أعلم، أنهم يعكسون الكلام على حقائقه، ويزيلونه عن جهة صوابه، حملا له على أهوائهم وعطفا على آرائهم.
وقوله تعالى: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ [الآية ٤٦] .
استعارة أخرى. والمراد بها يميلون بكلامهم إلى جهة الاستهزاء بالمؤمنين، والوقيعة في الدين.
وقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها [الآية ٤٧] .
وهذه استعارة. وهي عبارة عن مسخ الوجوه أي يزيل تخاطيطها ومعارفها، تشبيها بالصحيفة المطموسة التي عمّيت سطورها وأشكلت حروفها.
وقوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى [الآية ٧٧] .
استعارة. والمراد بها تخسيس قدر ما يصحب الإنسان في الدنيا، وأن المتعة به قليلة والشوائب له كثيرة.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [الآية ٧١] .
استعارة ومجاز لأن الحذر لا يؤخذ على الحقيقة، وإنما يصح الأخذ على ما يتأتى إمساكه بالأيدي من الأجسام، كالأسلحة المتعاطاة والآلات المستعملة، وما يجري مجرى ذلك، والمراد، والله أعلم: «تمسّكوا بالحذر وأديموا استشعاره، كما تتمسكون بالشيء الذي تشتمل عليه أكفكم، وتتعلق به أناملكم» .
وقوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ [الآية ٩٠] .
استعارة. والمراد بها صفة صدورهم بالضيق عن القتال وذلك مأخوذ من الحصار وهو تضييق المذهب والمنع من التصرف.
وقوله تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [الآية ٩٠] .
وهذه استعارة وحقيقتها: «إن طلبوا منكم المسالمة وسألوكم الموادعة» ، وفي قوله تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ عبارة عن طلبهم السلم عن ذل واستكانة وخضوع وضراعة.
وقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [الآية ١٢٨] .
وهذه استعارة وليس المراد أنّ محضرا أحضر الأنفس شحّها، ولكنّ الشّحّ، لما كان غير مفارق لها، ولا متباعدا عنها، كان كأنه قد أحضرها، وحمل على ملازمتها، ومثل ذلك.
стр. 492
سورة المائدة (٥)
стр. 493
المبحث الأول أهداف سورة «المائدة»
«١»
١- تاريخ النزول
نزلت سورة المائدة بعد سورة الفتح، وكان نزول سورة الفتح بعد صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة المائدة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك.
ونلحظ أن سورة المائدة من أواخر ما نزل من السور بالمدينة، فقد روي عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: إن المائدة من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه.
والمتأمّل يرى أن السورة قد امتد نزول آياتها خلال السنوات الأربع الأخيرة من حياة الرسول (ص) بالمدينة. فقد ابتدأ نزولها في السنة السابعة للهجرة، وفيها آية نزلت في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة قبل وفاة النبي (ص) بثمانين يوما وهي قوله تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) .
وفي كتب التفسير أن سورة المائدة نهارية كلها أي نزلت آياتها جميعها نهارا. مدنية كلها إلا قوله تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الآية ٣] فإنها نزلت بعرفة.
وعدد آيات سورة المائدة: ١٢٠ آية، وعدد كلماتها: ٢٨٠٤ كلمات.
стр. 494
٢- قصة التسمية
سميت سورة المائدة بهذا الاسم، لأنها السورة الوحيدة التي تحدثت عن مائدة طلب الحواريون من عيسى ﵇ أن يسألها ربه. وذلك في قوله تعالى:
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) .
والحواريون هم خلصاء عيسى ﵇ الذين صغت قلوبهم من الكفر والنفاق وبادروا إلى الإيمان بعيسى وتلقوا عنه التعاليم ثم انتشروا في القرى لبثّها بين الناس.
المائدة
تكلّم العلماء على المائدة التي سألها الحواريون عيسى: هل نزلت أم لا؟
وجمهور المفسرين منعقد على أنها نزلت بالفعل. وقد تعددت الروايات بعد ذلك عن أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب. وحسبك أن ترجع إلى أي تفسير من كتب التفاسير المتداولة لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليها الشيء الكثير، مما يجعلك ترجح أن كثيرا مما ورد في أوصاف هذه المائدة إنما هو من افتراء المفترين أو أساطير الإسرائيليين.
وألفاظ القرآن الصريحة تفيد أن عيسى (ع) طلب من ربه أن ينزل مائدة من السماء تكون كافية لقومه جميعا، وتكون عيدا وسعادة لأول قومه وآخرهم. والمائدة طعام ورزق، وكل طعام ورزق إنما هو من عند الله. وقد وعد الله أن ينزّلها عليهم. ولم يذكر القرآن: هل كانت بمفهومها الضيق كما طلبها الحواريون، أو بمفهومها المطلق، كما قد يريده الله، ويفهمه عيسى والحواريون، فيكون حينئذ وعدا بنعمة من الله عليهم، طعاما ورزقا، يشمل أولهم وآخرهم، وترجمة للمفهوم الضيق، الذي أرادوه للمائدة، بمفهوم أوسع، قد يشمل الطعام، وسواه من الرزق، ليكون ذلك ابتلاء وفتنة، لأتباع المسيح (ع) بوجه عام.
والله أعلم بما كان مما سكت عنه القرآن، وليس لنا من مصدر آخر نستفتيه، واثقين، في مثل هذه الشؤون، أنه ليس سوى رأي نبديه،
стр. 495
بجوار آراء السلف، عليهم رضوان الله.
٣- ظواهر تنفرد بها سورة المائدة
تنفرد سورة المائدة بجملة من الظواهر لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور، حتى في أطول سور القرآن وهي البقرة، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك، ولا عن المشركين، على النحو الذي ألف في القرآن: من محاجتهم، وتسفيه أحلامهم، وتحقير شركائهم وأنها لم تعرض، في قليل ولا في كثير، لما عهد في أكثر السور المدنية، التي نزلت قبلها، من الحث على القتال، والتحريض عليه، ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين، كما نراه في سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والأنفال، والتوبة، لأن المسلمين في ذلك الوقت، لم يكونوا بحاجة إلى شيء من هذا الحديث، لقد اندحر الشرك وصار المشركون في قهر وذلة ويأس.
ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم، والمسلمون قد علا شأنهم، فإنّ المسلمين في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لشئونهم، على وجه يضمن لهم دوام السعادة، ويحفظ لهم السيادة، ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب، يعيشون في ذمتهم وعهدهم، ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم، ومن هنا نتبين أن المسلمين، في ذلك الوقت، كانوا في حاجة إلى ما يعنيهم في الجانبين:
جانب أنفسهم، وجانب علاقتهم بأهل الكتاب، وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة، على أمرين بارزين:
تشريع المسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون، وإرشادات لطرق المحاجة والمناقشة، وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب، مما يتصل بالعقائد والأحكام، وفي سياق هذه المحاجة، تعرض السورة لكثير من مواقف الماضين، من أسلاف أهل الكتاب، مع أنبيائهم تسلية للنبي (ص) من جهة، وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم، من جهة أخرى.
٤- تشريع القرآن
نزل القرآن على رسول الله (ص) لينشئ به أمة وليقيم به دولة ولينظم به
стр. 496
مجتمعا، وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا وليربط ذلك كله برباط قوي يجمع متفرقه، ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى منزل هذا القرآن، وإلى خالق الناس الذي أنزل لهم هذا القرآن.
ومن ثم نجد في كثير من سور القرآن تشريعا إلى جانب موعظة، وقصة إلى جانب فريضة، ونجد التشريع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والدولية، الى جانب التشريع الذي يحل ويحرم ألوانا من الطعام أو ألوانا من السلوك والأعمال.
وهذه السورة، سورة المائدة، مثل لتلك السور التي تلتقي فيها التربية الوجدانية بالتربية الاجتماعية بتشريع الحلال والحرام في الطعام والزواج، بتشريع المعاملات الدولية في ما بين المسلمين وغير المسلمين، بتعليم بعض الشرائع التعبّدية ببيان الحدود والعقوبات في بعض الجرائم الاجتماعية بالمثل والموعظة والقصّة، بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الأسطورة والخرافة في تناسق واتساق.
٥- الوفاء بالعقود
تبدأ سورة المائدة بنداء إلهي للمؤمنين أن يوفوا بالعقود فتقول:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [الآية ١] .
