← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مكانته وثناء العلماء عليه: لقد أعجب بشخصيته وجهده الجبار علماء أجلاء من بعده فمدحوه وأثنوا عليه. يقول ابن خلكان: "إنه كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وفي صناعة الوعظ صنف في فنون كثير" فعد بعض مؤلَّفاته، ثم قال: "وبالجملة فكتبه تكاد لا تعد، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خصّ كل يوم تسع كراريس"١. وكان ابن الجوزي كثير الاطلاع ومشغوفًا بالقراءة فقد حكى عن نفسه أنه طالع عشرين ألف مجلد أو أكثر، وهو ما يزال طالبًا٢. يقول في صيد الخاطر: "سبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي تخلفت من المصنفات فليكثر من المطالعة فإنه يرى من علوم القوم وعلوّ هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة، وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا ترى فيهم ذا همة عالية فيقتدي به المقتدي ولا صحاب ورع فيستفيد منه

стр. 37

الزاهد، فالله الله، وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، والاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم"١. فقد استطاع بهذا الاطلاع الواسع أن يتفوق على كثير من معاصريه في المشاركة في عديد من العلوم والفنون، فألف في التفسير والحديث والطب والوعظ وغيرها الشيء الكثير ويبدو أن ابن الجوزي كان ماهرًا في التفسير وفي التأريخ والوعظ ومتوسطًا في الفقه، وأما بالنسبة إلى متون الحديث فهو واسع الاطلاع فيها لكنه غير مصيب في الحكم على الصحيح والسقيم. يقول الذهبي عند ترجمة ابن الجوزي: "كان مبرزًا في التفسير والوعظ والتأريخ ومتوسطًا في المذهب وله في الحديث اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه فما له ذوق المحدثين ولا نقد الحفاظ المبرزين"٢. وقال الذهبي في التأريخ الكبير: "لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه"٣.

стр. 38

مدرسة ابن الجوزي: كان له دور كبير ومشاركة فعالة في الخدمات الاجتماعية، وقد بنى مدرسة بدرب دينار وأسس فيها مكتبة كبيرة ووقف عليها كتبه وكان يدرس أيضًا بعده مدارس بغداد١. قال الحافظ ابن الدبيثي عن ابن الجوزي: "كان من أحسن الناس كلامًا وأتمهم نظامًا وأعذبهم لسانًا، وأجودهم دينًا، وبورك في عمره وعمله، فروى الكثير، وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارًا"٢. منزلة في الوعظ: لم يكن جهاده محصورًا في القلم والتأليف إنما كان له شأن عظيم وشهرة كبيرة في الوعظ والخطب والدعوة والإرشاد بين الخواص والعوام. يقول ابن كثير ﵀: "تفرد ابن الجوزي بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه، وفي طريقته وشكله وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه في المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة بما يشهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك بحيث يجمع المعاني الكثير في الكلمة اليسيرة"٣.

стр. 39

شجاعته في إظهار الحقّ: كان لا يخاف في الله لومة اللائم، وكان يحضر في وعظة الرؤساء والخلفاء، وقد التفت مرة إلى ناحية الخليفة المستضيء العبّاس، وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت، خفت منك وإن سكتّ خفت عليك، وإن قول القائل لك: اتق الله، خير لك من قوله: لكم أنتم أهل البيت مغفور لكم... وأضاف قائلاً: لقد كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني من عامل ظلم فلم أغيره فأنا الظالم١. وهكذا دافع ابن الجوزي عن الحقّ بدون خوف لومة لائم وحارب البدع والمنكرات والتعصب في المذاهب والتقليد الأعمى، وقد كان يعترف بنجاحه في هذا المجال فيقول: "وظهر أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون في المذاهب، فأعانني الله عزوجل عليهم وكانت كلمتنا هي العليا"٢. محنته في سبيل الحقّ: وقد امتحن ابن الجوزي ﵀، في آخر عمره، وذلك أن الوزير ابن يونس الحنبلي كان في ولايته قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام ابن عبد الوهّاب بن عبد القادر الجيلي، وأحرقت كتبه. وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيء كثير، وذلك بمحضر ابن

стр. 40

الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جدّه وسلمها إلى ابن الجوزي. فلما ولى الوزارة ابن القصاب - وكان رافضيًا خبيثًا - سعى في القبض على ابن يونس وتتبع أصحابه، فقال الركن: أين أنت عن ابن الجوزي، فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبه في مشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر - وكان الناصر له ميل إلى الشيعة - وكان يقصد إيذاء ابن الجوزي فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأهانه وختم على داره وشتت عياله، ثم أخذه في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت وبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين وما دخل فيها حمامًا١. فالمحنة بشتى أنواعها والصبر عليها والاستمرار على الوقوف في وجه الباطل والظلم والطاغوت من دأب العلماء العاملين والمجاهدين المخلصين. وقد رسم لنا العلامة ابن الجوزي من خلال حياته سلسة متصلة من الكفاح والجهل الطويل والربط بين العلم والعمل ربطًا وثيقًا. وقد عقد فصلاً مستقلاً في كتابه صيد الخاطر تحت عنوان: (العلماء العاملون) فمدح فيه من يستحق المدح من أقرانه، وذمّ من يستحق ذلك ثم قال: "فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر.

