؤنث. وقد قال تعالى في موضع: مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل/ ٦٦] ، وقال جلّ شأنه في موضع آخر بُطُونِها [المؤمنون/ ٢١] . وقال تعالى: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) تقول العرب «أنا براء منك» «٢» . وقال تعالى: وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) تقول العرب «مفاتح» و «مفاتيح» و «معاط» في «المعطاء» و «أثاف» من «الأثفيّة» . وواحد «المعارج» «المعراج» ولو شئت قلت في جمعه «المعاريج» . وقرأ بعضهم قوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [الآية ٣٥] خفيفة منصوبة اللام «٣» وقرأ آخرون

стр. 1957

لَمَّا بتثقيل اللام ونصبها، وتضعيف الميم «١» وزعم أنها في التفسير الأول «إلّا» وأنّها من كلام العرب. وقال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [الآية ٣٦] وهو ليس من «أعشى» و «عشو» ، إنّما هو في معنى قول الشاعر [من الطويل وهو الشاهد السابع والستون بعد المائتين] : إلى مالك أعشو الى مثل مالك كأنّ «أعشو» : أضعف، لأنه حين قال «أعشو الى مثل مالك» كان «العشو» : الضعف وحين قال: «أعشو إلى مثل مالك» أخبر أنه يأتيه غير بصير، ولا قوي. كما قال [من الطويل وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائتين] : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا «٢» . أي: متى ما تفتقر، فتقصد الى ضوء ناره، يغنك. وقال تعالى: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ [الآية ٥٣] بجمع «أساور» و «أسورة» وقرأ بعضهم (أساورة) «٣»

стр. 1958

بجعله جمعا للأسورة فكأنّه أراد: «أساوير» ، والله أعلم، بجعل الهاء عوضا من الياء كما في «زنادقة» «١» ، بجعل الهاء عوضا من الياء التي في «زناديق» .

стр. 1959

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الزخرف» «١» إن قيل: لم قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الآية ٣] ولم يقل قلناه أو أنزلناه، والقرآن ليس بمجعول، لأنّ الجعل هو الخلق، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ ١] وقوله تعالى: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) [القيامة] . قلنا: الجعل أيضا يأتي بمعنى القول، ومنه قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [النحل/ ٥٧] وقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [إبراهيم/ ٣٠] أي قالوا ووصفوا، لا أنهم خلقوا كذلك هنا. فإن قيل: لم قال تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الآية ٤٥] والنبي (ص) ما لقيهم حتّى يسألهم؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: واسأل أتباع من، أو أمّة من أرسلنا من قبلك. الثاني: أنه مجاز عن النظر في أديانهم، والبحث عن مللهم، هل فيها ذلك. الثالث: أن النبي (ص) حشر له الأنبياء ﵈ ليلة المعراج، فلقيهم، وأمّهم في مسجد بيت المقدس، فلمّا فرغ من الصلاة نزلت عليه هذه الآية، والأنبياء حاضرون، فقال لا أسال قد كفيت، وقيل إنه خطاب له، والمراد به أمّته. فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [الآية ٤٨] يعني الآيات التسع

стр. 1960

التي جاء بها موسى (ع) . فإن كان المراد به أن كلّ واحدة منهن أكبر من سواها، لزم أن يكون كل واحدة فاضلة ومفضولة وإن كان المراد به أنّ كلّ واحدة منهن أكبر من أخت معنية لها، فأيّتها هي الكبرى، وأيتها هي الصغرى؟ قلنا: المراد بذلك- والله أعلم- أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، ونظيره بيت الحماسة: من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم مثل النّجوم التي يسري بها الساري فإن قيل: لم قال عيسى (ع) لأمّته كما ورد في التنزيل: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الآية ٦٣] . قلنا: كانوا يختلفون في ما يعنيهم من أمر الديانات، وفي ما لا يعنيهم من أمور أخرى، فكان يبيّن لهم الشرائع والأحكام خاصة. وقيل إن البعض هنا بمعنى الكل، كما سبق في سورة غافر في قوله تعالى: وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر/ ٢٨] . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) بعد قوله تعالى بَغْتَةً أي فجأة. قلنا: الحكمة أنّ الساعة تأتيهم، وهم غافلون، مشغولون بأمور دنياهم، كما قال تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) [يس] فلولا قوله تعالى وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) ، لجاز أن تأتيهم بغتة، وهم فطنون، حذرون، مستعدّون لها. فإن قيل: لم وصف تعالى أهل النار فيها بكونهم مبلسين، والمبلس هو الآيس من الرحمة والفرج، ثم قال تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الآية ٧٧] فطلبوا الفرج بالموت. قلنا: تلك أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة، فتختلف فيها أحوالهم، فيغلب عليهم اليأس تارة فيسكنون، ويشتدّ ما بهم من ألم العذاب تارة فيستغيثون. فإن قيل: قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الآية ٨٤] ظاهره يقتضي تعدّد الآلهة، لأنّ النكرة إذا أعيدت تعدّدت كقول القائل: له عليّ درهم ودرهم، وأنت طالق وطالق، ولهذا قال ابن عباس ﵄ لن يغلب عسر يسرين؟ قلنا: الإله هنا بمعنى المعبود

стр. 1961

بالنقل، كما في قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام/ ٣] فصار المعنى: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود. والمغايرة ثابتة بين معبوديّته في السّماء، ومعبوديّته في الأرض، لأن العبوديّة من الأمور الإضافية، فيكفي في تغايرهما التغاير من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض، صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض، مع أن المعبود واحد.

