← Общие книги

Общие книги · id 21780

بين الرشاد والتيه

مالك بن نبي

Полный текст (205 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا يبدو المستضغف نفسه إلا في مظهر الحاقد الضعيف، ينتظر دوره لينتقم من خصمه بمثل ما انتقم منه. هذا في نطاق الأمة. أما إذا نظرنا إلى نتيجة الانحراف الأخلاقي في أقصى مداه، فسوف نجد البرجوازي والبروليتاري الأوربي، حليفين تجاه الإنسان المستعمر، وهكذا تتمزق وحدة الإنسانية. لكن خمائر التجزئة والتفرقة لا تؤدي مفعولها على الصعيد الاجتماعي والمعنوي فحسب، بل إن الطلاق بين العلم والضمير يؤدي إلى نتائج أخرى على الصعيد الفكري بالنسبة للفرد الواحد. وإذا كان من نتائج هذا الطلاق الفلسفي، ظهور موضوعية (أوغست كونت) ومادية (ماركس)، فإن رمزه الحي، ذلك المثقف الذي يلقب نفسه أو يلقب بـ (الفكر الموضوعي). ومن أغرب الموافقات أن سائر المظاهرات المطالبة بالحقوق في العالم ذات وجه واحد ولغة واحدة. خطبهما متشابهة، تتناول دائما موضوع (الشروط الموضوعية)، وبهذه العبارة بالضبط يعرف (الفكر الموضوعي) كأنما لغته في أي وطن مصدرها واحد، إنها اللغة التي تسم القرن العشرين، بصفتها مقياسا يصلح في كل مكان، وإذا لم تستعمل هذه اللغة فيما تقول أو تكتب، فأنت غير (تقدمي)، بل أنت (رجعي) طبقا لمقاييس هذه اللغة. حتى إنك ستضطر لترد التهمة إلى طرح السؤال ما هو محتوى (فكر موضوعي)؟. لنقل أولا في أي صورة تراه عينانا: إن لنا في الجزائر عينات تمثل هذا الصنف، نراها في ركن من ذاكرتنا أو شاخصة أمام أعيننا بلحمها ودمها.

стр. 72

لا نستطيع بالطبع ذكر الأسماء، فلنقتنع إذن بذكر النوع الذي نسميه (الفكر الموضوعي). فقد يكون شابا أو مسنا. وقد يكون (طالبا) لا يطلب علما أو (عاملا) لا يقوم بعمل، فهذا غير مهم. ففي أي صورة تصورناه، فهو قناع لا نشعر وراءه بشيء يتحرك، يفرح أو يتألم، تحركا نستطيع معه تعريف (الفكر الموضوعي) بأنه شبح له ظاهر إنما ليس له باطن. وإني أتذكر منذ ثلاثين عاما إذ كنت ذات يوم بالحي اللاتيني بباريس، أتحدث على سطح مقهى مع طالب جزائري، وكان يقول: إنني سأومن بوجود الله عندها أراه. هذه العبارة تعرفنا بـ (الفكر الموضوعي) من الناحية الفكرية، وهو مازال فجا، لأن الصنف هذا (تقدم)، فلو تكلم أخوه الصغير اليوم لقال: حتى لو رأيت الله فلن أومن به. إذن (الفكر الموضوعي) تقدم خلال الثلاثين سنة الأخيرة في الجزائر، وبطبيعة الحال فالأمور تجري وفقا لمقدماتها. فعلى الصعيد السياسي، على سبيل المثال، سيكون (الفكر الموضوعي) محافظا بالمعنى الفزيولوجي والإجتماعي: إنه سيئ فظ على حياته وعلى مصالحه بكل (موضوعية)، لقد حافظ على حياته أثناء الثورة، فبقي بعد الذين خاضوها بوازع ديني صرف. لقد فضل أن يحتفظ بدمه لاوقات سانحة، ليتحدث فيها عن (الشروط الموضوعية) في الوطن حتى يزج به بعد الثورة في (التقدمية).

стр. 73

والجنائريون الذين عاشوا السنوات الثلاث الأخيرة، وشاهدوا بأعينهم مظاهراتنا، وتذوقوا ذلك الشر الذي كان يرد- من مسارب لا تراها العين لأنها تحت الأرض- إلى قاعات تحرير صحافتنا، وإلى بعض منظمات (التوجيه) هؤلاء الجزائريون يعرفون معنى هذا. إن ميزانية السنوات الثلاث تحت أعيننا. ففي المجال الإقتصادي أولا كما بين ذلك الرئيس بومدين في خطابه الأخير في المعرض السنوي بالجزائر. وفي المناخ الإيديولوجي الذي سجل هبوطا في الحرارة يصعب تداركه. وفي مجالنا الأخلاقي وقد جعل الآباء يطلقون الزفرات تحسرا على أولادهم وخشية. بكلمة واحدة: إن ميزانية (الفكر الموضوعي) في حياتنا الوطنية، منذ ثلاثة سنوات ذات ثقل لا يحتمل. فهل هذا يكفي لتقويم محتواه؟ كلا فالعدم لايقوم. ولكنا نستطيع تصوير (الفكر الموضوعي) بمثل نقتبسه من التاريخ الإسلامي. إننا نقتبسه من تلك الأيام الحالكة حين قام النزاع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية ﵁. فمعاوية قد شعر بأن السيف لا يحقق نصره، فلجأ إلى الحيلة، إذ أمر قومه بأن يحملوا المصاحف على رؤوس رماحهم وينادوا: هذا حكم بيننا. ومن المؤسف أن (الفكر الموضوعي) كان منبثا في الفريقين ليخدع في صف معاوية ولينخدع في صف علي حيث يقول: أجل إن الكتاب حكم بيننا. لقد كان هذا الصف موضوعيا (بطريقته) لأن القران يمثل فعلا في نظر المسلم، المرجع الذي يرجع إليه في كل نزاع، خصوصا في نزاع سياسي.

стр. 74

لكنهم نسوا الأمر الرئيسي في الموضوع. وهو أن السياسة حين تكون مناقضة في جوهرها للمبدأ الأخلاقي، فإنها لا تطرح قضية تحل بالقضاء ولكن بالسيف .. ولم يكن علي ﵁ (الفكر الموضوعي) الذي يخدع أو الذي ينخدع فقال كلمته المتواترة: إنها كلمة حق يراد بها باطل. وبعبارة أخرى، فإذا أردنا استعمال مصطلح آخر نقول إنه في مثل هذه القضايا يجب تحكيم منطق (بسكال) لا منطق (ديكارت). وبأقصى التلخيص نقول إذا كان ((العلم دون ضمير ما هو إلا خراب الروح))، فالسياسة من دون أخلاق ما هي إلا خراب الأمة. ***

стр. 75

السياسة والأيديولوجية عن (الثورة الإفريقية) عدد ١٤١ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٦٥. في مقال سابق، عرفنا السياسة بشروط ثلاثة هي أدنى ما يحددها من شروط، ولم يكن تعريفنا لها في الحقيقة إلا مقياسا مجردا يميزها عن (سياسة) مزعومة ترتكز على تقديرات سافلة، وتطبيق مشبوه. هل يكفي هذا التعريف؟ هل يكفي أن تعرف دولة عملها في ميثاق وطني مثلا، ثم تحدد طريقة لوقايته من أعمال التخريب أو ما يسمى في بعض البلاد (الانحراف المذهي)؟. إنني لا أرى ذلك كافيا. فالشروط السابقة التي أشرنا إليها ضرورية كلها، غير أنها ليست بكافية، وهذا ما تدل عليه بوضوح تجربة فرنسا، بعد ثورتها، التي تطبق اليوم دستورها السادس بعد إفلاس الخمسة الأولى من دساتيرها بوصفها جمهورية. ينبغي أن نعود إلى تحديد (السياسة) على أبسط صورة باعتبارها عملا تقوم به الدولة. فمن الواضح أنه بالإضافة إلى الشروط الدستورية التي أشرنا إليها ينبغي على السياسة أن تطابق شرطا آخر، غالبا ما يكون غير منصوص عليه إلا أنه أكثر إلحاحا من سواه. فالسياسة لا تستطيع أن تكون العمل الذي تقوم به الأمة كلها إلا بقدر ما تكون مطبوعة في عمل كل فرد منها. هذا هو الشرط الذي نضيفه هنا.

стр. 76

إن (الإجماع) هو بالتالي القياس الجوهري الذي يميز سياسة ناجعة. ومن هنا تبدأ قضية الايديولوجية تطرح نفسها، لا على أنها مجرد اقتراح يستحسن، كثيرا أو قليلا، في مجال الافكار، بل بوصفها مشروعا حيويا به يكون للسياسة تأثير حقيقي على الواقع المحسوس في الوطن. فلنتفحص عوامل هذا التأثير على الواقع، الذي لا يتسنى- ونحن نكرر هذا- إلا إذا تجانس عمل الدولة مع عمل الفرد. ولا يمكن لتجانس كهذا أن يتحقق في غير ضمير الفرد، باعتباره مصالح حيوية مشتركة، ومسلمات متفق عليها بين جمهور من الناس يكون جسم الأمة وإجماعها. فإذا تضاربت المصالح هذه أو اختلفت هذه المسلمات، فلن تكون السياسة سوى دكتاتورية كما تعرفها بكل أسف كثير من بلدان العالم الثالث، وهي بالتالي لن تستطيع أن تنسجم في الحقيقة مع مصائر الأمة ولا أن تحقق أهدافها. وهذه الاستحالة تنتج أولا عن رفض الأمة تجاه هذه السياسة، رفضا يفصل الدولة معنويا عن الوطن، وثانيا عن عجز هذه السياسة في التأثير على نشاط كل فرد، وبالتالي عجزها في تحريك الطاقات الاجماعية الموجودة في اتجاه معين، نحو هدف محدد تدركه أغلبية المواطنين. إن التعاون بين الدولة والفرد، على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي والثقافي، هو العامل الرئيسي في تكوين سياسة تؤثر حقيقة في واقع الوطن. وإذا ما تعذر هذا العامل، فإن القطيعة المعنوية سوف تعزل الدولة عن الوطن وتشل الطاقات الإجتماعية، أو (والأمر هنا أدهى وأمر) تشتتها تشتيتا تكون نتائجه: عدم الانسجام وعدم التناغم، ومعارضات طاغية في فوضى شاملة، يسودها شعار (عليك خاصة نفسك)، ذلك الشعار الذي تدين به

стр. 77

فترات الانحطاط والقهقرى، كتلك الفترة التي أطلقنا عليها (عصر ما بعد الموحدين). ولا يفوتنا أن نضيف هنا، أن التجانس بين عمل الدولة وعمل الفرد، في نطاق التعاون الذي أشرنا إليه، يتحقق في ضمير الفرد، ويجعل هذا الضمير موضوعا من ناحية وحكما من ناحية أخرى. فالسياسة التي تريد تلقين مسوغاتها وأهدافها لهذا الضمير، عليها أن تجعله حكما، يصدر بكل حرية حكمه في مسوغاتها وأهدافها. وربما استطاعت السياسة أن تأخذ هذا الحكم على حين غرة، في وقت ما، خصوصا حين ترفع شعارات خلابة وتصرح بوعود مغرية. ولكن- كما يقول رئيس الولايات المتحدة (إبراهام لنكولن) -: إن التغرير بفرد ممكن دائما، والتغرير بشعب ممكن بضعة أيام، إلا أنه غير ممكن كل يوم. والشعب الجزائري الذي ألقى في مهملات التاريخ كثيرا من الأساطير التي استولت منذ سنة ١٩٣٠، على منصة سياسته، يقدم أصدق دليل على صحة رأي رجل الدولة الأمريكي. يبقى إذن على السياسة- كي تتشكل على صورة الحياة الحقيقية- أن نتصور أولا محتواها من خلال العمل الفردي وفي مستواه. ولا شك أن هذه الواقعية، هي التي أملت على (لينين)، الشعارات التي اتخذها من أجل تجنيد طاقات الجماهير في خدمة الثورة. حينئذ بدأ عمل كل فرد روسي- جندي أو فلاح أو عامل- يتجانس مع عمل الدولة السوفيتية على أساس مسوغات فردية، هي على درجة من البساطة

стр. 78

ولكنها منظمة، مرتبة ضمن مسوّغ شامل، ربما لا يكون فهمه متيسرا للجماهير. فلينين، لم يقدم للجماهير نظرية ماركس؛ كتابه في (رأس المال) على سبيل المثال، ولكن قدم لها فحواه وترجمته على صورة هي في متناول الإدراك الشعبي، وقابلة بسبب ذلك، للتأثير السياسي مباشرة، فأطلق لينين شعاراته المشهورة: ((السلم للجندي، والخبز للعامل، والأرض للفلاح)). وقد بدأت الجماهير منذ تلك اللحظة تصبح طاقات ثورية واعية وهي لم تكن قبل ذلك داخل النظام. ولكن، هل كان يكفي لتستمر الهزة الثورية، دفعة من الشعارات التي أطلقت، وحققت انضمام الجماهير إليها آملة احتمال تغيرها في الطريق، كشعار ((الأرض للفلاح)) عندما تدق ساعة الكلخوز؟!. إن الايديولوجية التي لا تتضمن- بصفتها أفكارا موجهة قوية- إلا مصالح عاجلة، فإنها وإن كانت محترمة) لن تفتح الطريق لغير سياسة قصيرة محدودة المدى على قدر الشعارات التي دفعتها. وسياسة كهذه لا تستطيع، في المثل اللينيني، الذي ذكرناه للتوضيح، أن تكون في مستوى عهد المشاريع العظيمة والمحن الكبرى، التي تطلبت من الثقة والتضحية ما كان ضروريا للتشييد الاشتراكي ولمواجهة الهجوم الهتلري. فالايديولوجية تتطلب إذن خمائر أخرى، تضمن الوحدة الضرورية بين عمل الدولة وعمل الفرد لإنجاز مهمات بعيدة ترتكز على الثقة والبطولة. والخمائر هذه هي التي تعطي، حسب جوهرها، القيمة- الجليلة والحقيرة- للسياسة أمام التاريخ.

стр. 79

وإذا ما تفحصنا هذا الجوهر وجدنا أنه من عنصر أخلاقي وهو متصل بما وراء الطبيعة أي من العنصر النفسي. فالفكرة الموجهة لسياسة تستطيع مواجهة أهوال التاريخ، لابد لها أن تتكون من هذا الصنف، إذ الجهد المدعوم بمصلحة عاجلة قد يتولى، ليس فحسب حين تحصل في بعض الظروف خيبة أمل تدفع إلى التراجع والقهقرى، بل حتى إذا دخل المجتمع بفضل ما حققه، حالة إشباع يسودها الفتور واللامبالاة. ففي الحالين كليهما يتعرض المجتمع للانفرادية، أي لأصناف التمزيق. وهكذا لا يستطيع مجابهة أهوال الزمن إلا جهد تدعمه عقيدة لا يعتريها الشك أبدا. والتاريخ منذ عهد (الفيران) في روما، إلى شهداء بدر، إلى أبطال ستالينجراد، ليس إلا شرحا لهذه الحقيقة. فالتعاون بين الدولة والفرد، لابد له من جذور في عقيدة تستطيع وحدها أن تجعل ثمن الجهد محتملا مهما كانت قيمته لدى صاحبه، فيضحي هكذا بمصلحته حتى بحياته في سبيل قضية مقدسة في نظره. إن السلوك الذي سمي (الستخانوفية) لا يفسر بوصفه عامل إنتاج إلا بهذه الطريقة. فهو المظهر الإقتصادي في حياة مجتمع تحركه فكرة توجيه تفوق كثيرا الإمكانيات العادية في ذلك المجتمع. وإفلاس الإستعمار في المستعمرات كان محتوما، طبقا لقانون التعاون الضروري الذي كان مستحيلا بين الإستعمار والإنسان المستعمر. ولا يعني هذا أن الإستعمار لم يحاول مواجهة المشكلة هذه، بفصل المسلم عن الإسلام، إلا أنه باء بالفشل، سواء بمحاولاته ذات الطابع اللاديني أو ذات الطابع الديني الهادف إلى (التمسيح).

стр. 80

لقد كان الإسلام الحصن الذي فشلت تحت أسواره جميع المحاولات، التي استهدفت سلب الشعب الجزائري شخصيته على مدى قرن من الزمان، كما كان الحافز الأيديولوجي الرئيسي الذي دعم جهده البطولي خلال الثورة. ولكي نلخص هذه الكلمات لابد لنا أن نقول: إن علينا العودة إلى الأصول والمنابع التي منها نبع تاريخنا. ***

стр. 81

السياسة والثقافة عن (الثورة الإفريقية) عدد ١٤٢ في ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٦٥. في مقال سابق تحت عنوان ((السياسة والايديولوجية)) قمنا بخطوة مفيدة، إذ أوضحنا الشروط الضرورية لتجانس عمل الفرد وعمل الدولة، في وحدة عضوية لا تنفصم أمام أهوال التاريخ. وحين نتابع التحليل إلى أبعد من ذلك تبدو هذه الشروط بدورها غير كافية. وإذا تجنبنا إفراط المستشرق (جيب) في الحكم، فإننا نلاحظ معه المجتمع الإسلامي وهو يعاني منذ القرون الأخيرة، فتورا قد نسميه أزمة حياة فقدت أسباب التوتر والطموح. والعلاج لحالة كهذه، كما حاولنا توضيحه فيما سبق، يقتضي أيديولوجية تعطي التوتر الضروري لمجتمع يقوم بإنجاز مهمات كبرى، لأنها تخلق الفرد التواق، وهو عكس الفرد المائع الذي يركب مجتعا ارتخت أوتاره. وهنا نقول أيضاً، إن هذا العلاج سيبقى دون ما تقتضيه الحالة، إذ الايديولوجية ليست سوى سهم يشير إلى هدف، ويحدد بعض الإتجاه. وهي بذلك تستطيع توجيه عمل الفرد وعمل الدولة وربما تتيح لهما الوصول إلى الهدف. ومهما كان الهدف تحطيميا، أو كان التوجيه توجيها نحو انتحار أمة، فإن باستطاعة الايديولوجية أن تمنح المجتمع شروط انطلاقه وطموحه. فالايديولوجية الهتلرية استطاعت أن تعطي الشعب الألماني توترا وصل

стр. 82

درجة فاقت طاقة البشر، لكننا نعلم من ناحية أخرى أية هاوية سحيقة ألقت به، هذا إذا لم نأخذ بالإعتبار الإحتمال الآخر. فلو انتصرت الايديولوجية الهتلرية في العالم ماذا كانت تصنع؟ فقد كنا نعلم من خلال التصريحات، أن هتلر يريد أن يفرض على العالم ألف عام من السلم الجرماني، أي ألف عام يرجع فيها الضمير العالمي إلى الوراء. فالسياسة إذن تقتضي أكثر من ذلك، إذ لا يكفي أن تحدد عمل الدولة في اتجاه معين، وأن يكون ثمة جهاز رقابة ضروري لمتابعة عمليات التنفيذ، وجهاز حماية للمواطن من اعتداء عمل الدولة نفسه عليه. كما لا يكفي أن تمنح هذه السياسة التوتر الضروري للطاقات الإجتماعية لتبلغ الهدف المعين. فبالإضافة إلى كل ما سبق، لا بد أن يكون الهدف نفسه متطابقا مع التطور الطبيعي للأمة، ومع الظروف العامة التي تحيط بهذا التطور. وأن يكون فوق ذلك متطابقا مع مصير الإنسانية كلها. فإذا كانت السياسة تفقد فعاليتها إذا انفصلت عن ضمير الأمة، فإنها إذا انفصلت عن الضمير العالمي تضيف إلى العالم خطرا فوق الأخطار التي تهدده، فإذا نظرنا إلى القضية من الوجهة الأولى، أعني وجهة انسجام السياسة مع تطور الأمة ومع الظروف المحيطة بتطورها، فإن القضية تطرح علينا منذ الخطوة الأولى مشكلة الثقافة. أما إذا وسعنا هذا الانسجام إلى ما يقتضيه وضع عالمي، فإن التوسيع هذا لا يزيدنا إلا تركيزا على النتيجة المستخلصة من نظرتنا الأولى. فنابليون، لم يكن أثناء إقامته في موسكو، أي في أحلك أيامه، منكبا على خرائط تحركاته العسكرية فحسب، بل إنه انكب أيضا على إتمام القانون المدني الذي وضعه في بداية عهده وشغلته قضية أخرى كتنوير شوارع باريس.

стр. 83

فهل كنا نتصور اهماما كهذا لو فصلنا السياسة عن الثقافة؟ إن صناعة (١) السياسة تعني، إلى حد كبير، تغيير الإطار الثقافي في اتجاه ينمي تنمية متناغمة، عبقرية أمة؛ ومن هنا فصناعة السياسة تعني في آخر المطاف، صناعة الثقافة. فإذا شيدنا حديقة في مدينة كالجزائر أو القاهرة، أي إذا غيرنا الإطار الثقافي في أي بلد من بلدان العالم الثالث نقوم بعمل سياسي لا مزيد عليه. وفي الوقت ذاته، فهذه الملاحظات- وفي إمكان أي منا أن يلاحظها في الشارع يوميا- تبين لنا كيف تطرح المشكلة في بلد من العالم الثالث، حيث تكشف لنا تجربتنا التأثير المشترك لعوامل من أصناف ثلاثة: الصنف الأول وهو يتصل بالثقافة التي نريد صنعها. الصنف الثاني وهو يتصل بـ (لا ثقافة) موروثة نريد تصفيتها. الصنف الثالث وهو يتصل بشيء نسميه (ما ضد الثقافة) وهو يفرض علينا أن نكون في انتباه مستمر تجاهه. وعلاقة السياسة بالثقافة تمر حتما بهذا الثالوث، علاقة تتطلب منا إذا فكرنا في (الثقافة) في بلد من العالم الثالث، أن نفكر في اللحظة نفسها بالقوى غير الواعية التي تمثل (اللاثقافة)، والقوى الواعية التي تمثل (ما ضد الثقافة)، والقوتان كلتاهما تبدوان قوة مشتركة تعمل في المحيط الإجتماعي. ومن ناحية أخرى، يجب توسيع المصطلحات ذاتها في مدلولها، إذ كل منا يعلم أن تشييد مدرسة عمل يهم نشر (الثقافة) كما يهم رفع (اللاثقافة). إنما إذا نظرنا من زاوية السياسة إلى مشكلة الثقافة، فالأمر أكثر تعقيدا.

стр. 84

فحتى لو كانت المدرسة هي الوسيلة الرئيسية- والقضية فيها نظر- لصنع الثقافة، وبالتالي لإعطاء السياسة بعدها الوطني والعالمي، فهذه الوسيلة تبدو غيركافية. وحسبنا لنقتنع بذلك، أن نتذكر أسماء الذين عمروا سوق الانتخابات في الجزائر منذ ثلاثين سنة، إنهم على العموم لم يكونوا أميين بل تخرجوا من المدرسة سواء أطلقنا عليهم المثقفين أو (المتثقفين). ينبغي إذن أن نعيد النظر في المدرسة، وألا ننظر إليها من زاوية التجهيز، كما ينظر إليها عادة: فالمدرسة ليست المكان المجهز بمقاعد، وبما يكتب عليه، والسبورة نكتب عليها الحروف الأبجدية، أو المعادلات الرياضية فحسب، بل هي قبل ذلك المعبد الذي يستشعر فيه الضمير بالقيم التي تكون تراث الإنسانية. فقد كانت قسمات (سقراط) مع مريديه، هيأت فيها أثينة بلاغها إلى الإنسانية. ومجالس غاندي وهو صامت الساعات الطويلة، وحوله الآلاف المؤلفة من البشر مدرسة هي الأخرى وجهت إلى ضمير القرن العشرين بلاغ (الساتياجراها). وما كان هدي محمد ﷺ بين أصحابه إلا مدرسة بلغت العالم رسالة حضارة جديدة. فبقدر ما تستعيد المدرسة معناها الأصيل، تستطيع القيام بدورها الثقافي وبالتالي دورها السياسي، إذ السياسة حينئذ تكتسب بعدا وطنيا وعالميا بفضل ما تهب لها الثقافة من تفتح على القيم، التي اكتسبها الفكر الإنساني عبر الآلاف من السنين. هنالك يتجانس عمل الدولة مع عمل الإنسانية بعد ما يكون قد تجانس مع عمل الفرد.

стр. 85

السياسة وحكمة الجماهير عن (الثورة الإفريقية) عدد ١٣٨ في ١٨ أيلول (سبتمبر) سنة ١٩٦٥. كي يتحدث الدين إلى الضمير الإنساني، غالبا ما يستعمل الرموز يعبر بها عن مفاهيم تغيب عن العقول لأنها متصلة بعالم الغيب. وحتى علم الرياضة، يستعمل الرموز في صورة معادلات. وقد عرفت الشعوب، من خلال تجاربها الروحية أو العملية قوة هذا التعبير، فأصبح الرمز وسيلة تعبير ضرورية، كلما كان التعبير العادي لا يستطيع تبليغ معنى من المعاني بالضبط الكافي، أو كان التعبير مما لا يستسيغه العرف والذوق. وثقافات الجماهير كلها، كونت تراثها من أمثال استعارات وحكم، لا تعبر فحسب عن حكمة شعوب ضاربة في القدم، بل إنها تطابق مواقف واقعية معينة تطرأ فعلا في حياتهم اليومية. وهكذا يجد كل شعب، تحت يده أداة متطابقة لنطق جماهيره، وقد يغتبط الشعب الجزائري من هذه الناحية، لأن أمثاله وحكمه وقصصه تكون أداة جدلية على مستوى رفيع. واذا أصغيت إلى حديث عجائزنا، تدرك مدى الأهمية العملية لهذه الأداة .. فعندما يدخل حديث في الضباب ويكاد فحواه يتبخر، تأتيك المرأة

стр. 86

العجوز بمثل أو حكمة أو قصة تعيد بها الحديث إلى مجراه وتمسك معناه في اللحظة التي كاد يفلت فيها. ليسمح لي القارئ بهذا التمهيد، فقد بدا لي ضروريا لأن العنوان نفسه يسوقني إلى التدليل بحكايات شعبية واختيار اثنتين منها على الأقل. كانت جدتي تقص لي العديد من قصص جحا، وإني لأذكر إحداها لما أرى فيها من دلالة بإشارة واحدة، على المعنى النفسي والمنهجي الذي أريد إبرازه في هذه السطور. فقد كان جحا ذات يوم من أيام الشتاء الباردة، يدفئ يديه مع بعض رفاقه، وبينما هو حول نار موقدة في كوخ من تلك الاكواخ المنتشرة في المرتفعات الجزائرية إذا بالنار بدأت تخمد لنفاد الحطب. قال الجماعة: - هلم، نذهب فنحتطب في الغابة. وهرع كل واحد إلى عدته وتوجه إلى الغابة وكذلك فعل جحا، ثم رجع كل واحد بحزمة حطب إلا جحا فقد استبطأه رفاقه حين لم يعد وقالوا: - هلموا نر ماصنع الله بجحا. واقتفى الرفاق أثر جحا في الغابة حتى وجدوه في ناحية وهو يلف حبله حول المئات أو الآلاف من الشجر. سألوه: ماذا تصنع يا جحا؟ أجاب بطلنا: ألا ترونني أريد أن أحمل كل شجر الغابة مرة واحدة، حتى لا نعود نحتطب كل يوم؟

стр. 87

ذهل الرفاق إعجابا بجحا وإكبارا له، بل خجلوا أمام محاولة ضخمة كهذه، خجلوا إذ لم يأت كل واحد منهم إلا بحزمة، ثم تضرعوا إلى جحا كي يترك محاولته هذه إلى يوم آخر، لأن لديهم ما يكفيهم ذلك اليوم بما احتطبوا هم. هكذا تفضل عليهم جحا بتلبية رغبتهم فرجع معهم، شامخ الأنف يتدفأ على نارهم دون أن يأتي بعود واحد. إلى هنا تنتهي القصة تترك لمستمعها استنتاج العبرة. لكن جدتي قصت علي قصة أخرى، لا تقل عبرة: فقد كانت عشيرة من العشائر على أهبة الرحيل، تطوي البيوت وتضع المتاع على جمالها، وأناخ جمل من الجمال فأثقلوه بمتاعهم حتى لم يستطع الحراك. ثم انتبه القوم إلى دفتي رحا مما هو موجود في أريافنا حتى اليوم، فقام رجل منهم يضع الرحا على ظهر الجمل والتفتت عجوز من العشيرة فقالت عطفا على الجمل: - لا تضعوا الرحا عليه بل ضعوها على ظهر جمل غيره. لكن الجمل التفت إليها وقال: - بل ضعوها على ظهري، لا ضرر في ذلك إنني لن أستطيع القيام على كل حال. واليوم وبعد أكثر من نصف قرن حين تعود إلى ذاكرتي هاتان القصتان مع ذكريات عذبة أو مثيرة، أو حين أسمعها في سمر الأطفال، أجد أن جحا والجمل يعبران عن حكمة واحدة لكنهما من حيث التعبير عنها يختلفان: حيث حسن النبية في الجمل وسوء النبية في جحا. إن رمز القصتين واحد، إنهما تدلان على العمل المستحيل.

стр. 88

فموقف جحا موقف من يحاول عملا مستحيلا فيستغل بذلك عمل الآخرين، إنه المحتال يستغل سذاجة الآخرين، بينما يبدو لناظرهم في مظهر البطل، إن ضحاياه أولئك الذين يلقبونه بطلا. أما الجمل فهو ليس بالمحتال، لكنه يسخر بنكتة تكشف لنا أيضاً سذاجة الآخرين، ونكتة تضحكنا من أولئك الذين يضعون العمل في الشروط التي تجعله مستحيلا. وبعبارة أخرى. فإن جحا يستطيع أن يقدم لنا درسا في (البلوتيك) أو على الأقل يدلنا على أحد أعراضها النفسية. وسيكون درسه مفيدا لمن يريد درسا عن الكسب غير المشروع، عن الديماغوجية في سوق (البلوتيك). إن (رجل الأقدار) كما يقولون، أي الزعيم الذي لا ضمير له يعرف المزايدة الديماغوجية لإغواء البُلْه في السوق. واعتقد أن جحا قد قدم الدرس هذا للجزائر، دون أن تستفيد منه خلال الثلاتين سنة الأخيرة، ولم تستفد منه إلى ١٩ حزيران (يونيو) سنة ١٩٦٥. أما درس (الجمل) فهو درس في المنهج، كان لنا أن نستفيد منه خصوصا منذ الإستقلال، يفيدنا في العمل كيف ينبغي أن تتحقق شروطه ليكون ممكنا. وكأن جحا يقول في الحقيقة القول نفسه، وإنما بطريقة المحتال الذي يقوم بعمل مستحيل علما بأنه لا يعمل شيئا. أما الجمل فيقوله بصراحة، ومن حسن النية، غير أنه يستعمل النكتة. فمؤدى كلامه أن من يضع عمله في ظروف تجعله فوق طاقته، يعلم أنه محكوم عليه بألا يعمل شيئا. وإن حاول على الرغم من ذلك القيام بشيء فلن يحسن صنعا.

стр. 89

حبذا لو كان الجمل أستاذنا خصوصا منذ الإستقلال. لأننا كنا في حاجة إلى دروس في منهجية العمل في سائر مستويات عملنا. فلنقدر المنهجية أولا، في مستوى الحديث المجرد، لأن كل عمل إجتماعي يقتضي تبادل أفكار بين عدد من الأشخاص. إن الحوار هو أبسط صورة لتبادل الأفكار، وهو بذلك الرحلة التمهيدية البسيطة لكل عمل مشترك. فقواعد الحديث إذن لا تخص حسن الآداب فقط، بل هي جزء رئيسي من تقنية العمل. ونحن نجد هذه الصلة، بصورة رمزية، في العهد القديم عندما يقص علينا كيف أصبح عمل القوم مستحيلا في تشييد برج بابل، عندما اختلفت ألسنتهم، ففي هذه القصة نرى كيف تعطل العمل حالما تعطل تبليغ الافكار بالكلام. فالقضية إذن لا تخص قواعد الحديث وحسن السلوك في الصالونات فحسب، بل تخص مباشرة تقنية العمل من زاوية الفعالية. فحيثما يبتعد الحديث عن التسلية المحضة، يجب أن يخضع لقواعد العمل، الذي ليس في بداية مرحلة تحضيره، سوى مشروع في محتوى بعض الكلمات وبعض الافكار. وفي هذا المستوى، يتداخل الجانب الأخلاقي والجانب المنطقي ليكونا معا العمل الفعال أو العمل التافه. ولو رفعنا القضية إلى مستوى الأمة لوجدنا أنفسنا نتساءل: هل كان لوطننا أن يسلك الطريق الذي سلكه إلى ١٩ حزيران (يونيو) ١٩٦٥، لو أصغى إلى صوت الجمل أو تذكر قصة جحا؟

стр. 90

وفي هذا المستوى، نتساءل أيضاً إذا رجعنا ثلاثين عاما إلى الوراء: هل كان يمكن لأجيال من جحا أن يستولوا على المنصة السياسية الجزائرية، ويلعبوا عليها أدوارهم المشؤومة لو تذوق الشعب الجزائري نكتة الجمل؟. حسبنا أن نقول لكم إن جداتنا أعطيننا دروسا عالية في السياسة بقصصهن البريئة، وهن يمسحن بأصابعهن الضعيفة رؤوسنا المتوسدة على ركبهن. ولكنني أرى اليوم وأنا على أبواب الشيخوخة أن هذه الدروس لم تفدنا كثيرا. ***

стр. 91

السياسة والبلوتيك إن العقلية الشعبية التي أوحت بالعرض السابق من مقالنا، لم تنصهر فحسب في الامثال والحكم والاستعارات، التي أشرنا إليها بوصفها أداة جدلية يستعملها الشعب للإقناع، بل قد انصهرت أيضاً في كلمات تنطلق انطلاق الرصاص ولها دويه في مواقف الغضب والاستنكار. فحين تبدو أشياء خلال الحديث تدعو إلى الاستنكار، فإن هذه الكلمات تحمل السخط والازدراء لبعض الاكاذيب التي يريد من يريد بثها في حياتنا العامة، كما يبث المزيفون زيف عملتهم في المعاملات النقدية. لقد انتبه الشعب منذ أمد بعيد إلى التزييف الذي بثه في حياتنا السياسية بعض الدجالين، أولئك الذين غالطوا الشعب حين بدأ يتخلص فيه من خرافات المرابطين المؤيدين من قبل الإستعمار، فعوضوا التمائم بأوراق الانتخابات، ووضعوا الزعيم ملتحيا أو أمرد مكان (الشيخ). إلا أنه لا بأس من أن نذكر مرة أخرى حكمة (إبراهام لنكولن): قد يخدع رجل كل يوم، ويخدع شعب بعض الأيام، إلا أنه لا يخدع شعب كل يوم. لم يمر في الجزائر زمن طويل حتى انتبه الشعب بعد بعض الاختلاسات الانتخابية، ذات النوع الجديد من التزييف، الذي أدخل تحت اسم السياسة، عددا لا يقدر من جراثيم ذلك التعفن، بعد أن أدت مفعولها المشؤوم في حقبات مضت، سيبقى لها إلى يومنا هذا بعض التأثير لأنها لم تصف بعد.

стр. 92

لكن الشعب الجزائري، على الرغم من المغالطة الماهرة التي خيبت أمله أكثر من مرة لم يفقد صحوته، فلم تمر عليه مدة طويلة حتى اكتشف الخدعة فميز بين السياسة والصورة التي زيفت عليها فسمى هذه الصورة المزيفة (البوليتيكا). إن هذه الكلمة طلقة رصاص تجاه المخادعة والنفاق، إنها مكنسة كنس بها الشعب المزابل التي تكومت في سوق (البوليتيكا). إنها كلمة انتقام وثأر! لأنها تثأر لمن تبقى لديه صفاء بصر على الرغم من الاختلاسات التي مرت. إنها تثأر للذين نادوا بالواجبات، ورفعوا أصواتهم فوق من ينادي بالحقوق فقط، كأنما الحق شيء يعطى مجانا. فالفرق بين السياسة و (البلوتيك) هو ذلك: أولا. فعندما يرتفع الصخب في السوق، وتكثر حركات اليد واللسان، وعندما لا يسمع الشعب غير الحديث عن (الحقوق) دون أن يذكر بواجباته، وعندما يشرع بالطرق السهلة الناعمة، فتلك هي (البلوتيك). لقد واجه ماركس في عهده صخبا كهذا في خصومة مع من سماهم (صانعي الكيميا المطالبة)، ومن هنا يتضح لنا أن الصراع بين السياسة و (البلوتيك) قديم جدا، وإذا أردنا أن نحددهما من الوجهة النفسية قلنا إن الأولى استبطان القيم بينما الثانية قذف مجرد للكلمات. والأولى محاولة تأمل في الصورة المثلى لخدمة الشعب، والثانية مجرد صرخات وحركات لمغالطة الشعب واستخدامه. ومن الناحية الفنية فـ (البلوتيك) ليست مفهوما محددا، ولو لم يضع الشعب الجزائري هذه الكلمة، ما وجدنا كلمة لنعبر بها عنها. ودراسة ملفها

стр. 93

ليست من اختصاص العلم، بل من اختصاص القضاء بوصفها جريمة اختلاس. وليس دونما سبب أن تكون صحيفة قد كشفت عن ارتياعها، وحاولت تغطيته بابتسامة، عندما اقترحت في إحدى مقالاتي أن يقدم المختلسون إلى المحاكمة أمام الشعب. فبكل تأكيد، إن اقتراحي قد صب الرعب على أولئك الذين لهم أسهم في سوق (البلوتيك). ومع ذلك فقد كنت، وأنا أكتب المقالة المذكورة، أتوقع هذا النثر الذي يظهر بغير توقيع، ويأتي عن طريق قنوات مخفية تحت الأرض. إن هؤلاء الذين يزعمون محبة الشعب، ولا يحبون مع ذلك الشخوص أمام عينيه في محكمته، وكتابهم في يمينهم، قد قالوا في الحقيقة- وهم لا يشعرون- ما تخفي صدورهم. ولكن فلنمر في طريقنا مر الكرام. فالبلوتيك إذن لا تحدد بصفتها شيئا له مدلول في عالم المفاهيم، ولكنها ذات تاريخ طويل في بلادنا، وفصلها الأخير له دلالة (١). على أن الظروف قد تغيرت، ومن بين المشكلات الحادة التي يعرضها على عقولنا هذا التغيير، أن نراجع أفكارنا في السياسة. وأول سؤال يعرض علينا هو: ماذا نعني بكلمة السياسة؟ لنأخذ الكلمة أولا في معناها المتداول والذي نجده في أي قاموس: هي العمل الذي تقوم به كل جماعة منظمة في صورة دولة. وإنه لتحديد كاف في كل وطن فيه معنى (الدولة) في منتهى الوضوح، إذ تكون وظيفتها محددة بدستور أو بتقاليد عريقة تضبطها، كما هو الأمر في إنجلترا.

стр. 94

أما في العالم الثالث حيث لا تزال النظم في ورشة الاختبار، وفي حالة التمرين فالمعنى الذي تتكفله تقاليد التاريخ، مفقود أو غير كاف، لأن التقاليد نفسها ما تزال في حيز التكوين. يجب علينا أن نثري مفهوم (السياسة) بما نستطيع من ملاحظات هي في صلب الحياة. ويبقى على أية حال أن السياسة هي العمل المنظم لـ (جماعة) بكل ما تقتضيه وتفترضه كلمتا تنظيم وجماعة. فالجماعة التي تدخل في مضمون السياسة، هي مجموعة الافراد الذين تجمع بينهم روابط تاريخية وجغرافية، تتلخص في وحدة مسوغات ووحدة مصير، وقد تكون الجماعة بهذا المفهوم (الأمة). فبالنسبة لهذا المصطلح فالقضية واضحة إلى حد ما. أما بالنسبة لـ (التنظيم) فالأمر يختلف. فنحن نعيش في وطن هو دون التكوين والتمرين في كل مجال، أي في الدور الذي يفرض عليه أولا التفكير في قضية (العمل المنظم) (١). ولا ينبغي أن نتصور (العمل) فحسب، بل أن نلم بالنظرة نفسها بسائر الشروط التي يفترضها العمل، حتى لا يبقى دون الهدف، ولا أن يتعدى حدود الهدف، أي- بعبارة مألوفة- حتى لا نتورط في طرفي تفريط أو إفراط. ففي الحالة الأولى تكون السياسة مشوبة بـ (اللافعالية)، وفي الأخرى تكون مشوهة بالإجحاف. والعمل السياسي إذن يقتضي مستوى الدولة شروطا ثلاثة على الأقل: أولا: تصور (العمل) أي تحديد السياسة بأكثر ما يمكن من الوضوح.

стр. 95

ثانيا: تصور وسائل تحصين هذا العمل من الإحباط، حتى لا يبقى حبرا على ورق في نص الدستور أو ميثاقا أو مجرد لائحة. ثالثا: تصور جهاز يحفظ المواطن من إجحاف العمل، إذا تعدى- عن جهل أو سوء نية- من يقوم بتنفيذه. ولنوضح الشرط الأول قد يكفينا أن نذكر (شو إن لاي) عندما صرح بهذه الكلمات ((إن سياستنا لا تخطئ لأنها علم)). إننا لنعلم أن العلم نفسه. قد يخطئ، ولكن تحديد السياسة بصفتها (علما) له قيمته النظرية والعملية، إذ يضمن لها على الأقل ألا تصير (بلوتيك). أما بالنسبة للشرط الثاني فإن على الدولة أن تدافع عن عملها، أي عن سياستها، إذ الرواسب التي خلفها الإستعمار، وخلفتها (البلوتيك) في الوطن قد تجعل من الصعب تنفيذ قانون، هذا إذا لم تعرضه للازدراء وهو ما يحدث أحيانا بكل أسف (١). ولقد نرى أحيانا القانون في يد من ينفذه، يتخذه أداة يقضي بها مصالحه، والويل إذن للمواطن الذي يكون تحت رحمته، تحت رحمة طاغية صغير يخضع باسم الدولة لهواه أو لإدارة خفية، المسكين الذي يرفض الخضوع لـ (البلوتيك). ينبغي إذن حماية المواطن من هذا الاختلاس وذلك التحطيم، اللذين من شأنهما أن يضعا المواطن ضد الدولة وضد النظام. فمن مصلحة الدولة العليا إذن أن تضع من أجل المواطن جهاز دفاع يحميه من عملها، حين يصبح هذا العمل إجحافا.

стр. 96

والجهاز هذا موجود بصورة دستورية في البلاد المتطورة، وعلينا في الجزائر أن نفكر جديا في الموضوع. هذه الشروط الثلاثة هي أقل ما تتطلبه السياسة لتتميز عن (البلوتيك). ولكن ليس هذا كل ما في الأمر، بل هنالك ما هو أبعد بكثير. ويكفينا كي نقوم بعملنا على ما يرام، أن نسير طبقا لمبادئ لا غنى عنها، ولو أتى نصها الحرفي على لسان غيرنا، أي على لسان من هو على غير سفينتنا. ولعل ما كنا قد اقترحناه في صدر هذا المقال من مراجعة أفكارنا السياسية قد يستفيد مما قاله لينين: ((إن كل الاحزاب الثورية التي أخفقت حتى الآن، قد أخفقت لأن الغرور قد استولى عليها، ولم تكن تقدر ما يكون قوتها، كما كانت تخشى الحديث عن جوانب الضعف فيها. أما نحن فإننا لن نخفق، لأننا لانخشى الحديث عن ضعفنا ونتعلم كيف نتغلب عليه)). ***

стр. 97

الفصل الرابع في قضية فلسطين . عشرون سنة من بعد . ثمن الوحدة العربية . لحظة ((الفلاش)) . لحظة التأمل . هيئة الأمم تدين شعب فلسطين . مفاتيح الحرب

стр. 98

عشرون سنة من بعد عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٠ أول أيار (مايو) ١٩٦٧. قد يُذكِّر هذا العنوان بعض الناس بالقضية الشهيرة التي كتبها (دوماس)، بينما ليست لي رغبة في أن أخصصه هنا لقطعة من الأدب، ولكن لذكر مأساة تحين ذكراها في هذا الشهر من كل عام. إن إسرئيل ستحتفل، خلال السنة المقبلة، بالذكرى العشرينية لتأسيسها، ومنذ تسعة عشر عاما كان العالم العربي، وهو مأخوذ بالصرخات الصبيانية التي يطلقها (القاوقجي)، وهو مغرور بدهاء (جلوب باشا)، مسحور ببيان (عزام باشا) يضع قدمه في الفخ. لقد كان الجيش الإنكليزي، قبل بضعة أيام، قد غادر يافا على رؤوس الأصابع، ولم ير أحد في ذلك مأخذا، وبالتالي لم ير موجبا للاحتجاج على هذا الجلاء المخالف للعرف الدولي، بل على العكس من ذلك فربما كان العربي مستعدا لأن يخلع على الجندي الإنجليزي المنسحب طوقا من الزهور. فعندما ينتهي احتلال عسكري، يقضي العرف الدولي أن المحتل لا يغادر المكان قبل تسليم السلطات إلى سلطة محلية، تأخذ مسؤولياتها الإدارية والسياسية، من أجل حماية السكان، طبقا لتقليد يؤيده القانون الدولي. أما إذا انسحب الجيش المحتل، بلا دَف ولا زَف، فهذا يعني أن في القضية لغزا، إذ يبقى السكان في الحقيقة تحت رحمة من له سلاح، ومن باب أولى تحت رحمة من سلحه الجيش المنسحب.

стр. 99

هذا ما وقع بالضبط في تلك الأيام الأولى من شهر نيسان (ابريل) سنة ١٩٤٨. إن الإستعمار ينسحب .. ولعلك تدرك ما لهذه الاغنية من تأتير سحري، على عقول بسيطة عودتها اللريمانوجية تبسيط المشكلات فوق اللزوم ... أليس - كذلك؟. فلم يكن في نظر القوم موجب للاحتجاج. بل على العكس فقد اطلق الناس للابتهاج العنان، غنى كل واحد أنشودة النصر، ببراءة تشتم منها رائحة افتقاد الوعي. لقد عاش الناس حمى الفرح، وانطلقت أصوات أولي الحل والعقد في ذلك العهد، تقول صاخبة أو خافتة: إننا سنقضي على الصهيونية قضاء مبرما!!. وفي تونس، قام أحد الافاقين وكان نبيها متمرنا على انتهاز الفرص، فطبع خريطة فلسطين ونشرها- بمئة فرنك للواحدة- لنتتبع عليها العمليات الوهمية، المشار إليها بالسهام الحمراء أو الخضراء (إنني لا أتذكر لونها) والتي سيقوم بها الطيران العربي. وبهذا ستسحق الصهيونية سحقا!! ولكن كان الأمير عبد الله وأخاه عبد الإله ببغداد، يشمران عن ساعديهما ليضيفا إلى الامبراطورية الهاشمية جزءا من فلسطين. لقد كانت الخيانة منتشرة في الجو. إذ كان فاروق هو الآخر، يبرم شاربيه ويعلن ترشيحه للخلافة، بعد أن قررت فتوى أصدرها بعض العلماء أنه من ذرية النبي ﷺ . وفي هذا الهذيان العام الذي ساد العالم العربي، لم يبق غير عبد العزيز بن

стр. 100

سعود صاحيا فقد احتفظ على الأقل بمظهر كرامته، إذ أدرك هذا البدوي العبقري منذ اللحظة الأولى أن اللعبة قد لعبت، ولم يبق غير توقيعه من بين الدول العربية على اتفاقية الهدنة. على كل حال، فالأمر الذي ينبغي تسجيله للتاريخ، في تلك الأسابيع المشؤومة، أن القيادة العربية، لم تتخذ إجراء يعطل الإطراد السياسي العسكري الذي نتج عن انسحاب الجيش البريطاني. ينبغي أن نلاحظ بأن تقدير الموقف العسكري قد فاتهم مند اللحظة الأولى، حتى من جانب الكم، أعني التقدير البسيط لعدد طلقات الرصاص والبنادق وأزرار الأحذية، بينما كان ذلك يدلهم على خطورة الموقف حتى لو عدوا على الأصابع. لقد كانوا مقتنعين بتفوقهم العددي، مثلا، بينما لو عدوا فقط أصابعهم لأدركوا أن هذا التفوق كان- وهميا في الحقيقة: فعدد من كانوا تحت لواء منظمة (الشتيرن والهاجانا) فقط قد فاق عددهم، هذا إذا لم نقدر كفاءة قيادتهم وتفوق تسليحهم ومستواهم المعنوي، المستوى الذي بدونه لا يستطيع الجندي شيئا ببندقيته، وإذا لم نتحدث من ناحية أخرى، عن العلاقات الخاصة لـ (وايزمن) في العالم المتواطئ، سواء بموسكو أو باريس أو واشنطن. فمن الناحية العسكرية كان الموقف ملغوما قطعا منذ اللحظة الأولى، ولم يكن للعرب من دفع لهذا الموقف إلا بفتح الأبواب لمتطوعين، الذين كانوا يأتون فعلا من أعماق مراكش والجزائر، ليصبوا في المعركة لهيب إيمانهم، وليستشهدوا من أجل تلك البقاع التي جعلها التاريخ من البقاع المقدسة للمسلمين كافة.

стр. 101

لكن على العكس من ذلك فإن الأبواب انغلقت في وجه أولئك المجاهدين، وأحيانا بطريقة مخزية. أما من الناحية السياسية، فقد كانت القيادة العربية تستطيع بعض الشيء. كانت تستطيع مثلا أن تعلن في وجه العالم جمهورية فلسطين، إعلانا يوقف الأشياء عند حدها في موسكو وباريس وواشنطن، أو يكشف عن السرائر ويمزق القناع عن النفاق الذي استطاعت به الدول الكبرى أن تعترف، من دون أن تريق ماء وجهها بإسرائيل باسم ديمقراطية مزعومة. فلو أعلن العرب الجمهورية الفلسطينية لقطعوا السبيل على ذلك النفاق، ولكن ياللويل! كان عبد الله يريد امبراطورية وفاروق يريد خلافة!! ولا نريد الحديث هنا عن ذلك الجانب المضحك المبكي- إذ شر البلية ما يضحك- عندما تصبح الرصاصات العربية تقتل من يطلقها، وطلقات المدافع تعجز المدافع لأنها ليست على القياس. كل هذا كان مبيتا، مرتبا، منظما كفصول مسرحية: فالصهيونية لم تكن تريد فحسب كسب جولة، بل كانت تستهدف على الخصوص تحقير الجانب العربي، ويجب أن نعترف بأن هذا الجانب قد تطوع في هذا السبيل، فمثل في المسرحية (جالوتا) مزيفا قائما على قدمين من طين، أمام (داود) مزيف أيضا لأنه كان مدرعا بالسلاح. إن إسرائيل ولدت هكذا، منذ ما يقارب العشرين عاما. ولكن ما الجديد في الموضوع منذ ذلك العهد؟. إن (الثورة الإفريقية) نشرت منذ أيام مقالا لـ (بن بركة)، يصب سؤالنا في حاجز أحر من الجمر، ويضعنا أمام ظاهرة تجعلنا نرى إسرائيل في حد ذاتها، من حيث تطورها، ومطامحها، ودورها في العالم.

стр. 102

إن هذا العرض يهمنا قطعا في حد ذاته، ولكنه يهمنا أكثر بوصفه مقياسا نقدر به التطور الإجتماعي والأخلاقي والسياسي في العالم الإسلامي. يجب علينا أن نضع جنبا إلى جنب واقعتين: مولد إسرائيل، وهجرة السكان العرب المطرودين من بيوتهم. ونقدر بالموازنة أثرهما في المجتمعين أو الأمتين، دون أن ننسى أن الحدث كان قد اتخذ في العالم العربي حجم الكارثة. ولكن المقدرين لنتائجه، عدوا وقعه على الضمير الإسلامي سيكون له أثر حسن. ومن بين هذه التكهنات نذكر، على سبيل المثال، ما كتبته (الجمهورية الجزائرية) في عدد ٩ كانون الأول (ديسمبر) سنة ١٩٤٩، تعليقا على مقالة للدكتور (ناظم القدسي) فقالت ((إن الهزيمة التي حلت بالخليط من الدول العربية، يبدو أنها أيقظت شعوب الشرق المتوسط من النوم الذي غمستهم فيه قياداتهم. هذا التعليق يحمل كما لا يخفى، نبرة تفاؤلية واضحة، لم تكن خاصة في ذلك العهد، بالصحيفة التي نذكرها. واليوم، بعد عشرين سنة، وفي ضوء ما نراه (١) نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف بأن هذا التفاؤل لم يتحقق. ومن هنا يطرح السؤال: هل كان ذلك نتيجة خطأ خاص بذلك العهد في تطور الموقف، أم حدث بسبب عامل فعل فعله السلبي أثناء الإطراد منذ ذلك العهد حتى كانت نتيجته تكذيبا للتقديرات؟!. إننا نرد الاحتمال الأول، لأن الدكتور ناظم القدسي لم ينفرد بين الزعاء العرب برأيه المعبر عن استرجاع الوعي الإسلامي، بعد الكارثة.

стр. 103

وأكثر من الآراء.، كانت الوقائع نفسها تأذن بالتفاؤل: إن سلسلة من ردود الأفعال الثورية تتابعت حلقاتها مباشرة بعدها. فالأولى من الثورات وقعت في اليمن في العام نفسه بقيادة عبد الله الوزير، ثم الثورة التي قضت على الملكية في مصر شهر تموز (يوليو) سنة ١٩٥٢، فكانت بذلك تعبر أكثر من غيرها، عن الوضعية الجديدة التي أصبحت تسود العقول والنفوس في العالم العربي، بعد الإساة الفلسطينية. ثم أتت العاصفة التي مسحت العرش الهاشمي وكنست حطامه من بغداد، وبالتالي انتابت الين الزوبعة الثورية الثانية، فأصبح النظام الجمهوري كما يبدو مستقرا بصورة نهائية، على الرغم مما هنالك من تشكك تبديه الصحافة في الغرب مثل (لوموند) حيث ترى الوضع يتطور نحو استفتاء الشعب اليمني. ولم يكن إذن من اتخذ، منذ عشرين سنة، موقفا تفاؤليا قد تعدى حدود العقول في القضية. ولكن إذا نظرنا إلى الأشياء، من الناحية الإجتماعية، وأخذنا مقياسا للموازنة، التطور الذي حصل في إسرائيل في الفترة نفسها، كما يصفه (بن بركة)، فسنجد أنفسنا مضطرين للاعتراف، بأننا إذا قررنا أن الرأي العربي المتنور لم يتعد منذ عشرين سنة القول، وأنه لم يصرف سندا بدون رصيد، فإنه يجب علينا أن نعترف أن ذلك الرصيد قد تبخر. وليست هذه الحالة الوحيدة، التي نشاهد فيها تعقيم حدث كبير ليفقد الإطراد التاريخي طاقته التغييرية. إن مؤتمر باندونج كان أيضا حدثا عظيما، توقع منه الناس آثارا كبيرة في العالم لكنه عقم في الطريق، فلم يلد شيئا. ***

стр. 104

ثمن الوحدة العربية عن (الثورة الإفريقية) عدد ٣٢٦ في ١٢ حزيران (يونيو) ١٩٦٧. لقد بدأ العالم العربي برد الفعل على الاحداث الكبيرة التي سببها العدوان الصهيوني في الشرق الأوسط. إن القلم ليقف في لحظة صمت، لأرواح الأبطال الشهداء، الذين سقطوا في الميدان من أجل الوطن العربي الذي استرجع وحدته المعنوية في الظروف العصيبة التي يواجهها. إن المستويات الكبيرة التي أبرزتها الأيام الخطيرة الأخيرة، قذفت بالإنسان من حياة يومية سطحية إلى ملحمة كبر بها حجمه فوضعته في مستوى الأحداث. هذا التغيير النفسي له، بطبيعة الحال، أثره في الحياة السياسية: فالمشكلات التي طالما تحدت رشدنا وصدمت ذوقنا بفرقة العرب، هذه المشكلات التي استعصى حلها حتى الآن، تجد الآن حلولا عاجلة يبدو أنها ستبنقى في أيدينا. إن الخطب السياسية، ومواعظ الجامعة العربية لم تحقق، طيلة عشرين عاما، وحدة العرب، وإنها اليوم لتتحقق في لحظة أمام الشدة، في الجانب المعنوي على الأقل. لقد سكتت المشاغبات، وعدنا لا نستمع في الموجات العربية إلا البلاغات يملؤها الإخاء.

стр. 105

وسرعة التغيير هذه ظاهرة تلفت في حد ذاتها نظر المؤرخ، كما لفتت نظر المؤرخين الأوربيين، سرعة انتشار الإسلام واتساع رقعته التي أصبحت في أقل من قرن، تمتد من قلب فرنسا بفضل موسى بن نصير وطارق بن زياد، إلى قلب الهند مع محمد بن القاسم الثقفي، إلى حدود الصين مع قتيبة. ونستطيع قياس عجب هؤلاء المؤرخين، إذا قدرنا في نظرهم المدة التي اقتضاها تأسيس أو امتداد الإمبراطورية الرومانية في إفريقيا الشمالية، بعد قرنين طويلين من (الحروب الفينيقية). ويبدو أن الفرد في العالم العربي، يستطيع الانسجام مع الظروف الاستثنائية أكثر منه مع الظروف العادية. إنه، إذا حركته فكرة أو قضية كبرى يفعل المعجزات، كما دلت الثورة الجزائرية على الظاهرة نفسها التي تتكرر مع اختلاف في الموقع الجغرافي فقط. وهذا هو بالضبط موضوع تأملنا: إن شعبا من الشعوب لا يكتب تاريخه فقط (بالرعد والصواعق) كما يقول (نيتشه)، فإذا كان لابد من طوفان وقيام كوارث من كل نوع، لتستيقظ الضمائر وتنشط الجوارح، فإن ثمن الصفحة من التاريخ سيكون باهظا جدا. فمن الطبيعي، أنه لابد للشعب إذا ما دقت ساعة الخطر أن يكون في مستواها. ولكن الحياة نسيج أحداث كبيرة وصغيرة. والنبي ﷺ الذي كانت له نظرة ثاقبة في الأشياء، بوصفه أستاذ ينشئ أمة، كان يعلمها تقدير الأشياء البسيطة التي يستصغرها النظر القصير، كأنما يريد بذلك ألا يترك الضمير الإسلامي يحلق فوق الأشياء العادية يزهد بها. نراه مثلا، في عودة له من إحدى غزواته الكبرى، ربما غزوة تبوك، يقول

