قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) .
وهذا النموذج، الذي نشاهده في الآية، نموذج للفطرة المستقيمة التي ترعى أصلها وتتعهد ذريتها، وهذا النموذج يقبل الله عمله ويحشره في أصحاب الجنة.
أما النموذج الثاني، فهو نموذج الانحراف والفسوق والضلال، نموذج ولد عاق يجحد معروف والديه وينكر البعث والجزاء ويقول ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) .
وهذا النموذج جدير بالخسران: لقد خسر اليقين والإيمان في الدنيا، ثم خسر النّعيم والرّضوان في الآخرة.
وينتهي هذا المقطع من السورة بعرض هذين النموذجين ومصيرهما في النهاية ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة حيث يعرض المتكبّرون على النار وفي ذلك المشهد نرى الغائب شاهدا ماثلا يستحثّ النّفوس على الهدى، ويستجيش الفطر السليمة القوية لارتياد الطريق الواصل المأمون.
٣- قصة عاد
يتناول المقطع الثالث من السورة قصة عاد وهم قوم نبي الله هود (ع) ، ويشمل الآيات [٢٠- ٢٨] .
والقصة هنا تخدم الفكرة وتؤيّدها:
فقد أنكر أهل مكة رسالة النبي محمد (ص) ، وأعرضوا عن دعوته.
فجاء هذا المقطع يذكّرهم بأشباههم، وينذرهم أن يصيبهم ما أصاب السابقين.
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الآية ٢١] . وأخو عاد هو هود ﵇، دعا قومه إلى التوحيد وحذّرهم من عذاب الله.
والأحقاف جمع حقف، وهو الكثيب المرتفع من الرّمال، وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرّقة في جنوب الجزيرة، يقال في حضرموت.
وقد أنذر أخو عاد قومه ودعاهم الى عبادة الله وحده، وحذرهم بطشه وانتقامه. ولم تؤمن عاد برسالة هود (ع) ، وقابلت دعوته بسوء الظن وعدم الفهم والتحدي والاستهزاء، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به.
فلما رأوا العذاب، في صورة سحابة،
стр. 1997
ظنّوه مطرا مفيدا لهم: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) .
وتقول الروايات إنه أصاب القوم حرّ شديد، واحتبس عنهم المطر، ودخن الجوّ حولهم من الحرّ والجفاف، ثم ساق الله ﷻ إليهم سحابة ففرحوا بها فرحا شديدا وخرجوا يستقبلونها في الأودية وهم يحسبون فيها الماء قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا.
وجاءهم الرد بلسان الواقع بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها.. وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى كما جاء في صفتها: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) [الذاريات/ ٤٢] .
لقد اندفعت الريح تحقّق أمر الله، وتدمر كل شيء بأمر الله، فهلك القوم بجميع ما يملكون من أنعام ومتاع وأشياء، وبقيت مساكنهم خالية موحشة لا ديّار فيها ولا نافخ نار.
ويلتفت السياق الى أهل مكة يلمس قلوبهم، ويحرك وجدانهم، ويذكّرهم بأنّ الهالكين كانوا أكثر منهم تمكّنا في الأرض، وأكثر مالا ومتاعا وقوّة وعلما. فلم تغن عنهم قدرتهم ولا قوتهم، ولم يغن عنهم ثراؤهم. ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم، بل أصمّوا قلوبهم عن سماع الحق، ولم تغن عنهم آلهتهم التي اتّخذوها تقرّبا إلى الله.
وكذلك يقف المشركون في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم، فيقفون أمام مصيرهم هم أنفسهم، ثمّ أمام الخطّ الثّابت المطّرد المتّصل، خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغيّر، وخط السنّة الإلهيّة التي لا تتحوّل ولا تتبدّل. وتبدو شجرة العقيدة عميقة الجذور، ممتدّة الفروع، ضاربة في أعماق الزمان، سنّة واحدة، على اختلاف القرون واختلاف المكان.
لقد أهلك الله القرى التي كذّبت رسلها في الجزيرة، كعاد بالأحقاف في جنوب الجزيرة، وثمود بالحجر في شمالها، وسبأ وكانوا باليمن، ومدين، وكانت في طريقهم الى الشام، وكذلك قرى قوم لوط وكانوا يمرون بها في رحلة الصيف الى الشمال.
стр. 1998
وقد نوّع الله ﷻ في آياته، لعلّ المكذّبين يرجعون إلى ربّهم، ويثوبون الى رشدهم.
قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) .
٤- إيمان الجن
يتناول المقطع الرابع الحديث عن إيمان الجن ويشمل الآيات الأخيرة من سورة «الأحقاف» .
وقد تحدث القرآن عن الجن فذكر أنّ أصلهم من نار، وأنّ منهم الصالحين ومنهم الظالمين، وأن لهم تجمّعات معيّنة تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس، وأن لهم قدرة على الحياة على هذا الكوكب الأرضي، ولهم قدرة على الحياة خارج هذا الكوكب. وللجن قدرة على التأثير في إدراك البشر، والإيعاز بالشّرّ. قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) . ومن خصائص الجنّ أن يروا النّاس ولا يراهم النّاس، لقوله تعالى عن إبليس، وهو من الجن: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف/ ٢٧] .
وقد تحدّثت الآيات الأخيرة من السورة عن إيمان الجن الذين استمعوا لهذا القرآن، فتنادوا بالإنصات، واطمأنّت قلوبهم إلى الإيمان، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم الى الله سبحانه، ويبشّرونهم بالغفران والنجاة، ويحذّرونهم الإعراض والضلال.
وهذا الأمر في ظاهره الخبر عن إيمان الجن، ومع ذلك، فهو يصوّر أثر هذا القرآن في القلوب. فعند ما سمع الجن تلاوة القرآن قالوا: أنصتوا.
وعند ما تأثرت قلوبهم، انطلقوا الى قومهم يتحدثون عن القرآن والإيمان، ويعرضون دعوة الإسلام على قومهم.
وبفضل القرآن صاروا دعاة هداة، ملك القرآن عليهم نفوسهم، فانطلقوا يحملون الهداية والرحمة لقومهم، ثم يتحدثون عن الصلة الوثيقة بين القرآن والتوراة، بين محمد وموسى، صلوات الله وسلامه عليهما، وعلى الأنبياء والمرسلين كافّة، فالجميع من عند الله لهداية خلق الله:
стр. 1999
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) .
وهذا القول على لسان الجنّ يفيد ما بين الرسل جميعا من آصرة الأخوّة.
