← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المائدة» «١» ١- قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] . الشعائر جمع شعيرة، وهي اسم ما أشعر، أي: جعل شعارا وعلما للنّسك، من مواقف الحجّ، ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحجّ يعرف بها من الإحرام، والطواف، والسّعي، والحلق، والنّحر. ولا بد لنا أن نبسط هذه المادة اللغوية، لنعرف شيئا مما يتصل بها، ولنبدأ بالشّعار فنقول: الشّعار: العلامة في الحرب وغيرها. وشعار العساكر أن يسموا لها علامة ينصبونها، ليعرف الرجل بها رفقته. وفي الحديث: «إن شعار أصحاب رسول الله (ص) كان في الغزو: يا منصور أمت أمت!» وهو تفاؤل بالنّصر بعد الأمر بالإماتة. واستشعر القوم: إذا تداعوا بالشّعار في الحرب، قال النابغة: مستشعرين قد الفوا في ديارهم دعاء سوع ودعميّ وأيّوب وشعار القوم: علامتهم في السّفر. وأشعر القوم في سفرهم: جعلوا لأنفسهم شعارا. قال الأزهري: ولا أدري مشاعر الحجّ إلّا من هذا، لأنها علامات له. أقول: إذا كان من معاني الشّعار العلامة، فكأن «الشّعيرة» وهي البدنة

стр. 527

المهداة تصبح علامة، فكانت من الشعائر للحاجّ، أي: علامة له، ولأنها تذبح، فقد صار «الإشعار» هو الإدماء، أي: الذّبح. وفي حديث مقتل عمر، ﵁: أن رجلا رمى الجمرة فأصاب صلعته بحجر، فسال الدم، فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين. وإذا كانت الشعائر عامة مناسك الحج، فهي أيضا الشّعارة والمشعر، وقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [البقرة/ ١٩٨] . أي: مزدلفة. والمشاعر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها. أقول: من غير شك أن هذه المواد الاصطلاحية، التي أصبحت شيئا من المعجم التاريخي الإسلامي، تشير إلى الأصل البعيد، وهو مادة «الشعور» بمعنى «الحسّ» ، أو «الإحساس» . وعلى هذا يكون «الشّعار» ، وهو العلامة، واسطة يشعر بها الرجل في الحرب وغير الحرب. ثم كان من هذا الشعيرة- وهي البدنة- «المعلّمة» بعلامة، التي تنحر هديا، ثم كانت هذه الشعيرة العلامة لعامة ما يتصل بالحج، فأطلقت على المناسك كلّها. ثم ماذا من هذه المواد القديمة؟ أقول: استقرّت الشعيرة والشعائر في استعمالها الاصطلاحي في الحجّ. وقد يتوسع الآن فتطلق «الشعائر» على جميع الواجبات الدينية، فيقال مثلا: الشعائر الدينية، وهي الفرائض والسنن وغيرها. أما الشعار والشعارات في عصرنا، فهي ما يتخذ، من قول أو عمل، واسطة، أو مظهرا للإعراب عن حقيقة ما، كأن يقال: شعار الطلاب: السعي والعمل الوطني، وشعار الجندي: الطاعة، وشعار العامل: الإخلاص. وليس هذا الاستعمال الجديد إلا شيئا من الاستعمال القديم. وأما المشاعر، فهي في لغتنا المعاصرة تعني الشعور والإحساس، يقال: أظهر فلان لضيفه مشاعر الودّ مثلا. وليس لهذه المشاعر مفرد، كما أنه لا مفرد للمحاسن، أو المساوئ، أو المباهج أو غيرها مما شابهها. ٢- وقال تعالى: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ

стр. 528

أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ [الآية ٥] . أقول يحسن بنا أن نقرأ [النساء/ ٢٥] : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ. والأخدان جمع خدن، الذكر والأنثى فيه سواء، والخدن والخدين: الصديق. وخدن الجارية محدّثها، وكانوا في الجاهلية لا يمتنعون من خدن يحدّث الجارية فجاء الإسلام بهدمه. والمخادنة: المصاحبة. ٣- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الآية ١١] . تشير الآية إلى أن النبي (ص) جاء قوما، وهم بنو قريظة، ومعه الشيخان وعلي، يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمريّ خطأ يحسبهما مشركين. فأراد اليهود قتل النبي، والقصة معروفة في كتب السيرة والتفسير ونزلت الآية. ويقال: بسط لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به. ومعنى بسط اليد مدّها إلى المبطوش به، ألا ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى. فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، أي: منعها أن تمدّ إليكم. ومثل هذه الآية قوله تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة/ ٢] . أي: يبطشوا بكم. والذي نعرفه من استقرائنا للآيات الكريمة وغيرها من النصوص أن «البسط» ، و «البسطة» تفيد السرور والانبساط والاتساع، جاء في الحديث في الكلام على الزهراء ﵍: يبسطني ما يبسطها، أي: يسرّني ما يسرّها. والبسط ضد القبض حقيقة ومجازا. وجاء في الآية ٢٦ من سورة الرعد: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ. وتكرر مثل هذا في تسع آيات أخرى. والمعنى ينشر الرزق ويوسّعه. أمّا «بسط اليد» بالمعنى الذي ورد في الآية التي يجري الكلام عليها فهو

стр. 529

استعمال خاص، ورد في سورة الممتحنة، كما ورد في سورة المائدة أيضا وهو قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ [الآية ٢٨] . ملاحظة: وبعد، ألا يحق لنا أن نقول: إن الذي جرى عليه عامة أهل المدن في العراق في قولهم: «بسط فلان ولده بسطة فأوجعه» ، أي: ضربه، له أصل فصيح في قول الأقدمين: وبسط فلان يده إليه، أي: بطش به كما صدق ذلك في الآيات الشريفة؟ ٤- وقال تعالى: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الآية ١٣] . أي: هذه عادتهم وهجّيرهم، وكان عليهما أسلافهم، كانوا يخونون الرّسل و «على خائنة» ، أي: على خيانة، وقرئ: «على خيانة» . أقول: والخائنة اسم فاعل، ولذلك قال المفسرون: المعنى فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة. ولعل الخائنة هنا هي الخيانة كالعافية، وهي اسم فاعل تعني المصدر، ومثلها العاقبة وغيرها. ٥- وقال تعالى: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [الآية ١٤] . المراد ب «أغرينا» ألصقنا وألزمنا، من «غري بالشيء إذا لزمه ولصق به، وأغراه غيره، ومنه الغراء الذي يلصق به «١» . أقول: والأصل في كل ذلك الغراء وهو الذي تلصق به الأشياء، ويتّخذ من أطراف الجلود والسّمك. وغروت الجلد، الصقته بالغراء. وإذا كان الفعل غري بالشيء، أي: لصق ولزم فمنه «الإغراء» ، وهو الحثّ على عمل الخير ونحو ذلك. وهكذا جرت العربية على «الإغراء» بهذا المعنى الحسن. وما زال هذا المعنى هو المعروف المشهور، أما ما جاء في الآية من استعمال «الإغراء» بمعنى إلقاء العداوة بينهم، فهو غير معروف في العربية المعاصرة. ٦- وقال الله تعالى:

стр. 530

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) . أي: أهؤلاء الذين أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنّهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. والقسم جهد الأيمان هو القسم بأغلظ الأيمان. وهذا يعني أن المصدر «جهد» بهذا الاستعمال يفيد الغاية كما نقول سعى جدّ السّعي. ٧- وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) . الفعل «يتولّى» ، في هذه الآية بمعنى يجعل الله وليّا له، وكذلك الرسول والذين آمنوا، وهذا من الاستعمال الجميل الذي لا نعرفه لهذا الفعل فقد اشتهر الفعل «تولّى» بمعنى ذهب وانصرف. وتولّى الأمر، أي باشره ولزمه وأخذه. وتولّى الله جعله وليا له، أي: ناصرا. وهذا الاستعمال القرآني الأخير مما لا نعرفه في العربية المعاصرة. ٨- وقال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [الآية ٥٩] . وقرأ الحسن: (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها، والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلّا الايمان بالكتب المنزلة كلها «١» . أقول: ومن هذا الاستعمال قول علي بن أبي طالب (ع) : ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين فتيّ سنيّ ويقال: نقمت الأمر ونقمته، أي: كرهته، وقال تعالى: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ [البروج/ ٨] . أي: أنكروا منهم. ومثله قوله تعالى: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة/ ٧٤] . وليس لنا من الفعل «نقم» إلا المزيد «انتقم» ، ومعناه مشهور. فأما المجرد فلا نعرف منه في العربية المعاصرة إلا المصدر «النقمة» .

