مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
***************
بين الرشاد والتيه
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين الرشاد والتيه
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
بين الرشاد والتيه
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر
دمشق-سورية
стр. 4
جميع الحقوق محفوظة
١٤٢٦هـ - ٢٠٠٢م
ط١: ١٩٧٨م.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ الموافق ١٠ حزيران (يونيو) ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملا مني لهذه الرسالة، ووفاء لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذا لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجا في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجما من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيه إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان ١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
بين الرشاد والتيه
كتاب ضم مقالات كتبها الأستاذ مالك بن نبي بالفرنسية، ونشر معظمها في جريدة ((الثورة الإفريقية La revolution Africain)) إثر عودته إلى الجزائر بعد الاستقلال في الستينات.
وقد جمعها ﵀ في صيف عام ١٩٧٢م، وترجمها إلى العربية، ثم بوبها وحدد فصولها، واختتمها بكلمة عن الصراع الفكري.
وقد سلمني أصول هذا الكتاب إثر الفراغ منه، فلما قرأته وجدت من المناسب مراجعة النص بما يحافظ على أسلوب الأستاذ مالك، ويزيل إبهام بعض العبارات، وهكذا أصبح الكتاب جاهزا للتداول بين أيدي القراء، في مرحلة من مسيرة الأمة العربية تداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
فالمقالات هذه تعكس أحداث الستينات في الجزائر كما في العالم العربي والإسلامي. وهي أيضا تطرح مشاكل العالم الثالث بعد الاستقلال السياسي، فتسلط عليها أضواء كاشفة تبرز أبعادها وتنير طريق الكفاح، من أجل القضاء على هذه المشاكل.
ففي الستينات، كانت في الجزائر مهمات البناء الجديد للدولة، في الإطار السياسي والإداري والاقتصادي، وكان الأستاذ مالك يواجه بفكره هذه المهمات،
стр. 7
يرصد الأحداث اليومية والمبادرات المستقبلية. ثم يخرج على الناس بمقالات، تحدد مفاهيم العمل ومقاييسه الثابتة، حتى لا تضل في المفاهيم الغربية المستوردة، أو تتيه في زحمة التضليل المتداول في سوق الصراع الفكري.
وفي هذا الإطار كان الأستاذ مالك يتخذ من مواقف الأمس والحاضر أدلة للتوضيح والمناقشة.
فإذا تحدث عن الثورة في العصر الحديث، اتخذ من الثورات المعاصرة نماذج وأمثالا: الصين وكوبا وما أكثر ما ضجت بأحداثهما الستينات، وما أكثر ما خرج حولهما من تعليق. وما أكثر ما ربط الناس بين التطور والماركسية في تلك المرحلة، وما أكثر ما تحدث زعماء العالم الثالث عن الاشتراكية والتقدمية بوصفهما خطة في معركة البناء والتحرر:
كان حتما على رجل المنهج أن يستخرج الضوابط لهذه التطورات؛ فيطرح ما علق فيها من أوهام ترتبط بالبنية الفكرية للإنسان المتخلف في العالم الإسلامي والعالم الثالث على العموم، ويأخذ الذي يثري مبادرات التغيير والتطور بتجربة فتية راهنة.
لذا استشهد الأستاذ مالك بكثير من المبادرات التي حفل بها العالم الحديث؛ فكانت اليابان مثلا لنهضة استقامت على سنة التاريخ، فأعطت وأثمرت منذ العصر الميجي في منتصف القرن الماضي، وكان الحديث عنها شاهدا على عقم ما اتبعت النهضة الإسلامية الحديثة من سبل فتفرقت بها عن سبيل الأصالة والسنن التي أودعها الله الحياة.
وكانت الصين، ومن قبلها الإتحاد السوفيتي، ومن بعدها كوبا، أمما أمثالنا؛ وقد واجهت أفكار هذه الأمم وقياداتها مشاكلها بتجربة واعية مدركة، فسارعت إلى مكانها في الإسهام في مصير العصر الحديث، في الإطار السياسي
стр. 8
والاقتصادي، فكان لابد إذن من مثل يؤخذ من هذه التجربة، ومثل يؤخذ من تلك التجربة، على الرغم من التباين المذهبي والسياسي بين التجربتين كلتيهما.
فحين يتحدث الأستاذ مالك عن اليابان حينا، وعن الصين أحيانا، على الرغم من أن الأولى ذات نظام رأسمالي والثانية ذات نظام شيوعي؛ فلكي يزيل عن أذهان العالم الثالث، ما قد فرضته معطيات الحياة المعاصرة، من حتمية الاختيار بين أي من النظامين في مواجهة ضرورات المستقبل.
فالأستاذ مالك يهتم بتوضيح الضوابط الفنية للحركة الاجتماعية، التي تتكون في بنائها ثقافة كل مجتمع، ويتكون في إطار هذه الثقافة حضارة توفر الشروط والضمانات الضرورية لأفراد ذلك المجتمع.
وهو في كل ما حدد من ضوابط في هذه المقالات في الإطار الثوري أو السياسي أو الاقتصادي، إنما يثري الفكر الإسلامي برؤية جديدة، يتعامل من خلالها مع القيم التاريخية والأصالة التي أودعها الإسلام ضمير العالم الإسلامي عبر العصور.
فالأستاذ مالك، يدعو إلى بعث هذه القيم في إطار ثورية حقيقية، ترتكز في أساسها على ما ارتكزت عليه الثورة الإسلامية في عهد النبوة، لذا يربط الأستاذ مالك بين معطيات السنن الإلهية في تطوير المجتمعات وتغييرها، وبين نجاحها الفعلي في كل أمة اتخذت طريق هذه السنن في مواجهة مستقبلها، مهما كان اتجاهها الفكري والمذهبي.
هذا الربط، إنما هو تأكيد للقاعدة التي هي سنة الله لا تبديل لها. فالله ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١/ ١٣]. وتغيير ما بالنفس إنما هو تغيير ما بالفكر من رؤية للأمور، وما بالروح من رتابة وجمود.
لذا بدا صوت الأستاذ مالك في هذه المقالات، عاليا وأحيانا منفعلا، وهو
стр. 9
يرى غفلة الأبصار عن حقيقة الهزيمة في حرب ١٩٦٧م في فلسطين. وهكذا ضاع ما كان لهذه الصدمة من أمل في بعث الرؤية الجديدة لمستقبل الأمة العربية، وضاع في إثرها كل عمل جاد في تجميع الثروة الاقتصادية والبترولية للعالم العربي، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية عالمية ذات بعد سياسي واقتصادي معا.
لذا أهتم مالك بن نبي في الفصل الأخير، باقتصاد العالم الإسلامي والعالم الثالث على العموم، فوضع لهذا الاقتصاد قواعد التنمية الحقيقية التي ترتبط بالجهد الاجتماعي في أساسها.
هذه المقالات تضعنا أمام حقيقة واضحة، حقيقة ترقب حركات التاريخ المعاصر بنظرة موضوعية لا عقدة فيها ولا كراهية؛ نظرة لا تخاف الماركسية ولا الرأسمالية إنما هي تفصل بين واقعها التاريخي وتجربتها الاجتماعية. وهي تأخذ من هذه التجربة بمقدار ما يوضح القاعدة الأساسية التي هي من سنن الله، أما النماذج التي انتهت إليها تلك التجارب، فهي تحظى من الأستاذ مالك باحترام الجهد الإنساني المتعاون، لكنها أبعد ما تكون علاجا لحالة اجتماعية نحاول الخروج من مأزقها.
