له الذكر في خدمة المسجد، لا أنها أرادت أن الأنثى ليست كالذكر صورة أو قوة أو نحو ذلك. فلما قالت ذلك، منكرة خجلة، منّ الله عليها بتخصيص مريم بقبولها في النذر دون غيرها من الإناث فقال تعالى فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ [الآية ٣٧] .
فإن قيل: المستعمل في مثله إدخال حرف النفي على القاصر، وحرف التشبيه على الكامل كقولهم: ليست الفضة كالذهب، وليس العبد كالحر، فوزانه: وليست الأنثى كالذكر.
قلنا: لما كان جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا في التشبيه في حالة الإثبات، يقتضي المبالغة في المشابهة كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفه، كان جعل الأصل فرعا والفرع أصلا، في حالة النفي، يقتضي نفي المبالغة في المشابهة لا نفي المشابهة، وذلك هو المقصود هنا، لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى في أعم الأوصاف وأغلبها. ولهذا يقاد أحدهما بالآخر. وإنما أرادت أم مريم نفي المشابهة بينهما في صحة النذرية خادما للبيت المقدس لا غير، فلذلك عكس الثاني أن ذلك قوله تعالى، والمعنى:
ليس الذكر الذي طلبت أن يكون خادما للكنيسة كالأنثى التي وهبت لما علم الله من جعلها وابنها آية للعالمين. وهو تفسير للتعظيم والتفخيم المجمل في قوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [الآية ٣٦] وهي لا تعرف مقدار شرفه، واللام في الذكر والأنثى للعهد. هذا كله قول الزمخشري وتمامه في الكشاف.
وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لمحمد (ع) : أي وليس الذكر كالأنثى يا محمد. وقال بعضهم: هو من كلام أم مريم.
فإن قيل: كيف نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي في المحراب وأجابها وهو في الصلاة، كما قال الله تعالى فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي [الآية ٣٩] ؟
قلنا: المراد بقوله يصلي: أن يدعو كقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء/ ١١٠] ، أي بدعائك.
فإن قيل: ما فائدة تخصيص يحيى (ع) بقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ٣٩]
стр. 387
وكل واحد من المؤمنين مصدق بجميع كلمات الله تعالى؟
قلنا: معناه مصدقا بعيسى الذي كان خلقه بكلمة من الله تعالى، وهو قوله «كن» من غير واسطة أب في الوجود، وكان تصديق يحيى بعيسى أسبق من تصديق كل أحد في الوجود أو في الرتبة.
فإن قيل: زكريا سأل الولد بقوله هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [الآية ٣٨] والله تعالى بشّره بيحيى (ع) على لسان الملائكة، فكيف أنكر بعد هذا كله قدرة الله تعالى على إعطائه الولد حتى قال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [الآية ٤٠] .
قلنا: إنما قاله على سبيل الاستفهام والتعجب من عظيم قدرة الله تعالى، لا على طريق الإنكار والاستبعاد، أو اشتبه عليه كيف ينجب الولد وهو شيخ وامرأته عاقر، أو تزول عنهما هاتان الصفتان لكشف الحال تقديره: أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. ولقائل أن يقول: آخر الآية لا يناسب هذا الجواب.
فإن قيل: ما فائدة تكرار ذكر الاصطفاء في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ [الآية ٤٢] .
قلنا: الاصطفاء الأول: العبادة التي هي خدمة البيت المقدس وتخصيصها بقبولها في النذر مع كونها أنثى، والاصطفاء الثاني: لولادة عيسى (ع) ، أو أعيد ذكر الاصطفاء ليفيد بقوله عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) فيندفع بأنها مصطفاة على الرجال.
فإن قيل: لم نفى حضور النبي ﵊ في زمن مريم بقوله تعالى وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [الآية ٤٤] ، وذلك معلوم عندهم لا شك فيه، وترك نفي استماعه ذلك الخبر من حفّاظه، وهو الذي كانوا يتوهمونه؟
قلنا: كان معلوما أيضا عندهم علما يقينيّا أنه ليس من أهل القراءة والرواية، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة والحضور وهما في غاية الاستحالة، فنفيا من طريق التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية، ونظيره قوله تعالى:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ (٤٤) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ [القصص] .
فإن قيل: لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم والخطاب مع مريم،
стр. 388
وهي تعلم أن الولد الذي بشرت به يكون ابنها؟
قلنا: لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات فأعلمت، بنسبه إليها، أنه يولد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه.
فإن قيل: أي معجزة لعيسى (ع) في تكليم الناس كهلا، وأي خصوصية له في هذا حتى قال وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [الآية ٤٦] ؟
قلنا: معناه ويكلم الناس في هاتين الحالتين بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل وينبأ فيها الأنبياء، فكأنه قال: ويكلم الناس في المهد كما يكلمهم كهلا. وقال الزّجّاج: هذا خرج مخرج البشارة لمريم أنه ﵊ سيبقى إلى زمن الكهولة، فهو بشارة لها بطول عمره، وقيل المقصود منه أن الزمان يؤثر فيه كما يؤثر في غيره، وينقله من حال إلى حال ولو كان إلها لم يجز عليه التغيّر.
فإن قيل: لم قال تعالى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [الآية ٥٥] والله تعالى رفعه ولم يتوفّه؟
قلنا: لما هدده اليهود بالقتل بشّره الله بأنه إنما يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل، والواو لا تفيد الترتيب، فلا يلزم من الآية موته قبل رفعه. الثاني أن فيه تقديما وتأخيرا: أي أني رافعك ومتوفيك. والثالث أن معناه: قابضك من الأرض تاما وافيا في أعضائك وجسدك لم ينالوا منك شيئا، من قولهم: توفيت حقي على فلان إذا استوفيته تاما وافيا. الرابع أن معناه:
أني متوفيك في نفسك بالنوم من قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر/ ٤٢] ورافعك إليّ وأنت نائم حتى لا تخاف، بل تستيقظ وأنت في السماء.
فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [الآية ٥٩] ، وآدم خلق من التراب وعيسى خلق من الهواء، وآدم خلق من غير أب وأم، وعيسى خلق من أم.
قلنا: المراد به التشبيه في وجوده بغير واسطة أب، والتشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه بل من بعضها.
فإن قيل: لم خص أهل الكتاب بأن منهم أمينا وخائنا بقوله سبحانه وَمِنْ
стр. 389
أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
[الآية ٧٥] ، والمسلمون وغيرهم من أهل الملل كذلك منهم الأمين والخائن.
قلنا: إنما خصهم باعتبار واقعة الحال، فإن سبب نزول الآية أن عبد الله بن سلام أودع ألفا ومائتي أوقية من الذهب فأدى الأمانة فيها، وفنحاص بن عازوراء أودع دينارا فخانه، ولأن خيانة أهل الكتاب للمسلمين تكون عن استحلال بدليل آخر الآية، بخلاف خيانة المسلم للمسلم فلذلك خصهم بالذكر.
فإن قيل: لم قال تعالى وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الآية ٨٣] وأكثر الجن والإنس كفرة؟
قلنا: المراد بهذا الاستسلام والانقياد لما قضاه الله عليهم وقدره من الحياة والموت والمرض والصحة والشقاء والسعادة ونحو ذلك.
فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [الآية ٩٠] ومعلوم أن المرتد، وإن ازداد ارتداده كفرا، فانه مقبول التوبة؟
قلنا: نزلت الآية في قوم ارتدّوا ثم أظهروا التوبة بالقول لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم، قاله ابن عباس.
وقيل نزلت في قوم تابوا عن ذنوبهم غير الشرك وقيل معناه: لن تقبل توبتهم وقت حضور الموت.
فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [الآية ٩٦] وكم من بيت بني قبل الكعبة من زمن آدم إلى زمن إبراهيم ﵇؟
قلنا: معناه أن أول بيت وضع قبلة للناس ومكان عبادة لهم، أو وضع مباركا للناس، أو لأن ابن عباس قال:
أول من بناه آدم (ع) ، لما هبط من السماء أوحى الله تعالى إليه أن ابن لي بيتا في الأرض، وافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة تفعل حول عرشي، فبناه وجعل يطوف حوله.
فإن قيل: لم قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [الآية ١١٠] ولم يقل أنتم خير أمة؟
قلنا: معناه كنتم في سابق علم الله، أو كنتم يوم أخذ الميثاق على الذرية، فأراد الإعلام بكون ذلك صفة أصلية فيهم لا عارضة متجددة، أو معناه خلقتم ووجدتم، فهي «كان» التامة،
стр. 390
و «خير أمة» نصب على الحال وتمام الكلام في «كان» يذكر في قوله تعالى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً [النساء/ ٢٢] .
فإن قيل: لم قال تعالى وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [الآية ١١٠] ولا يصحّ أن يقال: هذا خير من هذا إلا إذا كان في كل واحد منهما خير، مع أن غير الإيمان لا خير فيه حتى يقال: إن الإيمان خير منه؟
قلنا: معناه أنّ إيمانهم بمحمد (ص) مع إيمانهم بموسى وعيسى (ع) ، خير من إيمانهم بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فقط.
فإن قيل: لم قال تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
[الآية ١١٧] ، والمقصود:
تشبيه نفقة الكفار وأموالهم في تحصيل المفاخر وطلب الصيت والسمعة، أو ما ينفقونه في الطاعات مع وجود الكفر، أو ما ينفقونه في عداوة رسول الله (ص) ، تشبيه ذلك كله بالزرع الذي أصابته ريح شديدة البرد فأهلكته فضاع ولم ينتفع به، والتشبيه في الحقيقة بالزرع، وفي لفظ الآية بالريح؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح فيها صرّ، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، ونظيره قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة/ ٢٦١] ، وقوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [البقرة/ ١٧١] الآية. وقال ثعلب: فيه تقديم وتأخير تقديره: كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح فيها صرّ فأهلكته.
