← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

المبحث الأول أهداف سورة «الفتح» «١» سورة «الفتح» سورة مدنية، نزلت في الطريق بين مكة والمدينة عند الانصراف من الحديبية، وآياتها ٢٩ آية، نزلت بعد سورة الجمعة. ونلمح، في بداية السورة، فضل الله تعالى على النبي (ص) وصحبه، وآثار نعمائه، جلّ وعلا، على المسلمين. وقد سبقتها، في ترتيب المصحف، سورة «محمد» التي وصفت ظلم المشركين والمنافقين، وحرّضت المسلمين على الجهاد، وحذرتهم من الخنوع والبعد عن طاعة الله. وقد نزلت سورة «محمد» في الفترة الأولى من حياة المسلمين بالمدينة. أما سورة «الفتح» ، فقد نزلت في العام السادس من الهجرة، وكان عود المسلمين قد اشتد، وقوتهم قد زادت، وظهر أثر ذلك في بيعة الرضوان التي تمت تحت الشجرة على التضحية والفداء. صلح الحديبية رأى رسول الله (ص) في منامه ذات ليلة أنّه دخل المسجد الحرام في أصحابه، آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون عدوّا، فاستبشر بذلك وأخبر أصحابه، فاستبشروا وفرحوا واستعدّوا لزيارة البيت الحرام معتمرين. «وفي ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، خرج النبي (ص) معتمرا لا يريد حربا، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا

стр. 2032

معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدّوه عن البيت. وتخلّف كثير من الأعراب عن مرافقته ظنا أن الحرب لا بدّ واقعة بينه وبين قريش، فخرج رسول الله بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بهم من العرب، وساق معه الهدي سبعين بدنة. وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه إنّما خرج زائرا للبيت ومعظّما له» . واستخلف رسول الله على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وأخذ معه من نسائه أمّ سلمة، وسار معه ألف وخمسمائة من المسلمين معتمرين، وسيوفهم مغمدة في قربها، فلمّا أصبحوا على مسيرة مرحلتين من مكة لقي النبي (ص) بشر بن سفيان فأنبأه نبأ قريش قائلا: «يا رسول الله، هذه قريش علمت بمسيرك فخرجوا عازمين على طول الإقامة وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا» . فقال رسول الله (ص) : «يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين؟ والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد مني هذه السالفة» . وكان النبي (ص) حريصا على أن يتجنب الحرب مع قريش لأنه خرج متنسّكا معظّما للبيت لا للحرب. وأرسلت قريش مندوبين عنها فأعلمهم النبي أنه لم يأت محاربا، وإنما جاء معتمرا معظما للبيت. وأرسل النبي (ص) عثمان بن عفان الى أهل مكة ليخبرهم بمقصد المسلمين فقال لهم: إنّا لم نأت لقتل أحد، وإنّا جئنا زوّارا لهذا البيت، معظّمين لحرمته. ولا نريد إلّا العمرة، فأبت قريش أن يدخل النبي وصحبه مكة، وأذنت قريش لعثمان أن يطوف بالبيت فقال: «لا أطوف ورسول الله ممنوع» ، فاحتبست قريش عثمان، فشاع عند المسلمين أن عثمان قد قتل، فقال (ص) حينما سمع ذلك: «لا نبرح حتّى نناجزهم الحرب» . بيعة الرضوان دعا النبي الناس للبيعة على القتال فبايعوه على الموت، تحت شجرة

стр. 2033

هناك سميت «شجرة الرّضوان» . وقد بارك الله هذه البيعة، وأعلن رضاه عن أهلها فقال سبحانه: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الآية ١٨] . شروط الصلح علمت قريش بخبر هذه البيعة، فاشتدّ خوفها، وقويت رغبتها في الصلح، وأرسلت سهيل بن عمرو ليفاوض المسلمين بشأن الصلح، وتوصل الطرفان الى معاهدة مشتركة سميت بصلح الحديبية وأهم شروط هذا الصلح ما يأتي: ١- وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين. ٢- من جاء الى محمد من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لا يلزمون بردّه. ٣- من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل فيه. ٤- أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي في العام المقبل فيدخل مكة بأصحابه، ويقيموا بها ثلاثة أيام، ليس معهم من السلاح إلّا السيف في القراب. وقد كان هذا الصلح مثار اعتراض من بعض كبار المسلمين، لأنهم جاءوا للطواف بالبيت فمنعوا من ذلك، وهم في حال قوة واستعداد لمحاربة قريش. كما أنّ شروط الصلح أثارت غضب المسلمين، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ فقال بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قال فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا إذن؟ فقال رسول الله (ص) : «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني» . ولكن أبا بكر كان أكثر الناس وثوقا بما اختاره النبي، وبأن الحكمة والخيرة في اختياره. ثم وقّع الطرفان على الصلح. وبعد ذلك توافدت قبيلة خزاعة فدخلت في عهد رسول الله وتوافدت قبيلة بكر فدخلت في حلف قريش. وقد كان لهذا الصلح أكبر الأثر في سير الدعوة الإسلامية. فقد اعترفت قريش بالمسلمين، كما سمحت لهم بدخول مكة في العام القادم. ولما دخلوا مكة، شاهدهم أهلها، وسمعوا لقولهم، ورأوا عبادتهم، فتفتّحت قلوبهم