فربهم واحد، ودعوتهم واحدة، وفكرتهم أساسها هداية الناس ومحاربة الرذائل، والتعاون على الخير والمعروف. والعداء بين الأديان إنما جاء من سوء الفهم أو من تحريف الإنسان للوحي.
كذلك وردت على لسان الجن إشارة الى كتاب الكون المفتوح، ودلالته على قدرة الله الظاهرة في خلق السموات والأرض، الشاهدة لقدرته على الإحياء والبعث، وهي القضية التي يجادل فيها البشر، وبها يجحدون.
وبمناسبة البعث، يعرض السياق مشهدا من مشاهد القيامة يبدو فيه الكفار وهم يعترفون بالإيمان، بعد أن كانوا ينكرونه في الدنيا، ثم يقال لهم:
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) .
وفي ختام السورة توجيه للرسول (ص) بالصبر والمصابرة فإنها طريق الرسل، وما ينبغي للدّعاة إلّا الصبر والاحتمال.
مقصود السورة اجمالا
ذكر الفيروزآبادي أن معظم سورة الأحقاف هو:
«إلزام الحجّة على عبادة الأصنام، والإخبار عن تناقض كلام المتكبّرين، وبيان نبوّة سيّد المرسلين محمّد (ص) ، وتأكيد ذلك بحديث موسى (ع) ، والوصيّة بتعظيم الوالدين، وتهديد المتنعّمين والمترفين، والإشادة بإهلاك عاد، والإشارة إلى الدعوة، وإسلام الجن، وإتيان يوم القيامة فجأة» واستقلال لبث اللّابثين في قوله تعالى:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) .
стр. 2000
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأحقاف» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الأحقاف» بعد سورة «الجاثية» ، ونزلت سورة «الجاثية» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة الأحقاف في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في الآية [٢١] منها وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ.
وتبلغ آياتها خمسا وثلاثين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة إنذار المشركين بالعذاب، وأخذهم مع هذا الدليل الى التصديق بالتوحيد والرسالة، وبهذا جمع فيها بين الأخذ بالترهيب والترغيب والأخذ بالدليل، كما جمع بين ذلك في السّور السّابقة، وهذا هو وجه المناسبة بينها وبين هذه السور.
إنذار الكفار بالعذاب الآيات [١- ٣٥]
قال الله تعالى حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) فذكر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض لحكمة وأجل ينتهي أمرهما بعد ذلك وليس خلقهما عبثا، فلا بدّ بعد انتهائهما من الحساب والعقاب، ولا بدّ من رسول ينذرهم بهذا المآل،
стр. 2001
ولكنهم، لجهلهم وعنادهم، يعرضون عن هذا الإنذار، ويتمسّكون بما هم فيه من الشرك والضلال. ثم انتقل السياق من هذا الى تسجيل الجهل والعناد عليهم في شركهم وإعراضهم عما أنذروا به، فطلب منهم، سبحانه، أن يخبروه عمّا خلق شركاؤهم من الأرض، أو يأتوه بكتاب منزل أو دليل من العقل. وذكر، ، أنه لا أضلّ ممّن يدعو من دونه جمادا لا يستجيب له الى يوم القيامة، وإذا حشر الناس تبرّأ من عبادتهم له. ثم انتقل السياق من هذا الى إعراضهم عمّا أنذروا به وزعمهم أنه سحر أو كذب مفترى، فأمر الله تعالى نبيّه (ص) بأن يجيبهم بأنه لو كان قد افتراه لعاجله الله بعقربته، ولم يملكوا أن يدفعوا عنه شيئا. ثم ذكر شبهة أخرى لهم فيه، وهي قولهم في الذين آمنوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الآية ١١] ، وأجاب عنها بأنه أنزل التوراة قبله إماما ورحمة لبني إسرائيل، وهذا كتاب أنزله لهم بلسان عربيّ إنذارا للذين ظلموا وبشرى للمحسنين، ثم بيّن وجه كونه بشرى لهم بأنهم إذا قالوا: ربّنا الله ثمّ استقاموا، فلا خوف عليهم، وسيكونون من أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون. وذكر من أعظم ما يجزون عليه هذا الجزاء استجابتهم لوصيّته بالإحسان الى الوالدين، وقيامهم بشكره على ما أنعم به عليهم. ثم ذكر، سبحانه، حديث الذي أساء إلى والديه، وقد أنذراه بعذاب الآخرة إن لم يؤمن بالله تعالى، لأن ذكر الضد يدعو الى ذكر ضده، وليأخذ في الوعيد بعد الأخذ في الوعد، فذكر أن مثل هذا قد حقّ عليه القول بالعذاب في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس، وسلكوا في الضلال مسلكهم وأن من هؤلاء الأمم قوم عاد بالأحقاف، فقد أنذرهم أخوهم هود فكذّبوه فأخذوا بريح دمّرت عليهم مساكنهم وكذلك ما حول مكة من القرى التي دمّرت باليمن والشام، فلم ينصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) .
ثم ذكر سبحانه من استجاب للإنذار من الجن، بعد أن ذكر من أعرض عنه من الإنس، ليحملهم على الاستجابة للإنذار مثلهم، فذكر حديث استماع نفر من الجن للقرآن وإيمانهم به، وأنهم انصرفوا الى قومهم منذرين،
стр. 2002
فأخبروهم بما سمعوا منه، ورغّبوهم في الإيمان وحذّروهم من الكفر: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) .
ثم ختم تعالى السورة بمثل ما بدأها به من الإنذار، فذكر قدرته جلّ وعلا على إحياء الموتى وحسابهم، وأنذر الكفار بعرضهم على النار، وأنه يطلب منهم أن يعترفوا بأنها الحق فيعترفون، فيقال لهم ذوقوا العذاب بما كنتم.
تكفرون: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) .
стр. 2003
المبحث الثالث مكنونات سورة «الأحقاف» «١»
١- وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ١٠] .
هو عبد الله بن سلام. أخرجه الطّبراني من حديث عوف بن مالك الأشجعي «٢» بسند صحيح.
وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث سعد بن أبي وقّاص. ومن طريق العوفي، عن ابن عبّاس «٣» .
وقاله مجاهد، وعكرمة، وآخرون.
стр. 2004
٢- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الآية ١١] .
قال ابن عسكر: قيل: قائل ذلك بنو عامر وغطفان، والسّابقون: أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة.
وقيل: قاله مشركو قريش، حين أسلمت غفار.
