← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قتالهم، ولا يقتلوا من يلقي إليهم السلام منهم طمعا في أموالهم، وذكر لهم أنهم كانوا كفارا مثلهم فمنّ عليهم بالإسلام، وقد يمنّ عليهم بالإسلام مثلهم. ثم ذكر أنه لا يستوي القاعدون عن الجهاد والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، واستثنى من القاعدين أولي الضّرر لأنه لا جهاد عليهم، ثم ذكر من فضل المجاهدين على القاعدين ما ذكر، وأتبعه بوعيد من قعد عن الجهاد في دار الكفر، وأوجب عليهم الهجرة منها إلى دار الإسلام، واستثنى منهم المستضعفين الذين لا يمكنهم الهجرة، ثم رغّبهم في الهجرة بأنهم يجدون بها في الأرض مراغما كثيرا وسعة، وهذا إلى ما يكون لهم عند الله من عظيم الأجر. ثم بيّن لهم كيف يؤدون الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو، فأباح لهم قصر الصلاة إذا ضربوا في الأرض للجهاد، فإذا صلّوا خلف النبي (ص) في حال الحرب، فليقسموا أنفسهم في الصلاة خلفه، ولا يصلّوا خلفه دفعة واحدة، فإذا زال الخوف أتوا بالصلاة على وجهها المعروف، ثم ختم الكلام على القتال وأحكامه بقطع العذر عليهم فيه فقال وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) . تحريم المحاباة في الحكم الآيات [١٠٥- ١٢٦] ثم قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وكان طعمة بن أبيرق سرق درعا، فلما طلبت منه رمى بها واحدا من اليهود، فجاء قومه يطلبون من النبي (ص) أن يعينهم عليهم، فذكر له أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم بين الناس بما يريه إياه، ونهاه أن يخاصم للخائنين وأمره أن يستغفره من ذلك، تعريضا بمن فعل ذلك من قوم طعمة، ثم وبّخهم على ما كان منهم، وذكر أنهم إذا جادلوا عن الخائنين في الدنيا، فمن يجادل عنهم يوم القيامة، وأن من يعمل سوءا ويستغفر الله ولا يرم به بريئا يغفره الله له، ومن يعمل سوءا ثم يرم به بريئا، فقد أضاف إليه إثما أشنع

стр. 422

منه، ثم ذكر أنه لولا فضله على النبي (ص) لأضلوه بذلك، وأنهم لا يضلون إلا أنفسهم، وأنه أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلّمه ما لم يكن يعلم فتضاعف بهذا فضله عليه، ثم ذكر أن ما يتناجون به من ذلك وغيره لا خير فيه، وإنما الخير في التناجي بالأمر بالصّدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، فله عظيم الأجر، ومن يمض في شقاقه إلى أن يرتدّ عن دينه كأولئك المنافقين فله شديد العقاب، ولا يغفر الله له أبدا، لأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ثم ذكر من قبائح شركهم أنهم لا يدعون من دونه إلا إناثا كاللّات والعزّى، وإلا شيطانا مريدا يضل الناس ويزين لهم القبائح ويمنّيهم أنه لا بعث ولا حساب، ثم ذكر أنه لا صحة لأمانيهم ولا لأمانيّ أهل الكتاب أنه لن يدخل الجنة غيرهم، فمن يعمل سوءا يجز به في يوم الجزاء، ومن يعمل صالحا يدخله الجنة ولا يظلمه شيئا، وليس هناك أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله واتّبع ملة إبراهيم في توحيده وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) [الآية ١٢٦] . أحكام أخرى في النساء الآيات [١٢٧- ١٣٤] ثم قال تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [الآية ١٢٧] . وكانوا قد سألوا التخفيف في ما نزل في أول السورة في يتامى النساء اللاتي كانوا ينكحوهن طمعا في أموالهن، وفي اليتامى الذين كانوا يحرمونهن من الميراث، وفي العدل مع الزوجات في عشرتهن وعند مفارقتهن، فذكر لهم أن ما تلاه عليهم أول السورة في اليتامى هو الذي يفتيهم الآن به، لأنه لا سبيل إلى تغييره، وأن الصلح بين المرأة وبعلها عند خوفها من نشوزه أو إعراضه خير من التسريح والفراق، ولو اقتضى ذلك أن تتنازل المرأة عن بعض حقوقها في القسم والنفقة ونحوهما، وتتغلب بذلك على ما جبلت عليه الأنفس من الشّحّ، ثم ذكر أن ما أمر به في أول السورة من العدل بين الزوجات لا يمكن الإتيان به على وجهه الكامل، فليأتوا منه ما في استطاعتهم من العدل في القسم ونحوه. فإذا لم يمكنهم ذلك

стр. 423

العدل المستطاع، ولم ترض الزوجات أن ينزلن عن حقهن فيه، فليتفرّقا يغن الله كلّا من سعته، ثم ذكر أن ما أمرهم به في ذلك من التقوى التي وصّى بها أهل الكتاب من قبلهم، ويوصيهم بها من بعدهم، وأنهم إذا كفروا ولم يتّقوه فإنه غنيّ عنهم، وأنه إن يشأ يذهبهم ويأت بغيرهم، وأن من يريد ثواب الدنيا بالطمع في أولئك الضعاف فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الآية ١٣٤] . تحريم المحاباة في الشهادة الآية [١٣٥] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [الآية ١٣٥] . فأمرهم أن يكونوا قوامين بالعدل في كل أمورهم، وأن تكون شهادتهم لله ولو كان فيها ضرر على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وإذا كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا يكتموا الشهادة لرضا الغني أو الترحم على الفقير، ونهاهم عن متابعة الهوى ليستطيعوا القيام بما أمروا به من ذلك وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) . عود إلى المنافقين وأهل الكتاب الآيات [١٣٦- ١٧٥] ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ١٣٦] . فعاد إلى الكلام على المنافقين وأهل الكتاب، وقد بدأ بالمنافقين وأهل الكتاب، وقد بدأ بالمنافقين فأمرهم أن يؤمنوا إيمانا صادقا بما أمرهم أن يؤمنوا به، وذكر أنه لا يغفر لمن يتذبذب في إيمانه مثلهم، ثم أمر النبي (ص) أن يبشرهم بما لهم من عذاب أليم تهكّما بهم، وذكر أنهم يتخذون الكافرين من اليهود أولياء من دون المؤمنين، فيجلسون إليهم ويسمعون إلى طعنهم في القرآن، مع أنهم قد نهوا عن سماع ذلك منهم، ثم ذكر تذبذبهم بين المسلمين والكفار، فإن كان للمؤمنين فتح طلبوا أن يشاركوهم في الغنائم، وإن كان للكفار ظفر امتنوا عليهم بمنعهم من المسلمين، وأنهم يخادعون الله بذلك وهو خادعهم، وأنهم يقومون إلى الصلاة متكاسلين يراءون الناس فيها. ثم ذمّهم على تلك الذبذبة، وحذر المؤمنين أن يتذبذبوا مثلهم، فيوالوا الكفار كما والوهم. وذكر أنه أعدّ للمنافقين أشنع عقاب، مبالغة في التحذير منهم، واستثنى من ذلك من