فالأستاذ مالك يدعو العالم الإسلامي والدول الإسلامية، إلى تجربة تستمد معطياتها من واقع المشكلة، بعد تحليل عناصرها، دون التأثر بالمفاهيم التي زرعتها الحضارة المعاصرة في أفكارنا، وأسدلت ستارها على أبصارنا.
وهو لذلك يدعو في هذه المقالات، إلى علم اجتماع مستقل يختص بمشكلات العالم الثالث بعد الاستقلال السياسي، ويختط لمستقبله الاجتماعي والاقتصادي، خطة تنمية لا يثقلها اطراد نمو العصر الصناعي في الحضارة المعاصرة، وما أفرز هذا الاطراد من مفاهيم ماركسية ومشكلات رأسمالية.
طرابلس- لبنان- ٣٠ شعبان ١٣٩٨هـ
٤ آب (أغسطس) ١٩٧٨م
عمر مسقاوي
стр. 10
الفصل الأول طريق الثورة
. الاطراد الثوري
. الأخلاق والثورة
. تقلبات عبر استقلال جديد
стр. 11
الاطراد الثوري
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٣٢ - أسبوع ٢٤ - ٣٠ تموز (يوليو) ١٩٦٧م.
إن العدوان الإسرائيلي وضعنا في أجواء ثورتنا كأننا نعيشها مرة أخرى، والأحداث التي تتابعت منذ ذلك العدوان جعلتنا نتأملها مرة أخرى بعقولنا أيضا.
وها هي ذي نقاط كثيرة حرمنا لهيب المعركة أو قلة خبرتنا من الالتفات إليها في حينها أثناء الثورة الجزائرية، تصبح اليوم تجتذب اهتمامنا، كأنها جديدة علينا.
ولعل كلامنا يكون من قبيل تقرير الواقع، إذا قلنا إن أحدنا يشعر أكثر ما يشعر بالضربة حين تصيبه في مفصل من مفاصله. ويكفينا أن نتصور أو نتذكر الضربة التي تصيبنا في مفصل الذراع أو الركبة، لنقتنع بصحة ما نقول.
وللأطفال في هذا تجربة يومية، ونضيف إلى ذلك أن الجهاز الميكانيكي كثيرا ما يصيبه العطب في مفاصله.
وإذا قدرنا الثورة بوصفها اطرادا، فإن لها روابط تربط بين أطرافها أي مفاصلها، وتكون نقاط الضعف غالبا، عندما ننتقل من مرحلة في الاطراد إلى التي تليها.
стр. 12
ولم يكن ماركس، عندما كتب (تاريخ كومون باريس) رجل أدب، بل عالم حياة بالنسبة إلى الثورة التي فشلت بباريس عام ١٨٧١.
إن نجاح ثورة ما أو فشلها، هو بقدر ما تحتفظ بمحتواها أو تضيعه في الطريق وهذا كله يخضع لقانون.
فالثورة لا ترتجل، إنها اطراد طويل، يحتوي ما قبل الثورة، والثورة نفسها، وما بعدها. والمراحل الثلاث هذه لا تجتمع فيه بمجرد إضافة زمنية، بل تمثل فيه نموا عضويا وتطورا تاريخيا مستمرا، وإذا حدث أي خلل في هذا النمو وفي هذا التطور، فقد تكون النتيجة زهيدة تخيب الآمال.
إن الثورة الفرنسية تضمنت عهد ما قبل الثورة، في صورة مقدمات وجدتها في أفكار (جان جاك روسو) والعلماء الموسوعيين. فكان لهذه الحركة ما يدعمها حتى تحقق لها النجاح يوم ١٤ تموز (يوليو) عام ١٧٨٩. لكن عبورها إلى مرحلة ما بعد الثورة كان فيه خلل، جعل أشباه الثوريين مثل (دانتون وميرابو) يسيطرون عليها، ويحاولون بناء مجدهم على حسابها، حتى في التعامل مع العدو، ليمنحهم انتصارات وهمية يعززون بها موقعهم مثل واقعة (قلمى).
ولقد انتهى بها المطاف بين أيدي نابليون الذي صنع منها- والتاريخ يعترف له بالفضل- قضية شخصية تحت لواء الإمبراطورية.
ولكننا مع ماركس ولينين، اكتسبنا في هذا الميدان، معلومات دقيقة، وتقنية ثورية تلم بجوانب الثورة، من مرحلتها التحضيرية إلى مرحلة الإنجاز، ومنها إلى مرحلة الحفاظ على الخط الثوري.
والواقع أن هذه ليست تقنية جديدة في التاريخ، فلو رجعنا إلى الوراء لوجدنا لها أثرا ليس في صيغة حرفية، ولكن في مواقف ثورية محددة.
стр. 13
إننا لو اعتبرنا الإسلام من جهة التاريخ المجردة، لرأيناه ثورة كبيرة غيرت كل البناءات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية في المجتمع الجاهلي. إننا نراها في أصعب الظروف قد غيرت كل شيء، حتى أسماء معتنقيها، فكانت النمو الثوري في أدق ما في هذه الكلمة من معنى.
وإذا كان يسيرا على المعاصرين للرسول الكريم، أن يشعروا بذلك في أنفسهم، فإن محكمة أميركية استطاعت هذه الأيام أن تقدر هذا الأثر في شخص الملاكم محمد علي الذي طلّق حتى اسمه القديم (كسيوس كلاي).
إنها دروس حية نلم بمصيرها حين نوازنها مع أحسن الدروس الثورية في الحاضر، أو مع بعض الأخطاء في ثورات معاصرة.
إن الثورة الإسلامية تقدم لنا أولا درسا عاليا، ربما زهدنا فيه أو تناسيناه، في ضبط السلوك. ففي غزوة أحد حيث يتعرض جيش المسلمين لضربة قاسية من جيش المشركين تحت قيادة قريش، نرى النبي ﵊ يرفض على الرغم من قلة عدد من معه من المهاجرين والأنصار وعدتهم، يرفض سند عبد الله بن أبي وهو على رأس المنافقين واليهود ويقول: ((لا يقاتل معنا إلا من هو على ملتنا)).
ولم يكن هذا الموقف مجرد اندفاع خاص في لحظة معينة، فالقرآن سيعطي له كل معناه في الآية الكريمة: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:١٤٧/ ٩]، مجددا فيها السبب لتجنب القتال مع متطوعين غرباء عن الثورة، أي مجرد مرتزقة كما نقول اليوم.
فالثورة ليست كإحدى الحروب تدور رحاها مع العدد والعتاد، بل إنها تعتمد على الروح والعقيدة.
ولا شك أن هذا المبدأ هو الذي حدد سلوك القيادة السوفيتية أثناء الحرب
стр. 14
العالمية الثانية؛ إذ في أحلك الأيام من معركة القفقاز ترفض مدد الحلفاء يأتيها عن طريق إيران.
إن لكل ثورة منهجا يتضمن المبادئ التي تسير عليها، كما يتضمن فحوى القرارات التي ستمليها عليها ظروف الطريق.
فموقف أبي بكر بعد وفاة الرسول الكريم، عندما ارتدت بعض القبائل من العرب، وزعمت أنها لا تدفع الزكاة وتبقي على غير ذلك مما أتى به الإسلام، قد يبدو فيه لمعاصريه بعض التشدد والغلو، كما يكون موقف المرتدين غير بعيد عن الأمر المعقول، إذا قدرناه من الجانب المادي فحسب دون الرجوع إلى مبدأ يقره المنهج أي تقره فلسفة الثورة القائمة، وكاد عمر بن الخطاب يكون على هذا الرأي، لولا إصرار أبي بكر ﵄ وفصله الموقف بقوله ((والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه)).