وقيل: المراد بالسابقين: بلال، وعمار، وصهيب.
٣- وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [الآية ١٧] .
قال السّدّي: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق، وأبيه أبي بكر، وأمّه أمّ رومان. أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج مثله عن ابن جريج.
وأخرج عن مجاهد أنه عبد الله بن أبي بكر، وأنكرت ذلك عائشة، كما أخرجه البخاري عنها وقالت: نزلت في فلان بن فلان. كذا في «الصحيح» «١» مكنيا.
٤- قالُوا هذا عارِضٌ [الآية ٢٤] .
قال ذلك: بكر بن معاوية، من قوم عاد. ذكره ابن عسكر، عن ابن جريج.
٥- وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ [الآية ٢٩] .
أخرج ابن أبي حاتم «٢» عن ابن عباس قال: هم جنّ نصيبين.
وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّهم كانوا سبعة من أهل نصيبين.
ومن طريق سعيد بن جبير عنه قال:
كانوا تسعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال:
стр. 2005
الجنّ الذين صرفوا الى النبيّ (ص) من الموصل، وكان أشرافهم من نصيبين.
وعن زرّ بن حبيش قال: كانوا تسعة أحدهم: زوبعة.
وعن مجاهد: أنهم كانوا سبعة:
ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين.
وذكر السّهيلي: أنّ ابن دريد ذكرهم خمسة.
وفي «تفسير إسماعيل بن أبي زياد» :
هم تسعة.
وقد أخرج ابن مردويه من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنهم كانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل.
وأخرجه ابن أبي حاتم أيضا عن عكرمة.
٦- أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الآية ٣٥] .
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كلّ الرسل كانوا أولي عزم «١» .
وأخرج عن الحسن قال: هم من لم تصبه فتنة من الأنبياء.
وعن أبي العالية قال: هم نوح (ع) ، وهود (ع) ، وإبراهيم (ع) ، ومحمد (ص) رابعهم.
وعن سعيد بن عبد العزيز قال: هم نوح، وهود، وإبراهيم، وموسى، وشعيب عليهم الصلاة والسلام.
وعن السّدّي قال: هم الذين أمروا بالقتال من الأنبياء وبلغنا أنّهم ستة:
إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
وعن ابن جريج قال: ليس منهم آدم، ولا يونس، ولا سليمان، ولكن إسماعيل، ويعقوب، وأيّوب.
وعن الضّحّاك، عن ابن عباس قال:
هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد (ص) .
стр. 2006
المبحث الرابع لغة التنزيل في سورة «الأحقاف» «١»
١- قال تعالى: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الآية ٤] .
الأثارة: البقيّة.
أقول: وهي قريبة من «الأثر» ، الذي فيه معنى ما بقي من الشيء.
٢- وقال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [الآية ٩] .
البدع: البديع كالخفّ بمعنى الخفيف.
والمعنى: ما كنت بدعا من الرسل فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيّبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلّا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلّا بما أوحي إليهم.
٣- وقال تعالى: قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الآية ١٥] .
أي: ألهمني وأولعني به.
وتأويله في اللغة: كفّني عن الأشياء إلّا عن شكر نعمتك، وكفّني عمّا يباعدني عنك.
أقول: وهذا يدفعنا الى ان نقرأ قوله تعالى:
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) [فصّلت] .
والمعنى: أن يحبس أوّلهم على آخرهم، وقيل يكفّون.
стр. 2007
المبحث الخامس المعاني اللغوية في سورة «الأحقاف» «١»
قال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [الآية ٩] والبدع: البديع وهو:
الأوّل.
وقال وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً [الآية ١٢] بالنّصب لأنه خبر معرفة.
وقال سبحانه: وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا [الآية ١٢] . بنصب اللسان والعربي لأنه ليس من صفة الكتاب، فانتصب على الحال أو على فعل مضمر، كأنّ السياق: «أعني لسانا عربيّا» وقال بعضهم: إن انتصابه على «مصدّق» جعل الكتاب مصدّق اللسان.
وقال: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ [الآية ٣٥] أي: ذاك بلاغ. وقال بعضهم: «إنّ البلاغ هو القرآن» وإنّما يوعظ بالقرآن. ثم قال بَلاغٌ أي:
هو بلاغ.
وأما قوله تعالى: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الآية ٣٣] فهو بالباء كالباء في قوله وَكَفى بِاللَّهِ «٢» وهي مثل تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون/ ٢٠] .
стр. 2008
المبحث السادس لكل سؤال جواب في سورة «الأحقاف» «١»
لم يقول تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا [الآية ١٦] ، مع أن حسن ما عملوا يتقبّل عنهم أيضا؟
قلنا: أحسن بمعنى حسن، وقد سبق نظيره في سورة الروم.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الفريقين وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الآية ١٩] مع أن أهل النار لهم دركات لا درجات؟
قلنا: الدّرجات الطبقات من المراتب مطلقا من غير اختصاص. الثاني أن فيه إضمارا تقديره: ولكل فريق درجات أو دركات مما عملوا، إلا أنه حذف اختصارا لدلالة المذكور عليه.
فان قيل: كيف طابق الجواب السؤال في قوله تعالى فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قلنا: طابقه من حيث إن قولهم ذلك استعجال للعذاب الذي توعّدهم به، بدليل قوله تعالى بعده: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ [الآية ٢٤] فقال لهم لا علم لي بوقت تعذيبكم، بل الله تعالى هو العالم به وحده.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف الريح: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الآية ٢٥] وكم من شيء لم تدمّره؟
قلنا: معناه تدمّر كلّ شيء مرّت به
стр. 2009
من أموال قوم عاد وأملاكهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية ٣١] ولم يقل يغفر لكم ذنوبكم؟
قلنا: لأنّ من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كمظالم العباد ونحوها.
стр. 2010
المبحث السابع المعاني المجازية في سورة «الأحقاف» «١»
في قوله تعالى: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) . استعارة على أحد التأويلات. وهو أن يكون معنى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي شيء يستخرج من العلم بالكشف والبحث، والطّلب والفحص، فتثور حقيقته، وتظهر خبيئته، كما تستثار الأرض بالمحافر، فيخرج نباتها، وتظهر نثائلها «٢» . أو كما يستثار القنيص من مجاثمه، ويستطلع من مكامنه.