стр. 1962

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الزخرف» «١» في قوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) استعارة. ويقال: ضربت عنه وأضربت عنه بمعنى واحد. وسواء قولك ذهبت عنه صفحا، وأعرضت عنه صفحا، وضربت وأضربت عنه صفحا، ومعنى صفحا هاهنا أي أعرضت عنه بصفحة وجهي. والمراد، والله اعلم، أفنعرض عنكم بالذّكر، فيكون الذّكر مرورا بصفحه عنكم، من أجل إسرافكم وبغيكم؟ أي لسنا نفعل ذلك، بل نوالي تذكيركم لتتذكّروا، ونتابع زجركم لتنزجروا. ولمّا كان سبحانه يستحيل أن يصف نفسه بإعراض الصفحة، كان الكلام محمولا على وصف الذّكر بذلك، على طريق الاستعارة. وفي قوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) استعارة. وقد مضى مثلها في ما تقدم، إلا أن هاهنا إبدال لفظة مكان لفظة. لأن ما مضى من نظائر هذه الاستعارة، إنما يرد بلفظ إحياء الأرض بعد موتها. وورد ذلك هاهنا، بلفظ الإنشار بعد الموت وهو أبلغ. لأن الإنشار صفة تختصّ بها الإعادة بعد الموت، والإحياء قد يشترك فيه ما يعاد من الحيوان بعد موته، وما يعاد من النبات والأشجار بعد تلبّده وجفوفه. يقال: قد أحيا الله الشجر.

стр. 1963

كما يقال: قد أحيا البشر. ولا يقال: أنشر الله النبات، كما يقال: أنشر الأموات. وفي قوله سبحانه: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) استعارة: لأنّ الكلام الذي هو الأصوات المقطّعة، والحروف المنظومة، لا يجوز عليه البقاء. إنما المراد، والله اعلم، أن إبراهيم (ع) جعل الكلمة التي قالها لأبيه وقومه وهي قوله تعالى: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) باقية في عقبه، بأن وصّى بها ولده، وأمرهم أن يتواصوا بها ما تناقلتهم الأصلاب، وتناسختهم الأدوار. وهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص والتوحيد. والله اعلم. وقوله سبحان: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وهذا الكلام أيضا داخل في قبيل الاستعارة. لأن مسألة الرسل الذين درجت قرونهم، وخلت أزمانهم غير ممكنة. إنّما المراد، والله اعلم، واسأل أصحاب من أرسلنا من قبلك من رسلنا، أو استعلم ما في كتبهم، وتعرّف حقائق سننهم. وذلك على مثال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٨٢) [يوسف/ ٨٢] . وقال بعضهم: مسألة الرسل هاهنا بمعنى المسألة عنهم، ﵈، وعمّا أتوا به من شريعة، وأقاموه من عماد سنّة. وقد يأتي في كلامهم: اسأل كذا، أي اطلبه، واسأل عنه. قال سبحانه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) [الإسراء/ ٣٤] أي مسؤولا عنه. وقال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) أي سئل عن قتلها، وطلب بدمها. فكأنه تعالى قال لنبيه (ع) : واسأل عن سنن الأنبياء قبلك، وشرائع الرسل الماضين أمامك، فإنك لا تجد فيها إطلاقا عبادة لمعبود إلا الله سبحانه. وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير.

стр. 1964

سورة الدّخان

стр. 1965

المبحث الأول أهداف سورة «الدخان» «١» سورة «الدخان» سورة مكية نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين في مكة، بعد الإسراء، وقبيل الهجرة، وآياتها ٥٩ آية، نزلت بعد سورة «الزخرف» . وقد سميت سورة «الدخان» لقوله تعالى فيها: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) . أفكار السورة قال الفيروزآبادي: معظم ما ترمي إليه سورة الدخان هو: نزول القرآن في ليلة القدر، وآيات التوحيد، والشكاية من الكفار، وحديث موسى (ع) وبني إسرائيل وفرعون، والرد على منكري البعث، وذلّ الكفار في العقوبة، وعز المؤمنين في الجنة، والمنّة على الرسول (ص) بتيسير القرآن على لسانه، في قوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) . فضل السورة سورة الدخان سورة يكثر المسلمون قراءتها، خصوصا ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر في رمضان، وليلة الجمعة. وهي تبدأ ببيان أن القرآن أنزل من السماء في ليلة مباركة، يحمل الرحمة والهدى من رب العالمين ثم تنذر المشركين بالعذاب، وتذكر طرفا من قصة موسى (ع) مع فرعون، يعقبه
следующие страницы →