← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الحصون والقصور.. أقول: وهذا يؤيّد قول المعاصرين في الكلام على مصنّفات أحدهم من الكتب وغيرها: آثاره. ٤- وقال تعالى: ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) . وهو من قولهم: «سجر التنوّر» إذا ملأه بالوقود. أقول: وما زال هذا الفعل معروفا في العامية الدارجة في العراق، وهو بالسين فيقولون سجر التنور، مرة، وبالشين، شجر التنوّر أخرى. وهم يتوسعون فيه فتقول الخبّازة: خبزت «شجارا» واحدا أو «شجارين» أي: ما يعدل إيقاد التنوّر بالوقود خبزا في كل مرة.

стр. 1892

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «غافر» «١» قال تعالى: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ فهذا على البدل. وأما غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ فقد يكون معرفة لأنك تقول: «هذا ضارب زيد مقبلا» إذا لم ترد به التنوين. ثم قال سبحانه ذِي الطَّوْلِ [الآية ٣] فيكون على البدل وعلى الصفة، ويجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب على خبر المعرفة إلا في ذِي الطَّوْلِ فإنّه لا يكون فيه النصب على خبر المعرفة لأنه معرفة. و «التوب» هو جماعة التوبة ويقال «عومة» و «عوم» في «عوم السّفينة» . قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائتين] . عوم السّفين فلمّا حال دونهم فيد القريّات فالفتكان فالكرم قال تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ [الآية ٥] بالجمع على «الكلّ» لأن الكلّ مذكّر معناه معنى الجماعة. وقال سبحانه: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) أي: لأنّهم أو بأنّهم وليس أَنَّهُمْ في موضع مفعول. ليس مثل قولك «أحقّت أنهم» . وقال جلّ وعلا: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [الآية ٧] فانتصابه كانتصاب: «لك مثله عبدا» بجعل وَسِعْتَ ل كُلَّ شَيْءٍ وهو مفعول به، والفاعل التاء، وجعل

стр. 1893

(الرّحمة) و (العلم) تفسيرا قد شغل عنهما الفعل، كما شغل «المثل» بالهاء، فلذلك نصب تشبيها بالمفعول بعد الفاعل. وقال تعالى: يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ [الآية ١٠] . فهذه اللام هي لام الابتداء: كأنه: يُنادَوْنَ فيقال لهم، لأنّ النداء قول. ومثله في الإعراب يقال: «لزيد أفضل من عمرو» . وقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [الآية ١٦] بإضافة المعنى، فلذلك لا ينون «اليوم» كما: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) [الذاريات] وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) [المرسلات] . معناه: هذا يوم فتنتهم. ولكن لما ابتدأ الاسم وبقي عليه، صار الجرّ أولى. وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة، وهذا إنّما يكون إذا كان «اليوم» في معنى «إذ» ، وإلّا فهو قبيح. ألا ترى أنك تقول «لقيتك زمن زيد أمير» أي: إذ زيد أمير. ولو قلت: «ألقاك زمن زيد أمير» ، لم يحسن. وقال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ [الآية ١٥] على الابتداء. والنصب جائز لو كان في الكلام على المدح. وقال سبحانه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [الآية ١٦] . فهذا على ضمير «يقول» . وقال تعالى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [الآية ١٨] . فانتصاب كاظِمِينَ على الحال، كأنّ المعنى: «القلوب لدى الحناجر في هذه الحال» . وقال تعالى: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) . فمن نوّن جعل (المتكبّر الجبار) من صفته، ومن لم ينوّن أضاف (القلب) الى (المتكبر) . وقال تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي [الآية ٣٦] . بعضهم يضم النون كأنه أتبعها ضمة النون التي في (هامان) كما قالوا: «منتن» فكسروا الميم للكسرة التي في التاء، وبينها حرف ساكن فلم يحل. وكذلك لم تحل الباء في قوله تعالى: ابْنِ لِي. وقال تعالى: وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ [الآية ٤٦] . فإن شئت جعلت النَّارُ بدلا من سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) ورفعتها على وَحاقَ، وإن شئت جعلتها تفسيرا ورفعتها على

стр. 1894

الابتداء كأنك تقول: «هي النار» وإن شئت جررت على أن تجعل النَّارُ بدلا من الْعَذابِ كأنّ المراد: «سوء النار» . وقال تعالى: غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وفيه ضمير «يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون» : غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ (٤٦) فإنّما هو مصدر كما تقول: «آتيه ظلاما» تجعله ظرفا وهو مصدر جعل ظرفا، ولو قلت «موعدك غدرة» أو «موعدك ظلام» فرفعته كما تقول: «موعدك يوم الجمعة» ، لم يحسن لأنّ هذه المصادر وما أشبهها من نحو «سحر» لا تجعل إلا ظرفا، والظرف كلّه ليس بمتمكّن. وقال تعالى: إِنَّا كُلٌّ فِيها [الآية ٤٨] بجعل كُلٌّ اسما مبتدأ، كما تقول: «إنّا كلّنا فيها» . وقال سبحانه: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) و (تقوم) «١» كلّ جائز، وكذلك كل جماعة مذكّر أو مؤنّث من الإنس، فالتذكير والتأنيث في فعله جائز. وقال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) أي «في الإبكار» . وقد تقول «بالدار زيد» تريد «زيد في الدّار» . وقال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [الآية ٦٠] فقوله سبحانه: أَسْتَجِبْ إنّما هو «أفعل» [وما] هذه الألف سوى ألف الوصل. ألا ترى أنّك تقول: «بعت» «تبيع» ثم تقول «أبيع» فتجيء فيها ألف ل «أفعل» فهي نظير الياء والتاء في «يفعل» و «تفعل» تقطع كل شيء كان على «أفعل» ، في وصل كان أو قطع. وقال تعالى: كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً [الآية ٤٧] «فالتبع» يكون واحدا وجماعة، ويجمع فيقال «أتباع» . وقال تعالى: لِتَرْكَبُوا مِنْها [الآية ٧٩] فكأن السياق أضمر «شيئا» . وقال سبحانه: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وقال جلّ وعلا:

стр. 1895

إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) [النساء] . فيجوز أن يكون آل فرعون أدخلوا مع المنافقين في الدرك الأسفل، وهو أشدّ العذاب. وأمّا قوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) [المائدة] . فقوله جلّ شأنه: لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً من عالم أهل زمانه.