وسائر التأويلات في الآية تخرج الكلام عن حيّز الاستعارة. مثل تأوّلهم ذلك على معنى خاصّة «٣» من علم. أي بقيّة من علم، وما يجري هذا المجرى.
وأنشد أبو عبيدة للراعي «٤» في صفة ناقة:
وذات أثارة أكلت عليها نباتا في أكمّته قفارا أي ذات بقيّة من شحم رعت عليها
стр. 2011
هذا النبات المذكور. وقوله قفارا أي خاليا من الناس، ليس به راعية غيرها، فهو أهنأ لها، وأرفق بها.
وقال صاحب «الغريب المصنف «١» » : يقال سمنت الناقة على أثارة، أي على سمن متقدّم قد كان قبل ذلك.
стр. 2012
سورة محمّد (ص)
стр. 2013
المبحث الأول
أهداف سورة «محمّد» (ص) «١»
هي سورة مدنية، نزلت بعد سورة «الحديد» ولها اسمان: سورة «محمد» (ص) ، وسورة «القتال» .
والقتال عنصر بارز في السورة، بل هو موضوعها الرئيس، فقد نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب، أي في الفترة الأولى من حياة المسلمين بالمدينة، حيث كان المؤمنون يتعرّضون لعنت المشركين، وكيد المنافقين، ودسائس اليهود.
يمكن أن نقسم سورة «محمد» (ص) الى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يحرّض على قتال المشركين ويحثّ عليه، ويشمل الآيات [١- ١٥] .
القسم الثاني: يفضح المنافقين ويكشف نفاقهم، ويشمل الآيات [١٦- ٣٠] القسم الثالث: يدعو المسلمين الى مواصلة الجهاد بالنفس والمال، ويشمل الآيات [٣١- ٣٨] .
١- التحريض على قتال المشركين
تبدأ السورة بالهجوم على المشركين، وتبيّن هلاكهم وضياعهم وضلالهم. لقد سلب الله عنهم الهدى والتوفيق، فاتّبعوا الباطل وانحرفوا الى الضلال. أمّا المؤمنون، فقد آمنوا بالله ورسوله، فكفّر الله ذنوبهم ورزقهم صلاح البال وهدوء النفس ونعمة الرّضا واليقين.
стр. 2014
وشتان ما بين مؤمن راسخ الإيمان، صادق اليقين، معتمد على ربّ كريم حليم وبين كافر ضالّ يبيع الحق، ويشتري الباطل، ويفرّط في الإيمان والهدى، ويتبع الشرك والضلال.
ثم تحثّ السورة المسلمين على قتال المشركين، وقطع شوكتهم وهدم جبروتهم، وإزالة قوّتهم من طريق المسلمين: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ وهذا الضرب بعد عرض الإسلام عليهم وإبائهم له، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ. والإثخان شدّة التقتيل حتّى تتحطّم قوّة العدوّ وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع وعندئذ يؤسر من استأسر ويشدّ وثاقه، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (٤) ، أي إمّا أن يطلق سراحهم بعد ذلك بلا مقابل، وإمّا أن يطلق سراحهم مقابل فدية من مال أو عمل، أو في نظير إطلاق سراح المسلمين المأسورين، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها حتى تنتهي الحرب بين الإسلام وأعدائه المناوئين له.
ولو شاء الله لانتقم من المشركين وأهلكهم كما أهلك من سبقهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم، ولكن الله أراد أن يختبر قوة المؤمنين وأن يجعلهم سبيلا لإعزاز الدين وإهلاك الكافرين. والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضيع أعمالهم فهم شهداء، عند الله يتمتّعون بجنات خالدة ونعيم مقيم، وأرواحهم في حواصل طير خضر، تسبح حول الجنة، وتأكل من ثمارها، وتقيم في ألوان النعيم.
وقد وعد الله الشهداء بحسن المثوبة والكرامة والهداية وصلاح البال ودخول الجنة، لأنهم نصروا دين الله فسينصرهم الله ويثبّت أقدامهم، كما توعّد الكافرين بالتعاسة والضلال والهلاك جزاء كفرهم وعنادهم.
وتسوق السورة ألوانا من التهديد للمشركين، فتأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا ماذا أصاب المكذّبين من الهلاك والدمار. ثم تمضي السورة في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان فتصف المؤمنين بأنهم في ولاية الله ورعايته، والكفّار بأنهم محرومون من هذه الولاية.
وتفرّق السورة بين متاع المؤمنين بالطيبات، وتمتّع الكافرين بلذائذ الأرض، كالحيوانات:
стр. 2015
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) .
ان الفارق الرئيس بين الإنسان والحيوان: أن للإنسان إرادة وهدفا، وتصوّرا خاصّا للحياة يا قوم على أصولها الصحيحة المتلقّاة من الله خالق الحياة.
فإذا فقد الإنسان هذا التصوّر، فقد أهم الخصائص المميّزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرّمه الله ﷻ .
ثم تمضي السورة في سلسلة من الموازنات بين المؤمن المتيقّن، والكافر الذي اتّبع هواه وشيطانه، وزيّن له سوء العمل: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) .
كما تصف الآيات متاع المؤمنين في الجنّة بشتّى الأشربة الشهيّة، من ماء غير آسن، ولبن لم يتغيّر طعمه، وخمر لذة للشّاربين، وعسل مصفّى، في وفر وفيض، في صورة أنهار جارية. ذلك مع شتى الثمرات ومع المغفرة والرّضوان ثم سؤال: هل هؤلاء المتمتعون بالجنة والرّضوان كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) ؟
٢- خصال المنافقين
تشمل الآيات [١٦- ٣٠] المقطع الثاني من هذه السورة، وفيها حديث عن المنافقين وصفاتهم، وحركة النفاق حركة مدنيّة لم يكن لها وجود في مكة نظرا لضعف المسلمين فيها وتفوّق أعدائهم. فلما هاجر المسلمون الى المدينة وبدأ شأن الإسلام في الظهور والاستعلاء، بدأت حركة النفاق في الظهور والنموّ، وساعدها على الظهور وجود اليهود في المدينة، بما لهم من قوّة مادّيّة وفكريّة، وبما يضمرونه للدّين الجديد من كراهية. وسرعان ما اجتمع اليهود مع المنافقين على هدف واحد، ودبّروا أمرهم بليل، فأخذ المنافقون في حبك المؤامرات ودسّ الدسائس في كلّ مناسبة تعرض، فإن كان المسلمون في شدّة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم وإذا كانوا في رخاء ظلّت الدسائس سرّيّة، والمكايد في الظلام وكانوا، الى منتصف العهد المدني، يشكّلون خطرا حقيقيّا على الإسلام والمسلمين. وقد تواتر ذكر المنافقين ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية كما تكرّر ذكر اتصالهم
стр. 2016
باليهود، وتلقّيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة.