والعقود جمع عقد، وهو ما يلتزمه المرء لنفسه، أو لغيره، وأساسه قد يكون شيئا فطريا تدعو إليه الطبيعة، وقد يكون شيئا تكليفيا تدعو إليه العقيدة، وقد يكون شيئا عرفيا يدعو اليه الالتزام والتعاهد، والعقد العرفي، أي المتعارف عليه لدى عامة الناس، يكون بين الفرد والفرد، كما في البيع والزواج، والشركة، والوكالة، والكفالة، إلى آخر ما تعارفه الناس ويتعارفون عليه من وجوه الاتفاقات، والكلمة في الآية عامّة تأمر بالوفاء بالعقود، فتشمل العقود كلها على اختلاف أنواعها وأشكالها، وتدخل في العقود والمعاملات، والمعاهدات، بظاهر اللفظ، كما تدخل في إقامة الحدود، وتحريم المحرّمات، بوصفها داخلة في عقد الإسلام، بين الله ورسوله، والذين آمنوا بالله ورسوله.
وعلى وجه العموم، فإننا نجد سياق السورة كله يدور حول العقود والمواثيق، في شتى صورها، حتى حوار الله والمسيح يوم القيامة، الوارد في نهاية السورة، نجده سؤالا عمّا عهد
стр. 497
به اليه، وعما إذا كان قد خالف عنه، كما زعم الزاعمون بعده.
٦- الظروف التي نزلت فيها السورة
نزلت سورة المائدة، بعد أن قلّمت أظفار المشركين، وانزوى الشرك في مخابئه المظلمة، وصار المسلمون في قوة ومنعة، كانوا بها أصحاب السلطان والصولة، في مكة وفي بيت الله الحرام، يحجون آمنين مطمئنين، وقد نكّست أعلام الشرك، وانطوت صفحة الإلحاد والضلال، وقد أتمّ الله نعمته على المسلمين بفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا.
وسورة المائدة، وإن ابتدأ نزولها في السنة السابعة، الا أنّ هذا النزول قد استمر إلى السنة العاشرة، بدليل أن فيها آية من آخر ما نزل من القرآن وهي قوله تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الآية ٣] .
روي أن رجلا من اليهود، جاء إلى عمر ﵁ فقال: إن في كتابكم آية تقرأونها، لو علينا أنزلت، معشر اليهود، لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدا، قال عمر: وأي آية؟
قال:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [الآية ٣] .
فقال عمر: إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله (ص) عشية عرفة في يوم الجمعة، والحمد لله الذي جعله لنا عيدا.
وقد روي أن النبي (ص) قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال:
«يا أيّها النّاس إنّ سورة المائدة آخر ما نزل فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها» .
٧- أفكار السورة وأحكامها
انفردت سورة المائدة بعدّة مسائل، في أصول الدين وفروعه، وبتفصيل عدة أحكام، أجملت في غيرها إجمالا، ومن هذه الأحكام ما يأتي:
١- بيان إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم، الذي ارتضى لهم، بالقرآن وإتمام نعمته عليهم بالإسلام.
٢- النهي عن سؤال النبي (ص) عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبديت لهم، لما فيها من زيادة التكاليف.
стр. 498
٣- بيان أن هذا الدين الكامل مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد، والهداية في الأخلاق والأعمال، وأن التقليد باطل لا يقبله الله تعالى.
٤- بيان أن أصول الدين الإلهي، على ألسنة الرسل كلهم، هي الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أي ملة، من ملل الرسل كاليهود والنصارى والصابئين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم في الآخرة، ولا هم يحزنون.
٥- وحدة الدين واختلاف شرائع الأنبياء ومناهجهم فيه.
٦- هيمنة القرآن على الكتب الإلهية.
٧- بيان عموم بعثة النبي (ص) وأمره بالتبليغ العام، وكونه لا يكلّف من حيث كونه رسولا إلا التبليغ، وأن من حجج رسالته أنه بيّن لأهل الكتاب كثيرا مما كانوا يخفون من كتبهم، وهو قسمان: قسم ضاع منهم قبل بعثة النبي (ص) ، وقسم كانوا يكتمونه اتّباعا لأهوائهم، مع وجوده في الكتاب كحكم رجم الزاني، ولولا أن محمدا الأمين (ص) مرسل من عند الله، لما علم شيئا من هذا ولا ذاك.
٨- عصمة الرسول (ص) من أذى الناس، وهذا من دلائل نبوته (ص) ، فكم حاولوا قتله، فأعياهم وأعجزهم.
٩- بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم، أفرادا وجماعات، وأنه لا يضرهم من ضل من الناس، إذا هم استقاموا على صراط الهداية.
١٠- تأكيد وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بما بينه الله تعالى من لعن الذين كفروا من بني إسرائيل، على لسان داود وعيسى بن مريم، وتعليله ذلك، بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
١١- نفي الحرج من دين الإسلام.
١٢- تحريم الغلوّ في الدين، والتشدد فيه، ولو بتحريم الطيبات، وترك التمتّع بها.
١٣- قاعدة إباحة المحرّم للمضطر، ومنه أخذ الفقهاء قولهم: الضرورات تبيح المحظورات.
١٤- قاعدة التفاوت بين الخبيث والطيب، وكونهما لا يستويان في الحكم، كما أنهما لا يستويان في أنفسهما، وفيما يترتب عليهما.
стр. 499
١٥- تحريم الاعتداء على قوم، بسبب بغضهم وعداوتهم، لأنه يجب على المؤمنين أن يلتزموا الحق والعدل.
١٦- وجوب الشهادة بالقسط، والحكم بالعدل، والمساواة فيهما بين غير المسلمين كالمسلمين، ولو للأعداء على الأصدقاء، وتأكيد وجوب العدل في سائر الأحكام والأعمال.
١٧- الحياة شركة ذات أطراف، لا يجوز أن يجور فيها طرف على طرف.
١٨- التعاون على البرّ والتقوى، بما له من وسائل وسبل، حسب الزمان والمكان، ومنه تأليف الجمعيات الخيرية والعلمية، وتحريم التعاون على الإثم والعدوان.
١٩- بيان أن الله تعالى، جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس، أي يقوم عندها أمر دينهم ودنياهم، فعندها يؤدّى الحج والعمرة، وعندها يكون الإحرام، والأمان، والسلام، ولها يتوجه المسلمون في الصلاة. فهي رمز للوحدة والأخوّة والإيمان.
٢٠- النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين.
٢١- تفصيل أحكام الوضوء والغسل والتيمّم، مع بيان أن الله تعالى يريد أن يطهّر الناس، ويزكيهم بما شرع لهم، من أحكام الطهارة وغيرها.
٢٢- تفصيل أحكام الطعام، وبيان حرامه وحلاله. وما حرم منه لكونه خبيثا في ذاته كالميتة وما في معناها، والخنزير، وما حرم لسبب ديني، كالذي يذبح لأصنام.
٢٣- تحريم الخمر، وهو كل مسكر، وتحريم الميسر، وهو القمار.
٢٤- بيان محظورات الإحرام في الحج.
٢٥- تفصيل أحكام الصيد للمحرمين وغيرهم، في أوائل السورة وأواخرها.
٢٦- حدود المحاربين الذين يفسدون في الأرض، ويخرجون على أئمة العدل، وحد السرقة وما يتعلق بالحد، كسقوطه بالتوبة الصادقة.
٢٧- أحكام الأيمان وكفارتها.
٢٨- تأكيد أمر الوصيّة قبل الموت، وأحكام الشهادة على الوصية.
٢٩- الأمر بالتقوى في عدة آيات من السورة.
стр. 500
٣٠- بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله تعالى وحده.
٨- النداءات الإلهية للمؤمنين
اشتملت سورة المائدة على ستة عشر نداء وجهت للمؤمنين خاصة، وكل نداء منها يعدّ قانونا ينظم ناحية من نواحي الحياة عند المسلمين تختص بأنفسهم، وتختص بعلاقتهم بأهل الكتاب.
فالنداء الأول: يطلب الوفاء بالعقود:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [الآية ١] .
والنداء الثاني: يطلب المحافظة على شعائر الله وعدم إحلالها:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] .
والنداء الثالث: يطلب الطهارة حين القيام إلى الصلاة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [الآية ٦] .