стр. 1896

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «غافر» «١» إن قيل: لم قال تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٤] . مع أن الذين آمنوا يجادلون أيضا فيها، أمنسوخة هي أم محكمة؟ أفيها مجاز أم كلها حقيقة؟ أمخلوقة هي أم قديمة؟ وغير ذلك. قلنا: المراد الجدال فيها بالتكذيب، ودفعها بالباطل والطعن بقصد إدحاض الحق وإطفاء نور الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى عقيبه: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الآية ٥] . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في وصف حملة العرش: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [الآية ٧] ولا يخفى على أحد أن حملة العرش يؤمنون بالله تعالى؟ قلنا: الحكمة إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء (ع) بالصلاح والإيمان في غير موضع من كتابه. فإن قيل: في قوله تعالى: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [الآية ١١] كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة؟ قلنا: هذا كما تقول: سبحان من صغّر جسم البعوضة وكبّر جسم الفيل، وكما تقول للحفّار: ضيّق فم الركيّة ووسّع أسفلها، وليس فيهما نقل من كبر إلى صغر ومن صغر إلى كبر، ولا من سعة إلى ضيق ولا من ضيق إلى سعة وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات. والسبب في صحته أن الصّغر

стр. 1897

والكبر جائزان معا على ذات المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة وإذا اختار الصانع أحد الجائزين، وهو متمكن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه. فإن قيل: قوله تعالى: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [الآية ١٦] بيان وتقرير لبروزهم في قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [الآية ١٦] والله تعالى لا يخفى عليه شيء، برزوا أو لم يبرزوا؟ قلنا: معناه لا يخفى على الله منهم شيء في اعتقادهم أيضا، فإنهم كانوا في الدنيا يتوهّمون إذا تستّروا بالحيطان والحجب أنّ الله لا يراهم، ويؤيده قوله تعالى: وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) [فصلت] . فإن قيل: لم قال المؤمن في حق موسى (ع) كما ورد في التنزيل: وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [الآية ٢٨] مع أنه صادق في زعم القائل لهذا القول، وفي نفس الأمر أيضا، ويلزم من ذلك أن يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها أن لفظة بعض صلة. الثاني: أنها بمعنى «كل» كما في قول الشاعر: إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها دون الشّيوخ ترى في بعضها خللا ومنه قول لبيد: أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصّال عقد حبائل جذّامها ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النّفوس حمامها قلنا: ولقائل أن يقول: إن لفظة بعض في البيتين على حقيقتها، وكنى لبيد ببعض النفوس عن نفسه، كأنه قال: أتركها إلى أن أموت، وكذا فسّره ابن الأنباري على أنّ أبا عبيدة قال: إن لفظة «بعض» في الآية بمعنى كل، واستدل ببيت لبيد وأنكر الزمخشري على أبي عبيدة هذا التفسير على أن غير أبي عبيدة قال في قوله تعالى حكاية عن عيسى (ع) لأمّته: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف/ ٦٣] أن لفظة «بعض» فيه بمعنى كل. الثالث: أنها على أصلها. ثم في ذلك وجهان: أحدهما أنه وعدهم النجاة إن آمنوا، والهلاك إن كفروا، فذكر لفظة بعض لأنهم على إحدى الحالتين لا

стр. 1898

محالة. الثاني أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، وكان هلاكهم في الدنيا بعضا، فمراده: يصيبكم في الدنيا بعض الذي يعدكم. الرابع: أنه ذكر البعض بطريق التنزّل والتلطّف وإمحاض النصيحة من غير مبالغة ولا تأكيد، ليسمعوا منه ولا يتّهموه، فيردوا عليه وينسبوه إلى ميل إلى موسى (ع) ومحاباة فكأنه قال: أقلّ ما يصيبكم البعض وفيه كفاية قال الشاعر: قد يدرك المتأنّي بعض حاجته وقد يكون من المستعجل الزّلل كأنه يقول أقلّ ما يكون في التأني إدراك بعض المطلوب، وأقلّ ما يكون في الاستعجال الزلل، فقد بان فضل التأني على العجلة بما لا يقدر الخصم على دفعه وردّه. والوجه الرابع هو اختيار الزمخشري رحمة الله عليه. فإن قيل: التولّي والإدبار واحد، فما الحكمة في قوله تعالى: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [الآية ٣٣] ؟ قلنا: هو تأكيد، كقوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل/ ٢٦] ونظائره كثيرة. الثاني: أنه استثارة لحميّتهم، واستجلاب لأنفتهم، لما في لفظ «مدبرين» من التعريض بذكر الدبر، فيصير نظير قوله تعالى: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر] . فإن قيل: ما الحكمة في التكرار في قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ ولم لم يقل: أبلغ أسباب السماوات؟ أي أبوابها وطرقها. قلنا: إذا أبهم الشيء ثمّ أوضح كان تفخيما لشأنه وتعظيما لمكانه، فلما أريد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمت ثمّ أوضحت. فإن قيل: مثل السيئة سيئة، فما المقصود في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الآية ٤٠] ؟ قلنا: معناه أنّ جزاء السيئة له حساب وتقدير لا يزيد على المقدار المستحق، وأمّا جزاء العمل الصالح فبغير تقدير حساب كما قال تعالى في آخر الآية. فإن قيل: قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام/ ١٦٠] ينافي ذلك. قلنا: ذلك لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، كما قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ ٢٦] . فإن قيل: لم قال تعالى: وَقالَ

стр. 1899

الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ [الآية ٤٩] ولم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها مع أنه أوجز؟ قلنا: لأن في ذكر جهنّم تهويلا وتفظيعا. وقيل إن جهنّم هي أبعد النار قعرا، وخزنتها أعلى الملائكة الموكلين بالنار مرتبة، فإنّما قصدهم أهل النار بطلب الدعاء منهم لذلك. فإن قيل: لم قال المشركون كما ورد في التنزيل: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [الآية ٧٤] مع قولهم كما ورد في التنزيل أيضا: هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل/ ٨٦] ؟ قلنا: معناه أن الأصنام التي كنا نعبدها لم تكن شيئا لأنّها لا تنفع ولا تضرّ. الثاني أنهم قالوا كذبا وجحودا، كقولهم كما ورد في التنزيل: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) [الأنعام] . فإن قيل: لم قال تعالى: وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) ولم يقل: وفي الفلك تحملون، كما قال سبحانه: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود/ ٤٠] .؟ قلنا: معنى الوعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما صحيح في الفلك، لأنه وعاء لمن يكون فيه وحمولة لمن يستعليه فلما صحّ المعنيان استقامت العبارتان معا.

стр. 1900

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «غافر» «١» في قوله تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [الآية ٧] . استعارة: لأن حقيقة السعة إنّما توصف بها الأوعية والظروف التي هي أجسام، ولها أقدار ومساحات، والله سبحانه يتعالى عن ذلك. والمراد، والله أعلم، أنّ رحمتك وعلمك وسعا كلّ شيء، فنقل الفعل إلى الموصوف على جهة المبالغة كقولهم: طبت بهذا الأمر نفسا، وضقت به ذرعا. أي طابت نفسي، وضاق ذرعي. وجعل العلم موضع المعلوم كما جاء قوله سبحانه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة/ ٢٥٥] أي بشيء من معلومه. وفي قوله سبحانه: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) استعارتان. إحداهما قوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ والمعنى: أن منازل العز، ومراتب الفضل التي يخصّ بها عباده الصالحين، وأولياءه المخلصين رفيعة الأقدار، مشرفة المنار. فالدرجات المذكورة هي التي يرفع عباده إليها، لا التي يرتفع هو بها، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. والاستعارة الأخرى قوله سبحانه: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ والرّوح هاهنا كناية عن الوحي كقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى/ ٥٢]

стр. 1901

وإنما سمّي روحا لأن الناس يحيون به من موت الضلالة، وينشرون من مدافن الغفلة. وذلك أحسن تشبيه، وأوضح تمثيل. وفي قوله سبحانه: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) استعارة. والمراد بخائنة الأعين، والله أعلم، الرّيب في كسر الجفون، ومرامز العيون. وسمّى سبحانه ذلك خيانة، لأنه أمارة للرّيبة، ومجانب للعفّة. وقد يجوز أن تكون خائنة الأعين هاهنا صفة لبعض الأعين بالمبالغة في الخيانة، على المعنى الذي أشرنا إليه. كما يقال علّامة، ونسّابة. وأنشدوا قول الشاعر في مثل ذلك: حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع أي لم تكن موصوفا بالمبالغة في الخيانة. ومعنى مغلّ الإصبع: سارق مختلس. وأضاف الأغلال إلى الإصبع، كما أضاف الآخر «١» الخيانة إلى اليد في قوله: أولّيت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص أي خفيف اليد في السرقة والأحذّ الخفيف السريع. وعنى برافديه: دجلة والفرات. وإنما ذكرت اليد والإصبع في هذين الموضعين، لأنّ فعل السارق والمختلس في الأكثر إنّما يكون باستعمال يده، واستخدام أصابعه.