والحديث عن المنافقين في سورة «محمد» (ص) يحمل فكرة السورة ويصوّر شدّتها في مواجهة المشركين والمنافقين. بل إن المنافقين هم فرع من الكافرين، أظهروا الملاينة وأبطنوا الكفر والخداع أو هم فرع من اليهود يعمل بأمرهم، وينفّذ كيدهم ومكرهم.
فمن هؤلاء المنافقين من يستمع الى النبي (ص) بأذنه ويغيب عنه بوعيه وقلبه. فإذا خرج من مجلس النبي (ص) تظاهر بالحرص على الدين، فسأل الصحابة عما قاله النبي (ص) سؤال سخرية واستهزاء، أو سؤال تظاهر ورياء.
أولئك المنافقون قد طمس الله سبحانه على أفئدتهم فلا تفقه، وقد اتّبعوا أهواءهم، فقادهم الهوى إلى الهلاك.
أمّا المتقون المهتدون، فيزيدهم الله هدى ويمنحهم التقوى والرشاد، ثم يتهدّد القرآن المنافقين بالساعة، فإذا جاءت، فلا يملكون الهداية ولا تنفعهم الندامة:
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) .
ثم تصوّر الآيات جبن المنافقين وهلعهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلّفهم القتال، فهم يتظاهرون بالإيمان، فإذا أنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها، وذكرت الجهاد، رأيت المنافقين ينظرون إليك يا محمد نظرة من هو في النّزع الأخير تشخص أبصارهم لذلك كانوا جديرين بأن يهدّدهم الله ﷻ بالويل والهلاك.
وتحثهم الآيات على الطاعة والصدق والثبات: فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) .
وبذلك يفتح القرآن الباب لمن يريد الطهارة الحسية والنفسية من المنافقين ومن المخاطبين جميعهم ثمّ يحثّهم على تدبّر القرآن وتأمّله، لأن ذلك يحرّك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلّص الضمير.
وتمضي الآيات في تصوير حال المنافقين، وبيان سبب تولّيهم عن الإيمان بعد أن شارفوه، فتبيّن أنه تآمرهم مع اليهود، ووعدهم لهم
стр. 2017
بالطاعة فيما يدبّرون.
لقد كره اليهود الإسلام وتألّبوا عليه، فلمّا هاجر النبيّ (ص) الى المدينة شنّوا عليه حرب الدّسّ والمكر والكيد، وانضمّ المنافقون لليهود يقولون لهم سرا، كما ورد في التنزيل: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) .
ثم يتهدّد القرآن المنافقين، بملائكة العذاب لأنهم تركوا طريق الإسلام، وانضمّوا إلى دسائس الحاقدين عليه.
وفي نهاية المقطع يتهدّدهم ﷻ بكشف أمرهم لرسول الله (ص) وللمسلمين الذين يعيشون بينهم متخفّين قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) .
٣- حديث عن المشركين والمؤمنين
المقطع الأخير من السورة يشمل الآيات [٣٢- ٣٨] ، ويبيّن في بدايته أنّ المشركين منعوا الناس من الإيمان بالله تعالى، وأعلنوا الشقاق والعداوة لرسول الله (ص) ، وهؤلاء لن يضرّوا الله بكفرهم، وسيحبط الله أعمالهم.
وتتجه الآيات الى المؤمنين فتأمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول، وتأمرهم بالثبات على الحق حتى يأتي نصر الله.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) .
وهذا التوجيه يوحي بأنّه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يظهر الطاعة الكاملة، أو من تثقل عليه بعض التكاليف، وتشقّ عليه بعض التضحيات التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام، تناوشه من كل جانب، والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى، يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيّا، كما تقتضي العقيدة ذلك.
ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين، فارتعشت له قلوبهم، وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم ويذهب بحسناتهم.
وتستمر الآيات في خطاب المؤمنين، تدعوهم الى مواصلة الجهاد بالنفس والمال دونما تراخ أو دعوة الى مهادنة الكافر المعتدي الظالم، تحت
стр. 2018
أيّ مؤثّر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة، ودونما بخل بالمال الذي لا يكلّفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشّحّ الفطريّ في النفوس. وإذا لم ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة، فإنّ الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها، وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جوّ السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك، من غير المنافقين وذلك الى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات، فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربّي لينهض بالمتخلفين الى المستوي العالي الكريم.
مقصود السورة اجمالا
قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة «محمد» (ص) : «الشكاية من الكفّار في إعراضهم عن الحق، وذكر آداب الحرب والأسرى وحكمهم، والأمر بالنصرة والإيمان، وابتلاء الكفّار في العذاب، وذكر أنهار الجنة:
من ماء ولبن وخمر وعسل وذكر طعام الكفار وشرابهم وظهور علامة القيامة والشكاية من المنافقين وتفصيل ذميمات خصالهم وأمر المؤمنين بالطاعة والإحسان وذم البخلاء في الإنفاق وبيان استغناء الحق تعالى وفقر الخلق، في قوله جلّ وعلا وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [الآية ٣٨] .
стр. 2019
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «محمّد» (ص) «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «محمد» (ص) بعد سورة «الحديد» ، ونزلت سورة «الحديد» بعد سورة «الزّلزلة» ، ونزلت سورة «الزلزلة» بعد سورة «النساء» ، وكان نزول سورة «النساء» بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول سورة «محمد» (ص) في هذا التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في الآية ٢ منها وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وتبلغ آياتها ثمانيا وثلاثين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تحريض المؤمنين على قتال الكافرين ووعدهم بالنصر عليهم، وهذا القتال هو عذاب الدنيا الذي أوعد الكفار به في السور السابقة ولهذا جاء ترتيبها في الذكر بعدها، لتدلّ على صدق ما أوعدهم الله به.