стр. 41

والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة فقدم مفلسًا مع قوّة الحجة عليه"١. ما أخذ عليه: رغم وصوله إلى قمة العلم والمعرفة فقد أخذ العلماء عليه مآخذ هامة: أوّلاً- كان يميل إلى التأويل في بعض كلامه. يقول ابن رجب في الذيل: "اشتد إنكار العلماء عليه في ذلك، وكان مضطربًا في قضية التأويل رغم سعة اطلاعه على الأحاديث في هذا الباب فلم يكن خبيرًا بحل شبه المتكلمين، ويقول: كان أبو الفرج تابعًا لشيخه أبي الوفاء ابن عقيل في ذلك، وكان ابن عقيل بارعًا في علم الكلام ولكنه قليل الخبرة في الأحاديث والآثار لذا نراه مضطربًا في هذا الباب"٢. نعم، قد نجد ما يثبت ميله إلى التأويل من ثنايا كتبه حيث ألّف كتابًا مستقلاً يناقش هذا الموضوع باسم (دفع شبه التشبيه) وهو

стр. 42

مطبوع أورد فيه بعض آيات قرآنية، وستين حديثًا ورد فيها الكلام عن ذات الله وصفاته ﷺ ، كالوجه، واليد، والنفس، والساق، والاستواء، فيؤوّلها بما يحتمل التأويل بخلاف ما ذهب إليه السلف من إمرارها كما وردت بدون تأويل ولا تشبيه، ولا تعطيل١. ونجد أيضًا في صيد الخاطر، ينقد نهج السلف فيقول: "... ولا أقوامًا قصرت علومهم فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعليل، ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا"٢. وقد قام بالردّ على ما كتبه ابن الجوزي مائلاً إلى التأويل عالم معاصر له، وهو الشيخ إسحاق بن أحمد بن غانم العلثي٣ حيث كتب

стр. 43

رسالة يردّ فيها على ابن الجوزي ردًّا عنيفًا طالبًا فيها العودة إلى الحقّ وإلى العقيدة السلفية وعلى ما كان عليه إمامه أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀، حيث يقول فيها: "وإذا تأولت الصفات على اللغة وسوغته لنفسك وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس روحه، فلا يمكنك الانتساب بهذا، فاختر لنفسك مذهبًا حتى قال: فلقد استراح من خاف مقام ربّه وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم، لئلا يندم. فانتبه قبل الممات، وحسن القول العمل، فقد قرب الأجل لله الأمر من قبل ومن بعد ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم". ثانيًا - كثرة أغلاطه في تصانيفه، وعذره في هذا واضح وهو أنه كان مكثرًا من التصانيف، فيصنف الكتاب ولا يعتبره، بل يشتعل بغيره وربما كتب في الوقت الواحد تصانيف عديدة ولولا ذلك لم تجتمع له هذه المصنفات الكثيرة.

стр. 44

سيجد القارئ مثالاً لذلك من ثنايا هذا الكتاب، حيث يذكر المؤلف في المقدمة أنه سيناقش وقائع النسخ ببيان صحة الصحيح وفساد الفاسد، ثم يأتي إلى قضايا النسخ فيوردها ببيان الخطأ أو الصواب تارة - وهو كثير - وتركه أخرى. وأمثال ذلك كثيرة، سأبيّنه في الخاتمة إن شاء الله. ثالثًا - ما يوجد في كلامه من الثناء على نفسه والترفع والتعاظم، وكثرة الدعاوى، ولا ريب أنه كان عنده من ذلك طرف، والله يسامحه) كقوله في صيد الخاطر: "... ونظرت إلى علوّ همتي فرأيتها عجبًا" ويقول في موضع آخر: "خلقت لي همة عالية تطلب الغايات" وأمثال ذلك كثيرة. ولعل ما قدم للأمة من القدوة الصالحة والخدمة الخالصة التي لا مثيل لها، تغطي مساوئه، وترفع درجاته. لأن الحسنات يذهبن السيئات. والله واسع المغفرة والكرم وهو عليم بذات الصدور.

стр. 45

وفاته: بعد أن عاش ﵀ داعيًا مرشدًا كاتبًا بارعًا زاهدًا مخلصًا، قرابة تسعين عامًا، انتقل إلى جوار ربّه ببغداد. وكانت وفاته ليلة الجمعة (١٢ رمضان ٥٩٧هـ) بين العشائين، فغسل وقت السحر، واجتمع أهل بغداد وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وما وصل إلى حفرته إلا وقت صلاة الجمعة، والمؤذن يقول: "الله أكبر"، ودفن بباب حرب، بالقرب من مدفن الإمام أحمد بن حنبل وكان ينشد حال احتضاره يخاطب ربّه: يا كثير العفو عمن ... كثر الذنب لديه جاءك المذنب يرجو ... الصفح عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه فرحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته ونفعنا بعلومه آمين١

стр. 46

شيوخه: وقد ألّف في مشيخته كتابًا خاصًا، ذكر فيه حوالي تسعة وثمانين شيخًا ونرى فيه حسن اختياره للمشايخ حيث تتلمذ على طائفة من خيرة أعلام عصره، ويذكر اهتمامه في اختيار أبرع وأفهم المشايخ في بداية كتابه المذكور، حيث قال: "حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر وأسمعني العوالي، وأثبت سماعاتي كلّها بخطّه، وأخذ لي إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم وأوثر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد المدد لا تكثير العدد". فمن مشايخه:

стр. 47

٢ - أبو بكر محمّد بن الحسن بن عليّ بن إبراهيم المعروف بالمزرعي، قال ابن الجوزي إنه سمع منه وكان ثقة ثبتًا، عالمًا، حسن العقيدة، وسمع الحديث الكثير من ابن المهتدي، والصيريفيني وغيرهما. توفي ﵀ سنة: (٥٢٧هـ). ٣ - أبو الحسن عليّ بن عبد الواحد الدينوري، يقول المؤلِّف: إنه سمع منه الفقه والحديث، والجدل، والخلاف، والأصول، وهو من أقدم شيوخه وكان يسكن باب البصرة من غربي بغداد. وتوفي في جمادى الآخرة سنة: (٥٢١هـ). ٤ - أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال ابن الجوزي: إنه سمع منه بقراءة شيخه الأوّل أبي الفضل بن ناصر عليه، وكان عبد الملك صالحًا صدوقًا، سمع جماعة كثيرة وخرج إلى مكة فجاورها. وتوفي في ذي الحجّة بعد رحيل الحجّ بثلاثة أيام سنة: (٥٤٨هـ).

стр. 48

٥ - أبو سعد أحمد بن محمّد بن الحسن بن عليّ البغدادي، يقول ابن الجوزي: إنه سمع منه بقراءة أبي الفضل بن ناصر عليه، وكان خيراً ثقة وأملى بمكة والمدينة وكان على طريقة السلف صحيح العقيدة حلو الشمائل مطرح التكلف. ولد بأصبهان ونشأ بها وتوفي بنهاوند سنة: (٥٤٠هـ).

стр. 49

تلاميذه: كما اختار ابن الجوزي ثلة من خيرة أساطين علماء عصره، كذلك اختاره هو شيخًا، وأخذ العلم والحكمة على يده نخبة من الأفذاذ فورثوا بعده مقتدين بخطواته في التأليف والنصح والإخلاص، فمنهم: ١ - الحافظ عبد الغني عبد الواحد بن عليّ بن سرور. ولد في أرض نابلس سنة: (٥٤١هـ) سمع الحديث والعلوم من دمشق والموصل وهمدان، والإسكندرية، وكان حافظًا تقيًا ورعًا، وسمع من ابن الجوزي ببغداد، وألّف كتبًا عديدة، قال يوسف بن خليل: كان ثقة ثبتًا ديّنًا مأمونًا حسن التصنيف دائم الصيام. توفي بمصر سنة: (٦٠٠هـ). ٢ - يوسف بن فرغلي بن عبد الله، أبو المظفر الواعظ، سبط الإمام ابن الجوزي، روى عن جدّه ببغداد، وسمع أبا الفرج بن كليب وغيره، وسمع بالموصل ودمشق، وحدّث بها وبمصر وأعطى القبول، وصنف الكتب العديدة منها: كتاب مرآة الزمان في التأريخ، وشرح الجامع الكبير، واللوامع في أحاديث المختصر، وغيرها. أخذ العلم من ابن الجوزي في بغداد. وتوفي ليلة الثلاثاء الحادي عشر من ذي الحجّة سنة: (٦٥٤هـ).

стр. 50

٣ - أحمد بن عبد الدائم بن نعمة الكاتب المحدّث. ولد سنة: (٥٧٥هـ) في نابلس، ودخل بغداد، وسمع بها ابن الجوزي وغيره، وسمع بدمشق وحران، وكان حسن الخلق والخلق، ديّنًا متواضعًا، وحدّث بالكثير بضعًا وخمسين سنة، وكتب ما لا يوصف كثرة من الكتب الكبار، متأثرًا بشيخه ابن الجوزي حتى صار هو شيخًا للأئمة الكبار، والحفاظ والمحدّثين، والفقهاء كالشيخ محي الدين النووي، وشيخ شمس الدين بن عمر، وشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ تقي الدين بن تيمية، وأمثالهم، ﵏ جميعًا. توفي أحمد بن عبد الدائم سنة: (٦٦٨هـ).

стр. 51

مؤلَّفاته: لقد فارقنا جسمًا وروحًا ولكن ذكراه وثمرات جهده الجبار المرسومة على صفحات التاريخ لم تزل ولا تزال تحيي حياة طيبة، كما قال الشاعر: الجاهلون فماتوا قبل موتهم ... والعاملون وإن ماتوا فأحياء وقد أورد المؤرخون من بعده بكل غرابة وإعجاب مؤلّفاته الضخمة في كتبهم فيقول الإمام ابن تيمية ﵀ في (أجوبته المصرية): "كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره". ويقول الحافظ الذهبي: "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل". ويصفه صاحب البداية والنهاية بأنه: "أحد أفراد العلماء برز في علوم كثيرة وانفرد بها عن غيره، ومجموع المصنفات الكبار والصغار نحوًا

стр. 52

من ثلاثمائة مصنف وكتب بيده نحوًا من مائتي مجلد. وله في العلوم كلّها اليد الطولى، والمشاركات في جميع أنواعها؛ من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنجوم والطب والفقه. وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك كلّه ما يضيق هذا المكان عن تعدادها، وحصر أفرادها، منها: كتابه في التفسير المشهور بـ (زاد المسير) وله تفسير أبسط منه - أي أوسع - لكنه ليس بمشهور. وله جامع المسانيد استوعب غالب مسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وجامع الترمذي، وله كتاب (المنتظم في تاريخ الأمم من العرب والعجم) في عشرين مجلدًا، (ويقول ابن كثير) ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار هو تاريخًا: ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدًا ... حتى رأيتك في التاريخ مكتوبًا وقد أورد ابن رجب عن القطيعي في تأريخه، ثبت التصانيف التي كتبها ابن الجوزي بخطّه فذكر فيه حوالي ١٩٩ كتابًا. ولا يتسع هذا المقام لذكر أسماء تلكم الكتب مفصلة، إنما أختار ما ألّفه في علم التفسير، وأكتفي في الباقي بالإحالة إلى كتاب الأستاذ عبد الحميد العلوجي العراقي الذي صدر قريبًا باسم (مؤلَّفات ابن الجوزي) وقد جمع فيه أسماء مؤلَّفات

