← Фатава

Фатава · id 21771

رسائل وفتاوى عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[رسائل وفتاوى عبد العزيز آل الشيخ]ـ المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [الكتاب مرقم آليا]

стр. 2

أخي المعلم. . أختي المعلمة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية من عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ إلى عموم إخوانه وأخواته من المعلمين والمعلمات: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . . أما بعد: ففي هذه الأيام نستقبل عاما دراسيا جديدا نسأل الله أن يجعله عام خير وبركة وعز للإسلام وأهله؛ وبهذه المناسبة أحببت أن أشارك إخواني وأخواتي المعلمين والمعلمات همهم وأتعاون معهم على تأدية رسالة التعليم على الوجه الذي يرضي رب العالمين، وذلك من خلال كلمات أبثها لإخواني وأخواتي نصيحة لوجه الله ، وتذكيرا لهم ببعض الجوانب التي رأيت أهمية التذكير بها؛ أسأل الله أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم نافعة لعباده المؤمنين إنه سبحانه بر رؤوف رحيم. أساليب للتعليم مقترحة مستقاة من الوحيين: وإن مما يؤسف له تتابع أهل الإسلام إلى نظريات غربية وشرقية في التربية والتعليم ليست إلا نتاج عقول البشر وخلاصة تجاربهم، وإن كان مثل هذا يمكن أن يستفاد فيه من غير المسلم وما كان مرجعه إلى التجربة فهو مشاع الانتفاع به بين البشر ما لم يخالف مقتضى الشرع. والمقصود هنا بيان بعض الطرق النافعة للتعليم وحفز الأذهان وهي مأخوذة من الكتاب والسنة: ١ - ضرب الأمثال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (١) . ٢ - القصص: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢) ومنه تشبيه النبي ﷺ : الجليس الصالح والجليس السوء.

стр. 3

٣ - ومنها ابتدار الطلاب السؤال لشد انتباههم. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ (١) ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) . ويقول ﷺ : «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله (٣) » وهكذا في أمثلة كثيرة. ٤ - مبادرة الطلاب بما يثير تساؤلهم تحفيزا لأذهانهم. من ذلك: «أن النبي ﷺ صعد المنبر يوما فقال: آمين. . آمين. . آمين قال: إن جبريل أتاني، فقال من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين؛ فقلت: آمين (٤) » . . الحديث. ٥ - ومنها طرح المسألة على الطلاب وتركهم يستنتجون حلها. وقد فعل هذا نبينا ﷺ ، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي معه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل له: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومنهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم، فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (٥) » الحديث.

стр. 4

٦ - أن يستعين المعلم بزميل له ملم بموضوع الدرس: فيحضر معه الدرس ويجلس جلوس الطلاب، ثم يبدأ مع زميله حوارا حول مفردات موضوع الدرس حتى يأتي على جمع ما يحتاج الطلاب فهمه في هذا الدرس بأسلوب متدرج هادئ حواري، يشد أذهان الطلاب ويجعلهم يستوعبون درسهم. كما فعل جبريل ﵇ مع النبي ﷺ حين جلس عنده مجلس المتعلم والصحابة ﵃ شهود، وهو يسأله عن أمور الدين ليعلم الصحابة، فقال النبي ﷺ : «يا عمر أتدري من السائل؟ قال عمر: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم (١) » أخرجه مسلم. ومن تتبع الكتاب والسنة وجد من ذلك الكثير النافع، والتنويع في الأساليب أنفع وهو هدي النبي ﷺ . هذه جملة مما أحببنا أن نشارك به إخواننا وأخواتنا من المعلمين والمعلمات. بمناسبة بداية العام الدراسي أسأل الله للجميع التوفيق والسداد وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم مقربا عنده زلفى وأن يصلح نياتنا وذرياتنا ويتقبل صالح أعمالنا ويتجاوز عن سيئها كما أسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يظهر الهدى ودين الحق على الدين كله ولو كره المشركون وأن يجمع كلمة المسلمين على طاعته ويؤلف بين قلوبنا، إنه سبحانه جواد كريم وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 5

أقسام المياه لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:

стр. 6

إخوة الإسلام، فإن الله سبحانه قد شرع لنا دين الإسلام ومن علينا بأن أكمله وأتمه ورضيه لنا دينا، وما توفي النبي ﷺ ، إلا وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وقد تلقى هذا الدين والعلم عنه أصحابه ﵃، فبلغوه كما سمعوه وأدوا أمانته فرضي الله عنهم وأرضاهم، وهكذا من بعدهم إلى أن وصل إلينا محفوظا مبينا، وكان الناس في تلقي هذا العلم والنور على درجات، أكملها من فقه في دين الله ونفعه ما بعث الله به نبيه ﷺ ، وأخسرهم صفقة من لم يرفع به رأسا، فعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (١) » أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري. فظهر من هذا الحديث أن أفضل خلق الله هو: من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعث به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق، وهو مع ذلك علم العلم ثم علمه فانتفع به في نفسه ونفع به غيره من خلق الله، وهذا دأب العلماء الربانيين الصالحين المصلحين - نظمنا الله في سلكهم وهدانا لسلوك طريقهم وجادتهم -.

стр. 7

وقد جاء في البخاري أيضا من حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » فعلامة إرادة الله الخير بعبده أن يفقهه في دينه، هذا وإن لعلمائنا ﵏ سلفا وخلفا يدا طولى في بيان دين الله. عقيدة وشريعة على مر القرون، حتى وصل إلينا سهلا ميسرا عذبا نميرا في بطون الكتب، لا تحتاج إلا إلى همة في البحث والتعلم، مع الضراعة إلى الله سبحانه وسؤاله التوفيق والسداد، ثم إن من المعلوم أن العلماء في المسائل الفقهية خاصة لا زالوا يختلفون، وأسباب خلافهم كثيرة جدا، ذكر طرفا منها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه النافع: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ومن جملة الأسباب: أن يكون العالم أو الإمام لم يبلغه في المسألة الدليل الذي بلغ العالم الآخر فيقول بخلاف قوله.

стр. 8

ومنها: أن يبلغه الدليل لكنه يفهمه فهما بخلاف ما فهمه غيره من العلماء، أو يظن نسخه أو ترجيحه أو غيرها من الأسباب المبسوطة في مظانها، والواجب على طالب العلم إذا ورد عليه مثل هذه المسائل أن يجتهد في البحث واستقصاء الأدلة وما يرد على الأدلة من مناقشات ويكرر النظر ويدققه حتى يخرج بالرأي الذي تطمئن إليه نفسه، ويدين به ربه سبحانه، ثم مع هذا ليتق الله في علماء الأمة وليسلم لسانه من أعراضهم، أو الطعن في قصورهم ونياتهم، أو تتبع زلاتهم وهناتهم، فإن العالم كما لا يتبع في زلته فإنه لا يتبع بزلته؛ بل يعتذر عنه ويستغفر له ويظن فيه الظن الحسن ما دام على الجادة الحق سائرا وعن كتاب ربنا وسنة نبينا محمد ﷺ صادرا وإليها واردا، فذاك حق له الدعاء والاستغفار، والله تعالى يقول في شأن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) . فنسأل الله لعلمائنا المغفرة والرحمة، كما نسأله سبحانه أن يرفع درجاتهم ويعلي منازلهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويحشرنا وإياهم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ولما كان الأمر بهذه المثابة فإنا قد اخترنا أن تكون افتتاحية هذا العدد المبارك من مجلة البحوث، في مسائل فقهية تمس الحاجة إليها، وعادة العلماء البداءة بكتاب الطهارة؛ لأنه مفتاح الصلاة والصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ويبدءون من كتاب الطهارة بباب المياه ونحن على سننهم سائرون وبهم مقتدون، والله سبحانه الموفق والمعين. فنقول: باب المياه فيه مسائل: المسألة الأولى: في تقسيم الماء وهل هو منقسم إلى قسمين أو ثلاثة، وبعبارة أخرى هل الطهور بمعنى طاهر أو أنه قسم له؟ في المسألة خلاف: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر. أدلتهم:

стр. 9

١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) ، فقوله: (طهور) يراد به ما يتطهر به؛ يفسر ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢) . ٢ - ما أخرجه الشيخان عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٣) » أي مطهرة، والأمة إنما خصت بجعل الأرض لهم مطهرة لا بكونها طاهرة، لأنها طاهرة في حق كل أحد. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ الصحيح أن رسول الله ﷺ لما سئل عن ماء البحر قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٤) » أخرجه الترمذي. وجه الدلالة: أن من المعلوم أنهم إنما سألوا عن التطهر بماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم يفهمون من الطهور أنه المطهر، لم يحصل الجواب. ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم أن النبي ﷺ قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا (٥) » والمعنى: مطهر إناء أحدكم. القول الثاني: قول الحنفية، وهو اختيار الخرقي من الحنابلة، وهو محكي عن الحسن البصري، وسفيان، وأبي بكر الأصم، وابن داود، وقول بعض أهل اللغة: إن الطهور هو الطاهر. أدلتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٦) .

стр. 10

وجه الدلالة: أن هذه الآية في بيان نعيم أهل الجنة، ومعلوم أن أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث ولا نجس، فعلم أن المراد بالطهور الطاهر. ٢ - قال جرير في وصف النساء: خليلي هل في نظرة بعد توبة ... أداوي بها قلبي علي فجور إلى رجح الأكفال هيف خصورها ... عذاب الثنايا ريقهن طهور وجه الدلالة: أنه وصف الريق بأنه طهور والريق لا يتطهر به. وإنما مراده أنه طاهر. ٣ - قالوا: إن العرب لا تفرق بين الفاعل والفعول في التعدي واللزوم، فما كان فاعله لازما كان فعوله لازما بدليل قاعد وقعود ونائم ونئوم وضارب وضروب. وقد أجاب الجمهور عن أدلتهم: ١ - أما قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (١) فيجاب عنه بأن الله تعالى وصف الشراب بأعلى الصفات وهي التطهير. ٢ - وقول جرير أجابوا عنه بقولهم: إنه حجة لنا؛ لأنه قصد تفضيلهن على سائر النساء، فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره، ولا يصح حمله على ظاهره، فإنه لا مزية لهن في ذلك، فإن كل النساء ريقهن طاهر، بل البقر والغنم وكل حيوان غير الكلب والخنزير. ٣ - وأجابوا عما احتجوا به من حجة اللغة، بأنه غير مستقيم؛ لأن العرب فرقت بين الفاعل والفعول، فقالت: قاعد لمن وجد منه القعود وقعود لمن يتكرر ذلك منه. فينبغي أن يفرق بينهما هاهنا، وليس إلا من حيث التعدي واللزوم. وقد نقل صاحب الاختيارات عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية تحقيقا جيدا في هذه المسألة يحسن إيراده، قال ﵀: وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل، يراد به اللزوم والتعدي النحوي اللفظي. ويراد به التعدي الفقهي. فالأول هو أن يراد باللازم: ما لم ينصب المفعول به، ويراد بالمتعدي: ما نصب المفعول به. فهذا لا تفرق العرب فيه بين فاعل وفعول في اللزوم. فمن قال: إن فعول هذا بمعنى فاعل - من أن كلا منهما مفعول به - كما قال كثير من الحنفية، فقد أصاب. ومن اعتقد أن فعول بمعنى فعل الماضي، فقد أخطأ. وأما التعدي الفقهي فيراد به: أن الماء الذي يتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان كالأدهان والألبان.

стр. 11

وعلى هذا فلفظ " طاهر " في الشرع أعم من لفظ طهور فكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهور. وقد غلط الفريقان في ظنهم أن طهورا معدول عن طاهر. وإنما هو اسم لما يتطهر به. فإن العرب تقول: طهور ووجور لما يتطهر به ويوجر به، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر، فطهور هو صيغة مبنية لما يفعل به، وليس معدولا عن طاهر. ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) وقال في الآية الأخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢) إذا عرفت هذا فالطاهر يتناول الماء وغيره. وكذلك الطهور فإن النبي ﷺ جعل التراب طهورا، ولكن لفظ " الطاهر " يقع على جامدات كثيرة، كالثياب والأطعمة. وعلى مائعات كثيرة، كالأدهان والألبان وتلك لا يمكن أن يطهر بها، فهي طاهرة ليست بطهور. اهـ. أما فائدة هذا الخلاف فمن الناس من قال إنه لا فائدة فيه. ومنهم من رأى أنه فيه فائدة. فقال القاضي أبو يعلى: فائدته: أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء لاختصاصه بالتطهير، وعندهم تجوز لمشاركته غير الماء في الطهارة. قال أبو العباس: وله فائدة أخرى وهي: أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرا، كما دل عليه قوله ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (٣) » ، وغيره ليس بطهور، فلا يدفع، وعندهم الجميع سواء. اهـ. وقول القاضي ومن بعده ابن تيمية عندهم يعني الذين سووا بين الطاهر والطهور وهم الحنفية ومن نحا منحاهم. هذا وإن مما يدخل في الماء الطهور ما يلي: ماء السماء، يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٤)

стр. 12

ويدخل فيه ماء الثلج والبرد، ففي الحديث: ". . . «اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد (١) » . ويدخل فيه ماء البحر على الصحيح؛ لقول النبي ﷺ : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٢) » . ويدخل فيه ماء الآبار، والأصل فيها حديث بئر بضاعة، وهي بئر كانت تلقى فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن. فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء (٣) » أخرجه الترمذي وأبو داود. ويدخل فيه الماء المتغير من طول المكث وهو الماء الآجن. قال ابن المنذر ﵀ بعد أن ساق جملة من الآيات في الماء - قال أبو بكر: قال الشافعي بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) الآية. فكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان الله في الآية أن الغسل بالماء، وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان الله في الآية أن الغسل بالماء، وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله مما لا صنعة فيه للآدميين، وذكر الماء عاما، فكان ماء السماء وماء الأنهار، والآبار، والقلات، والبحار، العذب من جميعه والأجاج سواء، في أن من توضأ به أو اغتسل به. قال أبو بكر: أما حمل المياه التي ذكرها الشافعي، فلا اختلاف بين كل من أحفظ عنه، ولقيته من أهل العلم أن المتطهر به يجزي، إلا ماء البحر فإن فيه اختلافا وأخبارا عن بعض المتقدمين اهـ.