والنداء الرابع: يطلب القوامية لله والشهادة بالعدل ويحذر من الظلم.
والنداء الخامس: يطلب تذكر نعمة الله على المؤمنين بكفّ أيدي الأعداء عنهم. والنداء السادس: يدعو الى تقوى الله وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله. والنداء السابع: يحذّر من اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين.
والنداء الثامن: يلفت نظر المؤمنين إلى أن المسارعة في موالاة الأعداء ردة عن الدين. والنداء التاسع: يدعو إلى شدة الحذر من موالاة الأعداء. والنداء العاشر: يذكر تحريم الطيبات التي أحلها الله. والنداء الحادي عشر:
يحرّم الخمر والميسر. والنداءان الثاني عشر والثالث عشر: يتعلّقان بتحريم قتل الصيد في حالة الإحرام. والنداء الرابع عشر: يتعلق بالنهي عن سؤال ما ترك الله بيان حكمه توسعة على عباده:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [الآية ١٠١] .
والنداء الخامس عشر: يتعلّق بتحديد المسؤولية التي يحملها المؤمنون في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والنداء السادس عشر: يتعلّق بكيفية الشهادة على الوصيّة في حالة السفر.
стр. 501
وجملة هذه النداءات تربية عملية للمؤمنين، وبيان للطريق السوي التي يجب اتباعها في الشعائر والعبادات والمعاملات والمعاهدات. والنداء للمؤمنين بصفة الايمان تذكير لهم بأن عليهم أن يعملوا بمقتضى هذا الإيمان، وقوامه التصديق الباطني بوجود الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه.
الأمر بالتقوى:
حثّ القرآن على تقوى الله وطاعته وذيّل كثيرا من أحكامه ببيان شأن التقوى، وأهميّتها، وفي النداء السادس من سورة المائدة حثّ على تقوى الله والتماس الأسباب المساعدة على هذه التقوى فيقول سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) .
وتقوى الله هي تقدير العظمة الإلهية وامتلاء النفس بها امتلاء يدفع المؤمن إلى المسارعة وشدة الحرص على تحقيق أوامر الله وتشريعاته. والتقوى تدفع المؤمن إلى إنعام النظر وقوّة التفكير في ملكوت السماوات والأرض لمعرفة أسرار الله في كونه، وسنّته في خلقه، ثم الاتجاه إلى هذه الأسرار والعمل على إظهار رحمة الله فيها بعباده والوقوف على السنن التي ربط بها بين الأسباب والمسبّبات بين السعادة وأسبابها والشقاء وأسبابه، بين العلم وأسبابه والغنى وأسبابه والعزة وأسبابها ... وهكذا.
وبذلك ترى أن التقوى هي ذلك المعنى القلبي الذي تفنى به الإرادات الإنسانية في ملكوت العظمة الإلهية، وهي الباعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهي المحقّقة للإحسان في طاعة الله ورسوله، فهي المبدأ، وهي المنتهى، وهي الأولى، وهي الآخرة.
٩- أهل الكتاب
أرسل الله محمدا (ص) على حين فترة من الرسل، بعد أن درست معالم الحق والفضيلة، وبعد أن ضيّع أهل الكتاب بعض تعاليمه، وأخفوا بعضه ونقضوا ميثاقهم مع ربهم.
وقد واجهتهم سورة المائدة بأخطائهم، فوصفتهم بالتعصب المقيت، والغلوّ في الدين، واتباعهم أهواء من ضل قبلهم من الوثنيين وغيرهم، وادعائهم أنهم أبناء الله
стр. 502
وأحباؤه. وقد بيّن الله لهم حقيقة الأمر، وهي أنّهم بشر ممن خلق الله، لا مزية لهم على سائر البشر، في أنفسهم وذواتهم، إنما يمتاز بعضهم على بعض بالعلوم الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الصالحة، لا بالنسب والانتماء، إلى الأنبياء والصالحين، وصدق القائل:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب إن الفتى من يقول ها أنذا ليس الفتى من يقول كان أبي وقد وجّه الله الخطاب لأهل الكتاب عامة، بأن الرسول (ص) ، قد جاء ليكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه، من كتاب الله الذي استحفظوا عليه، فنقضوا عهدهم مع الله فيه، ويعفو عن كثير مما أثقلهم به الله من تكاليف، وحرمه عليهم من طيبات، عقابا لهم على مخالفتهم وانحرافاتهم.
فالفرصة إذن سانحة ليتداركوا ما فات ولينجوا مما كتب عليهم في الدنيا والآخرة عقابا لهم على الخلاف والأخلاف:
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) .
وتوالى نداء القرآن لأهل الكتاب ليقطع حجّتهم ومعذرتهم أن يقولوا:
إن فترة كبيرة مرت عليهم، لم يأتهم فيها بشير يقربهم إلى الله، أو نذير يخوفهم الانحراف، فها هو ذا بشير ونذير:
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) .
وقد وصفت سورة المائدة التوراة والإنجيل أحسن وصف، وذكرت من أخبار التوراة قصّة ابني آدم بالحق، ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح ومن أخبار الإنجيل والمسيح، ما هو حجّة على الفريقين وبينت أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس وأنهم لو كانوا أقاموهما لكانوا في أحسن حال، ولسارعوا إلى الإيمان
стр. 503
بما أنزله الله على خاتم رسله مصدقا لأصلهما، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا، في جملته، وفي عبادته، ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه، فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم.
١٠- اليهود
ناقشت سورة المائدة اليهود خاصة، فذكّرتهم بنعم الله عليهم وبميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل، النائبين عنهم، فما الذي كان من بني إسرائيل؟
لقد نقضوا ميثاقهم مع الله. قتلوا أنبياءهم بغير حق، وبيّتوا الصلب والقتل لعيسى بن مريم، وحرفوا كلمات التوراة عن معانيها وعن مواضع الاستشهاد بها، واشتروا بهذا التحريف ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا، ونسوا بعض شرائع التوراة وأهملوها، وخانوا محمدا رسول الله وأحد الرسل الذين أخذ عليهم الميثاق أن ينصروهم، فباءوا بالطرد من رحمة الله وقست قلوبهم، ببعدهم عن هذه الرحمة.
وإنّ من صفات اليهود الغالبة عليهم الخيانة والمكر، وقول الإثم والمبالغة في سماع الكذب وأكل السّحت، والسعي بالفساد في الأرض، في إيقاد نار الفتن والحروب، وقد قتلوا رسل الله إليهم، وتمرّدوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين، فعاقبهم الله بالتيه في الأرض، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين فعاقبهم الله على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل، وبالغضب والمسخ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة، وقبل زمن البعثة تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم. ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ولذلك قال سبحانه:
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [الآية ٦٦] .
١١- النصارى
ممّا جاء في النصارى خاصة، أنهم نسوا، كاليهود، حظا مما ذكروا به، وأنّهم قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، وقد ردّ الله عليهم هذه العقيدة بالأدلّة العقلية وببراءة المسيح منها ومن منتحليها يوم القيامة، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه. ولقد أخذ
стр. 504
الله الميثاق عليهم، أن يلتزموا بتعاليم رسولهم، ولكنهم نسوا جانبا من تعاليمه، وأهملوا جانب التوحيد، وهو أساس العقيدة، وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى، التي لا تكاد تعد. إذ أنّ هناك فرقا كثيرة صغيرة، داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة: الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت والموارنة اليوم، ومن قبل كان اليعقوبيون والملكانيون والنساطرة.
وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق.
وشهدت المسيحية آثارها منذ القرن الأول للميلاد، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة، وهي اليوم على أشدّها بين الفرق القائمة.
فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بينهم وبين الأرثوذكس، أو بين الموارنة والبروتستانت، أو سواهم قال تعالى:
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) .
وقد بينت سورة المائدة أن اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأن النصارى أقرب الناس مودة إليهم:
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) .
القرآن من عند الله
إنّ جملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها، أنّها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله، العربي الأمي، الذي لم يقرأ شيئا من الكتب، على أن تلك الآيات، ليست موافقة لها ولهم، موافقة الناقل للمنقول عنه، وإنما هي، فوق ذلك، تحكم لهم، وعليهم، وفيهم، وفي كتبهم، حكم المهيمن السميع العليم.