стр. 424

تاب من نفاقه وأخلص دينه له، لأنه لا حاجة له في عذاب أحد، وإنما يعذب الناس ليحملهم على التوبة من ذنوبهم، ثم ذكر أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول كما يفعل أولئك المنافقون، وأباح لمن ظلم أن يجهر بما وقع عليه من الظلم، ولمن يأتي بخير أن يظهره أو يخفيه، وفضّل لمن ظلم أن يعفو عمن ظلمه. ثم انتقل إلى اليهود فحكم بكفرهم لأنهم يريدون أن يؤمنوا ببعض كتبه ورسله دون بعض، ثم أوعدهم على ذلك عذابا مهينا، ووعد الذين يؤمنون بسائر الرسل بأنه سوف يؤتيهم أجورهم يوم القيامة، ثم ذكر من تعنّتهم على النبي (ص) أنهم سألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء يعاينونه حين ينزل، وأن تعنّتهم على موسى أكبر من ذلك، فطلبوا منه أن يريهم الله جهرة، وعبدوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات، إلى غير هذا من تعنتهم وعنادهم. ثم ذكر أنهم تعنتوا على مريم ونسبوها إلى الزنى، وأنهم تعنتوا على المسيح وزعموا أنهم قتلوه، وذكر أنهم لم يقتلوه يقينا بل رفعه إليه، وأنه لا يموت بعد رفعه حتى يؤمن به من كذبه منهم، ثم ذكر أنه جازاهم على تعنتهم بتشديده عليهم في الدنيا، فحرّم عليهم بعض ما أحلّ لهم من الطيبات، وأعدّ في الآخرة للكافرين منهم عذابا أليما. ثم استدرك على ذلك بأن الراسخين في العلم منهم لا يتعنتون على النبي (ص) ، بل يعلمون أنه النبي المبشّر به، ويؤمنون به وبما أنزل إليه وما أنزل من قبله، ثم ذكر أنه أوحى إلى النبي (ص) كما أوحي إلى الأنبياء من قبله، وأنهم إذا لم يشهدوا بذلك فإنه يشهد به هو والملائكة، ثم أوعدهم على كفرهم وتعنّتهم بما أوعدهم به، وختم الكلام معهم بدعوتهم الى الإيمان بما جاءهم من الحق، لأنه خير لهم من كفرهم وتعنتهم. ثم انتقل إلى النصارى فنهاهم عن الغلوّ في دينهم بتعظيم المسيح إلى مرتبة الألوهية، وذكر أنه إنما هو رسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. ثم أمرهم أن يؤمنوا به وحده ويتركوا عقيدة التثليث، ونفى أن يكون له ولد كما يزعمون، وذكر أن المسيح والملائكة المقربين لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا له، وأوعد من يستنكف

стр. 425

عن عبادته بما ذكره في وعيده، ووعد الذين يؤمنون به بما وعدهم به، ثم دعاهم إلى الإيمان بعد أن جاءهم برهان به وأنزل إليهم نورا مبينا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) . حكم الكلالة الآية [١٧٦] ثم قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [الآية ١٧٦] . فذكر أنهم استفتوه في الكلالة من الورثة، وهم الحواشي الذين يدلون بالوالدين إلى الميت، وقد ذكر في أحكام الميراث السابقة نصيب الكلالة إذا كانوا إخوة لأم، وذكر هنا نصيب الكلالة إذا كانوا من العصب، وقد أفتاهم في ذلك بأن الأخت لها النصف، وبأن أخاها يرث مالها كلّه إن لم يكن لها ولد فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) .

стр. 426

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النساء» «١» تقدّم وجوه مناسبتها وأقول: هذه السورة أيضا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة. فمنها: أنه أجمل في البقرة قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة ٢١] . وزاد هنا: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [الآية ١] . وانظر كيف كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية، فجعلها في أول هذه السورة التالية لها مبدأ «٢» . ومنها: أنه أجمل في سورة البقرة: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الآية ٣٥] . وبيّن هنا أن زوجته خلقت منه في قوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [الآية ١] . ومنها: أنه أجمل في البقرة آية اليتامى، وآية الوصية، والميراث، والوارث، في قوله: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [البقرة ٢٣٣] . وفصّل ذلك في هذه السورة أبلغ تفصيل «٣» . وفصّل هنا من الأنكحة ما أجمله هناك، فإنه قال في البقرة: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ [الآية ٢٢١] .

стр. 427

فذكر نكاح الأمة إجمالا، وفصل هنا شروطه «١» . ومنها: أنه ذكر الصّداق في البقرة مجملا بقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [الآية ٢٢٩] . وشرحه هنا مفصّلا «٢» . ومنها: أنه ذكر هناك الخلع، وذكر هنا أسبابه ودواعيه، من النشوز وما يترتب عليه، وبعث الحكمين «٣» . ومنها: أنه فصّل هنا من أحكام المجاهدين، وتفضيلهم درجات، والهجرة، ما وقع هناك مجملا، أو مرموزا إليه «٤» . وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: تفسير: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. بقوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [الآية ٦٩] . وأما وجه اعتلاقها بآل عمران فمن وجوه: منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به «٥» . وهذا من أكبر وجوه المناسبات في ترتيب السّور، وهو نوع من البديع يسمّى: تشابه الأطراف. ومنها: أن سورة آل عمران ذكرت فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه السورة ذيلها، وهو قوله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [الآية ٨٨] . فإنها نزلت لما اختلف الصحابة في من رجع من

стр. 428

المنافقين من غزوة أحد، كما في الحديث «١» . ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التي بعد أحد بقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [الآية ١٧٢] «٢» . وأشير إليها هنا بقوله: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ [الآية ١٠٤] «٣» . وبهذين الوجهين عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها في مصحف ابن مسعود، لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران، ولاحقه وتابعه، فكانت بالتأخير أنسب. ومنها: أنه ذكر في آل عمران قصة خلق عيسى بلا أب، وأقيمت له الحجة بآدم، وفي ذلك تبرئة لأمه، خلافا لما زعم اليهود، وتقرير لعبوديته، خلافا لما ادعته النصارى، وذكر في هذه السورة الرد على الفريقين معا: فرد على اليهود بقوله: وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً [الآية ١٥٦] ، وعلى النصارى بقوله: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [الآية ١٧١] ، إلى قوله: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ [الآية ١٧٢] . ومنها: أنه لما ذكر في آل عمران: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران/ ٥٥] ، رد هنا على من زعم قتله بقوله: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. ومنها: أنه لما قال في الآية ٧ من آل