стр. 13

هذا وإنه قد بقي من أنواع المياه غير النجسة التي نحب التنبيه عليها بخصوصها ثلاثة أنواع: الماء المسخن، وماء زمزم، والماء المستعمل. فأما المسخن فنوعان: ١ - المسخن بالشمس، ويسمى المشمس، وقد ضبط صاحب المنهاج من الشافعية المشمس فقال: " وضابط المشمس أن تؤثر فيه السخونة بحيث تفصل من الإناء أجزاء سمية تؤثر في البدن لا مجرد انتقاله من حالة لأخرى بسببها ". وهذا قد كرهه بعض الفقهاء كالشافعي ﵀، وهو المعتمد عند المالكية، وقول لبعض الحنفية. وقالوا: إن كراهته من جهة أنه يورث البرص وقد روى الشافعي عن عمر ﵁ كراهية الاغتسال به. وقالوا: إن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف أن تقبض عليه فيحتبس الدم فيحصل البرص. وقد اشترط بعضهم للكراهية شروطا منها: أن يكون استعماله ببلاد حارة، وفي آنية منطبعة كحديد ونحاس، بخلاف الخزف والخشب والجلود والحياض وبخلاف المنطبع بالذهب والفضة، واشترطوا أيضا للكراهة أن يستعمل في حال حرارته. هذا ملخص ما قاله الشربيني في مغني المحتاج. والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة، وجمهور الحنفية، جواز استعماله مطلقا بلا كراهة. والذي يظهر أنه إن ثبت أن فيه ضررا على البدن كره من هذه الجهة، وإلا فلا يكره. والقسم الثاني من المسخن: هو المسخن بالنار: عامة أهل العلم على جواز التطهر به، قال ابن المنذر ﵀ بعد أن ساق طرفا من آية التيمم: (فالماء المسخن داخل في جملة المياه التي أمر الناس أن يتطهروا بها، وروينا عن النبي ﷺ أنه قال: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١) » وممن روينا عنه أنه رأى الوضوء بالماء المسخن: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك - وساق بعض الآثار - ثم قال: " وهو مذهب عطاء، والحسن أبي وائل وكذا قال كل من نحفظ عنه من أهل المدينة، وأهل الكوفة، وكذلك قال الشافعي، وأبو عبيد وذكر أنه قول أهل الحجاز والعراق جميعا ".

стр. 14

قال: وروينا عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء الساخن والذي - روى عنه ذلك ليث، وليس لكراهيته لذلك معنى. اهـ. لكن إن سخن الماء بنجس فللحنابلة تفصيل فيه وهو عندهم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء فينجسه إذا كان يسيرا. الثاني: ألا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء والحائل غير حصين، فالماء على أصل الطهارة، ويكره استعماله، والشافعي لا يكره استعماله. الثالث: إذا كان الحائل حصينا، فمنهم من كرهه أيضا كالقاضي أبي يعلى، ومنهم من قال: لا يكره، كالشريف أبي جعفر، وابن عقيل. ولعل الصواب عدم الكراهة؛ لعدم الدليل الموجب لها. والله أعلم. أما ماء زمزم فقد كره بعضهم الوضوء والغسل بها؛ لقول العباس بن عبد المطلب ﵁: لا أحلها لمغتسل، لكن لمحرم حل وبل. ولأنه يزيل به مانعا من الصلاة، أشبه إزالة النجاسة به، وهذا المذهب من مفردات الحنابلة. القول الثاني: عدم كراهة الوضوء والغسل منه. دليلهم ما ثبت «أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم وتوضأ فيه (١) » ، كما في زوائد المسند عن علي ﵁، قالوا: إن قول العباس هذا لم يثبت عنه بل هو ثابت عن أبيه عبد المطلب، ولو ثبت عن العباس فإنه لم يؤخذ بصريحه في التحريم ففي غيره أولى، وأيضا فإن شرف الماء وبركته لا يوجب كراهة استعماله؛ بدليل الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ ؛ ولأن ماء زمزم يدخل في مطلق الماء. وهذا مذهب الجمهور كما نقله عنهم النووي وصاحب مواهب الجليل. ولعله الصواب إن شاء الله. لكن بعض العلماء كره استعماله في إزالة النجاسة، وبعضهم قال: هو خلاف الأولى، وآخرون بالغوا فقالوا بالتحريم. وبكل حال فلا دليل على تخصيص ماء زمزم بشيء مما ذكر فهو ماء كسائر المياه، إلا أن له شرفا لبركته التي أخبر عنها النبي ﷺ ، وهذا لا يوجب تحريم استعماله في إزالة النجاسة، ولا كراهته وإن كان الأولى عدم إزالة النجاسة به مع وجود غيره. أما الماء المستعمل: فهو الماء الطهور الذي استعمل في رفع الحدث، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هل الماء المستعمل طاهر أم نجس؟

стр. 15

فيه خلاف: القول الأول: أنه طاهر، وبه قال عامة الفقهاء سلفا وخلفا، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ورواية عن أبي حنيفة هي المشهورة عنه، وقول محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية. الأدلة: ١ - استدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «مرضت فجاءني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فأتاني وقد أغمي علي، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب وضوءه علي فأفقت (١) » . . . الحديث أخرجه الشيخان. ٢ - قول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (٢) » أخرجه الترمذي وغيره، وقد صححه النووي، قالوا: فيبقى على عمومه إلا ما خصه الدليل. ٣ - أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، كانوا يتوضئون ويتقاطر على ثيابهم ولا يغسلونها. فدل على طهارة الماء المستعمل. ٤ - أن الصحابة ﵃، كانوا يتبادرون إلى فضل وضوء النبي ﷺ فيتمسحون به للتبرك به، ولا يمكن أن يقرهم على التمسح بنجس، ومن ذلك ما أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به (٣) » . . . الحديث. ٥ - ولأن النبي ﷺ وأصحابه ونساءه كانوا يتوضئون في الأقداح والأتوار ويغتسلون في الجفان، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل؟ ولهذا قال إبراهيم النخعي: ولا بد من ذلك. فلو كان المستعمل نجسا لنجس الماء الذي يقع فيه.

стр. 16

٦ - قالوا: ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فكان طاهرا، كالذي غسل به الثوب الطاهر، والدليل على أن المحدث طاهر ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: " سبحان الله إن المسلم لا ينجس (١) » متفق عليه. القول الثاني: أن الماء المستعمل نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة رواها أبو يوسف، والحسن بن زياد، إلا أن أبا يوسف رأى أن نجاسته مخففة، والحسن رأى أنها مغلظة. الأدلة: ١ - قول النبي ﷺ : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة (٢) » قالوا: فقرن فيه بين البول فيه والاغتسال منه، والبول ينجسه فكذلك الاغتسال، وقالوا أيضا: حرم الاغتسال في الماء القليل، ولولا أنه ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام، فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال؛ وذا يقتضي التنجيس به. ٢ - قالوا: إن المحدث قد خرج شيء نجس من بدنه به يتنجس بعض البدن حقيقة، فيتنجس الباقي تقديرا، فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء فيصير الماء نجسا تقديرا وحكما. المناقشة للأدلة: نوقش استدلالهم بالحديث وأجيب عنه بعدة أجوبة ملخصها ما يلي:

стр. 17

١ - أن دلالة الاقتران ضعيفة - قد قال بها أبو يوسف والمزني - وخالفهما غيرهما من الفقهاء والأصوليين، ومما يرد عليهما قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) فلا يلزم من اقتران الأكل بإيتاء الزكاة وجوب الأكل. ٢ - أن رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة لهذا الحديث هي كما أخرجه الشيخان ولفظهما «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه (٢) » وفي رواية لمسلم «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب (٣) » فقيل لأبي هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا ". أما الرواية المستدل بها عند أبي يوسف والحسن بن زياد فيما يرويانه عن أبي حنيفة، فإنها مما أخرجه أبو داود ولفظها مخالف لما في الصحيحين. وهذا ما أشار إليه البيهقي في سننه ورجح ما في الصحيحين على رواية أبي داود. ٣ - وهو جواب من يرى أن الماء المستعمل طاهر غير طهور كما سيأتي بيانه إن شاء الله، قالوا: إن النهي في الحديث إنما يدل على أنه يؤثر في الماء وهو المنع من التوضؤ به، والاقتران يقتضي التسوية في أصل الحكم، لا في تفصيله. ٤ - وقيل: إن وجه النهي في الحديث ليس لأنه ينجسه، وإنما لأجل أنه يقذره ويؤدي إلى تغيره. وهذه الأجوبة ملخصة من المجموع للنووي والمغني لابن قدامة وطرح التثريب للعراقي وغيرها.

стр. 18

٢ - أما ما استدلوا به من أن الحدث نجاسة حكمية على سائر أعضاء البدن فغير مسلم؛ لما سبق من حديث أبي هريرة ﵁ وقول النبي ﷺ : «سبحان الله إن المسلم لا ينجس (١) » . . . "، ولحديث عائشة ﵂ وقول النبي ﷺ لها: «إن حيضتك ليست في يدك (٢) » أخرجه مسلم. هذا وإن الصواب في هذه المسألة هو: أن الماء المستعمل لا يتنجس بالاستعمال؛ لعدم الدليل الناهض لهذا القول مع توافر الأدلة الدالة على عدم النجاسة، مع أن الأصل في المياه هو الطهارة ما لم يطرأ عليها ما ينجسها، وما ذكروه من التعليل بأن الحدث نجاسة حكمية هذا لا يصح؛ لأن المسلم لا ينجس. والله أعلم. المسألة الثانية: هل الماء المستعمل طهور أم أن الاستعمال يسلبه الطهورية فيكون طاهرا غير مطهر؟ وهذه المسألة قد وقع فيها خلاف كبير ومشهور على قولين: القول الأول: أنه طاهر مطهر: وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وسفيان الثوري، وأبي ثور والزهري، والأوزاعي ومالك في أشهر الروايتين عنهما، وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة ﵃. وهو أيضا إحدى الروايات عن أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد اختارها ابن عقيل وأبو البقاء، وإليه مال صاحب الشرح الكبير وقواه صاحب الإنصاف، وهو مذهب الظاهرية، وقول ابن المنذر واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. الأدلة: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) قال ابن المنذر - يرحمه الله - فلا يجوز لأحد أن يتيمم وماء طاهر موجود.

стр. 19

٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ: " وطهور على مثال شكور وصبور، إنما يستعمل فيما يكثر منه الفعل وهذا يقتضي تكرار الطهارة بالماء ". ٣ - حديث الربيع بنت معوذ ﵂ «أن النبي ﷺ مسح رأسه من فضل ماء في يده فبدأ بمؤخر رأسه إلى مقدمه ثم جره إلى مؤخره (٢) » . ٤ - قول النبي ﷺ : «إن الماء لا يجنب (٣) » . أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وجه الدلالة: أن بعض أزواج النبي ﷺ وهي ميمونة قد اغتسلت في الجفنة من الجنابة، والنبي ﷺ توضأ منها وأنكر على زوجه لما قالت: إنها اغتسلت فيها من الجنابة فقال: «إن الماء لا يجنب (٤) » فدل على طهوريته. ٥ - من جهة القياس: أن رفع الحدث بالماء مرة لا يمنع من رفعه به ثانية كرفعه من آخر العضو بعد تطهير أوله. قال ابن حزم: " وأما من الإجماع فلا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن كل متوضئ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه وهكذا كل عضو في الوضوء وفي غسل الجنابة، وبالضرورة والحس يدري كل مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت ثم غسل به أول الذراع ثم آخره، وهذا ماء مستعمل بيقين ". ٦ - ما ذكره ابن حزم أيضا حيث يقول: " ثم إنه يرد يده إلى الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو، فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر، فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر ". ٧ - أنه ماء طاهر لاقى بدنا طاهرا فلم يسلبه الطهورية.

стр. 20

قال ابن المنذر ﵀: " فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو صب ماء على وجهه أو ذراعيه فسال ذلك عليه وعلى ثيابه أنه طاهر لاقى بدنا طاهرا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر وجب أن يتطهر به من لا يجد السبيل إلى ماء غيره ولا يتيمم وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبي ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك (١) » . فأوجب الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ الوضوء بالماء والاغتسال به على كل من كان واجدا له ليس بمريض ". اهـ. ٨ - أن ما أدي به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد، وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا. وقد نوقشت بعض هذه الأدلة بمناقشات نذكر منها: ١ - الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢) أجيب عن الاستدلال بها من وجهين: (أ) عدم التسليم بأن فعول تقتضي التكرار هنا؛ لأنها تأتي في العربية للتكرار ولغيره. (ب) أن المراد بطهور: المطهر والصالح للتطهير والمعد لذلك. ٢ - الاحتجاج بحديث الربيع وفيه: «أن النبي ﷺ مسح رأسه بفضل ماء كان في يده (٣) » . وأجيب عنه بأن هذا لفظ أبي داود في سننه وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه «رأى النبي ﷺ توضأ فذكر صفة الوضوء إلى أن قال: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه (٤) » .

стр. 21

قال النووي ﵀: " وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا "، قال: " فإذا ثبت هذا فالجواب عن الحديث من أوجه: (أ) أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف عند الأكثرين، وإذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره، ولأن هذا الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمد، قال البيهقي: قد روى شريك عن عبد الله في هذا الحديث " فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره ". (ب) لو صح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه ومسح رأسه ببقيته. (ج) يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد. ٣ - أما الجواب على دليل القياس على الماء المتردد على العضو الواحد فقالوا: إنا لا نحكم بالاستعمال ما دام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة ولا حرج. ٤ - الجواب عن القياس على التراب الذي تيمم به جماعة والكفارة وكذلك الثوب: أما التراب فجوابه أن المستعمل ما علق بالعضو أو سقط عنه على الأصح، أما الباقي في الأرض فغير مستعمل، فليس كالماء. أما طعام الكفارة فقالوا: إنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود الملك فيه فتطهيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين ونحن نقول به على الصحيح. وأما الثوب فقالوا: إنه لم يتغير من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف الماء. القول الثاني: أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر، وهو مذهب الشافعي والمذهب عند الحنابلة ورواية عن مالك وعن أبي حنيفة. الأدلة: ١ - حديث الحكم بن عمرو ﵁ «أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة (١) » أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم قال الترمذي: حديث حسن. وجه الاستدلال: أن المراد بفضل طهورها ما سقط من أعضائها؛ لأن الباقي في الإناء مطهر باتفاق.

стр. 22

٢ - حديث أبي هريرة ﵁: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب (١) » . أخرجه مسلم. وجه الاستدلال: أن المراد من نهيه لئلا يصير مستعملا. ٣ - أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى فتركه يدل على امتناعه. ٤ - القياس على المستعمل في إزالة النجاسة. المناقشة: ١ - أما الحديث الأول الذي فيه نهي النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، فهو ضعيف كما قال البخاري ﵀: ليس هو بصحيح. ٢ - حديث أبي هريرة وأجابوا عنه: بأن المراد بالنهي عدم تقذير الماء، أو أنه ﷺ نهى عن ذلك؛ لئلا يتكرر فيتغير الماء؛ لأن الحديث فيه إطلاق الماء الدائم فيشمل القليل والكثير وهذا الحكم الذي ذكرتموه إنما تخصونه بالقليل دون الكثير فبطل استدلالكم بالحديث. ٣ - أما ما استدل به من ترك النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لجمع الماء المستعمل مع حاجتهم إلى استعماله مرة أخرى فله أجوبة: (أ) أنه لا يجتمع منه شيء لو جمع. (ب) أنهم أيضا تركوا جمعه للشرب والعجن والطبخ والتبرد مع الاتفاق على جوازه فيها. وأجاب أصحاب الدليل فقالوا: إنا لا نسلم بأنه لا يجتمع شيء منه؛ لأنه لو سلم ذلك في الوضوء لما سلم في الغسل. أما كونهم لم يجمعوه للشرب والعجن والطبخ والتبرد فلاستقذاره. والنبي ﷺ ترك أكل الضب مع إباحته له؛ لأنه عافه. لكن هذا الجواب ضعيف، ويمكن الرد على دليلهم بأن الدين لم يأت بالمشقة، ولو سلمنا بدليلكم لقلنا: بأنه يلزم المسافر أن يحمل معه ماء طهورا يكفيه لوضوئه واغتساله؛ لئلا يحتاج إلى التيمم، وهذا فيه مشقة عظيمة وحرج كبير، ودفع الحرج قد جاءت به الشريعة الإسلامية السمحة. ٤ - أما القياس على الماء الذي أزيلت به النجاسة فالفرق بينهما ظاهر فلا يصح القياس.

стр. 23

وبعد التأمل والنظر يترجح القول بأن الماء المستعمل في طهارة الحدث طهور مطهر؛ لسلامة بعض ما استدل به أصحاب هذا القول من المناقشة، كحديث ابن عباس ﵄ في قول النبي ﷺ : «إن الماء لا يجنب (١) » ، ولما استدلوا به من النظر من أدلة قوية لا تقاومها أدلة القول الثاني التي قد نوقشت جميعها ورد الاستدلال بها، ولهذا قال المرداوي في الإنصاف عن هذا القول: " وهو أقوى في النظر "، مع أن أكثر الأصحاب على أنه طاهر غير مطهر، والحق أحق أن يتبع والله أعلم، هذا وإن لأصحاب القول الأول أدلة من السنة تركنا إيرادها إيثارا للاختصار، واكتفاء بما صح من أدلتهم أثرا ونظرا عما كان ضعيفا في النقل. والله المسئول أن يوفقنا ويرزقنا الفقه في الدين واتباع سنة سيد المرسلين ﷺ . ومعلوم أن للبحث بقية يسر الله إيرادها فيما يقبل من أعداد هذه المجلة المباركة وإني في ختام هذه الكلمة لأدعو الله العلي القدير أن يفقهنا جميعا في دينه وأن يرزقنا الالتزام بسنة نبيه ﷺ ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويلهمهم رشدهم ويردنا إليه ردا جميلا، ويوفق ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين.

стр. 24

التسليم بحكم الله ورسوله من صفات المؤمنين لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين. . وبعد. فإنا قد اطلعنا على ما كتبه عبد الله أبو السمح في صحيفة المدينة بعددها رقم (١٤٢٧٨) الصادر يوم الاثنين ١٥ ربيع الأول ١٤٢٣هـ بعنوان " لماذا يغسلونه " ولما كان الموضوع قد احتوى جملة من المخالفات الشرعية؛ لذا وجب علينا البيان نصحا للأمة، وجملة ما يلاحظ على المقالة المذكورة أمور: ١ - الجانب التأصيلي وتطرق فيه لأمور منها:

стр. 25

أ - قوله (والسؤال القائم لماذا غسل الميت ما هو المقصد الشرعي من ذلك، ونحن نقرأ عن مقاصد الشريعة في كثير من أحكامها، والعلماء الأجلاء قديما وحديثا ينظرون دائما إلى علة الحكم لتكون أساس الاعتبار في الفتوى) . ب - قوله حول الفتوى التي نصت على أن المحترق ييمم اكتفاء بالتيمم عن الغسل: (هذه الحادثة والفتوى هي التي جعلتني أغضب وأحزن معا؛ لأننا نضيق واسعا لنا فيه من الشرع الحنيف سعة) . ج - نقله لأقوال بعض الفقهاء في مذهب الإمام مالك ممن ينقل القول بسنية غسل الميت ثم يقول: " هذه الأقوال وهي لفقهاء أجلاء تتفق مع المفهوم الإسلامي بأن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى أعمالنا، فما معنى غسل جسد ميت سيهال عليه التراب، ويقفل عليه القبر ليتحلل كما هو معروف ". د - قوله: " إن الطهارة بأنواعها من وضوء وغسل من شروط أداء الفروض والعبادات ولا تتم إلا بالنية، والميت لا نية له عنده، ودخول القبر لا إرادة له فيه ". ٢ - الجانب التطبيقي: وقد بنى الكاتب على ما سبق من تأصيل نتيجة، وهي أنه لا حاجة إلى غسل الميت في هذا العصر الذي تزدحم فيه البيوت وتضيق، ويجد أهل الميت مشقة في إيجاد مكان للغسل، ثم يقول: " كذلك إذا أخذنا في الاعتبار أيضا الناحية الصحية، ومخاطر انتشار الأمراض والأوبئة " إلى أن قال: " ومن الأحوط أن نتفادى هذا، فالحي أبدى من الميت، ورفع المشقة واجب ومطلوب ". ثم خرج باقتراح قال فيه: " إنني هنا أقترح أن تكلف جميع المستشفيات تعقيم جثث المرضى الذين يموتون فيها، ووضعها في أكياس خاصة معقمة مغلقة، والاكتفاء بذلك عن الغسل، وواجب وزارة الصحة، وهيئات المحافظة على البيئة، العمل على توضيح مخاطر الغسل للجهات المختصة، وتبني الرأي والذي لا يراه واجبا ".

стр. 26

ومن نظر إلى هذه الملاحظات بعين البصيرة أدرك ما فيه من مخالفات شرعية كثيرة، لكن لما كان المقال منشورا ومتداولا، وأن بعض الناس قد يغتر بما فيه، رأينا إيضاح الحق ورد الباطل، فنقول مستعينين بالله: إن الأمور الشرعية يجب أن تصان عن عبث العابثين، فالأحكام الشرعية لا يتكلم فيها إلا من هو أهل لها ممن حصل العلم، ودرس على العلماء الموثوقين، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فخص السؤال فيما لا يعلم العبد بأهل الذكر؛ لأنهم أعلم الناس بمراد الله ورسوله ﷺ ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) ، فبين أن العلماء لا يمكن أن يساووا بغيرهم، وأن غير العالم لا يمكن أن يكون في منزلته، ونحن نعلم يقينا بما أخبرنا الله به، وحذرنا من القول عليه بلا علم، بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٤) ، وأيضا فإنا نرى في الواقع أن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، ومن ذلك ما تعرض له الكاتب في مقاله المذكور، فتساؤله عن المقصد الشرعي لغسل الميت، ودعواه أن العلماء ينظرون دائما إلى علة الحكم؛ لتكون أساس الاعتبار في الفتوى، فإن هذا الكلام ليس في محله ألبتة، فإنه من المعلوم أن الأحكام معللة، لكن معرفة علة كل حكم هذا ما لم يدعه أحد من العلماء، ولا جعلوه أساسا للفتوى بحال، بل إن بينهم اتفاقا على أن بعض الأحكام لا تعلم علتها، وهو ما يعبر عنه البعض بقولهم " العلة تعبدية " وأساس الفتوى لكل عالم هو الدليل، فمتى ثبت عنده

стр. 27

الدليل عمل بمقتضاه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) ويقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٣) فأساس الفتوى هو الدليل، فإن علم مع ذلك علة الحكم بأحد الطرق المعروفة عند العلماء، إما بالنص، أو المفهوم، أو الإيماء ونحو ذلك، فإن لكل طريق درجة في الاعتبار يدركها أهل العلم. ثم إن غسل الميت فيه حكم عظيمة، منها تكريم المسلم، والقيام بحقه من العناية بتغسيله وتطييبه وتحنيطه وتكفينه، ثم الصلاة عليه ودفنه، كل هذا إظهار لتكريمه؛ لأن حرمته ميتا كحرمته حيا، ولأن الله شرفه وأعزه بهذا الدين، فلما اعتنقه استحق هذا التكريم ونحو ذلك من الحكم، ومعلوم أن مثل هذه الحكم ليس لها تعلق بعصر دون عصر أو مكان دون مكان، بل هي عامة لكل مسلم في كل عصر أو مكان.

стр. 28

أما ما يتعلق بالفقرة (ب) من قول الكاتب " هذه الحادثة والفتوى هي التي جعلتني أغضب وأحزن معا؛ لأننا نضيق واسعا. . إلخ " فنقول كونك يضيق عطنك عن قبول الحق، ولا ينشرح صدرك لمقتضى الشريعة، هذا أمر يعود عليك، ولا يرجع على شرع ربنا بالبطلان أو التنقص، والواجب عليك توطين نفسك على الرضا بحكم الله ورسوله، وشرع الله ورسوله ﷺ لقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) أما قوله: " لأننا نضيق واسعا لنا فيه من الشرع الحنيف سعة. . . " فنقول: لا شك أن شرعنا وديننا دين الحنيفية السمحة كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ بل أخبرنا الله بأنه بعث النبي ﷺ فينا، وامتن به علينا، وكان فيما امتن به أنه وضع به الأغلال والآصار التي كانت على من قبلنا فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية. ومعلوم أن في شرعنا من السعة والتيسير ما جعله صالحا لكل زمان ومكان، بل وللإنس والجان لأن الرسول ﷺ بعث للثقلين الإنس والجن. لكن هذه السعة ليست مطلقة يتعلق بها كل متعلق، بل شرع الله محدود بحدود، لا يجوز تعديها، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣) ويقول النبي ﷺ «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها» . . . . .

стр. 29

وعائشة ﵂ تخبر عن النبي ﷺ «بأنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه (١) » متفق عليه. ومعلوم أن غسل الميت كما سيأتي - إن شاء الله - مشروع بالسنة القولية والفعليه والإجماع، فلو كان ما ذكره الكاتب خيرا لما تركه النبي ﷺ وهو أيسر، ولما شرع غسل الميت وهو أشق، فلما فعل النبي ﷺ ذلك دل على أن ترك التغسيل إثم بنص الحديث السابق، وأنه ليس من التيسير المشروع ولا من سعة الشريعة ترك غسل الميت. وقد كثر في الآونة الأخيرة من بعض الكتاب الدندنة حول سعة الشريعة ويسرها، وهي كلمة حق أريد بها باطل، يريدون بهذا التوصل إلى باطلهم وترويجه في مجتمعات المسلمين وإلباسه لباس الدين، وهذا من أبطل الباطل. أما ما يتعلق بالفقرة (ج) فإن هذا الذي ذكره من أن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى أعمالنا هذا جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٢) » وهذا ليس فيه ما يعارض غسل الميت بوجه، فغسله فرض على الكفاية، ومن الأعمال التي ينظر الله إليها ويجازي عليها القيام بحق الميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن. فمن فعل ذلك محتسبا الأجر عند الله، متقربا بذلك لله فله أجر عمله هذا، ومن كانت صورة عمله هي التغسيل والتكفين وغير ذلك من حقوق الميت، ولكن نيته ليست التقرب إلى الله، فهذا يجازى بحسب نيته، ولا يكفي في ذلك صورة عمله، بل المحاسبة تكون على العمل الظاهر وما قام في القلب من النية.

стр. 30

أما قوله: " فما معنى غسل جسد ميت سيهال عليه التراب ويقفل عليه القبر ليتحلل كما هو معروف " فهذا الكلام ليس من سبيل المؤمنين، وإنما سبيلهم كما قدمنا أنهم إذا جاءهم أمر من الله ورسوله قالوا سمعنا وأطعنا، فإن علموا الحكمة من هذا الأمر فهذا خير إلى خير، وإلا فقلوبهم مطمئنة بامتثال أمر الله. أما ما يتعلق بالفقرة (د) وما جاء من قوله فيها. فكل هذا ينبئ عن جهل الكاتب، فالتعبد في غسل الميت للمغسل لا للمغسل، فمعلوم أن الميت قد انتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء، وأنه لا تعتبر نيته ولا تطلب، وإنما المعتبر نية المغسل، لأنه هو المكلف، هذا ما يتعلق بالجانب التأصيلي. أما ما جاء في الجانب التطبيقي من خروجه بنتيجة، وهي أنه ما دام الخلاف قائما فإنه لا حاجة في هذا العصر لغسل الميت؛ لما فيه من مشقة من ضيق البيوت، ووجود أمراض في الميت يخشى انتشارها ونحو ذلك. فيقال له: أولا: الخلاف في وجوب غسل الميت خلاف شاذ، وهو قول في مذهب المالكية، لم ينقل عن الإمام مالك ﵀ وحاشاه القول به، ومن قال به من علماء المالكية لعله لم يبلغه دليل الوجوب، وإلا فوجوبه ظاهر بأدلة السنة والإجماع.

