← Акыда

Акыда · id 21770

حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة العربية السعودية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه رسالة لطيفة مختصرة حول [حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ] رأينا نشرها للناس؛ لدعاء الحاجة، بل والضرورة لذلك، ولما نرى من جهل كثير من المسلمين، فضلا عن غيرهم بحقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، ووقوعهم فيما يخالفها مما يناقضها، أو يضاد كمالها، أو ينقص به إيمان العبد بها. فكان لزاما أن نبين ذلك؛ نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ امتثالا لأمر الله - سبحانه -:

стр. 3

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٢) وقوله : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٣) ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات. ولقوله ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ". قال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٥) » . رواه مسلم. فواجب على كل من عرف الحق بدلائله أن يبينه، وينشره بين الناس، سيما في هذه الأزمان التي اشتدت فيها

стр. 4

غربة الإسلام، وبات المعروف فيها منكرا، والمنكر فيها معروفا، وقل من يرفع رأسه بالحق ويظهره، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وسلوانا قول الرسول ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء (١) » فأسأل الله العلي القدير: أن يمن علينا بالهداية إلى الصواب، والتوفيق للحق والسداد، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يصلح لنا النية والعمل، وأن ينفع بما قيدناه في هذه الرسالة كل من اطلع عليها، ويجعلنا وإخواننا المسلمين من المتعاونين على البر والتقوى، إنه - سبحانه - جواد كريم.

стр. 5

صفحة فارغة

стр. 6

تمهيد وقبل البدء في ذلك أمهد بمقدمة أرى أنها نافعة. فأقول مستعينا بالله: لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح أمر ملائكته بالسجود له، وكان إبليس من الجن، وليس من الملائكة، وإنما دخل في خطابهم لتوسمه بأفعال الملائكة وتشبهه بهم، وتعبده وتنسكه، لكن حين أمروا بالسجود وسجد الملائكة، لم يسجد إبليس اللعين: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) ويقول - سبحانه - في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢) الآية. أبي أن يسجد لآدم

стр. 7

كبرا وحسدا وبغيا، فكان عقابه أن طرد من رحمة الله، وحلت عليه لعنة الله، لكن الخبيث ازداد بغيه، وعظم حقده على آدم وذريته، وطلب من الله الإنظار إلى يوم القيامة، فأنظره الله، عند ذلك قال - كما قص الله خبره -: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٢) والمعنى: أنه أقسم أن يضل عباد الله من بني آدم عن طريق الحق وسبيل النجاة؛ لئلا يعبدوا الله ولا يوحدوه، ويسلك شتى الطرق لصدهم عن الخير وتحبيب الشر لهم. ومثله قوله تعالى قاصا خبره: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤)

стр. 8

وقوله - سبحانه -: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) الآية فلم يزل بآدم ﵇ وذريته؛ وسوسة وإغواء وإضلالا، حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة، وقتل ابن آدم لأخيه، ولم يكفه هذا، فلما مر ببني آدم الزمان، وطال عليهم العهد بالنبوة - حسن إليهم الشرك، وأغواهم، فكان له ما أراد، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، ووقعوا في الشرك، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا

стр. 9

إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت، هذا ما قاله ابن عباس ﵄ كما في البخاري وروى ابن جرير، عن محمد بن قيس قال: (كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم) هكذا بدأ الشرك في بني آدم، بسبب إغواء إبليس لهم،

стр. 10

لكن الله - سبحانه - بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم هملا يغويهم إبليس وجنده، بل أرسل إليهم الرسل؛ لتبين لهم الدين الحق، وتحذرهم من الشرك والضلال؛ رحمة منه بعباده، وإقامة للحجة عليهم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) ويقول - سبحانه -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤) وفي [الصحيحين] عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم (٥)

стр. 11

الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ؛ ولذلك مدح نفسه» وفي لفظ لمسلم: «من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل (١) » وفي [الصحيحين] من حديث سعد بن عبادة ﵁: «ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين (٢) » فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم، وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم

стр. 12

إلى الطعام والشراب والدواء، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان، بل الرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) أرسل الله الرسل، وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم، وبلسانهم؛ ليبينوا لهم الدين الحق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) وكل أمة بعث فيها رسول، قال :

стр. 13

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ (١) وقال - سبحانه -: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢) بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام، وإخلاص الدين لله، وتجريد التوحيد له سبحانه، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) وفي الحديث عنه ﷺ : «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد (٥) » متفق عليه.