стр. 2034

للإسلام، وقد فتحت مكة بعد عمرة القضاء بسنة واحدة. إذ كان صلح الحديبية سنة ٦ هـ وعمرة القضاء سنة ٧ هـ، وفتح مكة سنة ٨ هـ. كما أن هذا الصلح يسّر للمسلمين نشر الدعوة، وشرح الفكرة، ودعوة الناس الى الإسلام، ومكاتبة الرسل والملوك. الأحداث وسورة «الفتح» نزلت سورة «الفتح» في أعقاب صلح الحديبية، فباركت السورة هذا الصلح وجعلته فتحا مبينا وبشرت النبي (ص) بالمغفرة والنصر وإتمام النعمة. وقد فرح النبي الكريم بهذه السورة فرحا شديدا (انظر الآيات ١- ٣) . واشتملت السورة على بيان فضل الله سبحانه على المسلمين حين أنزل السكينة والأمان والرضا في قلوبهم، كما اعترفت السورة للمؤمنين بزيادة الإيمان ورسوخه، وبشّرتهم بالمغفرة والثواب. وتوعّدت السورة المنافقين والكفار بالعذاب والنكال (انظر الآيات ٤- ٦) . ثم نوّهت ببيعة الرضوان واعتبارها بيعة الله، وربط قلوب المؤمنين مباشرة بربهم من هذا الطريق بهذا الرباط المتصل مباشرة بالله الحي الباقي الذي لا يموت [الآية ١٠] . وبمناسبة البيعة والنكث، التفت السياق الى الأعراب الذين تخلّفوا عن الخروج، ليفضح معاذيرهم، ويكشف ما جال في خاطرهم من سوء الظن بالله، ومن توقع السوء للرسول ومن معه، والتفت السياق، أيضا، إلى توجيه الله تعالى الرسول (ص) الى ما ينبغي أن يكون موقفه منهم في المستقبل، وذلك بأسلوب يوحي بقوة المسلمين وضعف المخلّفين كما يوحي بأن هناك غنائم وفتوحا قريبة يسيل لها لعاب المخلّفين المتباطئين [انظر الآيات ١١- ١٧] . الله يبارك بيعة الرضوان كان الربع الثاني من سورة الفتح تمجيدا لهؤلاء الصفوة من الرجال، وتسجيلا لرضوان الله عليهم حين بايعوا رسول الله (ص) تحت الشجرة، والله حاضر هذه البيعة وشاهدها وموثقها، ويده فوق أيديهم فيها، تلك المجموعة التي حظيت بتلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الالهي: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ

стр. 2035

تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) . تلك المجموعة التي سمعت رسول الله (ص) يقول لها عند البيعة. «أنتم اليوم خير أهل الأرض» . تبدأ الآيات [١٨- ٢٩] بحديث من الله الى رسول الله (ص) عن هؤلاء الصّفوة الذين بايعوا تحت الشجرة، ثم بحديث مع هؤلاء الصفوة يبشّرهم بما أعدّ لهم من مغانم كثيرة وفتوح، وبما أحاطهم به من رعاية وحماية في هذه الرحلة وفيما سيتلوها، ويندد بأعدائهم الذين كفروا تنديدا شديدا، ويكشف لهم عن حكمته في اختيار الصلح والمهادنة في هذا العام، ويؤكد لهم صدق الرؤيا التي رآها رسول الله (ص) عن دخول المسجد الحرام، وأن المسلمين سيدخلونه آمنين لا يخافون، وأن دينه سيظهر على الدين كله في الأرض بأسرها. ظهور الإسلام لقد صدقت رؤيا رسول الله (ص) ، وتحقّق وعد الله للمسلمين بدخول المسجد الحرام آمنين، ثم كان الفتح في العام الذي يليه، وظهر دين الله في مكة، ثم ظهر في الجزيرة كلها بعد ذلك، ثم تحقق وعد الله وبشراه الأخيرة حيث يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) . فلقد ظهر دين الحق، لا في الجزيرة وحدها، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها، قبل مضي نصف قرن من الزمان. ظهر في إمبراطورية كسرى كلها، وفي قسم كبير من إمبراطورية قيصر، وظهر في الهند وفي الصين، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها، وفي جزر الهند الشرقية (أندونيسيا) ... وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي. وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله، حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض، وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس الى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان. أجل، ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله من حيث هو دين، فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته،

стр. 2036

الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله، لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة، ومع نواميس الوجود الاصلية، ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدم، وحاجات البيئات المتنوعة من ساكني الاكواخ الى ناطحات السحاب وما من صاحب دين غير الإسلام، ينظر في الإسلام نظرة مجرّدة من التعصب والهوى من غير أن يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة. وصف الصحابة في ختام سورة الفتح نجد صورة مشرقة للنبي الكريم وصحبه الأبرار، فهم أقوياء في الحق، أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم وهم في الباطن أقوياء في العقيدة، يملأ صدورهم اليقين فتراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. وقد ظهر نور الإيمان عليهم في سمتهم وسحنتهم وسماتهم. سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية. هذه الصورة الوضيئة ثابتة لهم في لوحة القدر، فقد وردت صفتهم في التوراة التي أنزلها الله سبحانه، على موسى (ع) . أما صفتهم في الإنجيل فهي صورة زرع نام قوي، يخرج فروعه بجواره، وهذه الفروع تشدّ أزره، وتساعده حتى يصبح الزرع ضخما مستقيما قويّا سويّا، يبعث في النفوس البهجة والإعجاب. قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) . مقاصد السورة الاجمالية قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة «الفتح» ما يأتي: «وعد الله الرسول (ص) بالفتح والغفران، وإنزال السكينة على أهل الايمان، وإيعاد المنافقين بعذاب

стр. 2037

الجحيم ووعد المؤمنين بنعيم الجنان، والثناء على سيّد المرسلين، وذكر العهد وبيعة الرضوان، وذكر ما للمنافقين من الخذلان، وبيان عذر المعذورين، والمنّة على الصحابة بالنصر، وصدق رؤيا سيد المرسلين، وتمثيل حال النبي والصحابة بالزرع والزرّاع في البهجة والنضارة وحسن الشأن» . روى مسلم عن أنس عن ابن عبّاس ﵁، قال: «لما نزلت سورة «الفتح» قال رسول الله (ص) لقد أنزل عليّ سورة هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها» .

