ـ[فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية]ـ
المؤلف: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
عدد الأجزاء: ١١ جزءا
الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة للطبع - الرياض
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي
стр. 2
مقدمة مفتي عام المملكة
سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن من نعم الله علينا في الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، إتمام جمع وطباعة (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) ، وهي جملة من الفتاوى الهامة والمؤصلة، الواردة أسئلتها إلى دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وتوارد على الإجابة عليها جملة من جلة وخيرة علماء البلاد -نحسبهم ولا نزكي على الله أحدا- وكانت في أبواب العلم المختلفة: من عقيدة وتفسير وفقه. . . وغير ذلك مما تمس حاجة الناس إليها وترد أسئلتهم عليها.
وقد أشرف على جمعها فضيلة الشيخ: أحمد بن عبد الرزاق الدويش وفقه الله لكل خير، فكان مجدا في جمع الفتاوى وترتيبها ثم إعدادها للطباعة، فجزاه الله خير الجزاء.
وبعد انتهاء (الفتاوى) اجتمع لدينا مما استجد من الفتاوى
стр. 3
شيء كثير، رأينا أن نطبع المجموعة الثانية من (الفتاوى) بنفس ترتيب الفتاوى الأصل، وكانت طريقتنا في ذلك أن نجمع ما استجد من الفتاوى في كل باب، مما لم تكن له سابقة في الفتاوى الأصل التي طبعت سابقا، أجتمع أنا ومعالي الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان حفظه الله، وفضيلة الشيخ: أحمد الدويش -وفقه الله- كل يوم اثنين لقراءة هذه الفتاوى وإقرارها، فاجتمع لنا عدد كبير من الفتاوى هذه هي باكورتها، وسيتبعها -بإذن الله تعالى- ما يتممها.
وإني إذ أحمد الله الذي تابع علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ويسر لنا إنجاز هذا العمل - لأشكر معالي الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان حفظه الله، على صبره وجلده ومراجعته لهذه الفتاوى، كما أشكر فضيلة الشيخ: أحمد الدويش على عنايته واهتمامه وحسن جمعه وترتيبه، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
وأسأل الله العلي القدير أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، موافقا لمرضاته، مقربا عنده زلفى، عميم النفع، جزيل الفائدة، حسن العاقبة، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
стр. 4
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وآله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تم بحمد الله ترتيب: (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) في المملكة العربية السعودية (المجموعة الأولى) وبلغت: (ستة وعشرين جزءا) تفصيلها على النحو التالي:
١- الأجزاء (من ١- ٣) في العقيدة.
٢- الجزء (٤) في التفسير وعلوم القرآن.
٣- الأجزاء (من ٥- ٢٣) في الفقه، وترتيب أبوابه على نهج (مختصر المقنع) .
٤- الأجزاء (من ٢٤- ٢٦) كتاب جامع.
ولقد تم عزو كثير من الأحاديث التي استدل بها إلى مخرجيها؛ ليسهل على الباحث وطالب العلم معرفة حال الدليل، وتم الفراغ من طبعها عام ١٤٢٥ من هجرة الرسول ﷺ .
وهذه الفتاوى صدرت من علماء أجلاء، أعطاهم الله العلم والفقه والأمانة والغيرة، مما جعلهم محل ثقة المسلمين في مشارق
стр. 5
الأرض ومغاربها، وهذا جعل لهذه الفتاوى انتشارا بينهم، مما استدعى دور النشر والمحتسبين للأجر التسابق لطبعها، وقد اتسمت بوضوح العبارة والإيجاز غير المخل، وكانت في مجملها معتمدة على الدليل، موضحة بالتعليل، يستفيد منها العالم والمتعلم والمحتاج لمعرفة الحكم ممن لا يستطيعون الوصول إليه، فكل يجد بغيته لأن فيها العلم وفيها بيان الأحكام، وفيها حكم النوازل، ولما كان عمل اللجنة مستمرا كان العمل في تنسيقها وطبعها كذلك، وقد جرى استئناف العمل فيما جد بعد ما تم ترتيبه على النهج الأول في الطريقة والأسلوب، مع مراعاة استبعاد ما نشر مما يغني عنه تلافيا للتكرار، وقد لا يخلو منه، إما لزيادة فائدة، أو تغير أسماء المفتين، وقد يشذ ما يسهى عنه، وعلى القارئ غض الطرف وتلمس العذر، واخترنا لها اسم: (المجموعة الثانية) .