стр. 531

وما أرانا إلا أن نعود الى هذا الفعل وغيره، فنعيده إلى الاستعمال الحديث. ٩- وقال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [الآية ٦٨] . والمعنى: لستم على دين يعتدّ به حتى يسمّى شيئا لفساده وبطلانه. أقول: وقوله تعالى: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ [الآية ٦٨] لبيان أنه لا قيمة له، نظير قولنا: إن هذا ليس بشيء مثلا، إقرارا منّا بأنه فاقد القيمة. ١٠- وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . موضع الإشكال في هذه الآية مجيء «الصابئون» بالواو وسنعرض لما قيل في ذلك من كلام طويل. وعندي أن قراءة أبيّ غير المشهورة «والصابئين» وجيهة مقبولة تنفي عنا هذا الإشكال، والتعقيد الذي سنعرض له. ماذا قيل في هذه المشكلة النحوية؟ «الصابئون» رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنيّة به التأخير عما في حيّز إنّ من اسمها وخبرها، كأنّه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وانشد سيبويه: وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك فإن قلت: هلّا زعمت أنّ ارتفاعه للعطف على محل إنّ واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: إن زيدا وعمرو منطلقان. فإن قلت: لم لا يصحّ، والنيّة به التأخير، فكأنّك قلت: ان زيدا منطلق وعمرو؟ قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفا على محل إنّ واسمها، والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمهما «إنّ» في عملها، فلو رفعت «الصابئون» المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين. فإن قلت: فقوله: «والصابئون» معطوف لا بدّ له من معطوف عليه فما هو؟ قلت: هو مع

стр. 532

خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا محل لها كما لا محلّ للتي عطفت عليها، فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلّا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا، وأشدّهم غيّا، وما سمّوا صابئين إلّا لأنّهم صبئوا عن الأديان كلها. أي: خرجوا «١» .... وفي حاشية الشيخ أحمد بن المنير الإسكندري المسماة (الانتصاف) جاء:...... ولكن ثمّ سؤال متوجّه، وهو أن يقال: لو عطف «الصابئين» ونصبه كما قرأ ابن كثير لأفاد أيضا دخولهم في جملة المتوب عليهم، ولفهم من تقديم ذكرهم على النصارى ما يفهم من الرفع من أن هؤلاء الصابئين، وهم أوغل الناس في الكفر يتاب عليهم، فما الظنّ بالنصارى، ولكان الكلام جملة واحدة بليغا مختصرا، والعطف إفرادي، فلم عدل عن النصب إلى الرفع وجعل الكلام جملتين. «٢» ..... أقول: ما كان أغنانا عن هذه التوجيهات والأقوال النحوية التي لا تخلو من التعسّف والتكلّف، لو أخذنا بقراءة أبيّ وابن كثير على نصب «الصابئين» ، وهل من حاجة إلى هذه التأويلات لنجري هذه القراءة المشهورة التي ثبتت في المصحف، ولم يكتب للقراءة الأخرى هذه الشهرة؟ أقول هذا لأني أجد مثل هذه القراءة المرفوضة، أي: على النصب في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة/ ٦٢] . وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الحج/ ١٧] . أترى الزمخشري وغيره من المفسرين والنحاة، كانوا قد اتبعوا الأسلوب الذي سلكوه في توجيه «الصابئون» ، أي الآية التي هي موضع درسنا. ولو أن قراءة شاذة قد وردت في هاتين الآيتين من سورتي البقرة والحج، فجاءت كلمة «الصابئين» ،

стр. 533

مرفوعة على شذوذ القراءة، لكان لهم أن يتبعوا الأسلوب الذي أتينا على ذكره بما فيه من الحذلقة والتزيّد. كلمة أخيرة: الذي أراه في توجيه «الصابئون» أن القراءة صحيحة، ولكن أقول: إن نحو العربية في باب الجمع المذكور بالواو والنون والياء والنون، في عصر القرآن، لم يكن قد استقر فتخلص من اللغات الخاصة، وهذا يعني أن الواو والنون كانتا سمة وعلامة للجمع كيفما كان موضع الكلمة من الإعراب، فالواو والنون علامة الجمع، كما أن الياء والنون علامة أخرى، وأما اختصاص كل منهما بحالة إعراب خاصة فقد استفادته العربية شيئا فشيئا حتى استقر على هذا النحو الذي نعرفه في النحو العام المشهور. ثم ألم يقولوا: إن «اللذون» لغة في «الذين» ، وأن الواو لازمة في هذا الموصول كما في الشاهد المعروف: نحن اللذون صبّحوا الصّباحا ثم ألم يقرأ الحسن: (تنزّل الشياطون) «١» ؟ ١١- وقال تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [الآية ٧١] . في هذه الآية مسألة تتصل ب «كثير» لا بد من الوقوف عليها. قالوا: «كثير» بدل من الضمير، أو على قولهم: أكلوني البراغيث. أقول: ما أظن أن القول بأن الآية جرت على لغة «أكلوني البراغيث» قول سديد مقبول، وذلك لأن هذه اللغة قد خصت بها قبيلة واحدة هي بنو الحارث بن كعب، ولكني أقول: إن الفاعل هو «كثير» وهو أقوى في الفاعلية من «الواو» الذي سمّي «ضميرا» وليس الواو إلا إشارة إلى أن الفاعل «جمع» أو دالّ على الجمع وهو «كثير» في الآية.

стр. 534

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المائدة» «١» قال تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [الآية ١] ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [الآية ١] . ففي قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ نصبت (غير) على الحال «٢» . وقال تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] واحدها «شعيرة» . وقال وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [الآية ٢] ف «الشنئان» متحرك مثل «الدرجان» و «الميلان» ، وهو من «شنئته» ف «أنا أشنؤه» «شنئانا» . لا يَجْرِمَنَّكُمْ أي: لا يحقّنّ لكم «٣» . لأنّ قوله تعالى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل/ ٦٢] إنّما هو حقّ أنّ لهم النار. قال الشاعر «٤» [من الكامل وهو الشاهد الثمانون بعد المائة] : ولقد طعنت أبّا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا «٥» . اي: حقّ لها. وقوله تعالى:

стр. 535

أَنْ صَدُّوكُمْ [الآية ٢] «١» يقول: «لأن صدّوكم» وقد قرئت (إن صدّوكم) «٢» على معنى «إن هم صدّوكم» أي: «إن هم فعلوا» أي: إن همّوا ولم يكونوا فعلوا. وقد تقول ذلك أيضا وقد فعلوا كأنك تحكي ما لم يكن كقول الله تعالى قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف/ ٧٧] وكانت السرقة عندهم قد وقعت. وقال تعالى: أَنْ تَعْتَدُوا [الآية ٢] أي: لا يحقّنّ لكم شنئان قوم أن تعتدوا. أي: لا يحملنّكم ذلك على العدوان. ثم قال وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [الآية ٢] . وقال تعالى: وَالْمَوْقُوذَةُ [الآية ٣] من «وقذت» ف «هي موقوذة» . وَالنَّطِيحَةُ [الآية ٣] فيها الهاء [اي التاء المربوطة] لأنها جعلت كالاسم مثل «أكيلة الأسد» . وانما تقول «هي أكيل» و «هي نطيح» لأنّ كل ما فيه «مفعولة» ف «الفعيل» فيه بغير الهاء نحو «القتيل» و «الصريع» إذا عنيت المرأة و «هي جريح» لأنك تقول «مجروحة» . وقال تعالى: وَما أَكَلَ السَّبُعُ [الآية ٣] «٣» ولغة يخففون «السبع» «٤» . وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [الآية ٣] وجميعه: «الأنصاب» . وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ [الآية ٣] يقول: «وحرّم ذلك» وواحدها «زلم» و «زلم» «٥» . وقال تعالى: مَخْمَصَةٍ [الآية ٣]

стр. 536

تقول: «خمصه الجوع» نحو «المغضبة» لأنّه أراد المصدر. وقال يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٣] مهموزة الياء الثانية وهي من «فعل» «يفعل» وكسر الياء الأولى لغة نحو «لعب» «١» ومنهم من يكسر اللام والعين «٢» ويسكنون العين ويفتحون اللّام أيضا «٣» ويكسرونها «٤» وكذلك «يئس» . وذلك أنّ «فعل» ، إذا كان ثانيه احد الحروف الستة «٥» ، كسروا اوله وتركوه على الكسر، كما يقولون ذلك في «فعيل» نحو «شعير» و «صهيل» «٦» . ومنهم من يسكن الثانية ويكسر الأولى نحو «﵀» فلذلك تقول: «يئس» تكسر الياء وتسكن الهمزة «٧» . وقد قرئت هذه الآية (نعم ما يعظكم به) [النساء/ ٥٨] «٨» على تلك اللغة التي يقولون فيها «لعب» «٩» . وأناس يقولون «نعم الرّجل زيد» «١٠» فقد يجوز كسر هذه النون التي في «نعم» ، لأن التي بعدها من الحروف الستة، كما كسر «لعب» . وقولهم: «ان العين ساكنة من «نعمّا» إذا أدغمت خطأ لأنه لا يجتمع ساكنان. ولكن إذا شئت أخفيته فجعلته بين الإدغام والإظهار، فيكون في زنة متحرك، كما قرئت (إنّي ليحزنني) [يوسف/ ١٣] يشمون النون الأولى الرفع «١١» .

стр. 537

وقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الآية ٣] لأن الإسلام كان فيه بعض الفرائض، فلما فرغ الله ﷻ ممّا أراد منه قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [الآية ٣] لا على غير هذه الصفة. وقال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) كأنه قال: «فإنّ الله له غفور رحيم» . كما تقول «عبد الله ضربت» تريد: ضربته. قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المائة] : ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود» وقال الآخر «٢» [من الرجز وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة] : قد أصبحت «٣» أم الخيار تدّعي عليّ ذنبا كلّه لم أصنع «٤» وقال تعالى: ماذا أُحِلَّ [الآية ٤] فان شئت جعلت «ذا» بمنزلة «الذي» وان شئت جعلتها زائدة كما قال الشاعر «٥» [من البسيط وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة] : يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم ... لا يستفقن الى الديرين تحنانا «٦» ف «ذا» لا تكون هاهنا إلّا زائدة. إذ لو قلت: «ما الذي بال نسوتكم» لم يكن كلاما. وقال تعالى: الْجَوارِحِ [الآية ٤] وهي الكواسب كما تقول: «فلان جارحة أهله» و «مالهم جارحة» أي: مالهم مماليك «ولا حافرة» . وقال تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [الآية ٤] ، فأدخل «من» كما أدخلها في: «كان من حديث» و «قد

стр. 538

كان من مطر» . وقوله وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ [البقرة/ ٢٧١] «١» ووَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور/ ٤٣] «٢» . وهو فيما فسر «ينزّل من السّماء جبالا فيها برد» . وقال بعضهم في قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ أي: في السّماء جبال من برد. أي: يجعل الجبال من برد في السّماء ويجعل الإنزال منها. وقال تعالى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ [الآية ٥] فيعني به الرجال. وقال تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [الآية ٥] (و) أحلّ لكم الْمُحْصَناتُ من النساء مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ أي: أحلّ لكم في هذه الحال. وقال تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [الآية ٦] فردّه الى «الغسل» في قراءة بعضهم «٣» لأنه قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الآية ٦] وقرأ بعضهم: (وأرجلكم) «٤» على المسح أي: وامسحوا بأرجلكم. وهذا لا يعرفه الناس. وقال ابن عباس «٥» : «المسح على الرّجلين يجزئ» ويجوز

стр. 539

الجر على الإتباع وهو في المعنى «الغسل» «١» نحو «هذا جحر ضبّ خرب» . والنصب أسلم وأجود من هذا الاضطرار. ومثله قول العرب: «أكلت خبزا ولبنا» واللبن لا يؤكل. ويقولون: «ما سمعت برائحة أطيب من هذه ولا رأيت رائحة أطيب من هذه» و «ما رأيت كلاما أصوب من هذا» . قال الشاعر «٢» [من مجزوء الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة] : يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا «٣» . ومثله لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [الآية ٢] . وقال تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [الآية ٦] أي: ما يريد الله ليجعل عليكم حرجا. وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) كأنه فسر الوعد ليبين ما وعدهم أي: هكذا وعدهم فقال لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. وقال تعالى: وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [الآية ١٢] لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [الآية ١٢] فاللام الأولى على معنى القسم والثانية على قسم آخر. وقال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ [الآية ١٤] . كما تقول: «من عبد الله أخذت درهمه» «٤» . وقال تعالى: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [الآية ٢٢] فعملت «إنّ» في «القوم» وجعلت الصفة «جبارين» لأنّ «فيها» ليس باسم. وقال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [الآية ٢٦] فهي من «أسي» «يأسى» «أسى شديدا» وهو الحزن. و «يئس» من «اليأس» وهو انقطاع الرجاء من «يئسوا» وقوله تعالى: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف/ ٨٧] : أي

стр. 540

انقطاع الرجاء وهو من: يئست وهو مثل «أيس» في تصريفه. وإن شئت مثل «خشيت» في تصريفه. وأما «أسوت» «تأسوا» «أسوا» فهو الدواء للجراحة. و «است» «أؤوس» «أوسا» في معنى: أعطيت. و «است» قياسها «قلت» و «أسوت» قياسها «غزوت» . وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [الآية ٢٧] فالهمزة ل «نبأ» لأنها من «أنبأته» . وألف «ابني» تذهب لأنها ألف وصل في التصغير. وإذا وقفت قلت «نبأ» مقصور ولا تقول «نبا» لأنها مضاف فلا تثبت فيها الألف. وقال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ [الآية ٣٠] مثل [فطوّقت] ومعناه: «رخّصت» «١» وتقول «طوّقته أمري» أي: عصبته به. وقال تعالى: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ [الآية ٣١] فنصب «فأواري» لأنّك عطفته بالفاء على «أن» وليس بمهموز لأنه من «واريت» وإنما كانت «عجزت» لأنها من «عجز» «يعجز» وقال بعضهم «عجز» «يعجز» «٢» ، و «عجز» «يعجز» «٣» . وقال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٣٢] . وان شئت أذهبت الهمزة من أَجْلِ وحركت النون في لغة من خفف الهمزة «٤» . و «الأجل» : الجناية من «أجل» «يأجل» ، تقول: «قد أجلت علينا شرا» ويقول بعض العرب «من جرّا» من: «الجريرة» ويجعله على «فعلى» . وقال تعالى: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ

стр. 541

[الآية ٣٢] كأنه يقول «أو بغير فساد في الأرض» . وقال تعالى: لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [الآية ٣٦] كأنّه يقول: «لو أنّ هذا معهم للفداء ما تقبّل منهم» . وقال تعالى: لا يَحْزُنْكَ [الآية ٤١] خفيفة مفتوحة الياء «١» وأهل المدينة يقولون (يحزنك) «٢» يجعلونها من «أحزن» والعرب تقول: «أحزنته» و «حزنته» . وقال تعالى: الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ [الآية ٤١] أي: «من هؤلاء ومن هؤلاء» ثم قال مستأنفا: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [الآية ٤١] أي: هم سمّاعون. وان شئت جعلته على وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا [الآية ٤١] سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ثم تقطعه من الكلام الأول. ثم قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [الآية ٤٢] على ذلك الرفع للأول وأما قوله تعالى: لَمْ يَأْتُوكَ [الآية ٤١] فههنا انقطع الكلام والمعنى «ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب «٣» يسمعون كلام النبيّ (ص) ليكذبوا عليه سماعون لقوم آخرين لم يأتوك بعد» اي: «يسمعون لهم فيخبرونهم وهم لم يأتوك» . وقال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [الآية ٤٥] إذا عطف على ما بعد «أنّ» نصب «٤» والرفع على الابتداء «٥» كما تقول: «إنّ زيدا منطلق وعمرو

стр. 542

ذاهب» ، وإن شئت قلت: «وعمرا ذاهب» نصب ورفع. وقال تعالى: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ [الآية ٤٦] لأن بعضهم يقول: «هي الإنجيل» وبعضهم يقول «هو الإنجيل» . وقد يكون على ان الإنجيل كتاب فهو مذكر في المعنى فذكروه على ذلك. كما قال تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا ثم قال فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء/ ٨] «١» فذكّر والقسمة مونثة لأنها في المعنى «الميراث» و «المال» ، فذكر على ذلك. وقال تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الآية ٤٨] أي: «وشاهدا عليه» بالنصب على الحال. وقال تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [الآية ٤٨] ف «الشّرعة» : الدين، من «شرع» «يشرع» ، و «المنهاج» : الطريق من «نهج» «ينهج» . وقال تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [الآية ٥١] ثم قال: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الآية ٥١] على الابتداء. وقال تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [الآية ٦٠] أي: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ [الآية ٦٠] وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ. وقال تعالى: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [الآية ٦٣] وقال عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ [الآية ٦٣] بنصبهما بإسقاط الفعل عليهما. وقال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [الآية ٦٤] . فذكروا [ان اليد، هنا] «العطيّة» و «النّعمة» . وكذلك بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [الآية ٦٤] كما تقول: إنّ لفلان عندي يدا» أي: نعمة. وقال تعالى أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ [ص/ ٤٥] أي: أولي النّعم. وقد تكون «اليد» في وجوه، تقول: «بين يدي الدار» تعني: قدّامها، وليس للدار يدان. وقال تعالى: فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [الآية ٦٧] «٢» قرأ بعضهم (رسالاته) «٣»

стр. 543

وكلّ صواب لأنّ «الرسالة» قد تجمع «الرّسائل» ، كما تقول «هلك البعير والشّاة» ، و «أهلك الناس الدينار والدرهم» ، تريد الجماعة. وقال تعالى: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى [الآية ٦٩] ، وقال في موضع آخر وَالصَّابِئِينَ [البقرة/ ٦٢ والحج/ ١٧] ، والنصب القياس على العطف على ما بعد إِنَّ فأما هذه فرفعها على وجهين، كأن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٦٩] في موضع رفع في المعنى لأنه كلام مبتدأ لأنّ قوله: «إنّ زيدا منطلق» و «زيد منطلق» من غير ان يكون فيه «إنّ» في المعنى سواء، فان شئت إذا عطفت عليه شيئا جعلته على المعنى. كما قلت: «إن زيدا منطلق وعمرو» . ولكنه إذا جعل بعد الخبر فهو أحسن واكثر. وقال بعضهم: «لما كان قبله فعل شبه في اللفظ بما يجري على ما قبله، وليس معناه في الفعل الذي قبله وهو الَّذِينَ هادُوا [الآية ٦٩] أجري عليه فرفع به وان كان ليس عليه في المعنى «١» ، ذلك أنه تجيء أشياء في اللفظ لا تكون في المعاني، منها قولهم: «هذا جحر ضبّ خرب» ، وقولهم «كذب عليكم الحجّ» يرفعون «الحج» «بكذب» وإنما معناه عليكم الحج نصب بأمرهم «٢» . وتقول: «هذا حبّ رمّاني» فتضيف «الرّمان» إليك وإنّما لك «الحبّ» وليس لك «الرّمّان» . فقد يجوز اشباه هذا والمعنى على خلافه. وقال تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [الآية ٧١] ولم يقل «ثمّ عمي وصمّ» وهو فعل مقدّم، لأنه أخبر عن قوم أنهم عموا وصمّوا، ثم فسّر كم صنع ذلك منهم كما تقول «رأيت قومك ثلثيهم» «٣» ، ومثل ذلك قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء/ ٣] وإن شئت جعلت الفعل للآخر فجعلته على لغة الذين يقولون: «أكلوني البراغيث» «٤» كما قال «٥» [من

стр. 544

الطويل وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة] : ولكن ديافيّ أبوه وأمّه بحوران يعصرن السّليط أقاربه وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [الآية ٧٣] وذلك انهم جعلوا معه «عيسى» و «مريم» . كذلك يكون في الكلام إذا كان واحد مع اثنين قيل «ثالث ثلاثة» كما قال تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة/ ٤٠] وانما كان معه واحد. ومن قال: «ثالث اثنين» دخل عليه أن يقول: «ثاني واحد» . وقد يجوز هذا في الشعر وهو في القياس الصحيح. قال الشاعر» [من الوافر وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة] : ولكن لا أخون الجار حتّى يزيل الله ثالثة الأثافي ومن قال: «ثاني اثنين» و «ثالث ثلاثة» قال: «حادي أحد عشر» إذا كان رجل مع عشرة. ومن قال: «ثالث اثنين» قال: «حادي عشرة» فأمّا قول العرب: «حادي عشر» و «ثاني عشر» فهذا في العدد إذا كنت تقول: «ثاني» و «ثالث» و «رابع» و «عاشر» من غير ان تقول: «عاشر كذا وكذا» ، فلما جاوز العشرة أراد أن يقول: «حادي» و «ثاني» ، فكان ذلك لا يعرف معناه إلّا بذكر العشرة، فضم إليه شيئا من حروف العشرة. وقال تعالى: لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ [الآية ٩٤] على القسم أي: والله ليبلونّكم. وكذلك هذه اللام التي بعدها النون لا تكون إلا بعد القسم. وقال تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [الآية ٩٥] . أي فعليه جزاء مثل ما قتل من النّعم. وقال تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً [الآية ٩٥] انتصب على الحال بالِغَ الْكَعْبَةِ [الآية ٩٥] من صفته وليس بالِغَ الْكَعْبَةِ بمعرفة لأن فيه معنى التنوين، لأنّه إذا قال: «هذا ضارب زيد» في لغة من حذف النون ولم يفعل بعد، فهو نكرة. ومثل ذلك قوله تعالى: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [الأحقاف/ ٢٤] ففيه بعض التنوين غير أنّه لا يوصل اليه من أجل الاسم المضمر. ثم قال تعالى:

стр. 545

أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ [الآية ٩٥] أي: أو عليه كفارة. رفع منوّن «١» ثم فسّر فقال طَعامُ مِسْكِينٍ وقرأ بعضهم (كفّارة طعام مساكين) «٢» بإضافة الكفارة اليه. وقال تعالى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً [الآية ٩٥] «٣» أي: أو عليه مثل ذلك من الصيام. كما تقول: «عليها مثلها زبدا» . وقرأ بعضهم: (أو عدل ذلك صياما) فكسر وهو الوجه «٤» لأن «العدل» : المثل. وأمّا «العدل» ، فهو المثل أيضا. وقال وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [البقرة/ ١٢٣] أي: مثل ففرقوا بين ذا وبين «عدل المتاع» كما تقول: «امرأة رزان» و «حجر رزين» . وقال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [الآية ٩٧] وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [الآية ٩٧] أي: وجعل لكم الهدي والقلائد. وقرأ بعضهم (يضركم) بدلا من يَضُرُّكُمْ في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ [الآية ١٠٥] خفيفة، بالجزم لأنه جواب الأمر، من «ضار» «يضير» «٥» . وقرأ بعضهم (يضرّكم) «٦» فجعل الموضع جزما فيهما جميعا، الا انّه حرّك لأنّ الرّاء ثقيلة فأولها ساكن فلا يستقيم إسكان آخرها فيلتقي ساكنان وأجود ذلك لا يَضُرُّكُمْ «٧» رفع على الابتداء لأنه ليس بعلة لقوله تعالى:

стр. 546

عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وانما أخبر أنّه لا يضرّهم. وقال تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ [الآية ١٠٦] ثم قال اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [الآية ١٠٦] أي: شهادة بينكم شهادة اثنين. فلما القى «الشهادة» قام «الاثنان» مقامها، وارتفعا بارتفاعها، كما «١» وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف/ ٨٢] يريد: أهل القرية. وانتصبت «القرية» بانتصاب كلمة «الأهل» وقامت مقامها. ثم عطف أَوْ آخَرانِ [الآية ١٠٦] على «اثنان» . وقرأ بعضهم: (من الذين استحقّ عليهم الأوّلين) [الآية ١٠٧] «٢» أي: من الأوّلين الذين استحقّ عليهم. وقرأ بعضهم (الأوليان) «٣» وبها نقرأ. لأنّه حين قال: يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ [الآية ١٠٧] كان كأنه قد حدّهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى فقال الْأَوَّلِينَ فأجرى المعرفة عليهما بدلا «٤» . ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. قال الراجز [وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة] : عليّ يوم تملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا وبدنا مقلّدا منحورا فجعله على «أوجب» لأنه في معنى «قد أوجب» . قال تعالى: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا [الآية ١١٤] بجعل «تكون» من صفة «المائدة» كما

стр. 547

فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [مريم] «١» برفع «يرث» «٢» إذا جعل صفة، وبجزمه «٣» إذا جعل جوابا «٤» كما تقول: «أعطني ثوبا يسعني» إذا أردت واسعا و «يسعني» إذا جعلته جوابا كأنك تشترط. وقال تعالى: وَآيَةً مِنْكَ [الآية ١١٤] عطف على «العيد» كأنه قال: «يكون عيدا وآية» ، وذكر أنّ قراءة ابن مسعود «٥» (تكن لنا عيدا) . وليس هَلْ يَسْتَطِيعُ [الآية ١١٢] لأنهم ظنوا انه لا يطيق. ولكن معناه كقول العرب: أتستطيع أن تذهب في هذه الحاجة وتدعنا من كلامك» ، وتقول: «أتستطيع أن تكفّ عنّي فإنّي مغموم» . فليس هذا لأنه لا يستطيع ولكنه يريد «كفّ عنّي» ، ويذكر له الاستطاعة ليحتج عليه أي: إنّك تستطيع. فإذا ذكّره إياها علم أنها حجة عليه. وإنما قرئت (هل تستطيع ربّك) «٦» فيما لديّ لغموض هذا المعنى

стр. 548

الآخر والله أعلم. وهو جائز كأنه أضمر الفعل فأراد «هل تستطيع أن تدعو ربّك» أو «هل تستطيع ربّك أن تدعوه» ، فكل هذا جائز. و «المائدة» الطعام. و «فعلت» منها: «مدت» «أميد» . قال الشاعر «١» [من الرجز وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة] : نهدي رؤوس المجرمين الأنداد إلى أمير المؤمنين» الممتاد «٢» و «الممتاد» هو «مفتعل» من «مدت» .

стр. 549

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المائدة» «١» فإن قيل: كيف الارتباط والمناسبة بين قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [الآية الأولى] وقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [نفسها] ؟ قلنا: المراد بالعقود عهود الله عليهم في تحليل حلاله وتحريم حرامه، فبدأ بالمجمل ثم أتبعه بالمفصل من قوله أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ وقوله بعده حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الآية ٣] . فإن قيل: ما أكله السبع وعدم أكله وتعذره، فكيف يحسن فيه التحريم حتى قال تعالى: وَما أَكَلَ السَّبُعُ [نفسها] ؟ قلنا: معناه وما أكل منه السبع، يعني الباقي بعد أكله. فإن قيل: قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [نفسها] يدل من حيث المفهوم عرفا على أنه لم يرض لهم الإسلام دينا قبل ذلك اليوم، وليس كذلك، فإن الإسلام لم يزل دينا مرضيا للنبي (ص) وأصحابه عند الله منذ أرسله ﵊. قلنا: قوله اليوم ظرف للجملتين الأوليين، لا للجملة الثالثة، لأن الواو الأولى للعطف والثانية للابتداء، فالجملة الثالثة مطلقة غير موقتة. فإن قيل: قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [الآية ٤] كيف صلح جوابا لسؤالهم والطيبات

стр. 550

غير معلومة ولا متفق عليها لأنها تختلف باختلاف الطباع والبقاع؟ قلنا: المراد بالطيبات هنا الذبائح، والعرب تسمي الذبيحة طيبا وتسمي الميتة خبيثا، فصار المراد معلوما لكنه عام مخصوص كغيره من العموميات. فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى مُكَلِّبِينَ بعد قوله وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ [الآية ٤] والمكلّب هو المعلم من كلاب الصيد؟ قلنا: قد جاء في تفسير المكلب أيضا أنه المضري للجارح والمغري له فعلى هذا لا يكون تكرارا «١» وعلى القول الأول يقول إنما عمم ثم خصص فقال مكلبين بعد قوله: وَما عَلَّمْتُمْ لأن غالب صيدهم كان بالكلاب، فأخرجه مخرج الغالب الواقع منهم. فإن قيل: ظاهر قوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ يقتضي إباحة الجوارح المعلمة وهي حرام. قلنا: فيه إضمار وتقديره: مصيد ما علمتم من الجوارح، يؤيده ما في تمام الكلام من قوله فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [نفسها] . فإن قيل: المؤمن به هو الله لقوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة/ ١٣٦] فالمكفور به يكون هو الله أيضا، ويؤيده قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة/ ٢٨] . وإذا ثبت هذا، فكيف قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ [المائدة/ ٥] مع أنه لا يصح أن يقال آمن بالإيمان فكذلك ضده؟ قلنا: المراد به: ومن يرتدّ عن الإيمان يقال بشأنه: كفر فلان بالإسلام إذا ارتد عنه، فكفر بمعنى ارتد لأن الرّدة نوع من الكفر، والباء بمعنى «عن» كما في قوله تعالى سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) [المعارج] وقوله تعالى فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) [الفرقان] . وقيل المراد هنا بالإيمان المؤمن به تسمية للمفعول بالمصدر كما في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة/ ٩٦] ، أي مصيده، وقولهم: ضرب الأمير ونسج اليمن. فإن قيل: لم قال تعالى:

стр. 551

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) [المائدة] ، ولم يقل: وعملوا السيئات، مع أن الغفران يكون لفاعل السيئات لا لفاعل الحسنات؟. قلنا: كل أحد لا يخلو من سيئة صغيرة أو كبيرة، وإن كان ممن يعمل الصالحات وهي الطاعات، والمعنى: أن من آمن وعمل الحسنات غفرت له سيئاته قال تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود/ ١١٤] . فإن قيل: لم قال تعالى بعد قوله وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [المائدة/ ١٢] ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) [المائدة] ، مع أن الذي كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل؟ قلنا: نعم ولكن الضلال بعد ما ذكر من النعم أقبح، لأن قبح الكفر بقدر عظم النعم المكفورة، فلذلك خصّه بالذكر. فإن قيل: لم قال تعالى وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [المائدة/ ١٤] ، ولم يقل ومن النصارى؟ قلنا: لأن هؤلاء كانوا كاذبين في دعواهم أنهم نصارى، وذلك أنهم إنما سموا أنفسهم نصارى ادعاء لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعده نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصارا للشيطان، فقال ذلك توبيخا لهم. فإن قيل: لم قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الآية ١٥] ، أي مما كتمتموه من الكتاب فلا يظهره ولا يبين كتمانكم إياه، فكيف يجوز للنبي (ص) أن يمسك عن إظهار حق كتموه مما في كتبهم؟ قلنا: إنما لم يبين البعض لأنه كان يتبع الأمر ولا يفعل شيئا من الأمور الدينية من تلقاء نفسه، بل اتباعا للوحي، فما أمر ببيانه بيّنه، وما لم يؤمر ببيانه أمسك عنه إلى وقت أمره ببيانه. وعلى هذا الجواب يكون لفظ العفو مجازا عن الترك، فيكون قد أعلمه الله به وأطلعه عليه ولم يأمره ببيانه لهم فترك تبيانه لهم. الثاني أن ما كان في بيانه إظهار حكم شرعي كصفته ونعته والبشارة به وآية الرجم ونحوها بيّنه، وما لم يكن في بيانه حكم شرعي

стр. 552

ولكن فيه افتضاحهم وهتك أستارهم فإنه عفا عنه. الثالث أن عقد الذمة اقتضى تقريرهم على ما بدلوا وغيروا من دينهم، إلا ما كان في إظهاره معجزة له وتصديق لنبوته من نعته وصفته، أو ما اختلفوا فيه فيما بينهم وتحاكموا إليه فيه كحكم الزّنى ونحوه. فإن قيل: لم قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ مع أن العبد ما لم يهده أولا لا يتبع رضوانه فيلزم الدور؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: يهدي به الله من علم أنه يريد أن يتبع رضوانه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت/ ٦٩] أي والذين أرادوا سبيل المجاهدة فينا لنهدينهم سبل مجاهدتنا. فإن قيل: لم نر ولم نسمع «١» أن قوما من اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله، فكيف أخبر الله تعالى عنهم بذلك؟ قلنا: المراد بقولهم أبناء الله خاصة الله، كما يقال أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. وقيل فيه إضمار تقديره: أبناء أنبياء الله. فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليهم بقوله تعالى قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ [الآية ١٨] مع أنهم ينكرون تعذيبهم بذنوبهم، ويدعون أن ما يذنبون بالنهار يغفر بالليل وما يذنبون بالليل يغفر بالنهار. قلنا: هم كانوا مقرين أنه يعذبهم أربعين يوما وهي مدة عبادتهم العجل في غيبة موسى ﵇ لميقات ربه، ولذلك قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة/ ٨٠] . وقيل أراد به العذاب الذي أوقعه ببعضهم في الدنيا من مسخهم قردة كما فعل بأصحاب السبت، وخسف الأرض كما فعل بقارون، وهذا لا ينكرونه، وعلى هذا الوجه يكون المضارع بمعنى الماضي في قوله فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ والإضافة إليهم بمعنى الإضافة إلى آبائهم، كأنه قال: فلم عذّب آباءكم. فإن قيل: قوله تعالى:

стр. 553

بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [الآية ١٨] إن أريد به يغفر لمن يشاء منكم أيها اليهود والنصارى، ويعذب من يشاء يلزم جواز المغفرة لهم وأنه غير جائز لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء/ ٤٨] ، وإن أريد به يغفر لمن يشاء من المؤمنين ويعذب من يشاء لا يصلح جوابا لقولهم. قلنا: المراد به يغفر لمن يشاء منهم إذا تاب من الكفر. وقيل: يغفر لمن يشاء ممن خلق وهم المؤمنون، ويعذب من يشاء وهم المشركون. فإن قيل: لم قيل: يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [الآية ٢٠] ، ولم يكن قوم موسى ﵇ ملوكا؟ قلنا: المراد جعل فيكم ملوكا، وهم ملوك بني إسرائيل، وهم اثنا عشر ملكا، لاثني عشر سبطا، لكل سبط ملك. وقيل المراد به أنه رزقهم الصحة والكفاية والزوجة الموافقة والخادم والبيت فسماهم ملوكا لذلك. وقيل المراد به أنه رزقهم المنازل الواسعة التي فيها المياه الجارية. فإن قيل: من أين علم الرجلان أنهم الغالبون حتى قالا، كما روى القرآن الكريم: فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ [الآية ٢٣] . قلنا: من جهة وثوقهم بإخبار موسى (ع) بذلك كما ورد في التنزيل: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [الآية ٢١] . وقيل علما ذلك بغلبة الظن، وما عهداه مع صنع الله تعالى بموسى (ع) في قهر أعدائه. فإن قيل: قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) يدل على أن من لم يتوكل على الله لا يكون مؤمنا، وإلا لضاع التعليق وليس كذلك. قلنا: «إن» هنا بمعنى إذ، فتكون بمعنى التعليل كما في قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) [البقرة] . فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [الآية ٢١] وبين قوله فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [الآية ٢٦] . قلنا: معناه كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد، قيل: فإنها محرمة عليهم. الثاني أن

стр. 554

كل واحد منهما عام أريد به الخاص، فالكتابة للبعض وهم المطيعون، والتحريم على البعض وهم العاصون. الثالث أن التحريم موقت بأربعين سنة والكتابة غير موقّتة، فيكون المعنى أن بعد مضي الأربعين يكون لهم. وهذا الجواب تام على قول من نصب الأربعين بمحرمة وجعلها ظرفا. فأما من جعل الأربعين ظرفا لقوله تعالى (يتيهون) مقدما عليه، فإنه جعل التحريم مؤبدا فلا يتأتى على قوله هذا الجواب، لأن التقدير عنده: فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة، وهو موضع قد اختلف فيه المفسرون والقراء من جملة من جوز نصب الأربعين بمحرمة ويتيهون، والزجاج من جملة من منع جواز نصبه بمحرمة، ونقل أن التحريم كان مؤبدا، وأنهم لم يدخلوها بعد الأربعين، ونقل غيره أنه دخلها بعد الأربعين من بقي منهم وذرية من مات منهم، ويعضد الوجه الأول كون الغالب في الاستعمال تقدم الفعل على الظرف الذي هو عدد، لا تأخّره عنه، يقال: سافر زيد أربعين يوما وما أشبه ذلك، وقلّما يقال على العكس. فإن قيل: لم قال تعالى: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً [الآية ٢٧] ، ولم يقل قربانين لأن كل واحد منهما قرب قربانا؟ قلنا: أراد به الجنس فعبر عنه بلفظ الفرد كقوله تعالى وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الحاقة/ ١٧] . الثاني: أن العرب تطلق الواحد وتريد الاثنين، وعليه جاء قوله تعالى عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) [ق] وقال الشاعر: فإنّي وقيّار بها لغريب تقديره: فإني بها لغريب وقيار. كذلك كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ [البقرة/ ٦٢] . وقيل إنما أفرده لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع. فإن قيل: أصلح قوله تعالى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) جوابا لقوله لَأَقْتُلَنَّكَ. قلنا: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل، قال له ذلك كناية عن حقيقة الجواب وتعريضا، معناه إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا منّي فلم تقتلني؟

стр. 555

فإن قيل: كيف قال هابيل لقابيل كما ورد في التنزيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [الآية ٢٩] أي تنصرف بهما مع أن إرادة السوء والوقوع في المعصية للأجنبي حرام، فكيف للأخ؟ قلنا: فيه إضمار حرف النفي تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل/ ١٥] ، أي أن لا تميد بكم وقوله تعالى تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف/ ٨٥] وقول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا الثاني أن فيه حذف مضاف تقديره: إني أريد انتفاء أن تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة/ ٩٣] ، أي حب العجل. الثالث أن معناه: إني أريد ذلك إن قتلتني لا مطلقا. الرابع أنه كان ظالما، وجزاء الظالم تحسن إرادة من الله تعالى فتحسن من العبد أيضا. فإن قيل: قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) يدل على أن قابيل كان تائبا لقوله ﵊ «الندم توبة» فلا يستحق النار. قلنا: لم يكن ندمه على قتل أخيه، بل على حمله على عنقه سنة، أو على عدم اهتدائه إلى الدفن الذي تعلمه من الغراب، أو على فقد أخيه لا على المعصية، ولو سلمنا أن ندمه كان على قتل أخيه، ولكن يجوز أن الندم لم يكن توبة في شريعتهم بل في شريعتنا، أو نقول: التوبة تؤثر في حقوق الله تعالى لا في حقوق العباد، والدم من حقوق العباد فلا تؤثر فيه التوبة. فإن قيل: كيف يكون قتل الواحد كقتل الكل «١» ، وإحياء الواحد كإحياء الكل والدليل يأباه من وجهين: أحدهما أن الجناية كلما تعددت وكثرت كانت أقبح فتناسب زيادة الإثم والعقوبة، هذا هو مقتضي العقل والحكمة. الثاني أن المراد بهذا التشبيه إما أن يكون تساوي قتل الواحد والكل في الإثم والعقوبة، أو تقاربهما، وإنما كان يلزم منه أنه إذا قتل الثاني أو الثالث وهلم جرا أن لا يكون عليه إثم آخر، ولا يستحق عقوبة أخرى لأنه أثم إثم قتل الكل واستحق عقوبة قتل الكل

стр. 556

بمجرد قتل الأول أو الأول والثاني، لأن قتل الواحد إذا كان يساوي قتل الكل أو يقاربه، فقتل الاثنين يجعل عليه إثم قتل الكل وعقوبة قتل الكل، فكيف يزداد بعد ذلك بقتل الثالث والرابع وهلم جرا، ولو قتل الكل عن إثم، فلا يجوز أن يستحق بقتل الواحد أو الاثنين إثم قتل الكل، وبقتل الكل إثم قتل الكل؟ قلنا: أقرب ما قيل فيه أن المراد من قتل نفسا واحدة بغير حق كان جميع الناس خصومه في الدنيا إن لم يكن له ولي، وفي الآخرة مطلقا لأنهم من أب وأم واحدة. وقيل: معناه من قتل نفسا نبيا، وإماما عادلا، فهو كمن قتل الناس جميعا من حيث إبطال المنفعة على الكل، لأن منفعتهما عامة للكل. وقيل المراد بمن قتل هو قابيل، فإن عليه من الإثم بمنزلة إثم قتل الكل لأنه أول من سن القتل، فكل قتل يقع بعده يلحقه شيء من وزره بغلبة التسبب لقوله ﵊ «من سن سنة حسنة» الحديث، وهذا أحسن في المعنى، ولكن اللفظ لا يساعد عليه وهو قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٣٢] لأن هذا المعنى إذ أريد به قابيل لا تختص كتابته ببني إسرائيل. فإن قيل: كيف وجه قوله تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الآية ٣٣] ، وحقيقة المحاربة بين العبد والرب ممتنعة؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: يحاربون أولياء الله. وقيل أراد بالمحاربة المخالفة. فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ [الآية ٣٦] ولم يقل بهما، والمذكور شيئان؟ قلنا: قد سبق جواب مثله قبيل هذا في قوله تعالى إِذْ قَرَّبا قُرْباناً [الآية ٢٧] ، وهنا جواب آخر وهو أن يكون وضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قال ليفتدوا بذلك، وذلك يشار به إلى الواحد والاثنين والجمع. فإن قيل، ما فائدة قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [الآية ٤٢] وحال النبي ﵊ مع أهل الكتاب لا يخلو عن هذين القسمين، لأنه إما أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم؟

стр. 557

قلنا: فائدته تخيير النبي ﵊ بين الحكم بينهم وعدمه، ليعلم أنه لا يجب عليه أن يحكم بينهم كما يجب عليه ذلك بين المسلمين إذا تحاكموا إليه وقيل إن هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الآية ٤٨] وهو القرآن يدل عليه قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [الآية ٤٨] ، أي في الحكم بالتوراة. فإن قيل: لما أنزل الله القرآن صار الإنجيل منسوخا به، فكيف قال تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [الآية ٤٧] ؟ قلنا: هو عام مخصوص: أي ما أنزل الله فيه من صدق نبوة محمد ﵊ بعلاماته المذكورة في الإنجيل، وذلك غير منسوخ. فإن قيل: لم قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [الآية ٤٩] مع أن الكفار معاقبون بكل ذنوبهم؟ قلنا: أراد به عقوبتهم في الدنيا، وهو ما عجله من إجلاء بني النّضير وقيل بني قريظة وذلك جزاء بعض ذنوبهم لأنه جزاء منقطع، وأما جزاؤهم على شركهم فهو جزاء دائم لا يتصور وجوده في الدنيا وقيل أراد بذلك البعض ذنب التولي عن الرضا بحكم القرآن، وإنما أبهمه تفخيما له وتعظيما. فإن قيل: حسن حكم الله وصحته أمر ثابت على العموم بالنسبة إلى الموقنين وغير الموقنين، فكيف قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) . قلنا: لما كان الموقنون أكثر انتفاعا به من غيرهم، بل هم المنتفعون به في الحقيقة لا غير، كانوا أخص به، فأضيف إليهم لذلك، ونظيره: قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) [النازعات] . فإن قيل: قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [الآية ٥١] يقتضي أن يكون من وادّ أهل الكتاب وصادقهم كافرا وليس كذلك لقوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة/ ٨] . قلنا: المراد بقوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ: المنافقون، لأنها نزلت في شأنهم وهم كانوا من الكفار في الدنيا ضميرا واعتقادا، ومعناه أنه منهم في الآخرة جزاء، وعقابه أشد.

стр. 558

فإن قيل: لم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) [المائدة] وكم من ظالم هداه الله تعالى فتاب وأقلع عن ظلمه؟ قلنا: هاهنا ثلاثة معان: الأول أنه لا يهديهم ما داموا مقيمين على ظلمهم الثاني أن معناه: لا يهدي من قضى في سابق علمه أنه يموت ضالا الثالث أن معناه: لا يهدي القوم الظالمين يوم القيامة إلى طريق الجنة: أي المشركين. فإن قيل: لم قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الآية ٥٤] ولم يقل أذلة للمؤمنين، وإنما يقال ذل له لا ذل عليه؟ قلنا: لأنه ضمن الذل معنى الحنوّ والعطف فعداه تعديته، كأنه قال حانين على المؤمنين عاطفين عليهم. فإن قيل: كيف قال تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) وكم مرة غلب حزب الله تعالى في زمن النبي (ص) وبعده إلى يومنا هذا؟ قلنا: المراد به الغلبة بالحجة والبرهان لا بالدولة والصولة، وحزب الله هم المؤمنون غالبون بالحجة أبدا. فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف قال تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [الآية ٦٠] . قلنا: لا نسلم أن الثواب والمثوبة مختص بالإحسان، بل هو الجزاء مطلقا بدليل قوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) [المطففين] أي هل جوزوا، وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران/ ١٥٣] . وهو كلفظ البشارة لا اختصاص له، لغة، بالخبر السار، بل هو عام شامل للشر، قال الله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) [آل عمران] . فإن قيل: ما فائدة إرسال الكتاب والرسول إلى أولئك الكثيرين الذين قال تعالى في حقهم وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً [الآية ٦٤] . قلنا: فائدته إلزام الحجة عليهم. الثاني تبجيل الكتاب والرسول إذا كان مرسلا إلى الخلق كلهم، كان ذلك أفخم وأعظم للرسول والمرسل. فإن قيل: قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [الآية ٦٦] ،

стр. 559

يقتضي تعلّق الرخاء وسعة الرزق بالإيمان بالكتاب والعمل بما فيه، وليس كذلك فإن كثيرا من المؤمنين بالكتب الأربعة العاملين بما فيها ما لم ينسخ، عيشهم في الدنيا منكد ورزقهم مضيّق. قلنا: هذا التعليق خاص بحق أهل الكتب، لأنهم اشتكوا من ضيق الرزق حتى قالوا (يد الله مغلولة) فأخبرهم الله تعالى أن ذلك التضييق عقوبة لهم بشؤم معاصيهم وكفرهم، والله تعالى يجعل ضيق الرزق وتقديره نعمة في حق بعض عباده، ونقمة في حق بعضهم، وكذلك الرخاء والسعة فيعاقب بهما على المعصية، ويثيب بهما على الطاعة، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الأشخاص، فلا يلزم من توسيع الرزق الإكرام، ولا من تضييقه الإهانة ولا يلزم عكسه أيضا، ولهذا رد الله تعالى ذلك بقوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر/ ١٥] إلى قوله تعالى: كَلَّا [الفجر/ ١٧] أي ليس الأمر كما ظن الإنسان وزعم من أن توسيع الرزق دليل الكرامة، وتضييقه دليل الإهانة، بل دليل الكرامة هو الهداية والتوفيق للطاعات، ودليل الإهانة هو الإضلال وحرمة التوفيق. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [الآية ٦٧] . ومعلوم أنه إذا لم يبلغ المنزل إليه لم يكن قد بلغ الرسالة؟ قلنا: المراد حثه على تبليغ ما أنزل عليه من معايب اليهود ومثالبهم. فالمعنى بلغ الجميع، فإن كتمت منه حرفا كنت في الإثم والمخالفة كمن لم يبلغ شيئا البتة، فجعل كتمان البعض ككتمان الكل. وقيل أمر بتعجيل التبليغ كأنه (ص) كان عازما على تبليغ جميع ما نزل إليه، إلا أنه أخر تبليغ البعض خوفا على نفسه وحذرا مع عزمه على تبليغه في ثاني الحال، فأمر بتعجيل التبليغ، يؤيد هذا القول قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فإن قيل: كيف ضمن الله تعالى لرسوله العصمة بقوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، ثم إنه (ص) شجّ وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟ قلنا: المراد به العصمة من القتل لا من جميع الأذى، فإن جميع العصمة من جميع المكاره لا تناسب أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم

стр. 560

جامعون مكارم الأخلاق ومن أشرف مكارم الأخلاق تحمل الأذى. الثاني أن هذه الآية نزلت بعد أحد، لأن سورة المائدة من آخر ما نزلت من القرآن. فإن قيل: كيف قال تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) «١» مع أن بعض الظالمين وهم العصاة من المؤمنين يشفع فيهم النبي (ص) يوم القيامة فيكون ناصرا لهم؟ قلنا: المراد بالظالمين هنا المشركون، يعلم ذلك من أول الآية ووسطها «٢» . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) بعد قوله في الآية نفسها: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ قلنا: المراد بالضلال الأول ضلالهم عن الإنجيل، وبالضلال الثاني ضلالهم عن القرآن. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [الآية ٧٩] والنهي عن المنكر بعد فعله ووقوعه لا معنى له؟ قلنا: فيه إضمار حذف مضاف تقديره: كانوا لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كما يرى الإنسان أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فينكر، ويجوز أن يريد بقوله لا يَتَناهَوْنَ لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصرون عليه ويداومون، يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه بمعنى واحد: أي امتنع عنه وتركه. فإن قيل: لم قال تعالى: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) والمراد بقوله منهم المنافقون أو اليهود على اختلاف القولين وكلهم فاسقون؟ قلنا: المراد به فسقهم بموالاة المشركين ودسّ الأخبار إليهم لا مطلق الفسق، وذلك الفسق الخاص مخصوص بكثير منهم، وهم المذكورون في أول الآية السابقة في قوله تعالى: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ [الآية ٨٠] ، وليس شاملا لجميعهم. فإن قيل: لم قال تعالى

стр. 561

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [الآية ٩٠] وهذه الأعيان كلها مخلوقات لله تعالى فأين عمل الشيطان في وجودها؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: إنما تعاطي الخمر والميسر إلى آخره أو مباشرته إلخ. فإن قيل: مع هذا الإضمار كيف قال تعالى من عمل الشيطان، وتعاطي الخمر والقمار ونحوهما من عمل الإنسان حقيقة؟ قلنا: إنما أضيف إلى الشيطان مجازا لأنه هو السبب في وجود الفعل بواسطته ووسوسته وتزيينه ذلك للفساق، فصار كما لو أغرى رجل رجلا بضرب آخر فضربه، فإنه يجوز أن يقال للمغري هذا من عملك. فإن قيل: لم جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم خص الخمر والميسر في الآية الثانية؟ قلنا: لأن العداوة والبغضاء بين الناس تقع كثيرا بسبب الخمر والميسر وكذلك يشتغلون بهما عن الطاعة، بخلاف الأنصاب والأزلام فإن هذه المفاسد لا توجد فيها، وإن كانت فيها مفاسد أخر. وقيل إنما كرر ذكر الخمر والميسر فقط لأن الخطاب للمؤمنين بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهم إنما يتعاطون الخمر والميسر فقط، وإنما جمع الأربعة في الآية الأولى لإعلام المؤمنين، وأن هذه الأربعة من أعمال الجاهلية، وأنه لا فرق بين من عبد صنما أو أشرك بالله تعالى بدعوى علم الغيب، وبين من شرب الخمر أو قامر مستحلّا لهما. فإن قيل: كيف يحسن أن يفعل الله تعالى فعلا يتوسل به إلى تحصيل علم حتى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [الآية ٩٤] . قلنا: معناه ليميز الله الخائف من غير الخائف عند الناس. وقيل معناه ليعلم عباد الله من يخافه بالغيب وهو قريب من الأول. وقيل معناه ليعلم الخوف واقعا كما علمه منتظرا. فإن قيل: لم قال تعالى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [الآية ٩٥] ، ووصف العمدية ليس بشرط لوجوب الجزاء، فإنه لو قتله ناسيا أو مخطئا وجب الجزاء أيضا؟