ولقد قاتل المرتدين فعلا، حتى نصره الله عليهم النصر المبين.
ولنا نحن، في موقف أبي بكر أسوة حسنة. والعبرة التي نأخذها منه هي:
أننا إذا لم نحفظ في عقولنا وقلوبنا مقدمات ومسلمات الثورة، فلن نفقد (عقالا) فقط بل نفقد الروح الثوري ذاته.
فالثورة قد تتغير إلى (لا ثورة) بل قد تصبح (ضد الثورة) بطريقة واضحة خفية. والأمر الذي لا يجوز أن يغيب عن أذهاننا في هذا الصدد هو أن مجتمعا ما بمقتضى طبيعته البشرية ينطوي على خمائر من روح (ما ضد الثورة) طبقا لمبدأ التناقض تناقضا مستمرا. حتى في فترة ثورية، نستطيع تتبع آثاره في تاريخ كل الثورات، تتبعا لا يغني معه أن ندفع عجلة الثورة في وطن ما، بل يجب أن نتتبع حركتها ورقابتها بعد ذلك.
стр. 15
وفي الملاحة يعرف ربان السفينة هذه الحقيقة بطريقته، إذ يعرف أنه لا يكفيه أن يقلع بسفينته في اتجاه معين، بل يجب عليه أن يراقب السير على طول الطريق من أجل تعديل الاتجاه من حين إلى آخر.
وهذه الضرورة لا تخفى على الأوطان التي قامت فيها الثورات المعاصرة، حيث نرى الشغل الشاغل بقياداتها أن تحافظ على (الخط الثوري)، وبالتالي فهذه الرقابة، بقدر ما لا تعني هذه الكلمة مجرد لفظة، وإن كانت ضرورية في كل ثورة، فهي أكثر إلحاحا في الأوطان التي لا تكون فيها فحسب خمائر (ما ضد الثورة) نتيجة إفراز المجتمع نفسه بطبيعته، بل تكون بالإضافة إلى ذلك محفوفة بالخطر في الاطراد الثوري من الخارج، على أيدي خبراء يعرفون كيف تجهض الثورات.
والخلاصة أن المجتمع الذي يقوم بثورة على الاستعمار فهو بطبيعة وضعه من ذلك الصنف، أي ذلك الصنف الذي تبدو المسلمة الأولى التي تقوم عليها رقابته، هي تقديره لخمائر (ما ضد الثورة) المحقونة في ثورته على أيدي خبراء الاستعمار.
فإذا عددنا هذا التقدير مجرد وسواس (١)، فذلك يقودنا إلى أن نرى الاستعمار طفلا بريئا تعتدي على براءته ألسنة شريرة، وإن ما حدث في سيناء ما هو إلا أضغاث أحلام خامرت نومنا هذه الأيام.
أما إذا كانت مأساة سيناء واقعا عشناه، فالأولى بنا أن نستخلص منه الدرس الذي تقدمه لنا.
стр. 16
فمن الناحية العسكرية ليست القضية في تفوق العتاد وفي عبقرية موشي ديان، كما لا يمل القوم من تكراره لنا منذ شهر، حتى إنهم ضربوا في ألمانيا الغربية صورته على مدالية تذكارية، لتخدير الرأي العام الدولي، ولتنويمنا نحن.
يجب أن ننظر إلى القضية بدقة أكثر: فالعرب لم يكونوا في سيناء، أمام هنيبعل الإسرائيلي الصغير؛ ولكنهم واجهوا بعقلية الصبيان أجهزة في أعلى مستواها التقني وضعها الاستعمار تحت لواء إسرائيلي، ثم أمر اليهود بقصف سفينة التجسس (ليبرتي) كي يزيد في التعمية والتضليل.
لكن الناحية الأخرى تهمنا أكثر بكثير من الناحية العسكرية، إذ يجب أن نقول إن الانتصار الذي حققه اليهود في سيناء، لم تتهيأ شروطه في إسرائيل فحسب ولكن في البلدان العربية، إذ استطاع الاستعمار حتى تنويم الرادار في صبيحة ٥ حزيران (يونيو) الأخير، ولا نذكر هذا التفصيل إلا لمجرد التوضيح.
أما الحقيقة فهي تخص فلسفتنا الثورية بأجمعها. فالثورة حين تخشى أخطاءها ليست بثورة، وإذا هي اكتشفت خطأ من أخطائها ثم التفتت عنه فالأمر أدهى وأمر. وفي هذا الصدد نذكر قول ماركس ((يجب دائما أن نكشف الفضيحة عندما نكتشفها حتى لا تلتهمنا)).
إن الشعب الجزائري قام، بدون شك بثورة مجيدة، ولكن هذا لا يعني أنها خالية من الأخطاء في اطرادها الثوري.
ولست أشير هنا إلى الخطأ البريء الخفيف الذي يتولى الوقت نفسه تصحيحه في الاطراد الثوري، بل أشير إلى الخطأ العضوي سواء أفرزه المجتمع، أو حقن به من الخارج حتى صار جزءا من كيانه.
стр. 17
فالنوع الأول من الخطأ قد يهم من يهتم بالتاريخ أكثر من سواه، بينما قد يكون له أيضا أثر سيئ في وطن ثوري، يتعرض لمثل الأخطاء فيرتكس إلى عهد الأثرة والمحسوبية والأنانية، عندما نرى مثلا في هذه القرية الجميلة من الجنوب الجزائري، هذا الرجل الذي كان من أركان جمعية العلماء يستولي على قصر، كان يسكنه أحد ولاة العهد البائد ويؤجر مسكنه. فنحن لا نرى في مثل هذا التصرف ما يدل على قلة تعفف فحسب، بل يدل أيضا على هبوط في الروح الثوري، إذن هذا العالم لم يتاجر فقط بملكه بل تاجر بالقيم الثورية.
وإذا كان أحد قادة الحركة النقابية يقترض بعض الملايين من الفرنكات القديمة من شركة بترول، ويبني بها فيلا فخمة لا ليسكنها ولكن ليؤجرها لسفارة أجنبية، فإنني لا أرى في هذا التصرف ما يمت إلى (الخط الثوري) ولا إلى (المطالب النقابية) بصلة.
ولكن يا آلهة نيتشه المتألمة الخجلة!! صفحا عن هذه الأخطاء الطفيفة. إذ هنالك الأخطاء العضوية التي لا يصلحها الزمن بل ينبغي أن تمحوها الثورة.
والثورة التي تريد الوصول إلى هدفها يجب أن تدفع هذا الثمن، وبهذا الثمن وحده تستطيع ذلك.
***
стр. 18
الأخلاق والثورة
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٦٤ - أسبوع ٧ إلى ١٣ آذار (مارس) ١٩٦٨م.
لعل عنوانا كـ (السياسة والأخلاق)، يكون في نظر بعض الناس أكثر انطباقا على محتوى هذا المقال، ولكن حتى على هذا الفرض فقد استعملته في مقال آخر (١).
ومهما يكن من أمر، فكثيرا ما يتهم (كاسترو) بسبب تشدده في الحفاظ على المبدأ الأخلاقي، بأنه يرتجل: يتهمه بذلك طرف من الصحافة اليمينية وأحيانا جناح من الصحافة اليسارية.
فتراه أحيانا في سياسته يقلب رأسا على عقب ما تعارف عليه الناس من مقاييس وتقاليد ثورية، وأحيانا أخرى نراه يلقي في سلة المهملات ما توارثه الناس من أفكار هؤلاء وأولئك، إلقاء قد يلتبس معه سلوكه فعلا على الذين يرونه يرتجل، أو ينفر من هذا السلوك رجال الاقتصاد والتخطيط في الغرب أو في الكتلة الشرقية على حد سواء.