стр. 429

عمران في المتشابه «١» : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، قال هنا: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الآية ١٦٢] . ومنها: أنه لما قال في آل عمران: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [آل عمران/ ١٤] ، فصّل هذه الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية، ليعلم ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرّم فلا يتعدّى إليه، لميل النفس إليه. فقد جاء في هذه السورة أحكام النساء، ومباحاتها «٢» ، للابتداء بها في الآية السابقة في آل عمران، ولم يحتج إلى تفصيل البنين، لأن تحريم البنين لازم، لا يترك منه شيء كما يترك من النساء، فليس فيهم مباح فيحتاج إلى بيانه، ومع ذلك أشير إليهم في قوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) . ثم فصّل، في سورة المائدة، أحكام السراق، وقطاع الطريق «٣» ، لتعلقهم بالذهب والفضة الواقعين في الآية بعد النساء والبنين. ووقع في سورة النساء إشارة إلى ذلك في قسمة المواريث. ثم فصّل، في سورة الأنعام، أمر الحيوان والحرث، وهو بقية المذكور في آية آل عمران. فانظر إلى هذه اللطيفة التي من الله بإلهامها! ثم ظهر لي أن سورة النساء فصل فيها ذكر البنين أيضا، لأنه لما أخبر بحب الناس لهم، وكان من ذلك إيثارهم على البنات في الميراث، وتخصيصهم به دونهن، تولى قسمة

стр. 430

المواريث بنفسه، فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [الآية ١١] . وقال: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ [الآية ٧] . فرد على ما كانوا يصنعون من تخصيص البنين بالميراث، لحبهم لهم، فكان ذلك تفصيلا لما يحل ويحرم من إيثار البنين، اللازم عن الحب، وفي ذلك تفصيل لما يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة، وما يحرم. ومن الوجوه المناسبة لتقدّم آل عمران على النساء: اشتراكها مع البقرة في الافتتاح بإنزال الكتاب، وفي الافتتاح ب الم وسائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة كلها مقترنة، كيونس وتواليها، ومريم وطه، والطواسين، والم (١) العنكبوت وتواليها، والحواميم، وفي ذلك الدليل الأول على اعتبار المناسبة في الترتيب بأوائل السور. ولم يفرق بين السورتين من ذلك بما ليس مبدوءا به سوى بين الأعراف ويونس اجتهادا لا توقيفا، والفصل بالزّمر بين حم (١) [غافر] وص وسيأتي. ومن الوجوه في ذلك أيضا: اشتراكهما في التسمية بالزهراوين في حديث: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران» . فكان افتتاح القرآن بهما نظير اختتامه بسورتي الفلق والناس، المشتركتين في التسمية بالمعوّذتين.

стр. 431

المبحث الرابع مكنونات سورة «النساء» «١» ١- وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [الآية ١] . روى ابن جرير «٢» عن ابن إسحاق: أنّ بني آدم من صلبه أربعون في عشرين بطنا فممّا حفظ من ذكورهم: قابيل، وهابيل، وإباذ، وشبوبة، وهند، ومرابيس، وفحور، وسند، وبارق، وشيش. ومن إناثهم: إقليمة، واشوف، وجزروة، وعزورا. قال ابن عسكر: وقد روي أنّ من صلب بني آدم عبد المغيث، وتوأمته أمة المغيث وذكر أيضا منهم: عبد الحارث. وفي «مختصر العين» «٣» في قول

стр. 432

العرب: (هيّ بن بيّ) لمن لا يعرف: أن هيّا كان من ولد آدم فانقرض نسله. قال ابن عسكر: وجميع أنساب بني آدم ترجع إلى شيث، وسائر أولاده انقضت أنسابهم من الطّوفان «١» . وذكر بقي «٢» بن مخلد: أن ودّا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا كانوا أولاد آدم من صلبه. حكاه ابن عسكر. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن عروة. ٢- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ [الآية ٢٧] . قال مجاهد: هم الزّناة. وقال السّدّي: اليهود والنّصارى. أخرجهما ابن جرير «٣» . ٣- الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الآية ٣٧] . نزلت في كردم «٤» بن زيد، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري «٥» بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، حين أمروا رجالا من الأنصار بترك النفقة على من عند رسول الله (ص) ، خوف الفقر عليهم. أخرجه ابن جرير «٦» عن ابن عباس. ٤- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ [الآية ٤٤] . سمّي منهم: رفاعة بن زيد بن التابوت. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس «٧» .

стр. 433

وأخرج عن عكرمة: أنها نزلت في رفاعة، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبي رافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب. ٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا [الآية ٤٧] . قال السّدّي: نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك بن الضّيف «١» . وقال عكرمة: في كعب بن الأشرف، وعبد الله بن صوريا. أخرجهما ابن أبي حاتم. ٦- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [الآية ٤٩] . قال قتادة، والضّحّاك، والسّدّي: هم اليهود. أخرجه ابن جرير «٢» . ٧- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [الآية ٥١] . نزلت في كعب بن الأشرف. كما أخرجه أحمد من حديث ابن عبّاس «٣» . ٨- أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [الآية ٥٤] . أخرج ابن جرير «٤» عن عكرمة قال: «الناس» في هذا الموضع: النبيّ (ص) خاصّة. ٩- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا [الآية ٦٠] . نزلت في الجلاس بن الصّامت، ومعتّب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر. أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس «٥» . ١٠- أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [الآية ٦٠] . هو أبو برزة الأسلمي الكاهن. أخرجه الطّبرانيّ «٦» من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 434

أو: كعب بن الأشرف. أخرجه ابن أبي حاتم «١» عن طريق العوفي عن ابن عباس. ١١- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [الآية ٦٥] . أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيّب قال: نزلت في الزّبير بن العوّام، وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء فقضى النبي (ص) للزبير «٢» . ١٢- ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ [الآية ٦٦] . قال النبيّ (ص) ، وأشار إلى عبد الله بن رواحة،: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» . أخرجه ابن أبي حاتم. ١٣- وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [الآية ٧٢] . قال مقاتل: هو عبد الله بن أبيّ. أخرجه ابن أبي حاتم وغيره. ١٤- مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [الآية ٧٥] . قالت عائشة: هي مكّة. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ١٥- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [الآية ٧٧] . سمّي منهم: عبد الرحمن بن عوف. أخرجه النّسائي، والحاكم من حديث ابن عباس «٤» . ١٦- بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ [الآية ٨١] . قال الضّحّاك: هم أهل النّفاق. أخرجه ابن جرير «٥» . ١٧- إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [الآية ٩٠] .

стр. 435

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي خزيمة «١» بن عامر بن عبد مناف. ١٨- سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ [الآية ٩١] . قال مجاهد: هم أناس من أهل مكة «٢» . وقال قتادة: حيّ كانوا بتهامة. وقال السّدّي: جماعة، منهم نعيم بن مسعود الأشجعي. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ١٩- وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [الآية ٩٤] . المقول له ذلك، وهو المسلّم: عامر بن الأضبط الأشجعي. أخرجه أحمد «٣» ، من حديث عبد الله بن أبي حدرد. وفيه: أن القائلين له «لست مؤمنا» نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة، ومحلّم بن جثّامة. وعند ابن حرير «٤» من حديث ابن عمر: أن القائل هو محلّم، وهو الذي قتله. وعند البزّار «٥» من حديث ابن عبّاس: أن القائل هو المقداد بن الأسود. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن الزبير، عن جابر والثّعلبي «٦» من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن

стр. 436

عباس «١» : أن اسم المقتول: مرداس. زاد ابن عباس: واسم القاتل: أسامة بن زيد. ٢٠- إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [الآية ٩٧] . سمّى عكرمة منهم: عليّ بن أميّة بن خلف، والحارث بن زمعة، وأبا «٢» قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا العاص بن منبّه «٣» بن الحجاج، وأبا قيس بن الفاكه. أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد «٤» . ٢١- إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ [الآية ٩٨] . قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. أخرجه البخاري «٥» . وسمّي منهم في حديث آخر «٦» : عيّاش بن أبي ربيعة، [والوليد] «٧» وسلمة بن هشام. ٢٢- وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الآية ١٠٠] . نزلت في ضمرة «٨» بن جندب. أخرجه أبو يعلى بسند رجال ثقات عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أنّه أبو ضمرة بن العيص. وأخرج عبد عنه قال: هو رجل من خزاعة يقال له: ضمرة بن العيص.