стр. 2038

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفتح» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «الفتح» بعد سورة «الجمعة» ، وكان نزولها في الطريق عند الانصراف من الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فتكون من السور التي نزلت فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) وتبلغ آياتها تسعا وعشرين آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة التنويه بشأن صلح الحديبية، لأنّ قريشا سعت إليه بعد بيعة الرضوان، فظهر ضعفها وخضوعها بعد إبائها، وبدأ تخاذلها بعد بيعة المسلمين على الموت، وهذا كان فتحا مبينا للمسلمين، وتمهيدا لفتح مكة بعد ذلك في السنة الثامنة من الهجرة وبهذا وفي الله بوعده بنصرهم في السورة السابقة. التنويه بصلح الحديبية الآيات [١- ٢٩] قال الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) فجعل صلح الحديبية فتحا مبينا للنبي (ص) ، وقيل إنه يقصد بذلك فتح مكة، لأن هذا الصلح كان تمهيدا لفتحها ثم ذكر سبحانه أنه هو

стр. 2039

الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين حينما أبت قريش عليهم أن يدخلوا مكة ليؤدّوا عمرتهم، فلم يهنوا أو لم يرتدّوا على أعقابهم، بل وقفوا ينتظرون ما يكون بعد تبادل الرسل بينهم وبين قريش، وقد وعدهم على هذا بما وعدهم، وأوعد المنافقين الذين تخلفوا عنهم وظنّوا أنهم لن يرجعوا إليهم، ثم مدح الذين بايعوا الرسول (ص) على الموت تحت شجرة الرّضوان حينما أشيع أن قريشا قتلت عثمان بن عفان، وكان النبي (ص) قد أرسله إليها، وذكر أن الذين بايعوه على ذلك إنما بايعوه ويد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بعهده فسيؤتيه أجرا عظيما. ثم ذكر أن أولئك المتخلّفين من المنافقين سيعتذرون بأنهم اشتغلوا بأموالهم وأهليهم، وذكر أنهم كاذبون في اعتذارهم، وأوعدهم على ذلك بما أوعدهم، ثم ذكر جلّ وعلا أنهم سيطلبون من النبي (ص) بعد أن رأوا ظهور أمره أن ينطلقوا معه إلى القتال طمعا في الغنائم، وأمره ألّا يمكّنهم من الانطلاق معه، وأن يبيّن لهم أن القتال طمعا في الغنائم ليس طريقا لقبول توبتهم، وإنما طريق ذلك أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد- ولعلهم يهود خيبر- فإن يطيعوا أمر الله، سبحانه، في قتالهم يؤتهم أجرا حسنا، وإن يتولوا كما تولّوا من قبل يعذبهم عذابا أليما، واستثنى منهم صاحب العذر من الأعمى والأعرج والمريض، ثم عاد السّياق إلى أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة فذكر أن الله ﷻ رضي عنهم، وأنه سيثيبهم فتحا قريبا هو فتح خيبر، وهذا إلى مغانم كثيرة يأخذونها بعدها، وقد عجّل لهم فتح خيبر بعد أن كفّ أيدي قريش عنهم بذلك الصلح، وهناك غنيمة أخرى لم يقدروا عليها هذه المدة وهي مكة، وقد أحاط بها بفتح ما حولها ثم ذكر أنه لو لم يعقد هذا الصلح وقاتلتهم قريش لانتصروا عليها، كما هي سنّته في نصر أوليائه على أعدائه، ولكنه أراد ذلك الصلح وكفّ الفريقين عن القتال من بعد أن أظهر المؤمنين عليهم، لأنّ مكة كانت لا يزال بها فريق من المسلمين لم يهاجروا إلى المدينة، فلو دخلها المسلمون عنوة لأصابوهم مع المشركين، ولهذا اقتضت إرادته ذلك، لتكتمل هجرة من بقي بمكة من المسلمين ولو تميزوا فيها من المشركين

стр. 2040

لما كفّ المسلمين عنهم، ولعذّبهم عذابا أليما. ثم عاد السياق إلى ذكر فضله تعالى عليهم في ذلك الصلح، فأمرهم أن يذكروا إحسانه إليهم إذ ثارت حميّة الجاهلية في قلوب قريش وصدّوهم عن عمرتهم، فأنزل سكينته عليهم فلم يغضبوا ولم ينهزموا بل صبروا، وكانوا أحق بهذا من أولئك الذين ثارت فيهم حميّة الجاهلية ثم ذكر أنه حقق بذلك الصلح رؤيا النبي (ص) أنهم دخلوا المسجد الحرام محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، لأنهم اتّفقوا فيه على أن يرجع المسلمون هذا العام ويعتمروا في العام المقبل. فعلم، سبحانه، من ذلك الصلح ما لم يعلموا، وجعل من دونه فتحا قريبا (فتح خيبر) وإنما يفعل ذلك لأنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) .

стр. 2041

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الفتح» «١» لا يخفى وجه حسن وضعها هنا، لأن الفتح بمعنى النصر، مرتّب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها مبينة لما يفعل بالرسول (ص) وبالمؤمنين، بعد إيهامه في قوله تعالى في الأحقاف: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ «٢» [الأحقاف/ ٩] فكانت متصلة بسورة الأحقاف من هذه الجملة.

стр. 2042

المبحث الرابع مكنونات سورة «الفتح» «١» ١- سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [الآية ١١] قال مجاهد: هم: جهينة ومزينة. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . وأخرج عن مقاتل: أنهم خمس قبائل. ٢- سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الآية ١٦] . قال ابن عباس: هم فارس. وقال سعيد بن جبير: أهل هوازن «٣» وقال الضّحّاك: ثقيف. وقال جويبر: مسيلمة وأصحابه. أخرجها كلّها ابن أبي حاتم «٤» . ٣- لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الآية ١٨] . أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي: أنه سئل كم كان أهل الشجرة عند بيعة الرّضوان؟ قال: كانوا ألفا وخمسمائة

стр. 2043

وخمسا وعشرين. وأخرج البخاري عن أبي الزبير قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنّا زهاء ألف وخمسمائة. وأخرج مسلم «١» عن معقل بن يسار: أنهم كانوا ألفا وأربعمائة. وأخرج الشيخان «٢» عن ابن أبي أوفى قال: كنّا يوم الشجرة ألفا وثلاثمائة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث سلمة بن الأكوع: أن الشجرة سمرة «٣» . ٤- وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) . قال ابن أبي ليلى: فتح خيبر «٤» وقال السّدّي: مكة. أخرجهما ابن أبي حاتم. ٥- وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها [الآية ٢١] . قال ابن أبي ليلى: فارس، والروم. أخرجه ابن أبي حاتم «٥» . ٦- وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الآية ٢٤] . نزلت في ثمانين من أهل مكة، هبطوا على النبي (ص) من التّنعيم «٦» ليقتلوه. أخرجه التّرمذي «٧» من حديث أنس.