وكأنه هو الآخر ينفر من هؤلاء وخاصة التشيكيين والسوفييت الذين نراه يعزو إليهم فشل بعض المشاريع التي لم تعط نتائج فعلية في كوبا.
стр. 19
إن (كاسترو) لا يجد بعد في تصرفه، ذلك الجهاز الثقيل من إحصائيات وآلات إلكترونية وأصحاب اختصاص، ذلك الجهاز الذي يجعل الإنتاج المتسلسل عملية لا ثغرة فيها ولا خلل كما هو الأمر في البلاد المصنعة.
ولكن وطنا لم يزل في طور التكوين، لا يمكنه أن يمتع نفسه بهذا الحشد من الأرقام، وبهذا الترف من الآلات الإلكترونية، ليبلغ منذ اللحظة الأولى الذروة في ضبط عملية الإنتاج، والدقة التي لا تترك ذريعة فيها.
إن الإتحاد السوفييتي نفسه مر بهذه المرحلة، فقد كانت، أثناء مخططه الأول بين عامي ١٩٢٨ - ١٩٣٢م نسبة (٤٠% إن لم نقل ٥٠%) من إنتاجه من الحديد أو من الخزف، تلقى في أكداس المهملات أو تعود إلى أفران التذويب.
ولم يكن الإتحاد السوفييتي يخشى أن يتعلم الصناعة بهذا الثمن، كما كانت روسيا في عهد بطرس الأكبر تتعلم فن البحرية والحرب العصرية. حتى كان النبلاء فيها من طبقة (البويا) يقصرون لحاهم على الطريقة الأوربية.
إذن فليس على (كوبا) أن تخجل من تدريبها، وإذا اتهم (كاسترو) بأنه يرتجل فليكن؛ غير أننا نعترف بأنه يرتجل بطريقة موفقة عندما نرى، منذ زمن قريب، كيف تخرج من يده قرية مجهزة بمدرسة ومصحة في مكان (مدينة صفائح) توافرا لها منذ شهر ونصف الشهر فقط.
فإذا كانت الحالة هذه بكوبا تثير التعجب والاستغراب من طرف بعض الملاحظين، فإنما يعود ذلك إلى أن القرن العشرين تعود أن يستقطب الأفكار حول قطبين هما: الرأسمالية والماركسية، ولا يحتمل احتمالا ثالثا لهما يبدو معه أن لا مناص من أن تستوحى الأفكار من هذا القطب أو من ذاك القطب، في الميدان الاقتصادي أو التربوي أو السياسي دون تفكير خارجهما.
стр. 20
لكن (كاسترو) تحرر في تفكيره من كل تبعية لموسكو أو بكين، على الرغم من أنه ينتمي إلى مدرسة (ماركس) فبدأ يبتكر أو يرتجل كما يقولون.
وليس خروج (كاسترو) عن الماركسية المألوفة تنكرا للفكرة نفسها أو حبا للظهور بالأصالة، إنما هو تمسك رجل دولة بما يراه ضروريا من حرية في الفكر وفي التصرف، للقيام بوظيفته طبقا لما تقتضيه تجربة بلاده.
ونحن ما نزال على مقربة من بداية هذه التجربة، قربا لا نستطيع معه الحكم منذ الآن، فهل ستؤدي إلى انشقاق نظري أم لا؟! وماذا ستكون آثار هذا الانشقاق- إذا حدث- في المجال السياسي بوجه خاص؟!
ولكننا نستطيع منذ الآن ملاحظة فوارق جذرية، إذا ما تذكرنا ما قاله (لينين) وهو يواجه أقسى الصعوبات بعد هدنة (بريست ليتوفسك): ((إذا وجب علينا أن نسير إلى النصر زحفا على البطون ..... فليكن)).
بينما كاسترو يصرخ طاقة جهده بأن (سياسة الثورة) لا تقوم على الحسابات، فالمصلحة الوطنية وما يمليه أمر الدولة، إنما تقوم على المبدأ الأخلاقي.
فهذا كلام لا نتصوره على لسان رجل مثل (الكردينال دوريشيليو)، ولا على لسان (تاليران)، وإنما نجده في صرخة (دوبان دونمور)، الذي صرخ ذات يوم في مناقشات تدور بمجلس الثورة الفرنسية حول قضية المستعمرات، صرخ قائلا: ((فلتمت المستعمرات ولكن لا نسلم في مبدأ من مبادئنا)).
إن (كاسترو) ليس عالم أخلاق وإنما رجل دولة يعرف قيمة الأخلاق في السياسة.
لكن التاريخ لن يصدر عليه حكمه طبقا لمبادئ مجردة بل طبقا لنتائجها في الواقع الملموس.
стр. 21
إنما من ناحية أخرى، يجوز لعالم الاجتماع بل يستحسن منه، أن يعلم ما إذا كان للأخلاق وظيفة في السياسة؟.
إن الأشياء ما تزال بالنسبة إلينا في ضباب الثورة، تجدد نفسها الثوري في كل خطوة وأمام كل صعوبة جديدة تواجهها.
لكن الأشياء بدأت خلال هذا الضباب تتخذ أكثر فأكثر شكلها، وتظهر كصدمات تجربة من شأنها أن تعم العالم الثالث كله، على الرغم من حدودها الضيقة في وطن صغير مثل كوبا.
لاشك أن إدانة الحافز المادي في الإنتاج، لم تعط بعد أثرها الواضح في منحنى التنمية على الأقل، حسب أقوال الصحافة التي نقرؤها في هذه الناحية من العالم.
كما أن إلغاء العلاقات السوقية بين المنتجين والدولة، مع ما يوحي به من إلغاء العملة ذاتها في أمد قد لا يبعد، لا يزال أيضا في غموض.
ولكن الشيء الذي نستطيع تقريره منذ الآن، هو أن هذه القرارات تثيرنا من ناحيتين:
إنها في الميدان الاقتصادي تمثل النموذج المثالي لا نسميه الاستثمار الاجتماعي، وهو أمر لا نجده في وطن آخر في الموضوع نفسه.
ومن هذه الناحية فإنها تقدم درسا لا يستغني عنه العالم الثالث، الذي بين يديه الكثير من الذهب ومن العملة الصعبة.
ولكن هذا الدرس يتضمن جانبا يهم العالم كله، ألا وهو الثقة في القيم الأخلاقية ومنحها الأولوية في الإنتاج وفي درجة الالتزام في الحياة السياسية.
ولنتأمل على سبيل المثال، هذا الدرس في إحدى قضايا العمل الإنتاجي:
إن العامل قد يتغيب من دون عذر عن عمله فما هي عقوبته؟.
стр. 22
إنه لا يجازى بحسم من تموينه ومن أجرته، ولكن يفرض عليه عدد من أيام تغيب أخرى.
فالجزاء يقوم هنا على قاعدة أن اللولب النفسي ذو فعالية أكبر من اللولب الاقتصادي في حياة الفرد.
ولكن هل هذه القاعدة تصح من دون قيد أو شرط؟.
إننا لا نتصور أثرها إلا في مناخ أخلاقي حقيقي، تكونه الثورة وتحافظ عليه بوصفه صيدا أساسيا لها، كذلك المناخ الذي نشعر به في قصة المخلفين في القرآن الكريم.
ونحن إذا عدنا إلى تجربة كوبا، نرى (كاسترو) لا يخلق هذا المناخ فحسب، بالقرارات العامة التي يتخذها وبتفسيرها للجماهير، بل يمثلها أيضا في سلوكه الشخصي ليكون القدوة في هذا كله.