стр. 53

ابن الجوزي في شتى الفنون، ورتبها على حروف المعجم مع ذكر ما طبع منها وأماكن وجود المخطوطة منها، وقد وصل عدد تلك الكتب عنده بأساميها المختلفة حوالي (٣٧٦) كتابًا ما بين مطبوع ومخطوط. الكتب التي ألَّفها ابن الجوزي في علم التفسير: ١ - الأريب في تفسير الغريب، سيأتي ذكره في مقدمة المؤلِّف إن شاء الله. ٢ - أسباب النزول، ذكره في كشف الظنون، وهدية العارفين. ٣ - الإشارة إلى القراءة المختارة، ذكره ابن رجب. ٤ - تذكرة المنتبه في عيون المشتبه، ذكره ابن رجب وحاجي خليفة. وقال إنه في القراءات. وقد أورد فيه المؤلِّف متشابه القرآن. ٥ - تفسير الفاتحة. قال العلوجي: ذكر بروكلمان أنه يوجد منه نسخة في مكتبة داماد زادة، قاضي عسكر محمّد مراد بإستامبول تحت رقم: (٦٣).

стр. 54

٦ - التلخيص. قال العلوجي: "ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان مرتين. وقال: إنه في مجلد واحد. وأنه في علم التفسير". ٧ - تيسير البيان في تفسير القرآن. وسيأتي ذكره في مقدمة المؤلّف باسم تيسير التبيان في علم القرآن. ٨ - الرسوخ في علم الناسخ والمنسوخ. قال العلوجي: "يوجد قطعة منه ضمن مجموعة في الأمبروزيانا تحت رقم: (٣٠٤د) ". ٩ - زاد المسير في علم التفسير. سيأتي ذكره في مقدمة المؤلّف. ١٠ - غريب الغريب. ذكره ابن رجب، وفي هدية العارفين غريب العزيز. ١١ - فنون الأفنان في علوم القرآن. ذكره ابن رجب بعنوان فنون الأفنان في عيون علوم القرآن. يوجد له نسخة في مكتبة الأوقاف ببغداد. تحت رقم: (٢٤١٢) ونسخة أخرى في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية تحت رقم: (٢٢٢).

стр. 55

١٢ - كتاب السبعة في قراءات السبع. قال العلوجي: ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان. وقال: إنه أجزاء. ١٣ - كتاب في عجائب علوم القرآن. ذكر بروكلمان أن له نسخة مخطوطة في مكتبة غوطلبر، تحت رقم: (٥٤٤). ١٤ - المجتبى في علوم القرآن. قال بروكلمان: "يوجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب الخديوية تحت رقم: ٧/ ٥٣٠، ودار الكتب المصرية تحت رقم: ٥/ ٣٢٥". ١٥ - المجتبى من المجتبي. وهو مختصر للمجتبى يوجد منه نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية مصوّرة من إستانبول تحت رقم: ٥/ ٣٢٥، و٦، ١٨٨. ١٦ - مختصر فنون الأفنان في علوم القرآن. ذكر بروكلمان أن له نسخة في دار الكتب الخديوية تحت رقم: ٧/ ٥٣٠، ودار الكتب المصرية تحت رقم: ١/ ٦١، ونسخة أخرى في مكتبة (الغازي خروبك بسراجيفوا) في يوغوسلافيا ضمن مجموعة تحت رقم: (٣٠٠).

стр. 56

١٧ - مختصر قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر. يوجد له نسخة في دار الكتب المصرية تحت رقم: ٢/ ٣٦، (في مجموعة الجامع الأحمدي بطنطا) ونسخة أخرى (في مجموعة مكتبة طلعة) تحت رقم: ٤٧١ تفسير. ٢٨ - المغني في تفسير القرآن. سيأتي ذكره في مقدمة المؤلّف. ١٩ - المنعش. ذكره حاجي خليفة وإسماعيل البغدادي. ٢٠ - المنقبة في عيون المنبه. ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان. وقال: إنه أجزاء. ٢١ - المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ. ذكره ابن رجب ضمن ثبت المؤلّفات في علوم القرآن لابن الجوزي. يوجد له نسختان في مكتبة الأوقاف ببغداد (٢٣٩٧ز، و ٢٤١٠)، وله نسخة أخرى في الخزانة التيمورية التابعة لدار الكتب المصرية، تحت عنوان مختصر عمدة الراسخ. وقد صوّرت منه نسخة لنفسي وتأكدت بالمقارنة بأنه كتاب المصفى، الموجود بمكتبة الأوقاف ببغداد. وهو يقع في الخزانة التيمورية تحت رقم: (١٤٨) تفسير.