١٢- عدالة أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب
لو كان هذا القرآن من وضع البشر، لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر، ولا سيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره، بأشدّ الأحكام وأقساها.
ولكنه تنزيل من حكيم حميد، أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل،
стр. 505
والحكم بينهم بالقسط، وحكم بحلّ مؤاكلتهم، وتزوّج نسائهم وقبول شهادتهم، والعفو والصفح عنهم.
وهذه الأحكام التي شرّعت هذه المعاملة الفضلى لهم، نزلت بعد إظهار اليهود للمسلمين منتهى العداوة والغدر. ولكن السورة، تضّمنت تأليف قلوبهم، واكتساب مودّتهم.
وقد ختم الله سورة المائدة، بذكر الجزاء في الآخرة، وسؤال الرسل عن جواب أممهم لهم. ثم براءة المسيح ممن جعله إلها، وتفويضه الأمر كله لله الحق، فهو سبحانه المتفرد بالعلم، والقدرة، والألوهية.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) .
стр. 506
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المائدة»
«١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة المائدة بعد سورة الفتح، وكان نزول سورة الفتح بعد صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة المائدة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لأنه ذكر فيها حديث المائدة التي أنزلت من السماء على حواريّي عيسى ﵇، وتبلغ آياتها عشرين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت سورة المائدة بعد صلح الحديبية، وكان النبي (ص) قد قصد مكة للعمرة هو وأصحابه، فصدتهم قريش عن عمرتهم، وجرت بين الفريقين حوادث انتهت بصلح رضيه النبي (ص) ، وكان كثير من أصحابه يرى أن فيه غبنا لهم، لأنه جاء على الشروط التي أرادتها قريش، وهي وضع الحرب بين المسلمين وقريش أربع سنين، وأن من جاء المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريشا من المسلمين لا يلزمون برده، أن يرجع المسلمون من غير عمرة هذا العام ويقضوها في العام المقبل، وأن من أراد أن يدخل في عهد المسلمين من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
فنزلت هذه السورة وفي أولها الأمر بالوفاء بالعقود، ليفوا بما للمشركين في
стр. 507
ذلك العقد وإن كان فيه غبن لهم، ويقوموا بعمرة القضاء ولا يتثاقلوا عنها تهاونا بما استفادوه منه، وقد أطلقت العقود في ذلك إطلاقا لتشمل هذا العقد وغيره من العقود، سواء أكانت بين بعض العباد وبعض، أم كانت بين الله والعباد، ثم ذكر فيها ما أوقعه الله بالأولين من أهل الكتاب وغيرهم لنقضهم عهودهم، ليحذر المسلمين أن يصيبهم إذا نقضوا عهودهم مثل ما أصابهم، وقد جرّ ذلك إلى الكلام على نقض المنافقين واليهود لعهودهم مع النبي (ص) ، وما كان من موالاة المنافقين لليهود وإيثارهم عهودهم معهم على عهودهم مع المسلمين.
وقد جاء، بعد الأمر بالوفاء بالعقود في أول السورة، بيان حكم الذبائح والصيد في الحرم وتحريم التعرض لمن يؤمّه للنسك، وما إلى هذا من أحكام المناسك، وقد جاء معها قليل من الأحكام العملية الأخرى، فلما انتهى من الكلام على أهل الكتاب والمنافقين عاد إلى الكلام على تلك الأحكام العملية، وفصّل فيها بعض ما أجمله في أحكام المناسك، ليبين للمسلمين ما يحتاجون إليه من ذلك في عمرة القضاء، وليعلموا الفرق في ذلك بين الجاهلية والإسلام، ثم ختمت السورة بذكر أحوال يوم القيامة ليبين ما أعد فيها للذين يفون بعهودهم، ويتناسب في هذا بدؤها وختامها.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة النساء لأنها تشبهها في الطول، وفيما جاء فيها من الكلام على أهل الكتاب والمنافقين، كما تشبهها فيما جاء فيها من الأحكام العملية.
أحكام العقود والمناسك الآيات [١- ٥]
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) .
فأمرهم بالوفاء بالعقود، وأحل لهم بهيمة الأنعام وهم حرم إلا ما يتلى عليهم، وحرّم عليهم الصيد وهم حرم، ثم نهاهم أن يحلوا شعائره أو الشهر الحرام أو الهدى أو القلائد أو الحجاج والمعتمرين، وأحل لهم ما حرّمه من الصيد إذا أحلوا، ونهاهم أن يحملهم صدّ المشركين لهم عن العمرة
стр. 508
على الاعتداء عليهم، ثم فصل ما استثناه من بهيمة الأنعام، فحرم الميتة وغيرها إلى الاستقسام بالأزلام وهو الميسر، وكانوا، إذا اجتمعوا في الحرم، يهلون بذبائحهم للنّصب، ثم يلطخونها بالدماء ويضعون اللحوم عليها، ثم ينحرون جزورا ويسهمون عليها بالأزلام، ثم ذكر لهم أن الكفار قد يئسوا من التأثير عليهم في دينهم، ونهاهم أن يخشوهم إذا خالفوهم في مناسكهم، وذكر لهم أنه أكمل لهم دينهم، ورضي لهم الإسلام دينا، فيجب عليهم أن يرضوا ما يرضاه لهم، ولا يخشوا فيه لومة لائم.
ثم ذكر أنهم سألوا النبي (ص) قولا جامعا في ما أحل لهم من ذلك، فذكر أنه أحل لهم الطيبات وصيد ما علموا من جوارح الطير والسباع، وأن ذبائح أهل الكتاب حلّ لهم، كما أن ذبائحهم حلّ لهم، وأنه أحل لهم المحصنات من المؤمنات ومن أهل الكتاب، إذا أعطوهن مهورهن، محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) .
أحكام الوضوء والتيمم [الآية ٦]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الآية ٦] . فذكر حكم الصلاة بعد حكم الحج والعمرة، لأنهما ركنان من أركان الإسلام الخمسة، فأمرهم بالوضوء أو التيمم عند القيام للصلاة، ثم ذكر حكمة الوضوء والتيمم فقال:
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .
التحذير من نقض العقود [الآيات ٧- ١١]
ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) . فعاد إلى المقصود الأول من السورة، وأمرهم أن يذكروا نعمته عليهم بظهورهم على المشركين، وأن يفوا بميثاقه عليهم، وأن يكونوا قوّامين، له شهداء بالعدل، ونهاهم أن تحملهم عداوتهم للمشركين على نقض ميثاقهم، ثم وعدهم على
стр. 509
ذلك بالمغفرة والأجر، وأوعد الكفار بأنهم من أصحاب الجحيم، ثم أمرهم أن يذكروا نعمته عليهم إذ كانوا في مكة مغلوبين للمشركين، فكف أيديهم عنهم وجعلهم يرضون بصلحهم لشعورهم بقوتهم، ثم أمرهم أن يتقوه في ذلك ويتوكلوا عليه وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) .
الاعتبار بناقضي العقود من الأولين [الآيات ١٢- ٤٠]
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ١٢] ، فذكر أنه أخذ الميثاق عليهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان برسله الذين يبعثهم إليهم. فلما نقضوا ذلك الميثاق، أوقع عليهم لعنته في الأرض، فأذلهم وجعل قلوبهم قاسية لا تبالي بشيء، فحرفوا كتبهم ونسوا بعض ما أنزل إليهم، ولا يزال أثر تلك الخيانة فيهم بما فعلوه في عقودهم مع النبي (ص) .
ثم ذكر أنه أخذ على النصارى مثل ذلك العهد فلم يفوا به أيضا، فأوقع بينهم العداوة والبغضاء باختلافهم في دينهم، بعد نسيانهم بعض ما أنزل إليهم.
ثم ذكر أنه أرسل النبي (ص) إلى الفريقين ليبين لهم ما أخفوه من كتبهم، وأنزل عليهم كتابا يخرجهم من الظلمات إلى النور في أمر دينهم، ثم أظهر ما وقع فيه كل منهما بنقض عهودهم، من قول النصارى: إن الله هو المسيح بن مريم، مع أنه إن أراد أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعا لم يملك أحد منه شيئا، ومن قول اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، مع أنه يعذبهم بذنوبهم، ولا فرق عنده بينهم وبين غيرهم، ثم ذكر أنه أرسل إليهم النبي (ص) بعد انقطاع الرسل عنهم، ليبين لهم ما أحدثوه بعدهم، ويقطع بذلك العذر عنهم.