стр. 1902

سورة فصّلت

стр. 1903

المبحث الأول أهداف سورة «فصّلت» «١» سورة «فصّلت» سورة مكية نزلت بعد الإسراء وقبيل الهجرة وآياتها ٥٤ آية نزلت بعد سورة «غافر» . أسماؤها: تسمى سورة «فصّلت» لقوله تعالى في أوائلها: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) . وتسمى سورة «حم السجدة» لاشتمالها على السجدة، وسورة «المصابيح» لقوله تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) . روح السورة الروح الساري بين آيات سورة «فصلت» ، هو عرض أهداف الدعوة الجديدة، وأركانها وحقائقها الأساسية، وهذه الحقائق هي: الإيمان بالله وحده، وبالحياة الآخرة، وبالوحي والرّسالة، ويضاف إلى ذلك طريقة الدعوة إلى الله وخلق الداعية. وكلّ ما في السورة هو شرح لهذه الحقائق، واستدلال عليها، وعرض لآيات الله في الأنفس والآفاق، وتحذير من التكذيب بها، وتذكير بمصارع المكذبين في الأجيال السابقة، وعرض لمشاهد المكذّبين يوم القيامة، وبيان أن المكذّبين من الجن والإنس هم وحدهم الذين لا يسلمون بهذه الحقائق، ولا يستسلمون لله وحده،

стр. 1904

بينما السماء والأرض والشمس والقمر والملائكة ... كلهم يسجدون لله، ويخضعون لأمره، ويسلمون ويستسلمون. موضوعات السورة في سورة «فصلت» موضوعان اثنان: الموضوع الأول يستغرق نصف السورة الأول الآيات [١- ٣٦] ، ويبدأ بالآيات التي تتحدث عن تنزيل الكتاب وطبيعته، وموقف المشركين منه، وتليها قصّة خلق السماء والأرض، فقصّة عاد وثمود، فمشهدهم في الآخرة تشهد عليهم الأسماع والأبصار والجلود. ومن هنا يرتد السياق إلى الحديث عنهم في الدنيا وكيف ضلّوا هذا الضلال، فيذكر أن الله سبحانه قيّض لهم قرناء سوء من الجن والإنس، يزيّنون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، ومن آثار هذا قولهم، كما ورد في التنزيل: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) . ثم موقفهم يوم القيامة حانقين على هؤلاء الذين خدعوهم من قرناء الجن والإنس. وفي الجهة الأخرى نجد الذين قالوا: ربّنا الله، ثم استقاموا. وهؤلاء تتنزل عليهم الملائكة، لا قرناء السوء، يطمئنونهم ويبشرونهم ويعلنون ولايتهم لهم في الدنيا والآخرة ويلي هذا ما جاء عن الدعوة والداعية، وبذلك ينتهي الموضوع الأول. الموضوع الثاني تتحدّث الآيات [٣٧- ٥٤] عن آيات الله من الليل والنهار، والشمس والقمر، والملائكة العابدة، والأرض الخاشعة، والحياة التي تهتز فيها وتربو بعد الموات. ويلي هذا الحديث عن الذين يلحدون في آيات الله وفي كتابه. وهنا يجيء ذلك الحديث عن هذا الكتاب، ويشار إلى كتاب موسى واختلاف قومه فيه، وأنه لولا سبق حكمه بإمهالهم لعجّل بقضائه بينهم. وهنا يرد حديث عن الساعة واختصاص علم الله بها، وعلمه بما تكنّه الأكمام من ثمرات، وما تكنّه الأرحام من أنسال، ويعرض مشهد الكافرين وهم يسألون عن الشركاء. يلي هذا الحديث عن النفس البشرية عارية من أستارها، ومع حرص

стр. 1905

الإنسان على نفسه هكذا، فإنه لا يحتاط لها، فيكذب ويكفر، غير محتاط لما يعقب هذا التكذيب من دمار وعذاب. وتختم السورة بوعد من الله سبحانه، أن يكشف للناس عن آياته، في الآفاق وفي أنفسهم. وقد صدق الله وعده، فكشف لهم عن آياته في الآفاق خلال الأربعة عشر قرنا، التي تلت هذا الوعد، فعرفوا كثيرا عن مادة هذا الكون، وعرفوا أن أساس بناء هذا الكون هو الذرّة، وأدركوا أن الذّرة تتحول إلى الإشعاع، كما فهموا أن الكون كله من الإشعاع. وعرفوا الكثير عن كروية الأرض، وحركتها حول نفسها، وحول الشمس وعرفوا الكثير عن المحيطات والأنهار، والمخبوء في جوف الأرض من الأرزاق. وفي آفاق النفس اهتدى الإنسان إلى معرفة الكثير عن خصائص الجسم البشري وأسراره، ووظائفه وأمراضه، وغذائه وتمثيله، وأسرار عمله وحركته، ثم عن تطوّر المعرفة حول ذكاء الإنسان، ونفسية الأفراد والجماعات، وقياس السلوك، ولا يزال الإنسان في الطريق إلى اكتشاف نفسه، واكتشاف الكون من حوله، حتّى يحقّ وعد الله بأن كلماته حقّ، وآياته صدق، وكتابه منزل، وهو على كل شيء شهيد ... قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) .

стр. 1906

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «فصّلت» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «فصّلت» بعد سورة «غافر» ، ونزلت سورة «غافر» بعد الإسراء، وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة فصلت في ذلك التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) وتبلغ آياتها أربعا وخمسين آية. الغرض منها وترتيبها ترمي من هذه السورة إلى بيان الغرض من نزول القرآن، وهو التبشير بالثواب والإنذار بالعقاب، وهي بهذا تكاد تتّفق في الغرض مع السورة السابقة، وهذا هو وجه ذكرها بعدها. وقد جمع فيها بين الأخذ بالترغيب والترهيب، والأخذ بالدليل أيضا. بيان الغرض من نزول القرآن الآيات [١- ٣٢] قال الله تعالى: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) فذكر، سبحانه، أن القرآن تنزيل منه، وأنه كتاب فصّلت آياته ليكون بشيرا ونذيرا للناس، فأعرض أكثرهم عنه وقالوا استهزاء بوعيده، كما ورد في التنزيل: فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) وقد أمر النبي (ص) أن يجيبهم عن هذا بأنه بشر مثلهم، فليس له شيء من أمر عقابهم، وما