فعندما قرر سياسة التقشف في استهلاك البترول، كان لها مسوغاتها الاقتصادية، بسبب الحصار الاقتصادي الذي ضربته أمريكا على كوبا، حصارا أصبحت معه واردات البترول حتى من (البلاد الصديقة) لا تغطي غير ٢% من الزيادة في الاستهلاك التي تقدر بـ ٨% بالنسبة إلى السنوات السابقة. وقد أشار إلى ذلك في خطابه بمناسبة رأس السنة (١).
لكن الأمر الذي يرفع هذا القرار إلى أعلى درجة في الفعالية، هو تفسير (كاسترو) له في غير الإطار الاقتصادي، إذ قال في الخطاب نفسه ((إنه لا يليق بكرامة هذا الشعب أن يبقى دائما يطلب العون من الآخرين)).
فهذا درس ينبغي ألا يهمله العالم الثالث المنغمس في سياسة الاستنجاد
стр. 23
والاستجداء. فقد أعطى (كاسترو) من نفسه القدوة، إذ استبدل بالسيارة التي ورثها عن خصمه السابق (باتيستا) سيارة عسكرية تقتصد استهلاك البترول.
هذا كله قد يسميه الآخرون (الأخلاق الماركسية) نسبة إلى انتماء (كاسترو)، ولكننا في إطار النظرة الموضوعية نراه فقط (الأخلاق) في المناخ الثوري.
إن ثورة ما، لن تستطيع تغيير الإنسان إن لم تكن لها قاعدة أخلاقية قوية.
إن (روبسبيير) و (سان جوست) وهما من هما في الثورة الفرنسية، يمثلان قبل كل شيء أنضج صورة لأخلاق ثورية لا تنازل فيها.
فلا يجوز لنا إذن أن نستغرب الأمر إذا ما كان (كاسترو) لا يفسر قرارا اتخذه بالأرقام أي بمسوغات مادية، بل يفسره بمسوغات أخلاقية عندما يشير إلى كرامة الشعب الكوبي.
إن ثورة تقوم، لا تكون ثورة حقيقية لمجرد ما تجتهد في نشر العدالة الاجتماعية بين طبقات الشعب، إذا هي لم تعلمه كيف يستعيد شخصيته، وتلقنه معنى كرامته.
ولقد يكون التعبير عن هذه الكرامة في نص الدستور نفسه، كالتصريح بحقوق الإنسان والمواطن في الثورة الفرنسية، أو يكون بمجرد قرار عن ضرورة التقشف في استهلاك البترول كما أشرنا إليه في كوبا.
وهذه الاعتبارات عن وظيفة الأخلاق، ليست بنت الأمس: فقضية تكريم الإنسان لم تهمل ولم تنس في الثورة الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء٧٠/ ١٧]. هكذا وضع القرآن الكريم في آية لكرامة الإنسان قاعدة سامية بالنسبة لدنياه ولآخرته.
стр. 24
والإنسان لا يجوز له أن يخالف في سلوكه هذا التكريم، الذي لا يضمن له حقوقا فقط، بل يفرض عليه واجبات أيضا.
هذه الازدواجية تتمثل أحسن تمثيل، في حديث عن حكيم بن حزام إذ يقول:
((سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال لي:
يا حكيم إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاء نفس بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل.
فقال يا معشر المسلمين، إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.
فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵀).
فهذا الحديث يلخص ويوضح لنا كل ما نسميه (أخلاقية الثورة)، إعطاء الإنسان حقه ولكن مع الحفاظ على كرامته.
إن بعث الإنسان ليس ثمنه ضمان حقوقه فقط.
بل إننا نرى في موقف حكيم، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، الثمن الحقيقي حين يرفض حقه من الفيء.
إن الثورة الجزائرية تستطيع أن تستوحي من الثورات العصرية، لبعث الإنسان الجزائري وتغييره بعد ما أصابه في فطرته طيلة عهد الاستعمار، ولكن إذا كان خطاب الرئيس (بومدين) الأخير أثناء رحلته في جبال أوراس، قد
стр. 25
لفت النظر بصورة عامة، فالمقطع الذي نال منه هتافا أكبر من الحاضرين، هو الذي أشار فيه إلى جذور الثورة الإسلامية.
لقد هتف الشعب لهذا المقطع، لأنه يعيد الثورة إلى إطارها التاريخي الحقيقي. فالشعب أحس عند هذا المقطع بشخصيته تتحرك في أحشائه، ولقد أثارتنا على شاشة التلفزة تلك الصور التي التقطت أثناء الرحلة، حيث نرى رجالا شدادا كالجبال التي حولهم، يجيبون عن الأسئلة المطروحة عليهم وهم يمسحون الدموع. فالقوى الأخلاقية التي قامت بالثورة ثم بدأت تتقهقر في عهد الديماغوجية بدأت تنطلق من جديد. فلعل الإنسان الذي تركته الظروف إلى العزلة والإنفراد يعود إلى عشيرته ومصيره الوطني في المناخ الجديد.
فالحوار الذي دار بين المسؤولين والجماهير، تحت قمم أوراس الشاهقة، قد أعاد في كلمات قالت الحقيقة، الجسر الذي يصل الشعب بالدولة.
وليس غريبا في هذا المناخ من الثقة المتبادلة أن تتحقق المعجزات، ولو كان ثمنها مزيدا من التقشف، لأن الصعوبات لا تزول بين عشية وضحاها بعصا سحرية.
هذا هو السر الذي أدركه (كاسترو) عندما ركز سياسة الإنتاج في بلاده على الحافز الأخلاقي أكثر من الحافز المادي. وقد أنهى بذلك عملية تخريب تقوم بها تحت الأرض شرذمة تسعى لتبريد المناخ الثوري بالمزايدة الديماغوجية أو حتى بالخيانة الصرفة.
إن كل ثورة ملزمة بأن تحمي نفسها من سائر المحاولات التخريبية، التي يكون فيها أصحابها سلطة جانبية في وطن ثوري، يؤثرون فيه حتى لحساب الخارج بما في أيديهم من وسائل السلطة.
стр. 26
وبعبارة أخرى، فإذا كانت الثورة في حاجة إلى (أخلاقية) لا تتنازل عن شيء، فمن واجبها أيضا أن تتمتع بحاسة نقدية لا يفوتها شيء، حتى لا تؤخذ على غرة في أي لحظة وفي أي قطاع من أجهزة الدولة.
فعندما تحدث الرئيس (بومدين)، أثناء رحلته بجبال الأوراس، عن بقايا (الحركيين)، فكأنه أراد أن يشير في هذه المناسبة إلى ضرورة طرح مثل هذه القضية.
وإن طرحها لواجب فعلا، ولنا أكثر من مسوغ في هذا الصدد. وبالإضافة إلى ذلك، فالثورة التي تقف في منتصف الطريق خلال إنجاز مهماتها أو تخشى إصلاح أخطائها فإنها تنتحر.
فالسياسة تستطيع المراوغة والمداهنة، لكن الثورة تفرض عليها أخلاقيتها أن تمضي إلى آخر المطاف.
***
стр. 27
تقلبات عبر استقلال جديد
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٤٩ أسبوع ٢٣: ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٧.
ها إن الأمر قد تقرر، فالحكومة الإنجليزية صرحت رسميا عن جلاء جنودها، في آخر هذا الشهر من عدن وما حولها مما يسمى (الجنوب العربي).
وهكذا ينشأ استقلال جديد في التيار الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية تحت اسم (تصفية الاستعمار).