ثم ذكر ما كان من موسى (ع) حينما أمر قومه أن يذكروا نعمته عليهم، وأن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها لهم، ليقوموا بما عاهدوا الله عليه من محاربة أهلها، فأبوا أن يحاربوهم خوفا منهم، ثم ذكر عقابه لهم على ذلك بتحريمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
ثم ذكر ما كان من أمر هابيل وقابيل
стр. 510
ابني آدم ﵇، وقد اختلفا في أمر من الأمور، فقدّم كل منهما قربانا إلى الله ليحكم بينهما فيه، فتقبّل الله قربان هابيل دون قابيل، فلم يرض قابيل بذلك وهدد أخاه بالقتل، ولم يخف الله في ما عهد به إليهم من تحريم ذلك عليهم، وكف هابيل عن قتله خوفا من الله تعالى. ثم ذكر أن قابيل قتل بعد ذلك أخاه فأصبح من الخاسرين، وأدركه من الندم ما ساءت به حياته بعد أخيه.
ثم عقّب على هذا بأنه كتب من أجله على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها بإقامة القصاص فكأنما أحيا الناس جميعا، فنقضوا أيضا ما كتبه عليهم من ذلك، وأسرفوا في الأرض بالقتل وقطع الطريق والسرقة وغيرها، ثم ذكر أن جزاء الذين يبغون في الأرض بهذا الفساد أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، واستثنى منهم الذين يتوبون قبل القدرة عليهم، وأمر المؤمنين بالتقوى وابتغاء الوسيلة إليه وجهاد أولئك المفسدين، وأنذرهم بأن لهم من عذاب القيامة ما لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به منه ما تقبّل منهم، ثم ذكر أن جزاء السرقة من ذلك الفساد قطع الأيدي، وأن من تاب يقبل توبته ولا يعاقبه، لأنه المتفرد بالملك في السماوات والأرض يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) .
نقض المنافقين واليهود لعقودهم [الآيات ٤١- ٨٦]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [الآية ٤١] . فنهى النبي (ص) أن يحزن لمسارعة المنافقين واليهود في نقض عهودهم معه، وذكر من أمر اليهود في ذلك أنهم كانوا يجلسون إليه لكي يسمعوا منه، ويكذبوا عليه، ويتجسسوا لمن لا يحضر مجالسه من رؤسائهم، وأن رؤساءهم كانوا يحذرونهم، إذا تحاكموا إليه، أن يقبلوا منه ما يخالف ما حرفوه من أحكام التوراة في جاهليتهم، وكانوا قد حرفوا أحكامها في القصاص، وعدلوا عنها بالرشوة إلى أحكام جائرة ظالمة، فجعلوا دية
стр. 511
القتيل من بني قريظة نصف دية القتيل من بني النّضير، ثم خيره في الحكم بينهم والإعراض عنهم، وأمره عند اختيار الحكم بينهم أن يحكم بالعدل الذي أنزله وهو القصاص، ثم عجّبه من أنهم يحكّمونه وعندهم التوراة فيها حكمه في القتل، ثم يتولّون عنه بعد التحكيم إذا علموا أنه سيحكم بينهم بذلك لا بما حرفوه في جاهليتهم، ثم ذكر أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور من الأحكام التي لم يحرفوها، وأن أسلافهم كانوا يحكمون بها لا بتلك الأحكام التي تواضعوا عليها ونهاهم أن يخشوا الناس في الرجوع إلى حكم التوراة في القصاص، وأمرهم أن يخشوه وحده ولا يشتروا بآياته تلك الرّشوة الزائلة، ثم ذكر ما جاء فيها من القصاص في النفس والعين والأنف والأذن والسنّ والجروح، وأن عيسى، ﵇، جاء بعد ذلك مصدقا لأحكام التوراة، وأنه أنزل عليه الإنجيل مصدقا لها أيضا، وأنه أنزل القرآن بعد ذلك مصدقا لأحكام التوراة والإنجيل ومهيمنا عليهما. وقد توافقت الكتب الثلاثة على القصاص، فيجب الحكم بينهم به، ولا يصح اتباع أهوائهم في الحكم، ثم ذكر أنه جعل لكل من اليهود والنصارى والمسلمين شرعة ومنهاجا، وله في اختلاف تلك الشرائع حكمة الابتلاء فيها، وقد جعل شرعتنا خير الشرائع التي أنزلها، ثم حذر النبي (ص) من اليهود أن يفتنوه عما جاء فيها من القصاص، وعجّب من أنهم يبغون حكم الجاهلية الذي يفرق بين الدماء وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) .
ثم نهى المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء لنقضهم عهودهم، ولإيثارهم أعداءهم منهم عليهم، ثم ذكر أن المنافقين يتمسكون بحلفهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة من هزيمة أو نحوها فنحتاج إليهم، وكانوا أهل ثروة ومال يقرضونه بالربا وغيره، ثم ذكر أنه سيفتح على المؤمنين فيندم المنافقون على نفاقهم، ويقول المؤمنون متعجبين من أمرهم أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) .
ثم ذكر أن من يرتد من أولئك المنافقين عن دينه، فسوف يأتي بقوم خير منهم يجاهدون في سبيله، وأنه يجب أن يكون وليهم الله ورسوله والمؤمنون لينصرهم على أعدائهم.
ثم عاد إلى نهي المؤمنين عن موالاة أهل الكتاب والمنافقين ليذكر سببا آخر
стр. 512
في ذلك، وهو أنهم يتخذون دينهم هزوا ولعبا، ويستهزئون بصلاتهم عند قيامهم بها، ثم أمر النبي (ص) أن يخبر أهل الكتاب بأنهم لا ينقمون منهم إلا أنهم يؤمنون بسائر الكتب المنزلة، وأن أكثرهم فاسقون، وأن يخبرهم بأن هناك من هو شرّ مثوبة عند الله ممن يظنونهم كذلك ويستهزئون بهم، وهو من لعنه الله وجعل منهم من هو على غرائز القردة والخنازير في الشره والطمع، ثم ذكر أن منهم من إذا جاءوا المؤمنين قالوا آمنا، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، وأن كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكل السّحت، وقد كان على ربّانيّيهم وأحبارهم أن ينهوهم عن ذلك، ولكنهم تركوه طمعا في ما يأخذونه منهم، ثم ذكر أنهم كانوا، إذا طلب منهم الإنفاق في سبيله، قالوا إن الإله الذي يستقرض شيئا من عباده فقير يده مغلولة، يتهكمون بذلك ويتعللون به في كف أيديهم عن الإنفاق، ويقولون على الله هذا القول الشنيع، وهو الغني المبسوط اليدين بالعطاء، ومن يكون هذا شأنه لا ينتظر منه إلا أن يزيده ما ينزل من القرآن طغيانا وكفرا، ثم ذكر أنه ألقى بينهم العداوة إلى يوم القيامة بسبب تكالبهم على الدنيا، فكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها بتفرقهم وتخاصمهم، ثم ذكر أنهم، لو آمنوا وأقاموا حكم التوراة والإنجيل في القصاص وغيره، بدل أحكام الجاهلية، لكفّر عنهم سيئاتهم، ورزقهم سعادة الآخرة والدنيا، وأن منهم من اقتصد في أمره وحافظ على عهده، ولم ينقضه كما نقضه كثير منهم.
ثم أمر النبي (ص) أن يمضي في تبليغ رسالته إليهم، ووعده بعصمته وحفظه منهم، ثم فصل ما يبلغه بأن يقول لهم إنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا عهد التوراة والإنجيل والقرآن في القصاص وغيره من الأحكام، وأخبره بأن تبليغه إليهم ذلك سيزيدهم طغيانا وكفرا، ونهاه أن يحزن على قوم كافرين مثلهم، وذكر ما أعده لمن آمن منهم ومن غيرهم ليقلعوا عن كفرهم، ثم ذكر، من خروجهم على عهد التوراة والإنجيل، أنه أخذ على بني إسرائيل ميثاقهم أن يؤمنوا برسله، فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا بعضهم وقتلوا بعضهم، وأن النصارى كفروا بعد إيمانهم، فقال بعضهم إن الله هو المسيح بن مريم،
стр. 513
مع أنه قد أمرهم أن يعبدوا الله ربه وربهم، وقال بعضهم إن الله ثالث ثلاثة، مع أنه ما من إله إلا إله واحد، ثم رد عليهم جميعا بأن المسيح لم يكن إلا رسولا، وبأن أمه لم تكن إلا صدّيقة، وكانا يأكلان الطعام كما يأكل سائر البشر، ثم وبخهم على أن يعبدوا من دونه ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ونهاهم أن يغلوا في أمر المسيح، وأن يتّبعوا في ذلك من ضل قبلهم فقال بالتثليث ونحوه مما يقولون به.