стр. 1907

عليه إلا أن يبلغهم ما يوحى إليه من دعوتهم إلى وحدانية الله، وإنذارهم بالويل والهلاك إن لم يؤمنوا به، وتبشير المؤمنين بأن لهم أجرا غير ممنون. ثم أخذ السياق يبيّن لهم قبح كفرهم به، فذكر أنهم يكفرون بالذي خلق الأرض في يومين. ومضى هذا السياق في ترتيب أيام خلق الأرض والسماوات، ثم أنذرهم إن أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى، بعد ذلك، بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. وأخذ في تفصيل ما حصل لهم من ذلك في دنياهم، ثم ذكر ما يحصل لهم بعد حشرهم من شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم عليهم، إلى غير هذا ممّا ذكره من أمر آخرتهم، ثم عاد إلى ذكر إعراضهم عن إنذار القرآن لهم، فذكر أنهم قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) . ثم هدّدهم ﷻ على ذلك بما أعده لهم من العذاب الشديد، وذكر ما أعدّه للمؤمنين من حسن لقاء الملائكة لهم، إلى قولهم في لقائهم لهم نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) . شرف الغرض الذي تدعو إليه الآيات [٣٣- ٥٤] ثم قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) فذكر شرف الغرض في الدعوة إلى الله، وأمر رسوله (ص) أن يقابل في دعوته إساءتهم بالحسنة، وأن يستعيذ بالله جلّ وعلا إذا نزغه من الشيطان نزغ من الغضب ثم ذكر سبحانه أن من آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ونهاهم جلّ شأنه أن يسجدوا للشمس والقمر، وأمرهم بالسجود له تعالى، فإن استكبروا فلا ينقص ذلك شيئا من سلطانه وتسبيح الملائكة له سبحانه لا ينقطع إقرارا وإذعانا. ثم ذكر السياق أن من آيات الله إحياء الأرض بالمطر، ليبيّن لهم أنّ الذي يحيي الأرض قادر على إحياء الموتى، وانتقل السياق من ذلك الى تهديدهم على إلحادهم في آياته بعد إحيائهم. ثم عاد هذا السياق إلى تهوين أمر إساءتهم للرسول (ص) ليؤكّد ما أمره من مقابلتها بالحسنة، فذكر أنّه لا يقال له إلا ما قد قيل للرسل من قبله، فلا يصحّ أن يضيق صدره بما قالوه في أول

стр. 1908

السورة من أن في قلوبهم أكنّة ممّا يدعوهم إليه، إلى غير هذا مما حكى عنهم، وعليه أن يشتغل بالتبليغ ويفوّض أمره إلى الله سبحانه فهو ذو مغفرة وذو عقاب أليم. ثم ذكر السياق أنه سبحانه لو جعله قرآنا أعجميّا، ولم يفصّل آياته بالعربية كما فصّله، لقالوا: لولا فصّلت آياته، لأنهم متعنّتون لا يرضيهم شيء. وذكر أنه هدى وشفاء للمؤمنين، وأنّ غيرهم في آذانهم وقر وهو عليهم عمى، فلا عيب فيه وإنما العيب فيهم. ثمّ ذكر تعالى أنه آتى موسى التوراة قبله فاختلف فيها كما اختلف هؤلاء المشركون في القرآن بين مصدّق ومكذّب، وأنه لولا سبق حكمه بإمهالهم لعجّل بقضائه بينهم، فذكر أن من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها. وذكر أن موعد ذلك ممّا اختص هو ﷻ بعلمه، فإذا أتى يومه ناداهم أين شركائي؟ فيتبرءون من إثبات الشركاء له. ثم بيّن أن إنكارهم لهم في الآخرة بعد إقرارهم بهم في الدنيا هو شأن الإنسان لا يثبت على حال، فإن أقبلت عليه الدنيا لا ينتهي إلى درجة إلّا ويطلب أزيد منها، وإن أدبرت عنه بالغ في اليأس والقنوط، وإن عاودته النعمة، اغترّ بها، وظنّ أنها حق له لا يزول عنه وأنه لا ساعة قائمة ولئن كان هناك ساعة ورجع إلى ربه ليحسننّ إليه. ثم يمضي في إعراضه وينأى بجانبه، فإذا مسّه الشر بعد ذلك عاد إلى الإكثار من دعائه. ثم ختم بذكر ما يوجب عليهم أن يحتاطوا في أمرهم، فأخبرهم بأنه على تقدير أن يكون القرآن من عنده، يكون كفرهم به من أعظم موجبات العقاب. ثم ذكر أنه سيريهم ما أوعدهم به في الآفاق وفي أنفسهم. ويراد بالآفاق، والله أعلم، فتح البلاد المحيطة بهم، وبأنفسهم فتح مكة، وبهذا يتبين لهم أنه الحق: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) .

стр. 1909

المبحث الثالث مكنونات سورة «فصّلت» «١» ١- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ [الآية ٢٦] . قيل: إنّ قائلها أبو جهل. ذكره ابن عسكر. ٢- رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الآية ٢٩] . قال عليّ بن أبي طالب: هما إبليس، وابن آدم، الذي قتل أخاه. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . ٣- وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [الآية ٣٣] . قال الحسن: هو النبي (ص) أخرجه ابن أبي حاتم «٣» .

стр. 1910

المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «فصّلت» «١» ١- قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) . أقول: لمّا أنزلت السماء والأرض منزلة الآدميّين، وذلك ظاهر من الآية في إسناد القول لهما، وصفتا بصفة العقلاء فقيل: طائِعِينَ، وهذه الصفة جمع مذكر للعاقل وهي منصوبة على الحال، وصاحبها مثنّى، وهذا موطن هذه المسألة اللطيفة، ولا أستطيع أن أقول إلا أنّ هذا من أسلوب القرآن الذي اقتضت حكمته أن يأتي على هذه الصورة خدمة لهذا النظم البديع. ٢- وقال تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) [الآية ٢٤] . والمعنى: وإن يسألوا العتبى، وهي الرجوع بهم إلى ما يحبّون، جزعا ممّا هم فيه لم يعتبوا، أي، لم يعطوا العتبى، ولم يجابوا إليها. ٣- وقال تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [الآية ٥١] . وقوله تعالى: وَنَأى بِجانِبِهِ، أي: ثنى عطفه، وازورّ وتولّى بركنه. أقول: وفي قوله تعالى وَنَأى بِجانِبِهِ، تصوير لحاله، وهو يتنكّر ويزور فيبتعد بجنبه إشارة إلى رفضه.

стр. 1911

المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «فصّلت» «١» قال تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ [الآية ٣] فالكتاب خبر المبتدأ، أخبر به أن التنزيل كتاب ثم قال سبحانه: فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الآية ٣] بشغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب «القرآن» . وقوله تعالى: بَشِيراً وَنَذِيراً [الآية ٤] حين شغل عنه. وإن شئت جعلته نصبا على المدح، كأنه حينما أقبل سبحانه على مدحه فقال: «ذكرنا قرآنا عربيّا بشيرا ونذيرا» أو «ذكرناه قرآنا عربيّا» وكان فيما مضى من ذكره دليل على ما أضمر، وقال تعالى: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [الآية ٥] معناه، والله أعلم، «وبيننا وبينك حجاب» ، ولكن دخلت «من» للتوكيد «٢» . وأمّا نصب سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) فبجعله مصدرا كأنه قال «استواء» «٣» وقد قرئ بالجرّ «٤» وجعل اسما للمستويات أي: في أربعة أيّام تامّة. وأما قوله تعالى: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [الآية ٩] ثم قال: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [الآية ١٠] فإنما يعني أن هذا مع الأول،

