يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعون في خرابها، ومثله لا يصح له أن يزعم أنّه لا يدخل الجنة غيره، وإنّما جزاؤه الخزي في الدنيا، وله في الاخرة عذاب عظيم. ثم ذكر أنّ له المشرق والمغرب، وأنّ الناس أينما يولّوا وجوههم فثمّ وجهه، فلا يصحّ أن يسعى في خراب المساجد لاختلاف قبلتها، كما فعل النصارى مع اليهود في بيت المقدس. ثمّ ذكر، إلى هذا، من قبائح النصارى، أنهم يزعمون أنّ لله ولدا، وهو من الكفر الذي لا يصحّ لصاحبه أن يطمع في دخول الجنة، وردّ عليهم هذا بأنّ له ما في السماوات والأرض كلّ له قانتون بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) .
الرد على مقالتهم السادسة الآيات [١١٨- ١٣٤]
ثم قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) فذكر مقالتهم السادسة، وهي قول بعضهم للنّبي (ص) : يا محمد، إن كنت رسولا من الله، كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتّى نسمع كلامه. وقد ردّ عليهم بأنّ هذا من التعنّت الذي يسلكه من جاء قبلهم مع رسلهم، وبأنه قد أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وليس عليه إلّا أن يبلّغه، ولا يسأل بعد هذا عن تعنّتهم وكفرهم، لأنّهم لا يرضون عنه حتى يتّبع ملتهم، ولأنّ الهدى هداه ولو شاء لهداهم، وبأنّ المنصفين منهم يؤمنون بما أنزل إليه، ويعرفون أنه الرسول المبشّر به. ولما كانت هذه شهادة منهم وفيها أكبر حجة عليهم، عاد السياق إلى تذكيرهم ثالثا بنعمته سبحانه عليهم وتفضيلهم على العالمين، وتخويفهم من يوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا ليحملهم على الإقرار بهذه الشهادة، ثم شرع في ذكر قصة إبراهيم وإسماعيل (ع) وبنائهما البيت بمكّة، إلى أن ذكر دعاء إبراهيم له أن يبعث في أهلها رسولا منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة، ليدلّهم على موضع البشارة به في كتبهم، ويحملهم على الإقرار بها كما أقرّ بها من آمن منهم. ثمّ ذكر لهم أنّ الملّة هي ملّة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلّا من سفه نفسه، وهي دين التوحيد الخالص الذي
стр. 72
أسلم فيه لرب العالمين، ووصّى بنيه به من بعده، وكذلك وصّى يعقوب بنيه به أيضا، ثمّ ختم ذلك بأنّ ما قصّه من أمرهم، وما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد لا يعود نفعه إلّا إليهم، ولا ينتفع اليهود والنصارى بانتسابهم إليهم لمخالفتهم لهم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) .
الرد على مقالتهم السابعة الآيات [١٣٥- ١٤١]
ثم قال تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) ، فذكر مقالتهم السابعة، وهي قول بعضهم للنّبيّ (ص) : ما الهدى إلّا ما نحن عليه، فاتّبعنا يا محمّد تهتد. وقد قالت النصارى مثل ذلك أيضا، فجمع مقال الفريقين ليرد عليهم جميعا، ثم ردّ عليهم بأمره (ص) أن يقول لهم: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي بل نتبع ملة إبراهيم الخالصة من الشرك الذي وقعوا فيه، وبأمره المسلمين أن يقولوا لهم:
آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ (١٣٦) ، فإن آمنوا بذلك ولم يفرقوا بين أحد من الأنبياء، فقد اهتدوا إلى الدين الذي يجمعهم، وإن لم يؤمنوا به فسيبقون على ما هم فيه من شقاق، وهذا الدين هو صبغة الله لا ما صارت إليه اليهودية والنصرانية، ثم أمر النّبيّ (ص) أن يذكر لهم أنّه إنّما يدعوهم إلى الإيمان بربهم، أفيحاجون فيه وهو ربهم جميعا، أم يقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، والله يعلم أنّهم لم يكونوا كذلك تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) .
الرد على مقالتهم الثامنة الآيات [١٤٢- ١٧٧]
ثم قال تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) ، فذكر مقالتهم الثامنة، وهي قول بعضهم بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: يا محمد، ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها؟ وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك. وإنّما
стр. 73
يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأمر النّبي (ص) أن يردّ عليهم بأنّ المشرق والمغرب لله يولّي إليهما من يشاء، وبأنّه بهذه القبلة يجعلهم أمة وسطا بين أمم الشرك بالشرق، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى بالغرب، ليكونوا شهداء عليهم بعد تبليغهم دينهم، وبأنّه لم يعد بالقبلة إلى ما كانت عليه قبل الهجرة إلّا ليميّز بين المؤمنين الصادقين الذين يعلمون أنها الحق، والمنافقين الذين يبطنون الكفر ويتأثّرون بتلك المقالة، وبأنّ قبلة بيت المقدس لم تكن القبلة اللائقة بالمسلمين، ولهذا كان النّبي (ص) يقلّب وجهه بالدعاء لتحوّل قبلتهم إلى الكعبة والمنصفون من أهل الكتاب يعلمون أنها الحق من ربهم. أما غيرهم، فلا يؤمنون بها وإن أتا هم بكل آية عليها. غير أنّهم مختلفون في قبلتهم، فإذا اتّبع قبلة بعضهم أغضب غيرهم.
ثمّ ذكر أنّ لكل أمة قبلة هو مولّيها، فليستبق المسلمون إلى الخيرات من الأعمال الصالحة، لأنّها هي المقصود الأهمّ، وشأن القبلة دون شأنها. ثم أمره أن يولّي وجهه شطر المسجد في أي مكان كان لأنه الحق منه، وأمر المسلمين أن يتّبعوه في ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة، وكان اليهود يقولون: لم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتّى هديناه. وكان أكثر العرب يقولون: إنه كان يقول على ملة إبراهيم، والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.
ثم ذكر حكمة ثانية لذلك، وهي أن يتمّ عليهم نعمته بجعل كعبتهم قبلتهم، كما جعل رسولهم منهم، ثم أمرهم أن يقابلوا ذلك بذكره وشكره وأن يستعينوا على ذلك بالصبر والصلاة والجهاد في سبيله، فإذا أصابهم في ذلك شيء من الخوف والجوع ونحوهما، فليصبروا عليه ليكون لهم بشرى الصابرين، ثم ختم ذلك ببيان أن الصفا والمروة من شعائر الله بالمسجد الحرام الذي أمروا بالتوجّه إليه، وكان الأنصار من أهل المدينة كارهين أن يطوّفوا بينهما.