فإن قيل: لم قال تعالى إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها [الآية ١٢٠] فوصف الحسنة بالمس، والسيئة بالإصابة؟
قلنا: المس مستعار بمعنى الإصابة توسعة في العبارة: وإلا كان المعنى واحدا، ألا ترى إلى قوله تعالى في الفريقين: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء/ ٧٩] وقوله إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) - وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) [المعارج] .
فإن قيل: لم قال تعالى وَسارِعُوا [الآية ١٣٣] والنبي عليه أفضل التحية يقول: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن» ؟
قلنا: قد استثنى النبيّ (ص) خمسة
стр. 391
مواضع فقال: «إلا في التوبة من الذنب، وقضاء الدّين الحالّ، وتزويج البكر البالغ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل» . والمسارعة، المأمور بها في الآية، هي المسارعة إلى التوبة وما في معناها من أسباب المغفرة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [الآية ١٣٥] فعطف عليه بكلمة «أو» ، وفعل الفاحشة داخل في ظلم النفس، بل هو أبلغ أنواع ظلم النفس؟
قلنا: أريد بالفاحشة نوع من أنواع ظلم النفس وهو الزنى، أو كل كبيرة، فخصّ بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [الآية ١٣٥] وقال في موضع آخر وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) [الشورى] وقال: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا [الجاثية/ ١٤] .
قلنا: معناه ومن يستر الذنوب من جميع الوجوه إلا الله، ومثل هذا الغفران لا يكون إلا من الله.
فإن قيل: لم قال تعالى أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [الآية ١٤٤] ولم يقتصر على قوله أَفَإِنْ ماتَ والقتل متضمّن في الموت؟
قلنا: القتل، وإن كان موتا، لكن إذا أطلق الميت في العرف، لم يفهم منه المقتول، فلذلك عطف أحدهما على الآخر.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ١٦١] . وقال في موضع آخر وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام/ ٩٤] .
قلنا: معناه: يأتي به مكتوبا في ديوانه، أو يأتي به حاملا إثمه، ومعنى «فرادى» منفردين عن الأموال والأهل، أو عن الشر كله في الغي، أو عن الآلهة المعبودة من دون الله. وتمام الآية يشهد للكل.
فإن قيل: قد جاء في الصحيحين عن النبي (ص) أن الغالّ يأتي يوم القيامة حاملا عين ما غلّه على عنقه، صامتا كان أو ناطقا. هذا معنى الحديث، فاندفع الجواب.
قلنا: على هذا يكون المراد بالآية الأخرى فرادى عن مال وأهل يعتزّون
стр. 392
بهما ويستنصرون، ويشهد بصحته تمام الآية.
فإن قيل: لم قال تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [الآية ١٦٣] وليس العبيد في الدرجات نفسها؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: هم ذوو درجات أو أهل درجات، فحذف المضاف لعدم الإلباس. وقيل المراد بالدرجات الطبقات، فلا يكون فيه إضمار معناه أنهم طبقات عند الله، متفاوتون كتفاوت الدرجات.
فإن قيل: كيف يجعل لكلّ من الفريقين درجات، وأحد الفريقين لهم دركات لا درجات؟
قلنا: الدرجات تستعمل في الفريقين بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام، بعد ذكر الفريقين وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام/ ١٣٢] وتحقيقه: أن بعض أهل النار أخف عذابا فمكانه فيها أعلى، وبعضهم أشد عذابا فمكانه بها أسفل. ولو سلم اختصاص الدرجات بأهل الدرجات كان قوله هُمْ دَرَجاتٌ راجعا إليهم خاصة تقديره:
أفمن اتبع رضوان الله وهم درجات عند الله كمن باء بسخط من الله وهم دركات، إلا أنه حذف البعض لدلالة المذكور عليه.
فإن قيل عن قوله تعالى الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [الآية ١٨١] ، كانوا في زمن النبي (ص) قالوا ذلك لما سمعوا قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة/ ٢٤٥] ، فكيف قال: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ [الآية ١٨١] أي ونكتب قتلهم الأنبياء، وهم لم يقتلوا نبيا قط؟
قلنا: لما رضوا بقتل أسلافهم الأنبياء، كأنهم باشروا ذلك فأضيف إليهم، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيرا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الآية ١٨٢] وظلام صيغة مبالغة من الظلم، ولا يلزم من نفي الظلام نفي الظالم، وعلى العكس يلزم، فهل قال ليس بظالم ليكون أبلغ في نفي الظلم عن ذاته المقدسة؟
قلنا: صيغة المبالغة جيء بها لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم، كما قال الله تعالى وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) [الكهف] وقال: عالِمِ الْغَيْبِ
стр. 393
[المؤمنون/ ٩٢] وعَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) [المائدة] لما أفرد المعمول لم يأت بصيغة المبالغة، ونظيره قولهم: زيد ظالم لعبده، وعمرو ظلام لعبيده، فهما في الظلم سيّان. وكذلك قال الله تعالى مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح/ ٢٧] فشدد لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل، أو أن الصيغة هنا للنسب أي لا ينسب إليه ظلم فالمعنى: ليس بذي ظلم.
الثاني أن العذاب من العظيم القدر، الكثير العدل، لولا سبق الجناية، يكون أفحش وأقبح من الظلم ممن ليس عظيم القدر كثير العدل، فيطلق عليه اسم الظلام باعتبار زيادة قبح الفعل منه لا باعتبار تكرره، فحاصله أن صيغة المبالغة تارة تكون باعتبار زيادة ذات الفعل، وتارة باعتبار صفته، ففعل الظلم، لو صدر عن الله تعالى وتقدس، لكان أعظم من ألف ظلم يصدر عن عبيده، باعتبار زيادة وصف القبح ونظيره قوله تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب] على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: في قوله تعالى فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الآية ١٨٤] : من حق الجزاء أن يتعقب.
الشرط، وهذا سابق له؟
قلنا: جواب الشرط محذوف، وقوله تعالى: فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الآية ١٨٤] جوابا لأنه سابق عليه، ومعناه: وإن يكذبوك فتأسّ بتكذيب الرسل قبلك، وضعا للسبب، وهو تكذيبهم، موضع المسبب، وهو التأسي بهم.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَلا تَكْتُمُونَهُ في قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [الآية ١٨٧] والأول مغن عن الثاني؟
قلنا: معناه ليبيّننّه في الحال، ويدومون على ذلك البيان ولا يكتمونه في المستقبل. الثاني أن الضمير الأول للكتاب، والثاني لنعت النبي (ص) وذكره، فإنه قد سبق ذكر النبي (ص) قبيل هذا.
فإن قيل: متى بينوا الكتاب لزم من بيانه صفة النبي (ص) وذكره لأنه من جملة الكتاب الذي هو التوراة والإنجيل، فقوله بعد ذلك ولا يكتمونه تكرارا.
стр. 394
قلنا: على هذا يكون تأكيدا.
فإن قيل: لم قال تعالى رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [الآية ١٩٢] وقال في موضع آخر يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم/ ٨] ويلزم من هذا أن لا يدخل المؤمنين النار كما قالت المعتزلة والخارجية؟
قلنا: أخزيته بمعنى أذللته وأهنته من الخزي وهو الذل والهوان، وقوله تعالى يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ من الخزاية وهي النكال والفضيحة، فكل من يدخل النار يذل وليس كل من يدخلها ينكل به ويفضح، أو المراد بالآية الأولى إدخال الإقامة والخلود، لا إدخال تحلّة القسم المدلول عليها بقوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم/ ٧١] أو إدخال التطهير الذي يكون لبعض المؤمنين بقدر ذنوبهم، وقيل إن قوله تعالى يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله.
فإن قيل: لم قال تعالى سَمِعْنا مُنادِياً [الآية ١٩٣] والمسموع نداء المنادي لا نفس المنادي؟
قلنا: لما قال «مناديا ينادي» ، صار تقديره: نداء مناد، كما يقال سمعت زيدا يقول كذا: أي سمعت قول زيد.
ف «مناديا» مفعول سمع، وينادي حال دالة على محذوف مضاف للمفعول.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا [الآية نفسها] وتكفير السيئات داخل في غفران الذنوب؟
قلنا: المعنى مختلف، لأن الغفران مجرد فضل، والتكفير محو السيئات بالحسنات.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) مع انه لا ينفع التوفّي مع الأبرار، بل النافع ان يكون المرء من الأبرار، سواء أتوفي معهم، أم قبلهم، أم بعدهم؟
قلنا: معناه وتوفّنا مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، كما يقال أعطاني الأمير مع أصحاب الخلع والجوائز: أي جعلني من جملتهم، وإن تقدم إعطاؤه عنهم أو تأخر.
فإن قيل: كيف قال وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [الآية ١٩٤] أي على لسان رسلك دعوه بإنجاز الوعد مع علمهم، وقولهم أيضا إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) ؟
стр. 395
قلنا: الوعد من الله تعالى على ألسنة الرسل للمؤمنين وعد عام يحتمل أن يراد به الخصوص كما في أكثر عموميات القرآن، فسألوا الله تعالى أن يجعلهم من الداخلين في حكم الوعد.
الثاني أنهم سألوا تعجيل النصر الذي وعدوا، فإنه تعالى وعدهم النصر على أعدائهم غير موقت بوقت خاص.
فإن قيل: كيف يجوز أن يغتر الرسول بنعم الذين كفروا حتى نهى عن الاغترار بقوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) أي تصرفهم فيها بالنّعم؟
قلنا: معناه لا يغرنكم أيها المؤمنون، فإن رئيس القوم ومقدمهم يخاطب بشيء، والمراد به أتباعه وجماعته. الثاني أنه ﵊ كان غير مغتر بحالهم، فقيل له ذلك تأكيدا وتثبيتا على الدوام عليه، كما قيل له: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) [القصص] ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) [القصص] ، فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) [القلم] .