стр. 1912

أربعة أيام، كما تقول «تزوّجت أمس امرأة، واليوم اثنتين» وإحداهما التي تزوجتها أمس «١» . وقال تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً [الآية ١٢] كأنه سبحانه قد قال «وحفظناها حفظا» ، لأنه حين قال سبحانه: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ قد أخبر أنه نظر في أمرها، وتعاهدها، فهذا يدل على الحفظ كأن السياق: «وحفظناها حفظا» . وقال تعالى: قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الآية ٢١] فجاء اللفظ بهم، مثل اللفظ في الإنس، لما خبّر عنهم بالنطق والفعل، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل/ ١٨] لمّا عقلن وتكلّمن صرن بمنزلة الإنس في لفظهم، قال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين] : فصبّحت والطّير لم تكلّم ... جابية طمّت بسيل مفعم «٢» وقال تعالى، حكاية على لسان الذين كفروا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [الآية ٢٦] أي: لا تطيعوه. كما تقول «سمعت لك» وهو، والله أعلم، على وجه «لا تسمعوا القرآن» . وقال تعالى وَالْغَوْا فِيهِ (٢٦) «٣» من «لغوت» «يلغا» مثل «محوت» «يمحا» «٤» وقرأ بعضهم (والغوا فيه) «٥» من «لغوت» «تلغو» مثل «محوت» «تمحو» وبعض العرب تقول: «لغي» «يلغى» وهي قبيحة قليلة «٦» ولكن «لغي بكذا وكذا»

стр. 1913

أي: أغري به، فهو يقوله ويصنعه. وقال تعالى: ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ [الآية ٢٨] بالرفع على الابتداء كأنه تفسير للجزاء. وقال سبحانه: أَلَّا تَخافُوا [الآية ٣٠] أي بأن لا تخافوا. وقال تعالى: نُزُلًا [الآية ٣٢] على تقدير أن السياق قد شغل وَلَكُمْ ب ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [الآية ٣١] حتّى صارت بمنزلة الفاعل، وهو معرفة، وقوله تعالى: نُزُلًا ينتصب على «نزّلنا نزلا» «١» نحو قوله سبحانه: رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الإسراء/ ٨٧] و [الكهف/ ٨٢] و [القصص/ ٤٦] و [الدخان/ ٦] . وقال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [الآية ٣٤] يقال: «لا يستوي عبد الله ولا زيد» إذا أردت: لا يستوي عبد الله وزيد» لأنهما جميعا لا يستويان. وان شئت قلت إن الثانية زائدة تريد: لا يستوي عبد الله وزيد. فزيدت «لا» توكيدا كما قال سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد/ ٢٩] أي لأن يعلم. وكما قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) [القيامة] . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ [الآية ٤١] فزعم بعض المفسّرين أن خبره أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وقد يجوز أن يكون على الأخبار التي في القرآن، يستغنى بها كما استغنت أشياء عن الخبر، إذا طال الكلام وعرف المعنى، نحو قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [الرعد/ ٣١] وما أشبهه. وحدّثني شيخ من أهل العلم قال: «سمعت عيسى بن عمر «٢» يسأل عمرو ابن عبيد «٣» » : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ أين خبره؟» فقال عمرو: «معناه في التفسير: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ كفروا به وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) فقال عيسى: «جاءت يا أبا عثمان» .

стр. 1914

وقال تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [الآية ٤٤] أي هلّا فصّلت آياتهءَ أَعْجَمِيٌّ «١» يعني القرآن ووَ عَرَبِيٌّ يعني الرسول (ص) ، وقد قرئت من غير استفهام، وكلّ جائز في معنى واحد. وقال تعالى: وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) أي: فاستيقنوا، لأن «ما» هاهنا حرف، وليس باسم، والفعل لا يعمل في مثل هذا، فلذلك جعل الفعل ملغى «٢» .

стр. 1915

المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «فصّلت» «١» إن قيل ما الحكمة في زيادة «من» في قوله تعالى: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [الآية ٥] مع أن المعنى حاصل بالقول «وبيننا وبينك حجاب» ؟ قلنا: لو قيل كذلك، لكان المعنى أن الحجاب حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة «من» فمعناه أن الحجاب ابتداؤه منا ومنك، فالمسافة المتوسطة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. فإن قيل: قوله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [الآية ٩] ، إلى قوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [الآية ١٢] يدل على أن السموات والأرض وما بينهما خلقت في ثمانية أيام، وقال تعالى في سورة الفرقان الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الفرقان/ ٥٩] فكيف التوفيق بينهما؟ قلنا: معنى قوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (١٠) [الآية ١٠] في تتمة أربعة أيام، لأن اليومين اللذين خلق سبحانه فيهما الأرض من جملة الأربعة، أو معناه: كل ذلك في أربعة أيام يعني خلق الأرض، وما ذكر بعدها، فصار المجموع ستة وهذا لا اختلاف فيه بين المفسّرين. فإن قيل: السموات وما فيها أعظم من الأرض وما فيها، بأضعاف

стр. 1916

مضاعفة، فما الحكمة في أن الله سبحانه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام، والسموات وما فيها في يومين؟ قلنا لأن السموات وما فيها من عالم الغيب، ومن عالم الملكوت، ومن عالم الأمر، والأرض وما فيها من عالم الشهادة والملك، وخلق الأول أسرع من الثاني. ووجه آخر، وهو أنه فعل ذلك ليعلم أن الخلق على سبيل التدريج والتمهيل في الأرض، وما فيها لم يكن للعجز عن خلقها دفعة واحدة، بل كان لمصالح لا تحصل إلّا بذلك، ولهذه الحكمة خلق العالم الأكبر في ستة أيام، والعالم الأصغر وهو الإنسان في ستة أشهر. فإن قيل: لم قال تعالى في وصف أهل النار: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (٢٤) [الآية ٢٤] مع أنهم إن لم يصبروا على عذاب النار، وجزعوا فالنار مثوى لهم أيضا؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: فإن يصبروا أولا يصبروا، فالنار مثوى لهم، على كل حال ولا ينفعهم الصبر في الآخرة كما ينفع الصبر في الدنيا ولهذا قيل الصبر مفتاح الفرج، وقيل من صبر ظفر. الثاني: أنّ هذا جواب لقول المشركين، في حثّ بعضهم لبعض على إدامة عبادة الأصنام: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ [ص/ ٦] فقال الله تعالى: فإن يصبروا على عبادة الأصنام في الدنيا، فالنار مثوى لهم في العقبى. فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الكفّار: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) أي بأسوأ أعمالهم، مع أنهم يجزون بسيّئ أعمالهم أيضا؟ قلنا: قد سبق نظير هذا السؤال في آخر سورة التوبة، والجواب الأول هناك يصلح جوابا هنا. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا لِلْقَمَرِ [الآية ٣٧] بعد قوله تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ [الآية ٣٧] وهو مستفاد من الأول بالطريق الأولى؟ قلنا: فائدته ثبوت الحكم بأقوى الدليلين، وهو النص، والله أعلم.