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، ونفع بها القارئ والمتعلم، وأثاب المفتي والجامع والمعاون والناشر والباذل، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
стр. 6
توحيد الربوبية
стр. 7
صفحة فارغة
стр. 8
السؤال الأول من الفتوى رقم (١١٨٤٣)
س ١: ما معنى توحيد الربوبية والألوهية؟
ج ١: معنى توحيد الربوبية: إفراد الله جل وعلا بأفعاله؛ كالخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة.
ومعنى توحيد الألوهية: إفراد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وجميع أنواع العبادة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 9
الفتوى رقم (١٦٩٥٠)
س: من الذي أوجد الشر، هذا الأمر تناقشت فيه أنا وأخ لي في الدين، أنا قلت له: إن الشر هو من خلق الله، فكما خلق الله الخير، فهو أيضا خلق الشر، وكما خلق الجنة خلق النار، وكما خلق المؤمن خلق الكافر. أما أخي فهو يقول: إن الشر من صنع الإنسان، وإن الله لا يخلق إلا كل ما هو خير وفيه نفع للناس، وقال لي: كيف يخلق الله الشر ثم يعاقبنا إذا فعلناه أو اقترفناه فقلت له: إن الله يأمر بالخير وينهى عن الشر، وهناك فرق بين الأمر والخلق، فالله خلق النار ولكنه ينهانا عنها. وقد تمسك كل منا برأيه عن قناعة، وإذا كان
стр. 10
الحق يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) فأنا أعلم أنني لم أوت من القليل إلا القليل؛ ولذلك جادلته بقدر علمي وعن قناعة، مع العلم بأن هذا الأخ يعلم من أمور الدين أكثر مما أعلم أنا، ولكنه لم يستطع أن يقنعني، وأنا أيضا لم أستطع أن أقنعه، وأنا أعلم أن رأيي بالنسبة لي وعلى قدر علمي هو الصواب، ولكني أيضا أعلم أنه قابل للخطأ، ورأيه خطأ قابل للصواب، وأعلم أيضا أن الله ينهانا عن الجدال بغير علم؛ ولذلك كتبت هذه الرسالة إلى فضيلتكم للإفادة أفادكم الله.
سائلا المولى أن يلهمنا جميعا الرشد والصواب إنه هو السميع العليم، وآخر دعوانا أن الحمد له رب العالمين، مع الشكر مقدما للرد والإفادة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ج: الأصل عموم خلق الله لجميع الأشياء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) .
فالله سبحانه خلق الخير وأمر به وأحبه، وخلق الشر ونهى عنه والله لا يحبه، فهناك فرق بين خلق الله للأشياء وإرادته لها، وبين حبها والأمر بها والرضا عنها، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٤) وقال
стр. 11
تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 12
الفتوى رقم (٢٠١٦٤)
س: معلوم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا ثابت في الكتاب والسنة، ولكن يوجد حديث في (صحيح مسلم) أن خلق السماوات والأرض وآدم ﵇ في سبعة أيام. كيف نوفق بين آيات الستة أيام وهذا الحديث في (صحيح مسلم) . نرجو توضيح ذلك؟
وجزاكم الله خيرا.
ج: الثابت والصحيح الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة: أن الله خلق العالم كله سماواته وأرضه وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر بذلك في كتابه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) .
وقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٣) وغير
стр. 13
ذلك من الآيات الكثيرة. والأيام هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت وهو القطع، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فأما الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ بلفظ: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل (١) » فقد أخرجه الإمام أحمد والنسائي ومسلم من غير وجه، وفيه استيعاب الأيام السبعة، وقد تكلم البخاري وغير واحد من أئمة الحديث على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، وليس مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وإنما وهم بعض الرواة في رفعه إلى النبي ﷺ ، وعلى ذلك فإن هذا الحديث الموقوف لا يقوى على معارضة الآيات والأحاديث الصحيحة المرفوعة، فلا يحتج به عليها، وبذلك يزول الإشكال ويتم الجمع بينهما.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 14
السؤال الأول والثاني من الفتوى رقم (١٩١٤٧)
س ١: هل هذه العبارة صحيحة من حيث المعنى: (لولا النبي
стр. 15
صلى الله عليه وسلم لكانت العرب في جاهلية) ؟
ج ١: الصواب: أن يقال: (لولا الله ثم بعثة النبي ﷺ ، أو (لولا بعث الله للنبي ﷺ ؛ ابتعادا عما يمس العقيدة من الألفاظ.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 16
س ٢: نحن نعلم أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله، فهل يجوز أن ن قول: (لا غالب إلا الله) ؟
ج ٢: لا مانع من إطلاق هذه العبارة؛ لصحة معناها، وهي من توحيد الربوبية، لكن لا يجوز أن تجعل تفسيرا لكلمة لا إله إلا الله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 17
السؤال الثاني من الفتوى رقم (١٨٢٥٢)
س ٢: ما حكم من قال: (لك رب ولي رب) . وما كفارتها؟
ج ٢: الواجب أن يقال: (الله ربنا وربكم) . كما في القرآن الكريم، فيقال: (الله ربي وربك) مثلا، ولا تقال هذه العبارة: (لي رب ولك رب) ؛ للإيهام بتعدد الأرباب.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 18
السؤال الثالث من الفتوى رقم (١٨٨٨٥)
س ٣: دخل معنا أحد المسيحيين في محاورة، فكان من ضمن ما سألنا عنه هذا السؤال الذي نصه: (هل يستطيع الله أن يخلق إلها مثله) ؟ فوقفت عاجزا ولم أستطع الإجابة عن ذلك.
فنرجو الإجابة عن ذلك.
ج ٣: قال الله في كتابه الكريم: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١) فبين الله في هذه الآية امتناع وجود إله، إذ يترتب على هذا ويلزم منه المحاذير التالية:
المحذور الأول: وقد بينه الله بقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٢) أي لانفرد كل إله بما خلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم المطالبة والتحارب والتغالب. تعالى الله عن ذلك.
المحذور الثاني: التنازع بينهما كل يطلب العلو على الآخر، وانتزاع ما بيده وقهره، وأخذ ملكه وغلبة القوي للضعيف، كما قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣) تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. المحذور الثالث: فساد الأرض والسماوات وما فيهما من
стр. 19
المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١) إذ كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد قادرا على الاستبداد بالتصرف، ويقع التنازع والاختلاف، فيحدث بسبب ذلك فساد الأرض والسماوات وما فيها. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ولا يجوز للمسلم لا سيما من كان قليل العلم والمعرفة أن يدخل في حوار وجدال مع أولئك المشككين الضالين؛ لأن عدم العلم عنده يسبب له انقداح بعض الشبه في نفسه، وعدم القدرة على الإجابة، وإعطاء الخصم المحاور موقف القوي، وجعل المحاور المسلم في موقف الضعيف بإقامة الحجة عليه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 20
الفتوى رقم (٢٠٨٢٣)
س: أرجو من فضيلتكم التكرم بالاطلاع على قصيدة بعنوان (هي الأقدار) والتي نصها:
стр. 21
هي الأقدار تطعن من تشاء … برمح الدهر يرسله البلاء
يصيب المرء في الأوداج حينا … فيصرعه تضرجه الدماء
هي الأقدار نعرفها جميعا … تدمدمها على الأرض السماء
لها وقع على القلب المعنى … فيجثوا المرء حيلته البكاء
هي الأقدار إن رضيت علينا … سقتنا العذب وانتفض النماء
وإن غضبت علينا لا تبالي … إذا جفت وأجدبت السماء
وما هو رأيكم فيها حفظكم الله من الناحية الشرعية؟ وهل يجوز نشرها في إحدى المجلات المدرسية التي توزع بين طلاب المرحلة الابتدائية؟
أفتونا مأجورين.