فإن قيل: كيف ينهى عن التقلب وهو مما ليس ينهى عنه؟
قلنا: معناه لا تغتر بتقلبهم، فيكون تقلبهم قد غرك، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبّب، لأن تقلبهم لو غرّه لاغترّ به فمنع السبب وهو غرور تقلبهم إياه، ليمتنع المسبّب وهو اغتراره بتقلبهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) ولم يقل لا يغرنك نعمهم وأموالهم، والذي يحتمل أن يغر الرسول والمؤمنين النعم والأموال، لا التقلب في البلاد؟
قلنا: المراد بتقلبهم تصرفهم في التجارات والنعم والتلذذ بالأموال، والفقير إنما يتألم وينكسر قلبه إذا رأى الغني يتقلب في النعمة ويتمتع بها، فلذلك ذكر التقلب، وقيل معناه: لا يغرنك تقلبهم في المعاصي غير مأخوذين بذنوبهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) مع أن قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ موضع البشارة بالثواب، وسرعة الحساب إنما تذكر في موضع التهديد والعقاب؟
قلنا: معناه لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا خوفا من حسابه فإنه سريع الحساب، فهو راجع إلى ما قبل.
стр. 396
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «آل عمران»
«١» قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [الآية ٧] . هذه استعارة.
والمراد بها أن هذه الآيات جماع الكتاب وأصله. فهي بمنزلة الأم، كأن سائر الكتاب يتبعها ويتعلق بها، كما يتبع الولد آثار أمه، ويفزع إليها في مهمّه.
وقوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [الآية ٧] . وهذه استعارة. والمراد بها المتمكنون في العلم، تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّانة. وهو أبلغ من قوله:
والثابتون في العلم.
وقوله تعالى: وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) وهذه استعارة.
والمعنى: بئس ما يمتهد ويفرش.
ونظيره قوله وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) [الكهف] ، وقوله سبحانه: وَبِئْسَ الْقَرارُ [إبراهيم/ ٢٩] .
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الآية ٢٢] وهذه استعارة، والمراد فسدت أعمالهم فبطلت. وذلك مأخوذ من الحبط، وهو داء ترم له أجواف الإبل، فيكون سبب هلاكها، وانقطاع آكالها.
وقوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الآية ٢٧] وهذه استعارة، وهي عبارة عجيبة عن إدخال هذا على هذا، وهذا على هذا.
والمعنى أن ما ينقصه من النهار يزيده في الليل، وما ينقصه من الليل يزيده في النهار. ولفظ الإيلاج هاهنا أبلغ،
стр. 397
لأنه يفيد إدخال كلّ واحد منهما في الآخر، بلطيف الممازجة، وشديد الملابسة.
وقوله تعالى: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ٣٩] وهذه استعارة. لأن المراد بهذا القول عيسى (ع) . والعلماء مختلفون في هذه اللفظة، وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتاب «حقائق التأويل» . فمن بعض ما قيل في ذلك أن بشارة الله تعالى سبقت بالمسيح (ع) في الكتب المتقدمة، فأجرى تعالى اسم «الكلمة» عليه لتقدّم البشارة به. والبشارة إنما تكون بالكلام.
وقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) . وهذه استعارة. لأن حقيقة المكر لا تجوز عليه تعالى. والمراد بذلك إنزال العقوبة بهم جزاء على مكرهم. وإنما سمّي الجزاء على المكر مكرا للمقابلة بين الألفاظ على عادة العرب في ذلك.
قد استعارها لسانهم، واستعادها بيانهم.
وقوله تعالى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [الآية ٧٢] وهذه استعارة. والمراد أول النهار. ولم يقل رأس النهار. لأن الوجه والرأس وإن اشتركا في كونهما أول الشيء، فإن في الوجه زيادة فائدة، وهي أنه به تصح المواجهة، ومنه تعرف حقيقة الجملة.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [الآية ٧٣] وهذه استعارة.
والمراد بها إما سعة عطائه، وعظيم إحسانه، أو اتساع طرق علمه، وانفساح أقطار سلطانه وعزه.
وقوله سبحانه: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ٧٧] وهذه استعارة.
وحقيقتها: ولا يرحمهم الله يوم القيامة. كما يقول القائل لغيره إذا استرحمه: انظر إليّ نظرة. لأن حقيقة النظر تقليب العين الصحيحة في جهة المرئي التماسا لرؤيته. وهذا لا يصح إلا على الأجسام، ومن يدرك بالحواس، ويوصف بالحدود والأقطار. وقد تعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا.
وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [الآية ١٠٣] وهذه استعارة.
ومعناها: تمسكوا بأمر الله لكم، وعهده إليكم. والحبال: العهود، في
стр. 398
كلام العرب. وإنما سميت بذلك لأن المتعلق بها ينجو مما يخافه، كالمتشبث بالحبل إذا وقع في غمرة، أو ارتكس في هوة. فالعهود يستأمن بها من المخاوف، والحبال يستنقذ بها من المتالف. فلذلك وقع التشابه بينهما.
وقوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [الآية ١٠٣] .
وهذه استعارة. لأنه تعالى شبّه المشفي، بسوء عمله، على دخول النار، بالمشفي، لزلة قدمه، على الوقوع في النار.
وقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ [الآية ١١٢] وقد مضى الكلام على مثل ذلك في «البقرة» فلا معنى لإعادته.
وقوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ١٢٧] أي ينقص عددا من أعدادهم، فيوهن عضدا من أعضادهم.
وهذا من محض الاستعارة.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وهذه استعارة، لأن الموت لا يلقى ولا يرى. وإنما أراد سبحانه رؤية أسبابه، من صدق مصاع «١» ، وتتابع قراع. أو رؤية آلاته، كالرماح المشرعة، والسيوف المخترطة.
وقوله سبحانه: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [الآية ١٤٤] وهذه استعارة. والمراد بها الرجوع عن دينه، والتقاعس عن اتّباع طريقه. فشبّه سبحانه الرجوع في الارتياب، بالرجوع على الأعقاب.
وقوله سبحانه: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى [الآية ١٥٦] وهذه استعارة. لأن الضرب هاهنا عبارة عن الإنجاد في السير، والإيغال في الأرض، تشبيها للخابط في البر بالسابح في البحر، لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقّا لها، واستعانة على قطعها.
وقوله سبحانه: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) .
وهذه استعارة. لأن الإنسان غير
стр. 399
الدرجة. وإنما المراد بذلك: هم ذوو درجات متفاوتة عند الله، فالمؤمن درجته مرتفعة، والكافر درجته متّضعة.
وقوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) وهذه استعارة. لأن الغرور لا متاع له على الحقيقة، وإنما المراد بذلك أن ما يستمتع به الإنسان من حطام الدنيا ظلّ زائل، وخضاب ناصل.
وقوله تعالى في صدر هذه الآية:
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [الآية ١٨٥] مستعار أيضا، لأن حقيقة الذوق ما أدرك بحاسة، وإنما حسن وصف النفس بذلك لما يحسّ به من كرب الموت وعذابه، فكأنها تحسّه بذوقه.
وقوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) . فهذه استعارة. لأن الأمور لا عزم لها، وإنما العزم للموطّن نفسه على فعلها، وهو الإنسان، فالمراد: فإن ذلك من قوة الأمور. لأن العازم على فعل الأمر قويّ عليه.
وقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [الآية ١٨٧] . وهذه استعارة.
والمراد بها: أنهم غفلوا عن ذكره، وتشاغلوا عن فهمه، يعني الكتاب المنزل عليهم، فكان كالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان، لا يراه فيذكره، ولا يتلفت إليه فينظره.
وقوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [الآية ١٨٨] ومنجاة من العقاب. والمفازة: الأرض البعيدة التي إذا قطعها الإنسان فاز بقطعها، وأمن من خوفها.
وقوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وهذه استعارة. والمراد بالتقلب ها هنا كثرة الاضطراب في البلاد، والتقلقل في الأسفار، والانتقال من حال إلى حال.
стр. 400
سورة النساء ٤
стр. 401
المبحث الأول أهداف سورة «النساء»
«١» سورة النساء سورة مدنية، وتسمى سورة النساء الكبرى، لتمييزها من سورة النساء الصغرى، وهي سورة الطلاق.
وقد عنيت سورة النساء ببيان أحكام النساء واليتامى والأموال والمواريث والقتال وتحدثت عن أهل الكتاب وعن المنافقين وعن فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها وحثّت على التضامن والتكافل والتراحم وبيّنت حكم المحرّمات من النساء. كما حثت على التوبة ودعت إليها وسيلة للتطهّر ودليلا على تكامل الشخصية واستعادة الثقة بالنفس والشعور بالأمن والاطمئنان.
وعدد آيات سورة النساء ١٧٦ آية، وعدد كلماتها ٣٧٤٥ كلمة.
الوصية بالنساء واليتامى
بيّنت سورة النساء أن الزواج شركة تعاونية أساسها المودة والرحمة والوفاء والألفة. وساوت السورة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ثم بينت أن للرجال درجة على النساء، وهي درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة، وبحكم الكدّ والعمل في تحصيل المال الذي ينفقه على الزوجة والأسرة. وليست هذه الدرجة درجة الاستعباد أو التسخير، وإنما هي زيادة في المسؤولية الاجتماعية.
وقد حث القرآن الزوجة على طاعة زوجها، في ما تجب الطاعة فيه، والاحتفاظ بالأسرار المنزلية والزوجية
стр. 402
التي ينبغي ألّا يطّلع عليها غير الزوجين، كما أمر الرجل أن يقوم بحق الأسرة وأن ينفق عليها وأن يفي بالتزاماته نحوها. وجعل نفقة الرجل على أولاده، ورعايته لهم، نوعا من الكفاح والجهاد السلمي يثاب المؤمن على فعله، ويعاقب على تركه.