стр. 57

٢٢ - نواسخ القرآن، أو الناسخ والمنسوخ بالقرآن. وهو الكتاب الذي نحن بصدده. سيأتي ذكره مفصلاً عند ذكر وصف النسخ إن شاء الله. ٢٣ - نزهة العيون النواظر في الوجوه والنظائر. ذكره ابن رجب وقال: إنه مجلد واحد. وذكره بروكلمان. وقال: يوجد منه نسخة في المكتبة العمومية بإستانبول تحت رقم: ٤٩٨/ ٩. ٢٤ - ورد الأغصان في فنون الأفنان. وهو جزء. ٢٥ - الوجوه النواضر في الوجوه والنظائر. ذكره ابن رجب. وقال إنه مجلد ومختصر لكتاب نزهة العيون النواظر المذكور سابقاً. وجعله ضمن ثبت مؤلّفات ابن الجوزي في علوم القرآن. وذكره حاجي خليفة. وقال: فيه وجوه الآيات المفسرة في مجلس الوعظ ونظائرها وفيه غنى عن كلّ كتاب صنف في ذلك. فهذه هي بعض مؤلّفاته وثمرات جهده الجبار. وتلك هي بعض ملامح ذلك الرجل الفذ الذي له ثقله ووزنه في ميزان العلم والعلماء حتى اليوم. وليس من الممكن أن أعطي لذلك البطل حقّه في هذه العجالة بعد أن أعجب به المؤرخون والباحثون، حتى ألّف عن شخصيته مؤلّفات عديدة. وقد ذكر لي الشيخ عبد الرحيم طحان الشامي أنه: يعد رسالة

стр. 58

لنيل شهادة الدكتوراة بجامعة الأزهر، في موضوع (ابن الجوزي ومنهجه في التفسير). وهكذا ما زالت بقايا آثاره ومصنفاته ميدانًا خصبًا للباحثين والدارسين يعبق أريجها ويعمّ نفعها على المسلمين.

стр. 59

نسبة الكتاب إلى ابن الجوزي: لقد ورد ذكر هذا الكتاب، في معظم كتب التراجم بأسماء مختلفة. فيذكر سبط ابن الجوزي، أبو الظفر الواعظ شمس الدين فرغلي في كتابه مرآة الزمان ضمن ثبت مصنفات جده ابن الجوزي، كتابًا، باسم (ناسخ القرآن ومنسوخه)، وكتابًا آخر باسم: (مختصر ناسخ القرآن ومنسوخه). وأما الذهبي، فيذكره في تأريخ الإسلام بعنوان: (الناسخ والمنسوخ) وبه قال الزركلي أيضًا في الإعلام. وأما ابن رجب فيورد في الذيل عن ابن القطيعي تلميذ ابن الجوزي، في تأريخه. قال: (ناولني ابن الجوزي كتابًا بخطّه...) فذكر له (١٩٩) كتابًا، من ضمنها (عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ) و (كتاب المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ). ومن ناحية أخرى، فقد وجدت في غلاف النسخة المدينة، اسم (نواسخ القرآن)، بينهما وجدت في غلاف النسخة الهندية، اسم:

стр. 60

(الناسخ والمنسوخ) ويذكره بروكلمان وعبد الحميد العلوجي، بهذين الاسمين، وأشار إلى حيث وجدتهما. فالكتاب إذن من حيث نسبته إلى المؤلِّف لا شبهة في ذلك، إنما الشبهة هل للمؤلّف ثلاثة كتب، ومختصران في الموضوع، أم هي أسماء استعملها النساخ لكتاب واحد ومختصره؟ والذي يظهر لي بعدما اطلعت على النسختين المدنية والهندية، وبعدما قارنت بينهما، أنهما كتاب واحد، كما تبين لي أيضًا أن مختصر عمدة الراسخ الذي صورّته من الخزانة التيمورية، وكتاب (المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ) الموجود في مكتبة الأوقاف ببغداد، أيضًا كتاب واحد. علاوة على ذلك، غلب على ظني، بعدما قارنت هذا المختصر مع نواسخ القرآن أن (عمدة الراسخ) هو اسم آخر لكتابنا هذا بدليل أنهما يتفقان مع نواسخ القرآن في التعبير والأسلوب والترتيب والمناقشة، وقد صرح المؤلِّف نفسه في مقدمته أنه مختصر لعمدة الراسخ، كما سبق ويؤكد هذا أيضًا ثبت مؤلّفات المؤلّف الذي كتبه بخطّه السابق ذكره، حيث لم نجد إلاّ عمدة الراسخ، ومختصره، والمصفى بأكف أهل الرسوخ

стр. 61

من علم الناسخ والمنسوخ، فالخلاصة كأنهم اختلفوا في عنوان الكتاب على أربعة أسماء: ١ - عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ. ٢ - نواسخ القرآن. ٣ - ناسخ القرآن ومنسوخه. ٤ - الناسخ والمنسوخ. كما اختلفوا في عنوان مختصره على ثلاثة أسماء: ١ - المصفى بأكف أهل الرسوخ في علم الناسخ والمنسوخ. ٢ - مختصر عمدة الراسخ. ٣ - مختصر ناسخ القرآن ومنسوخه. أما القطعة الصغيرة الموجودة في مكتبة أنبروزيانا، السالف ذكرها باسم الرسوخ في (علم الناسخ والمنسوخ). فقد جعله العلوجي في علوم القرآن، ولم يتبين لي بعدما إذا كانت هي نفس كتاب (المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ)، أم هي في (علم الحديث) والله أعلم. ومما يؤكد ما قلته أيضًا، أن المؤلّف يعد الكتب التي ألّفها في علم التفسير في مقدمة هذا الكتاب، فلو كان له في النسخ غير هذا لأشار إليه. كما أن المؤلّف يحيل بعض القضايا إلى تفسيره زاد المسير لمن يريد التفصيل الأمر الذي يؤكد أيضًا نسبة هذا الكتاب إليه، حيث ثبتت نسبة زاد