стр. 14

؛ إذ هذا مقتضى الرسالة، يقول : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) ولم تزل الرسل تتابع إلى أقوامهم لدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ (٢) الآية إلى أن جاء موسى وبعده عيسى ﵉، وظهرت في كتبهما البشارة بالنبي محمد ﷺ . يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٣) ويقول : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٤)

стр. 15

وبعد أن رفع عيسى ﵇، وطال ببني آدم العهد قبل بعثة النبي ﷺ حمل إبليس بخيله ورجله على بني آدم، فأضلهم ضلالا بعيدا، وأوقعهم في الكفر والشرك والضلال بصنوفه إلا قليلا منهم، وبلغ من حالهم أن مقتهم الله - سبحانه - عربهم وعجمهم إلا القليل. ثم بعث النبي محمد ﷺ الذي يقول: «يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة (١) » بعث والحال كما أخبر به ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم في [صحيحه] عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁، حيث قال ﷺ في خطبته: «ألا (٢)

стр. 16

إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان» . . الحديث فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله ﷺ ، بعثه رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، ومحجة على الخلائق أجمعين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فختم به

стр. 17

الرسل، وهدى به من الضلال، وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام به الملة العوجاء، وأوضح به المحجة البيضاء، ورفع الله الآصار والأغلال، وجعل رسالته عامة للإنس والجان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (١) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) أرسله الله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حرف الكلم، وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباد الله بمقالاتهم وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق،

стр. 18

وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأبصر به العمى، وأرشد به من الغي، وفرق به ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته، رؤوف رحيم بالمؤمنين، حريص على هداية الخلق أجمعين، عزيز عليه عنادهم وتعنتهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) خلاصة دعوته: البشارة، والنذارة، والدعوة إلى الله ببصيرة وحكمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) هو خاتم الأنبياء، وشريعته وكتابه المهيمن على سائر

стр. 19

الشرائع والكتب الناسخ لها: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ويقول : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة على من خالف أمره، ورفع له ذكره، فلا يذكر الله - سبحانه - إلا ذكر معه، كفى بذلك شرفا، وأعظم ذلك الشهادتان، أساس الإسلام، ومفتاح دار السلام، عاصمة الدماء والأموال والأعراض، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ . فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله سبحانه. وأركانها: النفي والإثبات: (لا إله) نافيا جميع ما يعبد

стр. 20

من دون الله، (إلا الله) مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له. وشروطها: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو: الكفر بما عبد من دون الله. وتحقيق هذه الشهادة: ألا يعبد إلا الله، وحقها: فعل الواجبات، واجتناب المحرمات. هذه جمل مختصرة في (شهادة أن لا إله إلا الله) ، أما تفاصيلها فلا تحتملها هذه الكلمة اليسيرة. ولما كان البحث في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، كان من المناسب أن نورد طرفا مما تمس الحاجة إلى العلم به من ذكر نسبة ومولده ومبعثه ووفاته ﷺ ، ثم ذكر شيء من أسمائه وخصائصه وصفاته الخلقية والخلقية، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 21

فصل في نسب النبي ﷺ يقول الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) جاء في بعض القراءات: " من أنفسهم " بفتح الفاء، أي: أنسبهم. وفي [صحيح مسلم] من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (٢) »

стр. 22

وفي [الصحيحين] (١) من حديث أبي سفيان - ﵁، وقصته مع هرقل، وسؤال هرقل له عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما سأله أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. . . إلى أن قال هرقل لأبي سفيان: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. هذا لفظ البخاري. فظهر بهذا أنه أكرم الناس نسبا، فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ونسبه ﷺ إلى هنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، لا خلاف فيه بينهم، وما فوق عدنان مختلف