اليتامى
أمرت السورة بعد ذلك برعاية اليتامى والمحافظة على أموالهم، وإكرام اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه. وحذّرت السورة من إتلاف أموال اليتامى أو تبديدها، وحثّت على القيام بحقوقهم واختبارهم في المعاملات قبيل سن البلوغ، حتى يكون اليتيم مدربا على أنواع المعاملات والبيع والشراء عند ما يتسلّم أمواله.
وقد توعّدت السورة آكل مال اليتيم بالنار والسعير، والعذاب الشديد. وقد مهدت لهذه الأحكام في آياتها الأولى، فطلبت تقوى الله وصلة الرّحم، وأشعرت أنهم جميعا خلقوا من نفس واحدة، أي أن اليتيم، وإن كان من غير أسرتكم، فهو رحمكم وأخوكم فقوموا له بحق الأخوّة وحق الرحم، واعلموا أن الله الذي خلقكم من نفس واحدة، وربط بينكم بهذه الرحم الإنسانية العامة، رقيب عليكم يحصي أعمالكم، ويحيط بما في نفوسكم ويعلم ما تضمرون من خير أو شر فيحاسبكم عليه. وبعد هذا التمهيد، الذي من شأنه أن يملأ القلوب رحمة، يأمرهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة غير منقوصة، ويحذرهم من الاحتيال على أكلها من طريق المبادلة، أو من طريق المخالطة قال تعالى:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [الآية ٢] .
أي لا تخلطوا مال اليتيم بمالكم ليكون ذلك وسيلة تستولون بها على مال اليتيم، تحت ستار الإصلاح بالبيع أو الشراء، بذريعة أنه منفعة لليتيم أو بالخلط والشركة، بذريعة أنه أفضل لليتيم.
وقد تحرّج أتقياء المسلمين من مخالطة اليتيم فأباح الله مخالطة اليتامى ما دام القصد حسنا والنية صادقة في نفع اليتيم، والله سبحانه مطلع على السرائر ومحاسب عليها.
وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [الآية ٦] .
стр. 403
المال والميراث
عنيت سورة النساء وغيرها بشأن المال، من طريق المحافظة عليه وتثميره، ونهت عن الإسراف والتبذير، وأمرت بالتوسط في النفقة والاعتدال فيها، لأن المال عصب الحياة، ولأن كل ما تتوقف عليه الحياة في أصلها وكمالها وسعادتها وعزّها، من علم وصحة وقوة واتساع عمران، لا سبيل للحصول عليه إلا بالمال. وقد نظر القرآن إلى الأموال هذه النظرة الواقعية فحذّر من تركها في أيدي السفهاء الذين لا يحافظون عليها ولا يحسنون التصرف بها. كما أمر بتحصيلها من طرق فيها الخير للناس، وفيها النشاط والحركة، وفيها عمارة الكون. لقد أمر بتحصيلها من طريق التجارة ومن طريق الصناعة والزراعة، وسمّى طلبها ابتغاء من فضل الله، كما وصفها نفسها بأنها زينة الحياة الدنيا ومتاعها. وبلغ من عناية القرآن بالأموال أنه طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة المفروضة. قال تعالى:
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة/ ١٠] .
وتحدثت سورة النساء عن المواريث ونصيب كل وارث، فأمرت أن نبدأ أولا بتنفيذ وصية الميت وتسديد ديونه، ثم وضعت المبادئ الأساسية للميراث ونستخلص منها ما يأتي:
أولا- إن مبنى التوريث في الإسلام أمران: نسبي وهو القرابة، وسببي وهو الزوجية.
ثانيا- إنه، متى اجتمع في المستحقين ذكور وأناث، أخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى.
ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن بعض خصوم الإسلام قد اتخذوا التفاوت، بين نصيبي الذكر والأنثى، مطعنا على الإسلام، وقالوا إن هذا من فروع هضم الإسلام لحق المرأة، والمرأة إنسان كالرجل، وفاتهم أن الذّكر تتعدد مطالبه وتكثر تبعاته في الحياة: فهو ينفق على نفسه، وعلى زوجه، وعلى أبنائه.
ومن أصول الشريعة أنه يدفع المهر لمن يريد أن يتزوّج بها. أما الأنثى، فإنها لا تدفع مهرا ويلزم زوجها بنفقتها في مأكلها ومشربها ومسكنها وخدمها، وذلك فوق تبعاته العائلية التي لا يلحق الأنثى مثلها. وبينما نرى بعض التشريعات الوضعية تقضي بحرمان
стр. 404
الأنثى كلّيا، أو حصر الميراث في أكبر الأبناء وحده، كما كانت الحال في بعض البلاد الأوروبية إلى وقت قريب، فإننا نجد تشريعا آخر يقضي بمساواتها بالذكر.
ونقارن ذلك بالإسلام فنجد أن منهجه في التوريث منهج وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو لم يحرم الأنثى الميراث، بل أعطاها نصيبا مناسبا لظروفها في الحياة، وأعطى أخاها نصيبا مناسبا لتبعاته في الحياة.
وهذا هو شأن الإسلام في أحكامه وشرائعه، فهو يعتمد على الحكمة والعدل لأنه تشريع الحكيم العليم.
تعدد الزوجات
تحدثت سورة النساء عن تعدد الزوجات، فأباحته بشرط العدل بينهن.
فإذا خاف الإنسان من عدم العدل، فعليه الاقتصار على زوجة واحدة، فإن ذلك أدعى إلى صفاء الحياة ويسرها وتحقيق الهدف من الزواج، وهو المودة والرحمة.
ويرى الإمام محمد عبده أنّ تعدّد الزوجات أمر مضيّق فيه كل التضييق، فكأن الله سبحانه قد نهى عن التعدد.
قال تعالى:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) .
أي إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتيمات اللواتي تحت وصايتكم، كأن يكون الدافع لكم على الزواج بهن الطمع في مالهنّ، لا الحبّ ولا الرغبة في معاشرتهن، أو كأن تكون فوارق السن بينكم وبينهن كبيرة، أو كأن تهضموهن حقوقهن في مهر أمثالهن، إن خفتم ألا تعدلوا في اليتيمات فاطلبوا الزواج بسواهن من النساء.
وبمناسبة الحديث عن الزواج، امتد السياق إلى بيان حدود المباح من الزوجات فإذا هو مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، ولكن بشرط العدل بينهن، العدل في المعاملة وفي الحقوق الظاهرة. أما العدل في الشعور الباطن، فلا قبل به لإنسان، ولا تكليف به لإنسان، ما اتّقى إظهاره في المعاملة، وتأثيره على الحقوق المتعادلة. فإن وجد في نفسه ضعفا عن ذلك العدل، وخاف ألا يقدر على تحقيقه، فالحلال واحدة فقط وما سواها محظور:
стр. 405
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً والنص الشرطي يحتم هذا المعنى هنا ويعلله بأن ذلك التحديد بواحدة في هذه الحالة أقرب إلى اجتناب الظلم والجور.
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) .
أي لا تجوروا وتظلموا.
والظلم حرام فالوسيلة إليه حرام، واجتناب الظلم واجب وما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا كان العدل يتحقق بترك التعدد، فالاقتصار على الزوجة الواحدة واجب.
وفي ختام الآية وصية جديدة بالاقتصار على الزوجة الواحدة لأنه أدعى إلى العدل والاستقرار، والبعد عن الظلم وكثرة العيال.
شبهة تفتضح، وحجة تتّضح
تكلم الأوروبيون بكثير من الكلام المعسول، فمثلا (كانتى) يقول: «إن شرف الإنسان أسمى من أن يمتهن أو أن يجعل أداة متعة» .
والحقيقة أن الأوروبيين هم الذين جعلوا الأخدان أداة متعة، فقط ومنعوهن حقوق الزوجية في النفقة أو الميراث أو إلصاق الولد، في حين أن الإسلام يحرم اتخاذ الأخدان والخليلات، يقول تعالى:
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ [الآية ٢٥] . ويقول الرسول (ص) :
«إنّ الله لا يحبّ الذّوّاقين ولا الذّوّاقات فإذا تزوّجتم فلا تطلّقوا» .
ونشأ عن كثرة الأخدان وانتشارهن في أوروبا انتشار الأمراض السارية الفظيعة، وقلة النسل لأن النسل إما أن يخنق، أو تجهض الحامل، أو يمنع الحمل. وهل غفل الأوروبيون عن المصير السيّئ الذي ينتظرهم إذا استمر الحال، فالكبير يموت والنشء يقتل؟ ... تنبهوا لذلك، فصدرت قوانين تقول مثلا: أبناء الزواج الحر، إذا اعترف بهم أبوهم، ألحقناهم به فينال الأولاد كل حقوق الأبناء. فهم تفادوا اسم الزوجة فقط، والأبناء منها يتمتعون بكل الحقوق.
وقد ذكر لنا أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز، أنه شاهد أثر الحروب في ألمانيا، ورأى النساء يطالبن هناك بتعدد الزوجات لتجد
стр. 406
المرأة التي مات زوجها في الحرب من يكفلها وينفق عليها وعلى ما ينجب منها. وذكر لنا أن جمعية تألفت في ألمانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق.
ومع ذلك فالإسلام لم يحرض على تعدد الزوجات بل قال:
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) .
وإذا استلهمنا روح النص ومراميه وجدنا أن التعدد رخصة، وهي رخصة ضرورية لحياة الجماعة في حالات كثيرة، وهي صمام أمان في هذه الحالات، ووقاية ليس في وسع البشرية الاستغناء عنها. ولم تجد البشرية حتى اليوم حلا أفضل منها، سواء في حالة إخلال التوازن بين عدد الذكور وعدد الإناث، عقب الحروب والأوبئة التي تجعل عدد الإناث في الأمة أحيانا ثلاثة أمثال عدد الذكور، أم في حالات مرض الزوجة أو عقمها، ورغبة الزوج في الإبقاء عليها أو حاجتها هي إليه، أو في الحالات التي يكون الرجل فيها ذا طاقة حيوية فائضة لا تستجيب لها الزوجة، أو لا تجد كفايتها في زوجة واحدة. وكلها حالات فطرية وواقعية لا سبيل إلى تجاهلها. وكل حل فيها، غير تعدد الزوجات، يفضي إلى عواقب أوخم خلقيا واجتماعيا. ضرورة تواجه ضرورة. ومع هذا، فهي مقيدة، في الإسلام، باستطاعة العدل والبعد عن الظلم والجور، وهو أقصى ما يمكن من الاحتياط.