стр. 437

وأخرج عن قتادة قال: يقال له سبرة. وعن عكرمة قال: هو رجل من بني ليث. وأخرج ابن جرير «١» عن سعيد بن جبير قال: هو رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزبير: أنها نزلت في خالد بن حزام، هاجر إلى الحبشة فمات في الطريق. وهو غريب جدّا! وقيل: هو أكثم بن صيفي. أخرجه أبو حاتم في «كتاب المعمّرين «٢» » من طريقين عن ابن عباس، والأموي «٣» في «مغازيه» عن عبد الملك بن عمير. ٢٣- وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [الآية ١٠٥] . هم بنو أبيرق: بشر، وبشير «٤» ، ومبشّر. أخرجه الترمذي «٥» ، من حديث قتادة بن النعمان. ٢٤- ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [الآية ١١٢] . عنى به: لبيد بن سهل، كما في حديث الترمذي «٦» . وقيل: عنى به زيد بن السمين رجلا من اليهود. أخرجه ابن جرير «٧» عن قتادة، وعكرمة، وابن سيرين. ٢٥- لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ [الآية ١١٣] . هم أسير «٨» بن عروة، وأصحابه. كما في حديث الترمذي «٩» .

стр. 438

٢٦- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [الآية ١٣٧] . قال أبو العالية: هم اليهود، والنّصارى. وقال ابن زيد: هم المنافقون. أخرج ذلك ابن جرير «١» . ٢٨- إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [الآية ١٤٢] . قال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النّعمان. أخرجه ابن جرير «٢» . ٢٩- لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [الآية ١٤٣] . قال مجاهد: لا إلى أصحاب محمد [ص] «٣» ولا إلى [هؤلاء] اليهود. وقال ابن جريج: لا إلى أهل الإيمان، ولا إلى أهل الشرك «٤» أخرجهما ابن جرير «٥» . ٣٠- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [الآية ١٥٣] . سمّى منهم ابن عسكر: كعب ابن الأشرف، وفنحاص. ٣١- وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [الآية ١٥٧] . أخرج ابن جرير «٦» عن ابن إسحاق: أن الذي ألقى عليه شبهه رجل من الحواريين، اسمه سرجس. ٣٢- لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [الآية ١٦٢] . قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام، وأصحابه. أخرجه ابن أبي حاتم «٧» .

стр. 439

٣٣-ْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [الآية ١٧٢] . أخرج ابن جرير «١» عن الأجلح «٢» قال: قلت للضّحّاك: ما المقرّبون؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية. ٣٤- يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [الآية ١٧٦] . المستفتي: هو جابر بن عبد الله. كما أخرجه الأئمة الستة من حديثه «٣» .

стр. 440

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النساء» «١» ١- قال تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) . أقول: إن استعمال «الأكل» بمعنى الإفادة، والانتفاع، والاستحواذ على الشيء ولا سيما ما يدعى «مالا» ورد غير مرة، ومن ذلك: قال تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) [الفجر] . وقوله تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ [الآية ١٦١] . ومن المفيد أن نشير إلى أن مادة «الأكل» ما زالت تستعمل هذا الاستعمال، على سبيل الاتساع في العربية المعاصرة، فصيحة، ودارجة. ٢- قال تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [الآية ١٢] . قال الزمخشري «٢» : ... فإن قلت: ما الكلالة؟ قلت: يطلق على ثلاثة: على من لم يخلّف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلّفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ، وما كفّ عن جبن. والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمّدا

стр. 441

فاستعيرت للقرابة من جهة الوالد والولد ... أقول: واستعمال «الكلالة» في باب الإرث، وانصرافها إلى مخصوص بعلاقة وقرابة خاصة كما نصّوا على ذلك، بيان في أن لغة القرآن العزيز تمكنت من هذه العربية وحوّلت طائفة منها إلى المصطلح الفني بعد أن كانت لغة لا تشتمل على هذا النوع من المعجم الاصطلاحي الفني. ٣- وقال تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) . لقد ورد الفعل «أعتدنا» بهذه الصيغة المسندة إلى ضمير المتكلمين ثلاث عشرة مرة في آيات القرآن، كما ورد «أعتدت» مع تاء التأنيث في قوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف/ ٣١] . ونريد أن نقف وقفة خاصة على هذا الفعل. قالوا: أعتد الشيء: أعدّه، وقوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، أي: هيّأت وأعدّت. وقوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [الآية ٣٧] ، أي: هيّأنا. والعتاد: العدّة، وما تعدّه لأمر مّا وتهيّئه له. يقال: أخذ للأمر عدّته وعتاده، أي: أهبته وآلته. والعتاد: ما أعدّه الرجل من السلاح والدّوابّ وآلة الحرب. أقول: لم يبق من هذه المادة الواسعة إلا العتاد في اللغة المعاصرة: ويراد بها السلاح على اختلاف أنواعه، وما يتصل بالسلاح من أجزاء ولواحق. كأن هذه الكلمة قد ضاقت رقعتها حتى قيّدت بهذه الخصوصية. ولم يبق شيء من استعمال الفعل «أعتد» في العربية المعاصرة. ٤- وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [الآية ٢٥] . وردت كلمة الطّول في آيتين أخريين هما: اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [التوبة/ ٨٦] . غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر/ ٣] .