ج: هذا الكلام المذكور في هذه القصيدة لا يجوز؛ لأنه يسند أفعال الله إلى القدر، والواجب إسناد الأمور إلى الله مقدر الأقدار، مع الرضا بقضائه وقدره ومحاسبة النفس والتوبة من الذنوب؛ لأنها هي التي تسبب العقوبات، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
стр. 22
التطور والارتقاء
نظرية داروين
السؤال الأول من الفتوى رقم (٢٨٧٢)
س ١: لقد تعلمنا من خلال المقررات الدراسية شيئا عن نظرية (التطور) وكل ما يتعلق بالخلق، وكلما قرأت مزيدا من هذا الموضوع، كلما زاد اقتناعي بأن الله هو خالق الكون وما فيه، ولكن لدهشتي التامة فوجئت بكتاب من تأليف أحد المسلمين يؤيد نظرية التطور، مستشهدا بالقرآن، كما أن أحد المسلمين من أساتذتي سألني قائلا: بما أن الإسلام يمنع الزواج بين الأخ وأخته، فكيف تم الزواج بين ذرية آدم وحواء؟
ج ١: نظرية التطور المعروفة بنظرية (داروين) مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولإجماع أهل العلم والإيمان، فقد ثبت في القرآن والسنة ما يدل على خلق آدم من تراب، وخلق زوجه حواء منه.
أما تزويج آدم ﵊ لأبنائه من بناته، فذلك شيء درج فيه على شرع شرعه الله له، ليس لنا أن نخوض فيه، وأما شريعة محمد ﷺ فقد حرم الله فيها تزويج الأخ من أخته، وغير ذلك من المحرمات المعروفة في هذه الشريعة، وقد قال الله عز وجل
стр. 23
في كتابه الكريم لما ذكر شريعة التوراة والإنجيل والقرآن: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) فهكذا آدم ﵊ له شرعة سار عليها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 24
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٨١٣٩)
س ٣: ما حقيقة أصل الإنسان. هل صحيح أن الإنسان الأول الذي عاش قبل ملايين السنين كان له ذنب، وما الرأي فيما يردده بعض علماء الغرب حول أصل الإنسان؟
ج ٣: زعم أن أصل الإنسان قرد كذب وتقول على شرع الله، وإنما أبوه وأصله الأول آدم ﵊، وآدم خلق من طين.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 25
توحيد الألوهية
стр. 26
صفحة فارغة
стр. 27
توحيد العبادة
الفتوى رقم (١٦٠٨٥)
س: أجد في كتب التوحيد تقسيما على النحو الآتي:
١- التوحيد العلمي الخبري.
٢- التوحيد الإرادي الطلبي.
ما المراد من كلمة الإرادي في القسم الثاني، هل هو ما أراده الله من عبده في شرعه وأحكامه، أم ما أراده العبد من ربه بأن لا يريد شيئا غير الله، وما هي الإرادة الإلهية؟
وما المراد من كلمة (الطلبي) هل المقصود منها توحيد ما يطلبه العبد من ربه بأن لا يطلبه ويطلب غيره؟
وفي بعض الكتب نجد التقسيم الثاني بعبارة (التوحيد في القصد والإرادة) ما المقصود من كلمة (القصد) ، هل المراد به توحيد قصد العبد ربه، أي أنه يقصد ربه ولا يقصد غيره؟ أفيدونا يرحمكم الله.