стр. 31

فمن السنة قول النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (١) » أخرجه مسلم وغيره. وفي البخاري: «ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي (٢) » فقوله ﷺ «اغسلوه بماء وسدر (٣) » أمر صريح، والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، فدل على أن غسل الميت واجب. وكذلك قوله في قصة غسل إحدى بناته ﷺ «اغسلنها ثلاثا أو خمسا (٤) » فيه الأمر بالغسل، وأما السنة الفعلية، فإن غسل الميت من السنة الماضية من لدن الرسول ﷺ إلى يومنا هذا، لا نعلم أحدا من المسلمين تركها بلا عذر من احتراق الجثة ونحو ذلك. وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الأئمة المحققين، كالإمام النووي في المجموع شرح المهذب، والكاساني في بدائع الصانع، وغيرهما من العلماء. وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى كثير عناء في بيان وجوبه.

стр. 32

أما ما ذكر عن ابن رشد من قوله: إن سبب الخلاف - المذكور في مذهب المالكية - هو أن غسل الميت إنما ثبت بالسنة الفعليه دون القولية. فهذا أمر مردود بما تقدم، ومعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد، إلا النبي ﷺ وقد ثبت بالسنة القولية الصريحة، والفعل الذي تتابع عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بل إن بعض العلماء يذكر أن هذا معلوم من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، وهم يغسلون موتاهم، والإجماع على كونه فرض كفاية قد نقله أئمة محققون، ومستنده من السنة ظاهر، فلا عبرة بخلاف من خالف، وإن كنا نسأل الله له العفو، وأن يتجاوز عن خطئه، لكن العلماء غير معصومين، ولا يجوز لأحد أن يتبعهم في زلاتهم إذا ظهر الدليل وقامت الحجة، وهي في مسألتنا هذه بحمد الله - ظاهرة. وتعلل الكاتب بضيق المكان هذا لا عبرة به؛ لأن من سبقنا من السلف الصالح كانت دورهم أصغر وأضيق من دورنا، ولم يكن ذلك عذرا في ترك هذه الفريضة. وقول الكاتب: كذلك إذا أخذنا في الاعتبار الناحية الصحية ومخاطر انتشار الأوبئة. . . إلى آخر ما ذكر ". كل هذه مزاعم لا تقاوم ما ثبت في الشرع، فإن المسلمين منذ زمن الرسول ﷺ وإلى يومنا هذا وهم يغسلون موتاهم، ولم يصبهم ما زعمه الكاتب من الأوبئة ونحوها. أما تعلقه بالمشقة، فليس كل مشقة معتبرة، بل هناك مشقة غير معتبرة، إذا كان الشارع أمر بالأمر وجب امتثاله، وإن كان فيه نوع مشقة، فإن في جنس التكاليف الشرعية مشقة أيضا، فإن النفس تميل إلى الدعة والسكون، فيشق عليها أن تكلف بالعبادات من صلاة وزكاة وحج وصوم وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحو ذلك، فإذا تعلقنا بالمشقة في كل شيء، فإن الدين ينهدم ولا يبقى لنا منه إلا اسمه.

стр. 33

والله تعالى يقول لنبيه ﷺ وهو قدوة لأمته ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (١) ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٢) والنبي ﷺ يقول لعائشة ﵂ «أجرك على قدر نصبك (٣) » . والمشقة التي يذكرها العلماء ويجعلونها سببا للتخفيف ليس هذا موردها، وإنما جر الكاتب إلى هذا قلة فقهه، ودخوله فيما لا يحسنه. وبما سبق بيانه يظهر بطلان ما اقترحه، وأنه مصادم للشرع لا يجوز الأخذ به ولا العمل به؛ لأن فيه إهانة للمسلم الذي كرمه الله وأعزه بالإسلام، وجعله كسائر الميتات التي يخشى منها من الحيوانات والجيف والكفرة ونحوهم، وهذا محرم باطل بالنص والإجماع. وقبل أن أختم أحب أن أنبه على كلمة ذكرها الكاتب هي في حقيقتها خطيرة جدا، لكني أحسن الظن بالكاتب، وأنه لم يقصد حقيقتها، وإنما نبهت عليها لئلا ينخدع بظاهرها مسلم، وهي قوله " ومعلوم طبيا أن جثة الميت تحتوي على أنواع من البكتيريا التي أنهت حياته ".

стр. 34

فنقول الموت مخلوق خلقه الله لابتلاء عباده، يقول سبحانه ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) ، ثم أيضا موت العبد إنما هو انتقال من الحياة إلى حياة أخرى، وليس هو إعدام لهذا الجسد بأنواع البكتيريا أو غير ذلك مما يتعلق به الفلاسفة ونحوهم، إنما هو أجل لحياته التي قدرها الله له في الدنيا، فمتى انتهى ذلك الأجل أذن الله له بالموت فيقبض الملك روحه، وينتقل إلى حياة برزخية بين حياة الدنيا وحياة الآخرة - بعد البعث - لها أحوالها الخاصة بها، علمنا منها ما بلغنا بالنصوص، وكثير منها لا نعلمه، يقول الله سبحانه ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) . وما ذكر من البكتيريا ونحوها ليست هي التي تنهي حياة العباد؛ بدليل أن أصحاء ماتوا من غير علة، وهناك مرضى عاشوا أزمانا يعانون المرض، وربما صحوا وشفوا ولم يموتوا، ونحن لا ننكر أن الله قد يقدر المرض سببا لموت هذا أو ذاك، لكن أسباب الموت كثيرة منها القتل، وحوادث السيارات، وغيرها كثير من الأسباب، ومع هذا نقول إنها أسباب، وليست هي التي أنهت حياة العبد.