стр. 442

قال الزجاج «١» في تفسير الطّول في [الآية ٢٥ من آل عمران] : معناه من لم يقدر منكم على مهر الحرّة، قال: والطّول: القدرة على المهر. وقوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [غافر/ ٣] ، أي: ذي القدرة. وقيل: الطّول: الغنى. وقيل: الطّول: الفضل، يقال: لفلان عليّ طول، أي: فضل. أقول: أفادت العربية من كلمة «الطّول» ضد «العرض» فوائد كثيرة، أفعالا، ومصادر، وصيغا أخرى. وإن نظرة وافية إلى هذه المادة، في المعجم، لتهدي إلى القدر الكبير من الفوائد، التي حفلت بها لغة العرب من هذه المادة، اعتمادا على تغيير الأصوات القصيرة (الحركات) . ألا ترى أنهم قالوا: طويل ثم طوال للمبالغة. وأنهم قالوا: طول للحبل الطويل جدا كما في قول طرفة: لعمرك إنّ الموت، ما أخطأ الفتى، ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد ومن المفيد أن نجد «التطاول» ، بمعنييه الحسي والعقلي، فندرك كم أفادت العربية من الأصول المادية الأولى، ففرّعت المعاني، وشقّقت الصيغ. ٥- وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ [الآية ٣٨] . أريد أن أقف على «الرّئاء» ، وهو مصدر كالمراءاة، مثل السّباق والمسابقة، ويراد به الذين ينفقون أموالهم تظاهرا وزهوا. وفي الرّئاء خداع وكذب، وهذا كقوله تعالى أيضا: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ [الأنفال/ ٤٧] . أقول: وهذا المصدر الصريح هو الذي تحول إلى «الرياء» ، واكتسب خصوصية معنوية نعرفها في الاستعمال. وليس «الرياء» اسما كما ورد في «اللسان» ، بل هو المصدر نفسه كالمراءاة، وهو مقلوب «الرّئاء» وقد صير إلى هذا القلب التماسا للخفة، وهو كالقلب في آبار وآرام، والأصل

стр. 443

أبآر وأرءام. إن هذه الخفة لا تتحقق في اجتماع الهمزة مع المدّ (آ) . وبسبب من القلب، حدث تطور في الدلالة، ألا ترى أن استعمال «رئاء» يختلف قليلا في الدلالة عن استعمال «رياء» ؟ ٦- وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [الآية ٤٣] . أقول: الأصل في «التيمّم» القصد. ومنه قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة/ ٢٦٧] . أي: ولا تقصدوا المال الرديء تخصّونه بالإنفاق. أما «التيمّم» في سورة النساء، وفي الآية ٤٣، فهو شيء آخر، وهو أمر من الله، جل وعلا، خصّ به المرضى، والذين كانوا عابري سبيل، أو من جاء من الغائط، أو لامس النساء، وطلب إليهم أن يتيمّموا بالتراب إن لم يجدوا ماء يتطهّرون به. ولا بد أن نرجع إلى تاريخ الكلمة في مسيرتها وتطورها. عرفنا أن التّيمّم هو القصد، وهذا يعني أنه صيغة أخرى لكلمة «الأمّ» ، (بفتح الهمزة) ، ومن هنا كان أصحاب المعجمات القديمة على حق في إدراج كلمة «التيمّم» في مادة «أمم» لأن المعنى واحد وهو القصد. وجاء في كتب اللغة «١» : وتيمّمته: قصدته. وفي حديث ابن عمر: من كانت فترته إلى سنّة فلأمّ ما هو، أي: قصد الطريق المستقيم، يقال: أمّه يؤمّه أمّا وتأمّمه وتيمّمه. قال: ويحتمل أن يكون الأمّ (بفتح الهمزة) ، بمعنى المأموم، أي: هو على طريق ينبغي أن يقصد. ومنه الحديث: كانوا يتأمّمون شرار ثمارهم في الصدقة، أي: يتعمّدون ويقصدون، ويروى: يتيمّمون، وهو بمعناه. ومنه حديث كعب بن مالك: وانطلقت أتأمّم رسول الله (ص) . وقال ابن السكيت في قوله تعالى:

стр. 444

فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، أي: اقصدوا لصعيد طيّب، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمّم علما لمسح الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن سيده: التّيمّم التّوضّؤ بالتراب على البدل، وأصله من الأول، (يريد التأمّم) ، لأنه يقصد التراب فيتمسّح به. أقول: هذا طريق مسيرة الكلمة في تحولها من «القصد» العام الى المصطلح الفنّي بحيث صار التيمم، لدى الخاصة والعامة، التمسّح بالتراب. ولا بد من فائدة أخرى هي: أن «الأمّ» ، (بفتح الهمزة) ، و «اليمّ» ، وكلاهما يعني القصد، أصلهما البعيد هو الظرف «أمام» ، وبشيء من لطف الصنعة، كما قالوا، صير إلى القصد فكأن من «يؤمّ» ، يذهب إلى «أمام» في الأصل ثم اتسع فيه. وأرى أن «الإمام» ، وهو من يؤتمّ به، يلمح إلى هذا الأصل البعيد وهو الظرف «أمام» ، وكذلك الإمامة من غير شك. وأسماء الجهات أمدّت العربية بطائفة كبيرة من المواد النافعة، ألا ترى أن «خلف» ، قد جاء منها الفعل «خلف» بفوائده الكثيرة، وصيغه المختلفة، ومن غير شك أن «الخليفة» ، و «الخلافة» من هذا. ولا تحسبن كلمات «الخلف» ، و «الخلاف» ، و «الاختلاف» بعيدة عن الظرف «خلف» . وإذا قلنا هذا، فإنما نقول مثله في «وراء» ، وليست التورية والمواراة إلا من هذا الظرف المكاني. وهذا باب واسع لو استوفيته لتهيأ منه مجموع ظريف لطيف. ٧- وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [الآية ٦٦] . أريد أن أشير إلى أن الآية الكريمة جعلت الخروج من الديار من الأمور الكبيرة التي تأتي بعد قتل النفس، فإذا كان قتل النفس عسيرا صعبا، لا يقدم عليه الإنسان إلا في أحوال نادرة، فإن الخروج من الديار من أشق الأمور على الإنسان. ٨- وقال تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ [الآية ٧٣] . ليس من شيء في هذه الآية الكريمة

стр. 445

يدفعني إلى وقفة خاصة، إلا استعمال «لئن» . قال النحاة: إن اللام موطئة للقسم، وهذا يعني أن الجواب في هذه الجملة الإنشائية ينبغي أن يكون جوابا للقسم، وإذا كان جوابا للقسم فقد يكون مؤكدا بالنون إن كان مثبتا مستقبلا مقترنا بلام القسم كما هي الحال في الآية نفسها لَيَقُولَنَّ. أقول: وعلى هذا جرى الأسلوب القرآني وذلك في قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي [فصّلت/ ٥٠] . لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم/ ٤٦] . وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم/ ٧] . وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم/ ٧] . وآيات أخرى جرت على هذا الأسلوب، وهو كون الجواب للقسم لا للشرط. وعلى هذا جرى أسلوب الفصحاء في الجاهلية والإسلام، حتى إذا جاء العصر العباسي، وجدنا تحوّلا عن هذا الأسلوب وهو كون الجواب للشرط بدليل اقترانه بالفاء. ومن الشعراء العباسيين الذين جروا على هذا الأسلوب أبو نواس، والسّريّ الرفّاء، ومسلم بن الوليد، والشريف الرّضي وغيرهم. ولكننا نجد أبا تمام والمتنبي قد اتبعا الأسلوب الفصيح الذي استقريناه في الآيات الكريمة، على أننا نجد البحتري قد اتبع الأسلوبين، وها نحن نعرض نماذج من أقوال أبي تمام والشريف الرضي والبحتري. قال أبو تمام من قصيدة يمدح بها حبيش بن المعافى «١» : لئن ظمئت أجفان عين إلى البكا، ... لقد شربت عيني دما فتروّت وقال من قصيدة يمدح بها الفضل بن صالح الهاشمي «٢» : لئن قليبك جاشت بالسماحة لي ... لقد وصلت بشكري حبل مائحها