стр. 2044

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الفتح» «١» قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ [الآية ٩] أي: تقوّوه بالنّصرة. أقول: وهذا ما لا نعرفه في العربية المعاصرة. وفي عامية العراقيين التعزير ضرب من التأنيب. ٢- وقال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الآية ٢٥] . وقوله سبحانه: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي: محبوسا عن أن يباع. أقول: وهذا معنى لا نعرفه وهو من كلم القرآن، وكلّه فرائد. ٣- وقال تعالى: أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ٢٥] . أي: يصيبكم ما تكرهون، ويشقّ عليكم. والمعرّة بهذا المعنى أي: المصيبة، وما يعتريكم من نازلة أو داهية شيء غير «المعرّة» في العربية المعاصرة التي تعني السوء والقبح. ٤- وقال تعالى: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) . والمراد بقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا، لو تفرّقوا وتميّز بعضهم من بعض: من زاله يزيله. وقرئ: (لو تزايلوا) .

стр. 2045

٥- وقال تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ [الآية ٢٩] . وقوله سبحانه: شَطْأَهُ أي: فراخه. ويقال أشطأ الزرع إذا فرّخ. وقوله : فَآزَرَهُ من المؤازرة وهي المعاونة.

стр. 2046

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الفتح» «١» قال تعالى: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً [الآية ٢٥] على وصدّوا وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً كراهية أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. وقال تعالى: أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ [الآية ٢٩] يريد «أفعله» من «الإزارة» . وقال تعالى: أَنْ تَطَؤُهُمْ [الآية ٢٥] على البدل «لولا رجال أن تطئوهم» .

стр. 2047

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الفتح» «١» إن قيل: لم جعل فتح مكة علة للمغفرة، فقال تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ؟ قلنا: لم يجعله علة للمغفرة بل لاجتماع ما وعده من الأمور الأربعة، وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز. وقبل الفتح لم يكن إتمام النعمة والنصر العزيز حاصلا، وإن كان الباقي حاصلا. ويجوز أن يكون فتح مكة سببا للمغفرة من حيث هو جهاد للعدو. فإن قيل: قوله تعالى: ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الآية ٢] إن كان المراد بما تأخّر ذنبا يتأخّر وجوده عن الخطاب بهذه الآية فهو معدوم عند نزولها، فكيف يغفر الذنب المعدوم، وإن كان المراد به ذنبا وجد قبل نزولها فهو متقدم فلم سماه متأخرا؟ قلنا: المراد بما تقدم قصة مارية، وبما تأخر قصة امرأة زيد. وقيل المراد بما تقدم ما وجد منه، وبما تأخّر ما لم يوجد منه على معنى أنه موعود بمغفرته على تقدير وجوده، أو على طريق المبالغة كقولهم: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه بمعنى يضرب كل أحد، فكذا هنا معناه ليغفر لك الله كل ذنب: فالحاصل أن الذنب المتأخّر متقدّم على نزول الآية، وإن كان متأخّرا بالنسبة إلى شيء آخر قبله، أو متأخّرا عن نزولها وهو موعود بمغفرته، أو على طريق المبالغة كما بيّنا.

стр. 2048

فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وهو مهديّ إلى الصراط المستقيم، ومهديّة به أمته أيضا. قلنا: معناه ويزيدك هدى وقيل ويثبّتك على الهدى، وقيل معناه ويهديك صراطا مستقيما في كل أمر تحاوله. فإن قيل: كيف يقال إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وقد قال الله تعالى: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الآية ٤] قلنا: الإيمان الذي يقال إنه لا يقبل الزيادة والنقصان هو الإقرار بوجود الله تعالى، كما أن إلهيته سبحانه، لا تقبل الزيادة والنقصان فأما الإيمان بمعنى الأمن أو اليقين أو التصديق فإنّه يقبلهما وهو في الآية بمعنى التصديق، لأنهم بسبب السكينة التي هي الطمأنينة وبرد اليقين كلما نزلت فريضة وشريعة صدّقوا بها فازدادوا تصديقا مع تصديقهم. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَأَهْلَها [الآية ٢٦] بعد قوله جلّ وعلا وَكانُوا أَحَقَّ بِها [الآية ٢٦] ؟ قلنا الضمير في «بها» لكلمة التوحيد، وفي «أهلها» للتقوى فلا تكرار. فإن قيل: ما وجه تعليق الدخول بمشيئة الله تعالى في أخباره ، حتّى قال: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [الآية ٢٧] . قلنا: فيه وجوه: أحدها أن «إن» بمعنى إذ، كما في قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧٨) [البقرة] . الثاني: أنه استثناء من الله تعالى فيما يعلم تعليما لعباده أن يستثنوا فيما لا يعلمون. الثالث: أنه على سبيل الحكاية لرؤيا النبي (ص) فإنه رأى أن قائلا يقول له لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الآية ٢٧] . الرابع: أن الاستثناء متعلق بقوله تعالى آمِنِينَ [الآية ٢٧] . فأما الدخول فليس فيه تعليق. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: لا تَخافُونَ [الآية ٢٧] بعد قوله سبحانه: آمِنِينَ [الآية ٢٧] ؟ قلنا: معناه آمنين في حال الدّخول، لا تخافون عدوكم أن يخرجكم منه في المستقبل.