стр. 35

ثم إني أوصي نفسي وإخواني بتقوى الله في كل ما نأتي ونذر، وأحذر إخواني المسئولين في الصحف المحلية، بل وفي الصحف في العالم الإسلامي بأجمعه، أحذرهم من السماح لكل من هب ودب بالكتابة عن أمور الدين والشرع، والخوض فيها بغير علم، فإنهم مسؤولون عن هذا أمام الله فليحذروا سخط الله وعقابه، وليتقوه حق تقواه، كذلك أيضا أدعو أخي كاتب هذه المقالة إلى أن يتوب إلى ربه، وأن يكف عن نشر مثل هذه المقالات التي تفسد على المسلمين عباداتهم، وليكن بعيدا عن الكتابة في أمور شرعية بضاعته فيها مزجاة، فإن العاقل يربأ بنفسه أن يخوض فيما لا يحسنه من أمور الدنيا وعلومها؛ لأن ذلك سبب للطعن فيه والتنقص منه، كيف والأمر متعلق بشرع الله، بغير علم؟! قول على الله بلا علم وهو من أعظم الجرم، ولا يعفي هذا الكاتب ولا غيره ممن هو مثله، أن ينقل كلام بعض العلماء من هنا وهناك، ففي كل قضية يلتقط الشاذ من الأقوال، ويتتبع الرخص، فإنه هذا لا يعفيه من التبعة؛ لأنه نقل كلام من لا يحسن فهم كلامهم، ولا يعرف طرائقهم في الاستدلال وعرض الأقوال ونقل الحجاج ونحو ذلك مما يدركه العلماء. ومعلوم أن من تتبع الرخص والشواذ خرج بدين ملفق لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، لذا أثر عن بعض السلف " من تتبع الرخص تزندق " فالأمر عظيم، والخطب جسيم، وما دام المرء في عافية من أمره، فليحمد الله، وليمسك عليه لسانه وقلمه. أسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يمن علينا بالفقه في الدين، والتزام سنة سيد المرسلين، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يصلح نياتنا، وأعمالنا وذرياتنا، ويصلح لنا أحوال المسلمين في كل مكان، ويجعل لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء.

стр. 36

الرد على أحد الكتاب بشأن إيقاف صلاة التراويح لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء

стр. 37

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد اطلعنا على ما كتبه أحد الكتاب، في صحيفة السياسة الكويتية يوم الجمعة ٢٨ ربيع الآخر ١٤٢٧ هـ الذي يوافقه ٢٦ مايو ٢٠٠٦ م عدد رقم (١٣٤٨٥) ، تحت عنوان (إيقاف صلاة التراويح) وتعرض فيه لعدة أمور أهمها ما يلي: أولا: ذكر اتفاق العلماء والفقهاء والمؤرخين على أن أول من جمع صلاة التراويح في جماعة هو عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. ثانيا: ذكر اتفاق العلماء والمؤرخين على أن نبينا محمدا ﷺ لم يجمعها في جماعة. ثالثا: ذكر أن صلاة التراويح والقيام تسبب الازدحام حول الكعبة والتدافع ونحو ذلك. رابعا: طلب من هيئة كبار العلماء الاجتماع لاتخاذ قرار لإيقاف صلاة التراويح والتهجد في المسجد الحرام. وبرر ذلك بأن مكة المكرمة كلها حرم. وأن صلاة التهجد لم تصل في جماعة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف إلا في العهد السعودي. خامسا: أن أهل مكة حين يصلون في الحرم يسببون مضايقة للمعتمرين والزوار الذين عانوا مشقة السفر في سبيل القدوم لأداء العمرة. سادسا: دعا إلى توزيع أئمة المسجد الحرام على المساجد الكبيرة في مكة لتقام صلاة التراويح بها بدلا عن إقامتهم لها في المسجد الحرام. سابعا: لخص دعوته بقوله: (إن دعوتي تكمن في تفريغ المسجد الحرام لأداء صلاة العشاء والطواف بالكعبة المعظمة والسعي بين الصفا والمروة من دون ازدحام ولا فوضى أو مشكلات. وحتى نتمكن من القضاء على ظاهرة حجز الأماكن بالمسجد الحرام أو بيعها، أو تأجيرها بوضع السجاجيد ... إلخ. وبعد تأمل المقال رأيت أن أكتب توضيحا يبين للكاتب وللقراء الكرام حقيقة الأمر وذلك من وجوه:

стр. 38

الوجه الأول: أصل جمع الناس على صلاة التراويح كان في عهد النبي ﷺ وذلك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فأصبح الناس، فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها (١) » . هذا لفظ البخاري، وفي رواية له بزيادة «وذلك في رمضان (٢) » . وفي رواية عند أبي داود عن أبي ذر ﵁ قال: «صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال فقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال فقلت ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر (٣) » .

стр. 39

قال ابن حجر ﵀ لما ساق الحديث وشرحه: وفي حديث الباب من الفوائد - غير ما تقدم - ندب قيام الليل ولا سيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ على أبي بن كعب ﵁. انتهى المقصود من كلامه ﵀. فأصل صلاة التراويح في جماعة ثابت من سنة النبي ﷺ إلا أنه ﵊ لم يواظب عليها خشية أن تفرض على الأمة، فلما توفي ﷺ وانقطع الوحي وأمنت خشية فرضية صلاة الليل في جماعة، جاء عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس عليها، وجعل إمامهم أبي بن كعب ﵁. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قيام رمضان فإن رسول الله ﷺ سنه لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى، لكن لم يداوموا على جماعة واحدة لئلا تفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ استقرت الشريعة، فلما كان عمر ﵁ جمعهم على إمام واحد وهو أبي بن كعب الذي جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب ﵁ ا. هـ. وقال أيضا ﵀: (وقيام رمضان قد سنه رسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه (١) » وكانوا على عهده ﷺ يصلون أوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل ومعه جماعة، وقد صلى بهم النبي ﷺ جماعة مرة بعد مرة وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة (٢) » لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس؛ خشية أن يفرض عليهم، فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب) ا. هـ وبهذا يتبين أن دعوى الاتفاق المذكورة في صدر المقال غير صحيحة.

стр. 40

الوجه الثاني: طلبه من هيئة كبار العلماء الاجتماع لاتخاذ قرار لإيقاف صلاة التراويح والتهجد في المسجد الحرام، فلي معه وقفات: الوقفة الأولى: التقدير للكاتب في أصل الطلب وأن الواجب الرجوع إلى أهل العلم في مثل هذه الأمور. الوقفة الثانية: كنا نؤمل من الكاتب خصوصا وأنه مثقف ومتعلم أن تكون كتابته هذه إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء أو إلينا في مكتبنا بالرئاسة العامة للإفتاء. لا أن تكون عن طريق الصحافة خصوصا أن الكاتب يعلم أن مثل هذه الصحف يقرؤها المتعلم والعامي ومن لا يدرك أبعاد الأمور، فالقضايا الشرعية العامة لا تطرح بمثل هذا الطرح. الوقفة الثالثة: من الأدب مع العلماء طرح الإشكال عليهم وهم المرجع في التحقق من الإشكال، فإن وجد أنه إشكال واقعي يستحق النظر درسوه، فبحثوا عن الحل الشرعي المناسب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) . أما أن نطلب منهم أن يتخذوا قرارا نحدد لهم معالمه ونلزمهم بإصداره فهذا لا يليق بالعامي أن يفعله، فكيف برجل مثقف ومتعلم يصدر هذه العبارة: (فالمفروض أن يجتمع كبار علمائنا بهيئة كبار العلماء لاتخاذ قرار صلاة التراويح أو القيام والتهجد في المسجد الحرام من أول يوم رمضان) ! الوجه الثالث: أما دعوى الزحام أو القصد إلى تفريغ المسجد الحرام لأداء صلاة العشاء والطواف بالكعبة المعظمة والسعي بين الصفا والمروة.
следующие страницы →