التحريض على القتال الآيات [١- ٣٨]
قال الله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) فمهّد للتحريض على القتال ببيان وجه استحقاق الكفّار له، وذكر أنّهم كفروا
стр. 2020
وصدّوا عن سبيله فأضلّ أعمالهم، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد (ص) غفر ما كان من شركهم وأصلح بالهم، لأنّ الكفار اتّبعوا الباطل والمؤمنين اتّبعوا الحق من ربّهم ثم أمر جلّ وعلا بقتال الكفّار حتّى يثخنوهم بالقتل والجراح، فإذا أثخنوهم شدّوا وثاقهم بالأسر، وهم مخيّرون بعد هذا في إطلاقهم بفداء أو من غير فداء ثم وعد الذين يقتلون منهم في سبيله حسن الأجر في الآخرة، والذين يبقون منهم بالنصر على أعدائهم وأوعد الكفّار بالهزيمة والهلاك وضياع الأعمال، ثم مضى السياق في هذا الترغيب والترهيب إلى أن انتقل منه إلى الحديث عن المنافقين فألحقهم بأولئك الكفّار، وذكر أنّ الله سبحانه طبع على قلوبهم فاتّبعوا أهواءهم ولم يجاوز إسلامهم حناجرهم، وأن الذين أخلصوا في إيمانهم زادهم الله هدى الى هداهم، وأن هؤلاء المنافقين لا يتوقع منهم الإيمان إلّا أن تأتيهم الساعة بغتة، وها هي ذي قد قربت وجاءت علاماتها، ولكنّ التوبة عندها لا تنفع صاحبها. ثم ذكر السياق، أن الله أمر النبي (ص) أن يستمر هو والمؤمنون على الإخلاص في توحيده، لأنه يعلم متقلّبهم ومثواهم، حتّى لا يكونوا كهؤلاء المنافقين في مخالفة باطنهم لظاهرهم.
ثم أخذ السياق في ذم هؤلاء المنافقين على تقاعسهم عن القتال في سبيل الله جبنا وخوفا، وذكر أنهم إن تولّوا عن القتال في سبيله سبحانه فإنهم يعودون إلى ما كانوا عليه من الفساد في الأرض، فيغير بعضهم على بعض، ويقابل ذوو الأرحام بعضهم بعضا، كما كان بين الأوس والخزرج ثم ذكر تعالى أنّه أصمّهم وأعماهم فلا يتدبّرون ذلك، بل يتّبعون ما يسوّله الشيطان لهم، وما وعدوا به أهل مكة من الكفّ عن قتالهم ثم توعّدهم ﷻ ، بقوله وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) [الآية ٣٠] .
ثم ختمت السورة بمثل ما بدئت به من التحريض على القتال، فذكر تعالى أنه سيبلوهم به ليعلم المجاهدين والصابرين منهم، ووعدهم بأنه لن يمكّن أعداءهم من أن يضرّوهم ثمّ نهاهم أن يهنوا في القتال ويدعوا إلى السّلم وهم الأعلون، وقد وعدهم
стр. 2021
بالنصر وحسن الأجر وهوّن عليهم أمر الدنيا التي يعوق حبّها عن القتال والإنفاق في سبيله سبحانه، إلى أن قال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) .
стр. 2022
البحث الثالث أسرار ترتيب سورة «محمّد» (ص) «١»
لا يخفى وجه ارتباط أوّلها بقوله تعالى في آخر الأحقاف:
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) واتصال هذا القول وتلاحمه، بحيث إنه لو أسقطت البسملة منه، لكان متّصلا اتّصالا واحدا لا تنافر فيه، كالآية الواحدة، آخذا بعضه بعنق بعض «٢» .
стр. 2023
المبحث الرابع مكنونات سورة «محمّد» (ص) «١»
١- يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ (٣٨) [الآية ٣٨] .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنّ رسول الله (ص) تلا هذه الآية:
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) .
فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء؟ فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي، ثم قال: «هذا وقومه، ولو كان الدّين عند الثريّا لتناوله الرجال من الفرس» «٢» .
стр. 2024
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «محمّد» (ص) «١»
١- وقال تعالى: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ، ومدّ لهم في الآمال والأماني، يعني أن الشيطان يغويهم.
وقرئ: (وأملي لهم) على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم.
٢- وقال تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) .
وقوله تعالى: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.
أي: في نحوه وأسلوبه، وقيل:
واللّحن أن تميل الكلام إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك، كالتعريض والتورية، كقول الشاعر:
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا واللّحن يعرفه ذوو الألباب ٣- وقال تعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) .
وهو من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم.
وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر وهو الفرد، فشبّه إضاعة عمل العامل، وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام.
стр. 2025
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «محمّد» (ص) «١»
قال تعالى: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) [الآية ١٨] أي: فإنّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.
وقال سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [الآية ٢٢] فإنّ الأوّل للمجازاة، وأوقعت عَسَيْتُمْ على أَنْ تُفْسِدُوا لأنه اسم، ولا يكون أن تعمل فيه (عسيتم) ولا «عسيت» إلّا وفيه «أن» لا تقول «عسيتم الفعل» كما أنّ قولك «لو أنّ زيدا جاء كان خيرا له» فقولك «٢» «أنّ زيدا جاء» اسم، وأنت لا تقول: «لو ذاك» لأنه لا تقع الأسماء كلّها في كل موضع ولا تقع الأفعال كلها على كل الأسماء، ألا ترى أنهم يقولون «يدع» ولا يقولون «ودع» ويقولون «يذر» ولا يقولون «وذر» .
وقال تعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) أي: في أعمالكم، كما تقول: «دخلت البيت» وأنت تريد «في البيت» .
وقال تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ [الآية ٣٨] بجعل التنبيه في موضعين للتوكيد، وكان التنبيه الذي في «هؤلاء» تنبيها لازما.
стр. 2026
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «محمّد» (ص) «١»
إن قيل: لم قال الله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) ولم يسبق ضرب مثل؟
قلنا: معناه كذلك يبيّن الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين، وقيل أراد به أنه جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفّار، واتّباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو أنه جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفّار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين.
فإن قيل: لم قال تعالى في حق الشهداء بعد ما قتلوا في سبيل الله:
سَيَهْدِيهِمْ [الآية ٥] والهداية إنما تكون قبل الموت لا بعده؟
قلنا: معناه سيهديهم إلى محاجّة منكر ونكير. وقيل سيهديهم يوم القيامة إلى طريق الجنة.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى:
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ [الآية ١٥] . إلى قوله تعالى: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ [الآية ١٥] ؟
قلنا: قال الفرّاء: معناه أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار.
وقال غيره تقديره: مثل الجنة الموصوفة كمثل جزاء من هو خالد في النار، فحذف منه ذلك إيجازا واختصارا.