стр. 2049

فإن قيل: قوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الآية ٢٩] تعليل لأي شيء؟ قلنا: لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وقوّتهم، كأنه قال: إنما كثّرهم وقوّاهم ليغيظ بهم الكفار. فإن قيل: لم قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) ، وكل أصحاب النبي (ص) موصوفون بالإيمان والعمل الصالح وبغيرهما من الصفات الحميدة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فما معنى التبعيض هنا؟ قلنا: «من» هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، كما في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج/ ٣٠] .

стр. 2050

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الفتح» «١» ١- في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الآية ١٠] . استعارة، واليد هاهنا تعرف على وجوه: أحدها أن يكون المعنى عقد البيعة فوق عقدهم. وقيل المراد قوّة الله تعالى في نصرة نبيه (ص) فوق قوّة نصرتهم. وقيل اليد هاهنا بمعنى السلطان والقدرة كما يقول القائل فلان تحت يد فلان أي تحت سلطانه وأمره. فيكون المعنى أنّ سلطان الله تعالى في هذا الأمر فوق سلطانهم، وأمره فوق أمرهم. وقيل في ذلك وجه آخر، وهو أن العادة جارية في المبايعات والمعاقدات أن تقع الصفقة بالأيدي من البائع والمشتري. ومن هناك قالوا صفقة رابحة وصفقة خاسرة، فقيل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ذهابا إلى هذا المعنى، كأنه سبحانه قال: فالذي أعطاكم الله، في هذه المبايعة، أعلى ممّا أعطيتم وأجلّ وأربح وأفضل. ٢- وفي قوله تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [الآية ٢٩] استعارة لأنه شبّه أصحاب النبي (ص) في تضافرهم وتآزرهم واشتدادهم وأضدادهم «٢» بالزرع الملتفّ المتكاثف الذي يقوّى بعضه ببعض ويستند بعضه إلى بعض. وشطأ الزّرع خرجت أفرخه التي تنبت الى أصوله. ويقال شطأه ممدود،

стр. 2051

ويقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا أفرخ. ومعنى آزره أي صار فراخ الزرع له أزرا وقوّة ودعاما ومسكة. وقيل: شطأه سنبله فيكون المراد هو آزره حب السّنبل بعضه لبعض، حتى تشتد كل حبة بأختها. والتأويلان متقاربان وقوله تعالى: فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ، أي قوي وغلظ واستقام على نصبه، كما يا قوم القائم على ساقه، ويعتمد على قدمه وهذه استعارة أخرى.

стр. 2052

سورة الحجرات

стр. 2053

المبحث الأول أهداف سورة «الحجرات» «١» الآداب العامة هذه سورة الآداب العامة ومكارم الأخلاق والتهذيب والتأديب، سورة هذّبت وجدان المسلمين، وحركت فيهم دوافع الخير والمعروف، وحاربت نوازع السخرية والاستهزاء بالآخرين، وحثّت على إزالة أسباب الخصام والبغضاء، وحرصت على تأليف القلوب وإشاعة المحبة والمودّة بين الناس، ولذلك نهت عن ظن السوء بالمسلم المخلص، وعن تتبّع العورات المستورة، وعن الغيبة واللّمز والتّنابز بالألقاب. وبيّنت أنّ النّاس جميعا عند الله سواء، كلهم لآدم، وآدم من تراب فهم يتفاضلون عنده، سبحانه، بالتقوى، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح. منهج الحياة سورة «الحجرات» يمكن أن تكون دائرة معارف شاملة لتربية الفرد وتهذيب الجماعة، فهي تقدّم منهجا للحياة السليمة، ونظاما تربويّا ناجحا لمواطن صالح مؤمن بربه، يحترم دينه ويؤدّي شعائره. جاء في كتاب «ظلال القرآن» ما يأتي: «هذه سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود

стр. 2054

والانسانية، حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية، وآمادا بعيدة، وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة، وتشمل، من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات. «وهي تبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبير والتفكير. وأول ما يبرز للنظر، عند مطالعة السورة: أنها تستقل بوضع معالم كاملة لعالم رفيع كريم نظيف سليم، متضمّنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يا قوم عليها هذا العالم، والتي تكفل قيامه أولا وصيانته أخيرا، عالم يصدر عن الله، ويتجه الى الله، ويليق أن ينتسب الى الله، عالم نقي القلب نظيف المشاعر، عفّ اللسان، وقبل ذلك عفّ السريرة، عالم له أدب مع الله وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره، أدب في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه، وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته، وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتّسق معه. فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره، وتتلاقى شرائعه ومشاعره، وتتوازن دوافعه وزواجره، وتتناسق أحاسيسه وخطاه وهو يتجه ويتحرك الى الله. ومن ثمّ لا يوكل قيام هذا العالم الرفيع الكريم النظيف السليم وصيانته، لمجرد أدب الضمير ونظافة الشعور، ولا يوكل كذلك لمجرد التشريع والتنظيم، بل يلتقي هذا بذاك في انسجام وتناسق، كذلك لا يوكل لشعور الفرد وجهده، كما لا يترك لنظم الدولة وإجراءاتها، بل يلتقي فيه الأفراد بالدولة، والدولة بالافراد، وتتلاقى واجباتهما ونشاطهما في تعاون واتّساق» «١» . معاني السورة اشتملت السورة على طائفة كريمة من المعاني الإسلامية والآداب الدينية، فقد أمرت المسلمين ألا يصدروا في أحكامهم إلّا عن طاعة الله والتزام أوامره، ويجب ألا يسبقوا أحكام الله، وأن يجعلوا اختيارهم وذوقهم الديني تابعا لهدى الله.