стр. 446

وقال من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمد بن يوسف الطائي «١» : لئن عمّت بني حوّاء نفعا ... لقد خصّت بني عبد الحميد ونجتزئ بذكر هذه الأبيات الثلاثة عن الكثير غيرها مما اتبع فيه الشاعر هذا الأسلوب، وهو جعل الجواب للقسم المتقدم المتمثل باللام الموطئة ولقد جرى المتنبي على هذا الأسلوب فقد قال من قصيدة في رثاء جدّته «٢» : لئن لذّ يوم الشامتين بموتها، ... لقد ولدت منّي لآنفهم رغما وقال من مقطوعة في إنسان ينشده شعرا في وصف بركة «٣» : لئن كان أحسن في وصفها ... لقد ترك الحسن في الوصف لك وقال من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ويعاتبه «٤» : لئن تركنا ضميرا عن ميامننا، ... ليحدثنّ لمن ودّعتهم ندم على أن هذا هو الأسلوب الذي جرى عليه الجاهليون بدلالة ما ورد في الآيات المحكمات، وهو الأسلوب الذي جرى عليه الإسلاميون كعمر بن أبي ربيعة، وجميل، وكثيّر، وغيرهم، وها هو الفرزدق يخاطب جريرا فيقول: لئن فركتك علجة آل زيد، ... وأعوزك المرقّق والصّناب لقد ما كان عيش أبي ممرّا ... يعيش بما تعيش به الكلاب وعلى ذلك سار جرير أيضا، فقال يرثي جبير بن عياض الكليبي «٥» : لعمري لئن خلّى جبير مكانه، ... لقد كان شعشاع العشية شيظما وقال يهجو التيم «٦» : لئن سكنت تيم زمانا بغرّة، ... لقد حديت تيم حداء عصبصبا

стр. 447

ومما ينسب إلى المجنون قوله «١» : لئن كان يهدى برد أنيابها العلى ... لأفقر منّي، إنّني لفقير وإذا عدنا إلى عصر بني العباس وجدنا ابن الرومي يتّبع الأسلوب الفصيح، فيقول مادحا أحمد بن ثوابة «٢» : لعمري لئن حاسبتني في مثوبتي ... بخفضي، لقد أجريت عادة حاسب وقال من قصيدة في الحسن بن عبيد بن سليمان «٣» : أقسمت حقا: لئن طابت ثمارهم، ... لقد سرى عرفهم في أكرم التّرب وقال أيضا من قصيدة يرثي بها يحيى بن عمر «٤» : لئن لم تكن بالهاشميين عاهة ... لما شكّكم، تالله، إلا المعلهج على أننا نجد البحتري قد جرى على الأسلوب الفصيح كما جرى على خلافه، فقد قال من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان «٥» : فلئن جحدت عظيم ما أوليتني ... إنّي إذا واهي الوفاء ضعيفه وقال أيضا من قصيدة يمدح بها الخليفة المتوكل «٦» : لئن أضحت محلّتنا عراقا ... مشرّقة وحلّتها شآما فلم أحدث لها إلّا ودادا ... ولم أزدد بها إلّا غراما وقد جرى الشريف الرضي على الأسلوب الذي استحدث خطأ، فجرى عليه الكثير من المعربين. قال الشريف من قصيدة يمدح بها أباه ويهنئه بعيد الأضحى «٧» : لئن أبغضت منّي شيب رأسي، ... فإنّي مبغض منك الشبابا

стр. 448

وقال أيضا من مقطوعة في النسيب «١» : لئن كنت أخليت المكان الذي أرى ... فهيهات أن يخلو مكانك من قلبي وبعد، فكيف هو الأسلوب في العربية المعاصرة؟ لا نعرف في العربية المعاصرة إلا الأسلوب الذي جرى على خلاف ما اشتهرت فصاحته، ودلت عليه لغة التنزيل العزيز، وذلك أن المعربين جروا على أن الأسلوب هو أسلوب الشرط، وأن الجواب فيه جواب للشرط فيقال: ولئن فاتنا شيء من ذلك، فلم يفتنا ما هو ضروري. وأنت تجد مثل هذا الأسلوب جاريا شائعا في كتابة الأديب وغير الأديب. ٩- وقال تعالى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [الآية ١٠٠] . قالوا: والمراغم: السّعة والمضطرب، وقيل: المذهب والمهرب في الأرض. وقال الزّجّاج في قوله تعالى: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً معنى مراغما مهاجرا، المعنى يجد في الأرض مهاجرا لأنّ المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلف اللفظان، وأنشد: إلى بلد غير نائي المحلّ ... بعيد المراغم والمضطرب وقال: وهو مأخوذ من الرّغام وهو التراب. ويقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلّة تلحقه بذلك، قال النابغة الجعدي: كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمذهب أقول: وأكبر الظن أن «المراغم» من كلم القرآن، ذلك أن البيت الذي أنشده أبو إسحاق لا نعرف من أمره ونسبته شيئا، والنابغة الجعدي شاعر إسلامي. على أن هذا لا يمنع أن تكون الكلمة معروفة في العربية قبل الإسلام، ولكني أقول بأن الاستعمال القرآني خصص هذه اللفظة باسم المكان فجاءت على زنة اسم المفعول، وذلك جار في غير الثلاثي من الأفعال.

стр. 449

ثم إن الأصل في هذه الكلمة، كما قال الزجاج، هو «الرّغام» أي التراب. وهنا نقول إن قولنا: أرغمت فلانا، أي: أجبرته وقهرته لمحا إلى أن «المرغم» في الأصل من مسّ جبهته التراب، وقد امّحت هذه الحقيقة التاريخية اللغوية فبقي الإجبار والقهر، وعلى هذا لا يكون «المراغم» اسم مكان بمعنى المهرب والمضطرب فحسب، بل يضاف إلى ذلك أنه المهرب الذي يضطرّ الإنسان إلى أن يلجأ إليه ويكره على سلوكه. ١٠- وقال تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [الآية ١٠٢] . أقول: أشار الفعل «فلتقم» إلى أن الفاعل مؤنث وهو طائفة، وهذا يعني أن العربية تراعي اللفظ كثيرا. فلما كان لفظ الفاعل مؤنثا أشار الفعل إلى التأنيث بالتاء في أوله. حتى إذا أسند إلى الفاعل فعل بعده ظهرت المراعاة للأصل والمعنى، وذلك لأن الطائفة مجموع من الناس قد تكون مساوية ل «قوم» ، أو «جمع» ، أو شيء من هذا. ومثل هذا قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ (١١٣) . في مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، وهذا كثير في القرآن وكثير في العربية الفصيحة ولا سيما القديمة. ومراعاة اللفظ في العربية كثيرة، وقد تكون سمة من سمات الفصاحة، ومن ذلك مثلا أن كلمة «بعض» ، تدلّ على الواحد في شواهد كثيرة كما تدل على الجمع في شواهد أخرى. غير أن دلالتها على الواحد تأتي مراعاة للفظها الذي هو مفرد، قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ [الشعراء] . وقوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ [التحريم/ ٣] . وقوله تعالى: وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يوسف/ ١٠] . وفي كلام الفصحاء وأشعار العرب الشيء الكثير من هذه الدلالة على الواحد لمراعاة اللفظ. على أن مراعاة المعنى وهو الجمع كثيرة أيضا. ١١- وقال تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ

стр. 450

خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) . أقول: ورد «الكسب» في لغة التنزيل ودلالته عامة، ينصرف إلى الخير كما ينصرف إلى الشر. قال الله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور] . وقال تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان/ ٣٤] . وقال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ [البقرة/ ١٣٤] . وقال تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة/ ٢٨١] . وقد اجتزأنا بهذه الآيات عن كثير مما يدخل في هذا الخصوص. غير أننا نجد آيات كثيرة تشير إشارة واضحة إلى أن المراد ب «الكسب» هو الشرّ، ومن ذلك: قال تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ [البقرة/ ٨١] . وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم/ ٤١] . وقال تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [آل عمران/ ١٥٥] . وقال تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا [الآية ٨٨] . وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [يونس/ ٢٧] . كما يتحقق هذا المراد من الكلمة بانصرافها إلى الشرّ في آيات كثيرة أخرى. وقد نجد «الكسب» في آيات عدّة يعني الخير المحض كقوله تعالى: .... لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [الأنعام/ ١٥٨] . وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة/ ٢٦٧] . ومثل «الكسب» «الاكتساب» في آيات الله فليس الفعل المزيد خاصا بفائدة معنوية تميزه، وعلى ذلك فهو ينصرف إلى الخير كما ينصرف إلى الشرّ. قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [النور/ ١١] .

стр. 451

وقال تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «١» [البقرة/ ٢٨٦] . ولكنك تجد «الاكتساب» دالا على الكسب الحلال في قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [الآية ٣٢] . أقول: في هذا العرض لهذه الآيات بيان في عموم اللفظ، وخصوصه لأداء المعنى، وقد يكون ذلك أجزى وأوفى من التخصيص والتقييد، وقد كنا أشرنا إليه. ١٢- وقال تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) . والمعنى: لن يأنف المسيح، ولن يذهب بنفسه عزّة، من نكفت الدمع إذا نحّيته عن خدّك «٢» . وقال الأزهري: سمعت المنذريّ يقول: سمعت أبا العبّاس، وقد سئل عن الاستنكاف في قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ فقال: هو أن يقول: لا، وهو من النّكف والوكف. يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، فالنكف أن يقال له سوء. واستنكف ونكف إذا دفعه وقال: لا «٣» . وعند المفسرين: الاستنكاف والاستكبار واحد. أقول: والفعل «استنكف» من الأفعال المستعملة في العربية المعاصرة، ولكن المعنى شيء آخر فيقال: استنكف فلان عن المشاركة في الأمر، أي: عدل وتنحّى، واستنكف عن «التصويت» في مجلس النواب، أي: عدل وانصرف. ولكننا نجد هذا الفعل في العامية الدارجة في الحواضر العراقية مستعملا كما أشارت إليه الآية الكريمة، فابن

стр. 452

المدينة يقول: فلان يستنكف أن يشتغل سائقا لسيّارة، والمعنى يأنف ويذهب بنفسه عزّة. وهذا من الغرائب اللغوية التاريخية وذلك أننا نجد جمهرة من الألفاظ الفصيحة القديمة قد عفا أثرها في الفصيحة المعاصرة، وبقيت في العامية على أنها استعمال دارج.

стр. 453

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النساء» «١» قال تعالى: تَسائَلُونَ بِهِ [الآية ١] خفيفة لأنها من تساؤلهم فإنهم «يتساءلون» فحذفت التاء الأخيرة، وذلك كثير في كلام العرب نحو (تكلّمون) وان شئت ثقّلت فأدغمت «٢» . قال الله تعالى وَالْأَرْحامَ [الآية ١] منصوبة أي: اتقوا الأرحام «٣» . وقرأ بعضهم وَالْأَرْحامَ جرّا «٤» . والأوّل أحسن لأنك لا تجري الظاهر المجرور على المضمر المجرور. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) تقول من «الرقيب» : «رقب» «يرقب» «رقبا» و «رقوبا» .

стр. 454

وقال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ (٢) أي: «مع أموالكم» إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [الآية ٢] يقول: «أكلها كان حوبا كبيرا» . قال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [الآية ٣] لأنه من «أقسط» «يقسط» . و «الإقساط» : العدل. واما «قسط» فإنّه «جار» قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) ف «أقسط» : عدل و «قسط» : جار. قال وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) [الحجرات] . وقال: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [الآية ٣] يقول: «فانكحوا واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ. أي: انكحوا ما ملكت أيمانكم. وأما ترك الصرف في مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [الآية ٣] فإنه معدول عن «اثنين» و «ثلاث» و «أربع» ، كما أن «عمر» معدول عن «عامر» فلم يصرف. وقال تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر/ ١] بالنصب. وقال أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى [سبأ/ ٤٦] فهو معدول كذلك، ولو سمّيت به صرفت، لأنه إذا كان اسما فليس في معنى «اثنين» و «ثلاثة» و «أربعة» . كما قال «نزال» حينما كان في معنى «انزلوا» وإذا سميت به رفعته. قال الشاعر «١» [من الوافر وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة] : أحمّ الله ذلك من لقاء ... أحاد أساد في شهر حلال «٢» وقال «٣» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة] : ولكنّما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب «٤» تبغّى الناس مثنى وموحدا «٥» وقال تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ

стр. 455

[الآية ٣] يقول: «لينكح كلّ واحد منكم كلّ واحدة من هذه العدّة» كما قال تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور/ ٤] يقول: «فاجلدوا كلّ واحد منهم» . وقال: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [الآية ٤] وواحد «الصّدقات» «١» صدقة وبنو تميم تقول: «صدقة» «٢» ساكنة الدال «٣» مضمومة الصاد. وقال تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [الآية ٤] فقد يجري الواحد مجرى الجماعة لأنه إنّما أراد «الهوى» و «الهوى» يكون جماعة. قال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة] : بها جيف الحسرى أمّا عظامها ... فبيض وأمّا جلدها فصليب «٥» وأما «هنيء مريء» «٦» فتقول: «هنؤ هذا الطعام ومرؤ» و «هنيء ومريء» ، كما تقول: «فقه» و «فقه» يكسرون القاف ويضمونها. وتقول: «هنأني» و «هنئته» و «استمرأته» «٧» . وقال تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [الآية ٦] وقال: آنَسْتُمْ ممدودة. تقول: «آنست منه رشدا وخيرا» وآنَسْتُ ناراً [طه/ ١٠ والنمل/ ٧] مثلها ممدودة وتقول: «أنست بالرّجل» «أنسا» . ويقال «أنسا» . وقال تعالى: إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا [الآية ٦] يقول لا تأكلوها مبادرة أن يشبّوا. وقال تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ [الآية ٧] إلى قوله في الآية نفسها نَصِيباً مَفْرُوضاً فانتصابه كانتصاب كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران/ ١٤٥] .