إن الأيام الكبرى في التاريخ فترات يسودها الإكبار والإجلال، وتسكت فيها النزعات الخاصة، وتهمد المنازعات، حتى تلك التي تحركها الفوارق الإيديولوجية، وهكذا تسكن العقول والقلوب إلى بعضها كما حدث في فرنسا عام ١٩٤٥ عندما ائتلف أتباع (ديجول) وأتباع (توزير) وشكلوا حكومة التحرير.
إنها لحظات فرح وتأمل معا، تضع سماتها على وجوه جماهير مبتهجة، فها هن أولاء النسوة يلوحن بمناديلهن البيضاء، ويطلقن زغاريدهن تحية لجيش منتصر، وها هم أولاء الأطفال يملؤون الجو ضحكا ومرحا. وها هو ذا الشيخ العجوز يمسح بيد ترتعش، دمعة تجري على خد كتب العصر فيه سطور أيامه.
إنهم جميعا يعبرون بطريقتهم الخاصة عن عظمة أيام لها معنى في تاريخ الوطن.
حركاتهم التقليدية المألوفة، تبدو وكأنها تمحو لحظات أخرى عاشوها في
стр. 28
المحنة. كما يمحو الشعب من ذاكرته أيام حرب خاضها بدمه، أو أيام احتلال أجنبي عاناها أو أيام ... الاستعمار.
ولكن يحدث أحيانا في جو البهجة أن تنفجر المأساة!
فالجزائر التي كانت تعيش عيد استرجاع الوطن المفقود، كادت تعيش ذلك اليوم في ٥ تموز (يوليو) عام ١٩٦٢ يوم حزن وطني، لولا حكمة الشعب وتدخله بين طرفين يتنازعان السلطة.
الوطن يتذكر كيف كاد ذلك اليوم أن يكون أحلك أيام الثورة، لأن بعض الفئات دنست اللحظة الجليلة بنزعات فردية، لم تذب في حرارة التعارف والإخاء اللذين كانا يسودان ذلك اليوم.
هكذا جمدت على الشفاه ذلك اليوم زغاريد النساء، وبدت على وجوه الشيوخ طيات من الأسى جديدة، وتوارى ضحك الأطفال من شوارع العاصمة الجزائرية، حين تواجه الطامعون في السلطة من الفريقين برصاص رشاشاتهما.
نذكر هذا كله في الجزائر ونذكر كيف كانت حكمة الشعب وحدها، الحائل دون تفاقم الصراع والأخذ بعيد الاستقلال إلى جو البهجة والحبور.
وشعب فيتنام وهو لا زال يعيش المأساة يتذكر هو الآخر كيف دنست النوازع يوم استقلاله.
شعب الكونجو وما حل به بعد انسحاب السلطة البلجيكية، ثم شعب نيجيريا يعيش المأساة وكأنها تنتظر كل شعب من شعوب العالم الثالث وهو على عتبة استقلاله.
إنها لظاهرة تتسم بها البلدان المستعمرة، فأي وطن منها ارتفع فيه علم الاستقلال، لم يجد في ذلك اليوم أزمة تنفجر على مستوى قياداته!؟
стр. 29
لقد كان (التقسيم) وليد هذه الظاهرة في الهند. فكانت باكستان بغثّها وسمينها وما منيت به من خسائر في النفس والنفيس، فضلا عن هجرة الملايين أو تهجيرهم مطاردين في طرفي حدود مصطنعة. وكانت أخيرا رصاصة مني بها رجل (اللاعنف) غاندي نفسه وقضت عليه إبان الزوبعة التي أثارها استقلال الهند.
قد لا نخطئ إذ نعزو ذلك إلى دهاء الإنجليز، فإذا اعتمدنا هذا السبب- وهو ليس السبب الوحيد- فدور رجل مثل (باطيل) (١) ونظيره الباكستاني لا يقل أهمية في الموضوع.
وبعبارة أدق فزعماء المؤتمر الهندي من ناحية، والرابطة الإسلامية من ناحية أخرى، هم الذين تحقق على أيديهم تمزيق الوطن وزهق ملايين النفوس.
ينبغي أن نسقط أحداث الجنوب العربي على هذه الخلفية، إذا أردنا أن نفهم طبيعة الخلاف الناشب اليوم بين الحركتين وهما على عتبة إستقلال الوطن.
هنا أيضا لا نغفل دور (إنجلترا) التي تريد أن تغادر الديار، ولكن بعد إضرام النار في أركانها.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنها تقاليد الاستعمار يباشر (تصفية الاستعمار) كما يقولون بهذه الطريقة، حدث ذلك في فلسطين عام ١٩٤٨ عندما غادرها الجيش البريطاني على رؤوس الأصابع، ليترك الشعب الفلسطيني تحت رحمة رشاشات المنظمات الإرهابية الصهيونية كـ (شتيرن والهجانا).
بل لعل الطريقة التي اتبعها الإنجليز في فلسطين، أكثر وضوحا من الطرق التي يسلكها الاستعمار عادة في مثل هذه الحالات، فقد جاء انسحاب الجيش
стр. 30
البريطاني بترك الميدان للصهيونيين الذين هيأتهم قياداتهم ووحدتهم من أجل القيام بدورهم، بينما القيادات العربية غمرت شعوبها بالخطب الرنانة فتمزقت وحدتها، وبدلا من أن تنصرف إلى خلاص الأمة عمدت كل واحدة منها إلى الاستيلاء على جزء من أجزائها.
والفارق هنا في منتهى الوضوح، لأننا إذا كنا لا نعرف بالضبط ما تريده القيادة العربية ولا ندري إذا كانت هي الأخرى تعرفه، فإننا على العكس من ذلك، نعرف تماما ما كانت تريده القيادة الصهيونية، وهي كانت تعرفه بوضوح أكبر.
وينبغي أن نضيف للتاريخ ولتعميق إدراكنا، أن العرب لم يكونوا يفكرون في استخلاص النتيجة الضرورية من تلك المجابهة المؤلمة مع واقعهم، إذ لو تأملوا لوجدوا واقعهم يطرح القضية بلغة الحضارة.
فلم يكن من محض الصدفة، أن القيادات الصهيونية تقتصد في الكلام وتلتزم الفعالية في العمل، كما كانت أكثر وفاء لالتزاماتها السياسية والعقائدية من القيادة العربية.
ذلك أن التحليل يقودنا إلى القول إن القيادة الصهيونية كانت تتحرك، وتحرك حولها الأشياء والأشخاص طبقا لما تمليه ثقافة حضارة؛ بينما لم تكن القيادة العربية ترى من الأشياء والأشخاص إلا وسائل لإشباع حبها وهواها في السلطة؛ أي إنها كانت تخضع لما تمليه ثقافة (القوة) التي ربما تنعكس حسب الظروف إلى عقدة (ضعف).
واليوم! نرى الجنوب العربي تسوده الفوضى، وتجابه مرة أخرى قيادة عربية بمشكلة حضارة.
стр. 31
ولو طرحت هذه القيادة قضيتها تحت عنوان (مشكلة حضارة) بل لو تعمدت طرحها بهذه الطريقة لحققت بدفعة واحدة هدفين:
الأول في المجال النفسي؛ حين تحرر كل زعيم من هؤلاء الزعماء من عقدة السلطة، فينظر إلى الاستقلال من زاوية الواجبات توضع على كاهل كل فرد، بدلا من نظرته إليه من زاوية الحقوق يمنحها له، إذن هذا الزعيم سيعدل تلقائيا أطماعه في السلطة.
والهدف الثاني نتيجة للهدف الأول على الصعيد السياسي؛ إذ بقدر ما تتعدل نظرة الزعيم نحو السلطة، ويتحول تقديره لها من مجموعة (حقوق) إلى مجموعة (واجبات)، يضيق مجال مناورات الاستعمار، لأنها تصبح غير ممكنة في نفوس محصنة بعيدة عن الهوى والغرور.