التضامن الاجتماعي
حثت سورة النساء على صدق العقيدة والإخلاص لله في العبادة، كما حثت على الإحسان إلى الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام اليتامى والمساكين والإحسان إلى الجار ورحمة الفقير والمحتاج ومساعدة الخدم والضعفاء، وحذّرت من البخل والكبر والرياء، ونهت عن الكفر والجحود ومعصية الله والرسول. وذلك في جملة آيات تبدأ بقوله تعالى:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) .
وهذه الآية وما بعدها دعوة عملية
стр. 407
إلى «الضمان الاجتماعي» ، وتحذير من البخل والشح، وبيان أن المال مال الله، وأن الغنيّ مستخلف عن الله في إدارته وتثميره وإنفاقه في نواحي الخير والبر. وقد فرض الله حقوقا للفقراء من مال الأغنياء فأوجب الزكاة والصدقة وحث على الإنفاق في سبيل الله.
وجعل طرق البر متعددة، منها صدقة الفطر في عيد الفطر، والأضحية في عيد الأضحى، والهدى في موسم الحج. وجعل الله موردا لا ينقطع لصلة الفقراء، ألا وهو الكفّارات التي أوجبها، ككفارة الظّهار، وكفارة اليمين، وكفارة صوم رمضان. وفي كثير من الأحيان تكون هذه الكفارات إطعام المساكين أو كسوتهم. كما أوجب الله الوفاء بالنذر ولم يجعل الزكاة تطوّعا بل جعلها فريضة لازمة يثاب فاعلها ويعاقب جاحدها. ونلحظ أن الزكاة تتفاوت في نسبتها فتبدأ من ٥، ٢ وهي زكاة المال، وتصل إلى ٢٠ وهي زكاة الركاز والمعادن والبترول. وكلما كان عمل العبد أظهر، كانت نسبة الزكاة أقل كما في زكاة المال، وزكاة التجارة. وكلما كان عمل القدرة الإلهية أظهر، كانت نسبة الزكاة أكثر كما في زكاة الزراعة وزكاة الركاز.
المحرّمات من النساء
انفردت سورة النساء بكثير من أحكام المجتمع، ولا سيما أحكام الأسرة والزوجية، كما انفردت ببيان مفصّل للمحرّمات من النساء، وبدأت ذلك بقوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) .
ولا شك أن توارد رجل وابنه على امرأة واحدة، أمر ممقوت تنفر منه الفطر السليمة، وتمجّه الأذواق.
ثم جاءت بقية السورة ببقية المحرمات، فحرّمت زواج الإنسان بأمه وبابنته وبأخته من الرّضاعة ومن النسب، وحرمت زواج الرجل من بنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرّضاعة، وحرمت أم الزوجة التي دخل بها زوجها، كما حرمت زواج الإنسان من زوجة ابنه وحرمت الجمع بين الأختين.
الحكمة من هذا التّحريم
إن الزواج وسيلة مشروعة لإمتاع النفس وإنجاب الذرية وتكوين الأسرة.
стр. 408
فإذا أبيح وتزوج الإنسان من أقرب الناس إليه كالأم والبنت، اصطدمت حقوق هؤلاء الأقارب بحقوق الزوجية، فالأم مثلا لها حق الطاعة والاحترام فلو اتخذها الإنسان زوجة، لكان له عليها حق القوامة وحق الطاعة والخضوع. فضلا عما هو غنيّ عن البيان من نفور الإنسان من هذا اللون من المتاع، فبهيميّة، أيّ بهيمية، أن يتمتع الرجل بأمه. ومثل هذا يقال في درجات القرابة الأخرى. فالخالة لها ما للأم، والعمة لها ما للأب، والأخت وابنتها وابنة الأخ، وابنة الإنسان التي هي قطعة منه، كل هؤلاء تستقبح الأذواق نكاحهن وافتراشهن، ولا يمكن أن يتصور المرء في هذا الوضع، إذا أبيح، إلا المفارقات والصعاب، وضعف النسل وسوء المنقلب.
ومثل هذا يقال أيضا في نكاح من حرمن من جهة الرضاع، فإن المرضع أمّ في الكرامة ولها حق الأم في وجوب الرعاية، وليس من شأن الإنسان أن يلتمس منها ما يلتمسه الرجل بالزوجية.
وقد حرمت السورة الجمع بين الأختين، والجمع بين الأم وابنتها حتى لا تقطع الأرحام، فإن المرأة تغار من ضرتها، وتفعل الكثير في سبيل إبعادها عن زوجها. ولو أبيح الجمع بين الأقارب لطعنت المرأة في أختها وفي أمها، ولأدركها نوع من الغيرة الشديدة فانقطعت بذلك صلاتها من النسب، وتعرضت بذلك الأمر إلى خطر شديد.
قال تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) .
مصادر التشريع في الإسلام
أمرت سورة النساء بالعدل في الحكم وأداء الأمانات إلى أهلها.
وبينت أن الأمانة والعدالة من أسباب الرقي والتقدم والسعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 409
وبهذه المناسبة ذكرت السورة مصادر التشريع التي يجب أن يرجع إليها المسلمون في تصرفاتهم وأحكامهم وهي:
أولا- القرآن الكريم، والعمل به هو طاعة الله.
ثانيا- سنة الرسول قولية كانت أم فعلية والعمل بها هو طاعة الرسول.
ثالثا- رأي أهل الحل والعقد في الأمة من العلماء وأرباب النظر في المصالح العامة كالجيش، والزراعة، والصناعة، والتعليم، كلّ في دائرة معرفته واختصاصه، والعمل بالرأي هو إطاعة أولي الأمر.
وهذه المصادر في الرجوع إليها مرتّبة على هذا النحو، فلا نرجع إلى السّنّة إلا بعد عدم العثور على الحكم في القرآن، فنرجع إلى السنة حينئذ، إما لمعرفة الحكم الذي لم يرد في القرآن، وإما لبيان المراد مما ورد في القرآن. ولا نلتجئ إلى رأي أولي الأمر إلا بعد عدم العثور على الحكم في السنة، وعندئذ نرجع إليهم ليجتهدوا رأيهم. وهذا الاجتهاد هو عنصر «الشورى» الذي عليه أمر المسلمين.
ومتى تحقق الاتفاق وجب العمل به ولا يصح الخروج عنه ما دامت وجوه النظر التي أدت إليه قائمة، وهو أساس فكرة الإجماع في الشريعة الإسلامية.
وقد انتفع به المسلمون كثيرا، واتسع به نطاق الفقه الإسلامي، وبخاصة في ما ليس منصوصا عليه في كتاب الله وسنة الرسول وهو يشمل إصدار حكم على حادثة مثل حادثة سابقة للاشتراك بينهما في المعنى الموجب لذلك الحكم، وهذا هو المعروف، في لغة الفقهاء والأصوليين، باسم «القياس» وقد بحثوه بحثا مستفيضا، بيّنوا فيه أركانه، وشرائطه، وعلته، وما ينقضه، وما لا ينقضه وما يجري فيه، وما لا يجري فيه، وقد تكفلت به كتب الأصول فليرجع إليها من يشاء.
الاجتهاد من مصادر التشريع وبابه مفتوح أبدا
ويشمل أيضا النظر في تعرف حكم الحادثة من طريق القواعد العامة وروح التشريع التي عرفت من جزئيات الكتاب، وتصرفات الرسول، وأخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة. وهذا النوع
стр. 410
هو المعروف بالاجتهاد من طريق الرأي وتقدير المصالح. وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأصلح، في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية، فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات، ولم يقيده، في كل شيء، بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجد من شؤون الحياة، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا.
وهنا نذكر بالأسف هذه الفكرة الخاطئة الظالمة التي ترى وقف الاجتهاد وإغلاق بابه، ونؤكد أن نعمة الله على المسلمين بفتح باب الاجتهاد لا يمكن أن تكون عرضة للزوال بكلمة قوم هالهم، أو هال من ينتمون إليهم من أرباب الحكم والسلطان، أن يكون في الأمة من يرفع لواء الحرية في الرأي والتفكير، فالشريعة الإسلامية شريعة عامة خالدة، صالحة لكل زمان ومكان.
وما على أهل العلم إلا أن يجتهدوا في تحصيل الرسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد في معرفة حكم الله الذي أوكل معرفته، رأفة منه ورحمة، إلى عباده المؤمنين:
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [الآية ٨٣] .
واقرأ في هذا الموضوع كله قوله تعالى من السورة:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) .
القتال وأسباب النصر
عنيت سورة النساء بتنظيم شؤون المسلمين الداخلية، وحفظ كيانهم الخارجي. وقد حثت السورة على القتال ودعت إليه حيث يقول تعالى:
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) .
стр. 411
وبينت السورة أهداف القتال في الإسلام. وهذه الأهداف تنحصر في رد العدوان وإشاعة الأمن والاستقرار، وحماية الدعوة، والقضاء على الفتن التي يثيرها أرباب المطامع والأهواء.