стр. 62

المسير إليه بأسانيد وطرق متعددة. وسوف ترى مناقشات عديدة يذكرها المؤلف بنصّها في هذا الكتاب من زاد المسير. زيادة على هذه الشواهد الظاهرة لقد وجدت العلامة الشوكاني يروي هذا الكتاب بسند متصل إلى ابن الجوزي، في كتابه (إتحاف الأكابر)، فيقول الشيخ المفسر الشهير محمّد بن عليّ بن محمّد الشوكاني: (روى لنا كتاب (الناسخ والمنسوخ) السيد سليمان بن يحيى الأهدل عن السيد أحمد بن محمّد الأهدل عن السيد يحيى بن عمر الأهدل عن السيد العلامة أبي بكر بن عليّ البطاح الأهدل عن الحافظ الديبج عن زين الدين الشرجي عن نفيس الدين العلوي عن أبيه عن أحمد بن أبي الخير الشماخي عن شيخه الشراجي عن محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني عن عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد المعروف بابن الجوزي ﵀. فالكتاب إذن معروف لدى العلماء قديمًا وحديثًا، ولكنه لم يكن متداولاً بينهم إلا في الآونة الأخيرة حيث نقل عنه محققو كتاب (زاد المسير)، والدكتور مصطفى زيد في (النسخ في القرآن الكريم)، والدكتور شعبان محمّد في (نظرية النسخ في الشرائع السماوية)، وغيرهم من المعاصرين.

стр. 63

توجد هنا صورة من الورقة (٢) من ((م))

стр. 64

وصف النسخ المخطوطة: يوجد لدينا من كتاب (نواسخ القرآن) نسختان مخطوطتان فقط فيما وصل إليه العلم: النسخة الأولى: في مكتبة (مدينة) الملحقة بمكتبة طبقبوسراي بتركيا، تحت عنوان: (نواسخ القرآن) برقم: (١٨٢/ ١)، قياس: ١٤ x ١٩، في ١٣٦ ورقة. في كلّ صفحة خمسة عشر سطرًا. يوجد على غلافها، أنها مكتوبة في القرن التاسع الهجري بقلم معتاد. وقد تبيّن لي بعد تكبير الفيلم، وبعد مقارنتها مع النسخة الثانية، سقوط ورقة من مقدمة الكتاب وورقة أخرى من وسط الكتاب، ووجود بياض في أربع صفحات. كما ظهر لي تكرار الصفحة الأولى بخط مختلف عن الخط الذي يستمر به الكتاب إلى النهاية، وسوف أشير إلى ذلك كلّه في الهوامش إن شاء الله. والجدير بالذكر، أنه يوجد في الورقة الأولى منها ختم للمكتبة المحمودية بالمدينة المنوّرة الأمر الذي يوحي بأنها أصلاً من المدينة المنورّة، ويؤكد هذا ما وجدته في مجلة (المجمع العلمي العربي) الصادرة بدمشق سنة: (١٩٢٨م) في جزئها الثامن ص: ٧٥٨، أن كتاب (نواسخ القرآن لابن الجوزي) يوجد في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورّة ضمن نوادر مخطوطاتها. وينقل ذلك أيضًا صاحب كتاب مؤلّفات ابن الجوزي عن بروكلمان (١٩٩) عند ذكر هذا الكتاب.

стр. 65

وقد قمت بتصوير هذه النسخة من معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بمصر خلال رحلتي العلمية عام: ١٣٩٨هـ، وتجد هذه النسخة مكبرة اليوم في مكتبة قسم الدارسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورّة.

стр. 66

توجد هنا صورة من الورقة (١) من ((ك))

стр. 67

النسخة الثانية: وأما النسخة الثانية للكتاب فقد وجدناها في مكتبة خدابخش ببنكبور، الواقعة في ولاية يتنا، شمال شرق الهند وذلك تحت عنوان (الناسخ والمنسوخ) وتقع برقم: ١٨/ ١٤٨١، عدد أوراقها حسب ما كتب في فهرس المكتبة المذكورة (١٤٥) ثم بدا لي بعد تكبيرها وبعد المقارنة بينها وبين النسخة الأولى وجود نقص كبير في وسط الكتاب، حيث لم أجد في الميكروفيلم إلا (٩١) ورقة فقط وإنما كان هذا النقص من النساخ، لا من المصورين، بدليل أن بداية النقص كانت في وسط الصفحة حيث توجد العبارات التي لا صلة بينها متلاصقة في سطر واحد. وسوف أشير إلى أماكن النقص في الهوامش إن شاء الله. وذكر في فهرس مكتبة خدابخش أن هذه النسخة مكتوبة في القرن الثاني عشر من الهجرة تقريباً وقياسها ٤ x ٦.٠٥ سم و ٥ x ٨.٠٥ سم في كل صفحة ١٩ سطراً وكتابتها جيدة، ولكن الفيلم كان رديئاً جداً لذا تجد معظم أوراقها إما مسودة أو ساقطة العبارات أو ممسوحة غير واضحة. وتجد هذه النسخة مكبرة اليوم في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة. وقد قامت الجامعة بتصويرها، من نسختها الأصلية بالهند عام ١٣٩٧. ويقول عبد الحميد العلوجي نقلاً عن بروكلمان