стр. 23

فيه، وعدنان من ولد إسماعيل نبي الله ﵇، وإسماعيل هو ابن إبراهيم ﵇. وأم النبي ﷺ هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. . . إلى آخر النسب المذكور سابقا، فأبوه يلتقي مع أمه في جدهما: كلاب بن مرة. وكان وهب - أبو أمه - في ذلك الوقت هو سيد بني زهرة نسبا وشرفا، فاجتمع للنبي ﷺ شرف النسب من جهة أبيه وأمه.

стр. 24

فصل في مولده ﷺ ولد النبي ﷺ عام الفيل، بلا خلاف نعلمه بين أهل السير. وولادته: كانت يوم الإثنين جزما؛ لقوله ﷺ لما سئل عن صوم يوم الإثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه (١) » أخرجه مسلم من حديث قتادة ﵁. أما شهر الولادة وتاريخها فقد اختلف فيه: فقيل: في ثاني عشر من شهر ربيع الأول. وقيل: بل في الثامن منه. وقيل: بل ولد في رمضان. وقيل: ولد في سبع وعشرين من رجب، وهو أغربها.

стр. 25

فصل في مبعثه ﷺ وأوحي إليه ﷺ وهو ابن أربعين، وكان أول بدء الوحي أنه كان يتحنث في غار حراء، وفي مرة من المرات أتاه جبريل ﵇ فغطه غطه ثم أرسله، فقال: اقرأ. . . . الحديث، فكان هذا مبدأ أمره ﷺ . عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ (١)

стр. 26

مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢) ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٣) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: لخديجة وأخبرها الخبر: " لقد خشيت على نفسي ". فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان

стр. 27

يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : " أومخرجي هم؟ ! " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي» . أخرجه البخاري

стр. 28

فصل في وفاته ﷺ يقول الله مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢) ويقول : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣) وقد مات ﷺ بعد أن أدى الأمانة وبلغ رسالة ربه، وجاهد في الله حق الجهاد، ونزل القرآن شاهدا له ﷺ في آخر حياته، فقد نزلت آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤)

стр. 29

وقد نعى الله - سبحانه - إلى نبيه ﷺ أجله حين أنزل الله عليه سورة النصر، ففي [صحيح البخاري] عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) ؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ ! فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢) وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣)

стр. 30

فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١) وقبيل وفاته ﷺ خير بين زهرة الدنيا وما عند الله. فعن أبي سعيد الخدري ﵁، «أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده ". فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله ﷺ : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام، (٢)

стр. 31

لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» متفق عليه وجاء في [صحيح البخاري] من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ خرج في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة (١) » فذكره بنحوه. ولمسلم من حديث جندب: أن هذه الخطبة كانت قبل موته ﷺ بخمس (٢) ثم إن وفاة النبي ﷺ كانت كما يموت سائر البشر، لها سكرات، ثم فارقت روحه جسده، ثم ارتخى جسده ﷺ ؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري (٣)

стр. 32

ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك، فأشار برأسه: أن نعم، فلينته وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: " لا إله إلا الله، إن للموت سكرات " ثم نصب يده، فجعل يقول: " في الرفيق الأعلى " حتى قبض ومالت يده» . أخرجه البخاري وكان يوم وفاته ﷺ هو يوم الإثنين، كما صح ذلك من حديثي: أنس (١) وعائشة (٢) ﵄، وأخرجه البخاري في [صحيحه] .

стр. 33

وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة باتفاق، وفي شهر ربيع الأول، قال ابن هشام في [السيرة النبوية] له: قالوا كلهم: وفي ربيع الأول. غير أنهم قالوا، أو قال أكثرهم: في الثاني عشر من ربيع، ولا يصح أن يكون توفي ﷺ إلا في الثاني من الشهر، أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر؛ لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت فقد كان ربيع الأحد أو الإثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الإثنين بوجه إلخ.