ومن ذلك نعلم أن الإسلام، حينما شرع القتال، نأى به عن جوانح الطمع والاستئثار، وإذلال الضعفاء، واتخذه طريقا إلى السلام العام بتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة. وليصل المسلمون بالقتال إلى الغاية السامية التي أمر بها الله، لفت القرآن أنظار المؤمنين إلى أن للنصر أسبابا ووسائل هي:
١- تقوية الروح المعنوية للأمة: فقد نزل القرآن روحا وحياة ومنهجا ورسالة، وتحول العرب بالقرآن إلى أمة عزيزة، متمسكة بالحق، ثابتة عليه، متحملة صنوف الأذى وألوان الاضطهاد. فلما أذن الله لها بالجهاد كانت لها راية النصر في أكثر معاركها، لأن لها، من يقينها وإيمانها، ما يكفل لها النصر والغلبة.
٢- إعداد القوة المادية وتنظيمها، قال تعالى:
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال/ ٦٠] .
ويشمل ذلك فنون الحرب وأساليبها، ومعرفة أحدث أدواتها، وكيفية استعمالها.
٣- الشكر على النعماء ثقة بأن النصر من عند الله، فينبغي ألّا تأخذ المحارب نشوة النصر، فيخرج عن اتزانه، بل عليه أن يزداد تواضعا وخشوعا لعظمة الله، ويزيد في طاعة الله ونصره، لقوله سبحانه:
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد/ ٧] .
٤- الصبر على البأساء ثقة والتزاما بأن مع اليوم غدا، وبأن الأيام دول:
يوم لك ويوم عليك، وأن الشجاعة صبر ساعة وليس الصبر هنا صبر الذليل المستكين، بل صبر المطمئن إلى قضاء الله وقدره، والمؤمن بحكمته، والمستعد ليوم آخر ينتصف فيه من عدوه. قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) [آل عمران] .
٥- ومن أسباب النصر ثقة المؤمن بأن الأجل محدود، وأن الرزق محدود. فالشجاعة لا تنقص العمر، والجبن لا يزيده. ومن أسباب النصر
стр. 412
طاعة الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى:
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران/ ١٢٦] .
٦- ومن أسباب النصر أخذ الحذر والحيطة والابتعاد عن اتخاذ بطانة مقرّبة من المنافقين والملحدين والخونة، قال تعالى:
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) .
٧- تذكّر فضل الجهاد وثواب البذل والتضحية، وعقوبة التثاقل والفرار من الجهاد، وتذكر ما أعده الله للمجاهدين والمكافحين في سبيل الحق من عز الدنيا وشرف الآخرة، قال تعالى:
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) .
стр. 413
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النساء»
«١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة النساء بعد سورة الممتحنة، ونزلت سورة الممتحنة عقب صلح الحديبية. وكان صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة النساء في ما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لأن كثيرا من الأحكام التي ذكرت فيها تتعلق بالنساء. وتبلغ آياتها ستا وسبعين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت هذه السورة في كثير من الأحكام التي شرعت بعد سورة البقرة، فذكر فيها ما شرع من هذه الأحكام، كما ذكر في سورة البقرة ما شرع من الأحكام في عهدها. وقد اشتملت سورة النساء مع هذا على بيان حال أهل الكتاب والمنافقين في الزمن الذي نزلت فيه، وكانوا قد غلوا في أمرهم مع المسلمين، وزادوا في إيذائهم عما كانوا عليه في الزمن الذي نزلت فيه سورتا البقرة وآل عمران، فقوبلوا، في هذه السورة، بما يليق بذلك من الشدة في الخطاب، وأمر المسلمون فيها باستعمال الشدة معهم، وكانوا يؤمرون في سورتي البقرة وآل عمران باللين معهم والصبر على أذاهم.
وقد ابتدأت هذه السورة بآية جاءت مطلعا بارعا لما جاء بعدها من
стр. 414
الأحكام، ثم جاء بعدها آيات كثيرة من الأحكام والشرائع، ثم استطرد منها إلى شرح أحوال اليهود من أهل الكتاب، ثم عاد السياق بعد ذلك إلى ما كان عليه من بيان الشرائع والأحكام، ثم استطرد منه إلى الكلام ثانيا في أحوال المنافقين وأهل الكتاب، ثم ختمت السورة بالعودة إلى سياقها الأول، ليكون آخرها مشاكلا، بهذا، لأولها.
وقد جاءت سورة النساء بعد سورتي البقرة وآل عمران: لأنها تشبههما في الطول، وفي ما تناولته من بيان بعض الأحكام العملية، وشرح بعض أحوال أهل الكتاب والمنافقين.
براعة المطلع
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [الآية الأولى] ، فأمر الناس بالتقوى لما سيأتي في السورة من الأحكام. والتقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي. ثم ذكر أنه خلقنا من نفس واحدة وجعل منها زوجها، لأن كثيرا من هذه الأحكام قد شرع لتنظيم العلاقة بين الزوجين ثم كرر الأمر بتقوى الله الذي يتساءلون به والأرحام إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) .
أحكام اليتامى والسفهاء الآيات [٢- ٦]
ثم قال تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [الآية ٢] ، فأمرهم بأن يؤتوا اليتامى أموالهم بالإنفاق عليهم منها وتسليمها لهم بعد بلوغهم. ونهاهم أن يضموا أموالهم في الإنفاق، لتتميز أموالهم وحدها، ولا يدخل شيء منها في أموالهم. ثم أمرهم أن يتركوا نكاح اليتيمة إذا خافوا أن يطمعهم ذلك في أموالها وأموال إخوتها فلا يقسطوا فيها. ووسّع عليهم في نكاح غيرها إلى أربع، حتى لا يكون لهم عذر في نكاح اليتيمة في تلك الحالة، ثم أمرهم أن يؤتوا النساء مهورهن حتى لا يظنوا أنها بخلاف مهر اليتيمة يحلّ لهم الطمع فيها، وأحل لهم أن يأخذوا منها ما تطيب نفوسهن به، لأنهن يحلّ لهن التصرف فيها بخلاف اليتيمة لرشدهن، ثم نهاهم أن يؤتوا السفهاء من اليتامى وغيرهم أموالهم، وأمرهم أن يبتلوا اليتامى عند بلوغهم، فإذا ظهر أنهم غير سفهاء دفعت إليهم أموالهم. ثم
стр. 415
أمر من كان منهم غنيا أن يعفّ عن أموال اليتامى، ومن كان فقيرا أن يأكل بالمعروف: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) .
أحكام الميراث الآيات [٧- ١٤]
ثم قال تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) فذكر أن للرجال والنساء نصيبا في الميراث، وكانوا في الجاهلية يورثون الرجال دون النساء، وأمرهم إذا حضر قسمة الميراث أولو القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين أن يرزقوهم منه ما يليق بحالهم على طريق الهبة أو الهدية، وذكر أن الصغار يرثون كما يرث الكبار، وكانوا في الجاهلية لا يورثونهم لضعفهم. ثم حذرهم من أكل نصيبهم في الميراث كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وجعل ذلك جاريا مجرى أكل النار لأنه يستلزمه، ثم ذكر نصيب كل وارث ووعد من يطيعه بإعطاء كل وارث نصيبه جنات يخلد فيها، وأوعد من يتعدى ذلك ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) .
حكم الزنا واللواط الآيات [١٥- ١٨]
ثم قال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) ، فذكر أنه لا يقبل في الزنا أقلّ من أربعة شهود، وأن من يثبت عليهن الزنا يحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو ينزل فيهن حكم آخر. ثم ذكر أنه يجب في اللّذين يأتيان فاحشة اللّواط إلى أن يتوبا، وأن التوبة إنما تقبل منهما ومن غيرهما إذا تابوا من قريب، ولا تقبل منهم إذا أخروها إلى ما قبيل الموت، ولا من الذين يموتون وهم كفار أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) .
أحكام متفرقة في النساء الآيات [١٩- ٢٨]
ثم قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [الآية ١٩] . فحرّم عليهم إرث النساء
стр. 416
كرها، وكان الرجل إذا مات في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، وحرم عليهم عضلهن لأخذ شيء من مهورهن، ثم ذكر أن المهور تدفع نظير الاستمتاع بهن لا لتملك بها رقابهن حتى يورثن أو يعضلن، ثم ذكر محرّمات النكاح من امرأة الأب، والأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وأم الرضاع، وأخت الرضاع، وأم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، وأخت الزوجة ما دامت في العصمة، وذات البعل إلا السبية إذا ملكت ولها بعل، ثم أحل ما وراء ذلك من النساء، إلى غير هذا من الأحكام، ثم ذكر أنه يريد بذلك أن يبين لهم سنن من قبلهم في الحلال والحرام من النساء، وأن يتوب عليهم مما كانوا فيه أيام جاهليتهم، وأن يخفف عنهم ما كان فيها من العادات الضارة يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) .
تحريم التعدي على المال والنفس الآيات [٢٩- ٣٣]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [الآية ٢٩] . فحرم أكل أموال الناس بالباطل من غصب أو سرقة أو نحوهما، وأحلّ أكلها بالتجارة عن تراض منهم، ثم حرّم عليهم أن يقتلوا أنفسهم، وأوعد من يفعل ذلك وعيدا شديدا، ووعد من يترك ذلك ونحوه من الكبائر أن يكفر عنه سيئاته ويدخله مدخلا كريما، ثم نهاهم أن يتمنى بعضهم ما عند الآخر من المال، لأنه كسب له فهو أحق به من غيره، وأمرهم أن يسألوه إعطاءهم مثل ما أعطي غيرهم، فإن هذا من الغبطة الممدوحة، وذلك من الحسد المذموم، ثم ذكر أن لكل مال مما ترك الوالدان والأقربون والمعتقون موالي يلون أمره بإرثهم له، فهم يملكونه بذلك الحق الثابت لهم، ولا يحلّ لغيرهم ما يحل لهم منه فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً [الآية ٣٣] .