стр. 2055

وهي تأمرهم بالتزام الأدب أمام النبي الكريم، وبحسن المعاملة وخفض الصوت عند خطاب الرسول الأمين، لأنه هو خاتم المرسلين، وهو الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وربّى المسلمين تربية إلهية، حتى صاروا خير أمة أخرجت للناس [الآيات ٢- ٥] . وتأمر السورة المسلمين أن يتثبّتوا في أحكامهم، وألا يصدّقوا أخبار الفاسقين وإشاعات المغرضين وأراجيف المرجفين، فالرسول معهم، وهدى القرآن والسنّة بين أيديهم، وحقائق الإيمان وأحكامه واضحة أمامهم، وقد حبّب الله إليهم الإيمان وحجب عنهم الكفر والعصيان فلله الفضل والمنّة، وهو العليم بعباده الحكيم في أفعاله [الآيات ٦- ٨] . والمؤمنون أمّة واحدة، ربّهم واحد وقبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، ودينهم يا قوم على التسامح والتعاون والتناصح. فإذا حدث خلاف بين طائفتين، أو قتال ونزاع، فمن الواجب أن نحاول الصلح بينهما وإذا أصرّت إحدى الطائفتين على البغي والعدوان فمن الواجب أن نقف في وجه المعتدي حتى يفيء الى الحق، وعلينا أن نؤكّد مفاهيم الحق والعدل، وأن نحثّ على الإصلاح ورأب الصّدع، حفاظا على وحدة الأمة، وجمع شمل المسلمين [الآيات ٩- ١٠] . وتأمر الآيات بالبعد عن السخرية والاستهزاء بالآخرين، فالإنسان إنسان بمخبره وإنسانيته لا بمظهره وتعاليه. وهناك قيم حقيقية لمقادير الناس، هي حسن صلتهم بالله ورضى الله عنهم. فقد يسخر الغني من الفقير، والقوي من الضعيف، وقد تسخر الجميلة من القبيحة، والشابة من العجوز، والمعتدلة من المشوّهة. ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست المقياس. فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين، وربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه. وتحرّم الآيات كذلك اللمز والسخرية بالآخرين، والتنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها ويحسّون فيها مهانة وعيبا. فشتّان ما بين آداب الإيمان، وما بين الفسوق والعصيان، وظلم الآخرين [الآية ١١] . وتستمر الآيات فتنهى عن ظنّ السوء، وعن تتبّع عورات الناس حتّى يعيش الناس آمنين على بيوتهم وأسرارهم، وحتّى تصان حقوقهم

стр. 2056

وحرّيّاتهم، وتنهى عن الغيبة وتحذّر منها، وتبيّن أنّ الناس جميعا خلقوا من أصل واحد، ثم تفرعت بهم الشعوب والقبائل، والعلاقة بين الناس أساسها التعارف على الخير، وأكرم الناس عند الله أكثرهم تقوى وطاعة لأمره والتزاما بهديه [الآيات ١٢- ١٣] . الإيمان قول وعمل وفي ختام السورة نجد لوحة هادفة، ترسم معالم الايمان. فالمؤمن الحق من آمن بالله ورسوله، ولم يتطرق الشك الى قلبه، وأتبع ذلك بالجهاد والعمل على نصرة الإسلام، وسار في طريق العقيدة السليمة والتزم بآدابها وهديها. ونجد صورة نابية للأعراب الذين افتخروا بالإيمان، وتظاهروا به رياء وسمعة، وجاءوا في تيه وخيلاء يمنّون على النبي أنّهم دخلوا في الإسلام، وهي صورة كريهة فيها الرياء والسمعة والمنة، مع أن الله هو العليم بنفوسهم والبصير بخباياهم، وهو صاحب الفضل والمنّة عليهم إن كانوا صادقين. إن المؤمنين الصادقين هم الذين آمنوا بالله ربّا، واختاروا الإسلام دينا، وصدّقوا بمحمد (ص) نبيّا ورسولا، وجمعوا بين صدق اليقين وأدب السلوك [الآيات ١٤- ١٨] . وفي الحديث الشريف: «ليس الإيمان بالتمنّي ولكن ما وقر في القلب وصدق في العمل» . الهدف الاجمالي للسورة قال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة الحجرات ما يأتي: «المحافظة على أمر الحق تعالى، ومراعاة حرمة الأكابر، والتّؤدة في الأمور، واجتناب التهوّر، والنجدة في إغاثة المظلوم، والاحتراز عن السخرية بالخلق والحذر عن التجسّس والغيبة وترك الفخر بالأحساب والأنساب، والتحاشي عن المنّة على الله بالطاعة» . «وقد تكرّر خطاب المؤمنين في السورة خمس مرات، بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا والمخاطبون هم المؤمنون في الآيات [١ و ٢ و ٦ و ١١ و ١٢] والمخاطب به أمر ونهي، وفي الآية [١٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ والمخاطب به المؤمنون والكافرون حيث قال سبحانه: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الآية ١٣] والنّاس كلّهم في ذلك شرع سواء» .

стр. 2057

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الحجرات» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة «الحجرات» بعد سورة «المجادلة» ، ونزلت سورة «المجادلة» بعد سورة «المنافقون» ، ونزلت سورة «المنافقون» في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة من الهجرة، فيكون نزول سورة «الحجرات» فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وتبلغ آياتها ثماني عشرة آية. الغرض منها وترتيبها الغرض من هذه السورة إرشاد المؤمنين إلى بعض الآداب في حق الله والرسول، إلى آداب أخرى ذكرت فيها مع هذه الآداب. وقد حصل من المؤمنين في صلح الحديبية أن اعترضوا على بعض ما جاء فيه، وأنهم لم يبادروا الى امتثال أمر النبي (ص) لهم أن يحلقوا أو ينحروا ليتحلّلوا من عمرتهم، فجاءت سورة الحجرات عقب سورة «الفتح» التي ذكر فيها ذلك الصلح إرشادا للمؤمنين إلى تلك الآداب، حتى لا يعودوا الى ما وقع منهم من الاعتراض على النبي (ص) ، ومن عدم المبادرة الى امتثال أمره.

