← Фатава

Фатава · id 21771

رسائل وفتاوى عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (162 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أيها المسلمون. . . احذروا أن تكون مجتمعاتكم في أماكن استراحاتكم يسودها التناجي بالباطل والفساد، ليكن التناجي على الخير وما فيه خدمة الأمة، والسعي في تخليصها من هذه البلايا والفتن العظيمة، وليحذر الآباء والأمهات أن يؤتى شبابهم من حيث لا يعلمون، وليسألوهم عن أي مكان ذهبوا، وأين ذهبوا، ومن التقوا به، ليكون الجميع أعوانا على البر والتقوى، لنغلق على أولئك كل المنافذ، ونقطع عنهم خط الرجعة، حتى لا يكون لهم في بلادنا أرضية ينطلقون منها، بل نكون على حذر؛ لأن هذه نعمة الله التي نرعاها، ورعاها آباؤنا من قبل في أمان واستقرار، ولكن تلك الحوادث التي فاجأتنا لا علم لنا بها في السابق ولله الحمد، وليست من أرضنا ولا من طبيعة أمتنا، ولكنها من كيد الأعداء، فنسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم، ويردهم على أعقابهم خائبين خاسرين، وأن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يبصر شبابنا بما ينفعهم، ويرزقهم الفهم الصحيح لدينهم، حتى يحذروا من تلك المكائد، ويستقيموا على الهدى، ويقوموا بما أوجب الله عليهم، ولا شك أن للذنوب والمعاصي آثارا في حصول ما حصل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) .

стр. 72

فالواجب على الجميع تقوى الله، وإصلاح الأخطاء والسعي فيما يجمع الكلمة، ويوحد الشمل، وإن الأمة لا نجاة لها ولا سعادة لها في الدنيا والآخرة إلا إذا لجأت لربها، وتمسكت بدينها وعقيدتها الصحيحة علما وعملا، وابتعدت عن كل ما يثير الفتنة ويسبب المشاكل، فإن التمسك بهذا الدين، والاعتصام بهذا الدين سبب الخير والصلاح واجتماع الكلمة، يقول النبي ﷺ : «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ... (١) » الحديث، فكتاب الله عصمة لنا من كل سوء، وعصمة لنا من كل بلاء، وفتنة، وعون لنا على أعدائنا، وسلاح ماض ضد أعدائنا. إننا إذا تمسكنا بهذا الدين التمسك الصحيح علما وعملا، فإن الله يعلم منا ذلك، والله أكرم الأكرمين لا يغير نعمه على العباد حتى يكون العباد هم السبب في زوالها، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) ، فإذا غير العباد نعمة الله بكفرها والعياذ بالله، وغيروا دين الله بالتهاون والتساهل غير الله عليهم نعمته بسلبها منهم، وإذا التجأ العباد إلى الله، ووثقوا بالله وتوكلوا عليه، وحكموا شرع الله، وأقاموا دين الله، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر فإن الله جل وعلا سينصرهم ويؤيدهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان هذه الأمة، يحفظها من كيد الكائدين، ويأخذ على أيدي المفسدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متى ما قوي جانبه، وعظم شأنه، وتفاعل في المجتمع ففيه الحماية بتوفيق من الله؛ لأن دين الله هو السبب في أمن الأمة، وسلامتها، وثباتها، وحفظها من كل سوء ومكروه. نسأل الله الاستقامة على الهدى، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يجعلنا وإياكم ممن عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلم.

стр. 73

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بيان من المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

стр. 74

حول التطاول على الرسول ﷺ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ على فترة من الرسل، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بعثه للناس كافة عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) . وأنزل عليه خير كتبه، القرآن الكريم، الذي هو معجزته الخالدة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤) ، وتعهد الله بحفظه من أن تمسه يد التغيير والتبديل، حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥) ، ليبقى مشعلا مضيئا، تستهدي به البشرية في مسيرتها الدائمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦) .

стр. 75

وجعل اتباع نبيه محمد ﷺ والتمسك بسنته موجبا لمحبته سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) . وقرن طاعته بطاعته في الكثير من الآيات. كقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) ، وغيرها من الآيات. وأوجب محبته على الخلق كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ (٥) ، وكما في الحديث الصحيح من «قول عمر ﵁: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فأنت والله يا رسول الله أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر (٦) » وقال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (٧) » متفق عليه.

стр. 76

وبمناسبة ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة عن إقدام بعض الحاقدين على الإسلام ونبي الإسلام ﵊ على نشر صور وقحة، وتعليقات قبيحة مصاحبة لها في إحدى الصحف الصادرة في كوبنهاجن عاصمة الدانمارك زعم ناشروها أنها تمثل الرسول الكريم محمدا ﷺ ، وهي صور وتعليقات لا توجد إلا في مخيلة مروجيها ممن أكل الحقد والكراهية للإسلام ونبي الإسلام قلوب دعاتها. ومعلوم أن أنبياء الله ورسله هم خير البشر، وهم الذين اختارهم الله لحمل رسالاته، وإبلاغها لعامة الخلق، فواجب الخلق تجاههم الإيمان بهم، ونصرتهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، وقبول ما جاءوا به من عند الله. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١) . وقد أخبر سبحانه أن رسله منصورون بنصره. فقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٢) .

стр. 77

وإننا إذ نستنكر هذا البهتان العظيم الموجه لنبي الإسلام وخاتم النبيين ﵊ لعلى يقين بأن الله سبحانه ناصر لنبيه، وخاذل لأعدائه، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) . وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤) ، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥) ، وقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٦) . ووعده سبحانه حق، وقوله الصدق. ومعلوم أن سب الرسول والاستهزاء به، انتهاك لحرمته، وتنقيص لقدره، وإيذاء لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، وتشجيع للنفوس الكافرة والمنافقة على اصطلام أمر الإسلام، وطلب إذلال النفوس المؤمنة، وإزالة عز الدين، وإسفال كلمة الله. وهذا من أبلغ السعي فسادا، وقد أخبرنا الله سبحانه أن أعداءه سيواصلون شرهم وأذاهم، وأمرنا بالصبر والمصابرة، فقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٧) .

стр. 78

ويجب على كل مسلم نصرة رسول الله ﷺ وتعزيره وتوقيره، كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (١) وتعزيره: يشمل نصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. ونظرا لما أثاره هذا الهجوم الوقح على نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، من ألم واستياء وأذى لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإني أدعو المسئولين في حكومة الدانمارك بأن تحاسب الصحيفة التي نشرت هذه الرسوم، وتلزمها بالاعتذار عن جريمتها النكراء، وتوقع الجزاء الرادع على من شارك في إثارة هذا الموضوع. فهذا أقل ما يطالب به المسلمون. نسأل الله جلت قدرته أن يحفظ نبيه ورسوله محمدا ﷺ من كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، وظلم الظالمين، كما نسأله سبحانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، إنه على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. المفتي العالم للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

стр. 79

تأويل الرؤى والحذر من التوسع فيها لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ من عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ إلى من يراه من إخوانه المسلمين وفقنا الله وإياهم لكل خير. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . . أما بعد: فإنه وردنا جملة من الأسئلة والاستفسارات حول موضوع الرؤى وتعبيرها، وما طرأ في الأزمان الأخيرة من التوسع في ذلك، حتى خصص لها زوايا في الصحف والمجلات، وأيضا برامج في القنوات الفضائية، وكذلك استخدمها أصحاب المنتزهات والمنتجعات الترفيهية وسيلة للجذب وكسب الأموال، ثم قامت بعض الشركات بتخصيص رقم هاتفي على مدار الساعة لاستقبال مكالمات الناس وتفسير رؤاهم.

стр. 80

ولما كان الأمر كذلك رأينا أن نبين للناس ما نعتقده، نصحا لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم، وأداء لواجب البيان الذي أخذ الله الميثاق به على أهل العلم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (١) . فنقول وبالله نستعين: إن المؤمن يعلم أن الرؤى حق وأنها من عند الله وأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وأنها من المبشرات، وكل هذا صحيح جاءت النصوص الصحيحة مصرحة به، فمن ذلك ما جاء في القرآن من بيان لبعض رؤى الأنبياء وما كان من تفسيرها وتأويلها، وكذلك رؤيا غيرهم وما كان من تفسيرها. فأما رؤيا الأنبياء فإنها حق ووحي، ومن ذلك قول إبراهيم الخليل ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) . ومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ حيث قال فيما قص الله سبحانه لنا من خبره: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٣) وجاء تأويلها في آخر السورة عند قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٤) . وأما غير الأنبياء فقد جاء في كتاب الله العزيز في سورة يوسف ﵇، رؤيا السجينين وتأويل يوسف ﵇ لرؤيا كل منهما، وكذلك رؤيا الملك وتأويل يوسف ﵇ لها.

стр. 81

وأما أدلة الرؤيا من السنة الصحيحة، فمنها حديث أنس بن مالك ﵁ عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (١) » . وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (٢) » . وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا (٣) » . الحديث أخرجه مسلم.

стр. 82

فثبت بهذا أن الرؤى حق، لكن ينبغي أن يعلم أنه ليس كل ما يراه النائم هو من الرؤى الحق، بل ما يعرض للنائم في منامه، منه ما هو من الرؤى، ومنه ما هو من تهويل الشيطان وتلاعبه بابن آدم ليحزنه، ومنه ما يحدث به المرء نفسه يقظة فيراه مناما، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس (١) » . . . الحديث أخرجه مسلم.

стр. 83

إذا تبين هذا فإن ديننا الإسلام قد جاء بما فيه صلاح وخير البشر في العاجل والآجل، وقد بين لنا نبي الهدى والرحمة ﷺ كل ما فيه نفعنا وخيرنا، ومن ذلك ما نحن بصدده الآن فإن المسلم ينبغي له أن يعتني بذكر الله والإكثار منه فإن الله تعالى يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) وقد بين لنا النبي ﷺ أذكارا نقولها في الصباح والمساء وعند النوم ترفع بها درجات المسلم ويزداد بها إيمانه، ويعصمه الله بها من شر الشيطان وشر كل ذي شر فلا يضره شيء بإذن الله وحده، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر رب أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر (٢) » وإذا أصبح قال ذلك أيضا: «أصبحنا وأصبح الملك لله (٣) » أخرجه مسلم. ومنه أيضا حديث عبد الله بن خبيب قال: «خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ ليصلي لنا فأدركنا فقال: أصليتم قل، فلم أقل شيئا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئا، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد، والمعوذتين حيث تمسي، وحيث تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء (٤) » أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 84

ومنه أيضا حديث أبي هريرة ﵁، «أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحنا وإذا أمسينا، قال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك (١) » أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. ومنه أيضا حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء (٢) » . ومنه أيضا حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي (٣) » .

стр. 85

ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، من قالها عشر مرات حين يصبح، كتب له بها مائة حسنة، ومحي عنه بها مائة سيئة، وكانت له عدل رقبة، وحفظ بها يومئذ حتى يمسي، ومن قال مثل ذلك حين يمسي كان له مثل ذلك (١) » . وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أقوال وأعمال عند النوم يحسن بالمسلم أن يعتني بها: فمن ذلك حديث حذيفة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور (٢) » . ومنه حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (٣) » .

стр. 86

ومنها حديث أبي هريرة ﵁: «أنه أتاه آت يحثو من الصدقة، وكان قد جعله النبي ﷺ عليها ليلة بعد ليلة، فلما كان في الليلة الثالثة قال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، إنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هي، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) حتى تختم الآية، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» . ومنه حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (٢) » . ومنه حديث ابن عمر ﵄، «أنه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول: اللهم خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية قال ابن عمر: سمعته من رسول الله ﷺ (٣) » .

стр. 87

ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جني، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين (١) » . ومنه حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول (٢) » متفق عليه وفي رواية لمسلم: «واجعلهن من آخر كلامك (٣) » . فهذه الأوراد والأذكار ينبغي لكل مسلم الحرص عليها والمداومة على الإتيان بها في محالها؛ اتباعا لسنة النبي ﷺ ، وطردا للشيطان عنه وكذلك كل ذي شر، فإن الله يعصمه منه بحوله وقوته.

стр. 88

ثم إن المسلم إذا رأى في منامه رؤيا فليتبع الأدب النبوي في ذلك، فإن كانت رؤيا تسره ويحبها فليحمد الله ولا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ويتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا، ويتحول عن شقه الذي كان عليه ولا تضره الرؤيا. وقد جاء في بيان ذلك أحاديث صحيحة، منها حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني، حتى سمعت النبي ﷺ يقول: «الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره (١) » أخرجه البخاري، وجاء عند ابن ماجه ذكر التحول عن شقه الذي كان عليه. هذا هو الأدب النبوي العام في الرؤى، فإن أراد الرائي تعبير رؤياه فإنه يقصها على عالم بالتعبير ناصح أمين على الرؤيا. هذا ما يتعلق بالرائي. أما المعبرون فالواجب عليهم تقوى الله ، والحذر من الخوض في هذا الباب بغير علم فإن تعبير الرؤى فتوى لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٢) . ومعلوم أن الفتوى بابها العلم لا الظن والتخرص، ثم أيضا تأويل الرؤى ليس من العلم العام الذي يحسن نشره بين المسلمين ليصححوا اعتقاداتهم وأعمالهم، بل هي كما قال النبي ﷺ مبشرات، وكما قال بعض السلف: الرؤيا تسر المؤمن ولا تضره.

стр. 89

هذا وإن التوسع في باب تأويل الرؤيا، حتى سمعنا أنه يخصص لها في القنوات الفضائية، وكذلك على الهواتف، وفي الصحف والمجلات والمنتديات العامة من المنتجعات وغيرها أماكن خاصة بها؛ جذبا للناس وأكلا لأموالهم بالباطل، كل هذا شر عظيم وتلاعب بهذا العلم الذي هو جزء من النبوة، قيل لمالك ﵀: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب! وقال مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها فإن رأى خيرا أخبر به وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول من قال: إنما على ما أولت عليه، فقال: لا، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة.

стр. 90

فيجب على المسلمين التعاون في منع هذا الأمر كل حسب استطاعته، ويجب على ولاة الأمور السعي في غلق هذا الباب؛ لأنه باب شر وذريعة إلى التخرص والاستعانة بالجن وجر المسلمين في ديار الإسلام إلى الكهانة والسؤال عن المغيبات، زيادة على ما فيها من مضار لا تخفى من إحداث النزاعات والشقاق والتفريق بين المرء وزوجه، والرجل وأقاربه وأصدقائه، كل هذا بدعوى أن ما يقوله المعبر هو تأويل الرؤيا، فيؤخذ على أنه حق محض لا جدال فيه وتبنى عليه الظنون، وهذا من أبطل الباطل، كيف وصديق هذه الأمة بل خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين لما عبر الرؤيا قال له النبي ﷺ : «أصبت بعضا وأخطأت بعضا (١) » ونحن لا نعلم أن أصحاب النبي ﷺ وهم خير القرون وأحرصهم على هدي نبينا ﷺ وأتقاهم لله وأخشاهم له لا نعلم أنهم عقدوا مجالس عامة لتأويل الرؤى ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وإني إبراء للذمة ونصحا للأمة لأحذر كل من يصل إليه هذا البيان من التعامل مع هؤلاء أو التعاطي معهم والتمادي في ذلك، بل الواجب مقاطعتهم والتحذير من شرهم، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، ورزقنا اتباع سنة سيد المرسلين واقتفاء آثار السلف الصالحين، وحشرنا وإياكم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،، المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

стр. 91

حرمة الإفساد لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

стр. 92

فأشكر الله قبل كل شيء على هذا اللقاء المبارك، والشكر موصول لمؤسسة الدعوة الخيرية على ما تبذل من جهد، وتهيئ من فرص لهذه الندوات المباركة التي تعم كثيرا من مناطق المملكة ولعلنا في المستقبل نرى - إن شاء الله - هذا النشاط يعم كثيرا من المناطق؛ ليعم الخير، وتحصل الفائدة فجزى الله القائمين عليها خيرا. أيها الإخوة، أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يجعلنا جميعا ممن: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) ، وبعد: فإن الله - جل وعلا - خلق الخلق لعبادته، خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، خلقهم لهذه المهمة العظيمة وهذا الشأن الكبير، خلق أبانا آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة، ثم لما عصى بأكل الشجرة أهبطه للأرض؛ ليعمرها بتوحيد الله وطاعته، فمضى على آدم وعلى ذريته قرون عديدة وهم على توحيد الله؛ على الفطرة المستقيمة، على الدين الخالص، حتى دب إليهم الشرك بوساوس عدو الله إبليس الذي سعى في إضلال بني آدم وإخراجهم عن فطرتهم، بتزيين الكفر والضلال لهم؛ فوقع الشرك في قوم نوح فبعث الله نوحا ﵇ يدعو إلى الله وإلى توحيده. ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢) تتابعت الرسل، كلما مضى رسول بعث الله رسولا آخر؛ ليقيم الدين لله ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ (٣) ؛ فأقام الله حجته على العباد بإرسال الرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤) ، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) .

стр. 93

فلما رفع عيسى ﵇؛ رفعه الله إليه، وعم الأرض الجهل والضلال والبعد عن الهدى، وانطفأت شمس الرسالات، وأصبح الخلق في اضطراب وغاية من البعد عن الهدى: «نظر الله إلى أهل الأرض: عربهم وعجمهم، فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب (١) » الحديث أخرجه الإمام مسلم بلفظ: «إن الله نظر إلى أهل الأرض (٢) » . .) الحديث؛ لأن الأرض أظلمت بالشرك، وأظلمت بالفساد العظيم والضلال، حيث إن البلاد والعباد لا صلاح لهم، ولا استقامة لهم إلا بهذا الدين الذي يحكم تصرفاتهم. فإذا انطفأت شمس الرسالة أصبح الخلق في ضلال وجهل وبعد عن الهدى، فبعث الله عبده ورسوله محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم، وقد عم الأرض الجهل والضلال والبعد عن دين الهدى يقول الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣) ؛ بعث الله محمدا ﷺ وفي الأرض: ضلال عظيم وجهل وبعد عن دين الله، وفساد وظلم، وطغيان وضلال، فبعثه الله بالهدى ودين الحق؛ ليصلح به البلاد والعباد، وليقيم به شرعه - جل وعلا -، ولينقذ البشرية من ضلالها وغوايتها وجهالتها. كانت الأرض تعج بملل شتى، بملل ونحل محرفة أو باطلة من أصلها من يهودية، ونصرانية، ومجوسية، وصابئة، وغير ذلك من أنواع الملل والنحل كان الناس في غاية من الجهل، وغاية من الاضطراب، وكل أهل ملة متى ظفرت بالأخرى قضت عليها، وأنهت وجودها؛ فكان الأمر دولا؛ يدال لهؤلاء تارة ولأولئك تارة أخرى. فلما بعث الله محمدا ﷺ جعل بعثته رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ، حقا إن بعثته ﷺ رحمة للعالمين، ليست رحمة لأتباعه فقط، ولكنها رحمة لأهل الأرض كلهم.

стр. 94

أتباعه هم الذين انقادوا لشريعته، واتبعوا ملته فنالوا السعادة في الدنيا والآخرة؛ فهم سعداء في الدنيا باتباعه، وسعداء في الآخرة بما أعد الله لهم من النعيم المقيم، والذين لم يدخلوا في شريعته من أرباب الملل رحموا في الدنيا؛ بأن خلصوا مما كانوا يعانونه من نكبات ونكبات، ويعانونه من قتال، ويعانونه من سلب ونهب؛ فعاشوا جميعا تحت ظلال الإسلام. تحت ظل الإسلام عاش المؤمنون، وعاش من خضع لأحكام الإسلام؛ فصار محمد ﷺ وشريعته رحمة للعالمين ولهذا جعل الله محمدا رحمة، وجعل كتابه رحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) ، وقال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٢) ، ورسالته ﷺ رسالة عامة، يقول : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣) ، فهي رسالة عالمية، وكتاب عالمي، ورسول عالمي لأهل الأرض كلهم.

стр. 95

ولما جعل الله محمدا خاتم الأنبياء ﷺ أوجب على أهل الأرض طاعة هذا النبي ﷺ ، والانضواء تحت لوائه، والسمع والطاعة والاستجابة له، وصار من لم يتبعه في النار، وهو كافر خارج عن ملة الإسلام، لكنه إذا خضع لأحكام الإسلام كأهل الذمة عاش تحت ظل الإسلام محكوم بأحكامه، هذا النبي الكريم ﷺ عندما دعا إلى الله؛ دعا العرب قومه إلى الله، وأرشدهم إلى الهدى والحق فقاوموا دعوته، وكابروها، وقعدوا لها بالمرصاد يصدون الناس عنها ويبعدونهم عنها، ولكن كما قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فمضى ﷺ في دعوته في مكة بضع عشرة سنة إلى أن دخل الإسلام في الأوس والخزرج؛ فأذن الله له بالهجرة إلى المدينة فصارت دار نصرة، ودار حماية، فعاش فيها عشر سنوات حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وما قبضه إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك. ما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما، ولا خير إلا دلنا عليه، وأرشدنا لسلوكه، ولا شر إلا بينه لنا وحذرنا من سلوكه صلوات الله وسلامه عليه. أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وأصلح الله به الأرض بعد فسادها، وجمع به القلوب بعد شتاتها، ووحد به الأمة بعد فرقتها، وأعزها الله به بعد ذلها، ورفعها به بعد استكانتها وإهانتها؛ فنالت أمته العز والشرف في الدنيا والآخرة.

стр. 96

حقيقة مصطلح الإرهاب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . . وبعد: فإنه قد ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح الإرهاب وشنت الحرب عليه من غير تحديد لمفهومه وهذا من الخطأ الواضح.

стр. 97

فإن محاربة مصطلح وشن الحملات المتتابعة على أعلى المستويات الإعلامية والأمنية والدولية عليه، مع عدم معرفة حدوده، تعتبر حربا على المجهول، وهذا من شأنه أن يوقعنا في إشكالات كثيرة، منها: أن نعادي أطرافا على أنهم إرهابيون وليسوا كذلك، وهذا ظاهر فيمن يحارب ويقاوم لأجل أن يخلص بلاده من المحتل مثلا. وأيضا من الإشكالات أن يترك أطراف هم أشد عنفا وعداوة وإفسادا فلا يقاومون ولا ينكر فعلهم؛ لأن هذا المصطلح لم يطلق عليهم وإن كان منطبقا عليهم. نحن في دين الإسلام لا نقر استخدام الألفاظ المحتملة لعدة معان من غير تمييز المعنى المراد؛ لأن ديننا إنما جاء بالوضوح والصراحة والصدق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) . وديننا جاء بالعدل فلا يمكن أن يحملنا بغضنا وعداوتنا لأقوام على أن نعتدي عليهم ولو بالألقاب التي لا تنطبق عليهم ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) . وتعلمنا في دين الإسلام أنه لا يمكن أن يحمل أطراف ذنوب أطراف أخرى، وبعبارة أخرى لا يمكن أن يؤخذ أطراف بجرائر آخرين مهما كان، يقول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) . . أما حقيقة هذا اللفظ من الناحية الشرعية فإنا لم نجد هذا اللفظ بعينه في النصوص الشرعية وإنما يوجد أصله الثلاثي وما تصرف منه وكذلك أيضا ما تصرف من أصله الرباعي. ومن هنا نعلم أن مصطلح الإرهاب بهذه الصيغة لم يرد في الشرع أصلا حسب علمنا، وإنما ورد بعض ما تصرف من جذره. هذا وإنما يكون من تصرفات عدوانية إجرامية فإن له أسبابا أجملها فيما يلي: فأول الأسباب وأعظمها خطرا وأوسعها ظهورا وانتشارا هو: الإعراض عن تطبيق شرع الله في الأرض. ومن الأسباب: الغلو: وهو مجاوزة الحد، وهذا الغلو أو ما قد يصطلح عليه بـ"التطرف" خطير جدا في أي مجال من المجالات حتى ولو كان لباسه دينيا. ومن الأسباب: التصور الخاطئ. ومن الأسباب: العوائق التي تقام في وجه الدعوات الصادقة. وعلاج ذلك يتلخص في أمور:

стр. 98

منها: العمل الجاد على تعميم تعاليم الإسلام وتطبيقها. ومن وسائل العلاج: تأصيل العلم الشرعي الرصين المبني على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. ومن وسائل العلاج: الوضوح والصراحة في محاربة هذه الآفة. ومن الوسائل: تحرير المصطلحات الشرعية وضبطها بضوابط واضحة حتى لا تكون مجالا لتجار الظلام والإفساد. وقد كان لنا بحث في هذه القضية يجده القارئ في ثنايا هذا العدد من هذه المجلة المباركة، نفع الله به كاتبه وقارئه. أسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمته ويرزقنا شكرها، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يصلح أحوال المسلمين ويكبت أعداءهم، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 99

شهر رمضان فضله وبعض ما يشرع فيه من العبادة لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

стр. 100

فإننا اخترنا أن تكون افتتاحية هذا العدد من هذه المجلة المباركة النافعة حول شهر رمضان، فضله وبعض ما يشرع فيه من العبادات. فإن الله قد من علينا بهذا الشهر الكريم المبارك، زمن فاضل خصه الله بمزيد من الخصائص من بين سائر الشهور، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن كتاب الله العظيم يقول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١) في هذا الشهر تفتح أبواب الرحمة، وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، فتكون النفوس المؤمنة مقبلة على طاعة ربها، معرضة عن معاصيه، يقول النبي ﷺ : «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين (٢) » رواه الجماعة إلا أبا داود بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة ﵁. وجاء عند بعضهم عن غيره، وزاد الترمذي وابن ماجه والنسائي في رواية: «وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة (٣) » وفي بعض الروايات تقييد التصفيد والغل بمردة الشياطين؛ فاختلفت أنظار العلماء في شرحه وبيانه فمنهم من قال: إن التصفيد خاص بمردة الشياطين دون غيرهم تقليلا للشر في هذا الشهر، وقال بعضهم: إن هذا الفضل إنما يحصل للصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه. وقال آخرون -وهو الأقرب إلى الصواب بإذن الله-: إن تصفيد الشياطين على حقيقته، ولا يلزم من تصفيد جميع الشياطين أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية، فالمقصود أنه وبكل حال فإن هذا الشهر فرصة لمن وفقه الله وفتح على قلبه للإقبال على طاعته، والبعد عن معاصيه لتوفر أسباب ذلك ودواعيه.

стр. 101

ويستفاد من هذا الحديث بزياداته فضيلة أخرى، وهي أن لله في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة. وفضائل هذا الشهر الكريم كثيرة عظيمة ذكرنا فيما مضى طرفا منها. ودخول هذا الشهر الكريم لا يثبت إلا بأحد أمرين: الأول: رؤية هلال رمضان. فيثبت الشهر بذلك بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) وفي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا (٢) » متفق عليه. ويكفي في ثبوت الرؤية إخبار عدل واحد من المسلمين برؤيته له، على الصحيح، لقول ابن عمر ﵄: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (٣) » رواه أبو داود والدارمي وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن حزم. وفي حديث ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- يعني رمضان- فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٤) » رواه أصحاب السنن.

стр. 102

الأمر الآخر: الذي يثبت به دخول شهر رمضان؛ إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، فإنه إذا لم ير الهلال أكملت عدة شعبان ثلاثين يوما، سواء كان الجو صحوا أو غائما أو قترا؛ لقول النبي ﷺ : «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١) » متفق عليه واللفظ للبخاري، وفي معناه أحاديث أخرى في الكتب الستة وغيرها. ومن رأى الهلال فردت شهادته فإنه لا يصوم إلا يوم صوم الناس؛ لقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون (٢) » أخرجه الترمذي. ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين، فلا عبرة بقول أهل الحساب والفلك في هذا الأمر، فإنه أمر شرعي ينبني عليه عبادات المسلمين ضبطها الشارع بضوابط لا يجوز لنا تجاوزها، وقد دلت الأدلة على أن ثبوت شهر رمضان لا يكون إلا بالرؤية الشرعية المعتبرة، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. ولم يأت دليل يعلق دخول هذا الشهر بالحساب، بل قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على عدم اعتباره، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (٣) » يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. فنفى المعرفة بالحساب وظاهره نفي تعليق الحكم به، يوضح ذلك ما في البخاري أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٤) » .

стр. 103

بل إن بعض العلماء قد نقل إجماع السلف على عدم اعتبار الحساب في ثبوت شهر رمضان، وإذ قد ظهر ذلك فإن الاعتماد على الحساب في إثبات الشهر عمل غير مشروع؛ لعدم الدليل عليه، مع مخالفته لظواهر الأدلة وما نقل من إجماع سلف الأمة، فيكون القول به مردودا على صاحبه، يقول النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵄ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » . والجاليات المسلمة في البلاد الكافرة إن تمكنوا من تحري رؤية هلال رمضان فهو المتعين، وإن لم يتمكنوا فالواجب عليهم أن يتبعوا أقرب بلد مسلم يعمل بالرؤية الشرعية، ولا يجوز لهم العمل بالحساب بحال كغيرهم من المسلمين في بلاد الإسلام. ويشرع استقبال هذا الشهر الكريم بالتوبة إلى الله من الذنوب والخطايا، ورد المظالم إلى أهلها، فإن هذا مشروع كل وقت، يقول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣) ، ويتأكد أمر التوبة في مثل هذه الأزمان الفاضلة لشرفها وعظم أجر الأعمال الصالحة فيها.

стр. 104

هذا وإنه مما ينبغي التنبيه له أنه لا يجوز للمسلم أن يصوم يوم الشك، يقول عمار ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » ويوم الشك هو يوم الثلاثين إذا لم يحل دون منظر هلال ليلته غيم أو قتر. وإذا دخل هذا الشهر الكريم، فإنه لا بأس من التهنئة بدخوله؛ لأنه قد ثبت ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه، ففي سنن النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم (١) » . وجاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: «في رمضان تغلق أبواب النار. . . (٢) » الحديث إلى أن قال ﷺ : «وينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر حتى ينقضي رمضان (٣) » . ثم إن أعظم العبادات في هذا الشهر الكريم هي عبادة الصيام، وصيام رمضان رابع أركان الإسلام يقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٤) » متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، واللفظ لمسلم.

стр. 105

وهو فرض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ومن السنة حديث ابن عمر السابق. وقد أجمع المسلمون على فرضية صيام رمضان. ومعنى الصوم في اللغة: مطلق الإمساك، يقول الله تعالى عن مريم أم عيسى ﵇: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢) . وقال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وهو في الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، طاعة لله . والصوم له فوائد عظيمة في الدنيا والآخرة: فمنها أنه سبب لحصول التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) . وهو وقاية للمسلم من الذنوب، ووقاية من عذاب الله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصيام جنة وحصن حصين من النار (٤) » أخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان. وأصله في الصحيحين. بالصوم تضيق مجاري الشيطان، وتخف دواعي الشهوة التي تردي صاحبها؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٥) » متفق عليه.

стр. 106

الصوم سبب لإجابة الدعاء فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر (١) » . . . الحديث أخرجه الترمذي. وقد خص الصيام من بين سائر الأعمال بمزيد فضل ومزية، من ذلك أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه (٢) » متفق عليه. ومن ذلك أيضا أن جميع الأعمال جزاؤها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإن الله سبحانه أضافه إلى نفسه وتولى سبحانه جزاءه بغير حصر. يقول النبي ﷺ : «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به (٣) » . الصائمون لهم باب يخصهم من أبواب الجنة لا يدخل معه أحد غيرهم، يقال له باب الريان، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد (٤) » .

стр. 107

هذه بعض فضائل الصوم المنصوص عليها في الشرع، وهناك فوائد أخرى يذكرها أهل الطب وغيرهم مثل كون الصوم علاج للبدن وتنقية له من الأخلاط الرديئة التي تضره، وقد كان كبار أهل الطب يصفونه علاجا لمرضاهم. ثم إن الصائم يجب عليه أن يخلص لله في صيامه وأن يحافظ عليه، ويحتسب ذلك عند الله فإنه سبب لمغفرة الذنوب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١) » متفق عليه. هذا وإن هناك أمورا تنافي حقيقة الصوم وتبطله، يجب على الصائم البعد عنها. وهناك أمور تنافي كمال الصوم وتجرحه، وتنقص ثوابه، يجب تركها كل وقت، ويتأكد ذلك في رمضان، لحرمة الزمان. أما مبطلات الصوم فقسمان: قسم مجمع على كونه مفسدا للصوم، وهو ثلاثة أمور الأكل والشرب والجماع، في نهار رمضان من العامد المختار. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢) .

стр. 108

وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم- مرتين- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها (١) » رواه البخاري وغيره من أهل السنن، وفي لفظ للبخاري: «يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي (٢) » . وقد أجمع المسلمون على أن هذه الأمور الثلاثة مفطرة للصائم مفسدة لصومه. القسم الثاني من المفطرات: ما وقع فيه الخلاف بين العلماء هل يعد مفطرا أم لا؟ وهذا القسم تحت أنواع:

стр. 109

منها: الحجامة، والصحيح أنها تفطر الصائم، فعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم (١) » رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وفي الباب عن ثوبان وشداد بن أوس وأبي هريرة وعائشة وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عن الجميع. قال الإمام أحمد ﵀: أصح حديث في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، وحسن أبو زرعة ﵀ هذا الحديث من طريق أبي هريرة، وقال الدارمي ﵀: صح عندي حديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٢) » بحديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به. وقال الإمام أحمد: أحاديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٣) » و «لا نكاح إلا بولي (٤) » يشد بعضها بعضا. وأنا أذهب إليها. وكلام أئمة الحديث في الاحتجاج بهذا الحديث كثير، يصعب سرده هنا. وفي معنى الحجامة التبرع بالدم. ومن المفطرات أيضا ما كان بمعنى الأكل والشرب مما يحصل به غذاء البدن، كالإبر المغذية، وكحقن الدم في جسم الصائم، وكذلك أيضا الأدوية والعلاجات التي تؤخذ من الأنف أو الفم؛ لأنهما منفذان للجوف أما الفم فواضح، وأما الأنف فدليله قول النبي ﷺ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (٥) » .

стр. 110

ومن المفطرات أيضا: إنزال المني بشهوة، بنحو استمناء أو تكرير نظر لما تقدم من عموم حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: «يترك طعامه وشرابه وشهوته (١) » . ولا يفطر بالاحتلام ولا بالإنزال الناتج عن التفكير؛ لقول النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم (٢) » متفق عليه. ومن تعاطى شيئا من المفطرات السابقة في نهار رمضان عامدا مختارا، وجب عليه المبادرة إلى التوبة والتضرع إلى الله لعله أن يعفو عنه ويغفر له تلك الزلة. ومع التوبة يجب عليه يوم مكان ذلك اليوم الذي أفطره. والمجامع في نهار رمضان عامدا مختارا يجب عليه مع التوبة النصوح، وقضاء يوم مكان كل يوم أفسده بالجماع، كفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والدليل على ذلك ما رواه الجماعة بألفاظ متقاربة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر مني؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه. وقال: اذهب، فأطعمه أهلك (٣) » .
следующие страницы →