← Общие книги

Общие книги · id 21780

بين الرشاد والتيه

مالك بن نبي

Полный текст (205 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالعهد الجديد، حين يتأسس تحت إشراف دولة ينبغي ألا يكون مجرد إعلان للسيادة الوطنية، إعلانا مسجلا في السطور الأولى من الدستور، بل ينبغي أن يكون أداة ضرورية لتنمية هذه السيادة، في كل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية. فإعلان السيادة حاصل منذ اللحظة الأولى. قد كتبته الدماء الزكية التي أراقها الشهداء على مذبح الوطن. أما أداة التنمية، فإنها تتطلب أكثر من ذلك ... إنها تتطلب عرق الأحياء في عملهم المشترك، إذ هو يتكفل بها لمواصلة الكفاح من مقتضيات التحرير إلى متطلبات البناء. إن الانضباط النفسي، الذي يتحلى به أولئك الذين سيتناولون، بعد الكفاح المسلح، المحراث أو المطرقة، القلم أو المبضع، الميزان أو أي أداة أخرى للعمل؛ إن هذه الأجيال المستمرة في اتجاه مرسوم والمثابرة عليه، هي التي تصنع الدولة على الصورة المتلائمة عضويا مع طبيعة هذا الدأب المستمر وأهدافه. إن الدولة تصنع نفسها بما تنجز من أعمال، فهي السبب الذي تؤثر فيه نتائجه. ومن هنا، ومن هذه الزاوية بالذات، قد ندرك- إذا ما وازنا بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة- ما يعنيه رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: ((إنما هي أعمالكم ترد إليكم كما تكونوا يول عليكم)). إن الحديث الشريف يعبر عن نظرة ذات أغوار سياسية اجتماعية بعيدة، نستطيع تلخيصها على الصعيد التربوي في هذه المقدمة: إذا أردت أن تصلح أمر الدولة فأصلح نفسك. والمنهج التربوي هذا يهم أول ما يهم دولة ناشئة، لها فضائل الشباب ولها أيضا عيوبه.

стр. 37

فالشعراء قد يستهويهم هذا الشباب المشرق، كالشاعر (أراجون) الذي كان ينشد (الغادات الغناء). أما المفكر المتسم بأقل تفاؤلية، أو بأكثر موضوعية، كلينين مثلا، فإنه سوف تعتريه حيرة أمام ما يسميه (الأمراض الطفولية). فينتهي في آخر المطاف إلى سؤال ((ما العمل؟))، الذي عبر به من خلال عنوان لأحد كتبه عن قلق هذه المرحلة بعد ثورة تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٩١٧. فعالم الاجتماع ملزم في البلاد التي دخلت في عهد ما بعد الثورة، أن يطرح السؤال أمام كل ما يشتم منه رائحة الأمر الغريب الشاذ. ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة الاستقلال، ليكون بين أيدي من يشرف على أجهزة الدولة أداة رقابة لا ينفصل عن جهاز التخطيط. ففي بعض البلدان، نرى هذه الرقابة قد نشأت تحت اسم (النقد الذاتي). وإنا لنعلم ما كان لها في الصين، على سبيل المثال، من تأثير تعديل في السير وتنظيم الحياة الاقتصادية. وكم نود هنا في بلادنا، أن نتخلص من عقدة الرفض، التي طالما سدت الطريق، أثناء الثورة، على كل محاولة إصلاح، بدعوى أن كل نقد سيكون في صالح الاستعمار ... بينما أرى بكل وضوح اليوم أن الاستعمار هو وحده الذي استفاد من هذا الرفض. فالقضية تدخل في نطاق الصراع الفكري، وتتطلب في هذه الحالة شروحا لا نريد الولوج فيها في هذه السطور. غير أننا نقول إن الاستعمار أو خليفته الاستعمار الجديد، لا زال يقيم السدود أمام كل محاولة نقد، أي مراجعة للأخطاء. ولا زال يغذي أدب تعمية يحرف حتى المصطلحات ذاتها، التي

стр. 38

يستعملها النقد النزيه. فيعزو مثلا مفهوم (القابلية للاستعمار) إلى مستشرقين غربيين ... بينما والحق يقال، نرى الاستعمار الجديد يشمئز من استعمال هذا المصطلح كأنما يخشى على سر من أسراره. وباختصار، فـ (الرفض) صار، بين أيدي موجهي الصراع الفكري، أنجع وسيلة لتجميد العقل النقدي. إلا أننا في الحقيقة، لا نفاجأ في عقدة الرفض بأمر جديد، فعقدة الرفض لها ماض في سياستنا بعيد. وأذكر على سبيل المثال، تلك المناسبة التي جمعتني يوما، في ضاحية من ضواحي باريس، في شهر حزيران (يونيو) أو تموز (يوليو) ١٩٤٦، ببعض ممثلي الحركة الوطنية ومن بينهم أحد ركائز الحزب جاء خصيصا من الجزائر. لقد كنا نراجع الموقف بعد الحرب العالمية الثانية، وكنت كلما وجهت ملاحظة، يَشْتَمّ منها نقد لمسيرة الحركة أثناء الحرب، يردها ركيزة الحزب هذا ولم يكن يردها بالحجة وإنما بـ (الرفض). ويجب أن أضيف بأنها لم تكن المرة الأولى؛ التي يعترضني في الطريق هذا العائق المشل، والذي يبدو لي الآن، بعدما مر بعض الزمن، أنه لم يعق في شيء مصالح الاستعمار، وإنما أعاق القضية الوطنية. هذا الرفض، ينبغي رفعه من مرحلتنا الراهنة، لينطلق النقد الذاتي في الجزائر، إلى أبعد مما وصل إليه في البلاد التي صاغته ومارسته بوصفه ملحقا لتنظيمها السياسي. وربما كان على جامعتنا أن تتولى الأمر هذا، وتشرف على دراسات اجتماعية

стр. 39

متخصصة، تتناول الحالات المنحرفة أو الشاذة لتصفية ما أمتنع منها عن العلاج الثوري (١). ولا شك في أن دراسات لهذه الحالات المرضية، ستكون أنفع للوطن من أدب الإطناب والتمجيد، بل ينبغي القول أن هذه الدراسات قد أفادت الجزائر فعلا عندما كانت تطبق فيها ولو بطريقة عفوية في العشرينات. فالجزائريون الذين من جيلي، يعلمون أنها السنوات التي زحزحت الثقل، الذي وضعته قرون ما بعد الموحدين على كاهل الوطن. لقد كانت بالنسبة للشعب الجزائري فترة صحو، إستعاد فيها رشده وأدرك فضائله، كما أدرك نقائصه التي كان الاستعمار دائبا على تنميتها. وإذا كانت بعض الانتكاسات قد حدثت بعد ذلك، فذلك يعني أن العمل العفوي لا يعطي نتيجة ثابتة، فالقضية لا تعدو أن تكون مشروطة بالمنهج. ومهما كان الأمر، فضرورة مراجعة الأشياء أصبحت ملحة اليوم. إن أعمال التخطيط والتشييد، اللذين يجريان اليوم في مختلف البلاد الإفريقية، تجعل المعرفة الدقيقة لجهاز الإنجاز والتنفيذ أمرا ضروريا، خصوصا تلك الدولة الإفريقية التي ظهرت للوجود في العقد الأخير. وإذا كان يهمنا أن نعرف إلى أي درجة ينبغي أن يكون الأمر حسنا، فإنه يهمنا أكثر أن نعرف إلى أي درجة يتطلب تحسين الأمور. فهذه الملابسة، هي التي تفرض تأسيس علم إجماع خاص بالحالات المرضية، للكشف عن العراقيل والمعوقات التي ربما عرقلت الإنجاز والتنفيذ.