ثم ذكر أنه لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، وأن كثيرا منهم كانوا لا يتناهون عن المنكر فيما بينهم، وأن كثيرا منهم يتولون المشركين على المؤمنين، ولو كانوا يؤمنون بالله ونبيهم موسى ﵇ ما اتخذوهم أولياء، ثم ذكر أن اليهود والمشركين الذين يوالي بعضهم بعضا أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأن النصارى أقرب منهم مودة لهم، لأن منهم قسيسين ورهبانا قد أقبلوا على العبادة ولم يحرصوا على الدنيا حرص اليهود والمشركين، ومنهم من إذا سمعوا ما أنزل على النبي (ص) تفيض أعينهم من الدمع، ويؤمنون بأنه النبي الذي بشّروا به في التوراة والإنجيل، فكان جزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) .
عود إلى ما سبق من الأحكام [الآيات ٨٧- ١٠٨]
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) فنهاهم أن يحرموا شيئا من الطيبات التي أحلها لهم فيما سبق، وأمرهم أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا، ثم ذكر لهم أنه لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم، ولكن يؤاخذهم بما قصدوه منها، وبين لهم كفارته، ثم حرم عليهم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وذكر أن الشيطان يريد أن يوقع بينهم العداوة في الخمر والميسر، ثم ذكر أنه لا حرج عليهم فيما طعموا إذا ما اتقوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم ذكر أنه سيبلوهم في حال الإحرام بشيء من الصيد تناله أيديهم ورماحهم، وأعاد ذكر تحريمه ليبين حكم من يقتله
стр. 514
متعمدا، وأن الذي يحرم صيد البر لا صيد البحر، ثم ذكر أنه جعل البيت الحرام أمنا للناس فلا يحل القتال فيه، وكذلك جعل الشهر الحرام أمنا لهم، وكذلك جعل الهدي والقلائد لتسير إلى البيت آمنة، ثم ذكر أنه شرع لهم ذلك بواسع علمه وحكمته، وهددهم على مخالفة ذلك بشديد عقابه، وذكر أنه ليس على الرسول (ص) إلا تبليغه لهم.
ثم ذكر أنه لا يستوي الخبيث الذي حرمه عليهم، والطيب الذي أحله لهم، ولو كان في كثرة الخبيث ما يدعو إلى الإعجاب به، ثم نهاهم أن يسألوا عن أشياء من ذلك يريدون التشديد فيها، لأنه قد سألها قوم من قبلهم ثم كفروا بها ولم يقووا عليها.
ثم أبطل ما كانوا يهدونه للأصنام، فذكر أنه ما جعل لهم من بحيرة ولا سائبة ولا غيرهما من هدايا الأصنام، وأنهم يفترون عليه في نسبة تشريعها إليه، وأنهم يقلدون فيها آباءهم ولو كانوا لا يعلمون شيئا ولا يهتدون، ثم أمر المؤمنين أن يعرضوا عنهم لأنهم لا يضرّونهم بشيء من ضلالهم، وذكر أن مرجعهم إليه فينبئهم بأعمالهم ثم ذكر أن أحدهم إذا كان مسافرا وحضره الموت، أشهد على وصيته اثنين من المسلمين، فإذا لم يجدهما أشهد عليها اثنين من غيرهم، ثم أكد في الشهادة على الوصية بما أكد به ليأتوا بها على وجهها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) .
الخاتمة [الآيات ١٠٩- ١٢٠]
ثم قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) . فذكر أنه يجمع رسله يوم القيامة ليسألهم عما فعله أتباعهم فيما عهدوا به إليهم، فيجيبوا بأنهم لا يعلمون ما أحدثوه فيها بعد وفاتهم، لأنهم غابوا عنهم ولا يعلم الغيب غيره، ثم خصّ النصارى بذكر ما أحدثوه في عهدهم لأنهم كانوا أشد انحرافا من غيرهم، فذكر أنه، في يوم القيامة، يذكر لعيسى ﵇ ما أنعم به عليه وعلى والدته، وأنه علّمه الكتاب والحكمة إلخ، ومما ذكره في هذا حديث المائدة التي سميت هذه السورة باسمها، ثم ذكر أنه يسأله بعد
стр. 515
هذا أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الآية ١١٦] وأنه يجيبه بتنزيهه عن أن يكون له شريك، وبأنه ليس له أن يقول مثل هذا الذي نسبه أتباعه إليه، وبأنه إنما أمرهم بعبادة الله ربه وربهم، وكان عليهم شهيدا بذلك في حياته، فلما توفاه كان هو الشهيد عليهم، ثم فوض الأمر إليه في تعذيبهم والمغفرة لهم إظهارا لكمال العبودية، وإن كان الشرك لا يغفر لأصحابه.
ثم ذكر أنه يقول لرسله بعد ذلك هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الآية ١١٩] وهم الذين صدقوا في عهودهم ولم يغيروا فيها بعد وفاة رسلهم، وذكر أن لهم على ذلك جنات يتمتعون فيها برضاه عنهم ورضاهم عنه، وأن ذلك هو الفوز العظيم لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) .
стр. 516
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المائدة»
«١» وقد تقدم وجه في مناسبتها.
أقول: هذه السورة أيضا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة، فإن آية الأطعمة والذبائح فيها أبسط منها في البقرة «٢» .
وكذا ما أخرجه الكفار تبعا لآبائهم في البقرة موجز «٣» وفي هذه السورة مطنب أبلغ إطناب في قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ [الآية ١٠٣] .
وفي البقرة ذكر القصاص في القتلى «٤» . وهنا ذكر أول من سن القتل، والسبب الذي لأجله وقع، وقال تعالى مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
стр. 517
[الآية ٣٢] . وذلك أبسط من قوله تعالى في [البقرة/ ١٧٩] : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
وفي البقرة: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة/ ٥٨] . وذكر في قصتها هنا: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الآية ٥٤] .
وفي البقرة قصة الأيمان موجزة، وزاد هنا بسطا بذكر الكفارة «١» .
وفي البقرة، قال في الخمر والميسر: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/ ٢١٩] . وزاد هنا في هذه السورة ذمها، وصرح بتحريمها «٢» .
وفي سورة المائدة من الاعتلاق بسورة الفاتحة: بيان المغضوب عليهم والضالين في قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [الآية ٦٠] . وقوله تعالى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) .
وأما اعتلاقها بسورة النساء، فقد ظهر لي فيه وجه بديع جدا. وذلك أن سورة النساء اشتملت على عدة عقود صريحة وضمنية.
فالصريحة: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ [النساء/ ٣٣] . وعقد الأيمان في هذه الآية وبعد ذلك عقد المعاهدة والأمان في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [النساء/ ٩٠] . وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ [النساء/ ٩٢] .
والضمنية: عقد الوصية، والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك من الداخل في عموم قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء/ ٥٨] . فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود.
стр. 518
فكأنه قيل (في المائدة) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [الآية ١] التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت. فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط.
ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة، وهو: أن تلك أولها: يا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء/ ١] وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المكي، وتقديم العام «١» وشبه المكي أنسب.
ثم إن هاتين السورتين (النساء والمائدة) ، في التقديم والاتحاد، نظير البقرة وآل عمران، فتلكما في تقرير الأصول، من الوحدانية، والكتاب، والنبوة، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية.
وقد ختمت المائدة بصفة القدرة، كما افتتحت النساء بذلك «٢» .
وافتتحت النساء ببدء الخلق، وختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء «٣» فكأنهما سورة واحدة، اشتملت على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى.
ولما وقع في سورة النساء: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ [النساء/ ١٠٥] . فكانت نازلة في قصة سارق سرق درعا «٤» ، فصل في سورة المائدة أحكام السراق والخائنين.