ولما انتهى السياق من الرد عليهم في ذلك، شرع في تهديدهم على كتمان ما جاء في التوراة من البشارة بالنّبيّ (ص) ، فذكر أنّ من يفعل ذلك منهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وأنّ من
стр. 74
تاب منهم عن الكتمان وآمن يقبل الله توبته، ومن أصرّ على الكفر استحقّ تلك اللعنة، ثم شرع يوبخ اليهود على انقيادهم لأولئك الأحبار الذين يكتمون عنهم ذلك، واتخاذهم أندادا من دون الله، فذكر سبحانه لهم أنّ إلههم واحد لا شريك له، وأنّ في خلق السماوات والأرض وغيرهما آيات دالّة على تفرّده بالألوهية، فلا يليق بهم أن يتّخذوا أحبارهم الذين يكتمون عليهم ذلك أندادا من دونه، فيحبّوهم كحبّه ولا يعصوهم في شيء. ولو يرون ما أعدّ لهم من العذاب لتدبّروا في أمرهم، لأنّهم حين يرونه تتقطع بهم الأسباب، ويتبرّأ المتبوعون من التابعين، فلا يمنعون عنهم شيئا من العذاب. ويودّ التابعون لو أنّ لهم كرّة إلى الدنيا لتبرءوا منهم كما تبّرأوا منهم، ثم أمرهم بعد هذا التحذير البالغ من أحبارهم أن يأكلوا ممّا في الأرض حلالا طيّبا، ولا يتّبعوا خطواتهم في ما يحرمون عليهم من الطيبات، لأنّهم يتّبعون بهذا خطوات الشيطان وهو أشدّ أعدائهم، ويقولون على الله ما لا يعلمون تقليدا لأحبارهم، ولكنّهم إذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله من حل تلك الطيبات، أبوا إلّا تقليد أولئك الأحبار، ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ومثل من يدعوهم إلى ذلك كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاء ونداء، ولا يفهم ممّا يدّعي به شيئا.
ثم ترك دعاءهم إلى ذلك لأنّه لا يرجى صلاحهم، وأمر المؤمنين بما أمر به أولئك المخالفين، وأن يشكروه على ما أحلّ من ذلك، وذكر لهم أنّه لم يحرّم عليهم إلّا الميتة والدم وما ذكر معهما، ثم عاد السياق إلى أولئك الأحبار فذكر أنّهم يكتمون ما أنزل الله من البشارة بالنّبي (ص) ، ويشترون بهذا ثمنا قليلا من دنياهم، وهددهم بأنهم يأكلون به نارا في بطونهم، وينالون به غضبه عليهم في أخراهم، إلى غير هذا ممّا ذكره في تهديدهم ثم ذكر أنّهم استحقوا ذلك بأنّه نزّل القرآن بالحق فلم يؤمنوا به، ووقعوا في ذلك الشغب والشقاق البعيد، وهو الذي جاء في تلك المقالات التي ردّت عليهم.
ثم ختم ذلك الجدال معهم بأنّ ما يتعلقون به من أمر القبلة لا يذكر فيما يجب من البرّ، ولكن البرّ من آمن بالله واليوم والاخر والملائكة والكتاب والنبيّين وآتى المال، على حبه، ذوي
стр. 75
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، إلى غير هذا من أنواع البرّ، ثم مدح من جمع ذلك كله فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .
حكم القصاص الآيتان [١٧٨- ١٧٩]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الآية ١٧٨] ، فشرع في بيان الأحكام التي أراد ذكرها في هذه السورة، وذلك بعد أن حاجّ اليهود، ومهّد لذلك بأنّ المهم هو ما جاء به القرآن من الأحكام، لا ما تعلّقوا به من أمر القبلة ونحوه، ولا شك أنّ في هذا ما تستشرف به النفس لبيانها، وتتطلّع إلى معرفة بعضها، وقد بدأ منها بحكم القصاص الذي يراد به حفظ النفس، وهو من أهم أغراض الشرائع. وقد كان اليهود يوجبون فيه القتل فقط، وكان العرب لا يقتصرون على قتل القاتل، فأتى الإسلام فيه بالقصاص العادل، وندب إلى أخذ الدّية والعفو عن القاتل، ثم ختمه بما في القصاص من الفوائد العظيمة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) .
حكم الوصية الآيات [١٨٠- ١٨٢]
ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) وكانوا قبل الإسلام يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة، فجعل الوصية لهم لأنّهم أولى بمال قريبهم. ثم حذّر من تبديل الوصية إلّا إذا كان فيها جنف أو إثم فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) .
حكم الصيام الآيات [١٨٣- ١٨٧]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) فذكر أنّه أوجب عليهم الصوم كما أوجبه على الذين من قبلهم، وأنه في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وأوجب الفدية على من لا يطيق الصوم فيه لمرض أو نحوه، وندب إلى إحيائه بالتكبير والذكر والدعاء، ثم ذكر أنه أحلّ لهم ليلة الصيام الرفث والأكل
стр. 76
والشرب إلى طلوع الفجر، إلى أن قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) .
تحريم الكسب الحرام الآية [١٨٨]
ثم قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [الآية ١٨٨] ، فحرّم أن يأكل بعضهم أموال بعض بالباطل، وأن يرشوا بها الحكام ليأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وهم يعلمون.
حكم الأهلة الآية [١٨٩]
ثم قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [الآية ١٨٩] ، وقد سألوه عن الأهلّة ما بالها تبدو دقيقة كالخيط ثم تزيد حتّى تمتلئ وتستوي ثم تنقص حتّى تعود كما بدت؟ فأجابهم ببيان حكمها، وهو أنّها مواقيت للناس والحج، لأنه لم يبعث إليهم ليعلمهم مثل ذلك من علم الفلك ثم ضرب لسؤالهم مثلا من يأتي البيوت من ظهورها، وكنّى بهذا عن العدول عن الطريق الصحيح في السؤال ثمّ أمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها، ويتّقوه، لعلّهم يفلحون.
حكم القتال الآيات [١٩٠- ١٩٦]
ثم قال تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) ، فأذن لهم في قتال من يقاتلهم، ونهاهم عن قتال من لم يقاتلهم، ثم أمرهم أن يقتلوا من أمروا بقتالهم في أي مكان وجدوهم فيه، ونهاهم أن يقاتلوهم عند المسجد الحرام إلّا إذا بدءوهم بالقتال، إلى أن ختم ذلك بأمرهم بالجهاد بأموالهم أيضا، فقال:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) .
حكم الحج والعمرة الآيات [١٩٦- ٢١٤]
ثم قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [الآية ١٩٦] ، فذكر أحكام الحج والعمرة إلى أن أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام، ثم ذكر أنّ الذين يشهدون هذه المناسك: منهم كافر لا
стр. 77
يقصد من ذكره ودعائه إلّا الدنيا فقط، ومنهم مسلم يقصد من ذكره الدنيا والاخرة. ثم أمرهم بذكره سبحانه في أيام التشريق، ونفي الإثم عمّن تعجّل في يومين منها وعمّن تأخّر إلى آخرها ثم ذكر أنّ ممّن يشهد هذه المناسك فريق المنافقين، وأنّ من يسمعه يعجبه قوله في الحياة الدنيا، وأنّه يشهد الله على إخلاصه وهو ألدّ الخصام. وأنّه إذا انصرف من مناسكه سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، وأنّه إذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالإثم.
ثم ذكر أنّ ممّن يشهد هذه المناسك مؤمنين يبتغون بها رضاه، ويتّقونه حقّ تقواه ثم خاطب أولئك المنافقين الذين يظهرون الإيمان، فأمرهم أن يدخلوا في السّلم، ويتركوا ذلك الفساد في الأرض، وحذّرهم أن يزلّوا عن ذلك، وخوّفهم هول يوم القيامة حين يأتي أمره بالحساب والعذاب، وأمر النّبيّ (ص) أن يذكر لهم ما جرى لبني إسرائيل حين زلّوا ليعتبروا بهم ثم ذكر السبب في نفاقهم وهو اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، واعتقادهم أنهم أعلى منزلة من المؤمنين الصادقين، لغناهم وفقرهم. وقد كان هذا هو السبب في كفر من قبلهم فإنّ الناس كانوا أمّة واحدة قائمة على الحق، ولم يختلفوا إلّا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا، وقد هدى الله المؤمنين الصادقين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ثم ذكر أنّه لا بدّ لمن يريد الاخرة أن يناله من الشدائد والفقر ما نال المؤمنين قبله من الرسل والذين آمنوا معهم مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) .