فإن قيل: لم قال ﵎
стр. 2027
للنبي (ص) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (١٩) [الآية ١٩] وهو عالم بذلك قبل أن يوحى إليه، وبعد الوحي؟
قلنا: معناه اثبت على ذلك العلم، وقال الزّجّاج: الخطاب له (ص) ، والمراد أمّته كما ذكرنا في أوّل سورة الأحزاب.
стр. 2028
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «محمّد» (ص) «١»
١- في قوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [الآية ٤] استعارة. والمراد بالأوزار هاهنا الأثقال، وهي آلة الحرب وعتادها من الدروع والمغافر والرّماح والمناصل وما يجري هذا المجرى: لأنّ جميع ذلك ثقل على حامله، وشاقّ على مستعمله. وعلى هذا قول الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا
ومن نسج داوود موضونة «٢» ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا
والمراد بذلك في الظاهر الحرب وفي المعنى أهل الحرب، لأنهم الذين يصح وصفهم بحمل الأثقال ووضعها، ولبس الأسلحة ونزعها.
٢- وفي قوله سبحانه: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) استعارة: لأن العزم لا يوصف بحقيقته إلّا الإنسان المميّز الذي يوطّن النفس على فعل الأمر قبل وقته عقدا بالمشيئة على فعله، فيصحّ أن يسمّى عازما عليه، وإنما قال تعالى: عَزَمَ الْأَمْرُ مجازا أي قويت العزائم على فعله، فصار كالعازم في نفسه. وقال بعضهم معنى عزم الأمر أي جدّ الأمر، ومنه قول النابغة الذّبياني:
стр. 2029
حيّاك ودّ فإنا لا يحلّ لنا لهو النساء لأنّ الدّين قد عزما أي استحكم وجدّ وقوي واشتدّ.
٣- وفي قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) استعارة. والمراد أن قلوبهم كالأبواب المقفلة لا تنفتح لوعظ واعظ، ولا يلج فيها عذل عاذل. وفي لغة العرب أن يقول القائل، إذا وصف نفسه بضيق الصدر وتشعّب الفكر: قلبي مقفل، وصدري ضيّق. وإذا وصف غيره بضدّ هذه الصفات، قال: انفتح قلبه وانفسح صدره وقد يجوز أن يكون المعنى أنّ أسماعهم لا تعي قولا ولا تسمع عذلا وإنما شبّهت الأسماع بالأقفال على القلوب لأنها أبواب عليها. فإذا عرضت على الأسماع كانت كالأقفال الموثقة والأبواب المغلقة.
٤- وفي قوله تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) ، استعارة: ومعناها مأخوذ من الوتر، وهو ما ينقصه الإنسان من مال أو دم وما أشبههما ظلما، فيكسبه ذلك عداوة لفاعله وإرصادا بالمكروه لمستعمليه، فكأنّه تعالى قال: «ولن ينقصكم ثواب أعمالكم، أو لن يظلمكم في الجزاء على أعمالكم فيكون بمنزلة من أودعكم ترة وأطلبكم طائلة» . وقال الأخفش عن قوله تعالى وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) : أي في أعمالكم، كما نقول دخلت البيت، والمراد دخلت في البيت.
стр. 2030
سورة الفتح
стр. 2031
المبحث الأول أهداف سورة «الفتح» «١»
سورة «الفتح» سورة مدنية، نزلت في الطريق بين مكة والمدينة عند الانصراف من الحديبية، وآياتها ٢٩ آية، نزلت بعد سورة الجمعة.
ونلمح، في بداية السورة، فضل الله تعالى على النبي (ص) وصحبه، وآثار نعمائه، جلّ وعلا، على المسلمين.
وقد سبقتها، في ترتيب المصحف، سورة «محمد» التي وصفت ظلم المشركين والمنافقين، وحرّضت المسلمين على الجهاد، وحذرتهم من الخنوع والبعد عن طاعة الله.
وقد نزلت سورة «محمد» في الفترة الأولى من حياة المسلمين بالمدينة. أما سورة «الفتح» ، فقد نزلت في العام السادس من الهجرة، وكان عود المسلمين قد اشتد، وقوتهم قد زادت، وظهر أثر ذلك في بيعة الرضوان التي تمت تحت الشجرة على التضحية والفداء.
صلح الحديبية
رأى رسول الله (ص) في منامه ذات ليلة أنّه دخل المسجد الحرام في أصحابه، آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون عدوّا، فاستبشر بذلك وأخبر أصحابه، فاستبشروا وفرحوا واستعدّوا لزيارة البيت الحرام معتمرين. «وفي ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، خرج النبي (ص) معتمرا لا يريد حربا، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا
стр. 2032
معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدّوه عن البيت. وتخلّف كثير من الأعراب عن مرافقته ظنا أن الحرب لا بدّ واقعة بينه وبين قريش، فخرج رسول الله بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بهم من العرب، وساق معه الهدي سبعين بدنة. وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه إنّما خرج زائرا للبيت ومعظّما له» .
واستخلف رسول الله على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وأخذ معه من نسائه أمّ سلمة، وسار معه ألف وخمسمائة من المسلمين معتمرين، وسيوفهم مغمدة في قربها، فلمّا أصبحوا على مسيرة مرحلتين من مكة لقي النبي (ص) بشر بن سفيان فأنبأه نبأ قريش قائلا:
«يا رسول الله، هذه قريش علمت بمسيرك فخرجوا عازمين على طول الإقامة وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا» .
فقال رسول الله (ص) : «يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين؟
والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد مني هذه السالفة» .
وكان النبي (ص) حريصا على أن يتجنب الحرب مع قريش لأنه خرج متنسّكا معظّما للبيت لا للحرب.
وأرسلت قريش مندوبين عنها فأعلمهم النبي أنه لم يأت محاربا، وإنما جاء معتمرا معظما للبيت.
وأرسل النبي (ص) عثمان بن عفان الى أهل مكة ليخبرهم بمقصد المسلمين فقال لهم: إنّا لم نأت لقتل أحد، وإنّا جئنا زوّارا لهذا البيت، معظّمين لحرمته. ولا نريد إلّا العمرة، فأبت قريش أن يدخل النبي وصحبه مكة، وأذنت قريش لعثمان أن يطوف بالبيت فقال: «لا أطوف ورسول الله ممنوع» ، فاحتبست قريش عثمان، فشاع عند المسلمين أن عثمان قد قتل، فقال (ص) حينما سمع ذلك: «لا نبرح حتّى نناجزهم الحرب» .