ولما ذكر في سورة النساء أنه أنزل إليك الكتاب للحكم بين الناس، ذكر في سورة المائدة آيات في الحكم بما أنزل الله حتى بين الكفار، وكرر قوله
стр. 519
تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الآيات ٤٤- ٤٥ و ٤٧] .
فانظر إلى هذه السور الأربع المدنيات، وحسن ترتيبها، وتلاحمها، وتناسقها، وتلازمها.
وقد افتتحت بالبقرة التي هي أول ما نزل بالمدينة، وختمت بالمائدة التي هي آخر ما نزل بها، كما في حديث الترمذي «١» .
стр. 520
المبحث الرابع مكنونات سورة «المائدة»
«١» ١- وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ [الآية ٢] .
قال عكرمة: هو ذو القعدة. أخرجه ابن جرير «٢» . واختار أنّ المراد: هو رجب.
٢- وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [الآية ٢] .
قال عكرمة، والسّدّي: نزلت في الحطم بن هند البكري. أخرجه ابن جرير «٣» .
وقال ابن زيد: في أناس من المشركين، من أهل المشرق، مرّوا بالحديبية، يريدون العمرة. أخرجه ابن أبي حاتم «٤» .
٣- شَنَآنُ قَوْمٍ [الآية ٨] .
هم قريش.
٤- الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٣] .
نزلت بعد عصر يوم عرفة عام حجّة الوداع كما في «الصحيح» «٥» .
٥- يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ [الآية ٤] .
سمّى عكرمة من السائلين: عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن
стр. 521
ساعدة. أخرجه ابن جرير «١» .
وقال سعيد بن جبير: عدي بن حاتم، وزيد بن المهلهل.
٦- وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا [الآية ٨] .
أخرج ابن جرير «٢» ، من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال:
نزلت في يهود خيبر حين أرادوا قتل النبي (ص) .
٧- إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا [الآية ١١] .
قال ابن عباس: نزلت في قوم من اليهود صنعوا لرسول الله (ص) طعاما ليقتلوه.
وقال عكرمة: في كعب بن الأشرف، ويهود بني النضير. أخرجه ابن جرير «٣» .
وأخرج عن أبي مالك: في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا برسول الله (ص) .
وأخرج عن يزيد بن أبي زياد: أنّ منهم حيي بن أخطب.
وأخرج عن قتادة: أنها نزلت في قوم من العرب أرادوا الفتك به، وهو في غزوة، فأرسلوا له أعرابيا ليقتله ببطن نخل، وهم بنو ثعلبة، وبنو محارب «٤» .
٨- وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [الآية ١٢] .
قال ابن إسحاق: هم شموع بن زكور من سبط روبيل، وشوقط ابن حوري من سبط شمعون، وكالب بن يوقنا من سبط يهودا، ويعوول بن يوسف من سبط أساخر، ويوشع بن نون من سبط افرائيم بن يوسف، ويلطي بن زوفو «٥» من سبط بنيامين، وكرابيل بن سودي «٦» من سبط زبالون،
стр. 522
وكدّى بن سوسا «١» من سبط منشا بن يوسف، وعمائيل بن كسل من سبط دان، وستور بن مخائيل من سبط شيز «٢» ، ويحنّى بن وقوسي من سبط تفتال «٣» . وإأل بن موخا من سبط كادلوا.
أخرجه ابن جرير «٤» .
٩- وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ [الآية ١٨] .
قالها من اليهود: نعمان بن أحي، وبحريّ بن عمرو، وشاس بن عدي «٥» .
١٠- عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [الآية ١٩] .
قال قتادة: كان بين عيسى ومحمد خمسمائة وستون سنة.
وفي رواية عنه قال: ذكر أنّها ستمائة سنة.
وقال معمر عن أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة.
وقال الضّحّاك: أربعمائة سنة، وبضع وثلاثون سنة. أخرجها محمد بن جرير.
١١- ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً [الآية ٢٠] .
قال مجاهد: المنّ، والسّلوى، والحجر، والغمام. أخرجه ابن جرير «٦» .
١٢- الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [الآية ٢١] .
قال ابن عباس: الطور وما حوله.
وقال قتادة: الشام.
وقال عكرمة عن ابن عبّاس: أريحا.
وقيل: دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن.
أخرج ذلك ابن جرير «٧» .
١٣- قَوْماً جَبَّارِينَ [الآية ٢٢] .
стр. 523
هم العمالقة «١» .
١٤- قالَ رَجُلانِ [الآية ٢٣] .
قال مجاهد: هما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنّا أو ابن يوفنّة «٢» .
وقال السّدّي: يوشع، وكالب بن يوفنّه: ختن «٣» موسى. أخرجه ابن جرير «٤» .
قال ابن عسكر: يوشع: ابن أخت موسى، وكالب: صهره. واختلف في اسمه، فقيل: كالوب. وقيل: كلاب.
وأبوه: قيل: يوفنا، بالنون بعد الفاء.
وقيل بالياء بعدها.
١٥- نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [الآية ٢٧] .
قال مجاهد: هابيل، وهو المتقبّل منه والمقتول وقابيل، وهو القاتل.
أخرجه ابن جرير «٥» .
١٦- قُرْباناً [الآية ٢٧] .
هو كبش «٦» .
فائدة:
أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، عن عمرو بن خير الشّعباني «٧» قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير مرّان «٨» ، فأراني لمعة حمراء سائلة في الجبل، فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه، وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين «٩» .
стр. 524
١٧- إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ [الآية ٣٣] .
نزلت في العرنيين، وكانوا ثمانية «١» .
١٨- لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [الآية ٤١] .
قيل: هم اليهود «٢» .
وقيل: المنافقون «٣» .
وقيل: نزلت في عبد الله بن صوريا «٤» .
حكاها ابن جرير «٥» .
١٩- سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [الآية ٤١] .
هم أهل فدك. كما أخرجه «الحميدي» «٦» ، وابن أبي حاتم من طريق الشّعبي عن جابر بن عبد الله.
٢٠- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الآية ٥٢] .
قال عطيّة: نزلت في عبد الله بن أبيّ. أخرجه ابن جرير «٧» .
٢١- فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الآية ٥٤] .
قال (ص) لما نزلت: «هم قوم هذا» ، وأشار إلى أبي «٨» موسى الأشعري. أخرجه الحاكم.
وأخرجه ابن أبي حاتم، من طريق محمد بن المنكدر «٩» ، عن جابر قال:
سئل رسول الله (ص) عن هذه الآية
стр. 525
فقال: «هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كنده، ثم من السّكون، ثم من تجيب «١» » .
وأخرج من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
وأخرج «٢» عن الحسن قال: هم، والله، أبو بكر وأصحابه.
وأخرج عن الضّحّاك مثله.
وأخرج عن مجاهد قال: قوم من سبأ.
وأخرج عن أبي بكر بن عياش «٣» قال: هم أهل القادسية.
٢٢- وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [الآية ٦٤] .
أخرج الطبراني عن ابن عباس: أن قائل ذلك النّبّاش بن قيس.
وأخرج أبو الشيخ عنه: أنه فنحاص «٤» .
٢٣- وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [الآية ٨٢] .
أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.
وأخرج عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى من خير، فإنما يراد به:
النجاشي، وأصحابه.
وأخرج عن سعيد بن جبير قال:
نزلت في ثلاثين من خيار أصحاب النجاشي.
وأخرج من طرق أخرى عنه: انهم سبعون رجلا.
وأخرج عن السدي: أنهم اثنا عشر رجلا.
وقد سماهم جماعة منهم إسماعيل الضرير «٥» في «تفسيره» : ابرهد، وأيمن، وإدريس، وابراهيم، والأشرف، وتميم، وتمام، ودريد، وبحيرا، ونافع.
стр. 526
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المائدة»
«١» ١- قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] .
الشعائر جمع شعيرة، وهي اسم ما أشعر، أي: جعل شعارا وعلما للنّسك، من مواقف الحجّ، ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحجّ يعرف بها من الإحرام، والطواف، والسّعي، والحلق، والنّحر.
ولا بد لنا أن نبسط هذه المادة اللغوية، لنعرف شيئا مما يتصل بها، ولنبدأ بالشّعار فنقول:
الشّعار: العلامة في الحرب وغيرها.