стр. 1917

المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «فصّلت» «١» في قوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [الآية ٥] استعارة: فالأكنّة جمع كنان، وهو الستر والغطاء، مثل: عنان، وأعنّة. وسنان، وأسنّة. وليس هناك على الحقيقة شيء ممّا أشاروا إليه. وإنّما أخرجوا هذا الكلام، مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن، وبواقع البيان. فكأنهم، من قوة الزّهادة فيه، وشدّة الكراهية له، قد وقرت أسماعهم عن فهمه، وأكنّت قلوبهم دون علمه. وذلك معروف في عادات الناس، أن يقول القائل منهم لمن يشنأ كلامه، ويستثقل خطابه: ما أسمع قولك، ولا أعي لفظك. وإن كان صحيح حاسّة السمع. إلا أنه حمل الكلام على الاستثقال والمقت. وعلى هذا قول الشاعر «٢» : وكلام سيّئ قد وقرت ... أذني عنه، وما بي من صمم وفي قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) استعارة. فليس هناك، على الحقيقة، قول ولا جواب، وإنما ذلك عبارة عن

стр. 1918

سرعة تكوين السماوات والأرض. كما قال تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) [النحل] ولو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان في هذا الكلام أمر للمعدوم، وخطاب لغير الموجود. وذلك يستحيل أن يكون من فعل الحكيم سبحانه. ومعنى قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) أنهما جرتا على المراد، ووقفتا عند الحدود والأقدار، من غير معاناة طويلة، ولا مشقّة شديدة، فكانت في ذلك جارية مجرى الطائع المميّز، إذا انقاد إلى ما أمر به، ووقف عند الذي وقف عنده. وقال بعضهم: معنى قوله سبحانه: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي: كونا على ما أريد منكم من لين وشدّة، وسهل وحزونة، وصعب وذلول، ومبرم وسحيل «١» . والكره والشّدّة بمعنى واحد في اللغة العربية. يقول القائل منهم لغيره: أنا أكره فراقك. أي يصعب عليّ أن أفارقك. وقال سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (٢١٦) [البقرة/ ٢١٦] أي شديد عليكم. ومعنى الطوع هاهنا: التّسهّل والانقياد من غير إبطاء ولا اعتياص. وإنما قال سبحانه: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) بجعل السماوات والأرض كلّها كالواحدة، والأرض جميعا كذلك، فحسن أن يعبّر عنهما بعبارة الاثنين دون عبارة الجميع. وأمّا قوله سبحانه: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فكان وجه الكلام أن يكون طائعتين، أو طائعات ردّا على معنى التأنيث. فالمراد به، والله أعلم، عند بعضهم: قالتا أتينا بمن فينا من الخلق طائعين. فكانت كلمة «طائعين» وصفا للخلق المميّزين، لا وصفا للسماوات والأرض. وقال بعضهم: لمّا تضمّن الكلام ذكر السماوات والأرض في الخطاب لهما، والكناية عنهما بما يخاطب به أهل التمييز، ويكنى به عن السامعين الناطقين، أجريتا في ردّ الفعل إليهما مجرى العاقل اللبيب، والسامع المجيب. وذلك مثل قوله تعالى:

стр. 1919

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) [يوسف] . ولو أجري اللفظ على حقيقته، وحمل على محجّته لقيل ساجدات. ولكن المراد بذلك: أنه، لما كان ما أشرنا إليه، حسن أن يقال ساجدين، وطائعين. وقوله سبحانه: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [الآية ١٧] استعارة. والمراد بالعمى هاهنا ظلام البصيرة، والمتاه في الغواية. فإن ذلك أخفّ على الإنسان، وأشد ملاءمة للطباع، من تحمّل مشاقّ النظر، والتلجيج في غمار الفكر. وفي قوله تعالى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) استعارة: لأنّ الظن الذي ظنّوه على الحقيقة لم يردهم بمعنى: يهلكهم، وإنّما أهلكهم الله سبحانه جزاء على ما ظنّوه به من الظنون السّيئة، ونسبوه إليه من الأفعال القبيحة. فلمّا كان ذلك الظنّ سببا في هلاكهم، جاز أن ينسب إليه الهلاك الواقع بهم. وفي قوله سبحانه: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الآية ٣٩] استعارة، وقد مضى الكلام على نظيرها في سورة «الحج» . إلا أن هاهنا زيادة هي صفة الأرض بالخشوع، كما وصفت هناك بالهمود. واللفظان جميعا يرجعان إلى معنى واحد، وهو ما يظهر على الأرض من آثار الجدب، وأعلام المحل، فتكون كالإنسان الخاشع الذي قد سكنت أطرافه، وتطأطأ استشرافه. وفي قوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) استعارة. وقد قيل فيها أقوال: منها أن يكون المراد بذلك أن هذا الكتاب العزيز، لا يشبهه شيء من الكلام المتقدم له، ولا يشبهه شيء من الكلام الوارد بعده. فهذا معنى: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ لأنه لو أشبهه شيء من الكلام المتقدّم، أو الكلام المتأخّر، لأبطل معجزته وفصم حجّته. فكأنّ الباطل، قد أتاه من إحدى الجهتين المذكورتين، إمّا من جهة أمامه، وإمّا من جهة ورائه. وهذا معنى عجيب. وقال بعضهم: معنى ذلك أنّه لا تعلق به الشّبهة من طريق المشاكلة، ولا الحقيقة من جهة المناقضة، فهو

стр. 1920

الحقّ الخالص الذي لا يشوبه شائب، ولا يلحقه طالب. وقال بعضهم: معنى ذلك أن الشيطان والإنسان لا يقدران على أن ينتقصا منه حقّا، أو أن يزيدا فيه باطلا. وقال بعضهم: معنى ذلك، أنه لا باطل فيه، من الإخبار عمّا كان وما يكون. فكأنّ المراد بقوله سبحانه: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي من جهة ما أخبر عنه من الأمور الواقعة. وبقوله تعالى: وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي من جهة ما أخبر عنه من الأمور المتوقعة. وفي قوله سبحانه: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) استعارة. والمراد بها، والله أعلم، صفتهم بالتباعد عن طريق الرشد، والإعراض عن دعاء الحق. كأنهم من شدة الذهاب بأسماعهم، والانصراف بقلوبهم ينادون من مكان بعيد. فالنداء غير مسمع لهم، ولا واصل إليهم. ولو سمعوه لضلّ عنهم فهمه للصدّ «١» المنفرج بينهم وبينه. وفي قوله : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) استعارة. والمراد بها صفة الدعاء بالسّعة والكثرة، وليس يراد العرض الذي هو ضدّ للطّول. وذلك أن صفة الشيء بالعرض تفيد فيه معنى الطول لأنه لو لم يكن مع العرض طول لكان العرض هو الطّول. ألا ترى أنهم يصفون الرّمح بالطول، ولا يصفونه بالعرض إذا كان طوله أضعاف عرضه، ويصفون الإزار بأنه عريض إذ كان عرضه مقاربا لطوله. وقد استقصينا شرح ذلك في كتابنا الكبير واقتصرنا منه هاهنا على البلغة الكافية، والنكتة الشافية.