بيعة الرضوان
دعا النبي الناس للبيعة على القتال فبايعوه على الموت، تحت شجرة
стр. 2033
هناك سميت «شجرة الرّضوان» . وقد بارك الله هذه البيعة، وأعلن رضاه عن أهلها فقال سبحانه: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الآية ١٨] .
شروط الصلح
علمت قريش بخبر هذه البيعة، فاشتدّ خوفها، وقويت رغبتها في الصلح، وأرسلت سهيل بن عمرو ليفاوض المسلمين بشأن الصلح، وتوصل الطرفان الى معاهدة مشتركة سميت بصلح الحديبية وأهم شروط هذا الصلح ما يأتي:
١- وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين.
٢- من جاء الى محمد من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لا يلزمون بردّه.
٣- من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل فيه.
٤- أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي في العام المقبل فيدخل مكة بأصحابه، ويقيموا بها ثلاثة أيام، ليس معهم من السلاح إلّا السيف في القراب.
وقد كان هذا الصلح مثار اعتراض من بعض كبار المسلمين، لأنهم جاءوا للطواف بالبيت فمنعوا من ذلك، وهم في حال قوة واستعداد لمحاربة قريش.
كما أنّ شروط الصلح أثارت غضب المسلمين، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ فقال بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قال فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا إذن؟ فقال رسول الله (ص) : «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني» .
ولكن أبا بكر كان أكثر الناس وثوقا بما اختاره النبي، وبأن الحكمة والخيرة في اختياره.
ثم وقّع الطرفان على الصلح. وبعد ذلك توافدت قبيلة خزاعة فدخلت في عهد رسول الله وتوافدت قبيلة بكر فدخلت في حلف قريش. وقد كان لهذا الصلح أكبر الأثر في سير الدعوة الإسلامية. فقد اعترفت قريش بالمسلمين، كما سمحت لهم بدخول مكة في العام القادم. ولما دخلوا مكة، شاهدهم أهلها، وسمعوا لقولهم، ورأوا عبادتهم، فتفتّحت قلوبهم
стр. 2034
للإسلام، وقد فتحت مكة بعد عمرة القضاء بسنة واحدة. إذ كان صلح الحديبية سنة ٦ هـ وعمرة القضاء سنة ٧ هـ، وفتح مكة سنة ٨ هـ. كما أن هذا الصلح يسّر للمسلمين نشر الدعوة، وشرح الفكرة، ودعوة الناس الى الإسلام، ومكاتبة الرسل والملوك.
الأحداث وسورة «الفتح»
نزلت سورة «الفتح» في أعقاب صلح الحديبية، فباركت السورة هذا الصلح وجعلته فتحا مبينا وبشرت النبي (ص) بالمغفرة والنصر وإتمام النعمة. وقد فرح النبي الكريم بهذه السورة فرحا شديدا (انظر الآيات ١- ٣) .
واشتملت السورة على بيان فضل الله سبحانه على المسلمين حين أنزل السكينة والأمان والرضا في قلوبهم، كما اعترفت السورة للمؤمنين بزيادة الإيمان ورسوخه، وبشّرتهم بالمغفرة والثواب.
وتوعّدت السورة المنافقين والكفار بالعذاب والنكال (انظر الآيات ٤- ٦) . ثم نوّهت ببيعة الرضوان واعتبارها بيعة الله، وربط قلوب المؤمنين مباشرة بربهم من هذا الطريق بهذا الرباط المتصل مباشرة بالله الحي الباقي الذي لا يموت [الآية ١٠] .
وبمناسبة البيعة والنكث، التفت السياق الى الأعراب الذين تخلّفوا عن الخروج، ليفضح معاذيرهم، ويكشف ما جال في خاطرهم من سوء الظن بالله، ومن توقع السوء للرسول ومن معه، والتفت السياق، أيضا، إلى توجيه الله تعالى الرسول (ص) الى ما ينبغي أن يكون موقفه منهم في المستقبل، وذلك بأسلوب يوحي بقوة المسلمين وضعف المخلّفين كما يوحي بأن هناك غنائم وفتوحا قريبة يسيل لها لعاب المخلّفين المتباطئين [انظر الآيات ١١- ١٧] .
الله يبارك بيعة الرضوان
كان الربع الثاني من سورة الفتح تمجيدا لهؤلاء الصفوة من الرجال، وتسجيلا لرضوان الله عليهم حين بايعوا رسول الله (ص) تحت الشجرة، والله حاضر هذه البيعة وشاهدها وموثقها، ويده فوق أيديهم فيها، تلك المجموعة التي حظيت بتلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الالهي: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ
стр. 2035
تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
(١٨) .
تلك المجموعة التي سمعت رسول الله (ص) يقول لها عند البيعة. «أنتم اليوم خير أهل الأرض» .
تبدأ الآيات [١٨- ٢٩] بحديث من الله الى رسول الله (ص) عن هؤلاء الصّفوة الذين بايعوا تحت الشجرة، ثم بحديث مع هؤلاء الصفوة يبشّرهم بما أعدّ لهم من مغانم كثيرة وفتوح، وبما أحاطهم به من رعاية وحماية في هذه الرحلة وفيما سيتلوها، ويندد بأعدائهم الذين كفروا تنديدا شديدا، ويكشف لهم عن حكمته في اختيار الصلح والمهادنة في هذا العام، ويؤكد لهم صدق الرؤيا التي رآها رسول الله (ص) عن دخول المسجد الحرام، وأن المسلمين سيدخلونه آمنين لا يخافون، وأن دينه سيظهر على الدين كله في الأرض بأسرها.
ظهور الإسلام
لقد صدقت رؤيا رسول الله (ص) ، وتحقّق وعد الله للمسلمين بدخول المسجد الحرام آمنين، ثم كان الفتح في العام الذي يليه، وظهر دين الله في مكة، ثم ظهر في الجزيرة كلها بعد ذلك، ثم تحقق وعد الله وبشراه الأخيرة حيث يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) .
فلقد ظهر دين الحق، لا في الجزيرة وحدها، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها، قبل مضي نصف قرن من الزمان. ظهر في إمبراطورية كسرى كلها، وفي قسم كبير من إمبراطورية قيصر، وظهر في الهند وفي الصين، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها، وفي جزر الهند الشرقية (أندونيسيا) ... وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي.
وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله، حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض، وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس الى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان.
أجل، ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله من حيث هو دين، فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته،