← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكر وتقدير الحمد لله وحده حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه ومن تمسك برشده. أما بعد، فيقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ١. ويقول النَّبِيِّ ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ٢. فبناء على هذين المبدأين العظيمين يطيب لي أن أتقدم بجزيل الشكر وفائق الاحترام إلى فضيلة الشيخ عبد المحسن حمد العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية سابقاً، الذي أشرف على بحثي حوالي ثمانية أشهر، فتعاون معي في اختيار الموضوع والحصول على النسخ المخطوطة من الكتاب، وأرشدني إلى القيام برحلة علمية إلى بعض البلدان العربية كي أتزود لبحثي، فجزاه الله وتقبل منه، وشكر سعيه.

стр. 2

كما أتقدم بخالص شكري وامتناني وعظيم تقديري وثنائي إلى فضيلة العلامة الدكتور أحمد إبراهيم مهنا، حفظه الله، المشرف المباشر على رسالتي إلى نهاية المطاف، فأعطاني من علمه الجزيل، وخلقه النبيل، وتوجيهاته الدقيقة وإرشاداته القيّمة الشيء الكثير ووهبني أوقاته النفيسة بدون تقييد زمان ومكان، فبذل قصارى جهده بكل إخلاص بإعادة النظر في كل ما أكتب لكي تخرج هذه الرسالة على أكمل وجه سليمة قيّمة يعم نفعها على الباحثين والدارسين، فجزاه الله أحسن ما يجزي به عباده المخلصين وتقبل منه جهده وإخلاصه ووهب له مزيداً من التوفيق، وأطال عمره في خدمة دينه. كذلك أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الحسن للشيخ العلامة حماد بن محمّد الأنصاري الذي كان يفيض عليّ من كنوز معلوماته ومن نوادر كتبه ومخطوطاته ما أسد به ثغوراً كثيرةً من ثنايا بحثي. فتقبل الله منه وشكر الله سعيه وإخلاصه. كما أتوجه بالدعاء الخالص لسماحة الشيخ الدكتور مصطفى زيد ﵀ المدرّس بالدراسات العليا سابقاً، وصاحب كتاب (النسخ في القرآن الكريم) الذي شجعني إلى اختيار هذا الموضوع وأفادني كثيراً خلال تدريسه، فغفر الله له وجعل جهده الخالص صديق خير له في مرقده ومأواه إلى يوم الدين.

стр. 3

وأخيراً أتوجه بالشكر وفائق الاحترام والتقدير إلى جميع الإخوة الذين ساعدوني وتعاونوا معي على إنجاز بحثي وأداء مهمتي بخدماتهم الخالصة من موظفي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورّة، وبخاصة موظفوا الدارسات العليا. والله أسأل أن يتقبل من الجميع خدماتهم وتعاونهم وأن يوفقهم للعمل الدائب المستمر في التعاون على البرّ والتقوى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. محمّد أشرف عليّ المليباري

стр. 4

مقدّمة التحقيق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. والصلاة والسلام على رسوله المبيّن للناس ما نزل إليهم، وعلى آله وصحبه الذين اتخذوا سبيله شرعة ومنهاجاً. أما بعد، فإن القرآن الكريم هو أعظم رسالة سماوية وأعلاها مكانة، وأجلّها معجزة، وأكملها نظاماً ومنهجاً، وقد تولى الله حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١. وكان هذا الوعد الإلهي مزيّة للقرآن الكريم من بين الكتب السماوية، حيث بدلت تلك وحرفت، والقرآن ما زال ولم يزل أهله يحفظونه في صدورهم ومصاحفهم، ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار وينفذونه جيلاً بعد جيل، في حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بل وفي جميع جوانب الحياة البشرية، ويتفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه، ومعرفة ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته، بل ولأجل هذا الكلام المعجز يتوسعون في

стр. 5

العلوم والفنون الأخرى كي يتمتعوا ببلاغته وفصاحته، وإعجازه، ولكي يظهروا الفرق الشاسع بين كلام الخالق والخلق، فما من سورة من سوره ولا آية من آياته ولا كلمة من كلماته إلا ويدور حولها بحث بألسنة الباحثين والمؤلفين وأقلامهم. وقد شرف الله بهذا الكلام المعجز للعالم محمّداً خاتم النبيين وجعله مبيّناً لما أجمل فيه وشارحاً ما يحتاج إلى الشرح بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١ وجعل عبء مسؤوليته وثقل رسالته من بعده على عاتق أمته وكاهل علمائها، وهم الوارثون رسالته حيث يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ٢. فكان كل فرد من مخلصي هذه الأمة وعلمائها يتنافس مع غيره في أخذ نصيبه من الميراث، ويسابق الآخرين للاشتراك في أداء الرسالة، وكان العلامة المحقق والفهامة المدقق فريد عصره ووحيد دهره جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي القرشي، ﵀ رحمة واسعة، واحداً منهم، فقد جاهد في سبيل الله بلسانه وقلمه وألّف في شتى الفنون حوالي (٣٨٠) كتاباً حسب ما وصل إليه العلم، ومعظم مؤلفاته كانت مهملة تأكلها الأرضة والتراب. وكان من بينها كتاب لطيف فريد في نوعه (نواسخ القرآن) وها هو اليوم بعون الله وتوفيقه يظهر من عالم

стр. 6

المخطوطات ليكون في متناول الدارسين والباحثين، وذلك لأوّل مرة بعد غيابه حوالي ثمانية قرون عرضة للعث والأرضة، فلله الحمد والمنة.

стр. 7

أهمية الموضوع: إن موضوع هذا الكتاب الذي بين يديك، وهو (نواسخ القرآن)، أو (الناسخ والمنسوخ في القرآن) من أهم الموضوعات وأجلّها قدراً في شريعتنا الغراء، لأن مدار الدين كتاب الله ، فما ثبت فيه محكماً غير منسوخ نفذناه، وعملنا به، وما كان منسوخاً منه لم نعمل به ومعرفة ذلك مهمة كبيرة ومسؤولية عظيمة، وهي في نفس الوقت شاقة جداً لا يستطيع الإنسان الحكم فيها بعقله وتفكيره مهما كان ولا يمكن ذلك إلا بنقل صحيح ثابت عن صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، ولا مجال للعقل أو الاجتهاد فيها، كما لا يجوز للإنسان أن يتصرف في مثل هذا الموضوع الحساس، بآرائه البحتة غير مستند إلى كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أو أقوال الصحابة المحكية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بسند صحيح ثابت خال من الجرح والعلة. لذا، كان السلف الصالح يرى معرفة الناسخ والمنسوخ شرطاً في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث، وقد كان أمير المؤمنين عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ الله بن عمر، وعبد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵃، لا يرضون لأحد أن يتحدث في الدين إلا إذا كان عارفاً بالناسخ والمنسوخ من القرآن١. وقد جاء في الأثر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بأنه كان

стр. 8

يفسر قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً﴾ ١ بأن الحكمة معرفة ناسخ القرآن وَمَنْسُوخِهِ وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ وحلاله وحرامه وأمثاله٢. يقول يحيى بن أكثم التميمي ﵀، وهو أحد عظماء السلف المتوفى سنة: ٢٤٢هـ: "ليس من العلوم كلّها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضاً والعمل به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كلّ عالم، علم ذلك لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمراً لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضاً أوجبه الله"٣. ويقول الإمام ابن حزم الظاهري المتوفى سنة: ٥٥٦هـ: "لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين، لأن الله عزوجل، يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ

стр. 9

بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. فكل ما أنزل الله في القرآن، وعلى لسان نَبِيَّهُ ﷺ فرض اتباعه. فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ، فقد أوجب أن لا يطاع ذلك الأمر وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف إلى أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل..."٣. ويقول ابن الحصار عليّ بن محمّد الأنصاري المتوفى سنة: (٦١١هـ) ٤: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أو عن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا. قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين، من غير نقل صحيح ولا معارضة بيّنة، لأن النسخ يتضمن رفع الحكم، وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد. قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول،

стр. 10

ومن متساهل: يكتفى فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما) ١. ولعلنا بهذا نكون قد اطلعنا على سورة صادقة عن خطورة هذا الموضوع وعلى مدى اهتمام العلماء به سلفاً وخلفاً. ويأتي من بعدهم عالم معاصر وهو الشيخ عبد العظيم الزرقاني فيلخص ما ذكره العلماء في أهمية هذا الموضوع في كتابه مناهل العرفان، فيقول: أوّلاً - هذا الموضوع كثير التعاريج متشعب المسالك طويل الذيل. ثانياً - هو مثار خلاف شديد بين العلماء الأصوليين القدامى والمحدثين. ثالثا - أن أعداء الإسلام كالملاحدة والمستشرقين والمبشرين قد اتخذوا من النسخ أسلحة مسمومة طعنوا بها في صدر الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن واجتهدوا في إقامة الحجج البراقة ونشروا شبهاتهم ونالوا من مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم من المسلمين فجحدوا وقوع النسخ. رابعاً - أن إثبات النسخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله تعالى في تربية الخلق وسياسته

стр. 11

للبشر وابتلائه للناس بتحديد الأحكام مما يدلّ بوضوح على أن مُحَمَّدٍ ﷺ النبيّ الأميّ، لا يمكن أن يكون مصدراً لمثل هذا القرآن، إنما هو تنزيل من حكيم حميد. خامساً - بمعرفة ذلك يهتدي الإنسان إلى صحيح الأحكام وينجو عن نسخ ما ليس بمنسوخ حين لا يجد التعارض بين الآيتين، لذا اعتنى السلف بهذه الناحية يحذقونها ويلفتون أنظار الناس إليها ويحملونهم عليها. انتهى بتصرف١. المؤلفون في هذا العلم قديماً وحديثاً: سبق أن قلنا، إن علماءنا الأجلاء قد أعطوا اهتماماً بارزاً لموضوع النسخ، ويظهر ذلك من خلال مؤلفاتهم حيث لا نكاد نرى معظم مفسري القرآن إلا وقد اهتموا بموضوع النسخ وألفوا فيه. يقول الزركشي في البرهان عن علم النسخ: "والعلم به عظيم الشأن وقد صنف فيه جماعة كثيرون منهم: قتادة بن دعامة السدوسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وهبة الله بن سلامة الضرير، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن الأنباري، ومكي وغيرهم"٢.

стр. 12

ويورد الداودي في طبقات المفسرين أسماء أربعة وثلاثين كتاباً ألف في علم النسخ١ بيد أن معظم تلك الكتب مفقودة اليوم أو لم تظهر بعد من عالم المخطوطات. وأما المطبوعة منها فقليلة تعد بالأصابع. وقبل أن نتعرف عليها وعلى مؤلفيها علينا أن نقدر اشتراك الإمام الشافعيّ في هذا العلم حيث يعتبر هو (من أوّل من تكلم في موضوع النسخ، وهو وإن لم يؤلف كتاباً مستقلاً في الموضوع لكنه ناقش نسخ القرآن ضمن رسالته على منهج علمي وأثبت وقوعه وبيّن مدلوله مستدلاً من الكتاب والسنة) ٢.

стр. 13

الكتب المطبوعة: - معرفة الناسخ والمنسوخ، للإمام محمّد ابن حزم (ليس هو ابن حزم الظاهري المعروف) إنما هو شخص آخر توفي قبله بمائة وست وثلاثين سنة١. وهو أنصاري أندلسي محدث، لكنه مع جلالة قدره لدى المحدثين فقد وجدناه في كتابه يسرف في القول بالنسخ من غير أن يستند إلى أي دليل نقلي أو عقلي، وقد بلغ عدد الآيات المنسوخة عنده، بآية السيف فقط مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة٢. وكتابه هذا مطبوع بمصر على هامش تفسير (تنوير المقباس) المنسوب إلى ابن عباس سنة: (١٣٨٠هـ) كما طبع أيضاً على هامش (تفسير الجلالين) ولم يؤرخ. ٢ - كتاب الناسخ والمنسوخ، للإمام أبي جعفر أحمد بن إسماعيل النحاس المرادي النحوي المتوفى سنة: (٣٣٨هـ) ٣ هذا الكتاب يعتبر من أفضل ما وصل إلينا من الكتب المتقدمة في علم النسخ وقد أجاد مؤلفه،

стр. 14

رحمه الله، في عرض الآيات الناسخة والمنسوخة حيث أثبت ما ادعى فيه النسخ وعكسه بذكر الأسانيد غالياً، ويقوم بترجيح دعوى النسخ أو الإحكام حينًا، وهو كثير ويقف موقف المحايد حينًا آخر. وذلك إذا وجد ما يرجح إحدى الطرفين أو يؤيد كليهما. ويورد ابن الجوزي في هذا الكتاب نقولاً كثيرة من كلام النحاس يعضد بها رأيه ويؤكد بها أحكام الآية، طبع هذا الكتاب بمصر سنة: ١٣٢٣هـ. ٣ - الناسخ والمنسوخ، للإمام هبة الله بن سلامة الضرير المتوفى سنة: (٤١٠هـ) ١، وهو مع شهرته لدى المفسرين ومكانته في أوساط العلماء، نراه يسلك مسلك ابن حزم في معالجة قضايا النسخ حيث أورد في كتابه مائة وأربع عشرة آية منسوخة بآية السيف، كما ذكر من الآيات التي ادعى فيها النسخ مائتين وأربعًا وثلاثين آية في خمس وستين سورة ولم يورد الأدلة والآثار إلا نادرًا، ولو أورد لا يذكر لها إسنادًا ولكنه ذكر في آخر كتابه أهم مصادره، بأسانيدها ومعظم تلك الأسانيد لا يخلو من المطاعن، وهو مطبوع بمصر سنة: (١٣٨٧هـ). ٤ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، للإمام أبي محمّد مكي ابن أبي طالب القيسي ﵀، المتوفى سنة: (٤٣٧هـ) ٢ وكتابه

стр. 15

المذكور جليل القدر لا ينقص في الفضل عن كتاب النحاس، إلا أنه مع قيامه بمعالجة وقائع النسخ معالجة جدّيّة، لا يتعارض إلى ذكر الأسانيد بل يكتفي بعزو الآراء إلى القائلين بها، ويرجح حينًا ما يرتضيه من الآراء مؤيدًا وجهة نظره. وقد حقّق هذا الكتاب فضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات، وطبع بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية سنة: ١٣٩٦هـ. ٥ - الموجز في الناسخ والمنسوخ، للحافظ المظفر بن الحسين بن زيد بن عليّ بن خزيمة الفارسي ﵀، هذا الكتاب مطبوع في آخر كتاب النحاس سنة: ١٣٢٣هـ بمصر. ولا نرى فيه إلا سردًا للآيات الناسخة وعدًا للآيات المنسوخة بغض النظر عن الأدلة. فهو إذاً كنسخة أخرى لكتابي ابن حزم وابن سلامة لا يغني من جوع، مع أن مؤلّفه مجهول لم أجد له ترجمة إلا في غلاف الكتاب، ويقول في آخر كتابه: "أنه استخرج هذا الكتاب من خمسة وسبعين كتابًا من كتب الأئمة المقرئين، رحمة الله عليهم، المنقول عنهم بالأسانيد الصحيحة"١.

стр. 16

٦ - الناسخ والمنسوخ، للإمام أبي عبد الله محمّد بن عبد الله الإسفرائيني العامري الشفعوي، ﵀، طبع هذا الكتاب في الأستانة، سنة: (١٢٩٠هـ) وألحق مع لباب النقول للسيوطي، ومؤلفه لم أعثر على ترجمته بعد فيما راجعت من كتب التراجم ويوجد اسمه المذكور على غلاف الكتاب، وهو أيضًا يورد أقوال النسخ عن العلماء بدون إسناد ربما يذكر آثارًا ولم يسند١. هذه الكتب المتقدمة هي التي عثرت عليها مطبوعة حتى اليوم في علم النسخ في القرآن الكريم، وقد صدرت في الآونة الأخيرة عدة كتب في الموضوع، منها: - النسخ في القرآن الكريم، للدكتور مصطفى زيد، ﵀، الأستاذ في قسم التفسير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية سابقًا، وهو كتاب جدير بالذكر والاهتمام، وقد تصدى فيه المؤلف لعرض الآيات المدعى عليها النسخ، وناقشها مناقشة جدية مفيدة مع ذكر الأدلة بالأسانيد، وقام برد وقائع النسخ التي لم تثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولم تنقل عن الصحابة بسند صحيح، وأبدى إثر كلّ آية وجهة نظره في دعوى النسخ حتى وصل إلى نهاية المطاف فعيّن بابًا خاصًا في وقائع النسخ في القرآن الثابتة بالأدلة الصحيحة وحصرها في ست آيات فقط٢. ومنها:

стр. 17

- كتاب فتح المنان في نسخ القرآن، للشيخ عليّ حسن العريض مفتش الوعظ في الأزهر، وهو وإن لم يعالج الموضوع بشكل واسع وشامل إلا أنه عرض موضوع النسخ عرضًا تأريخيًا نقديًا ثم أورد في نهاية البحث بعض الآيات المدعى عليها النسخ فنقض معظمها لما يدعم رأيه مشيرًا بذلك إلى معظم ما ادعي فيه النسخ في القرآن دعوى بلا دليل١. ومنها كتاب (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) لفضيلة الدكتور شعبان محمّد إسماعيل المدرس بجامعة الأزهر٢. وقد عالج موضوع النسخ في كتابه كنظرية فقط، ولم يتعرض لمناقشة قضايا النسخ في آية أو حديث من حيث الوقوع أو عدمه بل اكتفى بعرض أقسام سور القرآن باعتبار وجود النسخ فيها ثم نقل عن الإمام السيوطي الآيات التي يراها منسوخة في الإتقان. وجاء في نهاية المطاف فعقد بابًا تحت عنوان: (الآيات التي نسختها آية السيف) فأورد فيه خمسين آية ادعى فيها النسخ ابن خزيمة الفارسي في كتابه الموجز في الناسخ والمنسوخ، السالف ذكره٣ ولم يقم الدكتور شبعان بالمناقشة أو الاعتراض عليها بل تركها كقضية مسلمة لديه٤.

стр. 18

ومنها: كتاب النسخ بين الإثبات والنفي، للدكتور محمّد محمود فرغلي، وهو يقع في مبحثين في مجلد واحد، يعالج فيه قضية النسخ من حيث الخلاف الحاصل بين المثبتين والنافين له ذاكرًا ما يثبت رأي كل مرجحًا ما يرجحه الدليل، بيد أنه لا يناقش وقائع النسخ من حيث وقوعه في آية ما أو عدم وقوعه١. ومنها: (النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه) للشيخ عبد المتعال الجبري، وقد تصدى فيه مؤلّفه - هداه الله - إلى إنكار جميع وقائع النسخ في الإسلام، وهو رسالة صغيرة الحجم، ومن أبرز عناوينه: ١ - لا منسوخ في القرآن، ولا نسخ في السنة المنزلة. ٢ - أبدع تشريع قيل إنه منسوخ. يناقش فيه بعض وقائع النسخ فينقض وينكر وقوعه في القرآن زاعمًا: أن فيه نسبة للجهل لله هو منزه عن ذلك٢ كأنه في ذلك أراد أ، يتبع مسلك أبي مسلم الأصفهاني٣ - إن صح عنه ذلك

стр. 19

- حيث قيل: إنه كان يرى جواز النسخ عقلاً وينكر وقوعه سمعًا، وقد أورد جماعة خلاف أبي مسلم بأنه كان خلافًا لفظيًا فقط، فقال ابن دقيق العيد: "نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ، لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرفع، بل بمعنى أنه ينتهي بنص دلّ على انتهائه، فلا يكون نسخاً"١. وقد قام برد كل ما اقترحه الجبري في كتابه لإنكار النسخ، صاحب كتاب: (النسخ بين الإثبات والنفي) في خلال اثنتي عشرة صفحة وأجاد في ذلك فليرجع إليه من شاء٢. وهناك بعض العلماء عالجوا وقائع النسخ بلا إفراط ولا تفريط، وذلك ضمن كتبهم المؤلَّفة في علوم القرآن. فمنهم: عالم القرن العاشر الإمام جلال الدين السيوطي ﵀، حيث اختصر الآيات المدعى عليها النسخ في كتابه الإتقان في علوم القرآن إلى ما يقارب عشرين آية، وأنشد: قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيًا ليس تنحصر وهاك تحرير آي لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر

стр. 20

فذكر تلك الآيات مع خلاف في بعضها١. ومنهم الشيخ أحمد شاه ولي الله الدهلوي شيخ الحديث في الهند في زمانه، وصاحب كتاب حجة الله البالغة، المتوفى سنة: ١١٧٩هـ فقد ألف كتابًا في علوم القرآن باسم (الفوز الكبير) وأنكر فيه على كل من يسرف بالقول في النسخ، ثم اختصر وقائع النسخ في القرآن في خمس آيات فقط مبينًا الأدلة ووجهة نظره، بعد أن أورد الآيات التي ذكرها السيوطي في الإتقان ضمن المنسوخة، ونقض منها ما يرى فيه النقض٢. ومنهم محمّد عبد العظيم الزرقاني، صاحب كتاب (مناهل العرفان) حيث أورد في كتابه بعض وقائع النسخ التي اشتهرت أنها منسوخة، وهي حوالي اثنتين وعشرين واقعة، وقام بالترجيح منها حوالي تسع آيات فقط٣. تلك هي الكتب المطبوعة المعروفة لدينا حتى اليوم في علم النسخ في القرآن، وهناك رسائل أخرى صدرت حديثًا تناقش موضوع النسخ ولا داعي لذكرها هنا؛ لأنها - كما يبدو حسب اطلاعي - لم تأت بشيء جديد في الموضوع إنما هي إعادة لما كتب وذكر مسبقًا. والله أعلم.

стр. 21

الكتب المخطوطة: أما الكتب المخطوطة في موضوع النسخ في القرآن فهي كثيرة، سأذكر منها ما عثرت عليها ووفقني الله للاطلاع عليها خلال رحلتي العلمية إلى بعض البلدان العربية، أو ما تأكدت من وجودها في المكتبات العالمية، بغية أن ينتفع بها الباحثون الذين يعملون لإحياء التراث الإسلامي. ١ - الناسخ والمنسوخ في كتاب الله، للإمام قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة: ١١٧هـ١. سبق أن ذكرنا عن الزركشي بأن قتادة في مقدمة الذين ألفوا في الناسخ والمنسوخ في القرآن، وقد ذكر هبة الله بن سلامة أن كتاب قتادة من المصادر التي استمد منها كتابه وأن راوي كتاب قتادة عنه هو سعيد - يقصد سعيد بن أبي عروبة٢ - . يوجد جزء من الكتاب المذكور في المكتبة الظاهرية تحت رقم: (٧٨٩٩) ورقة: (٦٧) ٣. ٢ - الناسخ والمنسوخ، لعبد القاهر البغدادي المتوفى سنة: (٤٢٩هـ) ٤ وهو يقع في ثمانية وسبعين ورقة، يوجد له نسخة في

стр. 22

ميكروفيلم في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية تحت رقم: (٢٦٥)، عمومية: (٤٤٥)، كتب سنة: (٦١٢هـ) ١. ٣ - الرسوخ في علم الناسخ والمنسوخ، لعبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغدادي. يوجد منه نسخة بالجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: (٤٣ تفسير) ورقة: (٢٨) ولعله مختصر لكتابه السابق ذكره٢. ٤ - الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه، لأبي عبد الله محمّد بن بركات بن هلال السعيدي المتوفى سنة: (٥٢٠هـ) ٣ وقد ذكر فيه أنه روى هذا الكتاب عنه أبو القاسم هبة الله بن عليّ بن مسعود المتوفى سنة: (٥٩٨هـ) وجدت هذا الكتاب في الخزانة التيمورية التابعة لدار الكتب المصرية في ميكروفيلم يبلغ عدد أوراقها (٢٥) وقد صورت منه نسخة

стр. 23

لنفسي عام: ١٣٩٨هـ وهو يقع في الخزانة تحت رقم: (١٠١٥ تفسير) ١. ٥ - كتاب ناسخ القرآن، لشرف الدين عبد الرحيم الحموي المعروف بابن البازي المتوفى سنة: ٧٣٨هـ يقول في مقدمة كتابه إنه جمع فيه جميع الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن - ويوجد له نسخة في المكتبة الظاهرية تحت رقم: ٥٨٨١) مكتوبة بالحبر الأحمر٢. ٦ - ناسخ القرآن ومنسوخه، لعليّ بن شهاب الدين حسن بن محمّد الحسيني الهمداني المتوفى سنة: (٧٨٩هـ) هو رسالة مقتصرة تقع في المكتبة الظاهرية تحت: (٤٤٢٥) كتبت سنة: (٩٠٧هـ) بقلم تاج الدين محمّد بن زهرة الحلبي٣. ٧ - جواب الناجي عن الناسخ والمنسوخ، للشيخ برهان الدين الناجي، المتوفى سنة: (٩٠٠هـ) يوجد منه نسخة في الخزانة التيمورية التابعة لدار الكتب المصرية تحت رقم مجامع (٢٠٧) كتبت سنة: (١٣١٦هـ) ٤.

стр. 24

٨ - قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ في القرآن، للشيخ مرعى ابن يوسف بن قدامة المتوفى سنة: (١٠٣٣هـ) وله عدة نسخ: (أ) بخزانة دار الكتب في القاهرة تحت رقم: (١٣٠٥١ب)، أوراقها (١٣٩) ١. (ب) الخزانة العامة للكتب والوثائق في المغرب تحت رقم: (١٨٨٢د) ٢. (ج) مكتبة جامع الأزهر تحت رقم: (٥٨) كتبت سنة: (١٠٢٢هـ) ٣. (د) في الخزانة التيمورية تحت رقم: (٥٨٦) ٤. ٩ - فوائد قلائد المرجان وموارد منسوخ القرآن، للشيخ مرعى ابن يوسف الكرمي، أيضًا يوجد منه نسخة في الخزانة التيمورية تحت رقم: (المجامع ١٠٦) عدد صفحاتها: (٢٠٥) ٥.

стр. 25

١٠ - إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ والمتشابه من القرآن، للشيخ عطية الله البرهاني الشافعي، فقيه فاضل من أهل أجهور، تعلم وتوفي بالقاهرة سنة: (١١٩٠هـ)، يوجد لكتابه نسخة مخطوطة في الخزانة التيمورية تحت رقم: (٤٢) تفسير١. ١١ - الناسخ والمنسوخ، للإمام القاضي أبي عبد الله مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عليّ العامري، منه نسخة في المكتبة الأزهرية تحت رقم: (المجامع ٧٣٦) ورقة (٢٧) ٢. ١٢ - الناسخ والمنسوخ في القرآن عن ابن شهاب الزهري، تأليف أبي عبد الرحمن الحسين بن محمّد، منه نسخة كتبت في القرن السابع تقريبًا، بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية تحت رقم: (٢٦٤) وفي دار الكتب المصرية تحت رقم: (١٠٨٤) تفسير٣. ١٣ - التبيان للناسخ والمنسوخ، لعبد الله بن حمزة بن النجم الصعدي منه نسخة بالجامع الكبير بصنعاء، كتبت سنة: (١٣٥٠هـ) عدد أوراقها: (١٩) يقع تحت رقم: (٤) أصول الفقه٤.

стр. 26

١٤ - صفوة الراسخ في علم المنسوخ، للشيخ شمس الدين محمّد ابن أحمد بن أحمد الحسين الموصلي يوجد منه نسخة في الخزانة التيمورية ضمن مجموعة رقم: (٧٣٧/ ٢٢٥ تفسير)، عدد صفحاتها: (١٢٩) ١. ١٥ - عمدة البيان في زبدة نواسخ القرآن، للشيخ محمّد الرشيدي، يوجد منه نسخة في الخزانة التيمورية تحت رقم: (١٢٧) كتب بخط مؤلِّفه سنة: (١٢٩١هـ) ٢. ١٦ - البيان في الناسخ، للشيخ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي النجم، توجد نسخة منه بالجامع الكبير بصنعاء كتبت سنة: (١٠٤٨هـ) عدد أوراقها: (٢٠) يقع تحت رقم: (٧٦) ٣. ١٧ - وقد عثرت على كتاب صغير الحجم كبير الفائدة باسم مختصر عمدة الراسخ، وهو لمؤلفنا العلامة ابن الجوزي، سوف أذكره إن شاء الله عند ذكر أوصاف النسخ المخطوطة لغلبة ظني أنه مختصر لكتابنا هذا. وهناك رسائل أخرى مخطوطة في النسخ لم يعلم مؤلفوها، فعلى الرغم من وجود هذه الكتب العديدة، فأنا لا أريد أن أقف عندها وقفة الدارسين، لأن معظم هذه الكتب التي وفقني الله للاطلاع عليها، امتداد

стр. 27

للاتجاه الذي بدأه ابن حزم الأنصاري وهبة الله بن سلامة في كتابيهما. وأما كتاب قتادة - وهو الأقدم منها إطلاقًا - فلم يصل إلينا منه إلا جزء قليل، كما صرح بذلك فهرس المكتبة الظاهرية، إلا أن كتاب عبد القاهر البغدادي، امتاز كثيرًا عن غيره، حيث يعالج موضوع النسخ على منهاج جديد ومفيد، غير أنه مثل مكيّ بن أبي طالب لا يذكر إسنادًا عند ذكر أقوال السلف، بل يكتفي بذكر أسمائهم وعزو الأقوال إليهم، وهو كتاب جدير بالدراسة في موضوعنا، وقد رشحه الدكتور مصطفى زيد لتحقيقه ونشره كما رشح كتابنا هذا لميزتهما على الكتب الأخرى١.

стр. 28

سبب اختياري لهذا الموضوع: في مستهلّ السنة الدراسية المنهجية للدراسات العليا كنت أبحث هنا وهناك كي أحصل على موضوع لرسالتي يكون له البروز اللامع في الأوساط العلمية وقد تم اختياري في أوّل الأمر على تحقيق كتاب (فضائل القرآن) لابن الضريس، ولكني رغم صدور موافقة المجلس على هذا الموضوع اضطررت بعد أن عملت فيه أكثر من سبعة أشهر إلى تغييره. وذلك لوجود نقص كبير في النسخة الموجودة لدى الجامعة الإسلامية، ولعدم الحصول على نسخة أخرى لها. وقد وقع اختياري بعد ذلك - بحمد الله - على تحقيق هذا الكتاب لما قدمنا من أهمية موضوع النسخ في القرآن الكريم وخطورته. وكان من أهم العوامل التي ساعدتني للتوصل إلى معرفة أهمية هذا الموضوع اختيار الجامعة الإسلامية موضوع النسخ كمادة مستقلة في منهج الدارسات العليا بقسم التفسير، فأتيحت لي بذلك فرصة ثمينة للاطلاع على كتب مفيدة في علم النسخ، والتوسع فيه فلم أر موضوعًا متشعب المسالك مترامي الأطراف تراكمت الاختلافات حوله من شتى الأديان كهذا الموضوع، حتى المسلمون أنفسهم قديمًا وحديثًا يختلفون فيه، فمن منكر مفرط ومن مثبت مسرف ومن مقتصد بينهما. ومن هنا، وقع في ذهني أن يكون لي شأن مذكور في هذا الموضوع، وكنت أذكر دائمًا ثناء شيخنا الفاضل الدكتور مصطفى زيد

стр. 29

على كتابي عبد القادر البغدادي وابن الجوزي - كما ذكرت آنفًا - وكان يشجعنا على العمل والبحث فيهما لميزتهما على كتب النسخ الأخرى في الصناعة والمنهج فتم اختياري بفضل الله على هذا الكتاب بغية أن يعم النفع وتكثر الفائدة في مجال العلم، إن شاء الله. علاوة على ذلك، فلم أجد أحدًا سبقني من خريجي الكلية إلى تحقيق كتاب من كتب النسخ في القرآن المتقدمة المخطوطة لنيل شهادة الماجستير، وأيضًا فإن هذا العلم مع كثرة تناول المؤلفين له جيلاً بعد جيل ما رأيت أحدًا سلك مسلك العلامة ابن الجوزي في الصناعة والردّ على المقدمين على كتاب الله بآرائهم الخالية عن الأدلة النقلية الصحيحة. ولقد نرى المؤلِّف ابن الجوزي ﵀، في هذا الكتاب برأ ذمّته، وأدّى مسؤوليته بإيراد الأسانيد على كل ما يقول وينقل، مؤدّيًا للعلم أمانته. فتمنيت أن ينشر هذا الكتاب النفيس ويظهر من وراء القرون إلى أيدي الطلبة والباحثين وينجو من الضياع تحت التراب. ثم إن إحياء التراث الإسلامي له دور كبير في نهضة العلم والعلماء في كل عصر، حيث نستطيع بذلك الوصول إلى الحقائق العلمية التي لم يعثر عليها جيلنا الحاضر بعد، كما نستطيع الاطلاع على النهضة العلمية

стр. 30

والثقافية التي كان المسلمون القدامى يتمتعون بها عبر الأجيال، فيكون ذلك نبراسًا لمستقبلنا الزاهر، لنصمد في العمل الدائب المستمر كما صمد أسلافنا. من أجل هذا كلِّه، أحببت أن يكون موضوع بحثي من أنفع الموضوعات وأشرفها وأحببت أن أتفرغ له تفرغًا كاملاً وأنقطع له عدة سنين. وبعد بحث دقيق لم يظهر لي شيء أنفع للمفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين من علم النسخ من حيث إنه يعتبر جزءًا أساسيًا لديهم، لكونه مدارًا لمعرفة الحلال والحرام والمحكم من المنسوخ، فهو كما أنه من أنفع الموضوعات فهو كذلك من أفضلها وأشرفها؛ لأن مادة (نواسخ القرآن) هي الآيات القرآن المنزلة على الصادق الوعد الأمين صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 31

ترجمة الإمام ابن الجوزي ﵀ هو: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد بن عليّ ابن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن حمادي بن أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله ابن القاسم بن النضر بن القاسم بن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصديق ﵁ القرشي التميمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الحافظ المفسر الواعظ المؤرخ الأديب المعروف بابن الجوزي ﵀ رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته١. مولده: ولد العلامة ابن الجوزي "بدرب حبيب" الواقعة في بغداد، واختلف في تأريخ ودلاته: قيل: سنة: ٥٠٨، وقيل: سنة: ٥٠٩، وقيل: سنة: ٥١٠ هجرية. والأرجح أنه ولد بعد العشرة كما يظهر ذلك في بعض مؤلَّفاته في الوعظ، حيث يقول: إنه بدأ التصنيف سنة: ٥٢٨هـ، وله من العمر ١٧ سنة٢. ولما قيل عنه أيضًا في ذيل تاريخ بغداد لابن النجار "أنه كان يقول: "لا أتحقق مولدي غير أنه مات والدي في سنة: ٥١٤هـ، وقالت الوالدة كان لك من العمر ثلاث سنين"٣.

стр. 32

وعلى هذا تكون ولادته سنة: ٥١١هـ، ١١١٧م١. وكان أهله تجارًا في النحاس، ولهذا يوجد في بعض سماعاته القديمة: عبد الرحمن بن عليّ الجوزي الصفار٢. نشأته: توفي والده عليّ بن محمّد وله من العمر ثلاث سنين، ولكن ذلك لم يؤثّر في نشأته نشأة صالحة، حيث أبدله الله عمته مربية مخلصة تعطيه كلّ عطفها وعنايتها وتسهر على خدمته وتعليمه، فهي حملته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر، فتلقى منه الرعاية التامة والتربية الحسنة حتى أسمعه الحديث٣. وعلى الرغم من فراق والده في طفولته فقد ساعده في توجهه إلى طلب العلم وتفرغه لذلك ثروة أبيه الموسر، فقد ترك من الأموال الشيء الكثير، ولهذا نراه ﵀ يكثر الكلام عن نفسه في أكثر من كتاب، فيبين أنه نشأ في النعيم، ويقول في صيد الخاطر:

стр. 33

"فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه، وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد، حتى إني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها، فقلت: إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناوله لطاعة عظيمة، وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوّته فعل خير ينبغي أن يهجر، فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه"١. فلما بلغ ابن الجوزي رشده شعر بنفسه وبال الترف في طلب العلم، فقنع باليسير واستسهل الصعاب متحملاً كلّ الشدائد والمحن فهمته في طلب العلم أنسته كل الترف فانكب على طلب العلم - وهو ألذ من كلّ لذيذ - فيقول عن نفسه: "ولقد كنت في مرحلة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها شربة، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم"٢.

стр. 34

قد عاش ابن الجوزي منذ طفولته ورعًا تقيًا زاهدًا، لا يحب مخالطة الناس خوفًا من ضياع الوقت، ووقوع الهفوات، فصان بذلك نفسه وروحه ووقته: يقول الإمام ابن كثير عند ترجمته له: "وكان - وهو صبي - ديّنًا منجمعاً على نفسه لا يخالط أحدًا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلاّ للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان"١. حبه للعزلة: وكان يحب العزلة تقديرًا لقيمة الوقت وابتعادًا عن الوقوع في اللهو. يقول في صيد الخاطر: "فليس في الدنيا أطيب عيشًا من منفرد عن العالم بالعلم، فهو أنيسه وجليسه، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة، لا عن تكلف ولا تضييع دين، وارتدى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها، والتحف القناعة باليسير، إذا لم يقدر على الكثير بهذا الاستعفاف يسلم دينه ودنياه، واشتغاله بالعلم يدلّه على الفضائل ويفرجه عن البساتين، فهو يسلم من الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة، ولكن لا يصلح هذا إلا للعالم، فإنه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتحبط"٢.

стр. 35

ردّه على المتزهدين والمتصوفين: في موضع آخر من صيد الخاطر عين فصولاً للرد على العزلة العمياء والمتزهدين فيقول: "فكم فوتت العزلة علمًا يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بليته هلك بها الدين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب"١. ويقول في ذم المتزهدين والصوفية العمياء: "وإني أرى أكثر الناس قد حادوا عن الشريعة، وصار كلام المتزهدين كأنه شريعة لهم، فيقال: قال أبو طالب المكي: كان من السلف من يزن قوته بكربة فينقص كل يوم. وهذا شيء ما عرفه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ولا أصحابه وإنما كانوا يأكلون دون الشبع. وما كانت سيرة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابه على ما المتزهدون عليه اليوم. فقد كَانَ ﷺ يضحك ويمزح ويختار المستحسنات ويسابق عائشة ﵂، وكان يأكل اللحم ويحب الحلوى ويستعذب الماء وعلى هذا كانت طريقة أصحابه، فأظهر المتزهدون طرائق كأنها ابتداء شريعة، وكلها على غير الجادة"٢.

стр. 36

مكانته وثناء العلماء عليه: لقد أعجب بشخصيته وجهده الجبار علماء أجلاء من بعده فمدحوه وأثنوا عليه. يقول ابن خلكان: "إنه كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وفي صناعة الوعظ صنف في فنون كثير" فعد بعض مؤلَّفاته، ثم قال: "وبالجملة فكتبه تكاد لا تعد، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خصّ كل يوم تسع كراريس"١. وكان ابن الجوزي كثير الاطلاع ومشغوفًا بالقراءة فقد حكى عن نفسه أنه طالع عشرين ألف مجلد أو أكثر، وهو ما يزال طالبًا٢. يقول في صيد الخاطر: "سبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي تخلفت من المصنفات فليكثر من المطالعة فإنه يرى من علوم القوم وعلوّ هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة، وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا ترى فيهم ذا همة عالية فيقتدي به المقتدي ولا صحاب ورع فيستفيد منه

стр. 37

الزاهد، فالله الله، وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، والاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم"١. فقد استطاع بهذا الاطلاع الواسع أن يتفوق على كثير من معاصريه في المشاركة في عديد من العلوم والفنون، فألف في التفسير والحديث والطب والوعظ وغيرها الشيء الكثير ويبدو أن ابن الجوزي كان ماهرًا في التفسير وفي التأريخ والوعظ ومتوسطًا في الفقه، وأما بالنسبة إلى متون الحديث فهو واسع الاطلاع فيها لكنه غير مصيب في الحكم على الصحيح والسقيم. يقول الذهبي عند ترجمة ابن الجوزي: "كان مبرزًا في التفسير والوعظ والتأريخ ومتوسطًا في المذهب وله في الحديث اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه فما له ذوق المحدثين ولا نقد الحفاظ المبرزين"٢. وقال الذهبي في التأريخ الكبير: "لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه"٣.

стр. 38

مدرسة ابن الجوزي: كان له دور كبير ومشاركة فعالة في الخدمات الاجتماعية، وقد بنى مدرسة بدرب دينار وأسس فيها مكتبة كبيرة ووقف عليها كتبه وكان يدرس أيضًا بعده مدارس بغداد١. قال الحافظ ابن الدبيثي عن ابن الجوزي: "كان من أحسن الناس كلامًا وأتمهم نظامًا وأعذبهم لسانًا، وأجودهم دينًا، وبورك في عمره وعمله، فروى الكثير، وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارًا"٢. منزلة في الوعظ: لم يكن جهاده محصورًا في القلم والتأليف إنما كان له شأن عظيم وشهرة كبيرة في الوعظ والخطب والدعوة والإرشاد بين الخواص والعوام. يقول ابن كثير ﵀: "تفرد ابن الجوزي بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه، وفي طريقته وشكله وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه في المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة بما يشهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك بحيث يجمع المعاني الكثير في الكلمة اليسيرة"٣.

стр. 39

شجاعته في إظهار الحقّ: كان لا يخاف في الله لومة اللائم، وكان يحضر في وعظة الرؤساء والخلفاء، وقد التفت مرة إلى ناحية الخليفة المستضيء العبّاس، وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت، خفت منك وإن سكتّ خفت عليك، وإن قول القائل لك: اتق الله، خير لك من قوله: لكم أنتم أهل البيت مغفور لكم... وأضاف قائلاً: لقد كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني من عامل ظلم فلم أغيره فأنا الظالم١. وهكذا دافع ابن الجوزي عن الحقّ بدون خوف لومة لائم وحارب البدع والمنكرات والتعصب في المذاهب والتقليد الأعمى، وقد كان يعترف بنجاحه في هذا المجال فيقول: "وظهر أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون في المذاهب، فأعانني الله عزوجل عليهم وكانت كلمتنا هي العليا"٢. محنته في سبيل الحقّ: وقد امتحن ابن الجوزي ﵀، في آخر عمره، وذلك أن الوزير ابن يونس الحنبلي كان في ولايته قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام ابن عبد الوهّاب بن عبد القادر الجيلي، وأحرقت كتبه. وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيء كثير، وذلك بمحضر ابن

стр. 40

الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جدّه وسلمها إلى ابن الجوزي. فلما ولى الوزارة ابن القصاب - وكان رافضيًا خبيثًا - سعى في القبض على ابن يونس وتتبع أصحابه، فقال الركن: أين أنت عن ابن الجوزي، فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبه في مشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر - وكان الناصر له ميل إلى الشيعة - وكان يقصد إيذاء ابن الجوزي فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأهانه وختم على داره وشتت عياله، ثم أخذه في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت وبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين وما دخل فيها حمامًا١. فالمحنة بشتى أنواعها والصبر عليها والاستمرار على الوقوف في وجه الباطل والظلم والطاغوت من دأب العلماء العاملين والمجاهدين المخلصين. وقد رسم لنا العلامة ابن الجوزي من خلال حياته سلسة متصلة من الكفاح والجهل الطويل والربط بين العلم والعمل ربطًا وثيقًا. وقد عقد فصلاً مستقلاً في كتابه صيد الخاطر تحت عنوان: (العلماء العاملون) فمدح فيه من يستحق المدح من أقرانه، وذمّ من يستحق ذلك ثم قال: "فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر.
следующие страницы →