стр. 40

وينبغي أن يكون هذا النهج شاملا، أي أن يتناول الإحصاء والتفسير، أو بعبارة أخرى ينبغي أن يعنى بالكشف عن الحالة الشاذة من ناحية، وأن يدرس مصدرها أو تاريخها من ناحية أخرى. إننا قصرنا نظرتنا عن قصد وبنية الإيجاز، على نطاق الجزائر. إنما على من يهمه الأمر أن يتصرف في الحالة التي تعنيه فيدرجها في مكانها بين النتائج النظرية التي نصل إليها، أو يصدر النتائج إلى مكانها في أي وطن إسلامي آخر. فأي وطن يتخلص من الاستعمار ويعلن سيادته، لا تختلف فيه المشكلات عن وطن آخر يمر بالمرحلة نفسها. على أننا، إذا حاولنا ترتيب المشكلات وفق أولويتها، فمن المعقول أن تمنح الأولوية إلى مشكلات الاستقلال، أي إلى الحالات التي ستزيد من درجة الصعوبة في مهام الدولة. ونحن هنا لا نقدم إحصائية لهذه الصعوبات حتى لا نتورط في الاعتبارات السياسية أو المذهبية. ولكننا نشير إلى إحدى هذه الصعوبات لأنها تتمثل في عقدة قد يكون لها أسوأ تأثير على مستقبل الوطن بوصفه دولة، إن لم تُصَفّ في قريب عاجل. فهذه العقدة تعرض منذ الآن ديمقراطية المؤسسة من وجهة نظر المحكوم، عندها يرى أجهزتها المختلفة لا تنسجم في أداء وظيفة الدولة، بل تسير وكأنها أجهزة دول مختلفة. فالمواطن المحكوم يشاهد أثر هذه العقدة حتى في العمليات البسيطة التي تقوم بها أجهزة إدارة واحدة، فما بالك إذا تعقدت العملية وتدخلت في إنجازها إدارات مختلفة، تقول الواحدة نعم بينما تقول الأخرى لا؟.

стр. 41

فمن الناحية المعنوية ينبغي أن نتصور وضع المحكوم في مثل هذه الحالة. أما من الناحية الفنية فإننا نتصور الدولة في حالة كهذه، محركا تدفع بعض أجهزتها إلى الأمام بينما تدفع الأخرى إلى الخلف. فمن الناحية الميكانيكية، ندرك بسهولة تلف الطاقة، التي يتعرض لها محرك كهذا، بل نتصور أن المحرك نفسه يتعرض للتلف، ونعلم بالتالي كيف يمكن لصاحب المحرك أن يتفادى خطرا كهذا بكل عناية واهتمام. فبين الحالات الاجتماعية المرضية، ليست الحالة التي أشرنا إليها أخطرها، إنما أشرنا إليها لأنها قابلة للتشبيه بوضع المحرك تشبيها يقربها للفهم. فعاهة عدم الانسجام والتنسيق، التي نشير إليها هنا، تظهر بكل بساطة، عندما يكون ملف تجهزه إدارة ينتظر وثيقة تبطئ بها جهة في الإدارة نفسها. كما تظهر العاهة بصورة أخرى، عندما تنتظر إدارة من أخرى، الإسهام في إنجاز عملية أكثر تعقدا، فتتعطل العملية بسبب تخلف الإدارة الثانية وتقاعسها في الإسهام. ففي الصورتين كلتيهما ينبغي دراسة الحالة للكشف عن أسبابها المرضية، وأبعادها المختلفة ويكفينا هنا على سبيل التوضيح أن نتناول بعدها النفسي. ونحن نسوغ موقفنا من هذه الزاوية، فنقول إن العلاقات القائمة بين الأجهزة المكلفة بإنجاز العمليات الإدارية المشتركة، ليست مجرد علاقات ميكانيكية كما تكون بين أجهزة محرك، بل هي علاقات بين أفراد، أي في جوهرها نفسية. فإذا كانت بلدية ما، تتخلف عن إرسال ورقة ما، تنتظرها إدارة تعليم مثلا، فتبقى العملية المشتركة معطلة على حساب مواطن، فهذا لا يعني بالطبع

стр. 42

أن العلاقات بين الإدارتين سيئة في طبيعتها التنظيمية، وإن كانت تصبح سيئة فعلا عندما يشخصها أفراد لا يحسنون تشخيصها. فالمشكلة لا تطرح من الجانب التنظيمي بل من الجانب النفسي، لأنها مشكلة البنية الذهنية. إن عدم التناغم المشار إليه ليس إلا العرض المرضي للعلاقات المنحرفة بين الأفراد القائمين بوظيفة الدولة على اختلاف مراتبهم. فالاضطلاع بهذه الوظيفة، يتطلب من القائمين بها الخضوع لشروطها، سواء بالنسبة للرؤساء أو المرؤوسين، خضوعا يقضى بالحد من (الحرية) ومن (الاستقلال) الفردي. فالوطن لا يحقق (استقلاله) في مرحلة البناء، إلا بقدر ما يضع من حدود (لاستقلال) أفراده. غير أن الحدود هذه لا تحتمل، إذا لم يكن لها أسمى المسوّغات: إن (الخضوع) أو التسليم في نصيب من حريته لا يتسنى في نظر الفرد، إلا إذا كان الخضوع يتضمن معنى الواجب المقدس، كالواجب الذي خضع له خالد بن الوليد يوم اليرموك. فمشكلة العلاقات الناتجة عن ممارسة السلطة، عموديا أو أفقيا، مع الرؤساء والمرؤوسين ومع الزملاء، تتصل مباشرة بقضية تسويغ (الخضوع) بصفته التزاما يعبر على صعيد العمل المشترك عما يتطلبه الضمير المهني. وهذه العلاقات- التي تشرط فعالية العمليات الإدارية كلها، وبالتالي وظيفة الدولة كلها- تعكس ظلها على تفاصيل الحياة، في أقصى أبعادها، عكسا يصبح معه الضمير المهني مجرد الضمير، وتصير العلاقة الناتجة عن ممارسة السلطة مجرد العلاقة الاجتماعية في أبسط صورها.

стр. 43

إن المجتمع الذي عانى عندما خضع مثلا لسلطان الاستعمار، اضطرابات في شبكة علاقاته الاجتماعية، سيعاني قطعا مشكلة في علاقاته السلطانية، حين يصبح هيئة سياسية، أي عندما يصبح دولة. وكل مجتمع أصابت فيه محن الزمن شبكة علاقاته الاجتماعية، سيواجه قطعا سيئات الروح الانفرادية، وستكون فيه العلاقات السلطانية ملوثة لأن (الخضوع) الذي تفرضه العلاقات هذه - أفقيا وعموديا- لا يجد مسوغه بصفته التزاما وواجبا. ومن هنا ينبغي على هذا المجتمع، عندما يشرع في النهوض، أن يرمم ويصلح شبكة علاقاته الاجتماعية، ليتغلب على الصعوبات الناشئة في نطاق علاقاته السلطانية. ففي الجزائر على سبيل المثال، نجد أنفسنا أمام هذه المشكلة، بعد أن مرت عليها قرون ما بعد الموحدين وقرون الاستعمار، فنراها تشرط ممارسة السيادة، بمعنى تشرط ثمار الاستقلال كلها. وفي مرحلة كهذه، يمكن لنا القول إن كل نزعة تمليها الانفرادية، هي بالتالي على حساب السيادة الوطنية. وربما جاز لنا القول، على قدر خبرتنا وما شاهدناه في الحياة الإدارية، إن المرأة الجزائرية تنسجم منذ الخطوة الأولى مع وظيفة الدولة، لأنها لا تعاني في ذاتها عقدة (الاستقلال) الفردي، التي تجعل (الخضوع) لمقتضيات الوظيفة أمرا صعبا. ونضيف هنا أننا من الناحية الفنية، لا نرى كفاءتها تنقص في شيء. فإذا ما عددنا بصورة عامة مشكلة العلاقات في عمقها، فإننا نراها تتصل من حيث طريقة حلها بالشروط النفسية الزمنية التي تقوم عليها حضارة، أي بشروط لا تحققها مجرد ثقافة مهنية، بل ثقافة جذرية تغير فنيا معالم الذات.

стр. 44

ثم إن المشكلة، وإن كانت هنا لا تخرج عن النطاق الإداري، الذي حصرناها فيه عن قصد بغية الاختصار والتوضيح، فإنها تتطلب منا درجة من الوعي تجعلنا ندرك المناقضة التي نلمسها أحيانا في جهازنا، مناقضة بين إستقلال الوطن (واستقلالات) الأفراد. مناقضة بين حريته و (حريات) موظفيه. من هنا كم يجب علينا أن نعالج ونصفي هذه المناقضة، لنعطي وظيفة الدولة فعاليتها ومعناها الديمقراطي. على أنه، وإن اقتصرت الاعتبارات هذه على البعد الإداري كما فعلنا في هذه السطور، فإنها لا تلم بالموضوع من سائر جوانبه، إذ ينبغي أن تتأسس دراسات متخصصة في قضايا الاستقلال. إن المسؤوليات في النطاق الإداري وفعاليتها فيه، لا تعدو أن تكون انعكاسا لأوضاعنا النفسية في العمل والإنتاج. فمن أجل أن يكون الجهاز الإداري عاملا منتجا، يجب أن يكون روح الإدارة روح عمال ومنتجين لا روح (باشاوات) مستبدين.

стр. 45

تغيير الإنسان عن مجلة (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢١ شهر أيار (مايو) ١٩٦٧. ينقل العدد الأخير من مجلة (نوفيل أوبسرفاتور) مقالا من مجلة (بروق)، يصف صاحبه، (فرانسوا فوريه) ما يسميه: ((تيه المثقفين الفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية)). إنني بكل أسف لم أطلع على هذا المقال، وربما لم تكن لتفيدني مطالعته إلا من الناحية الفكرية، إذا ما عقدت موازنة بين الحالة التي يصفها وبين ((تيه المثقفين الجزائريين بعد الثورة)). غير أن الموضوع يأخذ فجأة أهمية كبرى، حين نقرأ ملاحظة لـ (جان دانييل)، تطرح بصورة غير مباشرة، مشكلة لم تفقد أهميتها في كل محاولة تقويم جديد للثورة الجزائرية. إن ثورة ما، هي في جوهرها عملية تغيير. غير أن لهذا التغيير أسلوبه وطبيعته: فأما الأسلوب فيتسم بالسرعة ليبقى منسجما مع التنسيق الثوري، وأما طبيعة التغيير فإنها تتحدد في نطاق الجواب على السؤال التالي: ما هو الموضوع الذي يجب تغييره، ليبقى التغيير متمشيا مع معناه الثوري؟

стр. 46

المشكلة تبدأ من نقطة الاستفهام هذه، فمن هذه النقطة بالذات تنشأ في الأذهان الالتباسات والشبهات. وينبغي على الثورة لتفادي الإبهام، أن ترسم خطا واضحا حول موضوع التغيير حتى لا يبقى مجال للخلط. أما إذا أسلمت الأمور إلى الغموض والضباب، فإن أي انحراف سيكون متوقعا، وسوف تظل الثورة معرضة لأن تترك مكانها- دون أن تعلم- لشبه ثورة، تستبدل بالكيف الكم، وبالتغيير الجذري الضروري شبه التغيير. إن مجموعة من المظالم الاجتماعية تستطيع تخزين طاقة ثورية هائلة، ولكن إذا انفجرت هذه الطاقة، وهي تنفجر في ظرف استثنائي، فليس من المؤكد أن تمسك الثورة اتجاهها، وألا يطرأ فيها انحراف. الإستمرار في الاتجاه إذن يقتضي شروطا. وفي هذا المجال نرى في تعليق (نوفيل أوبسرفاتور) توضيحا لا مزيد عليه في الموضوع، إذ أن صاحبه (جان دانييل) احتج على (فرانسوا فو ييه) برأي، أدلى به (جيفارا) في حديث عن الثورة يقول فيه: ((إذا لم يعن بتغيير الإنسان فالثورة لا تعني إذن شيئا بالنسبة لي)). فهذه كلمات في منتهى الوضوح، في منتهى الصفاء، وفي منتهى الدقة، إنها تضعنا في صلب القضية. لقد علق (جان دانييل) على هذه الكلمة بأنه كان يشعر أثناء الحديث مع (جيفارا) وهو يقول هذه الكلمات ((بنفس تتخلله حدة دينية)). ولقد كان (جان دانييل) محقا في تعليقه هذا.

стр. 47

وبالفعل فالثورة التي لا تحركها هزة تكاد تكون شطحة صوفية فليست بثورة. والتغييرات الثورية تصبح حلما من الأحلام إذا لم تقم على هذا الشرط، فتحويل سلطة سياسية من أيد إلى أخرى، وإعادة تنظيم الإدارة وأجهزة العدالة، وتغيير العملة، وتعديل النظام الاقتصادي، هذه كلها أمور تدخل بطبيعة الحال في نطاق الظاهرة الثورية. وقد تتغير خريطة توزيع الملكية في الوطن، وقد يسند إلى أبناء الوطن وظائف كان المستعمرون يشغلونها، وقد تستبدل بالحروف اللاتينية حروف عربية على واجهات ولافتات الحوانيت، إلا أن التغييرات هذه جميعها تصبح مجرد سحر للأبصار ولا يستقر أمرها إذا لم يتغير الإنسان نفسه. وقد يرتفع متوسط الدخل الفردي أيضا، دون أن يكون ذلك القياس الصحيح الذي به تقاس الثورة. إذ لو كان الأمر يقتضي مجرد زيادة في الأجور وفي وجبات الطعام، لكان على حد تعبير (جيفارا) مع تصرف قليل في كلماته ... لكان استعمار جديد له نصيب من الذكاء أقرب إلى النجاح بالمعنى الثوري المنحرف. ولقد كان الشعب الجزائري الثائر، على إدراك تام لقضيته، عندما قال: ((لا))، في استفتائه على مشروع قسنطينة، الذي كان يمنيه ويعده الاستجابة لكل ما قد يكون له من رغبات مادية. فثورة ما لا تستطيع بناء وضع جديد والحفاظ على مكتسباتها إلا إذا كان أثره في تصفية الاستعمار، فعالا في تصفية الإنسان من القابلية للاستعمار، فتصفية الاستعمار في الإنسان تشرط تصفيته في الأرض ويجب أن تتقدمها.

стр. 48

ولا يمكن لنا أن نفهم معنى فاتح تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٤ بصفته بعثا وتحريرا للإنسان إذا غابت عن أذهاننا عملية التلويث، التي عاناها الإنسان الجزائري طيلة قرن ونصف. ففي هذه الحقبة الطويلة من الزمن كان على الإنسان أن يحتقر نفسه وأن يتحلى بألقاب (أنديجين) .. كي يتناغم مع وضع استعماري لا شفقة فيه. والمثقف في الجيل السابق كان يطالع جريدة (صوت الانديجين) وجريدة (صوت المحتقرين)، وإذا تعين عليه أن يكتب شيئا فموضوعه يتحدد في ذهنه بقابلية للاستعمار، وكذلك المثقف الجزائري الذي نشر حوالي عام ١٩٢٥ كتابا عنوانه (يا ألله)، وأردف هذا العنوان بعنوان آخر يفسره ((أو كيف يأمر الأوربي (الانديجين) حتى يطيعه)). لعل هذه العبارة تكفي دليلا على سمو العواطف عند صاحبها، أليس كذلك؟. ولم تكن هذه البضاعة السخيفة ليحتكرها مثقفون، بل نجد هذا النوع من أدب العبودية منتشرا في أرجاء العالم الثالث، وفي إندونيسيا منه عينات نقل بعضها (ريدشارد قرقايط) في كتابه عن باندونج. فأينما حل الاستعمار كان يلوث الإنسان، حتى أصبحت تصفيته من رواسب الاستعمار، أهم عمل ثوري في الثورة. فلا غرابة إذن في أن الذين كانوا في فرنسا يعرفون عن العامل الجزائري صورة هزيلة، يكتشفون له بصورة مفاجئة صورة تفرض التقدير والاحترام عندما اندلعت الثورة. لقد لعبت الكلمات نفسها دورا في هذا التعبير، فبمجرد أن كان الجزائري يلقب (بالمجاهد)، كان وكأنما ألغى من ذهن الآخرين صورة (الانديجين) الحقير، حتى قبل أن يطلق أول رصاصة في الجبل.

стр. 49

فبمجرد ما يلقب (بالمجاهد)، كان في طفرة واحدة، يصبح البطل الواعي المدرك لعظمة تحديه للقوى الهائلة التي أمامه. وإذا تغيرت الكلمات بطريقة عكسية أو غيرت في اتجاه آخر، فإن أثرها في بعث الإنسان سيتأثر قطعا بسبب ذلك. لقد حدد الدكتور خالدي، بطريقة موفقة، أهمية الكلمات من حيث مدلولها الثوري، ويجب أن نقدر أهميتها من الناحية النفسية؛ إن الكلمات تعين مواقف أيديولوجية محددة. فإذا غيرناها فالتغيير لا يعتري فحسب (لغة) الثورة بل إنه سيصيب (روحها) وربما يغير الموقف الثوري نفسه. فإذا تنازل الثوار عن لقب (المجاهد) فسرعان ما سوف يظهر في سلوكهم الانحراف، الذي كان يعتريهم عندما كانوا في الخدمة العسكرية في جيش الاستعمار. يجب على الثورة أن تحافظ على صفاء (لغتها) حتى تحافظ على قدرتها على تغيير الإنسان. إن بعض الإباحيات في اللغة- وقد يعدها أصحابها من الإقدام الثوري- ليست إلا خيانات للثورة في موضوعها الأساسي وهو تغيير الإنسان. فإذا ما تحدث بعض المخنثين عن (التحرير الجنسي) مثلا فكلماتهم لا تعبر عن شيء سوى هبوط في الطاقة الثورية. وليس من العبث أن يعزو (سفر التكوين) في العهد القديم سائر العوامل التي مزقت وحدتهم وفرقتهم، إلى البلبلة التي حدثت في لسان القوم. وقد أوضح بذلك أثر الكلمات على مصير البشر.

стр. 50

على أية حال، فالثورة لا تستطيع الوصول إلى أهدافها، إذا هي لم تغير الإنسان بطريقة لا رجعة فيها من حيث سلوكه وأفكاره وكلماته. وإذا ما نظرنا إلى الأمور في عمقها، فإن ثورة ما، لابد لها أن تسير طبقا للقانون الاجتماعي الذي تشير إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٢/ ١٣] ***

стр. 51

العامل الجزائري في فرنسا عن (الثورة الإفريقية) تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٦٥كتبت بمناسبة تأسيس (ودادية العمال الجزائريين في أوربا). من الأشياء ما لا تدركه بالكلمات، إنما تدركه بالتذوق. وليس يكفي، كما يقول الغزالي، أن تقول هذا حلو إذا لم تتذوق طعمه، فمن ذاق عرف. والعامل الجزائري في فرنسا من تلك الأشياء التي لا يدركها المرء بمجرد الكلمات. فهلا سافرت من الجزائر إلى مرسيليا على عنبر سفينة أو متخفيا في مخزن فحمها. وهلا نزلت في غبش ذات صبيحة في محطة ليون في باريس، دون أن تكون لديك فكرة عن طعامك ذلك اليوم؟؟ وهلا جُزت شوارع باريس على الأقدام، دون أن يكون لك فلس تركب به المترو، تبحث عن عمل؟! وهلا وقفت ساعات لا تنتهي في صف طويل أمام شباك التشغيل؟ وهلا دفعت براميل ثقيلة على رصيف مصنع ثماني ساعات في اليوم، أو أفرغت شاحنات ضخمة سحابة النهار حتى تفسخ جلد كفيك؟!

стр. 52

هلا قضيت ليلك في المصنع، ثم خرجت في البكور مكبا على وجهك كأنما ظهرك قد انقسم نصفين، وكأنما عضلاتك لم يبق منها شيء، وقد التصق قميصك بجلدك من العرق؟. إنك إذا كنت كابدت شيئا من ذلك فأنت تعرف القضية. ولسوف تدرك أحلام الذين يذهبون هناك ثم يعودون بخفي حنين بعد إقامة قصيرة غير مجدية، أو يبقون في باريس يتعرضون للأمراض والتدهور الأخلاقي والإجتماعي الذي يتهددهم. ولسوف تدرك أيضاً ما يبذل هؤلاء الذين بقوا هناك من جهد ليسلموا من أخطار تحدق بهم، وليجدوا لأسئلة تؤرقهم أجوبة تستشفها عقولهم. أجل ... إنك إذن ستدرك هذا كله دون كلمة أو نصف كلمة لأنك ذقته، لأنك عشت في لهبه، وكرعت من حوضه!!. فالكلمات لا تستطيع سوى أن تخط حول هذا الموضوع خطا أسود يشير إلى محتواه الإجتماعي والسياسي. أما هؤلاء (المتعطرون) الذين يتحدثون عن (الشروط الموضوعية) للعمل، وهم ينعمون على سطح مقهى من المقاهي الفخمة، فهؤلاء لا بد أن تكم أفواههم حتى لا يدنسوا بكلماتهم موضوعا كهذا. وقبل هؤلاء، ينبغي أن تكم أفواه أساتذتهم الدجالين الذين لم يتعرفوا على الجماهير الكادحة، إلا في تلك القاعات الفسيحة حيث كانوا يأتون قبل الثورة، يعللون آمالهم- (فالجزائر لا ييئس أبدا من رحمة الله) - بكلمات خلابة حتى يجمعوا تبرعاهم في كل شهر. ومهما يكن من أمر، فنحن اليوم أمام وضع معين علينا أن نباشره بحكمة.

стр. 53

فالجزائريون الذين يعيشون في فرنسا يكونون طائفة من المغتربين يبلغ عددهم سبع مئة ألف نسمة. وهذا العدد وحده، يعبر عن أهمية قضية تتطلب تحقيقا نعرف به كيفية توزيع هؤلاء المغتربين على الخريطة الفرنسية، ولعله من ترف القول أن نشير بأن أحدا سوى الإدارة الفرنسية لم يعتن بهذا الأمر. على أننا نستطيع على وجه التقريب، أن نتصور التوزيع الجغرافي هذا، وقد تكون عبر السنين حول مراكز تقليدية ثلاثة: باريس، مرسيليا، ليون. يضاف إلى ذلك ما استوطن من الجزائريين حول مناجم الفحم في الشمال، وحول مناجم الفحم شرقي البلاد. هذه المراكز تكون النقاط الأساسية لخريطة إسكان الجزائريين في فرنسا. ثم لا بد من ملاحظة عامة أخرى، فسكان فرنسا من الجزائريين صنفان من السكان: صنف يغدو إلى فرنسا ويروح إلى عائلته في الجزائر. وصنف استقر نهائيا في مكان عمله. وحينما نميز هذين الصنفين لا نعقد بينهما نسبة عددية لأننا نفقد إحصائية دقيقة تسمح بذلك، وإنما نريد فحسب لفت النظر إلى نوع المشكلات الخاصة بكل صنف. فالعمال الجزائريون المستقرون في مكان عملهم يكونون بطبيعة الحال مجتمعا فيه الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، بمعنى آخر مجتمعا يطرح سائر المشكلات التي يواجهها وطن ما من تربية أطفال ورعاية أسرة أدبيا وطبيا، وزواج ودفن أموات، وإحاطة أفراده بإطار ثقافي معين.

стр. 54

أما بالنسبة للصنف المترحل عن مكان عمله، فالمشكلات تأتي على درجة الحاجة العاجلة: المأوى، العمل، الضمان الإجتماعي للعامل الذي لم يجد بعد عملا، الإطار الثقافي الذي ينبغي وضعه فيه ليستفيد من الإمكانيات الثقافية الموجودة في مكان العمل، أو الموجود في الوطن الأم في نطاق ما يسمى (التربية الشعبية). بعد تعداد المشكلات الخاصة بكل صنف من الصنفين اللذين ذكرت، هناك المشكلة المشتركة بينهما، وإنها لمشكلة ملحة، والسؤال الذي نطرحه الآن يدلنا على درجة إلحاحها ... فهل تستطيع الجزائر أن تزهد وتضيع بالتالي سبع مئة آلف من آبنائها؟. هذا السؤال ينتج عنه سؤال آخر، ماذا تبذل الجزائر كي تمسك في أحضانها هذا العدد من أبنائها ... ؟. قد يتبين للقارئ هنا أننا لا نقدم حلولا، بل نطرح مشكلات نراها في منتهى الخطورة. ولكي نعطيه فكرة عن تفصيل من تفاصيل القضية فليسمح لي أن أذكر ما سمعته من امرأة ... من أم جزائرية عام ١٩٥٤. لقد كانت المرأة هذه ترى، والأسى يفتت قلبها، أن أطفالها لا يجدون في المدرسة التي يترددون عليها في باريس، أية معلومات عن تاريخ بلادهم، ولا أي توجيه ثقافي يتلاءم مع عادات وتقاليد الوطن، ولا أي شيء يربطهم بمصيره، لقد كنت في تلك الفتر، قبل الثورة بقليل، مهتما بأمر يشغل بالي؛ ففي باريس كانت ولا تزال المشاريع ذات الطابع الإجتماعي والإنساني، وهي جديرة بأن تقدم على الفور بكل نزاهة الجواب الذي كانت الأم الجزائرية تنتظره مني إذا قصرنا سؤالها على مجرد تكوين أولادها مهما كانت الطريقة.

стр. 55

لكن جوابا كهذا ما كان له أن يلي رغباتها بوصفها أما جزائرية. فقد كان أي مشروع جزائري جدير بتلبيتها لو كان موجودا إذ ذاك، غير أن منظماتنا الوطنية لم تكن تفكر في إيجاده، إذ كانت تفضل الظهور على المنصات، على القيام بأعمال متواضعة لا تلفت النظر. لقد كان من المحتمل أن يناهز عدد الأطفال الجزائريين في تلك الفترة- قبيل الثورة- ثلاثين ألفا في باريس وضاحيتها. فسؤال الأم الجزائرية لم يكن فاقد الأهمية، في وسط توجد فيه عند كل باب سائر وسائل التعليم والتكوين المهني، لقد كان يدوي في ذهني دويا كبيرا. إن ثمة معجزة في متناول أيدينا، لو شئنا تحقيقها: لكنا نستطيع خلال سنوات معدودة تجهيز الوطن (وهو مقبل على الثورة) بثلاثين ألفا من الفنيين من كل نوع. وإنا لندرك ونحن أمام مشكلات البناء، قيمة المعجزة التي فرطنا بها. لماذا لم تتحقق، وقد كانت الأسر الجزائرية مستعدة للعطاء ولم ينقطع سخاؤها في أبواب الخير، بل كانت مستعدة لدفع كل ما تستطيع لكل من يريد القيام بتوجيه أطفالها. فلا يجوز إذن أن نعزو الفشل إلى أسباب مادية، بل إلى أسباب فكرية ونفسية. لقد درست فعلا القضية عن كثب، ووضعت في ذهني خطة بسيطة لمواجهتها. وهي مواجهة لم تكن تتطلب إلا بعض التضحية والمبادرة من زعماء حركاتنا الوطنية في باريس. ويجب أن نقول اليوم إن القضية لا زالت قائمة، غير أن الظروف تبدو أيسر في مواجهتها من ناحية، ومن ناحية أخرى أشد عسرا.

стр. 56

فهي عسيرة؛ إذا قدرناها بالنسبة لعدد الأطفال الذي لم ينقص بل تزايد في العقد الأخير، ولأن الوضع السياسي قد تغير بالنسبة إلى آبائهم. وهي يسيرة: لأن القضية لم تعد رهينة منظمات كما كانت قبل الثورة، بل أصبحت بين أيدي الدولة الجزائرية، ولا نتصور أن الدولة ستزهد بسبع مئة ألف من المواطنين. إننا ننتظر من الدولة أن تحرر العامل الجزائري في فرنسا، من أولئك المشعوذين الذين يبتزونه، كما استغل أخاه في الوطن الموظف وشيخ الزاوية. ولا ينحصر دور الدولة الجزائرية في الجانب السياسي والمادي من القضية بل ينبغي أن تعالج الجانب التربوي أيضاً. ينبغي أن تعنى الدولة بوضع العامل الجزائري في فرنسا، حتى لا يذهب إلى مكان عمله بأخلاق تسيء إلى سمعة الوطن، أو يعود إليه بسلوك يسيء إلى مجتمعه. إن المشكلة لا تتطلب مجرد الموقف النظري، ولا مجرد المواقف الخيرية. إنها جديرة بكل اهتمام ودقة. ***

стр. 57

معالم على طريق الحركة النسائية الجزائرية عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٦٧ في٢٨ من شهر آدار (مارس) ١٩٦٨. هكذا كان القوم، في الجاهلية كما كان بين أهل الكتاب قبل الإسلام لا قيمة للمرأة، حتى إن العهد القديم لا يعترف بأن لها روحا. لم يكن أحد ليعبأ بفضيلة المرأة ولا برذيلتها، فزياد بن أبيه والي العراق في زمن معاوية، يفخر بأبيه أبي سفيان ثم لا يخجل من أمه وقد ولدته على فراش السفاح بالطائف. ولقد جاء الإسلام فغير الأوضاع لم النفسية البدائية هذه. ونحن نلمس هذا التغيير، في حوار يدور حول ذلك المنعطف المؤسف للتاريخ الإسلامي في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه. لم يكن لهذا الخليفة- كما نعلم- شكيمة عمر ولا حكمة أبي بكر، ﵄، فكان لذلك يتأثر برأي أهله كمروان بن الحكم، الذي كان مستشاره الأول، وقد ورط سياسته في الأثرة والمحسوبية، ولم يجد بعض الصحابة الأجلاء بدا من انتقاد هذه السياسة. وهكذا أصبح عثمان- ذلك الوجه الكريم من وجوه صدر الإسلام- يواجه موجة الانتقادات هذه وقد بلغت أوجها على لسان أبي ذر الغفاري.

стр. 58

وهذا حوار آخر نشير إليه ولم يكن غريبا في تلك الظروف، كان يدور بين الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه وبين عمار بن ياسر الذي أصبح يوجه أيضا نقدا حارا لسياسة الخليفة، واحتدم النقاش بينهما احتداما جعل الخليفة يرمي عمارا بقوله: يابن سمية! ... هذه الكلمة كانت في الجاهلية كفيلة بأن يَسلّ من رُمي بها سيفَه ليقتل أو ليموت اقتصاصا لشرفه، لكن عمار بن ياسر على العكس من ذلك قد رد بكل هدوء: - أجل يا أمير المؤمنين! إنني ابن سمية!. لم تكن الكلمة لتعبر عن التغيير العميق في النفس الجاهلية فحسب، فلقد كان لعمار بن ياسر الحق بأن يفخر بأمه سمية رضوان الله تعالى عليها. فمن هذه المرأة؟ لنترك للسيرة النبوية الجواب على هذا السؤال: كانت الدعوة في بدايتها تدوي في أرجاء مكة، فتذود قريش عن أصنامها ومصالحها الدنيوية، وأضحى الذي يعتنق الإسلام يذوق من قريش أنواع الأذى وأصناف التعذيب. ودقت ساعة الشهداء حينئذٍ كما دقت من بعد الهجرة ساعة الأبطال. كانت بمكة ساحة المعذبين والشهداء، وهي تشبه ساحة (دو جريف Degréve) بباريس أثناء الثورة الفرنسية، مع فارق هام هو أن الوضع معكوس هنا.

стр. 59

ففي ساحة مكة كان الجلادون ضد الثورة، والمعذبون كانوا شهداء الثورة التي سميت الإسلام. وفي يوم حين كانت شمس الضحى ترسل على الأرض أشعة ملتهبة تجعل الرمل كرماد الفرن، وكل حصاة في الأرض كحجرة متقدة، ها هو ذا النبي صلوات الله عليه وأزكى التسليم، يمر بساحة التعذيب فيرى ما يستوقفه: لقد كانوا يعذبون آل ياسر. إن ياسرا لم يكن من بطن من بطون مكة، ولكنه أتى إليها مع أخوين له، يبحثون عن أخ لهم رابع لم يجدوه، فقرر الإخوة الرجوع. إلا أن ياسرا آثر البقاء بالمدينة القرشية، وكما جرت عادة القوم فقد والى أحد بطونها من بني مخزوم فزوجوه من أمة لهم إسمها (سمية). كان عمار أول من أنجبته سمية لياسر، وأصبح، وهو شاب اخضر شاربه، من المسلمين الأوائل، ثم جعله الله سببا لهداية والديه للإسلام، فاهتدت سمية واهتدى ياسر. لكن الإبتلاء الذي كتبه الله على أولئك المسلمين الأوائل كان قد ابتدأ، وهكذا سيق ذات يوم ياسر وآله إلى ساحة التعذيب. واتفق للنبي، ﷺ ، أن يمر بالساحة فاستوقفه المنظر المؤلم، وهو يرى ما انصب من عذاب على أصحابه فقال صلوات الله عليه: - طوبى لكم آل ياسر، إن موعدكم الجنة! وسكت لحظة .. كأنما ﵊ يتحسس ثقل الرسالة التي شرفه الله بها، ويستشف معناها الحضاري. ثم قال:

стр. 60

((والله ليتمن هذا الأمر حتى تسير الظعينة من مكة إلى صنعاء، وعلى رأسها طبق من ذهب لا تخشى إلا غائلة الذئاب)). وزهقت أرواح سمية وياسر، الطاهرة ذلك اليوم، ورحلت من الدنيا لتلتقي في الجنة، كما وعدهم الرسول الكريم. فسمية هي هذه المرأة!. من هنا ندرك كم كان ابنها عمار فخورا يوم نودي باسمها فقال للخليفة: - أجل أنا ابن سمية، يا أمير المؤمنين. إن كل قضية جليلة تضع بصماتها في مصير الإنسانية وتترك صداها في التاريخ، ترسم على مركب الزمن وجوها كريمة تمثلها. ووجه المرأة ليس أقلها بروزا ووضوحا، بل قد تجد في أنوثته الخاصة لونا مثيرا ومؤثرا لا تجده في غيره. وليس من العبث أن الشعوب تحفظ بحنو، ذكرى امرأة تقمصت في لحظة ما، قضية وطنية مثل (جان دارك)، أو خلصتهم من طاغية مستبد مثل (شرلوت كورديه). ولربما عفّى الزمن على بعض الوجوه، حين يطوي التاريخ أحد صفحاته ويبدأ في كتابة أخرى. فنحن لا نعرف الكثير عن تلك الفارسة، الكاهنة بطلة مرتفعات الجزائر، قبل الإسلام، التي قامت فيما يبدو بدور مزدوج: فقد كانت البطلة التي قادت حركة المقاومة في وجه عقبة بن نافع، وكانت من ناحية أخرى الأم التي فتحت ضمير أولادها للإسلام. والأمر المؤكد أن اسمها لم يمح من ذاكرة الناس، وعلى الرغم من تآكل الحجر في دائرة البئر من فرط ما جرت الحبال عليه تسحب الماء للأجيال الغابرة، فما

стр. 61

زال الجيل الحاضر، الذي يرد ماء البئر ويورده قطعان الغنم، يسميه (بئر الكاهنة) على بعد ٨٠ كيلومتر جنوب مدينة تبسة. وبعد جيل الكاهنة بكثير ها هي ذي امرأة جزائرية أخرى، (لاله فاطمة تسومر) (١)، تنزل من جبال الجرجرة على رأس كتيبة من المجاهدين لقبوا (المسبلين) لأنهم باعوا أرواحهم في سبيل الله تقف في وجه الإستعمار أيام الإحتلال. إنها وجه آخر كريم نقش على لوحة تاريخ الجزائر، وكم يكون مجديا أن نعرف أكثر من هذا الموجز عن حياة البطلة الكبيرة. ولعله ينهض من المثقفين الجزائريين من يعيد هذه الصورة إلينا حتى لا يطمسها الدهر. ولعل عملا كهذا سيجد أمامه مادة غزيرة، لا سيما أن الثورة نقشت على لوحة التاريخ وجوه نساء كثيرات من اللائي عشن ومتن في سبيل الواجب والشرف، كـ (فضيلة سعدان) التي حصدتها، ذات يوم، في أحد شوارع قسنطينة رشاشة، ولكن بعد أن أذاقت قوم الجنرال (ماسو) الخزي والمرارة فترة طويلة من الثورة. هكذا نجد الثورة قد دفعت الحركة النسائية إلى الأمام، لكنها ما تزال حركة فتية، لها من الشباب حيويته وإقدامه، لكن شبابها قد يعوقها إذا أهملنا شأنها ولم نراقب نباتها كما ينبغي. لابد إذن أن نطرح منذ الآن مشكلة (إنباتها) حتى لا نغرس جذورها أينما كان وكيفما كان. فهناك أسمدة تعين على إنبات النبات الطيب. وهناك مزابل لا ينبت فيها إلا النبات العفن.

стр. 62

وإني أتذكر هنا وصية النبي ﷺ للشاب الأنصاري الذي كان يريد الزواج فأوصاه صلوات الله وسلامه عليه بحسن الاختيار ثم قال له: ((إياك وخضراء الدمن)). على حركتنا النسائية أن تختار إذن لغرس جذورها، تلك التربة النقية الطاهرة التي أنبتت (سمية ولاله فاطمة تسومر وفضيلة سعدان). وعندما أقول هذا، لا أرى في اختياري قضية ذوق وإنما ضرورة إجماعية ملحة. لأن الخطأ يتسرب غالبا إلى الحركات النسائية حينها تُنَشَّأ كيفما كان منشؤها على أنها حركات مطالبة، أو بالأحرى مرافعة ضد المجتمع ثم يأتي من يأتي ليؤيدها في ذلك. وكثيرا ما يكون التأييد مغرضا، كما يبدو في جناح الصحافة الفرنسية الذي أصبح مروجا، عندنا لنظرية (حركة نسائية) أطلق عليها صديق يعرف المزح والتهكم لقب (نظرية الفضيلو مرابطسم) (١). ينبغي أن تطبع حركتنا النسائية بطابعنا لا بطابع ما يصنع في الخارج؛ وعلى أية حال فالمرأة ليست كائنا يعيش وحده ويطرح مشكلاته على هامش المجتمع، إنها أحد قطبيه وقطبه الآخر الرجل. ولا ينبغي لنا أن نتصور قطبا ينفصل عن الآخر، ولو حدث هذا، بفرض لا يتصوره العقل، فالمجتمع نفسه يتبخر. ...

стр. 63

وزن الوقت عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٤٨ شهر تشرين الثاني (نوفبر) ١٩٦٧. شاهدنا على شاشة التلفزيون مقطعين من شريط عن الإتحاد السوفيتي: كان المقطع الأول يعرض الصعوبات التي واجهها لينين والثورة تدور رحاها، فتضطره للخضوع إلى الشروط المخجلة التي فرضتها هدنة (بريست ليتوفسك) (١) عليه، فقد قبل هذه الشروط، على الرغم من رياح المعارضة في صفوفه وعواصفها، إذ كان يمنح الأولوية لتنظيم وإنقاذ ثورة لم ترس بعد جذورها في أرض روسيا وفي روح الفترة تلك. أما المقطع الثاني فكان في غزو الفضاء والمكاسب الأخيرة التي حققها الرواد السوفييت. وفيما نحن نتابع بعض ما تضمنه هذا المقطع من طفرة عجيبة حققها مجتمع انتقل من عهد (الموجيك)، إلى عهد الإنسان الذي يغزو الفضاء بنجاح، إذا بصرخة تطلقها طالبة طب من أهلي كانت بجنبي: - مع أن خمسين عاما من الزمن شيء قليل! هكذا قالت طالبة الطب. وتذكرت حينئذ مقطعا من كتابي (شروط النهضة) أكتبه كما أذكره:

стр. 64

((إن الزمن نهر قديم يعبر العالم، ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي يعيش فيها كل شعب، والحقل الذي يعمل به، ولكن هذه الساعات التي تصبح تاريخا هنا وهناك، قد تصير عدما إذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها)). إننا إذا قسنا الزمن بمقياس الساعات التائهة، فالقرن لا يساوي شيئا، بل حتى ألف السنة لا تساوي شيئا. ولعل الطالبة التي صرخت بجنبي تشعر بذلك ولو شعورا غامضا. أما إذا قدرنا الزمن بمقياس (تايلور) فإن كل دقيقة لها وزنها، الذي يكون معه للسنوات الخمسين التي مرت على الثورة السوفييتية ثقل هذه الدقائق المنتجة، والتي أتاحت لمجتمع معاصر لنا أن ينتقل من عهد (الموجيك) إلى عهد (رواد الفضاء) في برهة من الزمن جد قصيرة. وحين ترى الشعوب النامية، بصورة من الصور، تجربة تيلورية حية فسوف تدرك أن حتمية التاريخ لا وجود لها، وبعبارة أدق فإن حتمية التاريخ تصبح في قيد الإنسان وتحت رقابته. فالتاريخ ليس ما تصنعه الصدف ولا مكائد الإستعمار، ولكن ما تصنعه الشعوب ذاتها في أوطانها. كنت في مقال سابق قد ذكرت حديثا لرسول الله ﷺ يحذر المسلم فيه من كل استسلام للأمر الواقع، وأنا أكرره هنا دفعا للشك والريبة اللذين ربما ساورا ضمير المسلم. يقول رسول الله ﷺ : «إنما هي أعمالكم ترد إليكم، كما تكونوا يولّ عليكم» فإذا أصبح ابن (الموجيك) عالم فيزياء يكشف عن آخر أسرار الذرة، أو رائد

стр. 65

فضاء يغزو مجاهله، فإنما هو العمل الدائب لمجتمع جند طاقاته كلها طيلة خمسين عاما. وإذا كان للشعوب النامية درس يستفاد منه في العيد الخمسين الذي أقيم هذا الشهر في موسكو، فإنما دلالته في الكشف عن قيمة الوقت بصفته عامل نهوض وتقدم. ولو سمح لي أن ألخص وجهة نظر عبرت عنها منذ ربع قرن لقلت: إنه ليس من الضروري ولا من الممكن، أن يكون لمجتمع فقير، المليارات من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي لا يستطيع الدهر أن ينقص من قيمته شيئا، الرصيد الذي وضعته العناية الإلهية بين يديه: الإنسان، والتراب، والوقت. ***

стр. 66

الفصل الثالث في السياسة . السياسة والأخلاق . السياسة والأيديولوجية . السياسة والثقافة . السياسة وحكمة الجماهير . السياسة والبلوتيك

стр. 67

السياسة والأخلاق عن (الثورة الإفريقية) عدد ١٣٧ أيلول (سبتمبر) ١٩٦٥. ((والعلم بغير ضمير ليس إلا خراب الروح)). هكذا كان (رابليز) يقول في غرة القرن السادس عشر ولم يكن يدري - وهو يدلي بهذه الكلمات إلى ثقافة الإنسانيات، وهي حينذاك في المهد- أي تقلبات ستتعرض لها هذه الحكمة وتلك الثقافة. لكنه منذ تفجر الفكر (الكرتزائي) في القرن الذي بعده، أصبح من اليسير التكهن بالاضطرابات الداخلية، التي ستعترض ثقافة حولت عن مجراها وفصلت عن أصولها، وأصبحت تسيل في المجرى العلماني الذي سيقودها إلى موضوعية (أوغست كونت)، وبالتالي إلى المادية الجدلية التي تمخض عنها (ماركس). ويبلغ الانفصال غايته في نهاية القرن الماضي، عندما زعم العلم بعد اكتشافاته المبهرة في ميدان البخار ثم في ميدان الكهرباء، أنه يستطيع وحده الاضطلاع بسائر المسؤوليات في العالم، وعندما اعتقدت، بكل بساطة، البلاد المتحضرة بأنها تستطيع أن تؤمنه على مصيرها، فورطت، بفضل تفوقها الفكري، الإنسانية كلها في هذا الاعتقاد الساذج. منذ تلك اللحظة أصبح العلم يسير على طريق، والأخلاق على طريق آخر. فالأول: زادت كل خطوة في كبريائه وشموخه، والثاني: زادت كل

стр. 68

خطوة من انحناء رأسه، وأحيانا بفعل الكلمة الجارحة التي يطلقها الطرف الأول. فعندما يكتب (برودون) كتابه (فلسفة الفقر) ليبين فيه مأساة الإنسانية الجائعة، يقذفه ماركس بكتابه (فقر الفلسفة) ليرد المأساة إلى بعد واحد يدمج فيه الاقتصاد والعلم. لقد كانت هذه (القذيفة) علاقة الزمن، علاقة تشير إلى الزمن الذي نعيشه الآن، حتى إن أحد معاصرينا من العالم الثالث، ولعله كان يخشى ألا يظهر بالمظهر العلماني البعيد عن الأخلاق، يكتب في الموضوع هذه الكلمات: ((فعندما نشيد بالأخلاق فكأنما نشيد بالأخلاقية وبالفقرانية))!! فصياغة هذه الكلمات نفسها، تدل على أن الانفصال أو الطلاق بين العلم والمضير قد أصبح شائعا في المجال الذي تغطيه ثقافة القرن التاسع عشر العلمانية، كما تدل على الاتجاه الذي يتسع فيه هذا الانفصال. ولو شئنا تلخيصا يوضح الموضوع لقلنا: إن العلم يزعم أنه يستطيع أن يحتل الجامعات، والمختبرات، والمصانع، ويترك للأخلاق مجال الرواسب التي صنعها هو، والتي تكدست حول المدن الصناعية أو في تلك المدن من صفائح القصدير، يسودها الفقر المدقع وهي تحيط بالمدن الكبيرة في العالم الثالث. ويريد العلم، أن يمثله الرجل الذي يستيقظ في الثامنة صباحا ويذهب إلى عمله في سيارته، وفي يده أو تحت إبطه محفظته الفخمة، ويترك للأخلاق أن يمثلها الرجل الذي يستيقظ في السادسة صباحا ويذهب إلى عمله سيرا على الأقدام أو على دراجة وغذاؤه في كيس من الورق. ولا مرد لهذا!! .. فكلما تحطمت وحدة الإنسان إلى جزأين: واحد يسمى الكائن المعنوي، والآخر الكائن الموضوعي .. فإن الأمر سيؤول إلى تجزئة الأمة، وبالتالي وبإطراد سريع، إلى تجزئة الإنسانية.

стр. 69

ويتفشى الوضع هذا حتى في العلاقات الإقتصادية بين الدول المصنعة والدول النامية. فالعلم إذا تجرد من الأخلاق فإنه يجر حتما إلى وضع اقتصادي مناقض للأخلاق، سواء كان ذلك في الإطار الوطني أو الإطار الدولي. ومما تجب ملاحظته هنا، أن الاقتصاد ليس سوى إسقاط البعد السياسي على نشاط إنساني معين. فبقدر ما تبقى السياسة مرتبطة بمبادئ أخلاقية معينة، يبقى الاقتصاد وفيا للمبادئ ذاتها. فهذه المشكلات يرتبط بعضها ببعض، وليس من الصدفة أو من مجرد وحي استوحاه من الحياة في أثينة، إذ كتب أرسطو كتابه (في السياسة) من أجل اسكندر الأكبر، وكتابه (في الأخلاق) من أجل (ينكوماك) بل إنه إنقاذ لدافع داخلي وجده في روحه بوصفه إنسانا. وإذا نحن بعد ألفي عام، نرى ماركس يرد على (برودون) بشيء من التعالي والسخرية. وتلك لحظة من لحظات حياة الفكر الإنساني الكبرى، تعبر عن الانفصال الذي مزق تلك الروح. أجل إن العلم والمضير تطالقا في عالم تسوده حرب طاحنة بين أخوين: الرأسمالية والماركسية، على الرغم من أنهما من نقطة واحدة. بعد أن كانت تسود هذا العالم منذ بداية تاريخه علاقات يطبعها الإخاء والسخاء حسب كلمة ماركس نفسه. و (خراب الروح) الذي أشار إليه (رابليز) بدأ يعلن أثره في الحياة الأخلاقية، في الإطار الوطني والدولي على السواء. ولكن الروح يحتفظ- بفضل ما أودع فيه من نزعة التمسك بجوهره- بوحدته، كما تحتفظ الحياة البيولوجية بكيانها بفضل النزعة إلى البقاء.

стр. 70

وإذا كانت لحظات (إينشتين) الأخيرة- وهو كما يقال عنه قمة الفكر الإنساني في القرن العشرين- إذا كانت تلك اللحظات، قد تركزت في محاولة مستميتة للإلمام بالكون في معادلة واحدة، فإن هذه المحاولة إذا فقدت جدواها في المجال العلمي الصرف، فإنها عبرت عن انطلاقة الروح نحو الوحدانية تشعر بها في وحدتها. وبالتالي، وبنتيجة لعلها غير مقصودة، كانت المحاولة من أجل رتق الخرق الذي أحدثته العلمانية بين العلم والضمير. على أية حال، فإننا نستطيع بعد تجربة قرن كامل، أن ندرك أن العلم لا يستطيع وحده بوسائله الخاصة إصلاح ما أفسده هو. ولعلنا نستطيع على الأقل، تقويم هذا الفساد وتقدير ثقله في التاريخ من خلال حربين عالميتين. فحينما حدث في أوربا مع أفكار ديكارت، التمزق الأول في الثقافة، بدأ الانحراف الأخلاقي يؤدي إلى حتمية الصراع الطبقي، وإذا كان من واجب المرء - خصوصا في بلدان العالم الثالث- أن يكون إلى جانب المستغلين المستضعفين، فإن ذلك لا يمنعه بكل حال أن يرى خطورة المحتوى الأخلاقي لصراع يؤدي إلى انفصام وحدة الأمة والمجتمع، وفقا لما تمليه مصلحة المتنعم (البرجوازي) من ناحية، ومن ناحية أخرى مصلحة المحروم (البروليتاري). فهذا الصراع لم يوقظ، في نهاية الحساب، الضمير عند الفريقين أو عند أحدهما. وإنما أيقظ فيهما كليهما (الضمير الطبقي) وهو يضفي على صراعهما طابع فقدان الأخلاق أو مناقضة الأخلاق، فالأول يريد مزيدا من الذهب في خزينته، والثاني يريد مزيدا من اللحم في بطنه. وكلاهما بمقتضى تعاليم ايديولوجيته يتطلع إلى الاستيلاء على السلطة. ففي صراع بين مصالح مادية صرفة، (والصراع الطبقي ليس سوى ذلك)