стр. 1921

سورة الشورى

стр. 1922

المبحث الأول أهداف سورة «الشورى» «١» سورة «الشورى» سورة مكّية، نزلت بعد «الإسراء» ، وقبيل الهجرة. وآياتها ٥٣ آية نزلت بعد سورة «فصلت» . ولها اسمان: «عسق» لافتتاحها بها، وسورة «الشورى» لقوله سبحانه: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الآية ٣٨] . روح السورة هذه السورة، تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية، ولكنها تركّز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة حتى ليصحّ أن يقال إن هذه الحقيقة، هي المحور الرئيس، الذي ترتبط به السورة كلّها. وتأتي سائر الموضوعات فيها، تبعا لتلك الحقيقة الرئيسة فيها. هذا، مع أن السّورة تتوسّع في الحديث عن حقيقة الوحدانية وتعرض لها من جوانب متعدّدة كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين، وأخلاقهم التي يمتازون بها كما تلمّ بقضية الرزق، بسطه وقبضه، وصفة الإنسان في السّرّاء والضّرّاء. ولكنّ حقيقة الوحي والرسالة وما يتصل بها، تظل مع ذلك هي الحقيقة البارزة في محيط السورة، والتي تطبعها وتظلّلها، وكأنّ سائر الموضوعات الأخرى، مسوقة

стр. 1923

لتقوية تلك الحقيقة الأولى، وتوكيدها. ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة، وما يصاحبها من موضوعات أخرى، بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبّر والملاحظة، «فهي تعرض من جوانب متعددة، يفترق بعضها عن بعض، ببضع آيات، تتحدث عن وحدانية الخالق، أو وحدانية الرازق، أو وحدانيّة المتصرّف في القلوب، أو وحدانيّة المتصرّف في المصير، في حين أنّ الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة يتّجه إلى تقرير وحدانية الموحي، سبحانه، ووحدة الوحي، ووحدة العقيدة، ووحدة المنهج والطريق وأخيرا وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة. ومن ثمّ يرتسم في النفس خط الوحدانية بارزا واضحا بشتّى معانيه وشتى إيحاءاته من وراء موضوعات السورة جميعها» «١» . موضوع السورة يمكن أن نقسم سورة الشورى إلى فصلين رئيسين. يتناول الفصل الأول وحدة الأهداف الرئيسية للرسالات السماوية، ويتناول الفصل الثاني بعض صفات المؤمنين ودلائل الإيمان. الفصل الأول: وحدة أهداف الرسالات يتناول النصف الأول من السورة الآيات [١- ٢٤] ، ويبدأ بالتحدّث عن الوحي، ثم يعالج قصّة الوحي منذ النبوّات الأولى، ليقرّر وحدة الدّين ووحدة المنهج، ووحدة الطريق، وليعلن القيادة الجديدة للبشريّة ممثلّة في رسالة محمد (ص) ، وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة. وتشير السورة إلى هذه الوحدة في مطلعها: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ، لتقرّر أن الله سبحانه هو الموحي بالرسالات جميعها للرسل جميعهم، وأنّ الرّسالة الأخيرة، هي امتداد لأمر مقرّر مطّرد من قديم. وتأتي الإشارة الثانية بعد قليل:

стр. 1924

وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الآية ٧] ، لتقرر مركز القيادة الجديد، فقد اختار الله ﷻ بلاد العرب، لتكون مقر الرسالة الأخيرة، التي جاءت للبشرية جمعاء، والتي تتضح عالميّتها منذ أيامها الأولى. كانت الأرض المعمورة، عند مولد الرسالة الأخيرة، تكاد تتقاسمها إمبراطوريات أربع هي: الرومانية، والفارسية، والهندية، والصينية. وفي هذا الوقت، جاء الإسلام لينقذ البشرية كلّها، ممّا انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد، وجاهلية عمياء في كل مكان من المعمورة. جاء ليهيمن على حياة البشرية، ويقودها في الطريق الى الله، على هدى ونور. ولم يكن هنالك بدّ من أن يبدأ الإسلام رحلته من أرض حرّة، لا سلطان فيها لإمبراطورية من تلك الإمبراطوريات، وكانت الجزيرة العربية وأمّ القرى وما حولها بالذات، أصلح مكان على وجه الأرض، لنشأة الإسلام يومئذ، وأصلح نقطة، يبدأ منها رحلته العالميّة. لم تكن في بلاد العرب حكومات منظّمة، ولا ديانة ثابتة واضحة المعالم، وكانت خلخلة النظام السياسي للجزيرة، إلى جانب خلخلة النظام الديني، أفضل ظرف يقوم فيه دين جديد، متحرر من كل سلطان عليه في نشأته. وهكذا جاء القرآن الكريم بلسان عربيّ مبين، لينذر أم القرى ومن حولها فلمّا خرجت الجزيرة من الجاهلية إلى الإسلام، حملت الراية وشرّقت بها وغرّبت، وقدّمت الرسالة للبشرية جميعها، وكان الذين حملوها أصلح خلق الله لحملها، وقد خرجوا بها من أصلح مكان في الأرض لميلادها وهكذا تبدو سلسلة طويلة من الموافقات المختارة لهذه الرسالة: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام/ ١٢٤] . وفي آية مشهورة من سورة الشورى، تطالعنا وحدة الرسالات جميعها، ووحدة الرسل، ووحدة الدين، ووحدة الهدف للجميع، وهو توحيد الله سبحانه، وتدعيم القيم والأخلاق،

стр. 1925

ومحاربة الرذائل والانحراف. قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) . وتقرّر الآيات بعد ذلك أن التفرّق قد وقع مخالفا لهذه التوصية، ولم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام، ولكن عن علم. وقع بغيا وحسدا: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [الآية ١٤] . وتصف أتباع الأديان، وحملة الكتب السماوية بأنّهم في حيرة وشكّ، لاضطراب أحوال الديانات، وخروجها عن الهدف الذي جاءت له: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) . وعند هذا الحدّ يتبين أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب، ولم تعد لها قيادة راشدة تقوم على نهج ثابت قويم. ثمّ يعلن القرآن الكريم انتداب الرسالة الأخيرة وحاملها (ص) ، لهذه القيادة: فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) . الفصل الثاني: صفات الجماعة المسلمة يشتمل النصف الثاني من السورة، على الآيات [٢٥- ٥٣] . ويتحدّث عن صفات الجماعة المسلمة، التي انتدبها الله تعالى لحمل هذه الرسالة ويبدأ هذا الفصل باستعراض آيات الله في بسط الرزق وقبضه، وفي تنزيل الغيث برحمته، وفي خلق السماوات والأرض، وما بثّ فيهما من دابّة، وفي الفلك الجواري في البحر كالأعلام، ويستطرد السياق من هذه الآيات إلى صفة المؤمنين التي تميز جماعتهم، ومع أن سورة الشورى سورة مكّية، نزلت قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة، إلا أنها تذكر أن الشورى من صفات المؤمنين، في قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الآية ٣٨] . مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق،

стр. 1926

في حياة المسلمين، من مجرّد أن يكون نظاما سياسيّا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم على أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها ممثّلة للجماعة. والتأمّل في صفات المؤمنين، يوحي بأن الإسلام دين القيم، دين يهتم بالجوهر لا بالعرض، وبتكوين النفس البشرية لا بالقيم الزائلة. فما قيم الجماعة المؤمنة؟ إنها الإيمان، والتوكل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والشورى الشاملة، والإنفاق ممّا رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو والإصلاح والصبر. وبهذه القيم تحوّل العرب من أشتات مختلفين إلى أمّة متماسكة، متراحمة مؤمنة بالله مستقيمة على هداه وتعاليمه، فوطّأ الله لهم أكناف الأرض، وصاروا خير أمة أخرجت للناس. وبعد تقرير صفة المؤمنين، وما ينتظرهم من عون وإنعام تعرض الآيات في الصفحة المقابلة، صورة الظالمين الضّالّين، وما ينتظرهم من ذلّ وخسران في يوم القيامة: يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. وفي ظل هذا المشهد، نجد القرآن الكريم، يدعو الناس إلى إنقاذ أنفسهم من مثل هذا الموقف، قبل فوات الأوان: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الآية ٤٧] . ويمضي سياق السورة حتى ختامها، يدور حول محور الوحي والرسالة، وأثرهما في صفات المؤمنين، مع بعض الاستطراد إلى وصف الكافرين، وبيان صفات الله الخالق الوهّاب، القابض الباسط، قال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) . ويعود السياق في نهاية السورة، إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته. وهناك ارتباط ظاهر بين الحديث عن

стр. 1927

الوحي في القسم الأول من السورة، والحديث عن صفات المؤمنين، ودلائل الإيمان في القسم الثاني منها فإنّ الهداية والإيمان من آثار الوحي، وبركات الرسالة أي أن القسم الثاني، وهو السلوك، مترتّب عن القسم الأول، وهو العقيدة والوحي.