فكل عمل يسهم في تضييق هذا المجال النفسي (الطمع في السلطة) يستحق التقدير، خصوصا في وطن يعيش مرحلة من (تصفية الاستعمار).
هكذا نرى أنفسنا أمام ضرورة ملحة كثيرا ما ألمحنا إليها في مقالات سابقة، ألا وهي تصفية الاستعمار في العقول قبل كل شيء.
فتصفية الاستعمار من العقول تتطلب أشياء كثيرة يتضمنها مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، فهي لا تتحقق إذن بمجرد انسحاب جيوش الاستعمار، ومجرد إعلان الاستقلال وتحرير دستور كما هو الأمر بالنسبة للتراب الوطني.
ولا نستطيع في هذه السطور إلا الإشارة الرمزية إلى هذا المضمون، ثم يبقى إدراجه في منهج تربوي يهدي إلى تقويم جديد في ضمير كل مواطن، وخاصة كل زعيم، لمفهوم الواجب المطهر، الذي من شأنه أن يطهر أولا الجو السياسي في الأوطان التي تعيش مرحلة تصفية الاستعمار.
стр. 32
أما (الحق) ... فما أغراها من كلمة! إنها كالعسل يجذب الذباب ويجتذب الانتفاعيين، بينما كلمة (الواجب) لا تجتذب غير النافعين.
وكلمة الواجب على الصعيد السياسي توحد وتؤلف، بينما كلمة (الحق) تفرق وتمزق.
إن زعماء الجنوب يعطون اليوم، بفرقتهم وتناحرهم وتطاحنهم أجلى صورة عن هذه الظاهرة (١).
وما كان اجتماعهم الأخير في القاهرة حيث اجتمع- كما نذكر- ممثلو الحركتين المتنازعتين حول مائدة خضراء، ما كان هذا الاجتماع إلا محاولة من كل من الطرفين للحصول على أكبر نصيب ممكن من النفوذ والسلطة، وهو لم يكن بالتالي إلا حوارا بين صم لم يتعلموا حتى الكلام بالأصابع. واجتماع كهذا ما كان له أن ينتج غير الإفلاس الذي شاهدناه.
إنما ينبغي ألا ننسى مكيدة عجلت بذلك الإفلاس، فالقارئ يتذكر بدون شك أنه في نهاية الإجتماعات، وحتى أثناءها، وزعت شركة أنباء غير موفقة، أوْ لها على العكس توفيق خاص، نبأ يزعم بأن الطرفين قد وصلا إلى اتفاق على تأليف حكومة على رأسها زعيم من حركة ...
لقد كان هذا النبأ بمثابة (برقية أيمس) تلك البرقية المزيفة التي سبقت حرب ١٨٧٠ بين فرنسا وألمانيا، فألهبت برميل البارود وبلغت الأزمة أشدها. وإذا بالرصاص الذي أعد لصد الإمبرياليين يحصد في صفوف المقاومين والمجاهدين من أجل الاستقلال.
стр. 33
وربما سيكون يوم إعلان الاستقلال (أي في خلال أسبوع) اليوم الذي ستسمع فيه شوارع عدن رصاص الرشاشات عوض زغاريد النساء وضحك الأطفال.
إن على هؤلاء الزعماء أن يعودوا إلى رشدهم- احتراما للشعب- فلا يدنسوا لحظة عظيمة من تاريخ وطنهم بل من تاريخ العرب والعالم الثالث، بكلمات أو أعمال مؤسفة. وأن يحكموا فيما بينهم إرادة الشعب التي هي كما يقول المثل الروماني ((صوت الشعب هو صوت الله)).
إن هذه المعجزة ممكنة، وقد رأيناها تحققت في الجزائر في شهر تموز (يوليو) عام ١٩٦٢.
***
стр. 34
الفصل الثاني في قضايا الاستقلال
. نظرة علم الاجتماع في الاستقلال
. تغيير الإنسان
. العامل الجزائري في فرنسا
. معالم على طريق الحركة النسائية الجزائرية
. وزن الوقت
стр. 35
نظرة علم الاجتماع في الاستقلال
ترجمت هذه المقالة المنشورة بالفرنسية في مجلة (الثورة الإفريقية) شهر أيار (مايو) عام ١٩٦٥.
إن تطورات العالم الإسلامي، منذ الحرب العالمية الثانية تضع نخبته في مختبر التاريخ، تفحص فيه إمكانياتهم في مواجهة الحشد من المشكلات، وهي تتطلب قدرة في التصور ومهارة في التطبيق من أجل حلها.
من هنا يفتح لعالم الاجتماع المهتم بشؤون العالم الإسلامي، في مرحلة الاستقلال، مجال لا يخص الباحث فحسب، وهو يدرس الجانب النظري؛ بل يخص الذي يمارس العمل السياسي أيضا. فالعلم الذي لا يترجمه عمل، يظل ترفا لا مكان له، في وطن ما يزال فقيرا في الوسائل والأطر.
ففي هذه المرحلة بالذات، لا بد للاهتمامات أن تتركز في البلاد الإسلامية حول مفهوم الفعالية، وعلى الخصوص في مجال التسيير ووسائله: الأداة والدولة.
ولكي نفهم هذه الضرورات، لا بد من العودة خطوات إلى الوراء.
إن حرب الاستقلال في بلد مستعمر تصب حتما على السيادة الوطنية من الناحية السياسية، بينما تتجمع فيه من الناحية الاجتماعية، مشكلات العهد الجديد، والمشكلات الموروثة من عهد الاستعمار.
стр. 36
فالعهد الجديد، حين يتأسس تحت إشراف دولة ينبغي ألا يكون مجرد إعلان للسيادة الوطنية، إعلانا مسجلا في السطور الأولى من الدستور، بل ينبغي أن يكون أداة ضرورية لتنمية هذه السيادة، في كل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية.
فإعلان السيادة حاصل منذ اللحظة الأولى. قد كتبته الدماء الزكية التي أراقها الشهداء على مذبح الوطن.
أما أداة التنمية، فإنها تتطلب أكثر من ذلك ... إنها تتطلب عرق الأحياء في عملهم المشترك، إذ هو يتكفل بها لمواصلة الكفاح من مقتضيات التحرير إلى متطلبات البناء.
إن الانضباط النفسي، الذي يتحلى به أولئك الذين سيتناولون، بعد الكفاح المسلح، المحراث أو المطرقة، القلم أو المبضع، الميزان أو أي أداة أخرى للعمل؛ إن هذه الأجيال المستمرة في اتجاه مرسوم والمثابرة عليه، هي التي تصنع الدولة على الصورة المتلائمة عضويا مع طبيعة هذا الدأب المستمر وأهدافه.
إن الدولة تصنع نفسها بما تنجز من أعمال، فهي السبب الذي تؤثر فيه نتائجه. ومن هنا، ومن هذه الزاوية بالذات، قد ندرك- إذا ما وازنا بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة- ما يعنيه رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: ((إنما هي أعمالكم ترد إليكم كما تكونوا يول عليكم)).
إن الحديث الشريف يعبر عن نظرة ذات أغوار سياسية اجتماعية بعيدة، نستطيع تلخيصها على الصعيد التربوي في هذه المقدمة: إذا أردت أن تصلح أمر الدولة فأصلح نفسك.
والمنهج التربوي هذا يهم أول ما يهم دولة ناشئة، لها فضائل الشباب ولها أيضا عيوبه.
стр. 37
فالشعراء قد يستهويهم هذا الشباب المشرق، كالشاعر (أراجون) الذي كان ينشد (الغادات الغناء).