стр. 71

لا يبدو المستضغف نفسه إلا في مظهر الحاقد الضعيف، ينتظر دوره لينتقم من خصمه بمثل ما انتقم منه. هذا في نطاق الأمة. أما إذا نظرنا إلى نتيجة الانحراف الأخلاقي في أقصى مداه، فسوف نجد البرجوازي والبروليتاري الأوربي، حليفين تجاه الإنسان المستعمر، وهكذا تتمزق وحدة الإنسانية. لكن خمائر التجزئة والتفرقة لا تؤدي مفعولها على الصعيد الاجتماعي والمعنوي فحسب، بل إن الطلاق بين العلم والضمير يؤدي إلى نتائج أخرى على الصعيد الفكري بالنسبة للفرد الواحد. وإذا كان من نتائج هذا الطلاق الفلسفي، ظهور موضوعية (أوغست كونت) ومادية (ماركس)، فإن رمزه الحي، ذلك المثقف الذي يلقب نفسه أو يلقب بـ (الفكر الموضوعي). ومن أغرب الموافقات أن سائر المظاهرات المطالبة بالحقوق في العالم ذات وجه واحد ولغة واحدة. خطبهما متشابهة، تتناول دائما موضوع (الشروط الموضوعية)، وبهذه العبارة بالضبط يعرف (الفكر الموضوعي) كأنما لغته في أي وطن مصدرها واحد، إنها اللغة التي تسم القرن العشرين، بصفتها مقياسا يصلح في كل مكان، وإذا لم تستعمل هذه اللغة فيما تقول أو تكتب، فأنت غير (تقدمي)، بل أنت (رجعي) طبقا لمقاييس هذه اللغة. حتى إنك ستضطر لترد التهمة إلى طرح السؤال ما هو محتوى (فكر موضوعي)؟. لنقل أولا في أي صورة تراه عينانا: إن لنا في الجزائر عينات تمثل هذا الصنف، نراها في ركن من ذاكرتنا أو شاخصة أمام أعيننا بلحمها ودمها.

стр. 72

لا نستطيع بالطبع ذكر الأسماء، فلنقتنع إذن بذكر النوع الذي نسميه (الفكر الموضوعي). فقد يكون شابا أو مسنا. وقد يكون (طالبا) لا يطلب علما أو (عاملا) لا يقوم بعمل، فهذا غير مهم. ففي أي صورة تصورناه، فهو قناع لا نشعر وراءه بشيء يتحرك، يفرح أو يتألم، تحركا نستطيع معه تعريف (الفكر الموضوعي) بأنه شبح له ظاهر إنما ليس له باطن. وإني أتذكر منذ ثلاثين عاما إذ كنت ذات يوم بالحي اللاتيني بباريس، أتحدث على سطح مقهى مع طالب جزائري، وكان يقول: إنني سأومن بوجود الله عندها أراه. هذه العبارة تعرفنا بـ (الفكر الموضوعي) من الناحية الفكرية، وهو مازال فجا، لأن الصنف هذا (تقدم)، فلو تكلم أخوه الصغير اليوم لقال: حتى لو رأيت الله فلن أومن به. إذن (الفكر الموضوعي) تقدم خلال الثلاثين سنة الأخيرة في الجزائر، وبطبيعة الحال فالأمور تجري وفقا لمقدماتها. فعلى الصعيد السياسي، على سبيل المثال، سيكون (الفكر الموضوعي) محافظا بالمعنى الفزيولوجي والإجتماعي: إنه سيئ فظ على حياته وعلى مصالحه بكل (موضوعية)، لقد حافظ على حياته أثناء الثورة، فبقي بعد الذين خاضوها بوازع ديني صرف. لقد فضل أن يحتفظ بدمه لاوقات سانحة، ليتحدث فيها عن (الشروط الموضوعية) في الوطن حتى يزج به بعد الثورة في (التقدمية).

стр. 73

والجنائريون الذين عاشوا السنوات الثلاث الأخيرة، وشاهدوا بأعينهم مظاهراتنا، وتذوقوا ذلك الشر الذي كان يرد- من مسارب لا تراها العين لأنها تحت الأرض- إلى قاعات تحرير صحافتنا، وإلى بعض منظمات (التوجيه) هؤلاء الجزائريون يعرفون معنى هذا. إن ميزانية السنوات الثلاث تحت أعيننا. ففي المجال الإقتصادي أولا كما بين ذلك الرئيس بومدين في خطابه الأخير في المعرض السنوي بالجزائر. وفي المناخ الإيديولوجي الذي سجل هبوطا في الحرارة يصعب تداركه. وفي مجالنا الأخلاقي وقد جعل الآباء يطلقون الزفرات تحسرا على أولادهم وخشية. بكلمة واحدة: إن ميزانية (الفكر الموضوعي) في حياتنا الوطنية، منذ ثلاثة سنوات ذات ثقل لا يحتمل. فهل هذا يكفي لتقويم محتواه؟ كلا فالعدم لايقوم. ولكنا نستطيع تصوير (الفكر الموضوعي) بمثل نقتبسه من التاريخ الإسلامي. إننا نقتبسه من تلك الأيام الحالكة حين قام النزاع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁. فمعاوية قد شعر بأن السيف لا يحقق نصره، فلجأ إلى الحيلة، إذ أمر قومه بأن يحملوا المصاحف على رؤوس رماحهم وينادوا: هذا حكم بيننا. ومن المؤسف أن (الفكر الموضوعي) كان منبثا في الفريقين ليخدع في صف معاوية ولينخدع في صف علي حيث يقول: أجل إن الكتاب حكم بيننا. لقد كان هذا الصف موضوعيا (بطريقته) لأن القران يمثل فعلا في نظر المسلم، المرجع الذي يرجع إليه في كل نزاع، خصوصا في نزاع سياسي.

стр. 74

لكنهم نسوا الأمر الرئيسي في الموضوع. وهو أن السياسة حين تكون مناقضة في جوهرها للمبدأ الأخلاقي، فإنها لا تطرح قضية تحل بالقضاء ولكن بالسيف .. ولم يكن علي ﵁ (الفكر الموضوعي) الذي يخدع أو الذي ينخدع فقال كلمته المتواترة: إنها كلمة حق يراد بها باطل. وبعبارة أخرى، فإذا أردنا استعمال مصطلح آخر نقول إنه في مثل هذه القضايا يجب تحكيم منطق (بسكال) لا منطق (ديكارت). وبأقصى التلخيص نقول إذا كان ((العلم دون ضمير ما هو إلا خراب الروح))، فالسياسة من دون أخلاق ما هي إلا خراب الأمة. ***

стр. 75

السياسة والأيديولوجية عن (الثورة الإفريقية) عدد ١٤١ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٦٥. في مقال سابق، عرفنا السياسة بشروط ثلاثة هي أدنى ما يحددها من شروط، ولم يكن تعريفنا لها في الحقيقة إلا مقياسا مجردا يميزها عن (سياسة) مزعومة ترتكز على تقديرات سافلة، وتطبيق مشبوه. هل يكفي هذا التعريف؟ هل يكفي أن تعرف دولة عملها في ميثاق وطني مثلا، ثم تحدد طريقة لوقايته من أعمال التخريب أو ما يسمى في بعض البلاد (الانحراف المذهي)؟. إنني لا أرى ذلك كافيا. فالشروط السابقة التي أشرنا إليها ضرورية كلها، غير أنها ليست بكافية، وهذا ما تدل عليه بوضوح تجربة فرنسا، بعد ثورتها، التي تطبق اليوم دستورها السادس بعد إفلاس الخمسة الأولى من دساتيرها بوصفها جمهورية. ينبغي أن نعود إلى تحديد (السياسة) على أبسط صورة باعتبارها عملا تقوم به الدولة. فمن الواضح أنه بالإضافة إلى الشروط الدستورية التي أشرنا إليها ينبغي على السياسة أن تطابق شرطا آخر، غالبا ما يكون غير منصوص عليه إلا أنه أكثر إلحاحا من سواه. فالسياسة لا تستطيع أن تكون العمل الذي تقوم به الأمة كلها إلا بقدر ما تكون مطبوعة في عمل كل فرد منها. هذا هو الشرط الذي نضيفه هنا.
следующие страницы →