قوامة الرجال على النساء الآيتان [٣٤- ٣٥]
ثم قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [الآية ٣٤] . فجعل الرجال
стр. 417
قوامين على النساء بما فضلهم عليهن في القدرة على مشاقّ الحياة، وبما أنفقوا عليهن من أموالهم. فالصالحات منهن مطيعات لبعولتهن، حافظات لغيبهن. واللاتي يخافون نشوزهن لهم حق تأديبهن، وإن وقع شقاق بين الرجل وامرأته، اختير لهما حكمان من أهلهما. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) .
حقوق الله وبعض العباد الآيات [٣٦- ٤٢]
ثم قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الآية ٣٦] . فأمرهم بعبادة الله وحده، وأن يحسنوا إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانهم، وأن يقوموا بذلك من غير اختيال وتفاخر عليهم، لأن هذا شأن أولئك الكفار الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ولا ينفقون شيئا إلا رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ثم ذكر أنه سيجازيهم على ذلك ولا يظلم أحدا مثقال ذرّة، وإن تك حسنة يضاعفها، وهدّدهم بأنه سيجيء من كل أمة بشهيد ويجيء بالنبي (ص) شهيدا عليهم يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) .
تحريم الصلاة على السكارى والجنب الآية [٤٣]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [الآية ٤٣] . فحرم عليهم الصلاة في حال السكر وهم جنب حتى يغتسلوا، ثم شرع لهم التيمّم بالتراب عند فقد الماء فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) .
التحذير من أهل الكتاب الآيات [٤٤- ٥٧]
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وكان اليهود قد بالغوا في عداوة المسلمين حتى حالفوا المشركين عليهم، وزيّنوا لهم ما هم فيه من الشّرك على الإسلام. فلما ذكر تلك الأحكام
стр. 418
العظيمة، شرع في تحذير المسلمين من اليهود أن يضلّوهم عنها، ويعودوا بهم إلى ما كانوا عليه من ضلال الشرك، فذكر أن أولئك اليهود قد ضلوا ويريدون أن يعودوا بهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، وذكر من ضلالهم تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأن النبي (ص) كان، إذا أمرهم بشيء، يقولون سمعنا وعصينا، إلى غير ذلك مما ذكره من ضلالهم. ثم أمرهم أن يؤمنوا بالقرآن من قبل أن يطمس وجوههم فيردّها على أدبارها. وهذا كناية عن تغيير حالهم من عز إلى ذل.
ثم ذكر عظم ذنب الشرك الذي آثروا نصر أهله على المسلمين، وذكر تزكيتهم لأنفسهم بأنهم شعب الله المختار، وأنهم، مع هذا فضلوا عبدة الأصنام على المؤمنين، ثم ذكر أنهم لم يحملهم على ذلك إلا حسد النبي (ص) على ما آتاه الله من فضله، وأنهم إذا حسدوه على ذلك، فقد آتى قبله آل إبراهيم النبوة والكتاب والحكمة والملك، فمنهم من آمن بما آتاهم من ذلك، ومنهم من صدّ عنه حقدا وحسدا، ثم أوعدهم على ذلك بما أوعدهم به، ووعد الذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) .
عودة إلى الأحكام الآيات [٥٨- ٧٠]
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) فأمرهم بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بين الناس بالعدل، وأن يطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منهم، وأن يردّوا ما يتنازعون فيه إلى كتاب الله وسنّة رسوله، ثم ذكر أن المنافقين يعدلون عن ذلك إلى التحاكم إلى الأوثان كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وأنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صدّوا صدودا، وأنهم، إذا أصابتهم مصيبة بما فعلوا من ذلك، جاءوا إلى النبي (ص) يحلفون أنهم ما أرادوا، بتحاكمهم إلى غيره، إلا إحسانا وتوفيقا، وأنه يعلم أنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، وأنهم، لو كانوا مخلصين في ذلك، لوجدوه توّابا رحيما، وأنهم لا يؤمنون حقا حتى يحكّموا النبي (ص) في كل
стр. 419
ما شجر بينهم عن رضيّ منهم، ثم ذكر أنه، لو كلّفهم ما يشقّ عليهم من قتل أنفسهم، أو الخروج من ديارهم، لم يفعله إلا قليل منهم وضاقوا به، وأنهم لو فعلوا ما يوعظون به مما يطيقونه لكان خيرا لهم. ثم ذكر أن من يطيعه ورسوله يكون مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصّدّيقين ومن إليهم ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) .
أحكام القتال الآيات [٧١- ١٠٤]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) فأمرهم بأخذ الحذر وهو السلاح، وأن ينفروا إلى القتال جماعات متفرقة أو مجتمعين. ثم ذكر لهم أن منهم من يثبّطهم عن القتال، وهم المنافقون. فإن أصابتهم فيه مصيبة فرحوا بعدم خروجهم معهم، وإن أصابهم فيه فوز تمنّوا أن لو كانوا معهم. ثم أمرهم بالقتال ووعدهم عليه عظيم الأجر، قتلوا أو غلبوا، وحثّهم على هذا بأنهم يقاتلون في سبيله وفي سبيل المستضعفين منهم بمكة، وأن أعداءهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، ومن يقاتل في سبيل الطاغوت يكون من أولياء الشيطان، ومن يتولاه الشيطان يكون ضعيفا. ثم ذكر ما كان من المنافقين من طلب القتال قبل شرعه لهم. فلما كتب عليهم هابوه وتمنوا لو أخّر عنهم إلى أجل قريب حذرا من الموت، وأمر النبيّ (ص) أن يرد عليهم بأن متاع الدنيا قليل ولو طال، وبأن لكل منهم أجلا لا بد أن يدركهم ولو كانوا في بروج مشيدة. ثم ذكر أنهم، بعد استثقال القتال، إذا خرجوا إليه فأصابتهم حسنة، يقولون إنها من عند الله، وإن أصابتهم سيئة ألقوا فيها اللوم على النبي (ص) ، وأمره أن يردّ عليهم بأن الحسنة والسيئة جميعا من عند الله، وإذا كان هناك سبب من العبد في إصابة السيئة فهو من نفسه لا من غيره، فلا يصحّ أن يلوم في ذلك إلا نفسه، وليس للنبي (ص) في الأمر شيء، لأنه ليس إلا رسولا من الله. فمن يطعه فقد أطاع الله، ومن يتولّ عنه فلا شيء عليه في تولّيه، ثم ذكر أنهم إذا أمروا بالقتال أظهروا الطاعة في حضرة النبي (ص) .
فإذا خرجوا من عنده أضمروا خلافها، والله يعلم ما يضمرون من ذلك ويكتبه
стр. 420
لهم. ولو أنهم تدبروا في ما يظهره القرآن من خفاياهم لعلموا أنه من عند الله، لأن ما يظهره منها لا يختلف عما في ضمائرهم، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، ثم ذكر أنهم، إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، أذاعوه وزادوا فيه ليربكوا المسلمين بإرجافاتهم، ويخفوا أمره عليهم.
ثم أمر النبي (ص) أن يقاتل في سبيله ويدع أولئك المنافقين، وأن يحرّض المؤمنين على القتال، لأنه بهذا يشفع شفاعة حسنة، ومن يشفع شفاعة حسنة، يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة، كالمنافقين المثبطين، يكن له كفل منها، ثم أمرهم إذا قابلهم أعداؤهم بالسلام أن يقابلوهم بأحسن منه، لأنه لا يأمرهم إلا بقتال من يقاتلهم.
ثم لا مهم على اختلافهم في قوم، من أولئك المنافقين بمكة، كانوا يعينون المشركين على المسلمين، فقال بعضهم إنهم مسلمون يحرّم قتلهم، وقال بعضهم إنهم كفار يجوز قتلهم فذكر لهم أنه ما كان لهم أن يختلفوا فيهم وقد أركسهم بما كسبوا، وردّهم إلى أحكام الكفار من الذل والصّغار والسّبي والقتل، ونهاهم أن يتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا من مكة إليهم، فإن تولّوا عن الهجرة، فحكمهم حكم المشركين من أهل مكة، ثم استثنى منهم فريقين: أولهما قوم دخلوا في عهد من كان داخلا في عهد المسلمين، وثانيهما قوم ضاقت صدورهم عن القتال، فلا يريدون قتال المسلمين ولا قتال قومهم. ثم ذكّر قوما آخرين من غطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا ليأمنوا المسلمين، وإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ليأمنوهم، فأمرهم بقتالهم إن لم يعتزلوهم ويسالموهم ويتركوا مظاهرة قومهم عليهم.
ثم ذكر أنه لا يصح لمؤمن أن يقتل مؤمنا في الحرب إلا خطأ، بأن يرى عليه شعار الكفار فيظنّه مشركا، وقد أوجب فيه الدّية إلى أهله إلا أن يصّدّقوا، ثم ذكر حكم المؤمن المقتول خطأ إذا كان في دار الحرب، وحكم المؤمن المقتول خطأ إذا كان بين أهل العهد، ثم ختم ذلك بما ذكره من الوعيد الشديد على قتله عمدا، تأكيدا لما ذكره من أنه لا يصحّ قتله إلا خطأ.
ثم أمرهم أن يتبينوا حال الكفار قبل
стр. 421
قتالهم، ولا يقتلوا من يلقي إليهم السلام منهم طمعا في أموالهم، وذكر لهم أنهم كانوا كفارا مثلهم فمنّ عليهم بالإسلام، وقد يمنّ عليهم بالإسلام مثلهم.
ثم ذكر أنه لا يستوي القاعدون عن الجهاد والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، واستثنى من القاعدين أولي الضّرر لأنه لا جهاد عليهم، ثم ذكر من فضل المجاهدين على القاعدين ما ذكر، وأتبعه بوعيد من قعد عن الجهاد في دار الكفر، وأوجب عليهم الهجرة منها إلى دار الإسلام، واستثنى منهم المستضعفين الذين لا يمكنهم الهجرة، ثم رغّبهم في الهجرة بأنهم يجدون بها في الأرض مراغما كثيرا وسعة، وهذا إلى ما يكون لهم عند الله من عظيم الأجر.