стр. 2058

أدب المؤمنين مع الله ورسوله الآيات [١- ٥] قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) فذكر من أدب المؤمنين مع الله ورسوله ألّا يتقدموا عليهما بالرأي، وألّا يرفعوا أصواتهم فوق صوت الرسول (ص) ، وألّا يجهروا له بالخطاب كجهر بعضهم لبعض، وألّا ينادوه من وراء الحجرات كما ناداه بعض جفاة الأعراب: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) . أدب المؤمنين في سماع الأخبار الآيات [٦- ٨] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) ، فذكر من أدب المؤمنين في سماع الأخبار أن يتثبّتوا في تصديق أخبار الفسّاق، فلا يسمعوا لكلّ ما يلقى إليهم كما سمعوا لما ألقي إليهم، في ذلك الصلح، ولو أن الرسول سمع إليهم في هذا وفي غيره من أمورهم، لوقعوا في العنت. ولكن الله حبّب إليهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فلم يجعلوا لهم رأيا مع رأيه فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) . ترغيب المؤمنين في الصلح الآيات [٩- ١٨] ثم قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الآية ٩] ، فرغّب المؤمنين في الصلح لئلّا يأبوه كما أبوه في الحديبية، وأمرهم أن يصلحوا بين كلّ طائفتين تقتتلان من المؤمنين، وأن يقاتلوا من يأبى منهما الصلح حتى يرضى به، فإذا رضي به وجب أن يصلح بينهما بالعدل، ثم نهاهم عمّا يوجب الخصام بينهم من سخرية بعضهم ببعض، ومن عيب بعضهم الآخر في غيبته، وهو اللّمز، ومن تسمية بعضهم بعضا بما يحطّ منه، وهو النّبز، ومن سوء ظنّ بعضهم ببعض، إلى غير هذا ممّا يوجب الخصام بينهم ثم ذكر، جلّ وعلا، أنه خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتناكروا ويتخاصموا، وأنّ أكرمهم

стр. 2059

عنده هو الذي يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، لا من يتعالى على غيره بنسب أو نحوه فيخاصمه ولا يصالحه. ثم ختمت السورة بالكلام على الأعراب الذين يكتفون من الإسلام بالاسم، ولا يأخذون بشيء من آدابه، بل يمضون على ما كانوا عليه في جاهليتهم من الجفوة والتخاصم والتناكر، فأنكر، سبحانه، عليهم ما يدّعون من الإيمان، وذكر أنهم لم يحصل لهم إلا إسلام لا يتجاوز النطق باللسان، ثم أخذ السّياق في هذا الى أن ذكر أنهم يمنّون على النبي (ص) بإسلامهم، وأجاب عن هذا بأن الله سبحانه هو الذي يمنّ عليهم بهدايتهم للإيمان إن كانوا صادقين إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) .

стр. 2060

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحجرات» «١» لا يخفى تآخي هاتين السورتين (الفتح والحجرات) مع ما قبلهما، لكونهما مدنيتين، ومشتملتين على أحكام. فتلك فيها قتال الكفّار، وهذه فيها قتال البغاة «٢» . وتلك ختمت بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا «٣» وتلك تضمنت تشريفا له (ص) ، خصوصا مطلعها، وهذه أيضا في مطلعها أنواع من التشريف له (ص) «٤» .

стр. 2061

المبحث الرابع مكنونات سورة «الحجرات» «١» ١- إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الآية ٤] . نزلت في ناس من الأعراب منهم: الأقرع بن حابس. أخرجه أحمد وغيره. ٢- إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الآية ٦] . نزلت في الوليد بن عقبة. أخرجه أحمد وغيره من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي. ٣- قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا [الآية ١٤] . هم بنو أسد. أخرجه سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير.

стр. 2062

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحجرات» «١» ١- قال تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) . والقسط: العدل، والفعل أقسط، والهمزة للسلب، وهذا يعني: أن الفعل «قسط» بمعنى جار ظلم. ٢- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ [الآية ١١] . أقول: دلت كلمة قَوْمٌ في الآية على الرجال بدلالة قوله تعالى: وَلا نِساءٌ وهذا مثل قول زهير: وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء

стр. 2063

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحجرات» «١» قال تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الآية ٢] أي: مخافة أن تحبط أعمالكم وقد يقال: «اسمك الحائط أن يميل» . وقال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ [الآية ١٣] بالكسر ابتداء ولم يحمل الكلام على لِتَعارَفُوا [الآية ١٣] .

стр. 2064

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجرات» «١» إن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ١] ، والمراد به نهيهم أن يتقدّموا على رسول الله (ص) بقول أو فعل، لا أن يقدّموا غيرهم. قلنا: «قدّم» هنا لازم بمعنى «تقدّم» ، كما في قولهم: بيّن وتبيّن، وفكّر وتفكّر، ووقّف وتوقّف، ومنه قول الشاعر: إذا نحن سرنا سارت الناس خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا أي توقفوا، وقيل معناه: لا تقدّموا فعلا قبل أمر رسول الله (ص) . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الآية ٢] بعد قوله سبحانه: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الآية ٢] . قلنا: فائدته تحريم الجهر في مخاطبته (ص) باسمه نحو قولهم يا محمد، ويا أحمد، فهو أمر لهم بتوقيره وتعظيمه (ص) في المخاطبة. وأن يقولوا يا رسول الله، ويا نبي الله، ونحو ذلك، ونظيره قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ ٦٣] . فإن قيل: لم قال تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الآية ٢] أي مخافة أن تحبط

