← Фатава

Фатава · id 21771

رسائل وفتاوى عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرد على أحد الكتاب بشأن إيقاف صلاة التراويح لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء

стр. 37

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد اطلعنا على ما كتبه أحد الكتاب، في صحيفة السياسة الكويتية يوم الجمعة ٢٨ ربيع الآخر ١٤٢٧ هـ الذي يوافقه ٢٦ مايو ٢٠٠٦ م عدد رقم (١٣٤٨٥) ، تحت عنوان (إيقاف صلاة التراويح) وتعرض فيه لعدة أمور أهمها ما يلي: أولا: ذكر اتفاق العلماء والفقهاء والمؤرخين على أن أول من جمع صلاة التراويح في جماعة هو عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. ثانيا: ذكر اتفاق العلماء والمؤرخين على أن نبينا محمدا ﷺ لم يجمعها في جماعة. ثالثا: ذكر أن صلاة التراويح والقيام تسبب الازدحام حول الكعبة والتدافع ونحو ذلك. رابعا: طلب من هيئة كبار العلماء الاجتماع لاتخاذ قرار لإيقاف صلاة التراويح والتهجد في المسجد الحرام. وبرر ذلك بأن مكة المكرمة كلها حرم. وأن صلاة التهجد لم تصل في جماعة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف إلا في العهد السعودي. خامسا: أن أهل مكة حين يصلون في الحرم يسببون مضايقة للمعتمرين والزوار الذين عانوا مشقة السفر في سبيل القدوم لأداء العمرة. سادسا: دعا إلى توزيع أئمة المسجد الحرام على المساجد الكبيرة في مكة لتقام صلاة التراويح بها بدلا عن إقامتهم لها في المسجد الحرام. سابعا: لخص دعوته بقوله: (إن دعوتي تكمن في تفريغ المسجد الحرام لأداء صلاة العشاء والطواف بالكعبة المعظمة والسعي بين الصفا والمروة من دون ازدحام ولا فوضى أو مشكلات. وحتى نتمكن من القضاء على ظاهرة حجز الأماكن بالمسجد الحرام أو بيعها، أو تأجيرها بوضع السجاجيد ... إلخ. وبعد تأمل المقال رأيت أن أكتب توضيحا يبين للكاتب وللقراء الكرام حقيقة الأمر وذلك من وجوه:

стр. 38

الوجه الأول: أصل جمع الناس على صلاة التراويح كان في عهد النبي ﷺ وذلك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فأصبح الناس، فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها (١) » . هذا لفظ البخاري، وفي رواية له بزيادة «وذلك في رمضان (٢) » . وفي رواية عند أبي داود عن أبي ذر ﵁ قال: «صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال فقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال فقلت ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر (٣) » .

стр. 39

قال ابن حجر ﵀ لما ساق الحديث وشرحه: وفي حديث الباب من الفوائد - غير ما تقدم - ندب قيام الليل ولا سيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ على أبي بن كعب ﵁. انتهى المقصود من كلامه ﵀. فأصل صلاة التراويح في جماعة ثابت من سنة النبي ﷺ إلا أنه ﵊ لم يواظب عليها خشية أن تفرض على الأمة، فلما توفي ﷺ وانقطع الوحي وأمنت خشية فرضية صلاة الليل في جماعة، جاء عمر بن الخطاب ﵁ فجمع الناس عليها، وجعل إمامهم أبي بن كعب ﵁. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قيام رمضان فإن رسول الله ﷺ سنه لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى، لكن لم يداوموا على جماعة واحدة لئلا تفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ استقرت الشريعة، فلما كان عمر ﵁ جمعهم على إمام واحد وهو أبي بن كعب الذي جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب ﵁ ا. هـ. وقال أيضا ﵀: (وقيام رمضان قد سنه رسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه (١) » وكانوا على عهده ﷺ يصلون أوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل ومعه جماعة، وقد صلى بهم النبي ﷺ جماعة مرة بعد مرة وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة (٢) » لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس؛ خشية أن يفرض عليهم، فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب) ا. هـ وبهذا يتبين أن دعوى الاتفاق المذكورة في صدر المقال غير صحيحة.

стр. 40

الوجه الثاني: طلبه من هيئة كبار العلماء الاجتماع لاتخاذ قرار لإيقاف صلاة التراويح والتهجد في المسجد الحرام، فلي معه وقفات: الوقفة الأولى: التقدير للكاتب في أصل الطلب وأن الواجب الرجوع إلى أهل العلم في مثل هذه الأمور. الوقفة الثانية: كنا نؤمل من الكاتب خصوصا وأنه مثقف ومتعلم أن تكون كتابته هذه إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء أو إلينا في مكتبنا بالرئاسة العامة للإفتاء. لا أن تكون عن طريق الصحافة خصوصا أن الكاتب يعلم أن مثل هذه الصحف يقرؤها المتعلم والعامي ومن لا يدرك أبعاد الأمور، فالقضايا الشرعية العامة لا تطرح بمثل هذا الطرح. الوقفة الثالثة: من الأدب مع العلماء طرح الإشكال عليهم وهم المرجع في التحقق من الإشكال، فإن وجد أنه إشكال واقعي يستحق النظر درسوه، فبحثوا عن الحل الشرعي المناسب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) . أما أن نطلب منهم أن يتخذوا قرارا نحدد لهم معالمه ونلزمهم بإصداره فهذا لا يليق بالعامي أن يفعله، فكيف برجل مثقف ومتعلم يصدر هذه العبارة: (فالمفروض أن يجتمع كبار علمائنا بهيئة كبار العلماء لاتخاذ قرار صلاة التراويح أو القيام والتهجد في المسجد الحرام من أول يوم رمضان) ! الوجه الثالث: أما دعوى الزحام أو القصد إلى تفريغ المسجد الحرام لأداء صلاة العشاء والطواف بالكعبة المعظمة والسعي بين الصفا والمروة.