стр. 1928

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الشورى» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «الشّورى» بعد سورة «فصّلت» ، ونزلت سورة «فصلت» بعد الإسراء، وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الشورى» في هذا التاريخ أيضا. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وتبلغ آياتها ثلاثا وخمسين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة: بيان اتفاق الرّسل على شرع الإسلام من أوّلهم إلى آخرهم، وإنذار من يخالفه بعذاب الدنيا والآخرة، وتبشير من يؤمن به بحسن الثواب فيهما. وبهذا تتّفق، هي والسورة السابقة، في ما جاء فيهما من الترهيب والترغيب، مع ما فيها من أخذهم بشيء من طريق الدليل، وهذا هو وجه المناسبة بين السورتين. اتفاق الرّسل على شرع الإسلام الآيات [١- ٥٣] قال الله تعالى: حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) فمهّد لذلك بأن الذي يوحي إلى الرسول (ص) وإلى الرسل قبله، إله واحد، هو العزيز الحكيم وذكر ما ذكر من سعة ملكه سبحانه، وعلوّه وعظمته ﷻ ،

стр. 1929

وأنّ السماوات تكاد تتفطّر من خشيته، والملائكة يسبّحون بحمده وهدّد من يتخذ من دونه أولياء بأنه رقيب عليهم، وسيحاسبهم على شركهم ثم ذكر سبحانه أنه أوحى إليه قرآنا عربيا لينذر به أهل مكة، ومن حولهم بعذاب يوم القيامة، وهو اليوم الذي يجتمعون فيه، فيكون فريق منهم في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله تعالى، لجعلهم أمّة واحدة، ولكن مشيئته، سبحانه، اقتضت أن يدخل من يشاء في رحمته، وأن يحرم من يشاء منها ومن يحرمه منها لا يمكن أن يدخله فيها، ما يتخذه من وليّ أو نصير ثم أنكر عليهم أن يتّخذوا من دونه أولياء لا يمكنهم نصرهم: لأنه سبحانه هو الوليّ وحده وذكر أن ما اختلفوا فيه من ذلك، فحكمه إليه في يوم القيامة، وليس لأحد من خلقه الحكم فيه، بل يجب تفويض كل شيء إليه، لأنه فاطر السماوات والأرض إلى غير هذا مما استدلّ به على وجوب تفويض الأمر إليه. ثم انتقل السياق من ذلك التمهيد إلى المقصود، وهو أنه سبحانه شرع لهم، من الدين، ما وصّى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى (ع) وذلك ما اتفقت عليه شرائعهم، من الإيمان بالله واليوم الآخر، ونحوهما مما لا اختلاف فيه بينهم. وذكر السياق توبيخ المشركين أن يستبعدوا ما يدعوهم الله إليه من هذا الدين، الذي اتفق الرسل عليه، ثم ذكر أنّ أتباع أولئك الرّسل لم يتفرّقوا في ذلك الدين إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا حكم الله بتأخير الفصل بينهم إلى يوم القيامة، لفصل بينهم في الدنيا ثم أمر الله سبحانه النبي (ص) أن يستمر في دعوته إلى هذا الدين، فلا يتّبع أهواءهم المتفرّقة، ولا يؤمن ببعض الكتاب دون بعض. وليعدل بينهم في الحكم لأنّ إلهه وإلههم واحد، وكلّ واحد مسؤول عن عمله، والله هو الذي سيحكم بينهم، ثم ذكر أن الذين يحاجّون في دين الله من بعد اتفاق أولئك الرسل عليه، حجّتهم داحضة، وعليهم غضب منه ﷻ ، ولهم عذاب شديد وأنه، سبحانه، أنزل الكتاب بهذا الدين الحق، وأنزل الميزان، وهو العقل الذي يميّز بين الحق والباطل، فلا عذر لهم في تباطئهم عن الإيمان به، ولعلّ السّاعة تفاجئهم وهم على كفرهم، فيندمون حينما لا ينفع الندم ثم ذكر

стр. 1930

أن الذين لا يؤمنون بها يستعجلون بها على سبيل الاستهزاء، وأن الذين يؤمنون بها مشفقون أن تفاجئهم، وأنّه لا يؤخّرها إلّا لأنّه لطيف بعباده، يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. فمن كان يريد حرث الآخرة يزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا يؤته منها ويمهله ولا يعجّله، وما له في الآخرة من نصيب. ثم انتقل السياق إلى توبيخهم، على ما شرّعوا لأنفسهم من الشرك وإنكار البعث، ونحو ذلك، مما زيّنه لهم شركاؤهم من الشياطين وهدّدهم سبحانه بأنّه لولا حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لعجّل بالقضاء بينهم وأنذرهم بأن لهم عذابا أليما على ما شرعوه من ذلك لأنفسهم، وبشّر المؤمنين بروضات الجنات التي أعدّها جلّت قدرته لهم، وانتقل السياق من هذا إلى توبيخهم، على أن ينسبوا الى النبي (ص) افتراء هذا الدين عليه، وذكر سبحانه أنّه لو يشاء ختم على قلبه، وتولّى هو محو الباطل وإحقاق الحق بآياته ولكنّه أراد أن يعذرهم بإرساله إليهم، رحمة بهم، ليتوب عن شركه من يتوب فيقبل توبته، ويستجيب دعاء المؤمنين ويزيدهم من فضله ومن يستمرّ على كفره بعد ذلك، فلهم عذاب شديد في دنياهم وآخرتهم ثم ذكر أنه في رحمته بهم يرزقهم بقدر، لأنّه، لو بسط لهم الرزق، لبغوا في الأرض وبيّن أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه، فينزل الغيث عليهم من بعد يأسهم منه، وينشر عليهم رحمته. وقد ذكر بعد هذا آياته ونعمه عليهم، وذكر ما يصيبهم في دنياهم، أو في ما ينعم به عليهم، ليبيّن أن ذلك قد يكون بما كسبت أيديهم ثم ذكر سبحانه أن ما يعطونه من الرزق في الدنيا لا قيمة له، وأن ما عنده خير وأبقى للمؤمنين الذين يتوكّلون عليه، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ويعفون عند غضبهم، إلى غير هذا مما ذكره سبحانه من صفاتهم ثم انتقل السياق من هذا إلى وعيد من يضلّ عن ذلك الدين القديم، فذكر سبحانه أنهم حين يرون العذاب، يتمنّون أن يردّوا ليؤمنوا به، إلى غير هذا مما ذكره من أحوالهم. ثم ختم السورة بأمرهم أن يستجيبوا لربّهم فيما شرع لهم من ذلك الدين، من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له منه، ولا
следующие страницы →