ج: إن المراد بالتوحيد الطلبي الإرادي: أن يفرد العبد ربه بالعبادة من صلاة وصوم وذبح ونذر ودعاء وغير ذلك من أنواع العبادة، ويسمى هذا النوع: توحيد العبادة؛ عملا بقول الله سبحانه:
стр. 28
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) . وهذا هو معنى كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) ؛ ولهذا أنكرها المشركون لما أمرهم بها النبي ﷺ فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٣) . وأما إرادة الله سبحانه فهي صفة من صفاته اللائقة به، وهي نوعان:
أ- إرادة كونية، كإرادته خلق السماوات والأرض والأرزاق والآجال، فهو سبحانه فعال لما يريد ما أراده كونا فلا بد من وقوعه؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) .
ب- إرادة شرعية، وهي إرادته، من عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا، وهذه الإرادة قد يحصل المراد بها من العبد وقد لا يحصل؛ وذلك لحكمة من الله ، وهي المرادة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥)
стр. 29
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 30
السؤال- الثالث والثلاثون من الفتوى رقم (١٨٦١٢)
س ٣٣: نرجو التفضل ببيان: المراد بـ: (أصول الدين) على وجه التحديد.
ج ٣٣: يختلف المراد بأصول الدين، فمرة يقصد به أركان الإسلام والإيمان، ومرة يقصد به مباحث العقيدة، ومرة يقصد به ما لا يعذر المسلم بجهله من أحكام الإسلام؛ كتحريم الزنا والخمر، وهي اصطلاحات تختلف باختلاف آراء المصطلحين. ولا مشاحة في الاصطلاح، والذي يهم المسلم القيام بأمر الله تعالى، والانتهاء عن نهيه بسلوك جادة الشرع المطهر.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 31
الفتوى رقم (١٨٣٣٠)
س: نسمع بعض الناس يقولون: يا إلهي أنت جاهي، فما حكم الشرع في التلفظ بمثل هذه الألفاظ، وهل هي محظورة شرعا؛ وذلك لأن ظاهرها والله أعلم يوحي بعدم التلفظ بها، لحين جوابكم، هل هي محظورة شرعا، أم لا شيء فيها. أفيدونا حفظكم الله بالجواب الشافي الكافي.
ج: لا يجوز الدعاء بهذه الجملة؛ لأنها لفظة لم ترد في الكتاب والسنة، ولأن الجاه ليس من صفات الله، ولأنها لفظة محتملة بأن يكون الجاه بمعنى التوجه وقضاء الحاجة، وهذا خطأ لفظا، وإن كان المعنى صحيحا. وإما أن يكون بمعنى التوجيه لي بالشفاعة، وهذا خطأ لفظا ومعنى.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 32
السؤال الثاني من الفتوى رقم (١٨٣٩١)
س ٢: معظم الناس في بلادنا يزيدون أشياء في الدين، وإذا منعناهم بآيات وأحاديث، يستدلون بهذا الحديث الشريف، قال ﷺ : «من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (١) » ؟
стр. 33
ج ٢: ليس المراد بالسنة الحسنة شرع دين جديد، وإنما مراد النبي ﷺ إحياء السنة الحسنة التي سنها؛ حتى يقتدي به الآخرون، وكذلك السنة السيئة. والحديث عام في من أحيا سنة النبي ﷺ ، سواء في العهد النبوي، أو بعده إلى يوم القيامة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 34
السؤال الرابع والخامس من الفتوى رقم (٢١١٦٦)
س ٤: إذا كان هناك حق للمسلم أن يدعو الناس إلى الإسلام، فلماذا لا يستحق غير المسلم أن يدعو الناس إلى دينهم؟
ج ٤: دعوة الناس إلى الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له، هي وظيفة الرسل ومن اتبعهم من المسلمين، والمسلمون بعد بعثة محمد ﷺ هم الذين يقومون بهذه المهمة؛ لأنهم هم الذين على الحق المنزل من عند الله تعالى، فيقومون بالدعوة إلى هذا الحق؛ طاعة لله تعالى، وتأسيا بنبيهم محمد ﷺ ، ومن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورحمة بالخلق، وإشفاقا عليهم من عذاب الله، وإقامة للحجة على الناس التي يحبها الله سبحانه، أما غير المسلمين على شتى مللهم ومذاهبهم، فلا يجوز لهم دعوة الناس إلى ما هم عليه من الباطل والأديان المحرفة الباطلة؛ لأن من كان على الحق فلا
стр. 35
حاجة له بالباطل، كما لا يجوز لأهل الإسلام الإذن لأهل الأديان والمذاهب الباطلة بالدعوة إلى ما هم عليه من الباطل؛ لأن الدعوة إلى الكفر إبطال للإسلام، وطعن فيه، وتكذيب للقرآن ولنبوة محمد ﷺ ، وتصويب لعبادة غير الله من الصلبان والأوثان والنيران وغيرها من المعبودات من دون الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فكيف تجتمع الدعوة إلى عبادة الله وحده، والدعوة إلى عبادة غيره، والدعوة إلى الإيمان به وبرسوله، والدعوة إلى تكذيبه وتكذيب رسوله، والدعوة إلى بغض الكافرين وعاداتهم، والدعوة إلى محبتهم وموالاتهم. هذا لا يسوغ بحال.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
стр. 36
س٥: إذا قلنا: هناك لا يجوز لغير المسلم أن يدعو الناس إلى أديانهم، أليس هذا يخالف الآية الكريمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) ؟
ج٥: نعم لا يجوز لغير المسلمين دعوة المسلمين إلى مللهم وأديانهم الباطلة، كما سبق في الجواب السابق، وهذا لا يخالف قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢) الآية؛ لأن معنى هذه الآية: أنه لأجل كمال دين الإسلام في براهينه وأدلته واتضاح آياته، وكونه هو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح، ودين الحق والرشد؛ لأجل ذلك كله فهو لا يحتاج إلى
стр. 37
الإكراه عليه؛ لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب ويتنافى مع الحقيقة والحق، أو لما تخفى براهينه وآياته، أما دين الإسلام فمن جاءه ثم رده ولم يقبله، فإنه لعناده واستكباره عن الحق، فإنه قد تبين الرشد من الغي، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة إذا رده ولم يقبله، وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي، دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
стр. 38
الفتوى رقم (٢٠٩٦٦)
س: ما هو ردكم على منهج المتكلمين، الدين يقدمون العقل على النقل؟
ج: وظيفة العقل فيما ورد به الشرع كتابا أو سنة، هو فهمه والتسليم له، ولا يثبت قدم على الإسلام إلا بذلك، وقد جاءت نصوص كثيرة توجب اتباع الكتاب والسنة، وتحذر من التقديم بين
стр. 39
يدي الله ورسوله برأي أو اقتراح يصادم ما ورد فيهما، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) ، وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) ، وقال ﷻ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥) ، وقال جل وعز: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٦) ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات الآمرة باتباع الوحي المنزل من عند الله تعالى، والمحذرة من اتباع الأهواء، وما
стр. 40
تمليه العقول المنحرفة عن الصراط المستقيم.
فلا يجوز لإنسان الاغترار بعقله مهما أوتي من قوة في الفهم، وسعة في التفكير، فيجعل عقله أصلا، ونصوص الكتاب والسنة فرعا، فما وافق عقله قبله واتخذه دينا، وما خالفه أنكره أو حرفه عن موضعه، فإن ذلك اتهاما للشريعة الإلهية، وقضاء على أصولها، وهدما لدعائمها، فالعقول متفاوتة، والطبائع مختلفة، والأفكار متباينة، والناس لا يكادون يتفقون على شيء، اللهم إلا ما كان من الحسيات والضروريات، وإذا كان الأمر كذلك فما العقل الذي يجعل أصلا، ويرجع إليه عند التنازع، ويحكم في فهم نصوص الشريعة؟
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (واعلم أنه ليس في العقل الصريح، ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلا. . . ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علما وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.