стр. 562

قلنا: عند ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃، وصف العمدية شرط لوجوب الجزاء، فلا يرد عليهم السؤال، وأمّا على قول الجمهور، فإنما قيّده بوصف العمدية، لأن الواقعة التي كانت سبب نزول الآية، كانت عمدا على ما يروى عن الصحابة، أنه اعترض حمار وحش بالحديبية وهم محرمون، فطعنه ابو اليسر برمحه، فقطعه، فنزلت الآية، فخرج وصف العمدية، مخرج الواقع لا مخرج الشرط. وقال الزهري: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنّة بالوجوب في الخطأ. فإن قيل: لم قال تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [الآية ٩٥] مع أن الشرط بلوغه الى الحرم لا غير؟ قلنا: لمّا كان المقصود من بلوغ الهدي الى الحرم تعظيم الكعبة، ذكر الكعبة تنبيها على ذلك. وقيل معناه بالغ حرم الكعبة. فإن قيل: قوله تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ، أي دلالة لهذه الأمور المذكورة على علم الله تعالى بما في السماوات وما في الأرض، وأنه بكل شيء عليم. قلنا: ذلك إشارة إلى كل ما سبق ذكره، من الغيوب في هذه السورة، من أحوال الأنبياء والمنافقين واليهود، لا الى المذكور في هذه الآية. الثاني ان العرب كانت تسفك الدماء وتنهب الأموال، فإذا دخل الشهر الحرام، أو دخلوا الى البلد الحرام كفّوا عن ذلك، فعلم الله تعالى أنّه لو لم يجعل لهم زمانا أو مكانا يقتضي كفهم عن القتل، ونهب الأموال لهلكوا، فظهرت المناسبة. فإن قيل: لم قال تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ [الآية ١٠٣] والجعل هو الخلق بدليل قوله تعالى ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الزّمر/ ٦] وقوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ الآية الأولى] ، وخالق هذه الأشياء هو الله تعالى؟ قلنا: المراد بالجعل هنا الإيجاب والأمر: أي ما أوجبها ولا أمر بها. وقيل المراد بالجعل التحريم. فإن قيل: قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الآية ١٠٥] يدل

стр. 563

على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان. قلنا: معنى قوله أَنْفُسَكُمْ: أي أهل دينكم كما قال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء/ ٢٩] ، أي أهل دينكم. وقيل المراد به آخر الزمان عند فساد الزمان، وتعذّر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو زماننا هذا. فإن قيل: كيف يقول الرسل: لا عِلْمَ لَنا [الآية ١٠٩] ، إذا قال الله تعالى لهم: ماذا أُجِبْتُمْ [نفسها] وهم عالمون بماذا أجيبوا؟ قلنا: هذا جواب الدهشة والحيرة، حين تطيش عقولهم من زفرة جهنم، نعوذ بالله تعالى منها، ومثله لا يفيد نفي العلم ولا إثباته. الثاني: أنهم قالوا ذلك تعريضا بالتشكّي من قومهم ولإظهار الالتجاء الى الله تعالى في الانتقام منهم، كأنهم قالوا: أنت أعلم بما أجابونا به من التصديق والتكذيب. الثالث معناه: لا علم لنا بحقيقة ما أجابونا به لأنا نعلم ظاهره وأنت تعلم ظاهره ومضمره، ويؤيد ما بعده. فإن قيل: أيّ معجزة لعيسى (ع) في تكليم الناس كهلا حتى قال: تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [الآية ١١٠] . قلنا: قد سبق جوابه في سورة آل عمران «١» مستقصى. فإن قيل: كيف قال الحواريون هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [الآية ١١٢] شكّوا في قدرة الله تعالى على بعض الممكنات وذلك كفر، ووصفوه بالاستطاعة وذلك تشبيه، لأن الاستطاعة إنما تكون بالجوارح والحواريون خلّص أتباع عيسى (ع) ، والمؤمنون به، بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) . قلنا: هذا استفهام عن الفعل لا عن القدرة، كما يقول الفقير للغنيّ القادر: هل تقدر ان تعطيني شيئا، وهذا يسمّى استطاعة المطاوعة لا استطاعة القدرة، والمعنى: هل يسهل عليك ان تسأل ربك؟ كقولك لآخر: هل تستطيع ان تقوم معي؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك. فإن قيل: لو كان المراد هذا

стр. 564

المعنى، فلم أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) ؟ قلنا: إن إنكاره عليهم إنّما كان لأنهم أتوا بلفظ يحتمل المعنى الذي لا يليق بالمؤمن المخلص إرادته، وإن كانوا لم يريدوه. فإن قيل: كيف قال عيسى (ع) : وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [الآية ١١٦] وكل ذي نفس فهو ذو جسم، لأن النفس عبارة عن الجوهر القائم بذاته المتعلّق بالجسم تعلّق التدبير، والله تعالى منزه عن الجسم. قلنا: النفس تطلق على معنيين: أحدهما هذا، والثاني حقيقة الشيء وذاته كما يقال: نفس الذهب والفضة محبوبة: أي ذاتهما، والمراد به في الآية ثانيا هذا المعنى. [والنّفس ترد بمعنى عند، أي تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك ولعل هذا المعنى أقرب المعاني للآية الكريمة] «١» . فإن قيل: كيف قال عيسى (ع) : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ [الآية ١١٧] ، مع أنه قال لهم كثيرا من الكلام المباح غير الأمر بالتوحيد؟ قلنا: معناه قلت لهم فيما يتعلق بالإله. فإن قيل: إذا كان عيسى لم يمت، وإنّما هو حي في السماء فكيف قال فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [الآية ١١٧] . قلنا: أراد بالتوفّي إتمام مدة إقامته في الأرض، وإتمامه قد سبق في قوله: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران/ ٥٥] والسؤال إنما يتوجّه على قول من قال: إن السؤال والجواب وجدا يوم رفعه الى السماء، وأمّا من قال: إن السؤال إنّما يكون يوم القيامة وعليه الجمهور، فالجواب مطابق ولا إشكال فيه. في قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) . فإن قيل: لو قال عيسى ﵇: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، كان أظهر مناسبة؟

стр. 565

قلنا: معناه إن تعذّبهم فإنهم عبادك، وتصرّف المالك المطلق الحقيقي بعبيده مباح: أيّ تصرف كان، وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم، الذي لا ينقص من عزه شيء، بترك العقوبة والانتقام ممن عصاه، الحكيم في كل ما يفعله من العذاب او المغفرة. فإن قيل: لم قال تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الآية ١١٩] يعني يوم القيامة، والصدق نافع في الدنيا والآخرة، ولفظ الآية في قوة الحصر؟ قلنا: لمّا كان نعت الصدق في الآخرة، هو الفوز بالجنّة والنجاة من النار، ونفعه في الدنيا دون ذلك، كان كالعدم بالنسبة الى نفعه في الآخرة، فلم يقيّد به في مقابلته. فإن قيل: قوله تعالى هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الآية ١١٩] إن أراد به صدقهم في الآخرة، فالآخرة ليست بدار عمل، وإن أراد به صدقهم في الدنيا، فليس بمطابق لما ورد فيه، وهو الشهادة لعيسى (ع) بالصدق، فبما يجيب به يوم القيامة؟ قلنا: أراد به الصدق المستمرّ، بالصادقين في دنياهم وآخرتهم وعن قتادة ﵀: متكلمان صدقا يوم القيامة، فنفع أحدهما صدقه دون الآخر: أحدهما إبليس الذي قال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم/ ٢٢] . وصدق يومئذ فلم ينفعه صدقه، لأنه كان كاذبا قبل ذلك، والآخر عيسى (ع) الذي كان صادقا في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه. فإن قيل: ما في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فلماذا لم يغلّب العقلاء على غير العقلاء ولم يأت بالموصول «من» ، بل أتى بالموصول «ما» فقال، جل من قائل: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ [الآية ١٢٠] ؟ قلنا: لأن كلمة «ما» تتناول الأجناس كلها تناولا عاما بأصل الوضع، و «من» لا تتناول غير العقلاء بأصل الوضع، فكان استعمال «ما» في هذا الموضع أوفى.
следующие страницы →