стр. 41

فإن الزحام إن وجد في المواسم فإنه لا يرفعه ترك التراويح بل سيبقى؛ لأن من قصد المسجد الحرام سيبقى طائفا أو تاليا أو عاكفا أو مصليا، والحرم إنما وضع لذلك، يقول الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١) قال ابن كثير ﵀: وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل: الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك ﵀: الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا. وفي سنن أبي داود وابن ماجه وغيرهما عن جبير بن مطعم ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار (٢) » . والمقصود أن منع الناس من صلاة التراويح في المسجد الحرام لأجل تفريغه للطائفين تحكم لا يسنده الدليل. ثم إن المسلمين لا يزالون يصلونها في المسجد الحرام منذ قرون، فقد أخرج الفاكهي بسنده إلى عكرمة بن عمار قال: أمنا عبد الله بن عبيد بن عمير في المسجد الحرام، وكان يؤم الناس فكان يقرأ بنا في الوتر بالمعوذات يعني في شهر رمضان. وقال في نفس السياق: وقال بعض أهل مكة: كان الناس بمكة في قديم الدهر يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام، تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام دون الحربة والناس معه، فمن أراد صلى، ومن أراد طاف وركع خلف المقام.. ثم استرسل فيما أقره خالد القسري بعد. وذكر ذلك الأزرقي بأتم من سياق الفاكهي، وأن خالدا القسري هو أول من أدار الصفوف حول الكعبة لما ضاق عليهم أعلى المسجد، فلما قيل له: تقطع الطواف لغير المكتوبة قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعا.. إلى آخر ما ساق في خبره.

стр. 42

والمقصود أن صلاة التراويح جماعة في رمضان حول الكعبة أمر معهود منذ زمن قديم، ومن تتبع تواريخ مكة وكتب التراجم والرحلات علم ذلك واجتمع له عدة ممن أموا الناس في قيام رمضان بالمسجد الحرام. أما ما ذكره الكاتب من أن المسجد الحرام يشمل حدود الحرم جميعها فهذا حق ونحن نقول به، ونقول بأن التضعيف الوارد في الحديث يشمل جميع الحرم بدلالة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) ولكن هذا لا يبرر إيقاف صلاة التراويح في الحرم ومنع المصلين من صلاة القيام في الحرم. وقبل أن أختم هذا البيان والإيضاح أحب التنبيه إلى أمر مهم وهو قول الكاتب: (وأن صلاة التهجد لم تصل في جماعة بالمسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف إلا في العهد السعودي) . والمقصود بصلاة التهجد في هذا السياق هو صلاة القيام في جماعة في رمضان، وتصلى آخر الليل بعد أن يصلي الناس أول الليل شيئا من التراويح، ثم ينصرفوا للراحة أو العشاء ليتقووا على صلاة الليل، وهذا في العشر الأواخر. والأصل في ذلك أن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الأخير من رمضان، تقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر (٢) » أخرجه مسلم. فالعشر الأخير من رمضان لها مزيد فضل على غيرها من الليالي لفضلها، ولأن ليلة القدر فيها فالاجتهاد فيها مطلوب. وأما دعوى أن العهد السعودي هو الذي بدأ بذلك فهذا باطل، لأن النبي ﷺ كما مر معنا في أول هذا الإيضاح قد صلى بالناس في العشر الأخير أربع ليال كان آخرها إلى قريب الفجر حتى خشوا فوات الفلاح وهو السحور. فهذا هو الأصل.

стр. 43

وفي هذا السياق أحب أن أنبه إلى أمر مهم وهو أن بعض الكتاب - وأنا أربأ بأخينا الكاتب أن يكون منهم - ما فتئوا يذكرون أشياء في المشاعر المقدسة أو الشعائر الشرعية ويزعمون أن الدولة السعودية هي التي أحدثتها، وهذا غمز في هذه الدولة السلفية، التي حرصت على السير على ما سار عليه السلف الصالح من عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين وبقية الصحابة ﵃ أجمعين وما عليه أئمة الدين، ولم يوجد في العهد السعودي في المشاعر ولا في الشعائر شيء مبتدع ولله الحمد والمنة، وهذا من فضل الله تعالى على حكام هذه البلاد المباركة. وإنما هم حريصون أشد الحرص على السعي في التسهيل على الحجاج والمعتمرين والزوار بالتوسعة والتكييف وشق الطرق، وعمل ما من شأنه تسهيل القيام بالشعائر مع المحافظة على المشاعر. هذا ما نشهد الله عليه مما علمناه من حكام هذه الدولة أدام الله بعز الإسلام عزها أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى إنه سبحانه سميع مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 44

العلم لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن العلم هو أجل ما طلب، وأهم ما اكتسب، كيف لا والعلم هو شرط تحقيق التوحيد لله رب العبيد، يقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١) ، والله حين شهد لنفسه سبحانه بالوحدانية استشهد على ذلك خاصة خلقه وهم الملائكة المقربون، ثم استشهد من البشر أفضلهم وخاصتهم وهم العلماء، يقول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .

стр. 45

ومن اكتسب علما وحصله فقد حاز خيرا عظيما، وربنا نفى مساواة العالم بغير العالم في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) . ومن كان من أهل العلم، فإنه مؤهل ليكون أخشى لله وأتقى له سبحانه، لما يعلمه من آياته ومخلوقاته، ولما يعرفه من حق الله ﵎ عليه، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) ، والعلم الشرعي هو ميراث نبينا ﷺ ، بل هو ميراث الأنبياء ﵈ جميعا، كما قال نبينا ﷺ : «وإن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر (٣) » . والمتحدث عن فضل العلم لا يجد عناء في بيان فضله، إذ الجميع متفق على ذلك العالم، والجاهل؛ فإن الجاهل ينفر من صفة الجهل ولا يرضى أن يوصم بها، وإذا ما وسم بالعلم فإنه يفرح بذلك، وما ذاك إلا لإقراره بمكانة العلم وفضله، والعلم الحقيقي، هو العلم بالله وأسمائه وصفاته، وما يجب له من حق على عباده، والتفكر في مخلوقاته، والنظر في آياته الشرعية للعمل بما فيها من الأوامر اتباعا، والنواهي اجتنابا، ومن ثم دعوة الخلق إلى ذلك ونشره فيهم فإن هذا العلم هو الذي يورث العبد زيادة في الإيمان، ورضا من ربه الرحيم الرحمن، ومنزلة عالية في الجنان. والعلم الحقيقي ليس بتزويق الألفاظ، وتنميق العبارات، ورصف الجمل، واختيار التراكيب المعقدة، وحوشي الكلام، والألفاظ نادرة الاستعمال، مما يجعل طريق الوصول إلى المعنى وعرا، ومن ثم يكون فهمه متعسرا إن لم يكن متعذرا، وربما كانت العبارة حمالة أوجه، بلا بيان يسفر عن الوجه المراد، ولا مرجح يمكن من اعتماد أحد معانيه، وإنما العلم الحقيقي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (بحث محقق، أو نقل مصدق، وما سوى ذلك فهذيان مزوق) .

стр. 46

وهذا ما سار عليه سلف هذه الأمة، وأخذ ذلك عنهم الخلف الصالح، حتى كان سمة بارزة في علمهم، حتى قيل عنهم: كلام السلف قليل، كثير الفائدة، وعلى هذا سار علماء الأمة يتبعون في ذلك آثار سلفهم، وممن سار على هذا الطريق، ونهج هذا النهج أئمة الدعوة السلفية في نجد - غفر الله لهم ورحمهم -، وورث ذلك عنهم طلابهم في هذه البلاد وخارجها، إلى هذا العصر، وقد كانت جهود هؤلاء العلماء الأفاضل متواكبة مع تأييد حكام هذه البلاد المباركة الذين أيدوا هذه الدعوة السلفية ونصروها، ومن تأييدهم لها إنشاء هيئة لكبار العلماء في هذه البلاد، لتكون مرجعا للفتوى في هذه البلاد المباركة، وهذه الهيئة تضطلع بأعمال جليلة، منذ إنشائها عام ١٣٩١هـ وحتى الآن، وقد صدر عنها بحوث مفيدة، وفتاوى هامة، جمعت بعض البحوث منها فخرجت في سبعة مجلدات، ومما يتبع لهذه الهيئة مجلة البحوث الإسلامية، التي تعنى بنشر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وفتاوى المفتي العام، وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وفتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والفتاوى الصادرة منا، وما يستجد من قرارات هيئة كبار العلماء إضافة إلى عنايتها بالبحوث العلمية الموثقة التي يكتبها الباحثون ويرسلونها فيتم تحكيمها من قبل لجنة المحكمين، وتنشر بعد تحكيمها في المجلة.

стр. 47

وهذه المجلة المباركة صدر أول عدد منها عام ١٣٩٥هـ بناء على المرسوم الملكي رقم (١ / ١٣٧) وتاريخ ٨ / ٧ / ١٣٩١هـ الذي تشكل به لأول مرة مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وبيان لائحة سير العمل في هيئة كبار العلماء ... ونصت المادة (١١) من اللائحة على إصدار مجلة دورية، وهي مجلة علمية دورية محكمة، تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا، وقد صدر من أعدادها إلى الآن (٨١) عددا، ورأس تحريرها في بداية إصدارها الشيخ عثمان الصالح ﵀، إلى العدد الخامس، وقد أثرى المجلة بخبراته وسار بها سيرا حثيثا إلى أن سلمها إلى معالي الدكتور/ محمد بن سعد الشويعر، الذي تولى رئاسة التحرير من العدد السادس الذي صدر في عام ١٤٠٣هـ وحتى الآن - مد الله في عمره على طاعته - وكان لخبرة معالي الدكتور الطويلة في الإعلام - إضافة إلى علميته وسعة أفقه، وجده في العمل أثر كبير في تطوير المجلة والانتقال بها مرحلة مرحلة لتصل إلى ما وصلت إليه الآن. هذا وإن هذه المجلة المباركة وهي تصدر الآن عددها (الواحد والثمانين) لتعد من أهم المراجع العلمية، والبحثية لطلاب العلم، نظرا لثرائها بالبحوث المحكمة إضافة إلى ما تميزت به من نشر فتاوى العلماء، وما سبقت به من متابعة لقرارات هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وبحوثها. وإني إذ أحمد الله على هذه النعمة، لأشكر لأخي معالي الدكتور جهوده المتواصلة والحثيثة في هذا السبيل، وأشكر لجميع الإخوة العاملين في المجلة، وقبل ذلك أشكر أصحاب المعالي والفضيلة في لجنة تحكيم البحوث، كما أشكر كل من تواصل مع المجلة ببحث، أو فائدة، أو استدراك، أو اقتراح، والمجلة ترحب بذلك كله سعيا وراء الارتقاء بمستوى المجلة، واستمرار قوتها العلمية، ورائد الجميع تقوى الله ، والحرص على نشر الدين والدعوة إليه.

стр. 48

أسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلهم هداة مهتدين ويعلي بهم منار الدين، كما أسأله سبحانه أن يوفقنا وإخواننا العلماء لما فيه نصر دينه وبيانه للناس وأن يسددنا في أقوالنا وأعمالنا، وأن يبارك في جهود الجميع، وأن يجعل هذه المجلة منبر هدى، ومنار خير إنه سبحانه سميع مجيب. المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 49

المقصود بالحج تحقيق التقوى وليس إتعاب البدن لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: إخواني المسلمين، يقول الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (١) الآية، أي قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم ما دام في الأرض دين وما حج عند الكعبة حاج، وعندها المعاش والمكاسب. هذا البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣) . وهو في واد غير ذي زرع، وضع فيه إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل وأمه ودعا ربه متضرعا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٤) .

стр. 50

والمعنى أنه ﵊ دعا ربه أن يجعل ذريته موحدين مقيمين للصلاة التي هي من أخص وأفضل العبادات الدينية، ودعاه أيضا أن يجعل أفئدة - أي قلوبا - من الناس تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه، فأجاب الله تعالى دعاء خليله، فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين وإمام الموحدين، فدعا إلى الدين الإسلامي وإلى ملة إبراهيم، فاستجابوا وصاروا مقيمين للصلاة. وافترض الله حج هذا البيت وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد إليه شوقه وعظم ولعه وتوقه. وجعل سبحانه هذا البلد أيضا آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إجابة لدعوة خليله ﵇ وفضلا منه سبحانه على هذا البلد الحرام وأهله. ومن خصائص هذا البلد أيضا أنه بلد حرام حرمه الله. ففي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها (١) » متفق عليه.

стр. 51

ومن خصائصه أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما عداه. فعن ابن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي (١) » رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وإسناده صحيح، وصححه ابن عبد البر، وحسنه النووي في شرح مسلم. وأصل الحديث في مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ بدون زيادة: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي (٢) » . وقد روي موقوفا، قال ابن عبد البر: ومن رفعه أحفظ وأثبت من جهة النقل. وقال أيضا بعد أن ساق الحديث مرفوعا من طريق حبيب المعلم: وليس في هذا الباب عن ابن الزبير ما يحتج به عند أهل الحديث إلا حديث حبيب هذا. وقال: ولم يرو عن النبي ﷺ من وجه قوي ولا ضعيف ما يعارض هذا الحديث، ولا عن أحد من أصحابه ﵃، وهو حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد. ومن خصائصه أنه لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد هو أحدها. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى (٣) » .

стр. 52

ومن خصائصه أن شرع الله لعباده الحج إليه، وأمر خليله بتطهيره من الأدناس وأعظمها الشرك بالله، وأمره بالأذان في الناس ليحجوا بيت الله، يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢) ، وقال : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٤) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٥) الآية. والمنافع في هذه الآية هي منافع الدنيا والآخرة كما قال مجاهد ﵀. وفضائل الحج كثيرة قد وردت بها النصوص، فمنها الآية المتقدمة، ومنها قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ حين «سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور (٦) » متفق عليه. وحين قالت عائشة ﵂: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور (٧) » رواه البخاري.

стр. 53

واختلفت عبارات السلف في تفسير الحج المبرور، فمنهم من قال: الذي لا يخالطه إثم، ومنهم من قال: الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق، وقيل: الذي لا معصية بعده، يجمعها أنه الذي يؤدى تقربا لله وطاعة له خالصا من أدران الشرك صغيره وكبيره والبدع والمعاصي، ويكون حاملا لصاحبه على إحسان العمل بعده. ومن كانت هذه صفة حجه كان مقبولا مأجورا، يقول ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «من أتى هذا البيت فلم يرفث (٢) » . . . الحديث، وهذه الرواية أعم من التي قبلها. والرفث: قال ابن عباس وابن عمر ﵃: إنه الجماع، والفسوق قالا: إنه المعاصي «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٣) » ، صح ذلك عن النبي ﷺ أخرجاه في الصحيحين.

стр. 54

والحج أيها الإخوة في الله واجب على كل مسلم استكمل شروطه، بل هو أحد أركان الإسلام ودعائمه؛ لقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس (١) » وذكر منها: «وحج بيت الله الحرام» أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄. وقد أوجبه الله على عباده بقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . وقد روى سعيد في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج ليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين) . ووجوبه ثابت بإجماع المسلمين ومعلوم بالضرورة من الدين، فمن جحد وجوبه كفر. ووجوبه مرة في العمر؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (إن الله كتب عليكم الحج) فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع (٣) » رواه الخمسة إلا الترمذي، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة. وشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة وهي الزاد والراحلة، وتزيد المرأة وجود المحرم.

стр. 55

وينبغي للمسلم إذا أراد الحج وعزم على السفر أن يوصي أهله بتقوى الله، وأن يتخلص مما عليه من حقوق الناس، أو يكتب ما له وما عليه ويشهد على ذلك، ثم أيضا يجب عليه التوبة إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ، ويقول ﷺ : «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (٢) » . وعند تجرد العبد من ثيابه ولبسه لإحرامه واستعداده لأداء المناسك ينبغي أن يتذكر بذلك الموت والاستعداد له وما يكون بعده. وعند إهلاله بالإحرام يجب عليه أن يجرد نيته لله ، ولا ينو بحجه عرضا من الدنيا فإنها متاع زائل، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) ، وهذا واجب في كل العبادات ومنها الحج. وبعد إهلاله بالإحرام ينطلق إلى البيت الحرام ويطوف بالكعبة، وهذا الطواف طواف العمرة للمتمتع وطواف القدوم للقارن والمفرد. وبعد السعي في حق المتمتع يحلق شعره أو يقصر ثم يحل إحرامه.

стр. 56

وفي يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة يذهب الحجاج إلى منى، ويحرم المتمتع بالحج، ويبيتون تلك الليلة بمنى استحبابا، ثم ينطلقون في اليوم التاسع إلى عرفة بعد طلوع الشمس ويبقون بها ويخطب بهم الإمام أو نائبه بعد الزوال، ويصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا، ثم يتفرغون لذكر الله ودعائه إلى الغروب، وهذا الموطن من المواطن العظيمة التي يباهي الله بالحجاج ملائكته، فيوم عرفة يوم مشهود؛ ففي صحيح مسلم من حديث عائشة - رضي الله - عنها أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء (١) » . فينبغي للحاج أن يكثر من الذكر والدعاء وخاصة قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وبعد الغروب ينطلق الحجاج إلى مزدلفة، فإذا وصلوها صلوا بها المغرب والعشاء، المغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين جمعا بأذان وإقامتين، ويبيت الحجاج بها تلك الليلة، ويجوز للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم الدفع إلى منى آخر الليل، أما غيرهم فيقيمون بها إلى صلاة الفجر. وبعد الصلاة يقفون عند المشعر الحرام ويستقبلون القبلة ويكثرون من ذكر الله وتكبيره والدعاء إلى أن يسفروا جدا، ثم يذهبون إلى منى فيرمون جمرة العقبة، ثم يذبح المتمتع والقارن هديه، ثم يحلقون رؤوسهم ويتوجهون إلى مكة ويطوفون بالبيت طواف الإفاضة، ثم يعودون إلى منى ليبيتوا بها تلك الليلة. وفي اليوم الحادي عشر بعد الزوال يبدأ وقت الرمي، فيرمي الحاج الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى كل واحدة بسبع حصيات، ويبيت بمنى تلك الليلة، ويفعل في اليوم الثاني عشر كما فعل في اليوم الذي قبله. ويبيت بمنى تلك الليلة من أراد التأخر، أما المتعجل فعليه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس. فإذا أنهى الحاج أعمال الحج وجب عليه طواف الوداع متى أراد مغادرة مكة.

стр. 57

إخواني، ليس المقصود من الحج تلك الأعمال فقط، وليس المراد مجرد إتعاب البدن أو بذل المال، إنما المقصود الأعظم هو تحقيق التقوى وما يحصل في القلب ويقوم به من معاني العبودية والخضوع والانقياد لأمر الله وتعظيم شعائره، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) ، ويقول جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) ، ويقول ﷺ كما في صحيح مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٣) » . إخواني الحجاج، إنكم قد قدمتم هذا البلد الأمين طائعين لله راغبين فيما عنده، فاستغلوا هذا الموسم في الازدياد من الطاعات، والإكثار من القربات والبعد عن المعاصي والمنكرات، احرصوا أن يكون حجكم سالما من المخالفات الشرعية حتى تكونوا ممن كتب الله لهم حجا مبرورا. والحج أيضا فرصة للتعارف بين المسلمين وتدارس قضاياهم، فإن هذا هو ديدن المسلمين، فإنهم كما قال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٤) » أخرجه البخاري وغيره، وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٥) » رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

стр. 58

إخواني الحجاج، أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، والاجتماع على الحق، وتحقيق معنى الأخوة الإسلامية. تجنبوا الشقاق والجدال فيما لا فائدة فيه، فإنه يورث الخلاف والنزاع وتفريق صف المسلمين. عظموا هذا البلد الحرام واعرفوا له قدره وحرمته، وإياكم والسعي فيما يخل بأمنه أو يعكر صفو هذه الشعيرة العظيمة، فإن هذا من أعظم الجرم، وقد توعد الله من هم بذلك ونحوه بالعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ، هذا في حق من أراد ولم يفعل فكيف بمن فعل والعياذ بالله. ثم ينبغي لكم حجاج بيت الله التقيد بالأنظمة التي وضعتها الدولة؛ لأنها إنما وضعت للمصلحة العامة، تسهيلا لضيوف بيت الله، حتى يؤدوا مناسكهم بيسر وسهولة، آمنين مطمئنين، فعلينا جميعا التعاون مع المسؤولين بالالتزام بهذه الأنظمة وعدم الإخلال بها. هذا والله أسأل أن يوفقنا جميعا لما يرضيه، وأن يمن علينا بفضله ورحمته، ويعين حجاج بيت الله على أداء مناسكهم في أمن ويسر وسهولة، ويجعله خالصا لوجهه سبحانه، مقبولا مبلغا لمرضاته، وأن يوفق حكومة خادم الحرمين الشريفين ويجزيها عن المسلمين خير الجزاء على ما يولونه لحجاج بيت الله من خدمات لتسهيل أداء هذه الشعيرة وما بذلوه ويبذلونه في الحرمين الشريفين والمشاعر من مشاريع عظيمة نافعة قد لمس نفعها كل من حج أو اعتمر، فجزاهم الله عن المسلمين خيرا وأعانهم وسددهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره وسلم تسليما كثيرا.

стр. 59

الموقف الشرعي من أعداء الأمن لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. . . . أما بعد:

стр. 60

فإن من حكمة الله ابتلاء عباده بالضراء والسراء، فالله حين يبتلي عباده بالسراء؛ ليتبين شكر الشاكرين لنعمه، ويظهر من كان شاكرا لله، وحين يبتلي عباده بالضراء ليظهر صبر الصابرين الموقنين، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١) . وإن نعم الله على العباد عظيمة، وآلاءه جسيمة، نعم لا يستطيع العباد عدها ولا إحصاءها، قال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٢) ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣) .

стр. 61

وإن من أجل النعم وأكبرها نعمة الإسلام، فمن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإسلام فقد أنعم الله عليه بالنعمة الكبرى، وهذا هو الفلاح الكبير، والفوز العظيم، والمنة العظمى، قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٢) ، ومن أجل ذلك بعث الله رسوله محمدا ﷺ رحمة للعالمين، وهاديا إلى صراطه المستقيم، فكانت بعثته ﷺ نعمة، أنعم الله بها على أهل الأرض قاطبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤) ، فأخرج الله عباده ببعثة محمد ﷺ من ظلمات الجهل وظلم العباد إلى نور الإسلام وعدله، فأمن الناس على أنفسهم، وأولادهم، وأعراضهم، وأموالهم، ولا ريب أن الأمن في الأوطان نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه على عباده، ذكر الله بها العباد ليقابلوا تلك النعمة بشكر الله، والثناء عليه، قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٥) ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (٦) ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (٧) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٨) ، إذا فليقابلوا نعمة رغد العيش، ونعمة الأمن بعبادة الله، وإخلاص الدين له سبحانه.

стр. 62

ولذلك كانت نعمة الأمن نعمة من ضروريات الإنسانية، ومن مقاصد الشرائع السماوية، نعمة الأمن فيها يعبد العبد ربه، ويؤدي واجبه، فيها يتعلم المتعلم، ويدعو الداعي إلى الله تعالى، ويسعى الساعي في كل ما يحقق له سعادته في الدنيا والآخرة. بالأمن تطمئن النفوس، وتنشرح الصدور، ويتفرغ العباد لمصالح دينهم ودنياهم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . نعمة الأمن عرف قدرها الكمل من البشر وهم أنبياء الله، يقول الله سبحانه عن صالح ﵇، وهو يذكر قومه هذه النعمة، ويحذرهم من الاستخفاف بها: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ (٣) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٤) ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (٥) ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٦) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٧) ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٨) ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٩) . وأبونا إبراهيم ﵇ عندما فرغ من بناء البيت دعا لسكانه بتلك الدعوات، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (١٠) الآية، فبدأ بنعمة الأمن؛ لأن بحصوله يتحقق الخير بتوفيق من الله سبحانه.

стр. 63

أيها المسلم. . . . بم يتحقق الأمن؟ إن الأمن في الأوطان يتحقق بعبادة الله وحده لا شريك له، والخضوع له، والقيام بشرعه، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) . كيف نحافظ على هذا الأمن؟ نحافظ عليه أولا بشكر الله تعالى على هذه النعمة بقلوبنا، وبألسنتنا، وبجوارحنا، وأن نتصور عظم هذه النعمة، ونعلم عظمة من تفضل بها وجاد بها وهو ربنا جل وعلا، فنرفع الشكر والثناء لرب العالمين على هذه النعمة، نعتقدها في قلوبنا، وأنها من الله فضلا وإحسانا وجودا وكرما، فنقابلها بشكره، وشكره يزيد النعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢) . وثانيا: نأخذ على يد كل من يريد زعزعة هذه النعمة وتكديرها، نأخذ على يده حتى لا يتمادى في شره وطغيانه، فإن ترك أولئك يعيثون في الأرض فسادا كفر بهذه النعمة التي أنعم الله بها على عباده، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) .

стр. 64

أمة الإسلام. . . بلادكم بلد العقيدة الصافية ولله الفضل والمنة، بلد ظهرت فيها شعائر الإسلام، وحكمت فيها شعائر الإسلام، بلد العلم والتعلم، بلد الخيرات، بلد آوى فئات من المسلمين، عاشوا في ظلها في أمن واستقرار وطمأنينة، بلد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان للدراسة في جميع التخصصات، ويفد إليها الحجاج والمعتمرون فيجدون حرما آمنا، رغدا سخاء في كل نعمة، فضل من الله ورحمة، بلد هيأ الله له قيادة ترعى شأنه، نسأل الله لها المزيد من التوفيق والهداية، والسداد، والعون على كل خير. فيا أهل الإسلام. . لتكن كلمة المسلمين واحدة، وعلى قلب واحد في الدفاع عن هذا الدين وعن تعاليمه السامية، والأخذ على يد المفسدين والعابثين والمغرر بهم، ومن ليس لهم حظ في العلم والتعلم. يا أهل الإسلام. . . إن هناك شرذمة من الناس ضالة تريد زعزعة أمن هذه الأمة، ليس لها غرض صحيح، ولا هدف مقبول، تصرفاتها دالة على ضلال أولئك، وضعف الإيمان أو انعدامه من قلوبهم والعياذ بالله، هدفهم التفجير والتدمير، همهم القتل والإفساد، غايتهم الخروج على الأئمة وتكفير من خالفهم، وقتل الأمة والسعي في الأرض فسادا. نعمة الأمن، ورغد العيش التي يتمتع بها عباد الله، ويدعو إلى شكرها العلماء المخلصون، ويضيق بها ذرعا أولئك الحاقدون الكارهون، هؤلاء تغيظهم تلك النعم، يريدون للأمة أن تعيش في فوضى وبلاء، ويأبى الله والمؤمنون ذلك، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣) .

стр. 65

أمة الإسلام. . . إن من يريد زعزعة أمن هذه البلاد إنه ضال مضل، منحرف شاذ عن طريق الله المستقيم، يريد بالأمة كيدا، ويريد بالأمة ضررا وفسادا، إذا فالواجب على الجميع تقوى الله، وتضافر الجهود في سبيل الحيلولة بين أولئك وما يريدونه بالأمة من بلاء وفساد. إن الأمة بعد ما عرفت الأمر، وتدبرت حقيقة أولئك لم يبق شك، ولا ارتياب في أن أهداف هذه الفئة الضالة واضح للملأ، وأنه الإفساد والإضرار، والسعي في الأرض فسادا، وتحقيق مطالب أعداء الإسلام، وتسهيل المهمة لهم، هكذا يقصدون، قوم غرر بهم، وقوم تلاعب بهم الأعداء حتى جعلوهم وقودا لهذه الفتنة، وإن المسلم ينبغي أن يكون حذرا يقظا، لا يغتر بكل رأي، وبكل فكر يفد إليه من غير أن يمحصه، ويضعه في الميزان العادل، فيعرف حقائق الأمور. كم من مدع يزعم الإصلاح والصلاح، وكم من مدع للخير، والله يعلم ما وراء ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٤) .

стр. 66

هؤلاء المفسدون قوم ضل سعيهم، وزين لهم الشيطان الباطل فرأوه حقا، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٣) . إن هؤلاء المخربين عاثوا في الأرض فسادا، قتلوا الأبرياء بلا سبب، سفكوا دماء رجال الأمن بلا مبرر يدعو إليه، وإنما هو الحقد الدفين، ومحاولة إلحاق الأذى بالأمة، ولكن الله بالمرصاد لكل من يريد الشر والبلاء بالمسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٤) الآية. إن الأمة يجب أن تكون حذرة، وأن تأخذ عبرة من هنا وهناك، كم من أناس يعيشون في فوضى وبلاء، عجزوا أن يحققوا لمجتمعاتهم أمنا، تستقر به نفوسهم، ويهنؤون فيه بعيشهم، ويأمنون على أنفسهم، وأولادهم، وأعراضهم، وأموالهم، خيرات في الأرض، وخيرات متعددة، لكن والعياذ بالله ألبسوا شيعا، وصار بعضهم عدوا لبعض، يقتل بعضهم بعضا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٥) . إن الفرد المسلم يدين الله بالمحبة لهذا الدين وأهله، وموالاة المسلمين، ودفع الأذى عنهم بكل ما يستطيع، ومن يرضى بالأذى للمسلم بغير حق فقد باء بالإثم العظيم، وخالف تعاليم الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٦) .

стр. 67

إن سفك دماء النفوس المعصومة كبيرة من كبائر الذنوب، وعظيمة من العظائم، وجريمة من الجرائم، لا يستحل دم امرئ مسلم إلا من فارق الإيمان والعياذ بالله، فإن المؤمن حقا يعظم دماء الأمة ويحفظها، قال النبي ﷺ : «لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما (١) » فلا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما. فليتق الله أولئك المفسدون، وليتوبوا إلى الله من جرمهم، وليندموا على ما مضى، وليعزموا ألا يعودوا إلى تلك الجرائم والخطيئات، وليعلموا أن الله مجاز كلا بما عمل، وأن أول ما يقضى به بين العباد من حقوقهم الدماء يوم القيامة، أول ما ينظر في قضاياهم يوم القيامة الدماء، فحافظوا - رحمكم الله - على أرواح أمتكم، وصونوا بلادكم، واحذروا من أولئك المفسدين، وإياكم أن تكونوا أعوانا لهم، أو متعاطفين معهم، أو مسوغين لهم فعلهم، أو متأولين لباطلهم، فإن أمرهم واضح جلي لا يرتاب فيه مسلم، وإن سعيهم إفساد وفساد، وانحراف عن الطريق المستقيم، وليس لهم أي مبرر ولا تأويل، ولكنه الخطأ الواضح، والجرم الكبير. عباد الله. . . . إن تقوى الله سبحانه هي صمام الأمان، والحصن الحصين من الوقوع في هذه الضلالات، والمخرج من هذه الفتن، والجالبة للأمن في الأوطان الذي يتحقق به السعادة، والطمأنينة، والراحة النفسية لجميع أفراد المجتمع، قال النبي ﷺ : «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (٢) »

стр. 68

إذا فالأمن نعمة من نعم الله تعالى على عباده، فمن أصبح معافى في بدنه، لا يشكو من أي شيء، عنده من العيش ما يكفيه ليومه وليلته، آمنا في بيته، آمنا على دينه، آمنا على أهله، آمنا على نفسه، آمنا على ماله، فكأنما أعطي الدنيا بأسرها؛ لأن الصحة في البدن، ورغد العيش مع توفر الأمن الذي يحفظ ذلك نعمة من أجل نعم الله على عباده، وسلبها والعياذ بالله عقوبة من الله على العباد، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) . أمة الإسلام. . نعمة الأمن مهمتها ليست موكولة فقط إلى الجندي المسلم، ولا إلى ضابط أو أمير أو وزير، أو مسؤول فحسب، ولكنها مسؤولية الأفراد كلهم على اختلاف مسؤولياتهم، فهي مسؤولية الجميع، ذلك أن الأمن ينتفع به الجميع، وإذا غير والعياذ بالله انضر به الجميع، فكما أنه أنا وأنت ننتفع بهذا الأمن، ونرعى هذا الأمن، وإذا سلب والعياذ بالله صار الضرر على الجميع، إذا فلما كان الانتفاع به عاما، والتضرر بضده عاما كان مسؤولية كل فرد مسلم أن يسعى في تحقيق هذا الأمن، وألا يتعاطف مع أي مجرم وأي مفسد، وأن يعلم أن أولئك لم يريدوا بأمتهم خيرا، وإنما هم دمى، يسخرهم أعداء الإسلام، ويسيرونهم كيف يشاءون، ويخططون وينفذون لهم أهدافهم، ويظهرون بمظهر المصلح الحريص على مصالح المسلمين، فإما أن يتستروا باسم الدين، أو باسم الغيرة، أو باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يعلم ما وراء ذلك من الشر والفساد. أيها المسلم. . . . طبقات المجتمع كلها واجب عليهم النهوض بمسؤولياتهم، والوقوف أمام هذه التحديات بقلوب ثابتة، وعزيمة صادقة، ونفوس مطمئنة، وصدق وأمانة في تحمل المسؤولية.

стр. 69

أيها المعلم الكريم. . . إنك تحملت أمانة كبيرة ومسؤولية عظيمة، فواجبك أن تتقي الله، وتبصر التلاميذ أمامك في جميع مراحل التعليم المختلفة، تبصرهم بحقيقة ما ينفعهم، وتجعل من درسك توعية لهم، تكشف عنهم اللبس، وتوضح لهم ما يدور حولهم، وتبين لهم أن هذه الفتن والمصائب ما أراد بها هؤلاء الأعداء إلا شرا للمسلمين حتى لا ينخدعوا بهم، ويقعوا في شراك حبائلهم. فيا أيها المعلم. . . اتق الله، وليكن هدفك توعية شباب المسلمين، وتحذيرهم وإنقاذهم من الشر، وتربيتهم تربية إسلامية، وإذا سمعت عن شبهة لدى أحدهم. فأزل تلك الشبهة عنه، وبين له حقيقة الأمر، وأوضح له السبيل المستقيم. أيتها المعلمة. . . . إن واجبك أمام الفتيات أن تعلميهن الخير، وتنشري بينهن الفضيلة والدعوة إلى الخير، والتحذير من أولئك وأمثالهم. خطباء الجوامع. . . أئمة المساجد. . . واجبكم بين كل آن وحين أن تعرفوا العباد نعم الله، وتوصوهم باجتماع الكلمة وتآلف القلوب على الخير، وأن تحذروا المجتمع من دعاة الفرقة والاختلاف، من دعاة الفتنة والبلاء. مسؤولي الإعلام من صحافة وتلفاز وإذاعة وغيرها. . . إن مسؤوليتكم عظيمة، وإنكم تحملتم أمانة كبيرة، فواجبكم أن تكون صحافتنا وإذاعتنا، وإعلامنا المرئي كلها تخدم مبدأنا وهدفنا الإسلامي، وأن ننشر فيها باعتدال كيف نعالج هذه الجريمة، وكيف السعي في تحجيم هذه الجريمة، واحتوائها، ونوضح للقارئ والسامع والرائي الخطوات التي ينبغي أن يتخذوها ويسيروا عليها في سبيل مكافحة هذه الجريمة.

стр. 70

عمداء الأحياء. . ورجال القبائل. . . . وكل فرد من هذا المجتمع المسلم. . . يجب أن يكون كل منا يقظا حذرا ناصحا لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا بد أن يكون لدى الجميع توعية صادقة ونصيحة خالصة، نحذر فيها الأمة من هذه البلايا، ومن هذه الأباطيل، فعسى الله أن يجعل في ذلك خيرا، فإن الأمة إذا تكاتفت وتعاونت على البر والتقوى نجحت بتوفيق الله، ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١) .

стр. 71

أيها المسلمون. . . احذروا أن تكون مجتمعاتكم في أماكن استراحاتكم يسودها التناجي بالباطل والفساد، ليكن التناجي على الخير وما فيه خدمة الأمة، والسعي في تخليصها من هذه البلايا والفتن العظيمة، وليحذر الآباء والأمهات أن يؤتى شبابهم من حيث لا يعلمون، وليسألوهم عن أي مكان ذهبوا، وأين ذهبوا، ومن التقوا به، ليكون الجميع أعوانا على البر والتقوى، لنغلق على أولئك كل المنافذ، ونقطع عنهم خط الرجعة، حتى لا يكون لهم في بلادنا أرضية ينطلقون منها، بل نكون على حذر؛ لأن هذه نعمة الله التي نرعاها، ورعاها آباؤنا من قبل في أمان واستقرار، ولكن تلك الحوادث التي فاجأتنا لا علم لنا بها في السابق ولله الحمد، وليست من أرضنا ولا من طبيعة أمتنا، ولكنها من كيد الأعداء، فنسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم، ويردهم على أعقابهم خائبين خاسرين، وأن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يبصر شبابنا بما ينفعهم، ويرزقهم الفهم الصحيح لدينهم، حتى يحذروا من تلك المكائد، ويستقيموا على الهدى، ويقوموا بما أوجب الله عليهم، ولا شك أن للذنوب والمعاصي آثارا في حصول ما حصل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) .

стр. 72

فالواجب على الجميع تقوى الله، وإصلاح الأخطاء والسعي فيما يجمع الكلمة، ويوحد الشمل، وإن الأمة لا نجاة لها ولا سعادة لها في الدنيا والآخرة إلا إذا لجأت لربها، وتمسكت بدينها وعقيدتها الصحيحة علما وعملا، وابتعدت عن كل ما يثير الفتنة ويسبب المشاكل، فإن التمسك بهذا الدين، والاعتصام بهذا الدين سبب الخير والصلاح واجتماع الكلمة، يقول النبي ﷺ : «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ... (١) » الحديث، فكتاب الله عصمة لنا من كل سوء، وعصمة لنا من كل بلاء، وفتنة، وعون لنا على أعدائنا، وسلاح ماض ضد أعدائنا. إننا إذا تمسكنا بهذا الدين التمسك الصحيح علما وعملا، فإن الله يعلم منا ذلك، والله أكرم الأكرمين لا يغير نعمه على العباد حتى يكون العباد هم السبب في زوالها، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) ، فإذا غير العباد نعمة الله بكفرها والعياذ بالله، وغيروا دين الله بالتهاون والتساهل غير الله عليهم نعمته بسلبها منهم، وإذا التجأ العباد إلى الله، ووثقوا بالله وتوكلوا عليه، وحكموا شرع الله، وأقاموا دين الله، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر فإن الله جل وعلا سينصرهم ويؤيدهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان هذه الأمة، يحفظها من كيد الكائدين، ويأخذ على أيدي المفسدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متى ما قوي جانبه، وعظم شأنه، وتفاعل في المجتمع ففيه الحماية بتوفيق من الله؛ لأن دين الله هو السبب في أمن الأمة، وسلامتها، وثباتها، وحفظها من كل سوء ومكروه. نسأل الله الاستقامة على الهدى، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يجعلنا وإياكم ممن عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلم.

стр. 73

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بيان من المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

стр. 74

حول التطاول على الرسول ﷺ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ على فترة من الرسل، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بعثه للناس كافة عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) . وأنزل عليه خير كتبه، القرآن الكريم، الذي هو معجزته الخالدة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤) ، وتعهد الله بحفظه من أن تمسه يد التغيير والتبديل، حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥) ، ليبقى مشعلا مضيئا، تستهدي به البشرية في مسيرتها الدائمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦) .

стр. 75

وجعل اتباع نبيه محمد ﷺ والتمسك بسنته موجبا لمحبته سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) . وقرن طاعته بطاعته في الكثير من الآيات. كقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) ، وغيرها من الآيات. وأوجب محبته على الخلق كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ (٥) ، وكما في الحديث الصحيح من «قول عمر ﵁: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فأنت والله يا رسول الله أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر (٦) » وقال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (٧) » متفق عليه.
следующие страницы →