أحكام متفرقة الآيات [٢١٥- ٢٢٥]
ثم قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) ، فرجع السياق بعد ذلك الاستطراد إلى الكلام على الأحكام، وذكر حكم الإنفاق من جهة مصرفه وأنّه يصرف للوالدين ومن ذكر معهما، ثم حكم فرض القتال، وأنّه يجوز في الشهر
стр. 78
الحرام للضرورة، ثم ذكر تحريم الخمر والميسر، ثم ذكر حكم الإنفاق من جهة أنّه يكون من فضل الأموال، ثم ذكر كفالة الأيتام بالإصلاح لهم ومخالطتهم في المأكل والمشرب، ثم ذكر حكم نكاح المؤمنين للمشركات ونكاح المشركين للمؤمنات ثم ذكر تحريم الوطء في الحيض ثم ذكر جواز إتيان النساء على أيّ وجه فيما يجوز إتيانهنّ فيه ثم ذكر حكم الحلف به، وأنه لا يؤاخذ باللغو فيه:
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) .
حكم الإيلاء والعدة والطلاق الآيات [٢٢٦- ٢٣٧]
ثم قال تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) فذكر الإيلاء وعدّة المولّى عليها، ثم ذكر عدّة المطلقة بعد الدخول: أنه يجوز مراجعتها إن طلقت مرة أو مرتين، ولا يجوز مراجعتها إن طلقت ثلاثا إلّا إذا نكحها شخص آخر، ولا يجوز إمساكها ضرارا بأن يرجعها في آخر عدّتها ليطلّقها ثانيا وتأخذ في عدّة أخرى، ولا يجوز منعها من الزواج بعد انقضاء عدتها غيرة عليها، وإذا كان لها ولد فلها حق الرضاعة والنفقة حولين كاملين. ثم ذكر عدّة المتوفّى عنها زوجها، وأنه يجوز التعريض بخطبتها في عدّتها ثم ذكر أنّه لا عدّة للمطلقة قبل الدخول، ولها من المهر نصفه، ولمّا بيّن حقوق الرجال والنساء في ذلك أرشدهم إلى التسامح فيها، فقال: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) .
حكم الصلاة في الأمن والخوف الآيتان [٢٣٨- ٢٣٩]
ثم قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) ، فأمرهم بالمحافظة على الصلوات في حال الأمن، بأن يأتوا بها مستوفية الأركان. فإذا كانوا في شدة خوف أتوا بها كيف أمكنهم رجالا أو ركبانا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) .
حكم الوصية للأزواج الآية [٢٤٠]
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
стр. 79
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ
[الآية ٢٤٠] ، فذكر أنّ الذين يتوفون منهم عليهم الوصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكناه، فإن خرجن قبل ذلك بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله لهنّ فيما سبق فلا حرج عليهنّ فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف أي نكاح صحيح، وكانوا في الجاهلية يوجبون عليهنّ القيام بهذه الوصية.
حكم نفقة المطلقات الآيتان: [٢٤١- ٢٤٢]
ثم قال تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) والمراد بالمتاع هنا نفقتهنّ مدة العدّة، وقد جعل ذلك حقا على المتّقين كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) .
الترغيب في الجهاد بالنفس والمال الآيات [٢٤٣- ٢٨٤]
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) ، فأخذ يرغب في الجهاد بالنفس والمال بعد أن أذن للمسلمين فيه وفرضه عليهم، وقد مهّد لذلك بذكر قصة تدل على أنّ الحذر من الموت لا يفيد، لأنّ الحذر من الموت هو الذي يخوّفهم من الجهاد فذكر قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالقتال فتقاعسوا خوفا على أنفسهم، فأرسل الله عليهم وباء قضى على كثير منهم، فاعتبر به من نجا وجاهد في سبيل الله شكرا له على نجاته ثم أمر المسلمين بالقتال في سبيله بعد هذا التحذير، ووعد من ينفق منهم شيئا فيه بأن يضاعفه له أضعافا كثيرة.
ثم ذكر لهم قصة ثانية تقتلع «١» خوف الجهاد من نفوسهم لقلّة عددهم، وتشتمل على عظات تنفعهم في جهادهم، وهي قصة بني إسرائيل حين طلبوا من نبيهم صموئيل أن يبعث لهم ملكا يقاتلون تحت رايته، فلمّا كتب
стр. 80
عليهم القتال تولوا إلّا قليلا منهم. ولما ذكر لهم صموئيل أنّ الله بعث لهم طالوت ملكا عابوه لفقره. فردّ عليهم بأنّه يفضلهم ببسطة العلم والجسم، وبأنّه سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا ينازعه أحد في ملكه، ثم ذكر ابتلاءه لجند طالوت حين خرج بهم، وأنّه لم يصبر على هذا الابتلاء إلا قليل منهم، فساروا معه حتى إذا رأوا جالوت وجنوده قالوا لا طاقة لنا بهم، وقال الذين يظنون أنّهم ملاقو الله، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، ثم برزوا لهم واستعانوا بالله عليهم، فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة جزاء له على قتله ثم ختم القصة ببيان حكمة الجهاد في سبيله، فذكر أنّه لولا دفع العصاة بالطائعين لفسدت الأرض، ثم نوّه بشأن ما تلاه من الآيات، في تلك القصة وجعلها دليلا على أنّه من المرسلين ثم ذكر أنّه فضّل بعضهم على بعض في الآيات، وأنّه سبحانه لو شاء، لهدى الناس ولم يقتتلوا من بعد ما جاءهم منها، ولكنّهم اختلفوا:
فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وقاتل الكافرون المؤمنين فقاتلوهم كما يقاتلونهم.
ثم أخذ يحضّهم على الجهاد بطريق الترغيب، فأمرهم أن ينفقوا فيه ممّا رزقهم من قبل أن يأتي يوم لا يقبل فيه فداء، ولا تفيد فيه صداقة ولا شفاعة، ثم ذكر من عظمته ما يؤكد ذلك، ويثبت أنّه لا يمكن أن يشفع أحد عنده إلّا بإذنه، وهو لا يأذن بالشفاعة إلّا في حق الطائعين المجاهدين في سبيله، ثم ذكر أنّه لا يكرههم بذلك على الإنفاق والجهاد، لأنه لا إكراه في الدين، وقد تبيّن الرشد من الغيّ، فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت فقد استمسك بالعروة الوثقى، ثم ذكر أنّه هو الذي يتولّى المؤمنين فيخرجهم من الظلمات إلى النور، وأنّ الكافرين أولياؤهم الطاغوت فيخرجونهم من النور إلى الظلمات وبهذا يصير المؤمنون إلى الإيمان باختيارهم وتوفيق الله لهم ويصير الكافرون إلى الكفر باختيارهم وإيثارهم ولاية الطاغوت لهم ثم ضرب لذلك ثلاثة أمثال: أولها مثل إبراهيم ونمرود، فقد أفحمه إبراهيم بدليله ولكنّه تولى الطاغوت فأضلّه وثانيها مثل الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم تولّاه الله فهداه وثالثها مثل إبراهيم حين قال: ربّ
стр. 81
أرني كيف تحيي الموتى؟ فأراه ذلك وتولّاه فزاده إيمانا على إيمانه.