стр. 34

وكان عمره ﷺ يوم وفاته ثلاثا وستين سنة، كما صح ذلك عن جمع من الصحابة ﵃، كعائشة (١) ﵂، وابن عباس (٢) ﵄ وغيرهما. وقد جرى له ﷺ فيما بين مبعثه إلى أن توفاه الله أحداث عظيمة جسيمة، ومواقف نبوية كريمة، دعا فيها إلى سبيل ربه، وصبر وصابر، وجاهد وهاجر، واحتمل الأذى إلى أن كتب الله له ولصحبه ولدينه الظهور والاستعلاء والنصر، فما مات ﷺ إلا وقد بلغ رسالات ربه، فهو ﷺ قد توفي ودينه باق إلى يوم القيامة، وهو محفوظ بحفظ الله له، ظاهر بوعد الله بذلك، منصور عال

стр. 35

على كل الملل والطوائف، وأهله المحققون له هم الغالبون ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٤) والاعتناء بسيرته ﷺ وما قام به من نصرة دين الله والقيام بحقه وما لحقه من أذى في سبيل ذلك، وسيرته في جهاده لأعداء الله، وأنواع سيرته وهديه - كل هذا من الأمور التي ينبغي لكل مسلم العناية بها ومدارستها، إذ هي الحق المحض، وهي سيرة من جعل الله له الكمال البشري، سيرة سيد الخلق، وأعظمهم، وأكرمهم، وأفضلهم على الإطلاق.

стр. 36

ولو ذهبنا نذكر شيئا يسيرا من بعض جوانب سيرة هذا النبي العظيم ﷺ لاحتمل المقام أسفارا عظيمة، ولما وفينا المقام حقه، لكنا قصدنا بهذه الرسالة اللطيفة التنبيه على أهم المهمات في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، مما لا بد لكل مسلم ومسلمة من معرفته وتحقيقه وتطبيقه؛ لينجو من عذاب الله. وقانا الله وإياكم وسائر إخواننا المسلمين موجبات سخط الله، وجعلنا وإياكم من المتعرضين لنفحات رحمته ، إنه - سبحانه - جواد كريم.

стр. 37

فصل في أسمائه ﷺ كثرة الأسماء دالة على عظم المسمى، وأسماء النبي ﷺ دالة على معان عظيمة، وأعظم أسمائه وهو العلم عليه ﷺ إذا أطلق اسمه (محمد) ، وهو الذي سماه الله به في القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) ، ويقول - سبحانه -: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (٣) ، ويقول - سبحانه -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٤)

стр. 38

وهو أجل أسمائه ﷺ ، يقول حسان بن ثابت ﵁: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد وأصل البيت لأبي طالب، ضمنه حسان ﵁ قصيدته. ومن أسمائه ﷺ : أحمد، وهو الاسم الذي ذكره عيسى ﵇ في بشارته ببعثة النبي ﷺ ، كما أخبر الله عنه، فقال : ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) ومن أسمائه ﷺ : المتوكل، كما جاء في حديث

стр. 39

عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ في ذكر صفة النبي ﷺ في التوراة، حيث جاء فيه «وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل (١) » . . . الحديث. أخرجه البخاري، وسيأتي ومن أسمائه ﷺ ما جاء في حديث جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد (٢) » متفق عليه. وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء، منها ما حفظنا، ومنها ما لم نحفظ، قال: " أنا محمد، وأحمد، والمقفي، (٣)

стр. 40

والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» أخرجه مسلم. ومعنى اسمه ﷺ (محمد) : هو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته، وإجلاله، وتعظيمه، وبني على زنة (مفعل) مثل معظم ومحبب ومسود ومبجل ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم الفاعل، فمعناه: من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة. . .، وإن اشتق منه اسم المفعول فمعناه: من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى؛ إما استحقاقا أو وقوعا، فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى، أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى
следующие страницы →