стр. 68

(١٩٩) أن هناك نسخة أخرى لهذا الكتاب في خزانة المرحوم مصطفى بن محمود العمري بالموصل ببغداد، ولكن مع الأسف بعد جهد طويل وبحث شاق في جميع المكتبات ببغداد، بل وبعد الوصول إلى عقر دار الوارثين لمكتبة مصطفى محمود العمري، لم أتمكن من الحصول عليها كما لم أتمكن من التأكد من وجودها أو عدمها، من إجاباتهم المترددة. وقد أغناني الله بفضله بالنسختين الموجودتين، حيث كانت تغطي كل منهما نقص الأخرى ومساوئها غالباً. وأما مختصر عمدة الراسخ الذي تكرر ذكره سابقاً، فهو يقع في حجم صغير تبلغ أوراقه (١٤) فقط، وقد سقطت من الفيلم الورقة الرابعة وفي كل ورقة (٣٣) سطراً ما عدا الورقة الأخيرة ففيها (١٩) سطراً. وكان من حسن الحظ الحصول على هذا الكتاب القيم الذي يغلب على ظني أنه مختصر لكتابنا هذا. يقول المؤلف في مقدمته: "أما بعد: حمداً لله ذي العز الرفيع الشامخ، والصلاة على رسوله محمد ذي القدر المنيع الباذغ، فهذا حاصل التحقيق في علم المنسوخ والناسخ، وقد بالغت في اختصار لفظه لأحثّ الراغبين على حفظه، فالتفت أيها الطالب لهذا العلم إليه وأعرض عن جنسه تعويلاً عليه، فإن أنكرت زيادة بسط واخترت الاستظهار بقوة احتجاج أو ملت إلى

стр. 69

إسناد فعليك بالكتاب الذي اختصر هذا منه وهو كتاب عمدة الراسخ". وقد استعنت بهذا الكتاب المختصر كثيراً في تصحيح الكلمات وتقويم العبارات وتحديد موقف المؤلف من دعوى النسخ في كل آية وردت فيه فلله الحمد. الأصل في التحقيق ورمز النسختين: وقد تبيّن لنا مما ذكر في أوصاف النسختين: أن أقدم وأوضح وأكمل النسختين الموجودتين لدينا هي النسخة الأولى المكتوب عليها (نواسخ القرآن) كما تبيّن لنا أيضاً أنها أصلاً وابتداء كانت في المدينة المنورّة، فبناء على هذا وذاك جعلتها أصلاً وأساساً في التحقيق، كما اخترت ما عليها عنواناً للكتاب، لما فيه من التصريح بكلمة القرآن فيؤمن من الالتباس بين الناسخ والمنسوخ في الحديث، والناسخ والمنسوخ في القرآن. وكذلك جعلت رمز هذه النسخة (م) مشيرًا إلى أنها مدنية، ورمز النسخة الثانية (هـ) مشيرًا إلى أنها هندية.

стр. 70

منهج المؤلِّف وأسلوبه: ابن الجوزي ﵀ يسلك في هذا الكتاب مسلكًا جديدًا لمعالجة قضايا النسخ. وهو وإن كان موافقًا لأسلافه في عرض الآيات حسب ترتيب القرآن كابن حزم وابن سلامة، إلا أنّه يمتاز عنهم كثيرًا في سوق الآراء وعزوها إليهم حيث لا يكتفي بذكر القيل والقال ولا بعزو الأقوال، إنما ينقل كلّ ما أثر عن السلف بسند متصل منه إليهم، حتى كاد أن يكون كتابه موسوعة لكلّ كتاب صنف قبله في موضوعه. فيروي عن معظم المفسرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعن شيوخ المذاهب الفقهية، وأئمتها وعن كبار المحدّثين، والمفسرين بالمأثور. فقد وصل هذا الكتاب إلى درجة أنه يمكن الاستغناء به عن كثير مما صنف في موضوعه. وقد بدأ المؤلِّف بمقدمة رائعة يقرر فيها أن العلم عبارة عن التحقيق والتدقيق بالاجتهاد والاستنباط من الأدلة الصحيحة الثابتة، وليس مجرد نقول بتقليد السابقين تقليدًا أعمى، ولا عزو الآراء إلى كلّ من قال وروى. وبعد ذلك يهاجم المؤلِّفين في علم النسخ الذين لم يعنوا في معالجة قضايا النسخ بالأدلة الصحيحة الثابتة، فملؤوا كتبهم بالآراء الفاسدة. ثم يصف ما جاء بالكتاب بأنه إنقاذ لكلام الله من أباطيل هؤلاء الجهلة ويأتي بعده بفصل كبيان لمنهجه في الكتاب، فيقول:

стр. 71

"وقد قدمت أبوابًا قبل الشروع في بيان الآيات وهي كالقواعد والأصول للكتاب" فذكر ثمانية أبواب، وفي الباب الأوّل خمسة فصول، وفي الباب الخامس فصلان. ويذكر ضمن منهجه أنه أعرض عن ذكر الآيات التي ادُّعِيَ عليها النسخ بدون أي دليل عقلي أو نقلي، فذكر لذلك أمثلة من الآيات، لكن التزامه بعدم إيراد أمثال هذه الآية ليس على إطلاقه، بدليل أنه يقول في نهاية بيان منهجه "فقد ذكرت مما يقاربه طرفاً لأنبه بمذكوره عن مغفله" ولو أردت أن أمثل لذلك لطال الكلام أكثر من اللازم، والأمثلة كثيرة سيجدها القارئ مبثوثة في ثنايا الكتاب، إن شاء الله. وقد عقد المؤلِّف فصلاً ثالثاً قبل أن يشرع في الأبواب الثمانية يعيد فيه سبب تأليفه للكتاب، فيقول: "ولما رأيت المصنفين في هذا العلم قد تباينوا فمنهم من أطال بما لا حاجة لمثل هذا التصنيف إليه، ومنهم من قلد القائلين ولم يحكم على الاختلاف ببيان الصواب، ومنهم من نقص بحذف ما يحتاج إليه، أنبئك بهذا الكتاب متوسطاً"، ويختم المقدمة بالباب الثامن، يورد فيه السُّوَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مبدياً فيه موقفه الشديد ضد كل من يدعي النسخ في آية محكمة بدون بصيرة وعلم وبدون استناد إلى أدلة ثابتة حيث يقول: "زعم بعض المفسرين ... " فعد

стр. 72

تلك السورة المزعومة عليها النسخ، ويقول: "إن بيان التَّحْقِيقَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ يُظْهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَصْرَ تَخْرِيفٌ مِنَ الذين حصروه، والله الموفق". بعد هذه المقدمة المفيدة يستعرض ابن الجوزي حوالي مائتين وسبع وأربعين واقعة من الوقائع التي ادعى فيها النسخ، في اثنتين وستين سورة، ويعقد لكل سورة باباً مستقلاً، ما عدا سورة الكهف وعبس والتكوير فلم يبوب لها، لكون دعوى النسخ في سورة الكهف في غاية الضعف، ولكون مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي سورتي عبس والتكوير مُشابهاً لما في سورة الدهر السابقة. أما قضايا النسخ في هذا الكتاب، فهي وإن كانت كثيرة -لم يصح عند ابن الجوزي منها إلا ما يعد بالأصابع وبقية الوقائع إما أن يردها بالحجج ويثبت الإحكام - وهي كثيرة - وإما أن يقف موقف المحايد مكتفياً بما أورده من أقوال وأدلة تشهد لكل قول. ونحصر ذلك كله في الخاتمة التي تلي الكتاب إن شاء الله.

стр. 73

شدته في الرد على خصمه: نرى المؤلف ابن الجوزي ﵀، قويًّا شديداً في الرد على خصمه حين يخطئ ويذكر من المنسوخ ما ليس منه، فيقول: مثلاً - في سورة مريم عند ذكر آية ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٣٩) "زَعَمَ بَعْضُ الْمُغَفَّلِينَ مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الإِنْذَارَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السيف"، ثم يأتي في النهاية ويقول: "وَهَذَا تَلاعُبٌ مِنْ هَؤُلاءِ بِالْقُرْآنِ" ويقول في الآية التالية: "زعم ذلك الجاهل" ثم يقنعهم بالأدلة لعدم صلاحية أمثال هذه الآية للنسخ ويقول: "فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ وُجُودَ قَوْمٍ جُهَّالٍ يَتَلاعَبُونَ بِالْكَلامِ فِي الْقُرْآنِ ويدعون نسخ ما ليس بمنسوخ كل ذلك سوء فهم، نعوذ بالله منه". وأمثال ذلك كثير جداً في الوقائع التي لا يقول بنسخها. ما التزمه المؤلِّف في مقدمة الكتاب: وقد التزم في مقدمة الكتاب بأنه يرتب كلّ آية حسب ترتيب القرآن، كما التزم أيضاً تصحيح وقائع النسخ إن كانت صحيحة، وتبين الباطل إن كانت باطلة واختصار الأسانيد خوفاً من الملل. ولكن هل أخذ نفسه بما التزمه في كتابه كلّه؟ أم التزمه حيناً وانحرف عنه حيناً آخر؟ سوف يظهر لنا ذلك في نتائج البحث وتقويم الكتاب في نهاية البحث إن شاء الله.

стр. 74

ما استخدم من الرموز: نجد ابن الجوزي في النسختين يختصر في الكتابة على: ثنا، وهو قليل، وأبنا، وبنا، وهما كثيران. وبنى، لم أجده إلا في مكان واحد. فالأول - رمز لحدثنا مقبول متبع لدى المحدثين قديمًا وحديثًا. والثاني - رمز لأخبرنا، بحذف الخاء والراء، وقد فعله البيهقي وطائفة من المحدثين، قال عنه ابن الصلاح: "وليس هذا بحسن". وقال السخاوي عن كلام ابن الصلاح: "وكأنه فيما يظهر للخوف من أشباهها بأنبأنا، وإن لم يصطلحوا على اختصار أنبأنا كما نشاهده من كثيرين". وأما الثالث والرابع - بتقديم الباء ثم النون فلم أقف على أحد من المحدثين المتقدمين رمزوا بذلك ولو جعلناها اختصاراً لأنبأنا، أو نبأنا، أو أنبأني أو نبأني فهو شاذ غير متبع لدى أهل الحديث. ويمكن القول أن هذه الرموز لم يستخدمها ابن الجوزي، إنما كان ذلك من النساخ بدليل أننا نجد الناسخين يختلفان في استخدامها أثناء

стр. 75

الكتابة. فهذا يقول: أبنا، وهذا يقول بنا، ولم أشر إلى ذلك في الهامش لكثرتها، وإنما التزمت فيها ما يكتبه الناسخ للمدنية.
следующие страницы →