стр. 456

وقال تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ [الآية ٨] ثم قال: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ لأن معناه المال والميراث فذكّر على ذلك المعنى. وقال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً [الآية ٩] لأنه يريد «وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية يخافون عليهم» أي: فلا يفعلنّ ذلك حتى لا يفعله بهم غيرهم «فليخشوا» أي «فليخشوا هذا» أي: فليتّقوا. ثم عاد أيضا فقال: «فليتّقوا الله» . وقال تعالى: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) فالياء تفتح «١» وتضم «٢» ها هنا وكل صواب. وقوله فِي بُطُونِهِمْ [الآية ١٠] توكيد. وقال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [الآية ١١] . فالمثل مرفوع على الابتداء وإنما هو تفسير الوصية كما قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) [المائدة] فسر الوعد يقول: «هكذا وعدهم» أي: قال «لهم مغفرة» . قال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة] : عشيّة ما ودّ ابن عرّاء أمّه ... لها من سوانا إذ دعا أبوان في قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً [الآية ١١] ترك الكلام الأول وقيل: «إذا كان المتروكات نساء» نصب وكذلك قوله: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً [الآية ١١] . وقال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [الآية ١١] فهذه الهاء التي في «أبويه» ضمير الميت لأنه لما قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [الآية ١١] كان المعنى: يوصي الله الميت قبل

стр. 457

موته بأنّ عليه لأبويه كذا ولولده كذا. أي: فلا يأخذنّ إلّا ماله. وقال: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ [الآية ١١] ، فيذكرون أن الإخوة اثنان ومثله «إنّا فعلنا» وأنتما اثنان، وقد يشبه ما كان من شيئين وليس مثله، ولكن الاثنين قد جعلا جماعة [في] قول الله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم/ ٤] . وقال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة/ ٣٨] ، وذلك ان في كلام العرب: أن كل شيئين من شيئين فهما جماعة وقد يكون اثنين في الشعر قال الشاعر «١» [من الطويل وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة] : بما في فؤادينا من الشوق والهوى ... فيجبر منهاض الفؤاد المشعّف «٢» وقال الفرزدق «٣» [من الطويل وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة] : هما نفثا في فيّ من فمويهما ... على النّابح العاوي أشدّ لجام «٤» وقد يجعل هذا في الشعر واحدا. قال «٥» [من الرجز وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة] : لا ننكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا «٦» وقال الآخر «٧» [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة] :

стр. 458

كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص ونظير هذا قوله: «تسع مائة» وانما هو «تسع مئات» أو «مئين» فجعله واحدا، وذلك ان ما بين العشرة إلى الثلاثة يكون جماعة نحو: «ثلاثة رجال» و «عشرة رجال» ثم جعلوه في «المئين» واحدا. وقال تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها [الآية ١١] «١» فقد ذكر الرجل حين قال في الآية نفسها: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ وقرأ بعضهم يُوصِي «٢» وكلّ حسن. ونظير يُوصِي بالياء قوله تعالى: تُوصُونَ [الآية ١٢] ويُوصِينَ [الآية ١٢] حين ذكرهن، واحتج الذي قرأ يُوصِي بالياء بنصبه وصيّة في قوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [الآية ١٢] ونصب فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [الآية ١١] كما نصب كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران/ ١٤٥] . وقرئ: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [الآية ١٢] «٣» ولو قرئت (يورث) «٤» كان جيدا. وتنصب كَلالَةً وقد ذكر عن الحسن «٥» ، فإن شئت نصبت كلالة على خبر كانَ وجعلت يُورَثُ من صفة الرجل، وإن شئت جعلت كانَ تستغني عن الخبر نحو «وقع» ، وجعلت نصب كَلالَةً على الحال أي: «يورث كلالة» كما تقول: «يضرب قائما» «٦» ،

стр. 459

قال الشاعر «١» في «كان» التي لا خبر لها [من الطويل وهو الشاهد السبعون بعد المائة] : فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب «٢» في قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا [الآية ١٢] يريد من المذكورين. ويجوز ان نقول للرجل إذا قلت: «زيد أو عمر منطلق» : «هذان رجلا سوء» أي: اللذان ذكرت. قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [الآية ٢٢] لأن معناه: فإنكم تؤخذون به. فلذلك قال: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، أي: فليس عليكم جناح «٣» . ومثل هذا في كلام العرب كثير، تقول: «لا نصنع ما صنعت» «ولا نأكل ما أكلت» . وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ [الآية ٢٥] على «ومن لم يجد طولا أن ينكح» يقول: «إلى أن ينكح» : لأن حرف الجر يضمر مع «أن» . وقال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [الآية ٢٥] برفع بَعْضُكُمْ على الابتداء. وقال جل شأنه: بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [الآية ٢٥] : لأن «الأهل» جماعة ولكنه قد يجمع فيقال: «أهلون» ، كما تقول: «قوم» و «أقوام» فتجمع الجماعة وقال كما في قوله تعالى: شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا [الفتح/ ١١] ، بالجمع وقال: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم/ ٦] فهذه الياء ياء جماعة فلذلك سكّنت، من هنا نصبها وجرّها بإسكان الياء، وذهبت النون للاضافة. وقال تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [الآية ٢٥] أي: «والصبر خير لكم» . وقال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ [الآية ٢٦] أي: «وليهديكم» ومعناه: يريد كذا وكذا ليبين لكم. وإن

стр. 460

شئت أوصلت الفعل باللام الى «أن» المضمرة بعد اللام نحو: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) [يوسف] وكما قال وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى/ ١٥] ، فكسر اللام أي: أمرت من أجل ذلك. وقال تعالى: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) لأنها من «أدخل» «يدخل» : والموضع من هذا مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة «دحرج» ونحوها. ألا ترى أنّك تقول: «هذا مدحرجنا» ، فالميم، إذا جاوز الفعل الثلاثة، مضمومة. قال أميّة بن أبي الصلت «١» [من البسيط وهو الشاهد الحادي والسبعون بعد المائة] : الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا «٢» لأنه من «أمسى» و «أصبح» . قال تعالى رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء/ ٨٠] . وتكون الميم مفتوحة إن شئت إذا جعلته من «دخل» و «خرج» . وقال سبحانه إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) [الدخان] ، إذا جعلته من «قام» «يقوم» ، فإن جعلته من «أقام» «يقيم» قلت: «مقام أمين» . وحذفت الياء كما تحذف من رؤوس الآي نحو: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) [ص] يريد «عذابي» . وأما قوله تعالى فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) [الواقعة] ، فإنما قرئ بكسر الظاء في (فظلتم) ، على اعتبار أن أصله «ظللتم» . فلما ذهب أحد الحرفين استثقالا حولت حركته إلى الظاء. قال أوس بن مغراء «٣» [من البسيط وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة] : مسنا السّماء فنلناها وطالهم ... حتّى رأوا أحدا يهوي وثهلانا «٤» لأنها من «مسست» والقراءة المثبتة في المصحف الشريف هي: فَظَلْتُمْ بترك الظاء على فتحتها وحذف إحدى اللامين. وهذا الحذف ليس بمطّرد،
следующие страницы →