ثم عاد السياق إلى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله ليفصّل تلك الأضعاف الكثيرة التي ذكرت في الطريق الأول، ويضرب سبحانه لذلك مثل الحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ويبيّن ما يجب في ذلك من ترك المنّ والأذى، لأنّهما يبطلان ثوابه عنده، ومن اختيار الطيبات للإنفاق، فينفق كل شخص من طيبات كسبه، ولا يسمع للشيطان الذي يخوفه من الفقر فيحسن له الإنفاق من الخبيث، بل يسمع لله الذي يعدّه مغفرة منه.
ثم أخذ في الكلام على الربا لأنّه هو الذي يربي في النفس الشحّ بالإنفاق، وذلك لأنه يزيد في المال، والإنفاق ينقص منه، فقبّح حال الذين يأكلون الربا، وهددهم عليه أقوى تهديد، وذكر أنه يمحق المال الذي يدخله الربا، ويربي المال الذي يدخله الإنفاق والصدقات، وأنّه لا يحب من يأكل الربا من كل كفّار أثيم وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الإنفاق وغيره لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم أمر الذين كانوا يتعاطون الربا قبل تحريمه أن يتركوا ما بقي منه، وآذنهم بحربه إن لم يفعلوا ما أمرهم به، وإذا تابوا فليس لهم إلّا رؤوس أموالهم، وإذا أعسر لها المدين أمهل إلى أن تتيسّر له، والتصدق بها خير لهم لو كانوا يعلمون.
ثم أحلّ لهم السلم ليجدوا منه وسيلة للحصول على ما يحتاجون إليه من المال بدل الربا، وأمرهم إذا تداينوا بدين أن يكتبوه ويشهدوا عليه، وإن كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبا فرهان مقبوضة، ثم نهاهم عن كتمان الشهادة في ذلك، وأخبرهم بأنّه يعلم ما يفعلونه فيها، وهو الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وإن يبدوا ما في أنفسهم أو يخفوه يحاسبهم به:
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) .
الخاتمة الآيتان [٢٨٥- ٢٨٦]
ثم قال تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ (٢٨٥) ، فختم السورة بذكر إيمان الرسول والمؤمنين بالقرآن والملائكة وغيرهم
стр. 82
ممّا ذكره، ليختمها بذكر إيمانهم بعد أن بدأها بذكر كفر المنافقين واليهود.
وذكر ما ذكر من حسن إخلاصهم وطاعتهم، وطلبهم منه وهو لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ألّا يؤاخذهم بنسيانهم أو خطئهم، ولا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم من اليهود وغيرهم، إلى أن قال على لسانهم:
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) .
стр. 83
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «البقرة» «١»
قال بعض الأئمّة: تضمّنت سورة الفاتحة الإقرار بالربوبيّة، والالتجاء إليها في دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهود والنصارى، وتضمّنت سورة البقرة قواعد الدين، وآل عمران مكمّلة لمقصودها.
فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، و «آل عمران» بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم. ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لمّا تمسّك به النصارى.
في «آل عمران» أوجب الحج. أمّا في البقرة، فذكر أنّه مشروع، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه «٢» . في «آل عمران» ، كان خطاب النصارى، كخطاب اليهود في البقرة، أكثر من خطابهم في سواها، لأنّ التوراة أصل، والإنجيل فرع لها، والنّبي (ص) لمّا هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب، ولهذا كانت السور المكّية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، فخوطب به جميع الناس، والسور المدنية فيها خطاب من أقرّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، فخوطبوا ب «يا أهل الكتاب» ، «يا بني إسرائيل» ، «يا أيّها الذين آمنوا» .
стр. 84
وأمّا سورة النساء فتضمّنت أحكام الأسباب التي بين الناس، وهي نوعان:
مخلوقة لله، ومقدورة لهم، كالنسب والصهر، ولهذا افتتحت بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها. وقال:
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء ١] فانظر إلى هذه المناسبة العجيبة، والافتتاح، وبراعة الاستهلال، حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما في أكثر السورة من أحكام: من نكاح النساء ومحرّماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأنه ابتدأ هذا الأمر بخلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم بثّ منهما رجالا كثيرا ونساء في غاية الكثرة.
أما المائدة، فسورة العقود تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكمّلات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة، ونهاية الدين، فهي سورة التكميل، لأنّ فيها تحريم الصيد على المحرم، الذي هو من تمام الإحرام.
وتحريم الخمر، الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السرّاق والمحاربين، الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات، الذي هو من تمام عبادة الله.
ولهذا ذكر فيها ما يختصّ بشريعة محمد (ص) والتيمّم، والحكم بالقرآن على كل ذي دين. ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام «١» . وذكر فيها: أنّ من ارتدّ عوّض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا، ولهذا ورد أنّها آخر ما نزل «٢» لما فيها من إرشادات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب. انتهى.
وقال بعضهم: افتتحت البقرة بقوله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فإنّه إشارة إلى الصراط المستقيم بقوله في الفاتحة: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) ، فإنّهم لما سألوا الله الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم:
ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه، كما أخرج ابن جرير وغيره من حديث
стр. 85
عليّ مرفوعا: «الصراط المستقيم كتاب الله» «١» . وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود موقوفا «٢» .
وهذا معنى حسن، يظهر فيه سرّ ارتباط «البقرة» ب «الفاتحة» .
وقال الخويي «٣» : أوائل هذه السورة، مناسبة لأواخر سورة الفاتحة، لأنّ الله تعالى لمّا ذكر أنّ الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتّبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسؤول.
ثم إنّه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة: فذكر الذين على هدى من ربّهم، وهم المنعم عليهم. والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالّون: والذين باؤوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم «٤» .
انتهى.
أقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من هذه المناسبات.
أحدها: أنّ القاعدة التي استقرّ بها القرآن: أنّ كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه.
وقد استقرّ لي ذلك في غالب سور القرآن، طويلها وقصيرها. وسورة البقرة، قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة.
فقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر في عدة آيات، ومن الدعاء في قوله سبحانه: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [الآية ١٨٦] . وفي قوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) . وبالشكر في قوله:
стр. 86
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) .
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) تفصيله قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) . وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) . ولذلك افتتحها بقصة خلق آدم (ع) الذي هو مبدأ البشر «١» ، وهو أشرف الأنواع عن العالمين، وذلك شرح لإجمال رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) .
وقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وقد أومأ إليه بقوله في قصّة آدم (ع) : فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) . وفي قصّة إبراهيم (ع) لمّا سأل الرزق للمؤمنين خاصة بقوله: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ [الآية ١٢٦] . فقال: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [الآية: ١٢٦] .
وذلك لكونه رحمانا. وما وقع في قصة بني إسرائيل: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ [الآية ٥٢] . إلى أن أعاد الآية بجملتها في قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) . وذكر آية الدّين «٢» إرشادا للطالبين من العباد، ورحمة بهم.
ووضع عنهم الخطأ والنسيان والإصر وما لا طاقة لهم به، وختم بقوله:
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا [الآية ٢٨٦] وذلك شرح قوله: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . وتفصيله: ما وقع من ذكر يوم القيامة في عدّة مواضع، ومنها قوله:
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [الآية ٢٨٤] . والدين (في الفاتحة) : الحساب: (في البقرة) .
وقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ مجمل شامل لجميع أنواع الشريعة الفرعية، وقد فصّلت في البقرة أبلغ
стр. 87
تفصيل، فذكر فيها: الطهارة، والحيض، والصلاة، والاستقبال، وطهارة المكان، والجماعة، وصلاة الخوف، وصلاة الجمع، والعيد، والزكاة بأنواعها، كالنبات، والمعادن، والاعتكاف، والصوم وأنواع الصدقات، والبر، والحج، والعمرة، والبيع، والإجازة، والميراث والوصية، والوديعة، والنكاح، والصّداق، والطلاق، والخلع، والرجعة، والإيلاء، والعدّة، والرّضاع، والنفقات، والقصاص، والدّيات، وقتال البغاة، والردّة، والأشربة، والجهاد، والأطعمة والذبائح، والأيمان، والنذور، والقضاء، والشهادات، والعتق.
فهذه أبواب الشريعة كلّها مذكورة في هذه السورة.
وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ شامل لعلم الأخلاق. وقد ذكر منها في هذه السورة الجمّ الغفير، من التوبة، والصبر، والشكر، والرضى، والتفويض، والذكر، والمراقبة، والخوف، وإلانة القول.
وقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخره، تفصيله: ما وقع في السورة من ذكر طريق الأنبياء، ومن حاد عنهم من النصارى، ولهذا ذكر في الكعبة أنّها قبلة إبراهيم، فهي من صراط الذين أنعم عليهم، وقد حاد عنها اليهود والنصارى معا، ولذلك قال في قصّتها: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) . تنبيها على أنّها الصراط الذي سألوا الهداية إليه.
ثم ذكر: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [الآية ١٤٥] . وهم المغضوب عليهم، والضالّون، الذين حادوا عن طريقهم.
ثم أخبر بهداية الذين آمنوا إلى طريقهم. ثم قال: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) . فكانت هاتان الآيتان تفصيل إجمال لقوله:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة.
وأيضا قوله أوّل السورة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) إلى آخره في وصف الكتاب، إخبار بأنّ الصراط الذي سألوا الهداية إليه هو: ما تضمّنه الكتاب، وإنّما يكون هداية لمن اتّصف بما ذكر (من صفات المتّقين) . ثم ذكر أحوال الكفرة، ثم أحوال المنافقين، وهم من اليهود، وذلك تفصيل لمن حاد عن
стр. 88
الصراط المستقيم، ولم يهتد بالكتاب «١» .
وكذلك قوله هنا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [الآية ١٣٦] . فيه تفصيل النبيّين المنعم عليهم. وقال في آخرها: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [الآية ١٣٦] ، تعريفا بالمغضوب عليهم، والضالّين، الذين فرقوا بين الأنبياء. ولذلك عقّبها بقوله:
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [الآية ١٣٧] . أي: إلى الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم كما اهتديتم.
فهذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار كتابه.
الوجه الثاني: أنّ الحديث والإجماع على تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالّين بالمنافقين، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان، فعقّب بسورة البقرة، وجميع ما فيها (من) خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة، وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب «٢» .
ثم (عقبت البقرة) بسورة آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى، فإنّ ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران، كما ورد في سبب نزولها «٣» وختمت بقوله:
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [آل عمران: ١٩٩] . وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى، كما ورد به الحديث «٤» .
وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين، كأنّه لما ذكر في الفاتحة الفريقين، قصّ في كلّ سورة ممّا بعدها حال كل فريق
стр. 89
على الترتيب الواقع فيها، ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود، وآخرها في ذكر النصارى «١» .
الوجه الثالث: أنّ سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال، ولهذا سمّيت في أثر: فسطاط القرآن «٢» .
الذي هو: المدينة الجامعة، فناسب تقديمها على جميع سوره.
الوجه الرابع: أنّها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال «٣» ، فناسب البداءة بأطولها.
الوجه الخامس: أنّها أول سورة نزلت بالمدينة، فناسب البداءة بها، فإنّ للأولية نوعا من الأولوية.
الوجه السادس: أنّ سورة الفاتحة كما ختمت بالدعاء للمؤمنين بألّا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالّين إجمالا، ختمت سورة البقرة بالدعاء بألّا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطإ والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم به تفصيلا، وتضمّن آخرها أيضا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالّين بقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الآية ٢٨٥] .
فتاخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق.
стр. 90
المبحث الرابع مكنونات سورة «البقرة» «١»
١- إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الآية ٣٠] .
هو آدم، كما دلّ عليه السياق، وورد في مرسل ضعيف أنّ «الأرض» المذكورة: مكة- لكن قال ابن كثير «٢» : إنّه مدرج «٣» - وذلك ما أخرجه ابن جرير «٤» ، وابن أبي حاتم، من طريق عطاء بن السائب، أنّ عبد الرّحمن بن سابط، أنّ النّبيّ (ص) قال: «دحيت الأرض من مكّة، وأوّل من طاف بالبيت الملائكة، قال تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[الآية ٣٠] يعني: مكّة» .
٢- اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ [الآية ٣٥] .
هي حوّاء، بالمدّ. روى ابن جرير «٥» من طريق السّدّيّ بأسانيده: سألت «٦» الملائكة آدم عن حوّاء ما اسمها؟ قال:
حوّاء. قالوا: ولم سمّيت حواء؟ قال:
لأنها خلقت من حيّ.
٣- وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [الآية ٣٥] .
стр. 91
أخرج ابن جرير «١» وابن أبي حاتم، من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّها السّنبلة. وله طرق عنه صحيحة.
وأخرج ابن جرير «٢» من طريق السّدّي بأسانيده: أنها الكرم، وزعم يهود أنها الحنطة.
وأخرج أبو الشيخ «٣» من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: هي اللوز. وإسناده ضعيف وعندي أنها تصحّفت بالكرم.
وأخرج عن زيد بن عبد الله بن قسيط «٤» قال: هي الأترج «٥» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: هي النّخلة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد «٦» قال: هي تينة.
وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن قتادة «٧» بلفظ: هي التين.
فهذه ستة أقوال «٨» .
٤- وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الآية ٣٦] .
أخرج ابن جرير «٩» ، عن ابن عبّاس:
أنه خطاب لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحيّة.
стр. 92
٥- وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [الآية ٥٠] .
هو القلزم «١» ، وكنيته: أبو خالد.
كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قيس بن عباد «٢» .
قال ابن عسكر: وكأنّه كنّي بذلك لطول بقائه.
وروى أبو يعلى بسند ضعيف، عن أنس، عن النّبيّ (ص) قال: «فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء» «٣» .
٦- وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الآية ٥١] .
هي ذو القعدة، وعشر من ذي الحجّة. أخرجه ابن جرير «٤» عن أبي العالية.
١٠- ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [الآيتان ٥١ و ٩٢] .
أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، عن الحسن البصري قال: كان اسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: «بهموت» .
وأخرجه ابن أبي حاتم، ولفظه:
«يهبوث» «٥» .
١١- ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [الآية ٥٨] .
أخرج عبد الرزاق «٦» ، عن قتادة:
أنّها بيت المقدس.
١٢- وأخرج ابن جرير «٧» من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله
стр. 93
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [الآية ٥٨] قال: هو أحد أبواب بيت المقدس، يدعى: «باب حطّة» .