ثم بيّن لهم كيف يؤدون الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو، فأباح لهم قصر الصلاة إذا ضربوا في الأرض للجهاد، فإذا صلّوا خلف النبي (ص) في حال الحرب، فليقسموا أنفسهم في الصلاة خلفه، ولا يصلّوا خلفه دفعة واحدة، فإذا زال الخوف أتوا بالصلاة على وجهها المعروف، ثم ختم الكلام على القتال وأحكامه بقطع العذر عليهم فيه فقال وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) .
تحريم المحاباة في الحكم الآيات [١٠٥- ١٢٦]
ثم قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وكان طعمة بن أبيرق سرق درعا، فلما طلبت منه رمى بها واحدا من اليهود، فجاء قومه يطلبون من النبي (ص) أن يعينهم عليهم، فذكر له أنه أنزل عليه الكتاب ليحكم بين الناس بما يريه إياه، ونهاه أن يخاصم للخائنين وأمره أن يستغفره من ذلك، تعريضا بمن فعل ذلك من قوم طعمة، ثم وبّخهم على ما كان منهم، وذكر أنهم إذا جادلوا عن الخائنين في الدنيا، فمن يجادل عنهم يوم القيامة، وأن من يعمل سوءا ويستغفر الله ولا يرم به بريئا يغفره الله له، ومن يعمل سوءا ثم يرم به بريئا، فقد أضاف إليه إثما أشنع
стр. 422
منه، ثم ذكر أنه لولا فضله على النبي (ص) لأضلوه بذلك، وأنهم لا يضلون إلا أنفسهم، وأنه أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلّمه ما لم يكن يعلم فتضاعف بهذا فضله عليه، ثم ذكر أن ما يتناجون به من ذلك وغيره لا خير فيه، وإنما الخير في التناجي بالأمر بالصّدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، فله عظيم الأجر، ومن يمض في شقاقه إلى أن يرتدّ عن دينه كأولئك المنافقين فله شديد العقاب، ولا يغفر الله له أبدا، لأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ثم ذكر من قبائح شركهم أنهم لا يدعون من دونه إلا إناثا كاللّات والعزّى، وإلا شيطانا مريدا يضل الناس ويزين لهم القبائح ويمنّيهم أنه لا بعث ولا حساب، ثم ذكر أنه لا صحة لأمانيهم ولا لأمانيّ أهل الكتاب أنه لن يدخل الجنة غيرهم، فمن يعمل سوءا يجز به في يوم الجزاء، ومن يعمل صالحا يدخله الجنة ولا يظلمه شيئا، وليس هناك أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله واتّبع ملة إبراهيم في توحيده وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) [الآية ١٢٦] .
أحكام أخرى في النساء الآيات [١٢٧- ١٣٤]
ثم قال تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [الآية ١٢٧] .
وكانوا قد سألوا التخفيف في ما نزل في أول السورة في يتامى النساء اللاتي كانوا ينكحوهن طمعا في أموالهن، وفي اليتامى الذين كانوا يحرمونهن من الميراث، وفي العدل مع الزوجات في عشرتهن وعند مفارقتهن، فذكر لهم أن ما تلاه عليهم أول السورة في اليتامى هو الذي يفتيهم الآن به، لأنه لا سبيل إلى تغييره، وأن الصلح بين المرأة وبعلها عند خوفها من نشوزه أو إعراضه خير من التسريح والفراق، ولو اقتضى ذلك أن تتنازل المرأة عن بعض حقوقها في القسم والنفقة ونحوهما، وتتغلب بذلك على ما جبلت عليه الأنفس من الشّحّ، ثم ذكر أن ما أمر به في أول السورة من العدل بين الزوجات لا يمكن الإتيان به على وجهه الكامل، فليأتوا منه ما في استطاعتهم من العدل في القسم ونحوه. فإذا لم يمكنهم ذلك
стр. 423
العدل المستطاع، ولم ترض الزوجات أن ينزلن عن حقهن فيه، فليتفرّقا يغن الله كلّا من سعته، ثم ذكر أن ما أمرهم به في ذلك من التقوى التي وصّى بها أهل الكتاب من قبلهم، ويوصيهم بها من بعدهم، وأنهم إذا كفروا ولم يتّقوه فإنه غنيّ عنهم، وأنه إن يشأ يذهبهم ويأت بغيرهم، وأن من يريد ثواب الدنيا بالطمع في أولئك الضعاف فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الآية ١٣٤] .
تحريم المحاباة في الشهادة الآية [١٣٥]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [الآية ١٣٥] .
فأمرهم أن يكونوا قوامين بالعدل في كل أمورهم، وأن تكون شهادتهم لله ولو كان فيها ضرر على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وإذا كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا يكتموا الشهادة لرضا الغني أو الترحم على الفقير، ونهاهم عن متابعة الهوى ليستطيعوا القيام بما أمروا به من ذلك وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) .
عود إلى المنافقين وأهل الكتاب الآيات [١٣٦- ١٧٥]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ١٣٦] . فعاد إلى الكلام على المنافقين وأهل الكتاب، وقد بدأ بالمنافقين وأهل الكتاب، وقد بدأ بالمنافقين فأمرهم أن يؤمنوا إيمانا صادقا بما أمرهم أن يؤمنوا به، وذكر أنه لا يغفر لمن يتذبذب في إيمانه مثلهم، ثم أمر النبي (ص) أن يبشرهم بما لهم من عذاب أليم تهكّما بهم، وذكر أنهم يتخذون الكافرين من اليهود أولياء من دون المؤمنين، فيجلسون إليهم ويسمعون إلى طعنهم في القرآن، مع أنهم قد نهوا عن سماع ذلك منهم، ثم ذكر تذبذبهم بين المسلمين والكفار، فإن كان للمؤمنين فتح طلبوا أن يشاركوهم في الغنائم، وإن كان للكفار ظفر امتنوا عليهم بمنعهم من المسلمين، وأنهم يخادعون الله بذلك وهو خادعهم، وأنهم يقومون إلى الصلاة متكاسلين يراءون الناس فيها. ثم ذمّهم على تلك الذبذبة، وحذر المؤمنين أن يتذبذبوا مثلهم، فيوالوا الكفار كما والوهم. وذكر أنه أعدّ للمنافقين أشنع عقاب، مبالغة في التحذير منهم، واستثنى من ذلك من
стр. 424
تاب من نفاقه وأخلص دينه له، لأنه لا حاجة له في عذاب أحد، وإنما يعذب الناس ليحملهم على التوبة من ذنوبهم، ثم ذكر أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول كما يفعل أولئك المنافقون، وأباح لمن ظلم أن يجهر بما وقع عليه من الظلم، ولمن يأتي بخير أن يظهره أو يخفيه، وفضّل لمن ظلم أن يعفو عمن ظلمه.
ثم انتقل إلى اليهود فحكم بكفرهم لأنهم يريدون أن يؤمنوا ببعض كتبه ورسله دون بعض، ثم أوعدهم على ذلك عذابا مهينا، ووعد الذين يؤمنون بسائر الرسل بأنه سوف يؤتيهم أجورهم يوم القيامة، ثم ذكر من تعنّتهم على النبي (ص) أنهم سألوه أن ينزل عليهم كتابا من السماء يعاينونه حين ينزل، وأن تعنّتهم على موسى أكبر من ذلك، فطلبوا منه أن يريهم الله جهرة، وعبدوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات، إلى غير هذا من تعنتهم وعنادهم. ثم ذكر أنهم تعنتوا على مريم ونسبوها إلى الزنى، وأنهم تعنتوا على المسيح وزعموا أنهم قتلوه، وذكر أنهم لم يقتلوه يقينا بل رفعه إليه، وأنه لا يموت بعد رفعه حتى يؤمن به من كذبه منهم، ثم ذكر أنه جازاهم على تعنتهم بتشديده عليهم في الدنيا، فحرّم عليهم بعض ما أحلّ لهم من الطيبات، وأعدّ في الآخرة للكافرين منهم عذابا أليما. ثم استدرك على ذلك بأن الراسخين في العلم منهم لا يتعنتون على النبي (ص) ، بل يعلمون أنه النبي المبشّر به، ويؤمنون به وبما أنزل إليه وما أنزل من قبله، ثم ذكر أنه أوحى إلى النبي (ص) كما أوحي إلى الأنبياء من قبله، وأنهم إذا لم يشهدوا بذلك فإنه يشهد به هو والملائكة، ثم أوعدهم على كفرهم وتعنّتهم بما أوعدهم به، وختم الكلام معهم بدعوتهم الى الإيمان بما جاءهم من الحق، لأنه خير لهم من كفرهم وتعنتهم.
ثم انتقل إلى النصارى فنهاهم عن الغلوّ في دينهم بتعظيم المسيح إلى مرتبة الألوهية، وذكر أنه إنما هو رسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. ثم أمرهم أن يؤمنوا به وحده ويتركوا عقيدة التثليث، ونفى أن يكون له ولد كما يزعمون، وذكر أن المسيح والملائكة المقربين لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا له، وأوعد من يستنكف
стр. 425
عن عبادته بما ذكره في وعيده، ووعد الذين يؤمنون به بما وعدهم به، ثم دعاهم إلى الإيمان بعد أن جاءهم برهان به وأنزل إليهم نورا مبينا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) .
حكم الكلالة الآية [١٧٦]
ثم قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [الآية ١٧٦] . فذكر أنهم استفتوه في الكلالة من الورثة، وهم الحواشي الذين يدلون بالوالدين إلى الميت، وقد ذكر في أحكام الميراث السابقة نصيب الكلالة إذا كانوا إخوة لأم، وذكر هنا نصيب الكلالة إذا كانوا من العصب، وقد أفتاهم في ذلك بأن الأخت لها النصف، وبأن أخاها يرث مالها كلّه إن لم يكن لها ولد فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) .