وشعار العساكر أن يسموا لها علامة ينصبونها، ليعرف الرجل بها رفقته.
وفي الحديث: «إن شعار أصحاب رسول الله (ص) كان في الغزو: يا منصور أمت أمت!» وهو تفاؤل بالنّصر بعد الأمر بالإماتة. واستشعر القوم: إذا تداعوا بالشّعار في الحرب، قال النابغة:
مستشعرين قد الفوا في ديارهم دعاء سوع ودعميّ وأيّوب وشعار القوم: علامتهم في السّفر.
وأشعر القوم في سفرهم: جعلوا لأنفسهم شعارا.
قال الأزهري: ولا أدري مشاعر الحجّ إلّا من هذا، لأنها علامات له.
أقول: إذا كان من معاني الشّعار العلامة، فكأن «الشّعيرة» وهي البدنة
стр. 527
المهداة تصبح علامة، فكانت من الشعائر للحاجّ، أي: علامة له، ولأنها تذبح، فقد صار «الإشعار» هو الإدماء، أي: الذّبح.
وفي حديث مقتل عمر، ﵁: أن رجلا رمى الجمرة فأصاب صلعته بحجر، فسال الدم، فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين.
وإذا كانت الشعائر عامة مناسك الحج، فهي أيضا الشّعارة والمشعر، وقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [البقرة/ ١٩٨] .
أي: مزدلفة.
والمشاعر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها.
أقول: من غير شك أن هذه المواد الاصطلاحية، التي أصبحت شيئا من المعجم التاريخي الإسلامي، تشير إلى الأصل البعيد، وهو مادة «الشعور» بمعنى «الحسّ» ، أو «الإحساس» .
وعلى هذا يكون «الشّعار» ، وهو العلامة، واسطة يشعر بها الرجل في الحرب وغير الحرب.
ثم كان من هذا الشعيرة- وهي البدنة- «المعلّمة» بعلامة، التي تنحر هديا، ثم كانت هذه الشعيرة العلامة لعامة ما يتصل بالحج، فأطلقت على المناسك كلّها.
ثم ماذا من هذه المواد القديمة؟
أقول: استقرّت الشعيرة والشعائر في استعمالها الاصطلاحي في الحجّ. وقد يتوسع الآن فتطلق «الشعائر» على جميع الواجبات الدينية، فيقال مثلا:
الشعائر الدينية، وهي الفرائض والسنن وغيرها.
أما الشعار والشعارات في عصرنا، فهي ما يتخذ، من قول أو عمل، واسطة، أو مظهرا للإعراب عن حقيقة ما، كأن يقال: شعار الطلاب: السعي والعمل الوطني، وشعار الجندي:
الطاعة، وشعار العامل: الإخلاص.
وليس هذا الاستعمال الجديد إلا شيئا من الاستعمال القديم.
وأما المشاعر، فهي في لغتنا المعاصرة تعني الشعور والإحساس، يقال: أظهر فلان لضيفه مشاعر الودّ مثلا. وليس لهذه المشاعر مفرد، كما أنه لا مفرد للمحاسن، أو المساوئ، أو المباهج أو غيرها مما شابهها.
٢- وقال تعالى: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ
стр. 528
أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ
[الآية ٥] .
أقول يحسن بنا أن نقرأ [النساء/ ٢٥] :
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ.
والأخدان جمع خدن، الذكر والأنثى فيه سواء، والخدن والخدين:
الصديق. وخدن الجارية محدّثها، وكانوا في الجاهلية لا يمتنعون من خدن يحدّث الجارية فجاء الإسلام بهدمه.
والمخادنة: المصاحبة.
٣- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الآية ١١] .
تشير الآية إلى أن النبي (ص) جاء قوما، وهم بنو قريظة، ومعه الشيخان وعلي، يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمريّ خطأ يحسبهما مشركين. فأراد اليهود قتل النبي، والقصة معروفة في كتب السيرة والتفسير ونزلت الآية.
ويقال: بسط لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به.
ومعنى بسط اليد مدّها إلى المبطوش به، ألا ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى.
فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، أي:
منعها أن تمدّ إليكم.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة/ ٢] .
أي: يبطشوا بكم.
والذي نعرفه من استقرائنا للآيات الكريمة وغيرها من النصوص أن «البسط» ، و «البسطة» تفيد السرور والانبساط والاتساع، جاء في الحديث في الكلام على الزهراء ﵍:
يبسطني ما يبسطها، أي: يسرّني ما يسرّها. والبسط ضد القبض حقيقة ومجازا.
وجاء في الآية ٢٦ من سورة الرعد:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وتكرر مثل هذا في تسع آيات أخرى. والمعنى ينشر الرزق ويوسّعه.
أمّا «بسط اليد» بالمعنى الذي ورد في الآية التي يجري الكلام عليها فهو
стр. 529
استعمال خاص، ورد في سورة الممتحنة، كما ورد في سورة المائدة أيضا وهو قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ [الآية ٢٨] .
ملاحظة:
وبعد، ألا يحق لنا أن نقول: إن الذي جرى عليه عامة أهل المدن في العراق في قولهم: «بسط فلان ولده بسطة فأوجعه» ، أي: ضربه، له أصل فصيح في قول الأقدمين: وبسط فلان يده إليه، أي: بطش به كما صدق ذلك في الآيات الشريفة؟
٤- وقال تعالى: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الآية ١٣] .
أي: هذه عادتهم وهجّيرهم، وكان عليهما أسلافهم، كانوا يخونون الرّسل و «على خائنة» ، أي: على خيانة، وقرئ: «على خيانة» .
أقول: والخائنة اسم فاعل، ولذلك قال المفسرون: المعنى فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة.
ولعل الخائنة هنا هي الخيانة كالعافية، وهي اسم فاعل تعني المصدر، ومثلها العاقبة وغيرها.
٥- وقال تعالى: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [الآية ١٤] .
المراد ب «أغرينا» ألصقنا وألزمنا، من «غري بالشيء إذا لزمه ولصق به، وأغراه غيره، ومنه الغراء الذي يلصق به «١» .
أقول: والأصل في كل ذلك الغراء وهو الذي تلصق به الأشياء، ويتّخذ من أطراف الجلود والسّمك. وغروت الجلد، الصقته بالغراء.
وإذا كان الفعل غري بالشيء، أي:
لصق ولزم فمنه «الإغراء» ، وهو الحثّ على عمل الخير ونحو ذلك.
وهكذا جرت العربية على «الإغراء» بهذا المعنى الحسن. وما زال هذا المعنى هو المعروف المشهور، أما ما جاء في الآية من استعمال «الإغراء» بمعنى إلقاء العداوة بينهم، فهو غير معروف في العربية المعاصرة.
٦- وقال الله تعالى:
стр. 530
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) .
أي: أهؤلاء الذين أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنّهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.
والقسم جهد الأيمان هو القسم بأغلظ الأيمان. وهذا يعني أن المصدر «جهد» بهذا الاستعمال يفيد الغاية كما نقول سعى جدّ السّعي.
٧- وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) .
الفعل «يتولّى» ، في هذه الآية بمعنى يجعل الله وليّا له، وكذلك الرسول والذين آمنوا، وهذا من الاستعمال الجميل الذي لا نعرفه لهذا الفعل فقد اشتهر الفعل «تولّى» بمعنى ذهب وانصرف.
وتولّى الأمر، أي باشره ولزمه وأخذه. وتولّى الله جعله وليا له، أي:
ناصرا. وهذا الاستعمال القرآني الأخير مما لا نعرفه في العربية المعاصرة.
٨- وقال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [الآية ٥٩] .
وقرأ الحسن: (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها، والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلّا الايمان بالكتب المنزلة كلها «١» .
أقول: ومن هذا الاستعمال قول علي بن أبي طالب (ع) :
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين فتيّ سنيّ
ويقال: نقمت الأمر ونقمته، أي:
كرهته، وقال تعالى:
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ [البروج/ ٨] .
أي: أنكروا منهم.
ومثله قوله تعالى: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة/ ٧٤] .
وليس لنا من الفعل «نقم» إلا المزيد «انتقم» ، ومعناه مشهور. فأما المجرد فلا نعرف منه في العربية المعاصرة إلا المصدر «النقمة» .