وأخرج «١» عن الربيع: أنها بيت المقدس.
وعن ابن زيد «٢» : أنها أريحا، قرية به.
١٣- النَّصارى [الآية ٦٢] .
سمّوا بذلك لأنّهم كانوا بقرية يقال لها: «ناصرة» . أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة.
وقيل: لقولهم كما ورد في التنزيل:
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [الصف: ١٤] ، حكاه ابن عسكر.
١٤- وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [الآية ٧٢] .
اسمه عاميل، ذكره الكرماني «٣» .
وقيل: نكار. حكاه الماوردي.
وقاتله: ابن أخيه. أخرجه ابن جرير «٤» ، وغيره، عن ابن عباس.
وقيل: أخوه.
١٥- فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
[الآية ٧٣] .
أخرج الفريابي «٥» عن ابن عباس.
قال: بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقيل: ضرب بالبضعة [أي قطعة اللحم] التي بين الكتفين. أخرجه ابن جرير «٦» عن السّدّيّ.
وقيل: بفخذها. أخرجه ابن جرير»
عن قتادة ومجاهد.
стр. 94
وقيل: بعظم من عظامها. أخرجه عن أبي العالية «١» .
وقيل: بلسانها «٢» .
وقيل: بعجبها «٣» .
وقيل: بذنبها. حكاه الكرماني في «الغرائب» «٤» .
١٦- وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [الآية ٧٦] .
أخرج ابن جرير «٥» ، عن ابن عباس:
أنّها في المنافقين من اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة:
أنّها نزلت في ابن صوريا.
١٧- وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [الآية ٧٨] .
قيل: المراد بهم المجوس. حكاه المهدوي «٦» . لأنّهم لا كتاب لهم.
١٨- إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الآية ٨٠] .
زعموها سبعة. أخرجه الطبراني وغيره، «٧» ، بسند حسن، عن ابن عباس.
وأخرج ابن أبي حاتم، من طرق ضعيفة عنه: أنها أربعون.
١٩- وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [الآية ٨٧] .
هو جبريل، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود «٨» .
стр. 95
٢٠- نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [الآية ١٠٠] .
هو: مالك بن الصّيف. أخرجه ابن جرير، «١» عن ابن عباس.
٢١- وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الآية ١٠٢] .
هما: هاروت، وماروت، كما أخرجه ابن جرير، «٢» عن ابن عبّاس.
وقيل: جبريل، وميكائيل. أخرجه البخاري في «تاريخه» وابن المنذر، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن عطية «٣» .
وقرئ بكسر اللام، «٤» فهما «٥» :
داود، وسليمان. كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرّحمن بن أبزى (٥١) .
وأخرج عن الضّحّاك: «٦» أنهما علجان من بابل «٧» .
٢٢- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الآية ١٠٩] .
سمّي منهم: كعب بن الأشرف أخرجه ابن جرير، «٨» عن الزّهري وقتادة.
(سمّي منهم) : حييّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب. أخرجه عن ابن عبّاس «٩» .
٢٣- وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ [الآية ١١٣] .
قاله رافع بن حريملة.
стр. 96
٢٤- وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ [الآية ١١٣] .
قاله رجل، من أهل نجران. أخرجه ابن جرير «١» عن ابن عباس.
٢٥- كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الآية ١١٣] .
قال السّدّيّ «٢» : هم العرب.
وقال عطاء: أمم كانت قبل اليهود والنصارى. أخرجهما ابن جرير «٣» .
٢٦- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [الآية ١١٤] .
أخرج ابن أبي حاتم «٤» عن ابن عبّاس: أنّهم من قريش.
ومن طريق العوفي عنه: أنهم النّصارى.
وأخرج عبد الرزاق «٥» (عن) قتادة:
أنهم بختنصّر وأصحابه الذين خرّبوا بيت المقدس.
٢٧- وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [الآية ١١٨] .
سمّي منهم: رافع بن حريملة.
أخرجه ابن جرير «٦» عن ابن عبّاس.
وأخرج «٧» عن قتادة قال: هم كفّار العرب.
٢٨- رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [الآية ١٢٩] .
هو النّبيّ (ص) . ولذلك قال (ص) :
«أنا دعوة أبي إبراهيم» . أخرجه أحمد «٨» من حديث العرباض بن سارية وغيره.
стр. 97
٢٩- وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [الآية ١٣٢] .
أي: بنيه.
أمّا بنو إبراهيم فسمّي منهم في القرآن: إسماعيل، وإسحاق.
وسمّى منهم الكلبي: مدن، ومدين، ويقشان «١» ، وزمران، وأشبق، وشوح «٢» .
أخرجه ابن سعد في «طبقاته» «٣» ، ورأيت فيها الأسماء هكذا مضبوطة في نسخة معتمدة، ضبطها الدّمياطي، «٤» وأتقنها.
ثم قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي «٥» قال: ولد لإبراهيم إسماعيل وهو ابن تسعين سنة، وهو بكره. وولد له إسحاق بعده بثلاثين سنة، (وإبراهيم يومئذ ابن عشرين ومائة سنة وماتت سارة، فتزوّج إبراهيم امرأة من الكنعانيين، يقال لها:
قنطورا) «٦» . ثم ولدت «٧» له قنطورا أربعة: ماذي، وزمران، وشرجح، وسبق. (قال: وتزوّج امرأة أخرى يقال لها: حجوني) «٨» ثم ولدت له حجوني سبعة: نافس، ومدين، وكيشان،
стр. 98
وشرّوخ، وأمّيم، ولوط، ويقشان فجميع ولده «١» ثلاثة عشر رجلا.
وأخرج عن الكلبي قال: ولد لإسماعيل اثنا عشر رجلا: يناوذ «٢» ، وقيذر، وأذبل، ومنسي «٣» ، ومسمع «٤» ، ودمار «٥» ، وأذر، وطيما «٦» ، ويطور، ونبش «٧» ، وماشي، وقيذما «٨» .
٣٠- قوله تعالى: وَالْأَسْباطِ [الآية ١٣٦] ووَ الْأَسْباطِ [الآية ١٤٠] .
أخرج ابن جرير «٩» من طريق حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عبّاس: الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلا، كلّ واحد منهم ولد سبطا، أمّة من الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السّدّي قال: الأسباط بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين، ووبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، ودان، وقهاب، وكود، وباليون.
٣١- سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [الآية ١٤٢] .
قال البراء بن عازب: هم اليهود.
أخرجه أبو داود في «الناسخ والمنسوخ» والنّسائي «١٠» .
وسمّى منهم ابن عبّاس: رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن
стр. 99
الأشرف، ونافع بن أبي نافع «١» ، والربيع بن أبي الحقيق. أخرجه ابن جرير «٢» وغيره «٣» .
٣٢- وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) .
فسّروا في حديث أخرجه ابن ماجة «٤» عن البراء بن عازب: بدوابّ الأرض.
وكذا قال مجاهد. أخرجه سعيد بن منصور «٥» وغيره.
وقال قتادة والربيع: هم الملائكة، والمؤمنون، أخرجه ابن جرير «٦» .
٣٣- وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا [الآية ١٧٠] .
سمّي منهم: رافع بن خارجة «٧» ، ومالك بن عوف. أخرجه ابن أبي حاتم «٨» عن ابن عباس.
٣٤- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [الآية ١٨٧] .