стр. 2065

أعمالكم مع أن الأعمال إنّما تحبط بالكفر لا بغيره من المعاصي، ورفع الصوت في مجلس النبي (ص) ليس بكفر وقد روي أن الآية نزلت في أبي بكر وعمر ﵄ لمّا رفعا صوتيهما بين يدي رسول الله (ص) وأنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهوريّ الصّوت، فربما تأذّى رسول الله (ص) بصوته؟ قلنا: معناه لا تستخفّوا به، فإن الاستخفاف به ربّما أدى خطأه الى عمده، وعمده كفر يحبط العمل. وقيل حبوط العمل مجاز عن نقصان المنزلة وانحطاط المرتبة. فإن قيل: ما وجه الارتباط والتعلق بين قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [الآية ٧] وبين ما قبله؟ قلنا: معناه فاتركوا عبادة الجاهلية، فإن الله تعالى لم يترككم عليها، ولكن الله حبّب إليكم الإيمان. وقيل معناه فتثبّتوا في الأمور كما يليق بالإيمان، فإن الله حبّب إليكم الإيمان. فإن قيل: إن كان الفسوق والعصيان بمعنى واحد، فما فائدة الجمع بينهما، وإن كان العصيان أعم من الفسوق فذكره مغن عن ذكر الفسوق لدخوله فيه فما فائدة الجمع بينهما؟ قلنا: قال ابن عباس ﵄: المراد بالفسوق هنا الكذب، وبالعصيان بقية المعاصي، وإنما أفرد الكذب بالذكر لأنه سبب نزول الآية. فإن قيل: كيف يقال إن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، والله يقول: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الآية ١٤] . قلنا: المنفي هنا الإيمان بالقلب بدليل قوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الآية ١٤] يعني لم تصدّقوا بقلوبكم وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الآية ١٤] أي استسلمنا وانقدنا خوف السيف ولا شكّ في الفرق بين الإيمان والإسلام بهذا التفسير، والذي يدّعي اتحادهما لا يريد به أنهما حيث استعملا كانا بمعنى واحد، بل يريد به أن أحد معاني الإيمان هو الإسلام. فإن قيل: كيف يقال إن العمل ليس

стр. 2066

من الإيمان، والله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ١٥] ؟ قلنا: معناه إنما المؤمنون إيمانا كاملا، كما في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر/ ٢٨] ، وقوله (ص) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، وقولهم: الرجل من يصبر على الشدائد. ويردّ على هذا الجواب أن المنفي في أول الآية عن الإعراب نفس الإيمان الكامل، فلا يناسب أن يكون المثبت بعد ذلك الإيمان الكامل بل نفس الإيمان.

стр. 2067

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجرات» «١» ١- في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) استعارة. وقد قرئ «لا تقدّموا» بفتح التاء والدال، والمعنيان واحد، والمراد بذلك لا تسبقوا أمر الله ورسوله بفعل ما لم يأمرا به ويندبا اليه. وقال أبو عبيدة: العرب تقول فلان تقدّم بين يدي الإمام أي تعجّل بالأمر والنهي دونه، وذلك مضادّ لما وصف الله به ملائكته، إذ يقول: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) [الأنبياء] . ومن قرأ تُقَدِّمُوا بضم التاء فإنما يريد به لا تقدّموا كلامكم بالحكم في الأمر قبل كلام الله سبحانه وكلام رسوله (ص) ، أي قبل الوحي النازل منه، وقبل أداء رسوله إليكم ما أوحي به وأمر بتبليغه. ٢- وفي قوله سبحانه: وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الآية ١٢] ، استعارة ومبناها على أصل معروف في كلام العرب، وهو تسميتهم المغتاب بآكل لحوم الناس، حتى قال شاعرهم «٢» : فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وقال حسان بن ثابت في مرثية ابنة له «٣» :

стр. 2068

حصان رزان لا تزنّ بزنية «١» وتصبح غرثى من لحوم الغوافل أي تمسك عن غيبة النساء الغافلات عن غيبتها، فتكون بإمساكها عن الغيبة التي يسمى فاعلها آكل لحم صاحبه، كأنها غرثى أي جائعة لم تطعم شيئا، لأنّ الغيبة، لمّا سمّيت أكلا وقرما «٢» حسن أن يسمّى تركها جوعا وغرثا. ومعنى فَكَرِهْتُمُوهُ أي عافته أنفسكم، فكرهتموه، وهذا محذوف مقدّر في الكلام دلالة. وقال بعضهم تلخيص هذا المعنى أن من دعي إلى أكل لحم أخيه ميتا فعافته نفسه وكرهه من جهة طبعه، فإنه ينبغي له، إذا دعي إلى غيبة أخيه، أن تعاف ذلك نفسه من جهة عقله، لأنه يجب أن يكره هذا عقلا كما كره الأوّل طبعا لأنّ داعي العقل أحقّ بالاتّباع من داعي الطبع، إذ كان داعي الطبع أعمى جاهلا وداعي العقل بصيرا عالما، فكلاهما في صفة الناصح، إلّا أنّ نصح العقل سليم مأمون، ونصح الطبع ظنين مدخول.

стр. 2069

سورة ق

стр. 2070

المبحث الأول أهداف سورة «ق» «١» سورة «ق» سورة مكية آياتها ٤٥ آية، نزلت بعد سورة «المرسلات» . سورة الخطبة كان (ص) يخطب خطبة الجمعة بسورة «ق» حتى قالت النساء: ما حفظنا سورة «ق» إلّا من خطبة النبي (ص) بها وهي سورة تحمل أصول التوحيد وتلفت النظر الى دلائل القدرة في خلق السماء والأرض وآثار الله الملموسة في إنزال المطر وإنبات النبات، وترشد الى سنن الله في إهلاك الظالمين، واستحقاق الوعيد للمكذّبين، وتجول بالإنسان داخل نفسه، وتستعرض مشاهد القيامة وجزاء المتّقين في الجنّة، وجزاء العصاة في النار. وقد سلكت السورة في عرض معانيها أسلوبا رائعا أخّاذا، له سيطرته على النفس والحسّ، وطريقته الفذّة في هزّ أوتار القلوب. جاء في «ظلال القرآن» «سورة ق سورة رهيبة، شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري وصورها وظلالها وجرس فواصلها، تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في خطراتها وحركاتها، وتتعقّبها في سرّها وجهرها وفي باطنها وظاهرها تتعقّبها برقابة الله التي
следующие страницы →