أما المفكر المتسم بأقل تفاؤلية، أو بأكثر موضوعية، كلينين مثلا، فإنه سوف تعتريه حيرة أمام ما يسميه (الأمراض الطفولية). فينتهي في آخر المطاف إلى سؤال ((ما العمل؟))، الذي عبر به من خلال عنوان لأحد كتبه عن قلق هذه المرحلة بعد ثورة تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٩١٧.
فعالم الاجتماع ملزم في البلاد التي دخلت في عهد ما بعد الثورة، أن يطرح السؤال أمام كل ما يشتم منه رائحة الأمر الغريب الشاذ.
ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة الاستقلال، ليكون بين أيدي من يشرف على أجهزة الدولة أداة رقابة لا ينفصل عن جهاز التخطيط.
ففي بعض البلدان، نرى هذه الرقابة قد نشأت تحت اسم (النقد الذاتي).
وإنا لنعلم ما كان لها في الصين، على سبيل المثال، من تأثير تعديل في السير وتنظيم الحياة الاقتصادية.
وكم نود هنا في بلادنا، أن نتخلص من عقدة الرفض، التي طالما سدت الطريق، أثناء الثورة، على كل محاولة إصلاح، بدعوى أن كل نقد سيكون في صالح الاستعمار ... بينما أرى بكل وضوح اليوم أن الاستعمار هو وحده الذي استفاد من هذا الرفض.
فالقضية تدخل في نطاق الصراع الفكري، وتتطلب في هذه الحالة شروحا لا نريد الولوج فيها في هذه السطور. غير أننا نقول إن الاستعمار أو خليفته الاستعمار الجديد، لا زال يقيم السدود أمام كل محاولة نقد، أي مراجعة للأخطاء. ولا زال يغذي أدب تعمية يحرف حتى المصطلحات ذاتها، التي
стр. 38
يستعملها النقد النزيه. فيعزو مثلا مفهوم (القابلية للاستعمار) إلى مستشرقين غربيين ... بينما والحق يقال، نرى الاستعمار الجديد يشمئز من استعمال هذا المصطلح كأنما يخشى على سر من أسراره.
وباختصار، فـ (الرفض) صار، بين أيدي موجهي الصراع الفكري، أنجع وسيلة لتجميد العقل النقدي.
إلا أننا في الحقيقة، لا نفاجأ في عقدة الرفض بأمر جديد، فعقدة الرفض لها ماض في سياستنا بعيد. وأذكر على سبيل المثال، تلك المناسبة التي جمعتني يوما، في ضاحية من ضواحي باريس، في شهر حزيران (يونيو) أو تموز (يوليو) ١٩٤٦، ببعض ممثلي الحركة الوطنية ومن بينهم أحد ركائز الحزب جاء خصيصا من الجزائر.
لقد كنا نراجع الموقف بعد الحرب العالمية الثانية، وكنت كلما وجهت ملاحظة، يَشْتَمّ منها نقد لمسيرة الحركة أثناء الحرب، يردها ركيزة الحزب هذا ولم يكن يردها بالحجة وإنما بـ (الرفض).
ويجب أن أضيف بأنها لم تكن المرة الأولى؛ التي يعترضني في الطريق هذا العائق المشل، والذي يبدو لي الآن، بعدما مر بعض الزمن، أنه لم يعق في شيء مصالح الاستعمار، وإنما أعاق القضية الوطنية.
هذا الرفض، ينبغي رفعه من مرحلتنا الراهنة، لينطلق النقد الذاتي في الجزائر، إلى أبعد مما وصل إليه في البلاد التي صاغته ومارسته بوصفه ملحقا لتنظيمها السياسي.
وربما كان على جامعتنا أن تتولى الأمر هذا، وتشرف على دراسات اجتماعية
стр. 39
متخصصة، تتناول الحالات المنحرفة أو الشاذة لتصفية ما أمتنع منها عن العلاج الثوري (١).
ولا شك في أن دراسات لهذه الحالات المرضية، ستكون أنفع للوطن من أدب الإطناب والتمجيد، بل ينبغي القول أن هذه الدراسات قد أفادت الجزائر فعلا عندما كانت تطبق فيها ولو بطريقة عفوية في العشرينات.
فالجزائريون الذين من جيلي، يعلمون أنها السنوات التي زحزحت الثقل، الذي وضعته قرون ما بعد الموحدين على كاهل الوطن.
لقد كانت بالنسبة للشعب الجزائري فترة صحو، إستعاد فيها رشده وأدرك فضائله، كما أدرك نقائصه التي كان الاستعمار دائبا على تنميتها.
وإذا كانت بعض الانتكاسات قد حدثت بعد ذلك، فذلك يعني أن العمل العفوي لا يعطي نتيجة ثابتة، فالقضية لا تعدو أن تكون مشروطة بالمنهج.
ومهما كان الأمر، فضرورة مراجعة الأشياء أصبحت ملحة اليوم.
إن أعمال التخطيط والتشييد، اللذين يجريان اليوم في مختلف البلاد الإفريقية، تجعل المعرفة الدقيقة لجهاز الإنجاز والتنفيذ أمرا ضروريا، خصوصا تلك الدولة الإفريقية التي ظهرت للوجود في العقد الأخير.
وإذا كان يهمنا أن نعرف إلى أي درجة ينبغي أن يكون الأمر حسنا، فإنه يهمنا أكثر أن نعرف إلى أي درجة يتطلب تحسين الأمور.
فهذه الملابسة، هي التي تفرض تأسيس علم إجماع خاص بالحالات المرضية، للكشف عن العراقيل والمعوقات التي ربما عرقلت الإنجاز والتنفيذ.
стр. 40
وينبغي أن يكون هذا النهج شاملا، أي أن يتناول الإحصاء والتفسير، أو بعبارة أخرى ينبغي أن يعنى بالكشف عن الحالة الشاذة من ناحية، وأن يدرس مصدرها أو تاريخها من ناحية أخرى.
إننا قصرنا نظرتنا عن قصد وبنية الإيجاز، على نطاق الجزائر. إنما على من يهمه الأمر أن يتصرف في الحالة التي تعنيه فيدرجها في مكانها بين النتائج النظرية التي نصل إليها، أو يصدر النتائج إلى مكانها في أي وطن إسلامي آخر.
فأي وطن يتخلص من الاستعمار ويعلن سيادته، لا تختلف فيه المشكلات عن وطن آخر يمر بالمرحلة نفسها.
على أننا، إذا حاولنا ترتيب المشكلات وفق أولويتها، فمن المعقول أن تمنح الأولوية إلى مشكلات الاستقلال، أي إلى الحالات التي ستزيد من درجة الصعوبة في مهام الدولة.
ونحن هنا لا نقدم إحصائية لهذه الصعوبات حتى لا نتورط في الاعتبارات السياسية أو المذهبية. ولكننا نشير إلى إحدى هذه الصعوبات لأنها تتمثل في عقدة قد يكون لها أسوأ تأثير على مستقبل الوطن بوصفه دولة، إن لم تُصَفّ في قريب عاجل.
فهذه العقدة تعرض منذ الآن ديمقراطية المؤسسة من وجهة نظر المحكوم، عندها يرى أجهزتها المختلفة لا تنسجم في أداء وظيفة الدولة، بل تسير وكأنها أجهزة دول مختلفة.
فالمواطن المحكوم يشاهد أثر هذه العقدة حتى في العمليات البسيطة التي تقوم بها أجهزة إدارة واحدة، فما بالك إذا تعقدت العملية وتدخلت في إنجازها إدارات مختلفة، تقول الواحدة نعم بينما تقول الأخرى لا؟.