سمّي ممّن وقع له ذلك: عمر بن الخطاب، وكعب بن مالك.
أخرجه الإمام أحمد «٩» بإسناد حسن.
٣٥- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [الآية ١٨٩] .
стр. 100
سمّي منهم: معاذ بن جبل، وثعلبة بن عنمة- بفتح المهملة والنون- الأنصاري السّلمي. أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس «١» ..
٣٦- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [الآية ١٩٧] .
هي شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجّة. كما أخرجه الحاكم «٢» ، وغيره عن ابن عمر، وسعيد بن منصور «٣» عن ابن مسعود، والطبراني «٤» وغيره عن ابن عباس، وابن المنذر «٥» عن ابن الزبير.
وقيل: وذو الحجّة. أخرجه الطبراني «٦» وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا، وسعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب موقوفا.
٣٧- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [الآية ١٩٩] .
أخرج ابن جرير «٧» من طريق الضّحّاك عن ابن عبّاس في قوله تعالى: أَفاضَ النَّاسُ قال:
إبراهيم «٨» .
٣٨- وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [الآية ٢٠٣] .
هي أيّام التّشريق الثلاثة. أخرجه الفريابي «٩» عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
وقال ابن عبّاس أيضا: أربعة أيام:
стр. 101
يوم النّحر، وثلاثة بعده، أخرجه ابن أبي حاتم.
وقال علي: ثلاثة أيام: يوم الأضحى، ويومان بعده. أخرجه ابن أبي حاتم «١» ..
٣٩- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ [الآية ٢٠٤] .
هو الأخنس بن شريق. أخرجه ابن جرير «٢» عن السّدّي.
٤٠- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ [الآية ٢١٧] . هو رجب «٣» .
٤١- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [الآية ٢١٩] .
قال أبو حيان «٤» : كان السائل عمر ومعاذ.
٤٢- وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [الآية ٢١٩] .
سمّي من السّائلين: معاذ بن جبل، وثعلبة. أخرجه ابن أبي حاتم عن يحيى بلاغا «٥» .
٤٣- وقال ابن عسكر «٦» في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ [الآية ٢١٥] : نزلت في عمرو بن الجموح، سأل عن مواضع النّفقة فنزلت. ثم سأل بعد ذلك: كم النّفقة؟
فنزل وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [الآية ٢١٩] .
٤٤- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [الآية ٢٢٠] .
قال ابن الفرس «٧» في «أحكام
стр. 102
القرآن» : قيل: إنّ السائل عبد الله بن رواحة.
زاد أبو حيان «١» : وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري.
٤٥- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [الآية ٢٢٢] .
أخرج ابن جرير «٢» عن السّدّي، والماوردي «٣» ، عن ابن عباس، أنّ السائل عن ذلك ثابت بن الدحداح الأنصاري.
وقال السّهيلي: عباد بن بشر، وأسيد بن الحضير «٤» .
٤٦- الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ [الآية ٢٤٣] .
أخرج الحاكم في «المستدرك» «٥» من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
أنهم كانوا أربعة آلاف.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه: أنّهم أربعة آلاف من أهل قرية يقال لها داوردان «٦» .
وأخرج ابن جرير «٧» عن السّدّي:
أنّهم بضعة وثلاثون ألفا، من قرية يقال لها: داوردان قبل واس؟
وأخرج عن عطاء الخرساني «٨» ،:
أنهم ثلاثة آلاف (أو أكثر) «٩» .
ومن طريق ابن جريج، عن ابن
стр. 103
عبّاس: أنهم أربعون ألفا «١» .
٤٧- إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ [الآية ٢٤٦] .
أخرج ابن جرير «٢» عن وهب بن منبّه «٣» : أنّ اسمه شمويل، ونسبه إلى لاوي بن يعقوب.
وأخرج «٤» عن السّدّي: أنه شمعون، قال: وإنّما سمّي به، لأنّ أمّه دعت الله أن يرزقها غلاما، فاستجاب لها دعاءها، فولدت غلاما، فسمّته:
شمعون. تقول: الله سمع دعائي.
وأخرج «٥» عن قتادة: أنه يوشع بن نون.
وقيل: اسمه حزقيل «٦» . حكاه الكرماني في «العجائب» .
وقال ابن عساكر، وقال ابن عسكر:
قيل: اسمه: اشماويل بن هلفا، واسم أمه حسنة.
٤٨- فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ [الآية ٢٤٩] .
أخرج ابن جرير «٧» عن السّدّي: أنّهم ثمانون ألفا.
٤٩- مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [الآية ٢٤٩] .
أخرج ابن جرير «٨» عن الرّبيع، وقتادة، ومن طريق ابن جريج، عن ابن عبّاس: أنه نهر بين الأردن وفلسطين.
ومن طريق العوفي، عن ابن عبّاس:
أنه نهر فلسطين.
стр. 104
٥٠- فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [الآية ٢٤٩] .
عدّتهم ثلاث مائة وبضعة عشر. كما أخرجه البخاري «١» عن البراء.
٥١- مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [الآية ٢٥٣] .
أخرج ابن جرير «٢» عن مجاهد في قوله تعالى: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، قال: موسى. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ، قال: محمّدا.
٥٣- الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [الآية ٢٥٨] .
أخرج أبو داود الطيالسي في «مسنده» «٣» عن عليّ، قال: الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ: هو مرود بن كنعان.
وأخرج ابن جرير «٤» مثله عن مجاهد، وقتادة، والربيع، وزيد بن أسلم.
стр. 105
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «البقرة» «١»
قال تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) .
١- الرّيب: صرف الدهر. والريب والرّيبة: الشكّ والظنّة والتهمة.
وقد رابني الأمر وأرابني: علمت منه الريبة، ورأيت منه ما يكره. وقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ، أي لا شكّ فيه.
وأراب الرجل: صار ذا ريبة فهو مريب.
وجاءت كلمة «الريب» في قوله تعالى من السورة نفسها: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الآية ٢٣] .
لقد وردت كلمة «الريب» في سائر سور القرآن خمس عشرة مرة أخرى في خمس عشرة آية من سور القرآن ومنها:
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها [غافر: ٥٩] .
كما وردت كلمة «ريبة» في [الآية ١١٠ من سورة التوبة] هي في قوله تعالى:
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ.
وقد ورد الوصف من هذه الكلمة «مريب» في سبع آيات من سور مختلفة، جاء في ست منها وصفا لموصوف هو: «الشكّ» ، ومن ذلك قوله :
وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) .
ولم يلتفت أهل العلم إلى هذا الوصف، فيعرضوا للشكّ والريب،
стр. 106
وعلاقة أحدهما بالآخر، وتعيين الحد بينهما، ولم أجد في كتب التفسير شيئا من هذا العلم اللغوي، الذي يبحث في دقائق الفروق.
وقد ورد «الشكّ» في خمس عشرة آية في سور مختلفة، جاء في ست منها موصوفا بالوصف «مريب» كما أشرنا.
و «الشكّ» نقيض اليقين، فاليقين ثبوت العلم، أما الشكّ فهو نقيضه.
وكأنه حال من التردد بعيد عن الاستقرار.
والذي أراه أنه أضعف من «الريب» ، ولو لم يكن ذلك لما وصف «الشكّ» في ست آيات ب «مريب» ، منها قوله تعالى:
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) [إبراهيم] .
ويدلنا هذا على أن «الشك» قد ورد في تسع آيات أخرى غير موصوف بهذا الوصف، ويبدوا أنها تعني اليقين الثابت، كقوله تعالى:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] .
إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: ١٠٤] .
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) [النمل] .
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [سبأ: ٢١] .
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) [ص] .
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤] .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) [الدخان] .
ألا ترى أن كلمة «الشكّ» في هذه الآيات التسع تعني التردد وعدم اليقين، وهي أضعف في دلالتها على المعنى من «الشكّ» موصوفا «بمريب» في الآيات الست التي أشرنا إلى بعض منها؟
إن «الشكّ» قد ورد في سورة يونس، الآية ٩٤، في أسلوب الشرط وهو من أساليب الإنشاء. وأساليب الإنشاء في جملتها لا تحتمل الصدق
стр. 107
والكذب، بخلاف أسلوب الخبر الذي يحتملهما. وعندي أن استعمال «الشكّ» في الآيات التسع، قد ورد إمّا في حشو جملة الشرط، وإما بعد «بل» للإضراب، وإما في حشو جملة الاستفهام، وإما في جملة توحي بالتردّد وعدم الاستقرار، كما في قوله تعالى:
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [سبأ: ٢١] .
وقوله تعالى أيضا: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) [الدخان] .
وقوله تعالى: فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤] .
وعلى هذا كان استعمال الريب ألزم وأوجب لما يقتضي المقام أن تستعمل فيه، ولا يمكن أن يحل «الشكّ» محلّه.
ألا ترى أن قوله تعالى: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [الكهف: ٢١] . تقرير حق وبيان وعلم بأمر محقق، وهذا يؤذن ألا يستعمل فيه ما قد يفهم منه الضعف والتردّد، فاستبعدت كلمة «الشكّ» واستعملت كلمة «الريب» ، ولا يمكن أن تؤدي الاولى ما تؤديه الثانية.
ومثل هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: ٥] .
وقوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) [الحج] .
وقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [السجدة] .
وقوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى: ٧] .
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية: ٢٦] .
ألا ترى أن قيام الساعة، والبعث، ويوم القيامة، ويوم الجمع حق لا مراء فيه، فإثباته وبيانه يتطلب أن تؤدي الألفاظ هذه الحال المقتضاة، فكان ان استعمل «الريب» ، ولم يستعمل «الشك» . تلكم لغة التنزيل في تخير اللفظ، وأحكام الأداء، وإصابة دقائق المعاني.
٢- قال تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) .
стр. 108
أقول استعمال «المدّ» في هذه الآية استعمال لطيف دقيق، فهو غير «المدّ» المعروف بمعنى البسط، وهو استعمال خاص بهذه اللغة الشريفة.
قال الزمخشري «الكشاف ١: ٦٧» :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الآية ١٥] : من مدّ الجيش وأمدّه إذا زاده، وألحق به ما يقوّيه ويكثّره. وكذلك مدّ الدواة وأمدّها: زادها ما يصلحها.
ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومدّه الشيطان في الغيّ وأمدّه: إذا وأصله بالوساوس حتى يتلاحق غيّه انهماكا فيه.
فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المدّ في العمر والإملاء والإمهال؟
قلت: كفاك دليلا على أنه من المدد دون المدّ، قراءة ابن كثير وابن محيصن: (ويمدّهم) ، وقراءة نافع:
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له. فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى الى قوله تعالى:
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [الأعراف:
٢٠٢] ؟ قلت: إما أن يحمل على أنهم لمّا منعهم الله ألطافه التي يمنحها للمؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددا. وأسند إليه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بسبب كفرهم. وإما على منع القسر والإلجاء، وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان في الإمهال، وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين، ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.
وفي قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) .
العمه: مثل العمى.
قال الزمخشري: «الكشّاف ١: ٦٩» ، «والعمه مثل العمى، إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي
стр. 109
خاصة، وهو التحيّر والتردّد، لا يدري أين يتوجّه. ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي: الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضا عمهاء أي:
لا منار بها» . انتهى كلام الزمخشري.
أقول:
العمى والعمه متقاربان كلّ التقارب في الدلالة وبينهما فرق ما بين العامّ والخاص.
اللغة:
الذي أراه أن مادة المعنى في هاتين الكلمتين العين والميم، ثم يأتي الصوت الثالث ليعيّن المعنى، فيدلّ بالفتح في «العمى» على المعنى العام، ويدلّ بالهاء في «العمه» على المعنى الخاص.
قلت: بالفتح، وذلك أن الفتح بعد الميم في «العمى» وليس فوق الميم، هو صوت ثالث، فلما أطلق قليلا قليلا ولّد ما اصطلح عليه الألف المقصورة، وحقيقته فتحة لها طول معين يتجاوز الفتحة المألوفة، وهو صوت ثالث في هذه الكلمة كالصوت الصامت في «العمه» وهو الهاء.
٣- قال تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [الآية ٢٠] .
أقول: أراد- جلّ وعلا- في قوله:
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ كلما أضاء البرق لهم مشوا في ضوئه. وهذا المعنى يدفعنا أن نقول في لغتنا العربية المعاصرة:
«إن هذه المسألة في ضوء العلم الحديث مقبولة» وليس: على ضوء العلم الحديث.
أقول: والذي دفع المعربين في عصرنا إلى استعمال: «على ضوء العلم» هو التأثر باللغات الغربية ولا سيما الفرنسية والإنكليزية.
٤- لن:
قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) .
قال الزمخشري: في «الكشّاف ١:
١٨١» :
فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ قلت: «لا» و «لن» أختان في نفي المستقبل، إلّا أنّ في «لن» توكيدا وتشديدا، تقول لصاحبك: لا أقيم غدا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم
стр. 110
غدا كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم.
وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه، أصلها «لا أن» ، وعند الفرّاء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل حرف مقتضب لتأكيد نفي المستقبل.
أقول:
ويبدوا لي أنّ قول الفرّاء أوجه، وإن أصلها «لا» وهذا يعني أن التنوين عرض لها. وعلى هذا ألا يصح أن نقول: إنّ «إذا» أو «إذن» جاءت من «إذا» ، وإنّ «من» الموصولة أو الشرطية هي من «ما» ، ثم كان الاختصاص بعد ذلك في الاستعمال، بعد أن غبر عليها الزمان.
٥- قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [الآية ٣١] .
قال الزمخشري: «في الكشّاف ١:
١٢٦» : وعلّم آدم مسمّيات الأسماء. ثم عرضهم، أي: عرض المسمّيات.
أقول: ذهب المفسرون إلى هذا التأويل بسبب الضمير «هم» ، الذي يعود إلى جماعة العاقلين، والأسماء حقّها أن يكون الضمير العائد عليها هو «ها» للتأنيث، فيكون الفعل «عرضها» .
أقول أيضا: لعل هذا الاختصاص في الضمائر في الاستعمال لم يكن واضحا وضوحا كافيا في الحقب البعيدة من تاريخ العربية.
وجاء في «الكشّاف» : وقرأ عبد الله:
عرضهن، وقرأ أبيّ: عرضها.
٦- قال تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) .
قال الزمخشري: الباء التي في «الباطل» إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء، خلطته به، كان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه.
أقول: كأن الأصوات الصامتة الساكنة التي ندعوها في كتب العربية القديمة «الحروف الصّحاح» هي مادة المعاني في الألفاظ، ثم تأتي الأصوات الصائتة التي دعيت «أحرف العلة» ،