стр. 106

لأصحابه رضوان الله عليهم: ((عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)). فإذا صح الحديث فهل يعبر حقيقة عن قلب للمقاييس؟. إننا نرى اليوم مجتمعات جديدة تتكون وتنمو أمام أعيننا، ونلمس على الطبيعة إطراد نموها تحت تأثير أحداث لا نتوء كبير لها. والأحداث كلها- صغيرها وكبيرها- تثري المجتمعات فتستنتج منها دروسا. والأحداث التي يعيشها العالم العربي منذ أيام قد أثرته فعلا بطريقة تجعله أكثر انسجاما مع شروط مصيره ووحدته. وكأننا نرى الثورة الكبرى- التي لم يسبقها مثيل في البلاد العربية- تجتاح هذه البلاد وتغير معالمها النفسية تحت أعيننا، حتى إن (الوحدة) التي دعا إليها كثير من الدعاة، خلال السنين العديدة دون جدوى، تتحقق في ومضة عين في هذه الأيام العصيبة لتصبح أثمن ما كسبته الثورة. إن العرب الذين كانوا يحلمون بها، والذين يسقطون الآن في الميدان ليشتد عودها بدمائهم السخية، أولئك يعرفون ثمنها. وعليهم الآن أن يعرفوا بأي ثمن سيحافظون عليها، لأننا- حتى إذا لم نستطع منذ الآن إصدار الحكم النهائي على ثورة لا زالت في حيز الاتجاه- نستطيع منذ الآن، الحكم على مكاسبها. وهي لن تصبح مكاسب نهائية إلا إذا أصبحت المسوّغات التي سجلتها في نفسية البلدان العربية وفي سياستها، هذه الأيام، القواعد التي تجري عليها حياتهم كل يوم. إنها لمشكلة الغد، لأن ما لدينا من تجربة ثورية في العالم، وفي البلاد العربية بوجه خاص، يجعلنا نقول: إن لكل ثورة ما بعدها، فإما أن يكون مواصلة للثورة وإما أن يكون في اتجاه معاكس يتنكر لها ويمسخها.

стр. 107

وما نجزم به، أن للاستعمار، منذ الآن، خطة مفصلة لمسخ هذه الثورة. ليس فحسب في الفترة التي ستتبع العدوان مباشرة، ولكن حتى في الوضع العسكري الراهن. ولا شك بأنه سيسعى بكل ما لديه من وسائل مادية، لتوريط العرب في مأزق عسكري أولا، ليس فحسب من أجل الحفاظ على كيان إسرائيل؛ ولكن، قبل كل شيء، من أجل تحطيم الوحدة المعنوية العربية التي تحققت هذه الأيام. ولسوف يصنع المستحيل من أجل إرجاع العرب إلى نقطة البداية النفسية التي انطلقوا منها في المعركة، حتى يغمسهم من جديد في التفرقة السياسية والفوضى الروحية، بينما نرى أن نكسة معنوية ستكون أشد عليهم من أية نكسة عسكرية (١). إن ساعة الصفر التي يكون فيها كل أمر مهيأ للبعث والتجدد، لا تدق كل يوم. لقد دقت للشعوب العربية، في الدقيقة ذاتها التي ألقت فيها أول طائرة إسرائيلية أول قنبلة للعدوان، وكأن الأقدار تهيئ لهم الفرصة مرة أخرى، لتصفية رواسب عهد الإستعمار. لقد بارك الله هذه القطعة من التراب التي نسميها فلسطين، وجعلها مهدا نزلت فيه الأديان، قبل الإسلام، وعلى العرب اقتداء بأسلافهم أولا، ولأن أبطالهم يستشهدون اليوم على أرضها، أن يباركوها بما يسترجع وحدتهم. ...

стр. 108

لحظة (الفلاش) عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٧ في ١٩ حزيران (يونيو) ١٩٦٧. كما هو متوقع، فالعدوان ضد البلاد العربية انطلق في اليوم والساعة اللذين حددهما الإستعمار في مخططه. بتواضع تعودناه منه- وهو تواضع لا حاجة لنا إلى شرح دوافعه الخبيثة مرة أخرى- نراه لا يضع توقيعه على ما يصنع إلا إذا اضطرته إلى ذلك ظروف قاسية كما يحدث في فيتنام. عدا ذلك فهو يتصرف بطريقة أخرى: إنه يهيئ كل ما يقلب الوضع رأسا على عقب، يضع القنبلة ثم ينسحب بكل تواضع، تاركا لسواه مهمة تفجيرها أمام العدسات الكبيرة وأجهزة الإعلام والإذاعة. هكذا حدث في إيران، أيام مصدق. وفي الكونجو، أيام لومومبا. وكما يحدث في نيجيريا الآن. فالإستعمار يوظف إذن من يضع توقيعه على أعماله، وموظفه في الشرق الأوسط هو إسرائيل الذي يوقع على كل عدوان في مكانه. فحينما لا يريد الإستعمار أن يظهر أمام العالم، يشرع في تكليف سواه وضع اسمه مكانه، وهذه الطريقة أخذت تزداد أهميتها بقدر ما تزداد حساسية الناس نحو السلم في هذا العصر.

стр. 109

وإنها الطريقة نفسها التي أوحت إلى (جونسون)، من دون شك، أن يصرح قبيل الخامس من حزيران (يونيو)، بأن أمريكا محايدة من حيث النية ومحايدة مين حيث القول ومحايدة من حيث العمل. وبعبارة أخرى؛ إنها ليست هي التي ستفجر القنبلة التي صنعتها، وأعدتها لليوم الموعود ضد العرب، ولكن على الرغم من شدة هذا التحفظ لم ير أحد (جونسون) يطوي في جيبه شراع الاسطول السادس في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهكذا رأينا، بل أرونا في لحظة (الفلاش) إسرائيل أمام العدسات الكبيرة وأجهزة الإذاعة والإعلام. إن القلم يتوقف ... ! ولقد توقف في المرة السابقة، في لحظة تفرضها ذكرى الأبطال الذين سقطوا تحت قنابل الغرب وقد كتب على جوانبها إسرائيل. أما اليوم فإنه يتوقف في لحظة غثيان ... ! فكل ما يحدث من تصفية هو خسارة على حساب الإستعمار. فقد لاحظنا في الأضواء التي أطلقتها أجهزة الإعلام لحظة (الفلاش)، تلك التقدمية المتبجحة التي خدعت باسم النزعة الإنسانية، كثيرا من الناس في بلادنا، أثناء الثورة، وهي تنضم لجانب إسرائيل (١). وإن هذا لكسب لنا في الحقيقة، إذا خلصنا عقولنا في سحر الأسطورة التي يسمونها (التقدمية)، وخسارة للجانب الآخر حين تنكشف إحدى وسائله في تخدير عقولنا، وهو منذ اليوم لن يستطيع استخدامها في ظروف أخرى،

стр. 110

خصوصا في تلك العاصمة العربية التي مجدت أكثر ممثلي هذه التقدمية تبجحا، فنقشت اسمه على جدران جامعتها، ولقبته (ضمير القرن). على أية حال فها نحن أولاء أمام الأمر الواقع: إن (موشي دايان) الذي كان يؤرخ بلاغاته من تل أبيب، أصبح يؤرخها من القدس. وليس لي أن ألخص الموقف العسكري، فإن رئيس مجلس الثورة قد لخصه للشعب الجزائري فقال مما قال: إن الغلبة تحققت إلى حين، للامبرياليين حلفاء الصهاينة، ولكن هذا لا يعني أننا خسرنا الحرب في معركة .. إننا لم نخسر الحرب. إن آثار العدوان الصهيوني لا تقف عند حد ما نتصوره اليوم، فكما توقعت في مقالتي الأخيرة فقد أعطينا العدو فرصة ليجرنا إلى مأزق. وإذا نحن تركنا جانبا الاعتبار العسكري الصرف، نرى أمرين يلفتان الانتباه في الحالة الراهنة، أحدهما يخص بدايتها والثاني يتعلق بنهايتها. لقد شعر كل جزائري بألم، يوم أعلن نبأ الهزيمة، وعرفت أسبابها الفنية، ونعلم الآن أن هذه الأسباب كانت معروفة منذ اللحظة الأولى، إذ قضي الأمر منذ تحطمت الطائرات العربية في مكانها. ولا أقول هنا سائر ما يجول في عقولنا حول تلك المفاجأة، إذ تكشفت أسباب جعلت النصر الإسرائيلي من الأمر اليسير. ففي وضع كان ينذر بعدوان إسرائيلي قريب كان ثمة إهمال في الرقابة والرصد المبكر لمبادرة العدو، ثم كانت لامبالاة في الإعلام ... الخ. وإني لأساءل: لماذا لم تعلن القيادة العربية عن تلك الأسباب منذ اللحظة الأولى، أي منذ تحطمت الطائرات حتى يتفادى قدر الإمكان الصدمة النفسية في الوطن، عندما يفاجأ بالطامة الكبرى في النهاية.
следующие страницы →